خدمات مسكونية

     
   
 

 

خدمات مسكونية
هذا القطاع قد يحتوى على عقائد وتعاليم وأفكار مختلفة عن الكنيسة القبطية

تاريخ الكنيسة المسيحية
المصادر
تاريخ الكنيسة المسيحية ، سيميرنوف، تعريب المطران الكسندروس جحا
تاريخ كنيسة أنطاكية، خريستوبابادوبوليس، تعريب المطران استفانوس حداد

الدور الأول ( 34- 313 م )

كان العالم القديم في حوض البحر الأبيض المتوسط في الفترة التي سبقت مباشرة تجسّد الرب يسوع يقع بمعظمه في اتحاد سياسي هو الإمبراطورية الرومانية، وكان اليهود في فلسطين في ظلّ الحكم الروماني يتمتعون بشيء من الإستقلالية والحكم الذاتي، وكان ملكهم هيرودس يملك ولا يحكم ويخضع للامبراطور الروماني .


وكان اليهود يكرهونه بسبب إدخاله بعض العادات اليهودية إلى مجتمعهم. كان اليهود يترقبون المخلص " مسيا " الذي رأوا فيه المحرر لدولة إسرائيل ومخلّصهم من سلطة الاحتلال الروماني .
 وكان اليهود منقسمون إلى شيَع متعددة:

- الفريسيون : كانوا من المتمسكين بحرفية الشريعة وحفظة للكتب المقدسة ، سرعان ما صاروا متمسكين بقشور الشريعة ومتكبرين ومحتقرين لسواهم .
- الصدوقيون : من كبار الموظفين والأغنياء، تأثروا بالفلسفة اليونانية وأنكروا قيامة الموتى وخلود النفوس .
- السامريون : هم نتيجة الاختلاط بين بقايا اليهود بعد سقوط مملكة اسرائيل ومجيء الآشوريين بوثنيين وإسكانهم مكانهم، فتمازجوا . قبلوا كتب موسى الخمسة فقط وكان لهم هيكلهم على جبل جزريم.اعتبرهم اليهود هراطقة ومنعوا أيّ تعامل معهم .
- يهود الشتات.
- الدخلاء : هم دخلاء الباب من الوثنيين الذين قبلوا اليهودية دون ختان، ويهود البرّ من الذين قبلوها مع ختان.


بدأت البشارة بعد قيامة السيد المسيح بخمسين يوماً، في عيد العنصرة، الذي كان عند اليهود ذكرى تسلّم موسى الوصايا على جبل سيناء من الله بعد خروجهم من مصر بخمسين يوماً. هذا صار يوم تسلّم الكنيسة الشريعة المحفورة في القلب بواسطة حلول الروح القدس. بدأت البشارة بخطاب بطرس الشهير بعد حلول الروح القدس على التلاميذ في عليّة صهيون ، والذي ألقاه في الجموع المحتشدة للاحتفال بالعيد.
وكان الرسل حينئذٍ هم : أندراوس اخو بطرس، بطرس، يعقوب بن زبدي، يوحنا بن زبدي، فيلبس، برثلماوس، توما، متى ، يعقوب الصغير" ابن حلفا أو كلاوبا" ، يهوذا أخو يعقوب بن حلفا، سمعان الغيور، متياس الذي انتخب معهم عوض يهوذا الاسخريوطي.

بداية الاضطهاد

حظي هيرودس أغريباس ( حفيد هيرودس الكبير الذي عاصر مولد الرب بالجسد ) بلقب ملك فلسطين، وبدأ اليهود المتشددون في عهده بمطاردة المؤمنين، إذ لم يكن الرومان يرون في المسيحيين أكثر من فئة يهودية منشقة لا خطر منها. فاستشهد في عهده استفانوس ويعقوب بن زبدي أخا يوحنا الإنجيلي. ثم يعقوب أخا الرب أول أساقفة اورشليم " صاحب الرسالة " رجماً بالحجارة، وكاد أن يستشهد بطرس أيضاً . وضايق يهود الشتات القديسين كما فعلوا مع بولس الرسول.
أما الاضطهاد الروماني فتأخر قليلاً ثم اتخذ شكل حوادث متفرقة، حتى قام نيرون بحملة اضطهاد منظمة على المسيحيين متهماً إياهم بمحاولة إحراق روما التي افتعلها هو نفسه . وأخذ ينكّل بهم بوحشية إرضاءً للشعب الساخط . انتحر نيرون وتفاوتت قسوة أتباعه على المسيحيين بين الاعتدال والوحشية والبربرية " الحرق، تقطيع الأوصال، الغلي بالزيت، الصلب، إلقائهم للوحوش أحياءً، ... " ، دون أن ننكر أن بعض الأباطرة سمحوا لهم ببعض من الحرية والأمان مثل غاليان ( القرن الثالث ).
بدأت الأمور تتغير مع وصول الملك قسطنطين إلى سدّة الحكم وتتويجه ملكاً وقد نقل العاصمة من روما إلى القسطنطينية. في عام 313 أصدر مرسومه الشهير الذي أعلن فيه حرية الإعتقاد وأعاد للمسيحيين ما سُلبَ منهم. اقتبل العماد ورفعته الكنيسة مع أمه البارة هيلانة إلى مصاف القديسين . بقي قسطنطين متساهلاً مع الوثنية ولم يضطهدها لكنه منع الطقوس الوثنية في العاصمة الجديدة .


مصادر التعليم الكنسي

التقليد الشريف والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. وقد قامت الكنيسة اعتباراً من القرن الثاني بفصل الكتابات الرسولية عما هو مدسوس باسم الرسل وتلاميذهم. وفي القرن الرابع اتفقت الكنيسة قاطبة على ما هو بين أيدينا إلى اليوم على أنها صحيحة وقانونية . واستبعدت كل الكتب التي لم يتم التاكد من هوية كاتبها وسميت " أبوكريفا " ، ورُفض كل ما لا يتفق مع التعليم والتقليد الرسوليين، وكان التقليد واحداً في الكنيسة ويتم تناقله كتابةً وشفاهاً في تعليم الآباء القديسين.



هرطقات هذه المرحلة

تشكلت الهرطقات بسبب المزيج الثقافي المتعدد الذي احتوته المسيحية من يهود ووثنيين ، فاليهود نظروا في المسيحية بعين الناموس الضيقة والوثنيون بنظرة فلسفية هيلينية .
- الهراطقة المتهودون : يرتقي ظهورهم إلى البدايات حيث دعا بعضهم لإتمام الناموس الموسوي على كلّ من صار مسيحياً، مهما كانت خلفيته الدينية والثقافية. وبعضهم حصر ذلك باليهود الذين يقبلون المسيحية. وقد حسم المجمع الرسولي الذي انعقد في أورشليم وذُكر في سفر اعمال الرسل الجدل في هذه القضية نهائياً بالإجماع بأن الخلاص قد حصل بيسوع المسيح وليس بالناموس . لكن بقايا هذه الأفكار دامت حتى بدايات القرن الخامس.

- الغنوصية : مالت للمزج بين الديانات والفلسفات المعروفة آنذاك، من أشهر روّادهم سيمون الساحرالوارد ذكره في سفر الأعمال، وكيرنث الإسكندري .. كما وُجد آنذاك النيقولاويين والدوكيتيين الرافضين للتجسد ، وقد ردّ على بدعتهم يوحنا الرسول في رسالته الأولى.

- المانيخية : نشأت في بلاد فارس في بدايات القرن الثالث على يد الكاهن المسيحي " مانيس " الذي طردته الكنيسة ، عبر المزج بين المفاهيم المسيحية والديانة الفارسية القديمة .

- هرطقة مضادي الثالوث : هي محاولة إدراك ما لا يُدرك من الحقائق الإلهية بالمنطق البشري، أشهر روّادها " بولس السميساطي " أسقف انطاكية المعاصر للملكة زنوبيا والذي طُرد من درجة الأسقفية عام 269 ، وقد اعتبر أن الله يتظاهر للعالم بعدة اوجه مرّة كآب ومرة كإبن ومرة كروح .

- المونتانية : ترفض هذه البدعة كل مشاركة للعقل بمسألة الإيمان وتفرض التسليم الأعمى حتى الخرافة. نشات في بيبوز على حدود آسيا الصغرى ولم يُخالف تعليمهم الكنيسة إلا في قسوته وصرامته الشديدة وكونهم لم يقبلوا أي خاطيء في الكنيسة حتى ولو تاب ، وقد دامت شيعتهم حتى القرن السادس .



التنظيم والإدارة الكنسيتان

أسس الكنيسة الرب يسوع ورغم أنّه علم الشعب علانية إلاّ انه كان ينفرد بالرسل ويشرح لهم أسرار الملكوت ولهم وحدهم اعطى امر البشارة والحل والربط والغفران .
تتألف الكنيسة من الإكليروس ( ميراث الله ) والعلمانيين ( حقل الله ) ومع توسع الرعايا وتزايد عددها برزت الحاجة إلى معاونين للرسل فنشات الدرجات الكهنوتية المختلفة: الشموسية ( الخدمة ) والقسوسية ( المتقدمون ) والأسقفية ( المراقبون ). وكانت السيامة تتم بوضع ايدي الرسل على المختارين للدرجات المذكورة، وهؤلاء تابعوا السيامة بنفس الطريقة ولا يزالون. ثم ظهرت وظائف أخرى كالإيبوذياكون ( مساعد بالخدمة ) والقرّاء والمرتلين والبوابين والشماسات ( وهنّ عذارى مسنّات وأرامل لتعليم المؤمنات كيفية التصرف أثناء الخدمة والمعمودية والاهتمام بهنّ ) .
كان الرسل متساوون أمام الرب فلا سيد فيهم ولا زعيم ولا يخضع أحدهم للآخر ( متى20: 25 )، وهكذا في خلفائهم . والسلطة العليا هي " المجمع المقدس " حسب قانون الرسل 37 والكتاب المقدس ( أع15 ). ورغم تقدّم بعض الأسقفيات على الأخرى حسب اهمية المدن التي وُجدت فيها : روما والاسكندرية واورشليم ...
تم تدوين قوانين الرسل وعددها 85 أما قوانين آباء الكنيسة المقبولة فهي : ديونيس الإسكندري 262م وعددها أربعة، غريغوريوس من قيصرية الجديدة 262 وعددها 12 وقوانين بطرس الإسكندري 304 وعددها 15.
اما التنظيم النهائي للقوانين الكنسية فقد تمّ في المجامع المسكونية والمحلية .
وجدت بعض الاعياد في البدء: الفصح والآلام وكان يومي الأربعاء والجمعة أيام صوم وحزن، ثم نشأت أعياد الخمسين والغطاس والصعود والميلاد والبشارة وأعياد القديسين ... كما ظهرت اعياد محلية لإكرام الشهداء في كلّ كنيسة محلية .

الدور الثاني 313- 1054

تعكّر صفو الكنيسة في هذه المرحلة بالهرطقات الكبرى التي ظهرت والإنشقاقات التي حدثت واخرها الإنفصال الكبير بين كنيسة روما وكنيسة القسطنطينية عام 1054. وقد انتشرت المسيحية في هذه المرحلة في افريقيا والحبشة وأرمينيا والقوقاز وبلاد فارس والعربية .
نشأت الهرطقات نتيجة إخضاع الحقائق الإلهية لتحليل العقل البشري مما نجم عنه الإنشقاقات . انعقدت سبعة مجامع مسكونية للرد على الهراطقة وتفنيد أضاليلهم ، ناهيك عن المجامع المحلية .


هرطقة آريوس
ظهرت على يد الكاهن آريوس الذي تثقّف في مدرسة انطاكية اللاهوتية التي أسّسها الكاهن الشهيد لوقيانوس وكان معلماً لآريوس وله اعتراف إيمان أرثوذكسي اتخذه مجمع انطاكية أساساً في صياغة التعليم عن الإبن. وبعد دراسته صار آريوس كاهناً في الإسكندرية وأطلق هرطقته التي تتلخص بأنّ ابن الله مخلوق وأنّ الآب هو الإله الحقيقي والابن مخلوق ومصنوع منه ولم يكن من البدء، بل كان زمن لم يكن فيه ابنٌ، والابن غير مساوٍ بل هو محدود وصار ابناً لله بالتبني . واما الروح القدس فهو الأدنى وطبيعته محدودة. وهذا مناف لتعليم الكنيسة القائل بتساوي الأقانيم الثلاثة في الجوهر وأنّ الابن مولود من الآب دون ابتداء . اعتقد آريوس أنه بذلك ينفي " تثليث الله " غير مُدركٍ أنه قد نفى معه الفداء والتجسد.

حاول القديس الكسندر أسقف الإسكندرية آنذاك ردعه فلم يفلح ، لذلك عقد مجمعاً محلياً عام 321 طلب فيه من آريوس العودة عن تعليمه فرفض هذا الأخير، واصدر المجمع قراره بفصل آريوس وأتباعه من الكنيسة. فذهب إلى فلسطين واستمال بعضاً من الأساقفة الذين حاولوا التوسّط بينه وبين الكسندر، فرفض الكسندر بشدة ما لم يعُد آريوس عن تعاليمه . لاقت هذه التعاليم رواجاً في الشرق فقام الإمبراطور قسطنطين بتكليف " هوشع " أسقف قرطبة الإسبانية بالتوسط، لكن هوشع لما اطلع على تعليم آريوس كتب للملك داحضاً هرطقته .
عندئذٍ دعا قسطنطين إلى عقد مجمع مسكوني في نيقية عام 325 ( المجمع المسكوني الأول )، حضره 318 أسقفاً من العالم المسيحي والامبراطور نفسه ودٌعي اريوس ليطرح تعليمه امام الجميع.
 أقرّ المجمع المسكوني الأول الإيمان التالي :
ولادة الابن تمّت من جوهر الآب ولادة غير حسية وغير مُدركة ولا تنتقص من جوهر الآب، وللأقانيم الثلاثة جوهر إلهي واحد وهم متساوون بالجوهر وغير منفصلين . ووضع المجمع القسم الأول من دستور الإيمان المعروف حتى اليوم من " أومن بإله واحد ... حتى لا فناء لملكه " واعتبر المجمع أنّ كل من يعلّم أن الابن مخلوق يُفصل من جسم الكنيسة .
وقد وقع على قرارات المجمع كل الأساقفة ما عدا اريوس وأسقفين آخرين معه فتم تجريدهما من رتبهما الكهنوتية ونفيهما .
كما ناقش المجمع موضوع تعييد الفصح وأقرّ عشرين قانوناً يتعلق بالنظام الكنسي .

لكن القضية لم تنتهِ هنا ، فالأساقفة الآريوسيون وذوي الميول لهم اقنعوا الإمبراطور بالعفو عن آريوس وأخذت شوكتهم تقوى إذ ساموا العديد من الأساقفة الاريوسيين مكان الأساقفة المستقيمي الرأي حتى بلغ بهم انهم ارادوا إدخال آريوس نفسه إلى كنيسة القسطنطينية رغماً عن اسقفها الأرثوذكسي ، لكن آريوس مات فجأة يوم الاحتفال عام 336.

تابع خليفة الكسندر على الإسكندرية القديس أثناسيوس جهاده ضد الآريوسية مما اضطره لأن يُنفى ويختبيء مرات عدة بلغت 20 سنة من مدة أسقفيته البالغة 55 سنة. كما برز من بين المدافعين عن الإيمان الأرثوذكسي آنذاك القديس " باسيليوس الكبير " أسقف قيصرية كبادوكية في كيليكيا ( 329-379 ) مع القديس غريغوريوس اللاهوتي الذي ذهب إلى القسطنطينية لدعم الأرثوذكسية فيها لما كان أسقفها آريوسياً وقد عاد بفضله كثيرون إلى الإيمان حتى قام الإمبراطور بطرد الأسقف الآريوسي وتعيين غريغوريوس اللاهوتي أسقفاً عليها.

دعا القديس غريغوريوس إلى عقد المجمع المسكوني الثاني عام 380 في مدينة القسطنطينية والذي حضره ما يقارب ال 150 أسقفاً وكاهناً اعترفوا بأسقفية غريغوريوس وأقروا مساواة الروح القدس للابن والآب في كل شيء داحضاً ادعاءات الآريوسيين حوله ، وثبت المجمع بقية دستور الإيمان " من وبالروح القدس ... حتى آمين " ولهذا يسمى هذا القانون الذي يتلى حتى اليوم " بقانون الإيمان النيقاوي – القسطنطيني " .

عارض المصريون انتخاب غريغوريوس على القسطنطينية لأنه كان أسقف ساسيم فتخلى غريغوريوس طواعية وعاد إلى ساسيم . تولّى الإمبراطور تنفيذ قرارات المجمع فأعاد الأساقفة الأرثوذكس إلى كراسيهم ونفى الآريوسيين .
استمرت بقايا البدعة الآريوسية حتى بدايات القرن الخامس، فتلاشت وعادت للظهور في قالب جديد في بدعة " شهود يهوه " اعتباراً من القرن التاسع عشر .

هرطقة نسطوريوس
لم يكد شبح الآريوسية يتلاشى حتى برز جدل لاهوتي آخر حول العلاقة بين الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص السيد المسيح. وكانت المدرسة الأنطاكية في حربها ضد آريوس قد شدّدت على حقيقة تجسّد الابن، وميزت بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية غير الممتزجتين في شخصه؛
 بينما شدّدت مدرسة الإسكندرية على وحدة الطبيعتين في المسيح وأنه إله تام وإنسان تام، وهو واحد وليس اثنين.
إلا أنّ بعض اللاهوتيين الأنطاكيين قالوا بأن الألوهة سكنت في الجسد كما سكنت في أجساد الأنبياء والقديسين، فصار المسيح ابن الله بالتبني بينما هو إنسان عادي وابن داود . وقد دعوا العذراء " والدة الإنسان " وقد علّم بهذا ثيوذورس أسقف مصيصة ومعلم نسطور الذي كان يعلّم ان الله كان سيأتي من عذراء ولكنه لم يولد منها، وأنّ الطبيعة افنسانية في المسيح كانت تشكّل شخصاً خاطئاً تقدم في الكمال تدريجياً وان المسيح المساوي للناس في إنسانيتهم تحمّل موت الصليب ليس لأجلنا فقط بل لأجل ذاته ايضاً. وبالتالي لا يجوز ان نصلّي لإله مائت متألم ومدفون لأن الذي وقع عليه ذلك هو إنسان، ولا ندعو العذراء مريم والدة الإله بل " والدة الإنسان " وكان يدعو يسوع إنساناً متوشحاً بالله وابن الله بالتبني ، وكون العذراء بشراً فهي لا تقبل أن تلد إلهاً . وكان يقبل في يسوع شخصين لا شخص واحد.

شُرطِن نسطور في 428 رئيساً لأساقفة القسطنطينية، وكان فصيحاً ورجل فضيلة سرعان ما ظهر ضلاله لما دعا الشعب أن يلقبوا العذراء أم الإنسان أو ام المسيح. هبّ الشعب والإكليروس ضدّه ولاقى تعليمه مقاومة عنيفة لا سيما من القديس كيرلس بطريرك الإسكندرية الذي كتب إلى بابا روما عنه، الذي عقد بدوره مجمعاً في روما مطالباً نسطور بالعودة عن تعليمه تحت طائلة الحرم الكنسي.

إلا أن بعضاً من أساقفة سوريا اقتنعوا برأي نسطور وتعاطفوا معه إن هو عاد عن بعض هذه الأمور ( مثل يوحنا بطريرك أنطاكية ). ودعوا الإمبراطور لعقد مجمع مسكوني وهكذا انعقد المجمع المسكوني الثالث في أفسس عام431 ترأسه كيرلس وحضره فقط 154 أسقفاً وكاهناً، ولكن يوحنا وأساقفته لم يحضرا بعد رغم انتظارهم لهم مدة 15 يوماً فانعقد المجمع في غيابهم وناقش المؤتمرون رسائل كيرلس- نسطوريوس وكتابات الآباء الأوائل.
تم الحكم ان تعليم نسطور غير أرثوذكسي وجرى فرزه من الكنيسة وتجريده من رتبته.

عندما وصل يوحنا اسقف أنطاكية وأساقفته ووجدوا المجمع وقد انعقد بدونهم لم يعترفوا بالمجمع ورفضوا دعوة كيرلس لهم، ولم يعترفوا بتجريد نسطور ولا بخلفه مكسيميانوس. لكن مكسيميانوس اتخذ زمام المبادرة عام 432 ودعا إلى مجمع محلي في القسطنطينية لحلّ الخلاف ووجّه الرسائل إلى يوحنا وكيرلس وأكاكيوس أسقف حلب، وفي الاجتماع أسهب كيرلس في شرح موقفه وعاتب يوحنا على عدم تعاونه معه في أفسس، كما قام بولس أسقف حمص بلعب دور هام في تقريب وجهات النظر بين انطاكية والإسكندرية.
 نتج عن ذلك اعتراف يوحنا بزوال كل غموض ولبسٍ واعترف علناً بالمجمع المسكوني الثالث في أفسس وبتجريد نسطور وأسقفية مكسيميانوس. نسطور الذي مات على ضلاله كان قد نُفي إلى البتراء في الصحراء الأردنية وتوفي عام 450 وقد أُحرقت مؤلفاته .

كان الأسقف ثيوذوريتس أسقف كورش من الذين لم يوقعوا الحكم على نسطور ومعه ذيوذوروس أسقف طرسوس وثيوذورس أسقف موبسواستيا. وهؤلاء ظلوا بعيدين عن الكنيسة إلاّ أنّ أسقف كورش ثيوذوريتس عاد إلى اتحاد الكنيسة واعترف بالمجمع عام 433 .

بقي الحزب النسطوري موجوداً حتى توصّل في العام 499 إلى فصل الكنيسة الفارسية عن الكنيسة الجامعة ، وتسمّى النساطرة الذين تجمّعوا هناك " بالمسيحيين الآشوريين " وانتقل بعضهم إلى الهند وتسمّوا " بالتوميين " نسبةً إلى معلمهم توما وليس نسبة الى توما الرسول.



هرطقة الطبيعة الواحدة
هي إحدى أصعب الأزمات التي عصفت بالكنيسة ومنبعها الرئيسي المؤلفات الأبولينارية ذات الأسماء المستعارة التي كانت تُنشر باسم آباء الكنيسة ومعلميها الأرثوذكسيين واستعملها حتى القديس كيرلس نفسه.
 وقد وُجد في سوريا فئة غير راضية بالمصطلح العقيدي لعام 433 ووجدوا أنفسهم على اتفاق مع القائلين بالطبيعة الواحدة في مصر ، وكان السبب هو عدم وضوح معنى ( طبيعة، أقنوم، جوهر ) وعدم التمييز فيما بينها. وكان التعليم عن وحدة الطبيعة متفقاً في ظاهره مع تعاليم الآباء السابقين ضد الآريوسية والأبولينارية والنسطورية؛

 لكن أهل الطبيعة الواحدة بمعناها المونوفيزيتي كانوا يرون ان الإله الكلمة قبل التجسد كان له طبيعتان إلهية وإنسانية ولكن بعد اتحاد الطبيعتين بالتجسد بقي له طبيعة واحدة هي طبيعته الإلهية ، أي " طبيعة واحدة للإله الكلمة المتجسد "
 كان الأرشمندريت القسطنطيني " أفتيخيوس " هو أول من صاغ فكرة هذا التعليم في إطار جهاده ضد النسطورية، وقد شكا لبابا روما ان النسطورية تنتعش مجدداً بفعل إيريناوس أسقف صور وصديق نسطور، وبفعل إيفا أسقف الرها الذي كان معارضاً لكيرلس قبل صلح 433 بين أنطاكية والإسكندرية ( علماً أن إيريناوس قدم اعتراف إيمانه الأرثوذكسي وإيفا عاد وأيد كيرلس بعد تفاهمه مع يوحنا النطاكي عام 433 ) .

قام ديوسقوروس أسقف الإسكندرية ضد إيفا وإيريناوس وعارضه في ذلك ثيوذوريتس أسقف كورش. وفي المجمع القسطنطيني المحلي قدم أحد الأساقفة اتهاماً بهرطوقية الأرشمندريت أفتيخيوس " أوطيخا " الذي دُعي ليدلي بإيمانه ، فحكم المجمع بهرطقته تم تجريده من رتبته بتوقيع 32 أسقف و23 أرشمندريت إلا أن أفتيخيوس استأنف امام رؤساء الكنائس .
قام ديوسقورس بإقناع الإمبراطور بالدعوة إلى مجمع مسكوني في أفسس لمحو آثار النسطورية وقد أُبعد عنه ثيوذوريتس، حضر المجمع 138 أسقفاً وأرسل الباب من روما مبعوثيه برساله إلى فلافيانوس بطريرك القسطنطينية لكي يتم تلاوتها امام المجمع.
 انعقد هذا المجمع الذي بات يُعرف بالمجمع اللصوصي في آب 449 برئاسة ديوسقورس وجرى اتخاذ القرارات بسرعة وبتسلط من ديوسقورس واعتداءات بعض رهبانه المتشددين على الأساقفة ، فلم تُتلَ رسالة البابا وحكم المجمع بتجريد إيفان ( الرها ) ودانيال ( قارة ) وذومنوس ( أنطاكية ) وثيوذريتس ( كورش ) وفلافيانوس ( القسطنطينية ) الذي ضُرب ومات في الطريق إلى المنفى .
واحتج القصّاد البابويين وغادروا دون التوقيع على قرارات المجمع لكن الإمبراطور نفذها بشدة .

لم يدُم الانتصار السابق سوى عامين فبعد تولي ماركيانوس عرش الامبراطورية كتب له ثيوذريتس ( كورش ) موضحاً ضرورة عقد مجمع مسكوني بالتزامن مع قيام خليفة فلافيانوس بعقد المجمع القسطنطيني المحلي الذي حكم فيه على أفتيخيوس وصدّق رسالة البابا لاون إلى سلفه فلافيانوس التي لم يسمح بقراءتها ديوسقورس.
 ولما اقتنع الامبراطور بالأدلة دعا إلى مجمع مسكوني جديد.

انعقد المجمع في خلقيدونيا في 8 تشرين الأول 451 ودعي بالمجمع المسكوني الرابع " الخلقيدوني "
 وضم قرابة 600 أسقف أقر فيه الأساقفة الذين شاركوا في المجمع اللصوصي أن " ديوسقورس" أجبرهم على التوقيع على أوراق بيضاء تحت التهديد واعترفوا بخطئهم؛ وقبلوا ثيوذريتس الذي دافع عن اتهاماته لكيرلس بأنها كانت قبل جلاء الحقيقة في صلح 433 وتبيّن لهم كيف احتجز ديوسقورس الأسقف أفسابيوس ومنعه من حضور المجمع اللصوصي .
 قرِئت في المجمع رسائل كيرلس إلى يوحنا الأنطاكي ونسطور، وصرخ الجميع " نحن نؤمن مثل كيرلس " وبينهم ثيوذريتس نفسه. أقر المجمع ببراءة البطريرك القسطنطيني فلافيانوس وبالظلم والاعتداء الذي لحقه، وتم الحكم بتجريد ديوسقورس وجوفينال أسقف أورشليم ومؤيديهم بسبب تجاوزاتهم في أفسس.

كما نقض المجمع كلاً من النسطورية والمونوفيزيتية " الطبيعة الواحدة " ومزاعم الذين يقسمون شخص الرب إلى اثنين ومزاعم القائلين بأن اللوهة تألمت والزاعمين بالمزج والخلط بين الطبيعتين، ومزاعم القائلين بأن المسيح لم يكن مساوياً لنا في ناسوته ومزاعم القائلين بطبيعتين في المسيح قبل التجسد وطبيعة واحدة بعد التجسد.
كما توسّع المجمع في توضيح المفهوم الأرثوذكسي وتحريم النسطورية وأتباعها. كما اعترف المجمع باستقلال كنيسة اورشليم إداريا وانتهت اعماله في 21 تشرين الثاني 451 .

إلا ان التعليم بالطبيعة الواحدة عرف مدخلاً من خلال رهبان متعصبين أساؤوا فهم الصيغة العقيدية لمجمع خلقيدونيا واعتبروها تكريساً للنسطورية " لقوله بطبيعتين " وزادت مغالطاتهم بسبب قبول المجمع لبعض الأساقفة الذين سبق وساندوا نسطور " بعد اعترافهم بإيمانهم الأرثوذكسي " . واعتبروا التعليم بطبيعتين في يسوع المسيح هرطقة . وجدت هذه البدعة اتباعاً في أوساط السكان الأصليين لسوريا ومصر والبلدان المجاورةً عكس اليونانيين.

في سوريا اجتذب التعليم بطبيعة واحدة للمسيح الكثيرين ونشأت كنيسة أخرى في قلب الكنيسة انطاكية استعملت السريانية في طقوسها وعُرِفت بالكنيسة السريانية بعد المجمع المسكوني الرابع، ووجدت المونوفيزية محتضنين لها بين الأساقفة المنحرفين عن الخط الأرثوذكسي منذ أيام المجمع اللصوصي ، وكان المونوفيزيت يعلّمون بان الذين قبلوا مجمع خلقيدونيا إنما هم اعلنوا قبولهم بالنسطورية. وبرز في صفوفهم قادة أقوياء مثل " بطرس القصار "الذي ابتدع الإضافة الشهيرة على التسبيح المثلث " التريصاجيون " لكي يجعله كالآتي : " قدوس الله قدوس القوي قدوس الذي لا يموت الذي تألم لأجلنا ارحمنا " أو " .. المصلوب لأجلنا ارحمنا " وهذه الجملة تجعل من اللوهة متألمة ومصلوبة.
يجدر بالذكر ان القديس سمعان العمودي المعروف عاصر الفترة هذه وأيّد المجمع المسكوني الرابع والبطريرك الأنطاكي.

بدأ المونوفيزيت يسيمون الإكليروس واعتبروا بطرس القصار بطريركاً على انطاكية وتيموثاوس إيلوراس على الإسكندرية. مما دفع ببطريرك القسطنطينية للطلب من الامبراطور زينون إصدار ميثاق الإتحاد الذي يعارض المجمع المسكوني الرابع وقبل به البطريرك الأنطاكي بلاديوس بضغط من الإمبراطور ، الأمر الذي ضبط الوضع في كنيسة انطاكية مؤقتاً. وجرت محاولات عديدة للتفاهم لكنها لم تنجح، فبدأ الإضطهاد ضد المونوفيزيت وطردوا من كنائسهم وأديرتهم وتم سجنهم وتعذيبهم.
كانت القبائل العربية على اطراف البادية السورية كالغساسنة قد قبلوا المسيحية على المذهب المونوفيزيتي وعملوا على نشرها بين اقرانهم رغم انهم عملوا تحت إمرة الرومان.وقد ناصروا " يعقوب البرادعي " مؤسس الكنيسة اليعقوبية وهي الكنيسة الأم للكنيسة السريانية الحالية.

اعتقد الإمبراطور أن عقد مجمع يدين ويحرم ثيوذوريتس وثيوذروس وإيفا سيحل القضية، فدعا له والتأم المجمع المسكوني الخامس في 5 أيار في القسطنطينية بحضور 165 أسقفاً تغيب عنه أسقف روما رغم وجوده في القسطنطينية لكنه بعث للمجمع برسالة يحرم فيها مؤلفات هؤلاء واعترف بقراراته . أقر المجمع قرارات المجامع الأربعة السابقة وحرم رسالة إيفا اسقف الرها الى مارس اسقف فارس ورسائل ثيوذوريتس المؤيدة لنسطور ( قبل صلح 433 )وحرم ثيوذريتس المبسواستي ( كان ميتاً ).
 ولكن المجمع لم يلقَ آذاناً لدى المونوفيزيت حتى انهم هددوا يعقوب البرادعي وكان اسقف الرها إذا ما لانَ وتراجع.

استطاع المونوفيزيت رغم الاضطهاد الذي لحق بهم والتنكيل على يد الإمبراطور يوستينوس الثاني أن يؤسسوا " الكنيسة اليعقوبية " التي ابتلعت ضمنها الفرق المونوفيزيتية المختلفة ، وسميت في مصر بالكنيسة القبطية وفي سوريا والعراق بالكنيسة السريانية ، والكنيسة الأرمنية و كنيسة الأحباش المتعلقين اصلاً بالكنيسة الإسكندرية.



هرطقة المشيئة الواحدة
اعتلى الإمبراطور هرقل عرش الإمبراطورية (610- 640 ) والأعداء يتربصون بمملكته من كل جانب، وقد ساعد المونوفيزيت الفرس في اجتياحهم لسوريا ووصولهم إلى القدس عام 614 وقد سرق الفرس منها خشبة الصليب المقدس من كنيسة القيامة وذبحوا حوالي ستين ألفاً من المسيحيين بدعم يهودي .

وقد دحر هرقل الفرس واسترد الصليب الكريم وفي أثناء النعارك حاصرت بعض الجيوش الفارسية بالأساطيل عاصمته القسطنطينية بدعم من السلافيين عام 626 وقيل أن الشعب اجتمع تحت الأسوار مع البطريرك القسطنطيني رافعين أيقونة والدة الإله واقفين طول الليل يرتلون ما نعرفه اليوم " بالمدائح " للشاعر السوري رومانوس. في تلك الليلة هبت عاصفة قوية حطمت معظم الأسطول الفارسي وارتد الفرس وخلُصت المدينة. وصار تقليداً في العالم الأرثوذكسي صلاة المدائح وقوفاً لا جلوس فيها وترتيل " إننا عبيدكِ يا والدة الإله ... يا جندية محامية ... " .

استطاع هرقل تحرير القدس وأنطاكية والإسكندرية من الفرس، وحاول إعادة المونوفيزيت إلى حظيرة الكنيسة الأم بسبب كراهيتهم للدولة وإمكانية تعاطفهم مع اعدائها، وبعد محاولات كثيرة تمت صياغة المشروع العقائدي لهذه الوحدة على أساس " مشيئة واحدة وفعل واحد وإرادة واحدة في المسيح " ( المونوثيلية؛ المشيئة الواحدة ) وحُرِمَ القول بمشيئتين في المسيح بعد التجسد ، وظن هرقل بهذا انه أرضى المونوفيزيت الذين اعلنوا قبولهم على أساس ان الخلقيدونيين اعترفوا بذلك ضمناً بطبيعة واحدة عبر اعترافهم بمشيئة واحدة في المسيح . ونزعوا كذلك عبارة " المصلوب لأجلنا " من التريصاجيون التي أضافها بطرس القصار.

لكن فضح هذه الهرطقة الجديدة لم يتأخر إذ انبرى راهب دمشقي هو صفرونيوس ( الذي صار بطريرك اورشليم 634- 638 ) وأرسل رسائل الى البطاركة فاضحا وحارماً التعليم الجديد. فمن ضمن اعتراف الخلقيدونيين بطبيعتين في المسيح هناك اعتراف بمشيئتين فيه وإرادتين . وقد أيده في ذلك الراهب مكسيموس المعترف في القسطنطينية والتي كان بطريركها قد قبل المبدأ الاتحادي عبر مشيئة واحدة . أصدر الإمبراطور كونستانتس الثاني قراراً بعدم الجدل بهذا الأمر ، واعتقل البابا الروماني الذي أصدر قراراً بحرم البطريرك المسكوني المونوثيلي لقبوله هذه العقيدة، وقام بنفي الباب فمات جوعاً عام 654 كما ألقى القبض على القديس مكسيموس المعترف وعاقبه بقطع يده ولسانه ونفاه ليموت عام 662 ولكن الأساقفة الذين رضخوا مؤقتاً لهذا التعسف ما لبثوا أن هبوا مجدداً في عهد خليفته قسطنطين بوغونان 668- 685 الذي دعا لعقد مجمع مسكوني .

انعقد المجمع المسكوني السادس في القسطنطينية عام 680 بحضور ممثلي الكنيسة جميعهم وقرروا :
" نعترف بإرادتين طبيعيتين أو مشيئتين في يسوع المسيح وفعلين طبيعيين غير منقسمين ولا متغيرين ولا منفصلين ولا ممتزجين ، وإن المشيئتين الطبيعيتين غير متضادتين ونرفض ما علّم به الكفرة. وإن المشيئة البشرية لا تعاكس ولا تقاوم بل تخضع لمشيئته الإلهية القادرة على كل شيء "

حكم المجمع بتجريد البطريرك المونوثيلي على القسطنطينية مكاريوس الذي كان حرمه البابا الروماني سابقاً ونفيه وإدانة المذهب المونوثيلي وأتباعه وحرمهم. هؤلاء بقي لهم حزب صغير في سوريا في دير على اسم الأب مارون على ضفاف العاصي قرب حماه، غادروه ليتمركزوا في لبنان في القرن السابع ، وانتخبوا لهم بطريركاً منهم سموه ( بطريرك أنطاكية ) وتسمّوا موارنة علماً ان الأب مارون راهب أرثوذكسي العقيدة وناسك عاش في القرن الرابع وتم بناء الدير على اسمه فوق ضريحه في عهد يوستنيانوس الأمبراطور، ورغم أن رهبانه حاربوا المونوفيزية إلا انهم سقطوا في المونوثيلية وشكلوا كنيستهم التي انسلخت عن كنيسة انطاكية في القرن الثامن .

السيطرة الإسلامية على سوريا ومصر وفلسطين

كانت المسيحية وصلت إلى شبه جزيرة العرب إلى كثير من القبائل التي تحيا على الاقتتال والسلب، وتشكلت عدة اسقفيات عربية، وكان عرب سوريا المسيحيين يستخدمون اللغتين العربية واليونانيةأو السريانية. هوجمت سوريا في عهد عمر بن الخطاب وانحاز عرب سوريا إلى أبناء جنسهم لنهم كانوا في اغلبهم مونوفيزيتاً وقد رأوا في العرب خلاصاً مرغوباً من التعسف البيزنطي " الخلقيدونيين " وهكذا استسلمت المدن السورية من دمشق الى اورشليم فحلب وانطاكية دون قتال وفي غضون 18 عاماً رفرفت راية الاسلام على سوريا الطبيعية ومصر وشمال افريقيا وقسم من آسيا الصغرى.
هاجم العرب القسطنطينية مراراً باساطيلهم ولكنهم هزموا عند اسوارها واضطر معاوية لدفع غرامة سنوية للامبراطور البيزنطي قسطنطين الرابع. وأخذ المسلمون في فرض الضرائب " جزية " على غير المسلمين للسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية . ولكن للانصاف لم تكن معاملة الحكام المسلمين للمسيحيين واحدة بل تفاوتت من ذروة التسامح الى ذروة البطش على مر العصور.

في بداية السيطرة الاسلامية على سوريا كان هناك لأنطاكية بطريركان : احدهما مونوفيزيتي ، والآخر مونوثيلي تم تجريده في المجمع السادس المسكوني 680.

ولقد عُقد المجمع الخامس- السادس في ترولو عام 692 مكملاً لأعمال المجمع المسكوني السادس ضد العقيدة المونوثيلية. أما بطاركة أنطاكية الخلقيدونيين فباتوا يعيشون في القسطنطينية بسبب منعهم من المجيء واعتبارهم تابعين للروم البيزنطيين، وظل الأمر كذلك اربعين عاماً. واما البطاركة المونوفيزيت فقد نالوا حظوة في بلاط الحكام المسلمين وصار لهم كنائسهم واديارهم. وبدأت المضايقات للمسيحيين منذ عهد الوليد بن عبد الملك الذي حوّل كنيسة النبي يوحنا المعمدان الى المسجد الأموي في قلب دمشق. ولا تزال حتى اليوم منقوشة على أحجار المسجد فوق أحد ابوابه عبارة باليونانية هي " ملكك ايها المسيح الإله يدوم إلى دهر الدهور " . ومع ارتفاع حدة الضرائب عليهم والتنكيل بهم كلما نكب الجيش الاسلامي بمعركة او مناوشة مع جيوش البيزنطيين ، فقد بدا الكثير من المسيحيين بالتحول الى الإسلام خلاصاً.

منع الخلفاء قرع أجراس الكنائس ورفع الصوت اثناء الصلاة وتشبّه المسيحيين بالمسلمين في اللباس، وبدؤوا يقيدون على قبولهم في الوظائف ما امكن وتم هدم كثير من الكنائس وتحويل أخرى إلى جوامع. وكانت نظرة المسلمين للمسيحيين الخلقيدونيين انهم امتداد للنفوذ البيزنطي فزادوا بهم تنكيلاً عن غيرهم من المونوفيزيت.

هرطقة حرب الأيقونات
أتت هذه البدعة برعاية الدولة على عكس باقي الهرطقات، فقد كان احترام الأيقونات وتكريمها عاماً في الكنيسة في القرنين الرابع والخامس عبر التقبيل والسجود واقتنائها في البيوت.
بدات الحرب على الأيقونة في عهد الامبراطور لاون الثالث 717- 741 ويعتقد أن للإسلام بسبب موقفه الرافض للتصوير دور في نشوء هذه الهرطقة لأنهم مع اليهود كانوا يهزؤون بالمسيحيين بسبب إكرامهم للايقونات.

دافع عن الأيقونات البطريرك المسكوني، وابرز المدافعين كان القديس يوحنا الدمشقي وبابا روما غريغوريوس الثاني مدعومين من الشعب بتاييد عارم. إلا أن الإمبراطور امر بإخراج الأيقونات من الكنائس وتحطيمها ( في كنائس الامبراطورية ) وعزل البطريرك المسكوني جرمانوس وحتى يقال ان اتباعه وشوا بالقديس يوحنا لدى الخليفة . وقد أقصي الكثير من الأساقفة المعارضين، إلا أن الإمبراطور لم يتمكن من عزل اسقف روما ولا الأساقفة الموجودين تحت حكم الدولة الإسلامية ( الإسلام حمى بشكل غير مباشر من هذا ). أما الإمبراطور قسطنطين بن لاون فعقد مجمعا من 338 أسقفاً يحرم فيه إكرام الأيقونات على انها عبادة اوثان ولم يكن بين الحضور أي بطريرك أو ممثل للبطريركيات الخمس وذلك عام 743م.
 ومعظم الأساقفة وقعوا تحت التهديد المباشر. وبدأ الاضطهاد لمكرمي الأيقونات فحرم اقتناؤها في البيوت وألقيت الكثير من رفات القديسين في البحر وحُرمت الحياة الرهبانية وحولت الأديرة إلى ثكنات او اصطبلات للخيل وسجن وعذب المعارضون. لكن هذه الأوامر لم تنفذ في روما لضعف السلطة الامبراطورية فيها آنذاك ولأن البابا كان يستعد لفصلها عن كنيسة الشرق التي تعصف بها الهرطقات .

بدأت الامور تعود للهدوء في عهد ابن قسطنطين بفضل زوجته التقية وعاد بعض الأساقفة مكرمي الأيقونات ليشغلوا مراكزهم. وفي عام 780 مات الإمبراطور لتتسلم العرش زوجته نيابة عن ولدها القاصر. فعاد الرهبان الى أديرتهم وأخرج ما أمكن من رفات القديسين من البحر وتحت رغبة الشعب تخلى البطريرك المسكوني عن كرسيه وعاد إلى الدير وتسلم مكانه تراسيوس الذي أعاد العلاقات شبه المقطوعة مع روما.
 ودعا مع الإمبراطورة إلى مجمع مسكوني انعقد العام 787 في القسطنطينية وسمي المجمع المسكوني السابع وبحضور 367 أسقفاً وكاهناً من كل الكنائس وافق فيه المعارضون السابقون على إعادة الاعتبار والتكريم السابقين للأيقونات وحكموا بالاجماع على مجمع عام 743 بأنه هرطوقي . واقر المجمع السابع :
... نحفظ كل التقاليد الكنسية التي ليست مستحدثة والموضوعة لجلنا في الكتب المقدسة وبدونها والتي منها ما يتكلم عن تصوير الأيقونات ... ونحدد بأن يصير رسم الصليب الكريم المسيحي في كنائس الله على الواني المقدسة والألبسة والجدران ...
لكن بقيت بعض أفكار محاربي الأيقونات بعد المجمع في نفوس بعض الأساقفة الذين وافقوا لفظاً لا واقعاً حفظاً لمناصبهم. وعاد الاضطهاد مجدداً في عهد الامبراطور لاون الارمني 813-820 واستمر حتى تولت الامبراطورة ثيودورة العرش وأوقفت الاضطهاد ( طوبت قديسة ) نهائياً مبعدة المعارضين ومعيدة الساقفة الرثوذكسيين غلى كراسيهم. وقد كرمتها الكنيسة الأرثوذكسية بعد رقادها معتبرة اياها قديسة وصورتها الأيقونة بلباسها الملوكي حاملة ايقونة السيد له المجد . واعتبر تاريخ انتهاء الاضطهاد " يوم انتصار الأرثوذكسية " أي الايمان المستقيم الرأي ، ويعيّد للذكرى في الأحد الأول من الصوم الأربعيني المقدس قبل الفصح.



إضافة " والابن " إلى دستور الإيمان النيقاوي القسطنطيني أو ال Filioque

كان آباء الكنيسة يؤكدون على انبثاق الروح القدس من الآب استناداً إلى قول المخلص نفسه في يوحنا، وهو ما تم تثبيته إيماناً وكتابةً في دستور الإيمان في المجمع المسكوني الثاني. ومنعت المجامع اللاحقة أي تغيير في المجامع السابقة.
ففي عام 589 وفي مدينة توليدو في اسبانيا في إطار انعقاد مجمع محلي جرت إضافة كلمة والابن على البند المتعلق بالروح القدس لتصبح العبارة " ... وبالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب والابن ... "، وكان ذلك بسبب إرادة الإسبان ضم بعض الآريوسيين إلباقين إلى الكنيسة فأرادوا أن يؤكدوا على المساواة بين الآب والابن. ولم تلبث أن امتدت هذه الزيادة إلى كنائس فرنسا وروّج لها شارلمان في مواجهة منه ضد الإمبراطور البيزنطي الذي لك يعترف بملكه في الغرب.

رفض البابا في روما لاون الثالث هذه الزيادة لما عُرضت عليه ونقش دستور الإيمان الخالي من الزيادة معلقاً إياه على باب كنيسة القديس بطرس شهادة منه بتمسك روما بإيمان كل الكنيسة. لكن هذا التعليم لاقى رواجاً مضطرداً حتى تبنته روما رسمياً في العام 1014.
حكم البطاركة الأربعة ( المسكوني ، الاسكندري، الأنطاكي، الأورشليمي ) بمخالفة هذا التعليم لتعليم الكنيسة المسكونية وذلك ضمن مجمعين انعقدا في 867 و 879 .


هرطقة المصلين
ظهرت في سوريا وآسيا الصغرى في القرن الرابع حيث وصل بعض الرهبان إلى خداع النفس بأن الصلاة هي الطريق الوحيد للخلاص وترافق ذلك بتعاليم أسطورية غريبة ومالوا إلى البطالة بدعوى أن العمل يحطّ من الحياة الروحية، واهتموا بتحضير الأرواح ومخاطبتها.

هرطقة البولسيين
نشأت في القرن السابع على يد سوري يدعى قسطنطين الذي ادعى أن المسيحي يمكنه بلوغ الكمال بدون واسطة أي مؤسسة كنسية. وأسس اول جمعية له في أرمينيا مسمياً نفسه سلوانس، لكن الرثوذكسيين أسموهم " بفليكان " أي بولسيين لأنهم حاولوا إظهار تعليمهم أنه تعليم بولس الرسول. وكان تعليمهم مزيج بين الغنوصية والمانوية. رفضوا الرئاسة الروحية ولم يكن لديهم كنائس بل اماكن صلاة وألغوا إكرام الأيقونات والصليب والقديسين والأسرار الكنسية ( عدا سري المعمودية والإفخارستيا ) كما اعترفوا بالعهد الجديد وحده دون رسائل القديس بطرس.

العلاقات الإسلامية المسيحية في هذه الفترة

تميزت بالتموج ، فبينما حظي اليعقوبيين " المونوفيزيت او اللاخلقيدونيين " بحماية الخلفاء المسلمين لم يكن مسموحاً للبطريرك الأرثوذكسي " الخلقيدوني " بالمجيء إلى كرسيه حتى عهد هشام بن عبد الملك بعد اربعين عاماً من سقوط سوريا. كان الخلفاء يتدخلون في انتخاب البطاركة وحل النزاعات . أما في العهد العباسي فتميز باضطهاد كبير للمسيحيين الذين حرموا من إقامة الكنائس بل وتحول بعضها إلى اصطبلات ومنعت الكثير من الاحتفالات ومنع التعليم باليونانية مما اضطر الكنيسة البيزنطية لبدء تعريب الليتورجيا. تميزت هذه الفترة باعتناق الكثيرين للاسلام خلاصاً من بؤس العيش كمواطنين درجة ثانية واستشهد كثيرون في سبيل إيمانهم.
وطبعاً لم تكن الحال على وتيرة واحدة بل تميزت من الاضطهاد حتى الراحة في فترات مختلفة.

دعوى البابوية على الرئاسة الكنسية

كان البطاركة الخمسة وهم: روما ( بابا )، القسطنطينية ( المسكوني )، الاسكندرية ( بابا )، أنطاكية واورشليم متساوون ولهم نفس السلطة مع استقلالية كل منهم في إدارة الكنائس في حدود أسقفيته، ولم يكن من قانون يعطي أياً منهم سيادة أو رئاسة على الباقين.

وكان بابا روما قد مُنح اولية فخرية فيما بينهم كونه أسقف العاصمة الأولى والعريقة، وهي تكسبه كونه متقدمهم في الاجتماعات التي يحضرها وترأس الجلسات ولم تعطِه مزايا البت ولا اصوات إضافية في المجمع. وقد حرره نقل العاصمة إلى القسطنطينية من التدخلات الإمبراطورية في شؤون الكنيسة وأبعده عنها فتميزت روما بدورها الحامي للشرقيين والمدافع عن التعليم الأرثوذكسي. كما ساد الاعتقاد برئاسة بطرس للرسل في الغرب وبأن البابا وهو أسقف العاصمة التي استشهد بطرس فيها هو أيضاً رئيس خلفاء الرسل.

كان يخضع للكرسي الروماني كل اوربا وبعض كراسي شمال أفريقيا، وقد احتج البابا لاون الثالث على لقب " البطريرك المسكوني " الذي منحه المجمع المسكوني الرابع للبطريرك القسطنطيني. وظهرت في الغرب ما عُرفَ بالقوانين الإيسيدورية الكاذبة والتي بموجبها يدعى البابا خليفة بطرس الرسول وزعيم الرسل وبأن للبابا كل السلطة في الكنيسة وتخضع له كل كنائس المسكونة وينال رعاتها سلطتهم منه، ودون موافقته لا ينعقد مجمع ولا يُعترف بصحته. بموجب هذه القوانين الكاذبة ( المجهولة المصدر ) يصبح للبابا سلطة أعلى من المجمع المسكوني، وكان اول من أشهر هذه القوانين البابا نيقولا الثاني 858- 867 ولكن الأمور تأخرت قليلاً بسبب 150 عاماً عاشتها البابوية في صراعات مستمرة على العرش.


الإنفصال الكبير بين روما والقسطنطينية 1054


الأسباب المؤهبة: كان الشطرين الشرقي والغربي في الإمبراطورية البيزنطية متمايزين حضارياً وثقافياً وبقي ذلك ظاهراً بعد انتشار المسيحية. إلا أن هذا التمايز لم يجعل الكنيسة بعيدة الواحدة عن الأخرى ولم يكن من فروق جوهرية ولا عقائدية. لكن تدريجياً أخذت الكنيسة في روما تدخل تعاليم وأفكار جديدة على العقائد والطقوس والقوانين الكنسية، كالتعليم عن انبثاق الروح القدس من الابن كما من الآب ، وصيام السبت وزواج الإكليروس، وإتمام سر الشكر على خبز فطير، وحصر إتمام سر الميرون بالأساقفة وحدهم والتعميد بالرش بدلاً من التغطيس...

توفرت أسباب الإنقسام قبيل منتصف القرن التاسع وبقيت بانتظار السبب المباشر، ففي أثناء التدخل الإمبراطوري في بطريركية القسطنطينية وعزل البطريرك أغناطيوس وتسلّم فوتيوس مكانه، أثار ذلك سخط روما التي طالب أسقفها بعودة أغناطيوس بطريركاً وأوصى بطاركة الكراسي الأخرى بقطع الشركة مع فوتيوس كونه غير شرعي، لكن بطاركة الشرق لم يفعلوا، وفوتيوس – الذي أعلنت قداسته لاحقاً في الشرق – مرّ بالرتب الكهنوتية حتى البطريركية في خمسة أيام فقط .
كما طردت الكنيسة البلغارية – في مساعٍ منها للانفصال – المبشرين اليونانيين واستبدلتهم بمبشرين لاتين، فقام هؤلاء بمسح البلغار بالميرون المقدس معتبرين مسحتهم غير صحيحة .

في العام 867 انعقد مجمع محلي في القسطنطينية عرض خلاله فوتيوس " انحرافات " كنيسة روما وحكم الجميع بتجريد بابا روما من منصبه. لكن سرعان ما تدخل الامبراطور باسيليوس المقدوني الذي كان يحاول إعادة الثقة مع البابا فعزل فوتيوس وأعاد أغناطيوس بطريركاً، وألغى قرارات مجمع 867 وأخضع الكنيسة في القسطنطينية لمطالب البابا في روما. وأما بشأن بلغاريا فأصر الشرقيون على تبعيتها للقسطنطينية وأرسل أغناطيوس رئيس أساقفة يوناني إليها. عاد فوتيوس بعد عشر سنوات بناء على طلب الإمبراطور نفسه وتصالح مع اغناطيوس وخلفه على عرش بطريركية القسطنطينية عام 877. وأعلن مجمع القسطنطينية عام 879 بحضور القصاد البابويين أن كنيسة بلغاريا يونانية، وتُليَ دستور الإيمان كما هو " بدون إضافة والابن " وتم تثبيته دون أي إضافة وتعديل، وأقر المجمع تثبيت فوتيوس بطريركاً وألغوا قرارات مجمع عام 869 الذي كان قد أخضع كنيسة القسطنطينية لسلطة البابا.
أغضب ذلك البابا يوحنا الثامن كثيراً فحرم فوتيوس .


الانقسام التام: أنزل فوتيوس مجدداً عن السدة البطريركية وتزعزعت العلاقات مع روما. بينما كان البابا لاون التاسع يسعى لتثبيت سيطرته ويعيد للمقام البابوي هيبته. وطلب من البطريرك الأنطاكي بطرس الثالث دعمه ضد البطريرك المسكوني ميخائيل كيرولاريوس لكن البطريرك بطرس اتخذ موقفاً معتدلاً واوضح لكيرولاريوس أن الخلاف الأهم يبقى في قضية انبثاق الروح القدس والباقي كله يمكن التفاهم عليه مع الغربيين وناشده مع البابا أن يعملا لأجل السلام في الكنيسة.
احتج البابا على قيام البطريرك المسكوني بإقفال الأديرة اللاتينية في القسطنطينية مبيناً أن احداً لا يمكنه الحكم على العرش الرسولي في روما. وأرسل قصاده وعلى رأسهم الكاردينال الفظ الطباع أومبرت الذي أقدم خلال الخدمة الإلهية في كنيسة الحكمة المقدسة ( أغيا صوفيا ) في 15 تموز 1054 بوضع صكّ حرم للبطريرك ميخائيل كيرولاريوس والأرثوذكس الشرقيين كهراطقة، فهاج الشعب وتعرض القصاد البابويون لخطر الموت منهم.
عقد ميخائيل كيرولاريوس مجمعاً قسطنطينياً حرم فيه القصاد البابويين وأرسل رسائل إلى البطاركة الآخرين مبيناً ما حدث، فوافق معه البطاركة الثلاثة آسفين لما حصل.
وهكذا بهذا الحرم والحرم المضاد حدث الانفصال التام بين الكنيستين.



تنصير الشعوب السلافية

كان منتصف القرن التاسع فترة بشارية بالنسبة لكنيسة القسطنطينية بعد أن نفضت عنها غبار حرب الأيقونات، فتوجهت نحو دعوة الشعوب السلافية إلى الإيمان ( المورافيين والبلغار والصرب والروس ) ، وقد اختار البطريرك القسطنطيني فوتيوس المذكور آنفاً الأخوين كيرلس ( قسطنطين ) وميتوديوس من تلامذته وكانا يجيدان السلافية بالإضافة إلى العربية والعبرية واليونانية لهذه المهمة.
بدأا نشاطهما في مورافيا عام 863 ( بلاد التشيك وسلوفاكيا ) بعد ان ترجما الكتاب المقدس والكتب الليتورجية إلى السلافية ، ورغم أن البابا أدريان الثاني بارك عملهما وساندهما لكن المبشرين الجرمان تعرضوا لهما وضايقوهما. لكن عملهما تكلل بنجاحات كبيرة ، فقد كبرت الكنيسة البلغارية واعترفت القسطنطينية باستقلالها عام 945 وتلتها الكنيسة الصربية عام 1375 . ومن المعتقد أنه وجدت كنيسة في كييف في العام 945 وآمنت الأميرة أولغا عام 955 ثم حفيدها فلاديمير الذي تزوج شقيقة الإمبراطور البيزنطي عام 988 وصارت الأرثوذكسية هي العقيدة الرسمية في بلاد روسيا، وبذل فلاديمير جهوداً جبارة لنشر المسيحية في مملكته التي اقتبلت المسيحية بمحبة عارمة وسرعة كبيرة وقبلوا المعمودية جماعاتٍ وجاء الإكليريكيون لخدمتهم من كل العالم وكان بينهم مرة أسقف سوري، أما المتروبوليت فكان يونانياً. وتخليداً لهذه الفترة ترتل الكنيسة الروسية " الدعاء أو البوليخرونيون " باليونانية. ورغم اجتياح المغول للبلاد في القرن الثالث عشر وإعمال السيف فيها لكن الروس دحروهم في معركة " كوليكوفو " عام 1380 وتخلصوا منهم بالكامل في العام 1480 ، وحلت موسكو محل كييف وانتقل متروبوليت روسيا للإقامة فيها. ودعيت موسكو بِ " روما الثالثة " .

ميزات وعادات تلك الحقبة

حدد المجمع المسكوني الأول تعييد الفصح في الأحد الول بعد 14 نيسان ، وظهرت تباعاً الأعياد كالميلاد والظهور الإلهي وختانة السيد ودخوله إلى الهيكل والتجلي ورفع الصليب الكريم والبشارة وعيد ميلاد العذراء ورقادها ودخولها الهيكل وتكريم الشهداء .. بين القرنين الرابع والثامن الميلاديين .
دخلت الموسيقا والترتيل منذ العصور الولى وساهم القديس يوحنا الدمشقي والراهب قوزما في وضع اللحان والعديد من الترانيم ، وتثبتت في القرن الخامس نهائياً عادة تعميد الأطفال. وكانت كل كنيسة تستخدم ليتورجيتها الخاصة لكنهم بدؤوا باستخدام ليتورجيا القديس يوحنا الذهبي الفم وباسيليوس الكبير في الكنيسة الشرقية، وكتب البابا غريغوريوس بابا روما خدمة القدسات السابق تقديسها . وهذه الليتورجيات كانت جمعا وتنسيقاً لليتورجيات القديمة وعلى رأسها خدمة القديس يعقوب اخو الرب أسقف أورشليم .
في القرن السابع اعتمدت كنيسة روما اللغة اللاتينية في الليتورجيا والعبادة وقراءة الكتاب المقدس .


الدور الثالث

من الإنشقاق 1054 حتى سقوط القسطنطينية في الشرق 1453 وبدء حركات الإصلاح الديني في الغرب 1517


بعد الإنشقاق الكبير صارت الكنيستان تعملان كلّ منهما بشكل مستقل عن الإخرى، وبينما تتالت الويلات في فترة لاحقة على الكنيسة الشرقية ، كانت روما تعمل ما بوسعها لتقوية سيطرة البابا وتكريس استقلاله عن السلطة الزمنية وخضوع العالم المسيحي لسلطته.
ومع وقوع الإنفصال كانت الكنيسة تتثبت وتقوى في روسيا، وأخذت موسكو دورها في حماية وحفظ الإيمان القويم بعد سقوط القسطنطينية بيد الأتراك العثمانيين ، حتى دعيت موسكو بحق " روما الثالثة " بعد روما " الأولى " والقسطنطينية " الثانية ".كان خطر الأتراك الزاحفين على آسيا الصغرى قدوماً من آسيا الوسطى الذين كانوا يعملون في الكنائس والمقدسات نهباً وحرقاً كما فعلوا بعد سقوط أنطاكية في أيديهم عام 1084.

الحملات الصليبية:
قام الفاطميون بإحراق كنيسة القيامة، وكان الملوك البيزنطيون يطلبون نجدة أوربا لصد خطر السلاجقة الأتراك. ولكن بسبب من النفوذ البابوي كان شرط تلك المساعدة مقروناً بخضوع مسيحيي الشرق لروما باعتبارهم منشقين كما قال البابا " غريغوريوس السابع " ، وتابع المساعي البابا أوربان الثاني صاحب الصيحة المشهورة في مجمع كليرمونت عام 1095 للنهوض وتحرير الأرض المقدسة، وكان ممثلو الإمبراطور البيزنطي ألكسي كومنينوس حاضرين في هذا الاجتماع.
كان هدف القسطنطينية رفع الخطر السلجوقي عنها. وفي 1096 وبدعوات من بطرس الناسك تألف جيش من اخلاط من الناس معظمهم غرباء عن الدين والأخلاق، قال فيهم الإمبراطور البيزنطي " أنهم ولا حتى قادتهم يعرفون أين تقع أورشليم من الأرض " وكان همهم النهب والسرقة. لكنه سهّل لهم عبورهم إلى آسيا الصغرى بعد أن سحب منهم تعهداً بتسليمه الأراضي المحرّرة، وفعلاً سلموه آسيا الصغرى. لكن على اسوار انطاكية فتك بهم الوباء وأكلوا ما لا يؤكل وعندما دخلوها بخيانة من داخلها وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل جيش أمير الموصل ، ولكنهم نجوا بإعجوبة " يروى انهم رفعوا الحربة التي طُعن بها المخلص والتي كانت محفوظة في إحدى كنائس أنطاكية ؟!! " ثم تابعوا زحفهم ليحتلوا اورشليم عام 1099 . لكنهم لم يُسلّموا سوريا وفلسطين للإمبراطور البيزنطي بل قاموا بطرد البطريرك الأرثوذكسي من أنطاكية " يوحنا الخامس " وعينوا مكانه لاتينياًوبدؤوا الترغيب والترهيب لمذهبهم بين مسيحيي سوريا. أما البطريرك يوحنا فقد عاد إلى القسطنطينية واستقال من بطريركية انطاكية " ويوحنا هو أحد منتقدي استعمال اللاتين الخبز الفطير لإتمام سر الشكر وبأن اللاتين يقتربون من اليهود بهذه العادة " .

دعا الصليبيون البابا للجلوس على عرش بطريركية أنطاكية وبينما بقي بطاركتها يديرون شؤونها من القسطنطينية، ولم يكترث السعب بالأساقفة اللاتين وكان مسيحيو سوريا يحفظون عادات وتقليد الكنيسة كما لو كانوا احفاد اليونانيين رغم ترجمة معظم الكتب المقدسة إلى العربية. وبقي الأمر كذلك حتى استرد الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنينوس السيطرة على انطاكية وأخضع قائدها الصليبي له بشكل مؤقت وأعاد البطاركة الأرثوذكس إليها.
في القرن الرابع عشر اضطر بطاركة انطاكية أن ينقلوا العرش منها إلى دمشق لكنهم حافظوا على اللقب الخاص بهم " بطريرك مدينة الله أنطاكية العظمى وسائر المشرق " ، ومن بعدهم فعل اليعاقبة ذات الشيء.
أثناء السيادة الصليبية تمكن اللاتين من جذب بعض اللاخلقيدونيين " من السريان " إلى مذهبهم فشكّل هؤلاء نواة أولى لما صار يعرف لاحقاً " السريان الكاثوليك ".


الدعاية اللاتينية في سوريا
أصاب العمل الدعائي للاتين نصيباً وافراً لدى الموارنة الذين قبلوا الدخول جماعياً في الاتحاد مع كنيسة روما، بعد أن أنكروا هرطقة المشيئة الواحدة " المونوثيلية " التي كانوا يتبعونها وذلك بإيعاز من البابا عام 1445 خاصة أولئك الموجودين في قبرص منهم. إلا أن اتحادهم الفعلي مع اللاتين لم يتم حتى القرن السادس عشر بعمل من المبشر اليسوعي إيليانو. وأخذت الكنيسة اللاتينية تتوطّد وتترسّخ بفعل البعثات الإرسالية التبشيرية التي تهددت وحدة الكنيسة الأرثوذكسية التي ينتمي إليها غالبية مسيحيي البلاد.
في القرن الثالث عشر وقعت القسطنطينية تحت السيادة اللاتينية بفعل الصراع على العرش الإمبراطوري فسقطت في يد الحملة الصليبية الرابعة، الذين أعملوا فيها النار والسيف ونهبوا كنائسها وأيقوناتها وذخائر القديسين وتعرضوا للراهبات، وللأسف فقد بارك البابا المعاصر آنذاك هذه السيطرة مطالباً بخضوع كنيسة القسطنطينية.
تمكن الإمبراطور ميخائيل الثامن باليولوغ عام 1261من استعادتها، وبرز خطر التراك العثمانيين الذين بدؤوا يحتلون مقاطعات الدولة بالجملة منكلين بالمسيحيين ودافعين بهم إلى الإسلام خلاصاً من التنكيل. طالب الإمبراطور يوحنا الخامس – غير بطريرك أنطاكية السابق ذكره في القرن الحادي عشر - بنجدة غربية فلم يلتفت إليه احد ، فاعتنق " الكثلكة " وبدأت محاولة توحيدية بين روما والقسطنطينية.


اتحاد الكنيستين الشرقية والغربية
أراد الشرق الوحدة ممثلاً بشخص الإمبراطور البيزنطي لأغراض سياسية لدعم الدولة في وجه الخطر العثماني، ورأى فيها الغرب بشخص البابوات سبيلاً لبسط نفوذهم وهيمنتهم على الكنيسة الشرقية، وسنسلّط الضوء هنا على اهم محاولتين اتحاديتين:

- الإتحاد الليوني 1274: قبل فيه امبراطور القسطنطينية بكل شروط البابا وأخضع نفسه والكنيسة الشرقية عنوة للبابا، وغيّر البطريرك المسكوني المعارض. فهبّ الشعب بوجهه ولم تفلح محاولاته لإخضاعهم حتى العام 1283 حيث جمع ابن الإمبراطور السابق مجمعاً قسطنطينياً محلياً تمّ فيه الحكم بحرم الإمبراطور السابق – الأب – وأعيد تكريس الكنائس وطُردَ الإكليروس اللاتيني من القسطنطينية. وهكذا انتهت محاولة اتحادية لم تتمّ أصلاً سوى بين شخصي الإمبراطور والبابا.

- الإتحاد الفلورنتي 1439: طلبت القسطنطينية النجدة لتدفع الخطر العثماني المحدق، فطُرح موضوع الدعوة إلى مجمع مسكوني لتقرير الإتحاد بين الكنيستين. وتعرضت الوفود الأرثوذكسية لإهانات بالغة عندما طلب البابا أفجانيوس الرابع من البطريرك المسكوني تقبيل الحذاء البابوي – حسب العادة اللاتينية – ورفض لآخر بحزم وكان بين الحضور ممثلين عن الكنيسة الروسية.

دارت مناقشات طويلة بين الجانبين خاصة حول مسألة " الانبثاق " ثم انتقلت أعمال المجمع إلى فلورنسا بعد أن كانت في فرارا هرباً من الطاعون . وبعد جدلٍ عنيف قام أسقف أفسس " الأرثوذكسي " واعتبر اللاتين هراطقة علناً، ورفض البطريرك المسكوني وأسقف أفسس التوقيع، ومات البطريرك القسطنطيني يوسف في تلك الأيام ( والبابا الذي لم يرَ توقيعهما اعتبر المجمع لم يفعل شيئاً ) ، وتُلي القرار وتبادل الجميع القبل. ولكن بعد العودة إلى القسطنطينية صرّح الأساقفة الشرقيين انهم وقعوا تحت التهديد، وثار الشعب والإكليروس ضد الموقعين وتجمع الجميع حول مرقس أسقف أفسس،وعارض الإتحاد كل من بطاركة اورشليم والأسكندرية وأنطاكية ، وألّف هؤلاء المعارضون مجمع اورشليم عام 1443 فارزين كل المتحدين من الكنيسة. ولما لم يحصل الإمبراطور على المساعدة العسكرية الموعودة عاد البطاركة فعقدوا مجمعاً آخر في القسطنطينية عام 1450 وحكموا على الإتحاد وجرّدوا البطريرك الإتحادي خليفة البطريرك يوسف.


الرئاسة والإدارة الكنسية في الشرق

كانت الكنيسة الشرقية تُدار من أربعة بطاركة هم : القسطنطيني ، الإسكندري، الأنطاكي والأورشليمي . وكان البطريرك القسطنطيني يحمل لقب " المسكوني " ذلك أنه بطريرك العاصمة، دون أن يكون لهذا التقدم الفخري أي مدلول بتبعية او خضوع بدليل اشتراك البطاركة الآخرين بتجريد البطاركة المسكونيين في بعض الأحوال.

يُعتبر المجمع المقدس هو السلطة العليا في الكنيسة الأرثوذكسية، ولكل بطريركية مجمعها المحلي ، ويبقى المجمع المسكوني هو السلطة العليا في العالم المسيحي وهو اجتماع المجامع المحلية. والمجمع المسكوني يحدد العقائد التي يكون هناك اختلاف حولها والقوانين العامة اللازمة التطبيق من جميع الكنائس.
الأمر السلبي الذي ميّز هذه الحقبة كان التسلط الإمبراطوري على البطريركيات وتدخلهم في عزل الأساقفة وسيامتهم، حتى وصل إلى السدّة البطريركية أناسٌ غير مستحقين.



الكنيسة اللاتينية ( البابوية )

عملت عبر مبشريها على ليتنة المسيحيين الأرثوذكس في غير مكان ( تحويلهم إلى المذهب اللاتيني )، كما عمل مبشروهم في غير مكان من العالم، فالإسبان والبرتغاليون عملوا على تبشير أمريكا وأفريقيا.
عمل البابوات اعتباراً من القرن الحادي عشر على تثبيت سلطتهم كسلطة عليا تفوق سلطة الملوك، واعتبروا أنفسهم ممثلين للمسيح على الأرض مما يوجب الخضوع التام لهم، وحُصِر انتخاب البابا بمجلس الكرادلة.
وكان الحرم الذي أصدره البابا غريغوريوس ضد الملك هنري الرابع أن أطاح بعرشه فسار بقدمين حافيتين إلى روما لطلب الصفح البابوي، وما ان عاد وقويت شوكته حتى هاجم روما وأطاح بالبابا واستيدله بآخر.
 وتابع البابوات سياسة إقصاء الملوك وتنظيم التحالفات السياسية ضدهم. وتابع الملوك مجيئهم بجيوشهم إلى روما وخلع البابوات وتنصيب آخرين.
 ومن أشهر من رفض سلطة البابا الملك الفرنسي قيليب الجميل 1285- 1315 الذي سجن البابا بونيفاتيوس الثامن، وجعل البابوات يقيمون في Avignone التي سميّت " أسر البابوات "لمدة سبعين عاماً ولم يكترث أحد لحرمهم حتى جاء البابا غريغوريوس التاسع 1370-1378 .

وكانت النتيجة انحطاط المقام البابوي ورجالات الإكليروس وتزعزع الإيمان وكثرت الدسائس ، ومنه لم يكن الغرب أحسن حالاً من الشرق كما رأينا ، مع فارق واحد هو الهدف؛ فبينما كانت السبب في الشرق هو هيمنة السلطة الزمنية على تلك الروحية، كان في الغرب بدافع السلطة والمطامع السياسية.

وكردّ فعل على الفساد الأخلاقي نشأت بعض الطغمات الرهبانية عبر محاولة الدعوة لحياة رهبانية صارمة، ومن اهمها بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر:

- طغمة البرنارديين 1098: أسسها شخص يدعى روبرت على نظام صارم يرفض مباهج الحياة وتسمت بهذا الاسم بعد برنارد كليرفوا وثبتها البابا باسخاليوس الثاني.
- طغمة الكرمليين: أسسها احد الفرسان الصليبيين واسمه بيرتولد على جبل الكرمل في فلسطين وانتقلت معهم إلى اوربا .
- الفرنسيسكان: أسسها فرنسيس من مواليد 1182 الذي كان لطيفاً محباً للفقراء نذر حياته لله وعاش بفقر تام، وتثبتت بقرار البابا غريغوريوس.
- الدومنيكان: أسسها كاهن اسباني يدعى دومنيك من مواليد 1170 عملوا بالوعظ ويشبهون معاصريهم الفرنسيسكان.
- طغمة الفرسان الروحية: أهم أسباب ظهورها الحروب الصليبية، من اولهم كان فرسان يوحنا وفرسان المعبد. اعتنى فرسان يوحنا المعمدان بالحجاج والفقراء والمرضى في أورشليم وانتقلوا عبر قبرص ورودس ليستقروا أخيراً في مالطا بعد انهيار المملكة الصليبية. اما فرسان المعبد فقد عادوا إلى فرنسا ليجدوا الملك فيليب الجميل يحاربهم كهراطقة.


بعض من خطوات مسيرة الكنيسة البابوية
بعد القرن الثاني عشر بدأت الكنيسة اللاتينية تناول المؤمنين سر الشكر على شكل واحد هو الجسد فقط ، وبقيت المناولة تحت شكلي الجسد والدم حكراً على الإكليريكيين بافتراض أن الجسد ذاته يحوي الدم.
ثم بدأت روما بإدخال اعياد جديدة " كعيد جسد المسيح " في الخمسين التالية للعنصرة، وعيد " الحبل بلا دنس " بناء على تعليم غريب شاع في الغرب أن الحبل بمريم العذراء تم بلا دنس وتبناه الرهبان الفرنسيسكان ، كما بدات تظهر التماثيل على شاكلة الصور العلمانية بعيداً عن وقار الأيقونة ورمزيتها.
كما كانت الرئاسة الروحية موبوءة بالعيوب الفاضحة، وسمي القصر البابوي في أفينيون " بابل الثالثة " وكان من الطبيعي أن ينغمس كبار رجال الإكليروس في حياة الترف والرفاهية. واضطر البابا غريغوريوس السابع إلى فرض حياة العزوبية عليهم كمحاولة لإصلاحهم. عدا عن الفروسية المجيدة والدعوة إلى الحرب البعيدة كل البعد عن روح المسيحية. وابتعد الرعاة عن تعليم رعاياهم وفرضوا إقامة الخدم باللغة اللاتينية فسيطر الجهل الديني على الشعب، بالإضافة لما حمل الصليبيون معهم من خزعبلات لاقت رواجاً ( خصلة من شعر العذراء، قطعة من ثوب المسيح ... ). وقد دعمت ذلك السلطات الروحية لكسب ولاء الشعب بينما مجّد الفرنسيسكان والدومنيكان بنوع خاص العجائب والنبوات الكاذبة. وبرز التعليم " باستحقاقات القديسين " اي ان صالحاتهم الكثيرة تغطي على سيآتهم القليلة، وساد الاعتقاد بالاستفادة من فيض أعمالهم الصالحة لمنحها للخطأة لمنحهم الغفران ( بنك القديسين ). ولاجتذاب الناس إلى الحروب برزت مسألة بيع غفرانات تامة عن الخطايا السابقة واللاحقة ! ولما لاقت الطريقة رواجاً صار الغفران يمنح في كل الأوقات في السلم كما في الحرب.
وبسبب من قيام جمعيات تهدف لتصحيح مسار الكنيسة فقد سمح البابا باضطهاد هؤلاء وسمحوا بإدخال التعذيب إلى محاكم التفتيش وإحراق الهراطقة . فصارت التهمة جاهزة لأعداء الفساد الإكليريكي والنار التهمت الكثير من دعاة التغيير.


الدور الرابع
من 1453 وبدء حركات الإصلاح في الغرب حتى الوقت الحاضر




انحطت الكنيسة الشرقية كثيراً بعد سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين عام 1453 ولكنها جهدت للمحافظة على متابعة الرسالة ونقاء التعليم الأرثوذكسي، أما في الغرب فكان لانحراف الكنيسة البابوية الدور الكبير في بدء تشكل جمعيات وجماعات إصلاحية كان هدفها الإصلاح لكنها ازدادت ابتعاداً عن التعليم الأرثوذكسي.


الكنيسة الأرثوذكسية في هذه المرحلة

استشهد الإمبراطور البيزنطي على أسوار عاصمته مدافعاً عنها، ولحق الأتراك بالمؤمنين إلى داخل الكنائس ليذبحوهم فيها، وكثير منها دمِّر وتم جر الأيقونات في الشوارع ونهبت ذخائر القديسين وأبيحت المدينة للنهب والسلب ثلاثة أيام بلياليها، وتحولت كنيسة الحكمة المقدسة ( أغيا صوفيا ) روعة الفن البيزنطي إلى جامع. ثم أخضعت صربيا 1459 والبوسنة 1463 وألبانيا 1467 . وجرى ضم كثير من المسيحيين إلى فيلق الإنكشارية وأجبروا على اعتناق الإسلام.
قام السلطان محمد الثاني الذي أراد بناء دولة قوية وصناعية وعلى علاقة جيدة بالغرب بالعطف على اليونانيين، وترك لهم حرية العبادة وأعلن حمايته للكنيسة وسمح بانتخاب بطريرك فكان البطريرك جناديوس سخولاريوس الذي ثبّت له السلطان الحقوق البطركية ومنحه عصا فضة وحصاناً وجعل المقر البطريركي بجانب كنيسة " الرسل القديسين "، ومنع أحداً من التدخل بشؤون الكنيسة غير أسقفها وأعفى الإكليروس من الضرائب وجعل الكنائس في حماية الدولة مانعاً تحويلها إلى جوامع او تحويل المسيحيين إلى الإسلام بالقوة وأعطى البطريرك المسكوني حق الجلوس في المكان العالي ، وكان ذلك لأسباب سياسية.
إلا أن ذلك الغزل لم يطل فقد قام محمد الفاتح بتحويل كاتدرائية الرسل القديسين إلى جامع ونقل البطريركية إلى كاتدرائية العذراء " الكلية الغبطة " ،وفرض عليهم الجزية وأنزل الإكليروس عن كراسيهم . واستيد خلفاؤه في اضطهادهم وألغوا الإمتيازات السابقة وسمحوا باستخدام القوة لتحويل المسيحيين إلى الإسلام وصودرت كنائس كثيرة وأقفلت كنيسة القيامة نفسها واستشهد الكثيرون واضطر المسيحيون لبيع أواني الكنائس لافتداء كنائسهم وانفسهم، ومن ثم نفي البطريرك إرميا الثاني وتحول المقر البطريركي إلى " الفنار " جانب كنيسة " القديس جوارجيوس " ولا يزال هناك حتى اليوم.
في القرنين السابع عشر والثامن عشر ازداد الوضع سوءاً بسبب انتصار الروس على العثمانيين، فيزداد هؤلاء تنكيلاً بالأساقفة تبديلاً ونفياً وقتلاً ،وصار العرش الأسقفي لمن يدفع للولاة أكثر، وكان التراك كثيراً ما يقتحمون الكنائس محطمين الأيقونات ومدنسين القدسات. أما المؤمنون فأصيبوا بفقر مدقع في مجتمع حرمهم كافة حقوقهم وحتى الجندية، ولم تكن شهادة المسيحي تقبل في المحاكم ضد المسلم، وكان يعفى من العقاب من يعتنق الإسلام مهما كان جرمه.
مع انحطاط الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر تغيرت علاقة الدولة بالمسيحيين اضطرارياً بضغط من روسيا والدول الغربية، وحصلوا على بعض الإمتيازات. وكانت روسيا السند الأقوى لمسيحيي الشرق خصوصاً الأرثوذكس منهم، وتدفقت المساعدات عليهم مما حسن قليلاً من وضع الكنائس.


الكنيسة الأنطاكية في هذه المرحلة

بقي على الأرثوذكسية الخلقيدونية سواد الشعب اليوناني الذي استوطن المنطقة في القرن الثالث قبل الميلاد وبعض العرب، وتحولت الليتورجيا إلى العربية بدلاً من اليونانية، واستمرت الكنيسة الأنطاكية على علاقاتها بباقي الكنائس الأرثوذكسية . لم تخلُ هذه الفترة من وشايات وتنازع على العرش البطريركي المر الذي زاد من اشمئزاز الشعب وانجراف البعض مع تيار الدعاية اللاتينية الذي عرف جيداً كيف يستفيد من نقاط الضعف التي عصفت بالكنيسة الأرثوذكسية.
في عام 1586 قام البطريرك النطاكي يواكيم الخامس لأول مرة بزيارة روسيا ولقي استقبالاً حاراً وعاد محملاً بالهدايا لمسيحيي أنطاكية، وحمل مطلب الروس إلى البطريرك المسكوني إرميا الثاني بشأن إحداث بطريركية موسكو فلاقى الطلب ترحيباً وموافقة.
ثم زار البطريرك المسكوني إرميا روسيا العام 1588 وأحدث البطريركية ووقع فيما بعد على ذلك البطاركة الأرثوذكس وجرى تثبيت ذلك بقرار مجمعي لاحقاً.
في القرن السابع عشر اشتدت الدعاية اللاتينية في انطاكية. وقد قام البطريرك الأنطاكي مكاريوس الثالث " ابن الزعيم " روسيا واستقبل بحفاوة بالغة وساهم في حل الكثير من الملابسات والممارسات غير السليمة في الكنيسة الروسية، وحضر وقائع المجمع المقدس للكنيسة الروسية ، ودعاهم لعدم إعادة تعميد اللاتين العائدين إلى الأرثوذكسية لأن معموديتهم صحيحة. ثم عاد مكاريوس لزيارة روسيا ثانية برفقة بطريرك الإسكندرية باييسيوس. ولما عادا سجنا بوشاية فتدخل القيصر ألكسي لدى السلطان العثماني واطلق سراحهما.
تميز البطريرك مكاريوس بعلاقته الطيبة مع الكنيسة في روما لأن اليسوعيون طببوه وهو مريض في حلب، واتهم على أساس ذلك بأنه " كاثوليكي " . لكنه أحبهم لعمالهم الخيرية وطلب إلى الشعب أن يحبهم وسمح لهم بالوعظ في كنائسه وحضر حفل تنصيب بطريرك السريان الكاثوليك في حلب، واعترف بتقدم البابا في الكنيسة ولكن ليس بسيادته، لكنه ورغم ذلك لم يتراجع عن ارثوذكسيته في أي موقف ويعترف الكاثوليك بأنه لم يطلب الوحدة معهم يوماً.


الدعاية اللاتينية في هذه المرحلة


تنظمت هذه المساعي في أواخر القرن السادس عشر ، وفي عام 1583 وصل إلى سوريا قادماً من روماأسقف لاتيني لصيدا ناقلاً للأرثوذكس اقتراحاً بابوياً بإصلاح للتقويم من قبل البابا غريغوريوس الثالث عشر تم رفضه لتجاوزه المجمع المسكوني الأول . استغل اليسوعيون الفوضى التي تعيشها الكنيسة واعتنق بعض الأساقفة المذهب اللاتيني كمطارنة حلب وصور وصيدا وبيروت ، وجرّوا بالحيلة البطريرك كيرلس الخامس لتقديم اعتراف إيمان كاثوليكي للبابا بدعم من صديقه قنصل فرنسا في صيدا فقررت الدعاية اللاتينية الاعتراف به بطريركاً وحيداً على أنطاكية.

لكن القسطنطينية حرمت المطارنة المنشقين وحذرت الشعب من الإنجرار خلفهم، وأصدرت ما بات يعرف " بحرم البطاركة " عام 1718 . واتبع اللاتين وسائل الدعاية المختلفة متساهلين ومحللين في الأصوام وزواج الأقارب. ووصل الأمر بان قام مطران حلب المتليتن " سيرافيم طاناس " بعد أن تم حرمه بإعلان نفسه بطريركاً على أنطاكية تحت اسم " كيرلس السادس " ، فأصدر البطريرك الأنطاكي سيلفستروس حرماً آخر ضده .

 لكن المطران سيرافيم كان يبذل جهوداً جبارة بدعم فرنسا لتثبيت كرسيه، وشهدت حلب منافسة وصراعاً بين الجماعتين اللاتينية الناشئة والأرثوذكسية ، وقد خلف سيرافيم " كيرلس " في كرسيه المطران مكسيموس الكاثوليكي الذي شرع في بناء الأديار والكنائس مكرساً الواقع الناشيء.

لكن الكاثوليك الذين لم يعترف الباب العالي بكنيستهم كانوا مضطرين لإتمام خدم المعمودية والزواج والوفاة لدى الأرثوذكس حتى استطاع بطريركهم " مكسيموس مظلوم 1833- 1855 " انتزاع اعتراف الدولة بكنيسة سمت نفسها " كنيسة انطاكية للروم الملكيين الكاثوليك " . وبقي الإكليروس على لباسه ويتمم خدماته على الطقس البيزنطي مع إدخال ذكر البابا فقط والأعياد والمفاهيم اللاتينية.

لكن الأنطاكيين واصلوا جهودهم وأسفرت عام 1846 عن عودة مطران ديار بكر ورعيته إلى حضن الكنيسة الأم، كما عاد كذلك آلاف الكاثوليك إلى الأرثوذكسية في مصر وسوريا بعد طلب تقدموا به إلى البطاركة الأربعة.
كانت البطريركية الأنطاكية حصراً لليونانيين ولكن بمساعٍ روسية انتحب مع مطلع القرن العشرين اول بطريرك عربي وتلا ذلك شيء من الجفاء مع الكرسي المسكوني استمر حتى عهد البطريرك الأنطاكي " غريغوريوس الرابع حداد " 1906- 1928 الذي أعاد المياه إلى مجاريها مع كافة الكراسي الأرثوذكسية وانتعشت أنطاكية في عهده.
وللأسف فإنه إلى جانب البطريرك الأنطاكي، هناك ستة يحملون لقبه " بطريرك أنطاكية " ناهيك عن الجماعات البروتستنتية والبدع.




محاولة اللاتين الإستيلاء على الأماكن المقدسة

ظلت الأماكن المقدسة في رعاية الكنيسة الأرثوذكسية منذ الأزمنة الأولى ، ورغم ان الصليبيين سيطروا عليها إلا أن صلاح الدين اعادها إلى البطريرك الأورشليمي ، وفعل السلطان العثماني سليم الأول ذات الشيء العام 1517. ولم يمنع الأرثوذكس احداً من زيارتها حتى بعد انشقاق 1054 وكان للاتين مذابحهم وموائدهم ويقيمون شعائرهم بكل حرية جنباً إلى جنب. لكن اللاتين دفعوا أموالاً للسلطات التركية للسيطرة على الأماكن المقدسة، لكن البطريرك الأورشليمي ثيوفانس دافع عن حق كنيسته بالوصاية عليها وبمساعدة الكرسي المسكوني تمكن من دحض الوثائق المزورة التي قُدّمت للسلطان. إلا أن نفوذ فرنسا دفع بالسلطان لمنح اللاتين الوصاية عليها، فما كان منهم إلا أن هاجموا كنيسة القيامة وخربوها وهاجموا الأرثوذكس بينما كانوا يحتفلون بعيد الشعانين ( القرن السابع عشر ) كما كسروا أيقونسطاس كنيسة بيت لحم. فتقدم البطريرك برثينيوس بشكوى للسلطان الذي رد الوصاية إلى الأرثوذكس مع منح اللاتين حق المشاركة في الخدم الإلهية . كانت هذه الخلافات سبباً في حرب بين روسيا والسلطنة العثمانية أسفرت عن وضع ترتيب متوازن ومقبول من الطرفين.




اتسمت هذه المرحلة في الكنيسة المسكونية بمايلي :
- من بين 159 بطريركاً اعتلوا عرش القسطنطينية في هذه المرحلة ، خلع الأتراك 105 وأجبروا 27 على التنازل وقتلوا ستة والباقين قضوا بشكل طبيعي .
- في القرن التاسع عشر وبسبب الوضاع السياسية بدات البلدان تستقل وكذلك الكنائس فتكونت البطريركيات والكنائس المستقلة : كنيسة اليونان 1850، بطريركية رومانيا 1885، بطريركية بلغاريا 1945، بطريركية صربيا 1879، بينما بقي للقسطنطينية جزء يسير ومؤمنو المهجر.
- ترتبت البطريركيات والكنائس المستقلة كمايلي : القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية، اورشليم،روسيا، صربيا، رومانيا، بلغاريا، جيورجيا، ثم الكنائس المستقلة التي هي ليست بطريركيات بل يديرها مجمع يرأسه رئيس أساقفة. وهذا التقدم بين متساوين .




الكنيسة الروسية في هذه المرحلة
كان رئيس أساقفة موسكو ينتخب في القسطنطينية حتى سقوطها بيد الأتراك حيث منح هذا الحق لموسكو فصارت كنيسة مستقلة منذ ذلك الوقت.
كان الناس يرون فيها روما الثالثة كونها خلفت القسطنطينية " روما الثانية " كمحور للأرثوذكسية، وفي العام 1598 رُقّيت موسكو إلى رتبة بطريركية كما رأينا. وكانت بولونيا ذات الأغلبية الكاثوليكية تسيطر على جنوب غرب روسيا وليتوانيا وتنشط هناك الإرساليات اللاتينية التي عملت على جر الكثيرين من الأرثوذكس بمن فيهم مطران كييف الذين اعترفوا بأولية البابا وسمح لهم بالبقاء على عاداتهم وطقوسهم ودعيوا " كاثوليك الطقس الشرقي " ، وصودرت كنائس ارثوذكسية وهذا ما زاد في تسميم الأجواء بين القسطنطينية وروما منذ العام 1596.
كان القرن السابع عشر عصر نهضة ثقافية روحية في روسيا وازدهار للكنيسة وتمتع الإكليروس بدرجة عالية من الأخلاق وتحولت روسيا إلى بيت كبير للعبادة ادهشت كل من زارها، وكانت الخدم رغم طولها جميلة جداً. لكن هذا لم يمنع انشقاق ما بات يُعرف " بالمؤمنين القدامى " الذين كانوا يتبعون عادات تختلف بعض الشيء مع العادات اليونانية المتبعة في البطريركيات اليونانية الباقية، فلما صار نيكن بطريركاً فرض بالقوة تغيير بعض العادات وعمد لسجن خصومه واعدم بعضاً منهم مما سبب هذا الشقاق، لم يختلف هؤلاء عن الأرثوذكس بشيء سوى أنهم لم يقبلوا بماهو يوناني ومستحدث. تم عزل هذا البطريرك من المجمع الروسي المقدس الذي انعقد بحضور بطريركي أنطاكية ( مكاريوس ابن الزعيم ) والإسكندرية ( باييسيوس ).
تمت ممارسة بعض الضغوط على الكنيسة من قبل القياصرة بطرس الأكبر ( أواخر القرن الثامن عشر ) وإليزابيت وكاترين الثانية، حيث استبدل منصب البطريرك بالمجمع الروسي المقدس الذي يحضر جلساته موظف حكومي له نفوذ كبير، واعترفت البطريركيات القديمة بهذا لأن لا حول لها ولا قوة تحت نير الحكم التركي واستمر الأمر كذلك حتى العام 1917 ، تميز بانحطاط في الكنيسة وخضوعها للدولة تماماً. لكن الإكليروس الروسي الواعي حافظ على عمق الحياة الأرثوذكسية وخاصة على يد الرهبان الكثيرين الآتين من الجبل المقدس " آثوس " فأقيمت الأديرة وظهر قديسون جدد.
في العام 1917 وبعد تنازل القيصر نيقولا الثاني عن العرش وتسليم الحكم لحكومة مؤقتة انعقد مجمع الكنيسة الروسية وأعاد البطريركية وانتخب البطريرك تيخون في تشرين الثاني 1917 والذي كان متروبوليت موسكو، وكان ذلك بعد يومين من استلام لينين ورفاقه سدة الحكم في روسيا، فكان أن تلقى المجمع المقدس وهو على وشك اختتام اعماله نبأ بدء اضطهاد الكنيسة الروسية ومقتل اول شهدائها متروبوليت كييف فلاديمير

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt