طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

الأحد الرابع من شهر كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 87 : 5

لو 8 : 1 - 3

مز 96 : 11 – 13

مر 3 : 28 - 35

رومية 9

6 - 33

1 يو 2 : 24

- 3: 3

أع 7

8 - 22

مز 80 : 1 – 3

لو 1 : 57 - 80

مزمور عشية : مز 87 : 5

 ولصهيون يقال هذا الإنسان وهذا الإنسان ولد فيها وهى العلى يثبتها

إنجيل عشية من لوقا 8 : 1 – 3

1 و على اثر ذلك كان يسير في مدينة و قرية يكرز و يبشر بملكوت الله و معه الاثنا عشر
2 و بعض النساء كن قد شفين من ارواح شريرة و امراض مريم التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين
3 و يونا امراة خوزي وكيل هيرودس و سوسنة و اخر كثيرات كن يخدمنه من اموالهن 

 

"وعلى أثر ذلك كان يسير في كل مدينة وقرية

يكرز ويبشِّر بملكوت الله،

ومعه الاثنا عشر، وبعض النساء" [1-2].

بعد وليمة سمعان الفرِّيسي التي كانت تشير إلى ظهور السيِّد المسيح في وسط خاصته اليهود (بيت سمعان) وقد حُرم خاصته منه بسبب كبرياء قلبهم، ليغتصب الأمم (المرأة الخاطئة) صداقته خلال محبَّتها النابعة عن قلب متواضع، ترك المسيح كفرناحوم ليكرز في كل مدينة وقريَّة ومعه الاثنا عشر ونسوة، وكأنه قد ترك الأمم وانطلق إلي العالم خلال كنيسته يعلن عن ملكوته.

هنا يلزمنا أن نقف قليلاً لنرى يوحنا المعمدان قد سبق فكرز باقتراب ملكوت الله، أما السيِّد المسيح فجاء يقدِّم الملكوت حالاً في وسطنا: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21).

انطلق للعمل ومعه الاثنا عشر وبعض النسوة، وقد ركَّز الإنجيلي لوقا علي هذا الأمر، إذ يقول:

"وبعض النسوة كنَّ قد شُفين من أرواح شرِّيرة وأمراض،

مريم التي تُدعى المجدليَّة التي أخرج منها سبعة شيَّاطين.

ويونا امرأة خوزي وكيل هيرودس، وسوسنَّة،

وأُخر كثيرات كنَّ يخدمْنه من أموالهن" [2-3].

الإنجيلي لوقا وهو يكتب لليونان ركَّز علي اهتمام السيِّد بالمرأة، ويلاحظ في النص الذي بين أيدينا الآتي:

أولاً: قامت رفقة هؤلاء النسوة للسيِّد المسيح علي أساس خبرة العمل الخلاصي، فقد تمتَّعت المجدليَّة بالخلاص من سبعة شيَّاطين، وذاقت الأُخريات عذوبة كلمة الله، هذه الرفقة دامت طويلاً، فقد كانت النسوة يتبَعن السيِّد حتى في لحظات الصليب، ومنهن من سبقن التلاميذ عند الدفن وزيارة قبر المخلِّص، فصرن كارزات بالقيامة. وكانت أيضًا النساء يرافِقن التلاميذ في عبادتهم، وتمتَّعن معهم بعيد العنصرة كما جاء في سفر الأعمال.

علي أي الأحوال إن كان العهد القديم لم يتجاهل دور المرأة تمامًا، لكن العهد الجديد رفع من شأنها، فقد قيل عن هذا العهد: "ويكون بعد ذلك أنِّي أسكب روحي علي كل بَشَر فيتنبَّأ بنوكم وبناتكم" (يوئيل 2: 28). تتطلَّع الكنيسة إلي الفتيات والنساء كأعضاء في جسد المسيح يُشاركن الرجال عضويَّتهم، وقلوبِهن مذبحًا للرب، وهيكلاً للروح المقدَّس!

ثانيًا: لم تكن خدمتهن للسيِّد وقتيَّة، إذ جاء التعبير "كن يخدمْنَه" تعنى استمراريَّة العمل.

ثالثًا: إن كان السيِّد الخالق قد اِفتقر من أجلنا ليُغنينا، فإنه لم يستنكف من أن تعوله نسوة بأموالِهِنَّ. إنها محبَّة فائقة أن يقبل مُشبِع النفوس والأجساد أن تخدِمه الأيادي البشريَّة الضعيفة!

+     +      +

مزمور إنجيل باكر  : مزمور 96 : 11 – 13

لتفرح السموات ولتبتهج الأرض ليعج البحر وملوه . ليجذل الحقل وكل ما فيه لتترنم حينئذ كل أشجار الوعر . أمام الرب لأنه جاء . جاء ليدين الأرض . يدين المسكونة بالعدل والشعوب بأمانة

 

إنجيل باكر من مرقس 3 : 28 – 35

28 الحق اقول لكم ان جميع الخطايا تغفر لبني البشر و التجاديف التي يجدفونها
29 و لكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة الى الابد بل هو مستوجب دينونة ابدية
30 لانهم قالوا ان معه روحا نجسا
31 فجاءت حينئذ اخوته و امه و وقفوا خارجا و ارسلوا اليه يدعونه
32 و كان الجمع جالسا حوله فقالوا له هوذا امك و اخوتك خارجا يطلبونك
33 فاجابهم قائلا من امي و اخوتي
34 ثم نظر حوله الى الجالسين و قال ها امي و اخوتي
35 لان من يصنع مشيئة الله هو اخي و اختي و امي

 

في محبة كشف لهم غباوة تفكيرهم، بقوله:

 "كيف يقدر شيطان أن يخرج شيطانًا. وإن انقسمت مملكة على ذاتها، لا تقدر تلك المملكة أن تثبت. وإن انقسم بيت على ذاته لا يقدر ذلك البيت أن يثبت. وإن قام شيطان على ذاته وانقسم، لا يقدر أن يثبت، بل يكون له انقضاء. لا يستطيع أحد أن يدخل بيت قوي وينهب أمتعته، إن لم يربط القوي أولاً، وحينئذ ينهب بيته. الحق أقول لكم أن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة" [23-29].

أ. من الواقع العملي اليومي لا يمكن قبول أن شيطانًا يخرج شيطانًا، وإلا انهارت مملكته، ففي الحروب العادية، كما في الحياة الأسرية، إن حدث شقاق يتبعه خراب لا محالة.

ب. لقد احتل الشيطان الإنسان وحسبه بيته، ونهب كل طاقاته وإمكانياته ومواهبه لتعمل لحساب مملكة الشر. هذا العدو القوي لن يخرج، ولا تًسحب منه أمتعته التي اغتصبها ما لم يُربط أولاً، فقد جاء السيد ليعلن عمليًا سلطانه كمحطم لهذا القوي، حتى يسحب منه ما قد سبق فسلبه.

يقول القديس كيرلس الكبير: [يقصد بالقوي الشيطان، وما هو بيته إلا مملكته على الأرض، وأما أمتعته فهي أولئك الناس الذين يتشبهون بإبليس أبيهم في شئونهم وأعمالهم. وكما أننا ندعو القديسين أوانٍ مقدسة وأمتعة مكرسة، كذلك يمكن تسمية الأشرار أمتعة إبليس وآنيته، لأنهم يشتركون معه في الخبث والشر. دخل المسيح الكلمة وحده بيت إبليس، هذا العالم الأرضي، وربط الشيطان، في "سلاسل الظلام وطرحه" (2 بط 2: 4). خلص لاوي فلم يعد بعد أسيرًا في مملكة الشيطان، وأصبح بتوبته جديرًا بالبركات الإلهية، فنتعلم أن التوبة هي السبيل السوي للخلاص والفداء، فقد قيل: "التفتوا إليّ وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض" (إش 45: 22).]

ج. ابن الإنسان مستعد أن يغفر حتى هذه الاتهامات بالرغم من مرارتها، إن رجع هؤلاء عن شرهم، أما إن بقوا مصرين على عدم التوبة، فيُحسبون مجدفين على الروح القدس، أي رافضين عمله الذي هو التوبة، فيحرمون من المغفرة ويسقطون تحت الدينونة. يقول القديس أغسطينوس: [حقًا إن كل خطية وتجديف يغفر للبشر ليس فقط ما يقال ضد ابن الإنسان. فمادامت لا توجد خطية عدم التوبة هذه التي توجه ضد الروح القدس الذي به تغفر الكنيسة جميع الخطايا، فإن جميع الخطايا تغفر.]

إخوته وأمه يطلبونه

إذ جذب السيد تلاميذه إلى بيتٍ والتف حوله جموع بلا حصر، أراد أن يعلن علاقته بهذه الجماهير، أنه دخل معهم كما في قرابة على مستوى يفوق القرابات الجسدية. إنه لم يحطم القرابات حسب الجسد ولا قاومها، لكنه أعلن الالتزام بقرابة أسمى وأعلى. لذلك عندما جاء إخوته وأمه ووقفوا خارجًا وأرسلوا إليه يدعونه، أجاب قائلاً: من أمي وإخوتي؟" ثم نظر حوله إلى الجالسين، وقال:

 "ها أمي وإخوتي. لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي" [34-35].

+ يظهر الرب أنه يلزمنا أن نكرم من هم أقرباء لنا حسب الإيمان أكثر من القرابات حسب الدم. حقًا الإنسان يصير كأم ليسوع بالكرازة به، إذ يكون كمن يلد الرب في قلوب سامعيه.

+     +      + 

البولس من  رومية 9 : 6 – 33

6 و لكن ليس هكذا حتى ان كلمة الله قد سقطت لان ليس جميع الذين من اسرائيل هم اسرائيليون
7 و لا لانهم من نسل ابراهيم هم جميعا اولاد بل باسحق يدعى لك نسل
8 اي ليس اولاد الجسد هم اولاد الله بل اولاد الموعد يحسبون نسلا
9 لان كلمة الموعد هي هذه انا اتي نحو هذا الوقت و يكون لسارة ابن
10 و ليس ذلك فقط بل رفقة ايضا و هي حبلى من واحد و هو اسحق ابونا
11 لانه و هما لم يولدا بعد و لا فعلا خيرا او شرا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الاعمال بل من الذي يدعو
12 قيل لها ان الكبير يستعبد للصغير
13 كما هو مكتوب احببت يعقوب و ابغضت عيسو
14 فماذا نقول العل عند الله ظلما حاشا
15 لانه يقول لموسى اني ارحم من ارحم و اتراءف على من اتراءف
16 فاذا ليس لمن يشاء و لا لمن يسعى بل لله الذي يرحم
17 لانه يقول الكتاب لفرعون اني لهذا بعينه اقمتك لكي اظهر فيك قوتي و لكي ينادى باسمي في كل الارض
18 فاذا هو يرحم من يشاء و يقسي من يشاء
19 فستقول لي لماذا يلوم بعد لان من يقاوم مشيئته
20 بل من انت ايها الانسان الذي تجاوب الله العل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا
21 ام ليس للخزاف سلطان على الطين ان يصنع من كتلة واحدة اناء للكرامة و اخر للهوان
22 فماذا ان كان الله و هو يريد ان يظهر غضبه و يبين قوته احتمل باناة كثيرة انية غضب مهياة للهلاك
23 و لكي يبين غنى مجده على انية رحمة قد سبق فاعدها للمجد
24 التي ايضا دعانا نحن اياها ليس من اليهود فقط بل من الامم ايضا
25 كما يقول في هوشع ايضا سادعو الذي ليس شعبي شعبي و التي ليست محبوبة محبوبة
26 و يكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبي انه هناك يدعون ابناء الله الحي
27 و اشعياء يصرخ من جهة اسرائيل و ان كان عدد بني اسرائيل كرمل البحر فالبقية ستخلص
28 لانه متمم امر و قاض بالبر لان الرب يصنع امرا مقضيا به على الارض
29 و كما سبق اشعياء فقال لولا ان رب الجنود ابقى لنا نسلا لصرنا مثل سدوم و شابهنا عمورة
30 فماذا نقول ان الامم الذين لم يسعوا في اثر البر ادركوا البر البر الذي بالايمان
31 و لكن اسرائيل و هو يسعى في اثر ناموس البر لم يدرك ناموس البر
32 لماذا لانه فعل ذلك ليس بالايمان بل كانه باعمال الناموس فانهم اصطدموا بحجر الصدمة
33 كما هو مكتوب ها انا اضع في صهيون حجر صدمة و صخرة عثرة و كل من يؤمن به لا يخزى

 

 

 

اختيار الله للآباء

حسب اليهود أنفسهم أنهم نالوا خلال آبائهم وعدًا إلهيًا أنهم شعب الله، هذا الوعد أو هذه الكلمة الإلهية لن تسقط عبر الأزمنة. والرسول بولس كمؤمن بكلمة الله يُدرك أنها لن تسقط أيضًا، إنما الخطأ ينصبّ في فهمهم لكلمة الله، فإن الله إذ وعد "إسرائيل" إنما يقدّم وعده "لإسرائيل الروحي الحقيقي"، لا لجنس معين بذاته مهما كانت تصرفاته، وإذ يعد إبراهيم بالنسل خلال إسحق، يطلب النسل الروحي الذي له إيمان إبراهيم وإسحق لا أولاد الجسد. ثم أن الله الذي اختار إسرائيل شعبًا له من حقه أن يبسط ذراعيه لسائر الأمم ليقبل الكل شعبه، خاصة إن سقط إسرائيل الجسدي في الجحود وعدم الإيمان.

"ولكن ليس هكذا حتى أن كلمة الله قد سقطت،

لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليّون" [6].

يؤكّد الرسول بولس إيمانه بكلمة الله أنها لن تسقط، ومواعيده لإبراهيم أب الآباء باقية، لكن ما يرفضه الرسول هو تفسيرهم للانتساب لإسرائيل، فإنه ليس كل إنسان من شعب إسرائيل إسرائيليًا بحق، أي ليس الكل أعضاء في شعب الله، وكما سبق فقال: "لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا ولا الخِتان في الظاهر في اللحم ختانًا" (رو 2: 28).

يعطى الرسول تفسيرًا كتابيًا لنسل إبراهيم الذي فيه تتحقّق المواعيد الإلهية، إذ يقول: "ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جيمعًا أولاد، بل بإسحق يُدعى لك نسل، أي ليس أولاد الجسد هم أولاد الله، بل أولاد الموعد يُحسبون نسلاً. لأن كلمة الموعد هي هذه: أنا آتي نحو هذا الوقت ويكون لسارة ابن، وليس ذلك فقط، بل رفقة أيضًا وهي حبلى من واحدٍ وهو إسحق أبونا، لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا، لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو، قيل لها أن الكبير يُستعبد للصغير، وكما هو مكتوب: أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" [7-13].

يلاحظ في هذا النص الرسولي:

أولاً: حكمة الرسول بولس وتمييزه في الحديث معهم، فكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول قدّم "إسحق" مثلاً للبنوّة لإبراهيم، فإنه وإن كان ابنًا لإبراهيم حقيقيًا لكنه لم يولد حسب قوّة الجسد أو حسب ناموس الطبيعة، إذ كان الأب شيخًا والأم عاقرًا، وإنما مولودًا حسب قوّة الوعد الإلهي. إذًا فنسل إبراهيم هم الذين ينعمون بالولادة لا حسب الجسد، وإنما حسب الإيمان والتمسك بوعود الله روحيًا.

لم يهاجم الرسول اليهود بكونهم نسلاً لإبراهيم، إنما هاجم فهمهم لشعب الله بطريقة حرفيّة جامدة تقف عند الانتساب الجسدي لإبراهيم. لنكن كإسحق فنصير أصحاب الوعد الإلهي حاملين البنوّة لا لإبراهيم فحسب بل كما يقول الرسول: "هم أولاد الله"، "وأولاد الموعد".

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:

[هذا الوعد إذن وكلمة الله هما اللذان شكّلا إسحق وولداه. فماذا إن كان الرحم هو الأداة وأحشاء المرأة هي الوسيلة؟ لكن ليس قوّة الأحشاء هي التي ولدت الطفل بل قوّة الوعد.

هكذا نحن أيضًا نولد بواسطة كلمة الله. ففي جرن المعموديّة كلمة الله تلدنا وتشكّلنا. لقد ولدنا من جديد بالعماد باسم الآب والابن والروح القدس. هذا الميلاد ليس بقوّة الطبيعة بل بقوّة وعد الله (يو 3: 3؛ أف 5: 26؛ يع 1: 18؛ 1 بط 3: 21).

فإنه كما سبق فأنبأ عن ميلاد إسحق ثم حقّق الوعد، هكذا بالنسبة لنا أيضًا قد سبق فأعلن عن ميلادنا منذ أجيال طويلة بواسطة الأنبياء ثم حقّق الوعد. أنتم تعرفون كيف قدّم الوعد أنه سيتحقّق كأمرٍ عظيمٍ، وقد تمّمه بسهولة شديدة (هو 2: 1 الخ).

لكن إن قال اليهود إن الكلمات: "بإسحق يُدعى لك نسل" تفهم بأن كل من يولد من إسحق بالضرورة يحسب نسله، بهذا يكون بنو آدوم أبناؤه، لأن أباهم عيسو (آدوم) هو أيضًا ابنه... هكذا ترون أنه ليس كل أولاد الجسد هم أولاد الله، هكذا سبق فأخبر بطريقة ما عن تجديد الميلاد الذي من فوق بواسطة المعموديّة. (إذ يرى القدّيس بأن الوعد بنسل إسحق يُشير إلى الوعد للمولودين في المعموديّة ميلادًا ليس حسب الطبيعة أو الجسد.)

إن قلتم أن الولادة تتحقق بالرحم (من سارة) أقول أنها تتم هنا بالمعموديّة، إذ تتم بالروح كما تحقّقت هناك بالوعد. فالرحم أكثر جمودًا من الماء بسبب عقر (سارة) وشيخوختها.

إذن لنتيقّن من معرفة دقيقة عن سمونا، ولتكن حياتنا لائقة بهذا السمو، فإنه ليس سموًا جسديًا أو أرضيًا، وليتنا لا نسمح أن يكون فينا شيء من هذا.

لم يصنعنا الله (كأبناء له) خلال النوم ولا بمشيئة جسد (يو 1: 13) ولا خلال جنون الشهوة... بل خلال الحب الإلهي نحو الإنسان (تي 3: 5).

وكما أنه في تلك الحالة تحقّق الميلاد بعد أن نزع الزمن الرجاء، هكذا في حالتنا نحن بعد أن غلبتنا شيخوخة الخطيّة وُلد إسحق فجأة صغيرًا وصرنا نحن أولاد الله ونسل إبراهيم (إش 60: 31).]

إذن وعد الله قائم وكلمته لم تسقط بل قائمة وفعالة، وإسحق لا يزال يُولد حتى اليوم كما من سارة التي لا تحمل قوّة الولادة بالطبيعة إنما بالوعد الإلهي، إذ لا يزال شعب الله يقوم خلال رحم الكنيسة الذي هو المعموديّة، حيث يُولد إسحق على الدوام لا خلال الجسد، ولا بهوى إنسان وإنما بالروح القدس بقوّة الكلمة.

يرى القدّيس أغسطينوس أن هذا الوعد لنسل إبراهيم من إسحق المولود من سارة قد تحقّق عندما علق السيد المسيح، وأعلن ملكه على هذا النسل، إذ جاء في علته التي سجلت على الصليب "ملك اليهود"، فقد ملك الرب بالصليب على اليهود من "نسل إسحق"... لكنه لم يملك على النسل حسب الجسد بل هو حسب الروح، إذ يقول: [المسيح ملك اليهود (حسب عنوان علته)، لكن اليهود مختوني القلب بالروح لا بالحرف، الذين مدحهم من الله لا من الناس، الذين ينتمون لأورشليم الحرة، أمنا الأبدية في السماء، سارة الروحيّة التي تطرد الجارية وأولادها من بيت الحرّية. فما كتبه بيلاطس قد كتب، لأنه ما قاله الرب قاله.]

يقول القدّيس أغسطينوس: [لكي يكونوا أبناء الوعد نسل إبراهيم يلزم أن يُدعو في إسحق، وذلك بتجميعهم معًا في المسيح خلال دعوة النعمة.]

هذا ويرى القدّيس أغسطينوس أن أبناء الجسد الذين يولدون من قطّورة هم رمز الهراطقة الذين جاءوا كما من زوجة ثانية من السراري.

ثانيًا: لم يقف الرسول بولس عند تقديم مثلٍ واحدٍ لتحقيق وعد الله بطريقة روحية لا حرفيّة جامدة، وإنما قدّم مثلاً آخر خلال اختيار الله ليعقوب دون عيسو، وهما في أحشاء رفقة. ففي مثل إسحق ربّما يقال أن الوعد يتحقّق في إسحق ونسله دون إخوته، لأن إسماعيل ابن الجارية، ولأن إسحق هو ابن الحرة أكبر سنًا من إخوته الذين من قطّورة، فهو الوارث للمواعيد الإلهية دون سواه، لذلك قدّم الرسول "يعقوب وعيسو" وهما من أب واحد وأم واحدة، بل وكانا توأمين في بطن واحدة، ومع ذلك لم يكن لهما نصيب واحد. فمن جهة الجسد لا يختلف يعقوب عن عيسو في شيء بل يمتاز عيسو بأنه البكر جسديًا. ومع ذلك "الكبير يُستعبد للصغير".

بمعنى آخر إن كان اليهود يمثّلون "الكبير" إذ سبقوا الأمم في معرفة الله، لكنهم إذ يجحدونه بينما يقبل الأمم الإيمان، يتحرّر من العبوديّة ويسقط اليهود فيها.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على اختيار يعقوب دون عيسو، هكذا: [انظر كيف حدث هذا ليس فقط في حالة إبراهيم وحده بل وفي حالة ابنه أيضًا، أن الإيمان والفضيلة في كل الأحوال هما المهمان ويعطيان العلاقة الحقيقة (للبنوّة). هنا نتعلم أنه ليس خلال الميلاد وحده بل خلال تأهّل الأشخاص لفضيلة أبيهم يحسبون أبناء له. فلو أن البنوّة تقوم على الميلاد الجسدي (وحده) لاِستحقّ عيسو أن ينعم بما ناله يعقوب... إنه يُظهر بأن شرف الميلاد الجسدي ليس بذي قيمة، إنما يلزمنا أن نطلب فضيلة النفس التي يعرفها الله قبل أن تُمارس...الاختيار تمّ بناء على سبق معرفة الله، إذ يعلم من هو صالح ومن هو ليس بصالح.]

ثالثًا: ربّما يتساءل البعض: لماذا قيل: "لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا، لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال، بل من الذي يدعو، قيل لها أن الكبير يستعبد الصغير؟" ألعلّ عند الله محاباة؟ لماذا يحب يعقوب ويبغض عيسو؟

بمعنى آخر هل لأن الله اختار يعقوب قبل أن يعمل خيرًا أو شرًا خرج صالحًا بينما خرج عيسو شريرًا؟ ولماذا يُحاسب عيسو إذن على شرّه ويكافأ يعقوب على صلاحه؟

تأتي الإجابة على ذلك هكذا:

أ. أوضح الرسول نفسه في ذات الرسالة عدم محاباة الله، قائلاً بكل صراحة: "لأن ليس عند الله محاباة" [11]. وقد سبق فأوضح الرسول أن اختيار الله يقوم على سبق معرفته غير المحدودة، إذ يقول: "لأن الذين سبق فعرفهم، سبق فعيّنهم، فهؤلاء دعاهم أيضًا" (رو 8: 30). فإن كان قد أحبّ يعقوب وعيّنه ودعاه إنما لأنه سبق فعرفه أنه يقبل الدعوة ويتجاوب مع محبّة الله، حتى وإن كان في قبوله للدعوة يتعرّض للضعفات والسقطات، فالله يحبه من أجل نيّته الصادقة والجادة عمليًا، أمّا رفضه لعيسو فيقوم على رفض عيسو لله وإصراره على المقاومة ضد الله.

ب. بقوله: "لأنه وهما لم يولدا بعد، ولا فعلا خيرًا ولا شرًا" أراد أن يؤكّد الرسول أن يعقوب لم يتبرّر بسبب أعمال الناموس، ولا أعماله الصالحة الذاتية، فسرّ محبّة الله له إنما تقوم على نعمة الله المجّانية، لكن دون سلبيّة من جهة يعقوب. بمعنى آخر لو انتظر الله حتى ينمو يعقوب ويكبر ويظهر كرجلٍ صالحٍ، وعندئذ يدعوه لتعرّض يعقوب للكبرياء، وحسب أن الله دعاه عن استحقاق ذاتي، وأنه هو الذي سبق فسلك بالصلاح، فتأهل بذاته للدعوة، لكن الله أعلن حُبّه ليعقوب وهو بعد في الأحشاء ليبرز الله كمُبادرٍ بالحب نحو مؤمنيه، حتى قبل ممارستهم لعمل صالح. يحبهم، إذ يعلم أنهم يقبلون دعوته المجّانية وعمله الإلهي فيهم.

ج. لعل الرسول بولس أراد أن يوضّح لليهود أنهم وإن كانوا يعجزون عن تقديم مبرّر لاختيار الله لأبيهم يعقوب "إسرائيل"، فكيف يدركون خطّة الله نحو العالم كله؟ الله الذي سبق فأحب يعقوب وهو في الأحشاء لا يدرك شيئًا، له أيضًا أن يختار الأمم ويحبّهم، حتى ولو لم يدرك اليهود والأمم سرّ هذا الاختيار والحب للأمم! بمعنى آخر يعجز الشعب اليهودي ويعقوب نفسه عن تقديم تفسير لقبوله، وهكذا يعجز الكل عن إدراك سرّ انفتاح باب الإيمان للأمم أيضًا.

د. حديث الرسول هنا لا يقلل من دور الإيمان في الجهاد، لكنه يؤكّد أن خلاص الإنسان لا يتحقّق بالعمل الصالح خارج دائرة الإيمان، وأنه ما كان يمكن قبول يعقوب لو لم يبادر الله بالحب أولاً. لهذا لا نعجب إن سمعنا أن الله سيجازي كل إنسان حسب أعماله (مت 16: 27).

ه. يقدّم لنا القدّيس إيريناؤس تعليلاً للقول الإلهي: "أحببت يعقوب وأبغضت عيسو"، وهو أن الله استخدم حتى الأجنَّاء في بطن أمهاتهم كنبوّة، فأعلن هنا عن ظهور أمّتين، واحدة مستعبدة والأخرى حرّة، لكن للاثنين أب واحد، هو ربنا الواحد. فإن كان إسحق هو أب يعقوب كما أب عيسو هكذا الله هو أب اليهود كما الأمم.

و. يرى القدّيس أغسطينوس أن في هذا نبوّة لما يُحدّث في كنيسة المسيح، التي كانت كرفقة تحمل في داخلها أبرارًا وأشرارًا، إذ يقول: [صارعا في رحم الأم، وحين صارعا قيل لرفقة: "في بطنك أمتان"، رجلان، شعبان، شعب صالح وآخر شرير، يتصارعان معًا في رحم واحد. كم من أشرار في الكنيسة! فإن رحمًا واحدًا يحملهم حتى يُعزلوا في النهاية. الصالحون يصرخون ضد الأشرار، والأشرار ضد الصالحين، وكلاهما يصارع أحدهما الآخر في أحشاء أمٍ واحدةٍ.]

هذا وقد سبق لنا اقتطاف بعض تعليقات الآباء في هذا الشأن عند دراستنا لسفر التكوين.

نختتم حديثنا عن اختيار يعقوب دون عيسو دون محاباة بقول القدّيس أغسطينوس: [بالنسبة للخطيّة الأصليّة كان الاثنان متشابهين، أمّا بالنسبة للخطيّة الفعليّة فكانا مختلفين... الأكبر يُستعبد للأصغر، يفهمها كتابنا أن اليهود يخدمون الشعب الأصغر أي المسيحيّين (بتقديم النبوّات والرموز لهم).]

اختيار الأمم أيضًا

إذ أعلن الرسول حُبّه الشديد لخلاص بني جنسه وحزنه عليهم لأنهم رفضوا مواعيد الله الصادقة، مؤكدا أن كلمة الله لن تسقط، وإنما تتحقق الوعود في إسرائيل الروحي الجديد، بدأ يحدّثنا عن اختيار الله للأمم كشعبٍ له، وليس من حق الإنسان الاعتراض على تدابير الله وقضائه، مؤكدًا أن هذا الاختيار ليس بالأمر الجديد، إذ سبق فأعلن الله عنه بالأنبياء.

"فماذا نقول؟ ألعلّ عند الله ظلمًا؟ حاشا" [14].

كأن اعتراضًا قد أثير بقوله أن الله أحب يعقوب وأبغض عيسو وهما بعد في البطن لم يعملا خيرًا أو شرًا، ألا وهو: ألعلّ عند الله ظلمًا؟ وتأتي الإجابة قاطعة لا تحتاج إلى تدليل: حاشا! لأننا لا نقدر أن ندرك كل أسرار حكم الله وتدبيراته من كل الجوانب، فحكمنا البشري مختلف تمامًا عن حكم الله. هنا يودّ الرسول أن يؤكّد مبدأ هامًا أن الله لا يحابي أحدًا ولا يظلم أحدًا، حتى وإن بدا لنا حسب الفكر البشري ذلك في أمر ما. بهذا يمهّد الرسول الطريق كي لا يحكموا على خطّة الله الخلاصيّة من جهة قبول الأمم، لا لسبب إلا إدراكنا أن الله ليس بظالم وإن بدا تصرفه غير مُدرك بالنسبة لنا.

"لأنه يقول لموسى:

إني أرحم من أرحم، وأتراءف على من أتراءف" [15].

تحقق هذا الحديث الإلهي مع موسى حين اشتاق أن يتمتّع بالمجد الإلهي (خر 33: 19 الترجمة السبيعينية)، وقد جاء هذا القول ليُعلن لموسى أنه مع كل تقدير الله له ولجهاده ولكن ما يناله من عطيّة سماوية ألا وهو التمتّع برؤية المجد الإلهي فهي نعمة مجّانية إلهية تُعطى له، وليس ثمنًا لجهاده، ولا عن أعمال ذاتية. لكنها أيضًا لا توهب للمتراخين أو الخاملين؛ هي نعمة مجّانية للمجاهدين بروح الإيمان الحيّ.

ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن حديث الله هذا مع موسى يعني أن موسى مع ما بلغه من تقدير في عيني الله لا يقدر أن يدرك أعماق حكمة الله وأحكامه، وكأن الله يقول له: [يا موسى، ليس لك أن تعرف من هو مستحق لحبي نحو الإنسان، إنما اُترك هذا لي. فإن كان ليس من حق موسى أن يعرف فكم يكون الأمر بالنسبة لنا؟]

هذا ويلاحظ أن الله لم يقل: "أرحم من أرحم، وأهلك من أهلك"، بل قال: "أرحم من أرحم وأتراءف على من أتراءف"، مظهرًا سلطانه الإلهي في الحب والرحمة والرأفة بالإنسان، إذ لا يودّ هلاك الخاطئ مثل أن يرجع ويتوب، أنه بادر بحب يعقوب من جانبه أمّا بغضة عيسو فجاءت ثمرًا طبيعيًا لجحود عيسو نفسه وإصراره وعناده على عدم قبول مراحم الله. الله حب، لكنه لا يلزم الغير بقبوله.

"فإذًا ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم" [16].

هل يتنافى هذا مع الوصيّة الرسولية: "تمّموا خلاصكم بخوف ورعدة" (في 2: 12) وما شابهها؟ إن كانت رحمة الله ليست لمن يشاء ولا لمن يسعى، فلماذا يقدم لنا الله وصاياه، ويطلب منّا أن نقبله بإرادتنا الحرة ومشيئتنا الاختيارية؟ ولماذا يحثّنا في العهدين القديم والجديد على الجهاد حتى النهاية، قائلاً: "الذي يصبر إلى المنتهي فهذا يخلص" (مت 10: 22، 24: 13؛ مر 13: 13)؟ وفي سفر الرؤيا يؤكّد الرب: "كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" (رؤ 2: 10)، بل ويقول لملاك الكنيسة التي في ثياتيرا: "أنا عارف أعمالك ومحبتك وخدمتك وإيمانك وصبرك..." (رؤ 2: 19)؟

لا يستطيع أحد ممن يقرأ الكتاب المقدس بفهمٍ روحيٍ أن يتجاهل دور الإنسان الإيجابي في تمتّعه بالخلاص المجّاني، وإن الله يريد إرادتنا الحرة أو مشيئتنا الاختيارية مع سعينا الجاد، لأنه يقّدر الحرّية الإنسانيّة كل التقدير ولا يتجاهل دورنا العملي. إنما ما نودّ تأكيده هنا أن الكتاب المقدس لا يُفهم كأجزاء منفصلة مستقلّة عن بعضها البعض، إنما يمثل وحدة واحدة متكاملة، يعالج أمورًا كثيرة ومتباينة. لذا يليق بالقارئ أن ينعم بروح الحكمة والتمييز حتى لا يستخدم عبارة في غير موضعها، إنما فيما يناسبها وبروح الكتاب ككلٍ.

فالرسول بولس هنا لا يعالج مشكلة حريّة الإرادة الإنسانيّة أو الاختيار والجبر، وإلا لأعلن بوضوح كما في نفس هذه الرسالة وفي رسائله الأخرى تقدير الله للإرادة البشريّة، والإجبار على قبول الرحمة الإلهية أو عمل النعمة المجّاني. إنما يعالج هنا مشكلة لا تخص الأفراد كأفراد وإنما تخص قبول الأمم، لذلك فهو لا يتحدّث عن إرادة الإنسان هل هي حرة أم لا، إنما عن خطّة الله نحو خلاص العالم كله. إن الله الذي سبق فاختار إسرائيل شعبًا له كخميرة لتقديس العالم بمجيء المخلص حسب الجسد منهم، من حقّه أن يرحم من يرحم ويتراءف على من يتراءف، بفتح باب الرجاء لكل الشعوب، دون أن تقف الجبلة الضعيفة لتحاكمه.

يقول القدّيس جيروم: [من جانبنا نحن نقبل حريّة الإرادة هذه بسرور، لكنّنا لن ننسى أن نشكر العاطي، مدركين أننا نصير بلا قوّة ما لم يحفظ الله عطاياه فينا على الدوام... المشيئة هي منّا، والسعي أيضًا من جانبنا، لكن بدون معونة الله المستمرة لا تكون لنا مشيئة ولا سعي. يقول المخلص في الإنجيل: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17). أنه دائم العطاء، مانح باستمرار. لم يكتفِ بأن يهب النعمة مرة واحدة، إنما يقدّمها على الدوام. إنني أطلب لكي أنال، وإذ أنال أعود فأطلب ثانية، إذ أنا طامع في غنى الله وهو لا يمتنع عن العطاء، وأنا لا أكف عن الأخذ. كلما شربت عطشت، إذ اسمع تسبحة المرتّل: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب" (مز 34: 8). كل صلاح نناله هو تذوق للرب.]

كما يقول أيضًا: [حيث توجد النعمة فإنها لا توهب عن أعمال، بل هي عطيّة مجّانية من العاطي... ومع ذلك فلنا أن نشاء أو لا نشاء، إنما الحرّية عينها التي لنا هي مقدّمة لنا برحمة الله.]

هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد أراد الرسول أن يربكهم بذات فكرهم، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنهم كانوا يقبلون رحمة الله لهم وسقوط فرعون تحت قسوته دون اعتراض من جانبهم، فلماذا يعترضون عندما يفتح باب رحمته لغيرهم؟ هذا ما دفع الرسول أن يكمل هكذا: "لأنه يقول الكتاب لفرعون إني لهذا بعينه أقمتك لكي أظهر فيك قوتي، ولكي ينادي باسمي في كل الأرض، فإذًا هو يرحم من يشاء ويقسي من يشاء. فستقول لي: لماذا يلوم بعد؟ لأن من يقاوم مشيئته! بل من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها: لماذا صنعتني هكذا؟ أم ليس للخراف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناءً للكرامة وآخر للهوان؟ فماذا إن كان الله وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوته احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك؟ ولكي يبين غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد التي أيضًا دعانا نحن إياها ليس من اليهود فقط، بل من الأمم أيضًا" [17-24].

ويلاحظ في هذا النص الآتي:

أولاً: غاية هذا الحديث ليس تجاهل حرية الإنسان، الأمر الذي ليس موضع حديث الرسول هنا، إنما تأكيد دور الله في خلاصنا؛ إنه يعمل فينا لا عن استحقاق من جانبنا، وإنما عن حبه وفيض رحمته كنعمة مجانية.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذا الحديث الرسولي كان خطوة تمهيدية للسامع لكي يلين روحه المتعجرفة التي تنتقد خطة الله نحو خلاص الأمم، فقبل أن يكشف سرّ خطة الله أراد أن يؤكد للسامع أنه ليس من حقه أن يقف هكذا موقف الناقد أو الديان لله، وكأن الرسول يقول: [عملنا هو أن نخضع لما يفعله الله لا أن نكون متطفلين محبين للاستطلاع حتى وإن كنا لا نعرف حكمة تصرفاته. لذلك قال: "من أنت الذي تجاوب (ضد) الله"؟… من أنت؟ هل أنت شريكه في سلطانه (أي 38)؟ بل! هل تجلس لتدين الله؟… إنه لم يقل: "من أنت الذي تجاوب الله؟" بل "تجاوب ضد الله". أنظر كيف يرعبهم ويخيفهم فيجعلهم في رعدة عوض تساؤلهم وتطفلهم. هذا ما يفعله المعلم الممتاز الذي لا يجري وراء تخيلات تلاميذه الباطلة أيا كانت، إنما يقودهم إلى فكره بانتزاع الأشواك عنهم وغرس البذار، فلا يجيب في كل الحالات على الأسئلة التي تقدم له.]

يقف غير المؤمن من الله موقف الناقد لكل تصرف إلهي، أما الإنسان التقي فيقول مع إرميا النبي: "أبرّ أنت يا رب من أن أخاصمك، لكن أكلمك من جهة أحكامك: لماذا تنجح طريق الأشرار؟" (إر 12: 1).

يفرح الله ويسرّ بأولاده مشتاقًا أن يدخلوا معه في حوار، لكنه على أساس إيماني تقوي، حديث الابن الذي يتكئ على صدر أبيه لينهل منه أسرار أحكامه، ويتمتع بحكمته العلوية حتى وإن عاتبه أو خالفه أو حاججه. أما إن أخذ موقف الناقد العنيد، كما فعل بعض الفعلة مع صاحب الكرم حين أظهر الأخير كرمه ومحبته (مت 20: 1-16)، إذ قال للمتذمرين: "يا صاحب ما ظلمتك… فخذ الذي لك واذهب، فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك، أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي؟" يوجه الرب نفسه هذا التوبيخ لليهود الذين يرفضون رحمة الله على الأمم متذمرين على إحساناته بإخوتهم في البشرية.

ثانيًا: يليق بالإنسان عوض أن يقف كناقدٍ لتصرفات الله الفائقة يطلب أن يملأه حكمة ومعرفة ليكتشف أمورًا عجيبة؛ ففي العهد القديم الذي يؤمن به اليهود ويفتخرون به جاء قول الله لفرعون: "إني لهذا أقمتك لكي أظهر فيك قوتي، ولكي ينادى باسمي في كل الأرض" [17] (خر 9: 16 الترجمة السبعينية)، فالله الذي رحم موسى سمح فأقام فرعون ملكًا، وأبقاه حيًا لكي يستخدم قسوة قلبه لإعلان مجد الله، وبسبب عنفه مع شعب الله يُنادي باسم الرب في كل الأرض، إذ جاء في تسبحة موسى: "يسمع الشعب فيرتعدون، تأخذ الرعدة سكان فلسطين، حينئذ يندهش أمراء أدوم، أقوياء موآب تأخذهم الرجفة، يذوب سكان كنعان" (خر 15: 14-15). اختار الله موسى دون فرعون، وكما قال الرسول: "فإذًا هو يرحم من يشاء، ويقسي من يشاء" [18]. ليس لنا أن نتساءل: لماذا رحم موسى وقسى قلب فرعون؟ لأن حكمة الله تفوق حكمتنا، إنما ما يمكننا أن نعرفه إن الله يعلم قلب موسى واشتياقه فسنده بنعمته ليتمجد فيه خلال الرحمة، أما بالنسبة لفرعون فكان قلبه قاسيًا (خر 8: 15، 32؛ 9: 34؛ 10: 6)، وإنما ما فعله الله أنه لم ينزع هذه القسوة عنه قسرًا، إنما رفع يده عنه فبقى فرعون في قسوة قلبه، أو بمعنى آخر سمح له أن يمارس عنفه ضد شعب الله ليتمجد الله حتى في هذا العنف الشرير. الله الذي سند موسى بالرحمة لم يمنع فرعون عما يكنه قلبه الشرير، فيكمل موسى كأس مجده ويكمل فرعون كأس شره، والله يتمجد بهذا وذاك.

ثالثًا: اقتبس الرسول بولس من العهد القديم أيضًا الذي يقدسه اليهود مثال الفخاري (إر 18: 1-10) ليؤكد به أن الإنسان في علاقته بالله كالطين في يد الخزاف، وكالجبلة في يديّ جابلها، ليس له أن يعترض على تصرفات الله وحكمته، فمن حق الخزاف أن يصنع من كتلة واحدة إناءً للكرامة وآخر للهوان، وهو يتمجد في الإناءين.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذا المثال قائلاً:

[لم يقل هذا لينزع حرية الإرادة وإنما ليظهر إلى أي مدى يجب أن نطيع الله، فإذ يُدعى الله خزافًا نكون نحن بالنسبة له كقليل طين مهيأ قدامه، فيليق بنا أن نكف لا عن المجادلة والتساؤلات فحسب، وإنما حتى عن النطق أو التفكير بالكلية... هذه هي النقطة الوحيدة التي يطبقها الرسول في التشبيه، إذ لا يُقصد به إعلان نظام الحياة (إذ يفسره الهراطقة أن الله يخلق طبيعتين صالحة وشريرة) إنما يقصد فقط الطاعة التامة والالتزام بالصمت...

هذا ما يجب مراعاته في كل الأحوال عند استخدام التشبيهات، فلا نطبقها في كل النواحي، إنما نختار ما هو مناسب فيها، والذي لأجله قُدم التشبيه، ونترك الباقي...

عندما يقول: "أم ليس للخراف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان؟" [21]، لا تظن أن الرسول قال هذا بخصوص الخليقة أنها مجبرة بلا حرية إرادة، إنما لمجرد إظهار السلطان وتدابير الله المتنوعة... فإن فسّرناه بغير هذا ندخل في أخطاء متنوعة، فلو أنه كان يتحدث هنا عن الإرادة، وأنه هو خالق الإرادة الصالحة والإرادة الشريرة لأعفى الإنسان من المسئولية، ويظهر بولس نفسه متناقضًا مع نفسه، إذًا يُقدم على الدوام تقديرًا عظيما لحرية الإرادة.]

بمعنى آخر، يؤكد القديس الذهبي الفم أن الرسول يود أن يقدم جانبًا واحدًا من المثل وهو أن الله يعمل بنا ولا نقدر نحن إلا أن نطيع. لكنه لا ينزع عنا حرية إرادتنا، فإن أردنا الحياة معه يقوم هو بتغييرنا لمجد اسمه، بطريقة تفوق إدراكنا.

هذا ويمكننا أن نقول إنه كخزافي قادر أن يشّكلنا، لكن لا يقف الأمر عند القدرة مجردة، إنما وهو القدير هو الأب والحكمة عينها، يعمل بحكمته وخلال أبوته مشتاقًا أن يشّكل كل الطين إلى أوانٍ للكرامة، لكنه يكرم حرية إرادتنا، وإذ نرفض عمله نبقى بلا كرامة ونفقد عمل يديه المقدستين للنفس والروح والجسد.

إنه خزاف يتبنى آنيته ويحبها ويشتهي خلاص الكل، كما قيل: "الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1 تي 2: 4) ؛ "الله يُسّر بالرأفة" (مي 8: 18) ؛ "من يقبل إلىّ لا أخرجه خارجا" (يو 6: 37) ؛ "لا يُسر بموت الشرير، بل أن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا" (حز 33: 11).

رابعًا: إن كان الله يتمجد في آنية الكرامة بإعلان عمل نعمته المجانية في حياة مؤمنيه المجاهدين، مشتاقًا أن يكون جميع البشر آنية كرامة، لكن إذ أصر البعض إلا أن يصيروا آنية للهوان، فحتى في هذا يتمجد الله، إذ يبرز غضبه وسخطه على الخطية، فيدين الخطاة بكونه القدوس الذي لا يقبل أن يشاركه الأشرار مجده المقدس [22]، ومن جانب آخر يتمجد بطول أناته على الإنسان [22]، فإن الله يحتمل الأشرار زمانًا ولا يعاقبهم فورًا بالرغم من تجديفاتهم ومقاومتهم لعمل الله. هذا ما قصده بقوله: "فماذا إن كان الله وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوة احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيأة للهلاك" [22].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله:

[ما يعنيه هو هذا: كان فرعون آنية غضب، أي كان إنسانًا قد ألهب غضب الله بقسوة قلبه. فبعدما تمتع بطول أناة كثيرة (من جهة الله نحوه) بقي بدون إصلاح، لهذا لم يدعه الرسول: "آنية غضب" فحسب وإنما أيضا: "مهيأة للهلاك". بمعنى أنه هيأ نفسه بنفسه للهلاك التام. الله لم يتركه محتاجًا إلى الأمور التي تشفيه كما لم ينزع عنه الأمور التي تهلكه، لذا فهو بلا عذر.إذ يعرف الله ذلك، احتمله بأناة كثيرة ليرده للتوبة. فلو لم يود توبته لما احتمله بأناة كثيرة، أما كونه لم ينتفع بالأناة الكثيرة للتوبة بل هيأ نفسه بالأكثر للهلاك، استخدمه الله وسيلة لإصلاح الغير بمعاقبته فيصلحون هم من حالهم؛ بهذا بيّن الله قوته.

لكن ليست رغبة الله إظهار قوته، إنما يود أن يظهر حنوه بكل طرق ممكنة. إن كان بولس لا يود أن يظهر قوته بهذه الطريقة، إذ يقول: "ليس لكي نظهر نحن مزكين، بل لكي تصنعوا أنتم حسنًا" (2 كو 13: 7) فكم بالأكثر يكون الله نفسه؟ لكن إذ يطيل الله أناته كثيرًا ليقوده إلى التوبة ولم يتب الإنسان يحتمله الله زمانًا طويلاً لكي يظهر أولاً صلاحه وقوته حتى وإن كان الإنسان لم يضع في ذهنه أن ينتفع شيئًا من طول أناة الله العظيمة. عندئذ يظهر الله قوته بعقاب هذا الإنسان الذي لا يقبل الشفاء، وذلك كما يبيّن حبه للإنسان خلال رحمته نحو الذين ارتكبوا خطايا كثيرة وتابوا. لا يقال: "يبيّن حبه" بل "مجده" [23]، ليظهر أن هذا الحب هو مجد الله على وجه الخصوص، الأمر الذي يغير الله أكثر من كل شيء.

بقوله "قد سبق فأعدها للمجد" [23]، لا يعني أن كل شيء هو عمل الله وحده، لأنه لو كان الأمر كذلك لما وُجد ما يمنع من خلاص كل البشر… فإن كان فرعون قد صار آنية غضب بسبب انحطاطه، فإن هؤلاء (اليهود) قد صاروا آنية رحمة باستعدادهم للطاعة. وإن كان الجانب الأعظم للعمل هو من قبل الله، لكنهم ساهموا بالقليل، ومع ذلك لم يقل أنها: "آنية العمل الصالح"… بل "آنية رحمة" ليظهر أن الله هو الكل.]

خامسًا: إذ أبرز الرسول أنه ليس من حقهم نقد خطة الله بسبب عجزهم عن إدراك حكمته الإلهية كما ينبغي، مظهرًا حق الله في اختيار الأمم كما سبق فاختار اليهود، لا يغلق الباب عن كل يهودي إنما عن الشعب اليهودي ككل، كما لا يعني انفتاح الباب للأمم خلاص كل أممي… إذ يقول: "التي أيضا دعانا نحن إياها ليس من اليهود فقط بل من الأمم أيضًا" [24].

هكذا توصل الرسول لا إلى دعوة الأمم دون هياج اليهود عليه فحسب، وإنما إلى فتح باب محبة الله لكل إنسانٍ، يهوديًا كان أمميًا، حتى وإن جحد اليهود كأمة السيد المسيح.

تعثر إسرائيل

إذ سبق فقدم الرسول ردودًا على انتقاد اليهود لفتح باب الدعوة للأمم دون أن يجرح مشاعر اليهود ختم حديثه بتقديم الدلائل من الأنبياء أنفسهم، فاختار بعض العبارات التي تعلن تعثر اليهود في الإيمان وقبول الأمم له؛ هنا يتحدث بلا تحرج لأنه يقتبس عبارات نبوية يؤمنون بها، إذ يقول:

"كما يقول في هوشع أيضًا سأدعو الذي ليس شعبي شعبي،

والتي ليست محبوبة محبوبة،

ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبي

أنه هناك يدُعون أبناء الله الحيّ" [25-26].

اقتبس الرسول هذه العبارات عن (هو 2: 23؛ 1: 10) (الترجمة السبعينية)، مقدمًا النبي هوشع شاهدًا لأقواله إن الأمم الذين كانوا ليسوا شعب الله ولا محبوبين لديه خارج المقدسات صاروا شعب الله والمحبوبين لديه وأبناءه!

كأن ما يتم في العصر الرسولي ليس بالأمر الغريب، إذ سبق فأعلنه الله لأنبيائه ليمهدوا لتحقيق خطته الإلهية من جهة خلاص الأمم والشعوب.

يقول القديس إيريناؤس: [دعا النبي أسماء أولاده لورحامة "ليس لهم رحمة"، ولوعمي "ليس شعبي" (هو 1) … حتى أنه كما يقول الرسول "سأدعو الذي ليس شعبي شعبي، والتي ليست محبوبة (بلا رحمة) محبوبة، ويكون في الموضع الذي قيل فيه لستم شعبي أنه هناك يُدعون أبناء الله الحيّ". فما حدث كرمز خلال أعمال النبي يؤكد الرسول أنه يتم حقًا بالمسيح في الكنيسة. هكذا أيضا اتخذ موسى أثيوبية زوجة له… مظهرًا أن الزيتونة البرية قد طُعمت في الزيتونة الأصلية وتشترك معها في ثمارها. فبزواجه من الأثيوبية أعلن عن ظهور الكنيسة من بين الأمم، والذين يستخفون بها ويتهمونها ويستهزئون بها يمتلئون برصًا، ولا يكونوا أطهارًا، ويستبعدون من خيمة البرّ (عد 12). هكذا أيضًا بالنسبة لراحاب الزانية، التي تدين نفسها بكونها من الأمم مملوءة من كل الشرور، لكنها تقبلت الجواسيس الذين كانوا يتجسسون الأرض وخبأتهم في بيتها، وعندما تحطمت كل المدينة التي كانت تعيش فيها عند سماع الأبواق السبعة حُفظت راحاب الزانية مع كل بيتها بالإيمان بعلامة القرمز (يش 6: 22)، وكما أعلن الرب للفريسيين عن الذين يقبلون مجيئه، إذ قال: "العشارون والخطاة يسبقونكم إلى ملكوت السماوات" (مت 21: 31).]

لم يكتفِ الرسول بهذا بل قدم إشعياء النبي الذي جاء في نبوته متناغمًا معه، إذ يقول:

"وإشعياء يصرخ من جهة إسرائيل،

وإن كان عدد بني إسرائيل كرمل البحر فالبقية ستخلص،

لأنه متمم أمر وقاض بالبرِّ،

لأن الرب يصنع أمرًا مقضيًا به على الأرض" [27-28].

جاء هذا القول في إشعياء (10: 22-23 الترجمة السبعينية) وكان يحمل نبوة عن المسبيين، إذ كانوا كثيرين جدًا بالنسبة للقلة القليلة التي تنجو من الأسر… وقد سمح الله بذلك بل وقضى بهذا التأديب لأجل البرّ. طبّق الرسول هذه النبوة بصورة أشمل على العصر المسياني حيث يؤسر عدد كبير جدًا من اليهود تحت الجحود رافضين الإيمان المسياني، وقليلون هم الذين يخلصون بقبولهم المسيّا المخلص، وقد سمح الله بذلك لأجل البرّ، ليفتح الباب للأمم.

إن كان إسرائيل قد صار ذا باعٍ طويلٍ في أعمال الناموس الحرفية وشكليات العبادة لكن الرب في ملء الزمان صنع أمرًا مقضيًا به أو أمرًا عاجلاً، مركزًا حول الإيمان بالمخلص، الذي ينقذ المؤمنين به وإن كانوا قلة من اليهود. هذه القلة تنبأ عنها إشعياء أيضًا (إش 1: 9): "لولا أن رب الجنود أبقى لنا نسلا لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة" [29].

كأن ما حدث في العصر الرسولي سبق فحدث في عصر إشعياء، إذ قليلون هم الذين عاشوا في الإيمان فخلصوا من الهلاك، بدونهم تعرض إسرائيل كله للإبادة بالنار كما حدث لسدوم وعمورة (تك 19).

أخيرًا يخرج الرسول بهذه النتيجة:

"فماذا نقول؟ إن الأمم الذين لم يسعوا في إثر البرّ، أدركوا البرّ،

البرّ الذي بالإيمان،

ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر ناموس البرّ لم يدرك ناموس البرّ.

لماذا؟ لأنه فعل ذلك ليس بالإيمان، بل كأنه بأعمال الناموس،

فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة،

كما هو مكتوب: ها أنا أضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة

وكل من يؤمن به لا يخزى" [30-33].

هذه هي النتيجة النهائية أن الأمم الذين لم ينالوا المواعيد، ولا استلموا الشريعة ولم تكن لهم معرفة إلهية قبل الكرازة بالإنجيل لم يسعوا في إثر البرّ، ولكن إذ جاءتهم الكرازة أدركوا البرّ الذي حسب الإيمان بالمسيح يسوع، أما إسرائيل الذي له ميزات كثيرة فإذ سعى في إثر ناموس البرّ لكن خلال حرفية أعمال الناموس دون روحها، فقدوا الإيمان، واصطدموا بالسيد المسيح "حجر الصدمة"، وتحقق فيهم القول النبوي: "ويكون مقدسًا وحجر الصدمة وصخرة عثرة لبيتي إسرائيل، وفخًا وشركًا لسكان أورشليم" (إش 8: 14)… كما تحقق في الأمم القابلين للإيمان: "هاأنذا أؤسس في صهيون حجرًا، حجر امتحان، حجر زاوية كريمًا، أساسًا مؤسسًا، من آمن لا يهرب" (إش 28: 16).

+     +      + 

 

الأبركسيس من أعمال أع 7 : 8 – 22

 

8 و اعطاه عهد الختان و هكذا ولد اسحق و ختنه في اليوم الثامن و اسحق ولد يعقوب و يعقوب ولد رؤساء الاباء الاثني عشر
9 و رؤساء الاباء حسدوا يوسف و باعوه الى مصر و كان الله معه
10 و انقذه من جميع ضيقاته و اعطاه نعمة و حكمة امام فرعون ملك مصر فاقامه مدبرا على مصر و على كل بيته
11 ثم اتى جوع على كل ارض مصر و كنعان و ضيق عظيم فكان اباؤنا لا يجدون قوتا
12 و لما سمع يعقوب ان في مصر قمحا ارسل اباءنا اول مرة
13 و في المرة الثانية استعرف يوسف الى اخوته و استعلنت عشيرة يوسف لفرعون
14 فارسل يوسف و استدعى اباه يعقوب و جميع عشيرته خمسة و سبعين نفسا
15 فنزل يعقوب الى مصر و مات هو و اباؤنا
16 و نقلوا الى شكيم و وضعوا في القبر الذي اشتراه ابراهيم بثمن فضة من بني حمور ابي شكيم
17 و كما كان يقرب وقت الموعد الذي اقسم الله عليه لابراهيم كان ينمو الشعب و يكثر في مصر
18 الى ان قام ملك اخر لم يكن يعرف يوسف
19 فاحتال هذا على جنسنا و اساء الى ابائنا حتى جعلوا اطفالهم منبوذين لكي لا يعيشوا
20 و في ذلك الوقت ولد موسى و كان جميلا جدا فربي هذا ثلاثة اشهر في بيت ابيه
21 و لما نبذ اتخذته ابنة فرعون و ربته لنفسها ابنا
22 فتهذب موسى بكل حكمة المصريين و كان مقتدرا في الاقوال و الاعمال

 

"وأعطاه عهد الختان،

وهكذا ولد اسحق،

وختنه في اليوم الثامن،

واسحق ولد يعقوب،

ويعقوب ولد رؤساء الآباء الاثنى عشر". [8]

إن كان اليهود يتهمون القديس استفانوس بالتجديف على الله وعلي موسى وأنه سيغير عوائدهم، فإن إبراهيم أباهم نال الوعد الإلهي قبلما ينال الوصية بالختان، التي يحسبها اليهود صلب العوائد اليهودية وعمودها الفقري. لقد تبرر إبراهيم بالإيمان قبل أن يُختتن. لم يقدم الله لإبراهيم وصية أخرى سوى "عهد الختان"، فلم نسمع عن وصية حفظ السبت، ولا طقوس للتطهيرات، ولا إقامة بيت خاص بالله (خيمة الاجتماع أو الهيكل). ومع هذا حُسب إبراهيم واسحق ويعقوب محبوبي الرب، وظل اسم الله بعد موتهم يُدعى: "إله إبراهيم وإله اسحق، وإله يعقوب".

هكذا يود القديس استفانوس أن يسحب قلوبهم إلى الوصية الإلهية أو العهد الإلهي، ألا وهو ختان القلب والآذان.

"ورؤساء الآباء حسدوا يوسف،

وباعوه إلى مصر،

وكان اللَّه معه". [9]

يوضح لهم القديس استفانوس أن ما يعانون به من غيرة شريرة وحسد ليس بالأمر الجديد، بل هو قديم قدم الإنسان نفسه. في بدء خلقة الإنسان تسلل الموت إلى آدم وحواء بحسد إبليس، وها هو في بدء تكوين شعب الله سلم رؤساء الآباء (أبناء يعقوب) أخاهم يوسف خلال الحسد. وعندما جاء ربنا يسوع المسيح سلمه الرؤساء للموت بحسدهم له. والآن يقف استفانوس في المجمع ليحاكم لحسدهم إياه. فالذين يطلبون قتله الآن هم حفدة رؤساء الآباء الذين باعوا أخاهم عبدًا بحسدهم له.

+ أيها الأخ المحبوب إن حسدك لما هو خير، وغيرتك ممن هم أفضل منك يبدوان في نظر البعض كما لو كانا خطأ تافهًا وطفيفًا. وإذ يُنظر إليه (الحسد) كما لو كانا تافهًا وليس ذا قيمة لا يُخشى منه. وإذ لا يُخشى منه يُستهان به. وإذ يُستهان به يصعب تحاشيه. ولهذا فإن الحسد ضرر مظلم وخفي. فإذ لا ندرك أنه ينبغي على الحكيم أن يتحاشاه، يتسرب خفية إلى العقل غير الحذر ويجعله مضطربًا.

أضف إلى هذا، أمرنا الرب أن نكون حكماء، وأوصانا أن نلاحظ باهتمام بالغ لئلا يتسرب ذلك العدو، الذي يقف متربصًا دائمًا، فيزحف خفية إلى صدورنا، ويشعل من الشرارات لهيبها، ويضخم الأمور الصغيرة. وهكذا بينما نستنشق الهواء اللطيف والنسيم الناعم بلا حذر، إذ بالعواصف والزوابع تهب، فتعمل على إفساد الإيمان، وتدمير الخلاص والحياة.

لهذا ينبغي علينا أيها الأخ الحبيب، أن نكون حذرين متسلّحين بكل القوة، مراقبين بدقة كاملة، حتى نطرد العدو الثائر الذي يصوب أسهمه إلى كل جزء من أجزاء جسدنا الذي يمكن أن يضرب أو يجرح، وذلك كما يحذرنا الرسول بطرس، ويعلمنا في رسالته قائلاً: اصحوا واسهروا، لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو" (1 بط 8:5).

في كل الأمثلة الذي أصيب بالضرر الحاسد نفسه، أما الذي حسده فكان الرب معه، لا يقدر الحسد أن يبث سمومه فيه.

 

"وأنقذه من جميع ضيقاته،

وأعطاه نعمة وحكمة أمام فرعون ملك مصر،

فأقامه مدبرًا على مصر،

وعلى كل بيته". [10]

بينما يبيع رؤساء الأسباط أخاهم عبدًا ليتخلصوا منه، إذا بالله ينقذه من جميع ضيقاته ويعطيه نعمة وحكمة ويهبه مجدًا في أرض مصر. فمقاومة الرؤساء لم تهز شخصية يوسف، بل تحولت لمجده. وكأنه يحذرهم من مقاومته له في الحق الإلهي، فسيؤول هذا حتمًا لمجد الله، ومجد خادمه الأمين.

 

ما تمتع به يوسف لم يكن إلا نعمة مجانية لله، إذ وهبه نعمة في أعين الكثيرين، كما وهبه حكمة، ففسر الأحلام في السجن كما بالنسبة لفرعون (تك 41).

نزول يعقوب أب الأسباط إلى مصر

"ثم أتى جوع على كل أرض مصر وكنعان،

وضيق عظيم،

فكان آباؤنا لا يجدون قوتًا". [11]

حلت المجاعة على أرض مصر (تك 41: 54) كما على كنعان، وإذ كان يعقوب والإحدى عشر ابنًا وعائلاتهم في كنعان لم ينقذهم المكان "كنعان" بل أنقذهم الله خلال يوسف الذي كان في مصر.

"ولما سمع يعقوب أن في مصر قمحًا،

أرسل آباءنا أول مرة". [12]

لاحظ حكمة القديس استفانوس، فهو يدعو أبناء موسى العشرة الذين أرسلهم يعقوب "آباءنا"، فيحسب آباء الأسباط آباء المؤمنين المسيحيين. ومن جانب آخر إذ يروي تاريخًا أورده موسى النبي في أسفار الشريعة يؤكد قبوله لأسفار الشريعة وثقته فيما كتبه موسى النبي بالوحي الإلهي.

"وفي المرة الثانية، استعرف يوسف إلى إخوته،

واستعلنت عشيرة يوسف لفرعون". [13]

في المرة الثانية كشف يوسف عن شخصيته لإخوته (تك 45: 4)، وقدمهم لفرعون (تك 45: 16).

"فأرسل يوسف واستدعى أباه يعقوب وجميع عشيرته،

خمسة وسبعين نفسًا". [14]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن ما فعله آباؤهم رؤساء الأسباط بأخيهم يوسف كان نبوة رمزية لما تحقق بالنسبة للسيد المسيح، وقد قام مجمع السنهدرين بتحقيق النبوة. لقد حمل لهم يوسف صداقة واهتمامًا، وحتى بعد حسدهم له وبيعه عبدًا لم يتخلَ عنهم، بل قدمهم لفرعون وأعانهم. صورة رائعة للحب الخالص يكشفها لنا القديس استفانوس، وكأنه يعلن لمقاوميه أنهم مع كل ما فعلوه بالسيد المسيح وما يفعلونه برسله بعد صعوده يبقى السيد وكنيسته يحملان كل حبٍ لهم، ويقدمان لهما الحياة الأفضل.

لم يكن يوسف في أرض الموعد بل في مصر، مع هذا كان الله معه وأنقذه من جميع ضيفاته" [10-11]. لم ينقذه من كل متاعبه فحسب، وإنما حول الضيقات لمجده، فجعله المدبر على كل أرض مصر وعلى بيت فرعون. أنقذه من العبودية التي نال ثمنها اخوته، ووهبه حرية ومجدًا على أعلى مستوى.

اتبع استفانوس الترجمة السبعينية حيث ذكر العدد 75 نفسًا بينما جاء في الأصل العبري سبعين نسمة (تك 46: 26 ؛ خر 1: 5؛ تث 10: 22). يرى البعض أن عائلة يعقوب كانت قادمة عددها 66 (تك 46: 26) مضافًا إليهم عائلة يوسف 9 أفراد (تك 46: 27).

 

"فنزل يعقوب إلى مصر،

ومات هو وآباؤنا". [15]

عاش الاسرائيليون 215 عامًا في مصر، فمات كل أبناء يعقوب قبل خروج إسرائيل من مصر، منطلقين نحو أرض كنعان.

"ونقلوا إلى شكيم،

ووضعوا في القبر الذي اشتراه إبراهيم بثمن فضة،

من بني حَمور أبي شكيم". [16]

دُفن يعقوب في حقل مكفيلة بواسطة يوسف وإخوته. أما عظام يوسف فحملها الإسرائيليون إلى أرض كنعان حسب وصيته، ودُفن في شكيم (يش24: 32؛ تك 50: 25). لم يشر العهد القديم قط إلى نقل عظام أي أب آخر غير يوسف، لكن الاحتمال وارد وكبير أن الإسرائيليين حملوا عظام آبائهم. فكما حمل نسل يوسف عظام أبيهم، يحتمل أن قام نسل الآباء الآخرين بذات العمل.

كل ما ناله إبراهيم أب الآباء أو يعقوب (إسرائيل) أب الأسباط قطعة أرَض صغيرة كمدفن، ولم يرتبط قلب أحدهما بميراث الأرض المتّسعة الخصبة.

من الذي اشترى الأرض التي في شكيم؟

جاء في تك 33: 19، ويش 24: 32 أن يعقوب وليس إبراهيم هو الذي اشترى هذه الأرض من بنى حمور أولاد شكيم، أما إبراهيم فاشترى الأرض التي في مكفيلة من بنى حث في حبرون (تك 23). يرى البعض أن الأصل هو "اشتراه أبونا"، وفي النساخة ظن النساخ أنه يقصد بأبينا "إبراهيم"، فكتبوا إبراهيم عوض كلمة "أبونا".

"وكما كان يقرب وقت الموعد الذي أقسم اللَّه عليه لإبراهيم،

كان ينمو الشعب،

ويكثر في مصر". [17]

إذ حلّ وقت الخلاص سمح اللَّه لشعبه أن ينشأ وينمو وسط الضيق في مصر. فلم تكن تلك السنوات وقتًا ضائعًا، ولا عقبة في تحقيق الوعد الإلهي، بل كان الضيق هو الجو اللائق للخروج، والتمتّع بالوعد الإلهي. هكذا يرتبط تحقيق الوعود بأزمنة الضيق. هنا يعلن القدّيس استفانوس عن نظرته الكتابيّة الصادقة أن ما تعانيه كنيسة العهد الجديد من اليهود إنّما هو الجو الصحّي لنموّها وازدهارها روحيًا وعدديًّا.

بقي رعاة الماشية في أرض جاسان شرق الدلتا، لأن مراعيها كانت جيدة، ومعروف أن فروع نهر النيل في هذه المنطقة كانت متعددة جدًا. أما بقية شعب إسرائيل فانتشروا في مصر كلها، واختلطوا بكل مراكز الأعمال والمهن، وأتقنوا كل صنعة وشربوا أسرارها. عاشوا أربعة قرون في وسط أعلى حضارات العالم آنذاك، بل وربما لا تدانيها حضارة اليوم. درسوا العلوم والآداب والحكمة والاقتصاد والطب والفلك والهندسة واللغة الخ.

لقد نموا جدًا وازدادوا حتى حسبوا مصرَ وطنًا لهم. وحتى عندما إستعبدهم فرعون رفضوا الخروج من مصر تحت قيادة موسى. وبعد الخروج حاولوا الرجوع إليها عدة مرات. وفي أيام ارميا النبي حملوه قسرًا معهم وذهبوا إلى مصر.

أظهر القديس استفانوس عمل الله العجيب الذي حوّل في فترة صغيرة الأسرة المكونة من 75 نسمة إلى أمة عظيمة هذا تعدادها. في فترة 215 سنة صار عدد رجال الحرب 600 الف محارب، فقد حقق الله وعده لإبراهيم.

"إلى أن قام ملك آخر،

لم يكن يعرف يوسف". [18]

إذ تزايد عدد الإسرائيليون جدًا وقووا، لم يفكروا في الخروج من مصر، بل كانوا يشعرون بالاستقرار فيها، لهذا سمح الله بظهور ملك آخر في مصر لم يسِر على منهج الملوك سلفائه، هؤلاء الذين كانوا يحسنون التعامل معهم. سمح به الله لكي لا يشعروا بالاستقرار، بل يخرجوا إلى الأرض التي وعد الله بها إبراهيم أن يرثها نسله. وقد حان وقت إتمام الوعد الإلهي.

يرى البعض أن فرعون هذا هو رمسيس، الملك الخامس من الأسرة الثامنة عشر، وأن هذا تم حوالي عام 1559 ق.م. يظن م. شامبليون M. Champollion أن اسم الملك هو ماندوني Mandonei الذى بدأ ملكه عام 1585 ق.م حتى 1565 ق.م. ويرى ج ولكنسون G. Wilkinson أنه أول ملك في الأسرة الثامنة عشر ويُدعى عموسيس Amosis أو عامس Ames ويرى هاكت Prof. Hackett أن معرفتنا بتاريخ مصر القديمة إلى الآن ليست دقيقة تمامًا، لذا يصعب تحديد الزمن بدقة.

"فاحتال هذا على جنسنا،

وأساء إلى آبائنا،

حتى جعلوا أطفالهم منبوذين لكي لا يعيشوا". [19]

سمح الله بقيام ملك آخر (رمسيس الثاني 1292-1225 ق.م.) الذي اضطهد العبرانيين لكي يحرمهم من قدور اللحوم وملذات مصر وأطاييبها، إذ كانوا قد بدأوا ينهبون خيرات مصر، وكان الله يعد لهم الخلاص والتمتع بأرض الموعد. وقد تم الخروج في عهد فرعون ممبتاح Memoptah (1225-1215 ق.م).

إذ لاحظ المصريون تزايد عددهم كانوا يضيفون عليهم الأثقال، حيث يلاحظ القديس استفانوس هنا ثلاثة أمور:

1. جحودهم الدنىء، إذ لم يراعِ الملك الجديد خدمات يوسف لهذه الأمة.

2. سياستهم الشيطانية وفكرهم الجهنمي "فاحتال على بني جنسنا". لم يسلكوا بحكمة لنفع أنفسهم، بل ما كان يشغلهم هو الاحتيال والسلوك بعنفٍ في غير رحمةٍ بإخوتهم.

3. تصرفهم معهم على مستوي مؤلم، حيث خططوا لقتل كل الأطفال الذكور الصغار.

في هذا كله يود القديس استفانوس أن يبرز لهم أن دخولهم أرض الموعد لا فضل لهم أو لآبائهم فيه، إنما هو عطية مجانية، وهبة من الله صانع المستحيلات، الذي عمل حسب غنى نعمته، وليس حسب استحقاقهم. ولعله أراد أن يوضح لهم أن التاريخ يعيد نفسه، فما فعله بهم المصريون، وما خططوا لتدميرهم فشل تمامًا، وتمتع إسرائيل بالحرية وورث أرض الموعد. الآن ها هم أنفسهم يمارسون ما فعله المصريون وبذات الروح، ويظنوا أنهم قادرون على تحطيم كنيسة المسيح، لكن يبقى الله، إله المستحيلات، عاملاً في وسط المؤمنين ليهبهم الميراث الأبدي، كنعان السماوية.

تربية موسى في قصر فرعون

"وفي ذلك الوقت وُلد موسى،

وكان جميلاً جدًا،

فرُبّيَ هذا ثلاثة أشهر في بيت أبيه". [20]

إذ بلغ الاضطهاد ذروته وُلد موسى، وكان هو نفسه في خطرٍ، معرضًا لقتله وهو بعد حديث الولادة؛ أرسله الله مخلصًا عندما بلغت الظلمة الذروة، وصارت الكارثة كما بلا حل. وُلد وسط هذه الظلمة الدامسة، وإذا بوجهه الجميل جدًا يشرق كما بنورٍ. لقد قدسه الله وهو بعد في الرحم، فوُلد جميلاً جدًا في عيني الله، بل وحتى في عينى ابنة فرعون.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم عجز الإنسان عن العمل، حتى وإن كان أبًا أو أمًا للشخص. لقد احتفظ الوالدان بموسى، ولكن إلى ثلاثة أشهر فقط، وألقياه في النهر.

+ إذ صار عون الإنسان ميئوسًا منه فألقياه، عندئذ أشرق إحسان الله في روعةٍ.

+ هذا هو العجب، أن ذاك الذي يكون لهم نصيرًا وُلد وسط العاصفة، لا قبل ولا بعد ذلك الوقت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولما نُبذ اتخذته ابنة فرعون،

وربّته لنفسها ابنًا". [21]

نجحت خطة فرعون، فقد اعتادت الأمهات المملوءات حنوُا على أطفالهن أن يلقين بهم إلى الموت، كما فعلت والدة موسى النبي.

تعهده الله وهو في رحم أمه فوهبه جمالاً رائعًا، وتعهده وهو رضيع برعاية والديه لمدة ثلاثة اشهر، وإذ توقفت أذرع الوالدين، تعهده في بيت فرعون نفسه المقاوم لله ولشعبه.

"وكان جميلاً جدًا"، وبحسب الأصل اليوناني "جميلاً أمام الله" أو "جميلاً بالله". وهو تعبير عبراني يعني أنه هيئته لها مسحة إلهية سرية جعلت أبويه لا يخشيان أمر الملك (عب 11: 23). يصفه المؤرخ يوسيفوس: "كان طفلاً شكله إلهيًا". ووصفه فيلون: "لما وُلد الصبي للوقت ظهر بوجه أكثر جمالاً من عامة الناس"، وبسبب جماله إذ التقطته ابنة فرعون من الماء اتخذته ابنًا لها.

 

في كتابه "حياة موسى" يقدّم لنا القديس غريغوريوس أسقف نيصص شخصيّة موسى النبي وحياته وأعماله كرمز لعمل السيّد المسيح في النفس البشريَّة وتمتّعها بخلاصه العجيب.

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص في ابنة فرعون المتعلّمة الوثنيّة والعاقر رمزًا للفلسفات الزمنيّة والفلاسفة الذين يبذلون جهدًا عظيمًا كمن هم في حالة طلق، لكنهم يحبلون ريحًا ولا ينجبون قط، إنّهم كالأميرة العاقر! إنّها دومًا تجهض، فلا تنجب نور معرفة اللَّه. تربّى موسى في قصر فرعون كابن لابنة فرعون، لكنّه رضع اللبن من أمّه، أي من لبن الكنيسة [بهذا تنتعش النفس وتنضج وتتمتّع بالوسائط للصعود إلى الأعالي.]

"فتهذّب موسى بكل حكمة المصريين،

وكان مقتدرًا في الأقوال والأعمال". [22]

كان تعليم المصريين يركز على علم الفلك وتفسير الأحلام والطب والرياضيات والعلوم الدينية. كان العالم القديم ينهل من معرفة قدماء المصريين وحكمتهم وفلسفتهم. فمن المعروف أن العلم انتقل من مصر إلى فينيقية ثم إلى اليونان، وقد جاء عدد ليس بقليلٍ من الفلاسفة اليونان إلى مصر من أجل المعرفة.

"مقتدرًا في الأقوال": يعترف موسى النبي أمام الله أنه ثقيل اللسان، وبطيء في الحديث". لهذا فإن اقتداره في الأقوال تعني قدرته على الاتصال بفرعون. هذا واضح عندما كان هرون يود أن يبلغ فرعون رسالة كان يقدمها خلال أخيه موسى (خر4: 11-16).

لم ترد عبارة "مقتدرًا في الأقوال" في أسفار العهد القديم، اقتبسها استفانوس عن التقليد اليهودي، وهي تعبر عما تمتع به موسى في قصر فرعون طوال 40 عامًا. وكأن الله قد هيأه للقيادة بروح المعرفة والعلم، وربما خلال هذه المعرفة العلمية استطاع أن يكون له دوره الفعال في إنشاء خيمة الاجتماع بما تحمله من إبداع. هذا وقد تزينت معرفته بعمل الله في حياته ليكون "حليمًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عد 12: 3). وقاده الرب إلى البرية ليتعلم روح الرعاية الحانية في وسط القفر. خلال حكمة المصريين تعلم الكتابة، فسجل الأسفار الخمسة كما تعلم حفظ الورق أو المخطوطات من التلف. يؤكد علماء كثيرون أن موسى النبي هو الذي اخترع الخط العبري بقواعده. ويرى البعض من جهة اقتداره في العمل أنه قاد حملة مصرية ضد أثيوبيا، ونال نصرة باهرة وعاد بالأسرى، وقد صار أغنية بين أبطال الحرب والسلم.

لم ينسَ موسى إله آبائه إذ، لذلك وقد صار دارسًا عظيمًا لم ينقد إلى سحر مصر، بل أدرك خداع لشيطان للسحرة، وخداعهم للآخرين.

"مقتدرًا في الأقوال والأعمال": ربما تعني أنه صار أشبه برئيس وزراء مصر، يتكلم بسلطانٍ وينفذ ما يقوله.

ولعله كان في ذهن القديس استفانوس أن ما تمتع به موسى هو بتخطيطٍ إلهيٍ، فصار بالله قادرًا، صاحب سلطان. هكذا استفانوس نفسه، إذ يتمتع بالروح القدس الساكن فيه يشعر أنه صاحب سلطان.

 

"ولمّا كمُلت له مدة أربعين سنة،

خطر على باله أن يفتقد إخوته بني إسرائيل". [23]

لم يُذكر عمره في العهد القديم حين فكر موسى في انقاذ اخوته، لكن القديس استفانوس اقتبس هذا عن التقليد اليهودي.

شبّ موسى مقتدرًا في الكلام والعمل، وظن أن بقدراته ومواهبه يستطيع أن يفتقد اخوته في مذلتهم. وربما كان في ذهنه أن يقود حملة عسكرية لمقاومة مضطهدي شعبه، ولتثبيت حقوقهم بالقوة. لكن هل كان يظن أنه قادر أن يثبت وجود شعبه بالسيف داخل أرض مصر، أم انه يقود الشعب إلى فلسطين؟

يرى البعض إن فرعون طلب أن يقتل موسى ليس لمجرد قتله للمصري، وإنما جاء هذا الحدث لتأكيد في ذهن فرعون أن موسى قد بدأ حركة تنظيم سري لحساب العبرانيين، فشعر بخطورته. فإبلاغ فرعون بحدث قتل مصري وهو أمر يُحسب تافهًا بالنسبة لفرعون، إنما يكشف أن شكًا قد سرى في أوساط القصر الملكي بتخطيط خفي لموسى ضد المصريين.

عاش موسى في قصر فرعون كمصري في بيت فرعون، ولم يكن له اتصال بشعبه، لكن قلبه وفكره وكل أعماقه كانت مرتبطة بشعبه، يئن مع أنينهم، ويشتهي أن يراهم في كمال الحرية.

"وإذ رأى واحدًا مظلومًا،

حامى عنه وأنصف المغلوب،

إذ قتل المصري". [24]

الظلم الذي حل على اليهودي من المصري هو أنه كان يضربه بعنفٍ يمكن أن يؤدي إلى قتله.

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص في المصري الوثني رمزًا للتعاليم الفلسفيّة الفاسدة واليهودي المتديّن رمزًا لتعاليم الآباء، حيث توجد خصومة بينهما. يقول أيضًا: [حرب المصري ضدّ العبراني تشبه حرب الوثنيّة ضدّ الدين الحقيقي، والخلاعة ضدّ البرّ، والعجرفة ضدّ التواضع، وكل شيء ضدّ ما هو عكسه. يعلّمنا موسى بمثاله أن نقف في صف الفضيلة كما في صف قريب لنا، وأن نقتل عدوّ الفضيلة (الشرّ). فنصرة الابن الحقيقي هو موت للوثنيّة ودمار لها. وهكذا البرّ يقتل الظلم، والتواضع يذبح التشامخ.]

+          +          +    

مزمور إنجيل القداس

مزمور 80 : 1 – 3

يا راعى إسرائيل اصغ يا قائد يوسف كالضأن يا جالسا على الكروبيم أشرق . قدام إفرايم وبنيامين ومنسى ايقظ جبروتك وهلم لخلاصنا

 

إنجيل القداس من لوقا 1 : 57 – 80

57 و اما اليصابات فتم زمانها لتلد فولدت ابنا
58 و سمع جيرانها و اقرباؤها ان الرب عظم رحمته لها ففرحوا معها
59 و في اليوم الثامن جاءوا ليختنوا الصبي و سموه باسم ابيه زكريا
60 فاجابت امه و قالت لا بل يسمى يوحنا
61 فقالوا لها ليس احد في عشيرتك تسمى بهذا الاسم
62 ثم اوماوا الى ابيه ماذا يريد ان يسمى
63 فطلب لوحا و كتب قائلا اسمه يوحنا فتعجب الجميع
64 و في الحال انفتح فمه و لسانه و تكلم و بارك الله
65 فوقع خوف على كل جيرانهم و تحدث بهذه الامور جميعها في كل جبال اليهودية
66 فاودعها جميع السامعين في قلوبهم قائلين اترى ماذا يكون هذا الصبي و كانت يد الرب معه
67 و امتلا زكريا ابوه من الروح القدس و تنبا قائلا
68 مبارك الرب اله اسرائيل لانه افتقد و صنع فداء لشعبه
69 و اقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه
70 كما تكلم بفم انبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر
71 خلاص من اعدائنا و من ايدي جميع مبغضينا
72 ليصنع رحمة مع ابائنا و يذكر عهده المقدس
73 القسم الذي حلف لابراهيم ابينا
74 ان يعطينا اننا بلا خوف منقذين من ايدي اعدائنا نعبده
75 بقداسة و بر قدامه جميع ايام حياتنا
76 و انت ايها الصبي نبي العلي تدعى لانك تتقدم امام وجه الرب لتعد طرقه
77 لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم
78 باحشاء رحمة الهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء
79 ليضيء على الجالسين في الظلمة و ظلال الموت لكي يهدي اقدامنا في طريق السلام
80 اما الصبي فكان ينمو و يتقوى بالروح و كان في البراري الى يوم ظهوره لاسرائيل

 

ميلاد يوحنا وخِتانه

"وأما اليصابات فتمَّ زمانها لتلد، فولدت ابنًا.

وسمع جيرانها وأقرباؤها أن الرب عظَّم رحمته لها،

ففرحوا معها" [57-58].

إذ تمتَّعت اليصابات بحنان الله ونعمته (يوحنا) في أحشائها وامتلأت بالروح القدس، تُرجِم ذلك عمليًا بظهور الطفل يوحنا في الزمن المحدََّد، الذي فرَّح قلوب الكثيرين. وهكذا يلزمنا نحن أيضًا أن نترجم ما نحمله من نِعم إلهيّة في أعماقنا إلى ثمر خارجي يُفرِّح السمائيِّين والأرضيِّين.

ميلاد القدّيس يوحنا فرَّح القلوب وأطلقها نحو تمجيد الله ببهجة صادقة. يقول القدّيس أمبروسيوس: [في ميلاد القدّيسين يعِمْ الفرح بين الجميع، إذ هو بركة للكل.]

إذ جاء وقت الختان أرادوا تسميتة "زكريَّا" على اسم والده، أما والدته التي امتلأت من الروح القدس فقالت: "يوحنا"، وزكريَّا نفسه إذ طلب لوحًا من الشمع وكتب الاسم "يوحنا" دون اتِّفاق سابق مع امرأته، انفتح لسانه في الحال ليتنبَّأ. وكأنه إذ تسلّم روح الله قيادة الموقف لم يَصر للزوجين ـ زكريَّا واليصابات ـ ثمرًا مشتركًا هو يوحنا، وإنما أيضًا صار لهم الفكر الواحد في الرب.

ويمكننا أيضًا أن نقول حين يتسلَّم روح الرب قيادة حياتنا تنسجم فينا اليصابات مع زكريَّا في الفكر والعمل، أي ينسجم الجسد (اليصابات) مع النفس (زكريَّا) ليعملا معًا بفكرٍ واحدٍ مقدَّسٍ.

الآن إذ تمتَّع زكريَّا بعطيّة الله له "يوحنا"،

"في الحال اِنفتح فمه ولسانه وتكلَّم وبارك الله.

فوقع خوف على كل جيرانهم،

وتحدَّث بهذه الأمور جميعها في كل جبل اليهوديّة.

فأودعها جميع السامعين في قلوبهم قائلين:

أترى ماذا يكون هذا الصبي؟!

وكانت يد الرب معه" [64-66].

حينما ننعم بحنان الله ينفتح فمنا الداخلي، وينطق لساننا بتهليل. نبارك الرب لا بكلمات بشريّة إنما بقوّة الله، حتى يقع خوف الله على من هم حولنا. المؤمن الحقيقي خلال تلامسه مع الله يحمل فرحًا وبهجة،ٍ وتتحوّل حياته كلها إلى فم داخلي مسبِّح، هذا التسبيح يهز السمائيِّين طرَبًا ويحطِّم عدو الخير، وكأن قوّة الله تتجلّى فيه.

صار ميلاد يوحنا كرازة، وإن كانت قد بدأت في غموض لكن "يد الرب" أي الابن الكلمة صار مرافقًا له يسنده، إذ ينطلق به إلى البريَّة، وهناك يعوله ويهتم به حتى يظهر لإسرائيل في الزمن المحدَّد.

نبوَّة زكريَّا الكاهن

تمتَّع زكريَّا الكاهن بحنان الله ونعمته (يوحنا)، فانطلق بلسانه يبارك الرب تحت قيادة الروح القدس، إذ رأى خطة الله الخلاصيَّة لا تشمله وحده، ولا عشيرته بل تضم الكل.

"وامتلأ زكريَّا أبوه من الروح القدس وتنبَّأ قائلاً:

مبارك الرب إله إسرائيل،

لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه" [68].

يعلِّق العلامة أوريجينوس هكذا: [عندما امتلأ زكريَّا من الروح القدس تنبَّأ نبوَّتين عامِّتين: الأولى خاصة بالمسيح، والثانية خاصة بيوحنا المعمدان وظهوره. ويظهر من كلماته أنه يتحدَّث عن المخلِّص كقائم فعلاً وموجود في العالم، يليه الحديث عن يوحنا.]

ويقول أمبروسيوس: [الرجل الصامت زمانًا طويًلا يتنبَّأ! هذا هو ملء نعمة الله التي جعلت من الناكرين (المتشكِّكين) ممجِّدين له! ليته لا يفقد أي إنسان ثقته، ولا ييأس بتأمَّله في خطاياه السابقة، متذكرًا البركات الإلهيّة.]

يتنبَّأ عن السيِّد المسيح، قائلاً:

"وأقــام لنا قرن خــلاص في بيت داود فتـاه.

كما تكلَّم بفم أنبيائه الذين من الدهر" [69-70].

يقول القدّيس چيروم: [القرن في الكتاب المقدَّس يعني مملكة أو سلطانًا.] ويقول القدّيس غريغوريوس النزينزي: [عندما انطرحنا إلى أسفل، رُفع قرن خلاصنا لأجلنا.]

ويقول القدّيس كيرلس الكبير: [لا تشير كلمة "قرن" إلى القوّة فحسب، بل وإلى السلطان الملكي، فإنَّ المسيح مخلِّصنا الذي ظهر من أسرة داود الملك هو ملك الملوك وقوّة الآب العظيمة.]

ويقول العلامة أوريجينوس: [بالحقيقة جاء قمَّة الخلاص من بيت داود، فقد جاءت النبوَّة صدى للقول بأن الكرامة قد زُرعت على القمَّة. وأيّة قمِّة. يسوع المسيح الذي كُتب عنه: "أقام قرن خلاص في بيت داود فتاه، كما تكلَّم بفم أنبيائه القدّيسين".]

"خلاص من أعدائنا، ومن أيدي جميع مبغضينا" [71].

يقول العلامة أوريجينوس: [ليس المقصود هنا الأعداء الجسديِّين، بل الأعداء الروحيِّين، وبالفعل جاء يسوع قويًا في المعركة ليُهلك جميع أعدائنا وينقذنا من حبائلهم، ويحرِّرنا من أعدائنا وجميع مبغضينا.]

"ليصنع رحمة مع آبائنا، ويذكر عهده المقدَّس" [72].

يقول القدّيس كيرلس الكبير: [المسيح هو الرحمة والعدل، لأننا نلنا به الرحمة، فتبرِّرنا بأن محا خطايانا بإيماننا به.] ويقول العلامة أوريجينوس: [أظن أن مجيء الرب المخلِّص قد أفاد إبراهيم وإسحق ويعقوب (آبائنا) بغفران الله لهم، إذ لا يمكن بأن هؤلاء الرجال الذين تنبَّأوا عن هذا اليوم وفرحوا به لم يستفيدوا بمجيء المخلِّص والميلاد الإعجازي... لماذا نخشى من القول بأن مجيئه قد أفاد آباءنا؟!]

مجيء المخلِّص يُعلن رحمة الله مع آبائنا ويحقّق مواعيده المستمرَّة، والتي ظهرت بوضوح في أيام إبراهيم الذي دخل مع الله في عهدٍ مقدََّسٍ وبقسَم، إذ يقول:

"القسَم الذي حلف لإبراهيم أبينا.

أن يعطينا إننا بلا خوف مُنقذين من أيدي أعدائنا نعبده.

بقداسة وبرِّ قدَّامه جميع أيام حياتنا" [73-75].

هذا العهد الذي تحقّق بمجيء المسيح يحمل شقَّين:

 الشِق الأول هو الغلبة على أعدائنا الروحيِّين، أي قوَّات الظلمة بدون خوفٍ، فقد حطَّم السيِّد فِخاخهم وحطَّم سلطانهم تحت أقدامنا، إن حملناه في داخلنا.

 والشِق الثاني والملازم للأول فهو دخولنا في الميراث، نعبد الرب بقداسةٍ وبرٍّ، أي نحمل طبيعة جديدة نعيشها كل أيام حياتنا.

هذا بخصوص النبوَّة عن السيِّد المسيح، أما عن القدّيس يوحنا المعمدان، فقال:

"وأنتَ أيها الصبي نبيّ العليّ تُدعى،

لأنك تتقدَّم أمام وجه الرب لتُعد طرقة.

لتعطي شعبَه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم.

بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المُشرق من العلاء.

ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت،

لكي يُهدي أقدامنا في طريق السلام" [76-79].

وفيما يلي تعليقات بعض الآباء على هذه النبوَّة:

+ "وأنت أيها الصبيّ نبيّ العليّ تُدعى" [76]. أرجو أن تلاحظوا أيضًا أن المسيح هو العليّ، وأن يوحنا المعمدان يتقدَّم المسيح بميلاده وعمله، فلماذا إذن ينكرون لاهوت المسيح؟ (يعني الأريوسيين).

"ليُضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت" [79].

كان يوحنا المعمدان نورًا ساطعًا وسط اليهوديّة، فقد ورد "رتَّبْت سراجًا لمسيحي" (مز 132: 171).

وفي شريعة موسى أُضيءَ أحد الأسرجة في خيمة الاجتماع على الدوام كرمزٍ ليوحنا.

ولكن اليهود بعد أن اجتمعوا حول معموديّة يوحنا ردْحًا من الزمن هجروه وتركوه... وبذلوا ما في وسعهم في إطفاء السراج المنير الساطع. فلا غرابة إن كان المسيح يصف يوحنا المعمدان بالقول: "كان هو السراج الموقَد المُنير، وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة" (يو 5: 35).

"لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام" [79].

كان العالم يتخبَّط في دياجير الظلام الحالك والجهل الفاضح، ومنعت سحابة الجهل جمهور الناس من رؤية السيِّد المسيح الفادي، إله الحق والعدل، إلا أن رب الجميع ظهر للإسرائيليُّين نورًا لهم وشمسًا لنفوسهم.

القدّيس كيرلس الكبير

+ اِعتقد أن زكريَّا أسرع بتوجيه الكلام إلى الطفل، لأنه كان يعلم أن يوحنا سوف يذهب ليعيش في البراري، وأنه لن يتمتَّع بعد ذلك بوجوده، وبالفعل "كان في البراري إلى يوم ظهوره لإسرائيل" [80].

موسى أيضًا عاش في البراري، لكن بعد هروبه من مصر وكان عمره أربعين عامًا... أما يوحنا فمنذ ولادته ذهب إلى البراري، هذا الذي قيل عنه أنه أعظم مواليد النساء، وقد استحق أن يثقَّف بتربية ممتازة.

العلامة أوريجينوس

+ قد يظن البعض أن في هذا مبالغة، إذ يوجَّه الحديث إلى طفلٍ ابن ثمانية أيام، لكننا نستطيع أن نُدرك أن هذا في الإمكان، إذ سمع الجنين صوت مريم قبْل ولادته. ولما كان يوحنا نبيًا فإنَّ للأنبياء آذانًا أُخر يفتحها روح الله ولا يفتحها نُموّ الجسد. كان يوحنا قادرًا على الفهم إذ سبق فركض بابتهاج في بطن أُمّه.

القدّيس أمبروسيوس

+      +       + 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt