أفكار بلا قيود
  

     
   
 

حوار فى برية شيهيت

الحوار الثاني : حول التعليم الأبائي عن الثالوث .

في  حواري السابق مع الأب كيرلس في برية شيهيت ،  طرحت أمامه أفكاري واستفساراتي العديدة لحاجتي الملحة إلى  المعرفة والتعلم ، وقد تعلمت في حواري السابق معاني الكلمات التي تدور حولها تساؤلاتي   .
وقد حان وقت جلستي الثانية مع الأب الموقر لأستزيد وأستنير .
وقمت وتوجهت الى مكانه المفضل على رمال الصحراء .
وقد كان حوارنا هذه المرة حول الثالوث القدوس

28 مايو 2007
سامح : سلام يا أبى المبارك من  فم المسيح اسمح لي بان نستكمل الحوار .
ولا أعرف من أين تريد أن تبدا لأفهم وأستنير أكثر من تعاليم الكنيسة

الأب كيرلس :
أصلى أن يكون فكرك تفهم ما ذكرناه  حورانا السابق ،،  ولنبدأ اليوم فى موضوع هام جدا في العقيدة المسيحية ألا وهو عقيدة الثالوث .
ذكرت لك في المرة السابقة أننا
حينما نتكلم عن الله فإننا نقوم بوصفه كما علمنا هو وليس كما نتخيل نحن والله في جوهره روح ليس له جسد وخالق كل المخلوقات في السماء وعلى الأرض وليس له بداية ولا نهاية  .
وقد علمنا الإباء القديسين إن كل شئ عمله الأب بالابن في الروح القدس وهذا واضح في الإنجيل . وقد أوضحه القديس إيرينيئوس ومن بعد العديد من الإباء ومن أهمهم القديس اثناسيوس الرسول .
التثليث هو الأقانيم الثلاثة لله : الأب والابن والروح القدوس وهم كما تعرف ليسوا صفات لله بل إن كل اقنوم كائن بذاته
 ألهنا اله حقيقي واحد ولكنه مثلث الاقانيم .. ولا نقدر أن نقول انه الله واحد فقط وألا نكون انكرنا الثالوث ولا نقدر أيضا إن نقول انه ثالوث بدون ان نؤكد انه الله واحد ..

سامح : نعم أتذكر ذلك ولكن أرغب في تعلم المزيد .
الأب كيرلس : معرفتنا بالله الواحد الحقيقي خالق العالم تبدأ منذ بدء الخليقة والعهد القديم وكذلك ايضا معرفتنا بالثالوث .
فتجد في الإصحاح الأول من التكوين كيف خلق الله العالم ،، , وبوضوح تجد الثالوث يتكلم " نصنع الانسان على صورتنا ومثالنا " تك1 : 26 ..
ولنتعرف سويا على تعليم أباء الكنيسة حول الثالوث وهو موضوع يطول شرحه جدا لكثرة الكتابات التى تدور حوله ..
 بداية نتعرف على تعليم القديس إيرينيوس عن الثالوث ..

سامح : سامحني أبى أرجو أن تعرفني من هو القديس إيرينيوس ؟؟
الأب كيرلس :  القديس إيرينيوس هو أشهر آباء القرن الثاني في دفاعه عن العقائد المسيحية ضد بدعة الغنوسية أي  في الفترة من سنة 100 ميلادية إلى سنة 200 ميلادية ..
وقد ولد القديس إيرينيوس ما بين 135 - 145 م وقد عرف القديس بوليكاربوس الذى كان تلميذا ليوحنا الرسول ،، وهو ما آهل  القديس إيرينيوس لكي يكون شاهدا أمينا للتقليد الرسولى الذى استلمه من القديس بوليكاربوس الذى  عاشر يوحنا الرسول ..
ولقد جمع القديس إيرينيوس بين معرفة واسعة وأصيلة لمصادر الأيمان والتقليد كانت له سندا كبيرا فى مقاومته للبدعة الغنوسية والهراطقة .
وقد صار القديس إيرينيوس أسقف ليون - فرنسا - لاحقا  ..
القديس إيرينيوس له كتاب مشهور وضخم عرف باسم " ضد الهرطقات " وهو خمس كتب ،، والكتاب الثانى هو " شرح الكرازة الرسولية "
 

سامح : هل تعرفني على تعليم القديس إيرينيوس حول الثالوث ؟؟
الأب كيرلس : يقول القديس إيرينيوس فى كتابه " شرح الكرازة الرسولية :

" فى الحقيقة إن كل المخلوقات تستمد بالضرورة بداية وجودها من علة أولى عظيمة . وعلة كل الأشياء هو الله . الكل يأتي منه ، أما هو فلم يوجده أحد .
لذا فإنه من الاستقامة والحق أن نؤمن بأنه يوجد الله واحد ، الآب الذي خلق الكل ، وصنع كل ما لم يكن موجودآ من قبل ، وهو يحوى الكل ، هذا الذي هو نفسه غير المحوى من أى شئ . كما أن العالم يدخل فى نطاق ذلك الكل الذى يحويه الله ومن بين هذا العالم الأنسان أيضا ، وبالتالى فإن الله خلق هذا العالم كله .
" ويتضح تعليم ايماننا فى الآتى : واحد فقط هو الله ، الآب غير مولود ، غير منظور خالق الجميع ، فوقه لا يوجد إله آخر .
ولأن الله هو ناطق فقد خلق كل الأشياء بكلمته. ولأن الله روح ولذلك فقد زين كل الأشياء بروحه ، كما يقول النبى : بكلمة الرب صنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها " مز 33 : 6
وبينما الكلمة يؤسس أي يعطى الكائن جوهره ويمنحه الوجود ، فأن الروح يمنح الشكل والجمال لهذه القوات المختلفة ، لذا فأنه من الصواب أن يدعى الابن كلمة الله ، بينما يدعى الروح حكمة الله .
لذلك بالصواب أيضا يقول بولس : " اله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم " أف 4 : 6 .
فالآب هو فوق الجميع
والكلمة بالكل ، طالما أن كل الأشياء بواسطته خلقت من الله .
الروح هو فينا جميعا في كلنا وهو يصرخ " يا أبا الآب "
كما أنه يمنح الإنسان أن يكون على صورة الله .
والروح أيضا يظهر الكلمة ، بذلك تنبأ الأنبياء عن ابن الله .
والكلمة أيضا متحد بالروح . لذلك فهو يفسر كتب الأنبياء ويدخل الإنسان إلى الآب .

سامح :  أرجو أبى أن توضح لي تلك المعاني العميقة ؟؟
الأب كيرلس : يتكلم القديس إيرينيوس عن الله كما تسلم من الإباء القديسين الرسل المكرمين ،، أنه يوجد الله واحد ، هذا الإله الواحد هو سبب وعلة وجود كل شئ ( خلق الكل ) الله - الآب - اصل كل الوجود ،، ويؤكد لنا صفات الله كما نصلى بها فى القداس الغريغورى : لم يوجده أحد ، غير المحوى , غير المنظور , خالق  الكل ..
كل الأشياء خلقت بالكلمة - اللوغوس - الأبن
والروح القدس يمنح الشكل والجمال لهذه القوات المختلفة .
فالأب بالابن في الروح القدس يعمل كل الأشياء ، وهكذا ترى عمل الثالوث ويحفظ وحدته ،، ويكرز بإله واحد في الكنيسة
فهم واحد فى ثالوث وثالوث في واحد .
وهذه الآية : " اله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم " أف 4 : 6 .
على الكل : كأب و كبدء وكينبوع
وبالكل     : أي بالكلمة
وفى الكل : أي في الروح القدس
هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام بل بالحق والوجود الفعلي .

سامح : هل هذه صفات لله ؟؟
الأب كيرلس : لا هذه ليست صفات لله ،، بل هو ثالوث حقيقي وتسمى اقانيم وهى متمايزة .

سامح :  هل توضح لي أكثر ؟؟
الأب كيرلس : لنستمع إلى كلمات القديس إيرينيوس الذي وضع ثلاث بنود في هذا الشأن :
البند الأول : إن البند الأول من قانون إيماننا  ، وقاعدة البناء , أساس الخلاص هى أن : " الله الأب غير المولود ، غير المحوى ، غير المرئي إله واحد خالق الجميع " .
البند الثاني : هو أن كلمة الله " ابن الله " يسوع المسيح ربنا ، الذي تنبأ عنه الأنبياء ، الذي كل شئ به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانا بين البشر وتراءي للكل لكي يبطل الموت ولكي يجمع كل شئ ويظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان " .
البند الثالث : "هو أن الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلم الآباء بأمور الله ، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر ، كما أنه أنسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجددا الإنسان لله "

لأجل هذا فأن المعمودية التي هي ميلادنا الثاني تجرى على أسم الثالوث ، وهى التي تضمن لنا الميلاد الثاني من الله الآب بابنه في الروح القدس .
لأن الذين يعتمدون ينالون روح الله الذي يقودهم نحو الكلمة ، أي نحو الأبن ، بينما الابن يأتي بهم إلى الآب الذي يمنحهم عدم الفساد .
اذن فبدون الروح لا يمكن أن يرى هؤلاء كلمة الله وبدون الابن لا يمكن لأحد أن يصل الى الآب ، لأننا ننقاد إلى الآب من خلال معرفة الابن ، بينما معرفة ابن الله الكلمة تصير بواسطة الروح القدوس . كما أن الابن يمنح الروح بحسب ما يريد الآب

سامح : إذن معموديتنا على اسم الثالوث القدوس ؟؟
الأب كيرلس : نعم معموديتنا تجرى على أسم الثالوث القدوس : الآب والابن والروح القدوس .
وأي معمودية باسم الآب وحده أو باسم الآب والابن بدون الروح القدس تظل غير فعالة وغير مكتملة .
لأنه في هذه الحالة ينكر عمل الثالوث المقدس فى المعمودية .
وكنا أوضحت لك وقد علمنا الإباء القديسين إن كل شئ عمله الأب بالابن في الروح القدس .

سامح : نحن اذن نؤمن بالله واحد مثلث الاقانيم ؟؟
الأب كيرلس : نعم هذا هو مركز إيماننا المسيحي ،، الإله الواحد المثلث الأقانيم ،، واحد في ثالوث وثالوث في واحد
ولاحظ أن القديس إيرينيوس لا يبحث في العلاقات بين الأقانيم الثلاثة أحدهما بالأخر، إلا انه يوضح أن وجود الآب والابن والروح القدس ثابت بوضوح في تاريخ الجنس البشرى ، وحينما يتكلم عن علاقة الأبن بالأب وكيفية ولادة الابن من الأب :
" أن هذه الولادة لا يمكن التعبير عنها بالكلام وتفوق الإدراك ، لذلك فإن أولئك الذين يحاولون أن يضعوا ويرتبوا ولادات وتولدات لا يمكن أن يكونوا عقلاء لأنهم يحاولون  أن يصفوا أمورا من المستحيل وصفها "

سامح :  سامحنى في هذا السؤال يا أبى ولكن هل يسوع المسيح كان موجودا منذ الأزل ؟؟
الأب كيرلس : اقنوم الابن أزلي ، ولكنه في ملئ الزمن اخذ جسدا من سيدتنا وملكتنا كلنا السيدة العذراء كما نقول فى قانون الأيمان النيقوى - تجسد وتأنس  ،، وبمعنى أوضح أن الناسوت ليس أزليا بل أخذه من السيدة العذراء .
وقد ذكر القديس إيرينيوس " الكلمة نفسه كرز بواسطة اشعياء ، بأنه سوف يظهر بيننا ، وأنه هو نفسه ابن الله ، سيصير ابن الإنسان ، وأنه سوف يوجد بيننا نحن الذين لم نكن نعرفه بعد بقوله : " صرت ظاهرا لمن لم يسألوا عنى ، وجدت من الذين لم يطلبوننى . قلت هاأنذا لأمة لم تسم بأسمى " إش 17 : 7 - 8

سامح :  اذن كل من الآب والابن رب واله ؟؟
الأب كيرلس : نعم الآب رب والابن رب ، الآب اله والابن هو اله ، لأن الذي يولد من إله هو إله .
فهو بحسب كيانه وقوته وجوهره هو اله واحد .
ولكن حسب تدبير خلاصنا يوجد آب واحد وابن واحد .
وحيث آن أبا الجميع هو غير منظور وغير مدرك من المخلوقات ، فمن الضروري على من يريدون أن يقتربوا إلى الله أن ينالوا نعمة القدوم إلى الآب بالابن .
وسوف نتكلم لاحقا عن ألوهية الابن والروح القدس بتفصيل أكثر بعد أن نستكمل موضوع الثالوث .
 

سامح المصرى
28 مايو 2005

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt