طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

الأحد الثالث من شهر كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 132 : 13 – 15

مر 1 : 23 - 31

مز 85 : 7 ، 8

مت 15 : 21 - 31

رومية 4

4 - 24

1 يو 2

7 - 17

أع 7

35 - 50

مز 85 : 10 –11

لو 1: 39 – 56

مزمور عشية 132 : 13 – 15

 لأن الرب قد اختار صهيون اشتهاها مسكنا له .... طعامها ابارك بركة مساكينها أشبع خبزا

إنجيل عشية من مرقس 1 : 23 – 31

23 و كان في مجمعهم رجل به روح نجس فصرخ
24 قائلا اه ما لنا و لك يا يسوع الناصري اتيت لتهلكنا انا اعرفك من انت قدوس الله
25 فانتهره يسوع قائلا اخرس و اخرج منه
26 فصرعه الروح النجس و صاح بصوت عظيم و خرج منه
27 فتحيروا كلهم حتى سال بعضهم بعضا قائلين ما هذا ما هو هذا التعليم الجديد لانه بسلطان يامر حتى الارواح النجسة فتطيعه
28 فخرج خبره للوقت في كل الكورة المحيطة بالجليل
29 و لما خرجوا من المجمع جاءوا للوقت الى بيت سمعان و اندراوس مع يعقوب و يوحنا
30 و كانت حماة سمعان مضطجعة محمومة فللوقت اخبروه عنها
31 فتقدم و اقامها ماسكا بيدها فتركتها الحمى حالا و صارت تخدمهم


 

 

إخراج روح نجس

قدم لنا الإنجيلي أول عمل للسيد في يوم سبت داخل مجمع يهودي في كفرناحوم حيث كان يعلم بسلطان وليس كالكتبة [22]، ليخرج روحًا شريرًا بعد أن ينتهره رافضًا شهادته له، لذلك "تحيروا كلهم حتى سأل بعضهم بعضًا قائلين: ما هذا؟‍ما هو هذا التعليم الجديد؟‍‍لأنه بسلطان يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه" [27].

لماذا بدأ القديس مرقس بعرض هذه المعجزة في حديثه عن أعمال السيد؟

أولاً: لقد أراد القديس مرقس أن يعلن أن المسيح معلم فريد في نوعه، شهد له السامعون أنفسهم الذين بهتوا من تعليمه، وقالوا: "ما هذا التعليم الجديد"؟ لقد كان الكتبة يشرحون الناموس في المجمع كل سبت، لكنهم يقدمون كلمات بشرية من عندهم وحتى نطقوا الكلمات الإلهية يتفوهون بها من قلب جاف ونفس فارغة، أما السيد المسيح فهو كلمة الله عينه الجاذبة للنفس، يتحدث فيخترق النفس إلى أعماقها (عب 4: 12). يقول القديس كيرلس الكبير: [رأوا أمامهم معلمًا لا يخاطبهم كنبي فحسب، بل كإله عظيم تجثو له الروح قبل الجسد، رب الناموس.]

ثانيًا: من جهة المكان فقد دعي كفرناحوم أي كفر النياح أو الراحة، ومن جهة الزمن فكان يوم السبت أو الراحة، ومن جهة العمل أخرج الرب الروح الشرير محطم الإنسان روحًا وجسدًا. وكأنه حيثما حلّ السيد يجعل منا موضعًا للراحة الحقيقية، ويحّول زماننا إلى سبت لا ينقطع، طاردًا عنا كل روح خبيث محطم لحياتنا. غاية السيد المسيح هو راحتنا الحقيقية فيه!

ثالثًا: تعرف الشيطان أو الروح النجس على السيد المسيح بكونه قدوس الله الذي تجسد بتواضع... وقد أدرك أن تواضع السيد يغلب كبريائه، وقد حسب أن الوقت قد حان لإدانته لذلك "صرخ قائلاً: آه! ما لنا ولك يا يسوع الناصري، أتيت لتهلكنا. أنا أعرفك، من أنت؟ قدوس الله" [24].

 لقد رفض الرب شهادته منتهرًا إياه، قائلاً: "اخرس واخرج منه" [25]. وفيما يلي تعليقات بعض الآباء على هذا الموقف:

+ حتى الشياطين تنطق باسم الله، ومع ذلك فهم شياطين... كان ينتهرهم ويخرجهم. لهذا أسألكم أن تتنقوا من هذا الخطأ (النطق باسم الله باطلاً).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ ما قاله بطرس (مت 8: 29) نطقت به أيضًا الشياطين، الكلمات واحدة ولكن الذهن مختلف... فان إيمان المسيحي يقوم على الحب، أما إيمان الشيطان فبلا حب... بطرس نطق بهذا لكي يحتضن المسيح، أما الشياطين فنطقت بهذا لكي يتركها المسيح.

+ "الشياطين يؤمنون ويقشعرون" (يع 2: 19). الإيمان له قدرته، لكنه بدون المحبة لا ينفع شيئًا، فقد اعترفت الشياطين بالمسيح، وكان اعترافهم نابعًا عن إيمان بلا حب... لا تفتخر بالإيمان إن كان على مستوى الشياطين.

+ يا لعظم قوة تواضع الله التي ظهرت في أخذه شكل العبد، فقد غلبت كبرياء الشياطين، وقد عرفت الشياطين ذلك حسنًا، معبرين عن ذلك للرب الملتحف بضعف الجسد. لقد قالوا: "ما لنا ولك (ماذا نفعل بك) يا يسوع الناصري"؟... يظهر في هذه الكلمات أنهم أصحاب معرفة لكن بلا محبة، والسبب في هذا أنهم كانوا يرتعبون من عقوبتهم بواسطته ولا يحبون برّه.

القديس أغسطينوس

 

+ عرفته الشياطين بالقدر الذي سمح الله لهم أن يعرفوه، لكنهم لم يعرفوه كما يعرفه الملائكة القديسون الذين ينعمون بشركة أبدية بكونه كلمة الله...

القديس أغسطينوس

 

ب. إبراء حماة سمعان

"ولما خرجوا من المجمع

جاءوا للوقت إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا.

وكانت حماة سمعان مضطجعة محمومة،

فللوقت أخبروه عنها.

فتقدم وأقامها ماسكًا بيدها،

فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [29-31].

يقول القديس أمبروسيوس أن حماة سمعان تمثل جسدنا الذي أصابته حمى الخطايا المختلفة فصار أسير الألم، مطروحًا بلا عمل، يحتاج إلى طبيب قادر أن يحله من رباطات المرض.

ويلاحظ في هذا العمل الذي صنعه الرب الآتي:

أولاً: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح كان منطلقًا من المجمع في كفرناحوم إلى بيت سمعان بطرس ليأكل، مدللاً على ذلك بقوله الإنجيلي: "فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [31]، فقد انفتح هذا البيت لخدمة السيد، فجاء السيد يخدمه. فكلما خدمنا ربنا يسوع المسيح إنما في الحقيقة ننال خدمته وننعم بعمله الفائق فينا.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن سمعان لم يستدعِ السيد ليشفي مريضته بل انتظره حتى يتمم عمله التعليمي في هذا المجمع ويحقق أشفية لكثيرين وعندئذ لما جاء السيد إلى بيته سأله من أجلها. هكذا منذ البداية تدرب أن يفضل ما هو للآخرين عما هو لنفسه.

ثانيًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يستنكف (يسوع المسيح) من الدخول إلى أكواخ صيادي السمك البسطاء، معلمًا إياك بكل وسيلة أن تطأ الكبرياء البشري تحت قدميك.] كما يعلل تركه المجمع وانطلاقه إلى كوخ بسيط ليشفي مريضة بقوله: [بهذا كان يدربنا على التواضع، وفي نفس الوقت كان يلطف من حسد اليهود له، ويعلمنا ألا نفعل شيئًا بقصد الظهور.]

هذا أيضًا ما أكده القديس أغسطينوس بقوله: [لقد أرادهم أن يفهموا أعماله أنها ليست بقصد الإعجاب وإنما قدمها عن حب لأجل الشفاء.]

في إخراجه للشيطان أو الروح النجس نطق السيد بسلطان ليكتم أنفاسه ويخرجه، لئلا يظن أحد في هذا حبًا للظهور عندما التقى بمريضة أمسك بيدها فتركتها الحمى حالاً. إنه صاحب سلطان حقيقي، يعمل بكلمته كما بلمسة يديه المترفقتين بنا!

وللقديس كيرلس الكبير تعليق جميل على استخدام لمسة يده في الشفاء، إذ يقول: [أرجو أيضًا أن تلاحظوا قوة جسده المقدس إذا ما مسّ أحدًا، فان هذه القوة تقضي على مختلف الأسقام والأمراض، وتهزم الشيطان وأعوانه، وتشفى جماهير الناس في لحظة من الزمن. ومع أن المسيح كان في قدرته أن يجري معجزات بكلمة منه، بمجرد إشارة تصدر عنه، إلا أنه وضع يديه على المرضى ليعلمنا أن الجسد المقدس الذي اتخذه هيكلاً له كان به قوة الكلمة الإلهي. فليربطنا الله الكلمة به، ولنرتبط نحن معه بشركة جسد المسيح السرية، فيمكن للنفس أن تُشفي من أمراضها وتقوى على هجمات الشياطين وعدائها.]

ثالثًا: يقدم لنا الإنجيلي السيد المسيح كخادم الكل يعمل بلا توقف، يخدم وسط الجماهير في مجمع كفرناحوم بقوة حتى "خرج خَبره للوقت في كل الكورة المحيطة بالجليل" [28]، وفي نفس الوقت ينسحب إلى كوخ صغير ليشفي سيدة محمومة، وإذ يلتف الكثيرون حول الباب يخرج إليهم ليشفي كثيرين ويخرج شياطين كثيرة. إنه يعمل أينما وجد ليجتذب الكل بحبه العملي إلى أحضانه الإلهية.

رابعًا: لعل مجمع كفرناحوم يشير إلى جماعة اليهود الذين بينهم من به روح نجس خلال عدم الإيمان، فجاء السيد إليهم ينتهر هذا الروح الشرير ليكسبهم إليه كأعضاء جسده. أما انطلاقه إلى بيت سمعان ليلتقي بحماته المحمومة فيشير إلى عمله بين الأمم لينزع عنهم حمى الوثنية والرجاسات الشريرة، ويحول طاقاتهم لخدمته. هكذا جاء السيد إلى العالم كله ليخلص الجميع.

لقد جاء ليشفي حماة بطرس المحمومة بعد أن انتهر الروح النجس وأخرجه، منقذًا الشعوب بربطه للعدو إبليس وتحطيم سلطانه وطرده من القلوب!

خامسًا: استخدم القديس مرقس في تعبيره "أقامها" [31] الفعل اليوناني egeiro الذي غالبًا ما يُستخدم في قيامة السيد المسيح نفسه (مر 14: 28؛ 16: 6؛ 1 كو 15: 4؛ أع 3: 15؛ 13: 37) ، وكأنها لم تكن في حاجة إلى من يشفيها من مرض جسدي، بل من يقيمها من الموت. احتاجت إلى واهب القيامة نفسه يقيمها معه!

سادسًا: يقول الإنجيلي: "وأقامها ماسكًا بيدها، فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم" [31].

 تلامُسنا مع رب المجد يسوع ينزع حمى المرض أو لهيب الشر الحار، لا لنحيا في برود الروح، بل في لهيب جديد هو لهيب الروح العامل والخادم للكل، إن لم يكن بكرازة الوعظ فبالقدوة والصمت. تتحول حياتنا إلى لهيب مشتعل بالروح القدس يلهب الآخرين ويلتهب معهم بالروح، وكما يقول الشيخ الروحاني: [كما أن النار لا تنقص ولا تضعف قوتها إذا أخذت منها مشاعل كثيرة، هكذا الذي يسكن فيه الروح القدس إذا أعطى نعمة لآخرين لا ينقص.]

سابعًا: شفاء حماة بطرس جذب المدينة كلها ليتمتع الكثيرون بالشفاء أيضًا، إذ يقول الإنجيلي:

 "ولما صار المساء إذ غربت الشمس، قدموا إليه جميع السقماء والمجانين. وكانت المدينة كلها مجتمعة على الباب. فشفى كثيرين كانوا مرضى بأمراض مختلفة، وأخرج شياطين كثيرة، ولم يدع الشياطين يتكلمون أنهم عرفوه" [32-34].

 لقد جاءوا إليه بجميع السقماء والمجانين بعد الغروب، إذ كان يوم سبت ولم يكن بعد يقدر اليهود أن يدركوا السبت بالمفهوم الروحي كيوم راحة يمكن أن تتمم فيه أشفيه للنفوس المتعبة، فانتظروا في حرفية جامدة حتى ينتهي السبت بالغروب. أما قوله "شفى كثيرين" ولم يقل "شفى الجميع"، فربما لأن عدم إيمان القلة منهم حرمهم من عمله الإلهي. وإذ رأت الشياطين ما فعله السيد أدركت من هو فكان ينتهرها ويرفض شهادتها له، طاردًا الكثيرين منهم!

يمكننا أن نقول، إذ تجسد كلمة الله وسط اليهود، وحلّ بينهم، حوّل الزمن إلى نهار، وشفى نفوسًا منهم (حماة بطرس) كالتلاميذ والرسل والمريمات... وإذ صعد بالجسد كأن المساء قد حلّ والشمس غربت فجاءت جموع الشعوب والأمم من كل العالم، تجمعت على الباب تطلب المسيّا فيها، فشفى الرب الكثيرين وطرد شياطين كثيرة، إذ تحولت حياة الكثيرين من الوثنية إلى الإيمان المسيحي. بمعنى آخر بصعوده، أي بغروب الشمس انفتح الباب للأمم ليتمتعوا بالإيمان مع التوبة الصادقة لينالوا ملكوت الله داخلهم عوض مملكة إبليس المهلكة‍!

+     +      +

مزمور باكر 85 : 7 ، 8

أرنا يارب رحمتك واعطنا خلاصك ، إنى اسمع ما يتكلم به الله الرب

إنجيل باكر مت 15 : 21 – 31

21 ثم خرج يسوع من هناك و انصرف الى نواحي صور و صيدا
22 و اذا امراة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت اليه قائلة ارحمني يا سيد يا ابن داود ابنتي مجنونة جدا
23 فلم يجبها بكلمة فتقدم تلاميذه و طلبوا اليه قائلين اصرفها لانها تصيح وراءنا
24 فاجاب و قال لم ارسل الا الى خراف بيت اسرائيل الضالة
25 فاتت و سجدت له قائلة يا سيد اعني
26 فاجاب و قال ليس حسنا ان يؤخذ خبز البنين و يطرح للكلاب
27 فقالت نعم يا سيد و الكلاب ايضا تاكل من الفتات الذي يسقط من مائدة اربابها
28 حينئذ اجاب يسوع و قال لها يا امراة عظيم ايمانك ليكن لك كما تريدين فشفيت ابنتها من تلك الساعة
29 ثم انتقل يسوع من هناك و جاء الى جانب بحر الجليل و صعد الى الجبل و جلس هناك
30 فجاء اليه جموع كثيرة معهم عرج و عمي و خرس و شل و اخرون كثيرون و طرحوهم عند قدمي يسوع فشفاهم
31 حتى تعجب الجموع اذ راوا الخرس يتكلمون و الشل يصحون و العرج يمشون و العمي يبصرون و مجدوا اله اسرائيل


 

 

لقاء مع الكنعانيّة

إن كان قد تحوّل رجال الكتاب المقدّس - الكتبة والفرّيسيّون - بعمى قلوبهم عن الكلمة الإلهي المتجسّد، فصاروا مقاومين له ومناضلين لمملكته الروحيّة، عِوض أن ينعموا بها ويكرزوا، لهذا يقول الإنجيلي: "ثم خرج يسوع من هناك، وانصرف إلى نواحي صور وصيدا". وكأنه يُعلن تركه للشعب اليهودي الرافض الإيمان ليبحث عن أولاده من بين الأمم. بخروجه ينزع الأغصان الأصيلة بسبب كبريائهم وعدم إيمانهم، لكي يطعم فيه الأغصان البرّيّة لتنعم بثمر روحه القدّوس.

بينما انهمك اليهود - في أشخاص قادتهم - في حرفيّة الناموس وشكليّات التقليد بغير روح، صاروا يبحثون عن خطأ يرتكبه المسيّا المخلّص، وإذا بكنيسة الأمم ممثّلة في هذه الكنعانيّة تخرج إليه لتطلب منه احتياجها.

"وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه؛ قائلة:

ارحمني يا ابن داود،

ابنتي مجنونة جدًا" [22].

لقد حُرمت زمانها كلّه من سماع كلمة الله، ولم تتسلّم الناموس ولا ظهر في وسطها أنبياء بل عاشت حياتها في عبادة الأوثان، لكنها بالسماع عرفت القليل عن المسيّا "ابن داود"، فخرجت من تخومها، كما من كُفرها وعبادتها الوثنيّة، لتلتقي به. رفضه الذين لديهم قوائم الأنساب وبين أيديهم الرموز والنبوّات تحدِّد شخصه، وجاءت إليه غريبة الجنس، لا لتدخل في مناقشات غبيّة ومجادلات، إنّما لتغتصب حبّه الإلهي ومراحمه، لينقذ ابنتها المجنونة جدًا، لقد قبلته مخلّصًا لها، إذ شعرت بالحاجة إليه لأن نفسها كابنة لها مجنونة جدًا، فقدت تعقلها وحكمتها!

حقًا إذ انطلق السيّد إلى نواحي صور وصيدا، إذا بالمرأة تخرج من تخومها، وكأن السيّد وهو محب للبشر ينصرف إليهم، لكنّه لا يلتقي بهم داخل تخوم الأوثان بل خارجها. لقد حقّقت بهذا ما لم يعلنه لها داود النبي: "اسمعي يا بنت وانظري وأميلي أذنك، واِنسي شعبك وبيت أبيك، فيشتهي الملك حسنك، لأنه هو سيّدك فاُسجدي له" (مز 45: 10-11). لقد تمّمت الوصيّة وخرجت من شعبها، وتركت بيت أبيها تطلب الملك الحقيقي.

يقول الإنجيلي: "لم يجبها بكلمة" [23]... لماذا؟

أولاً: عدم إجابته لها في البداية هو إعلان عن عمله الخلاصي، فقد جاء وسط بني إسرائيل وركّز غالبية أعماله وقوّاته على هذا الشعب، الذي تمتّع بالوعود والنبوّات والشرائع، حتى إذا ما رفضه يكون قد امتلأ كأسه، فيرفضه الرب، ليفتح الباب على مصراعيه للأمم. لقد ركّز على هذا الشعب في البداية ليكون الخميرة المقدّسة لتخمير العجين كلّه، خلال الكرازة والتبشير. ونحن لا ننكر أنه وإن رفضه اليهود لكن قلّة منهم كانوا التلاميذ والرسل الذين كرزوا في العالم.

ثانيًا: كان صمت السيّد إلى حين يثير التلاميذ لكي يتقدّموا من أجلها. لقد أراد أن يكشف لهم رسالتهم أن يهتمّوا بالعالم الوثني المتألّم والفاقد وعيه الروحي وخلاصه.

ثالثًا: كان السيّد صامتًا في الخارج، لكن يده غير المنظورة تسند قلبها وإيمانها، وعيناه تترقّبان بفرح تواضعها الفائق. لقد أراد بصمته لا أن يتجاهلها، وإنما بالأحرى يزكّيها أمام الجميع.

 يقول القدّيس أغسطينوس: [إذا كانت تشغف على الحصول على الرحمة صرخت وبجسارة قرعت، فظهر كأنه لم يسمعها. لم ترفضها الرحمة إلى النهاية، إنّما ما حدث كان لكي يُلهب رغبتها ويُظهر تواضعها. صرخت وكأن المسيح لا يسمعها، مع أنه كان يدبّر الأمر بهدوء.] كما يقول: [كانت دائمة الصراخ، داومت على القرع، وكأنها سبق فسمعت قوله: "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم" (مت 7: 7).]

"فتقدّم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين:

اصرفها لأنها تصيح وراءنا.

فأجابهم وقال: لم أُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" [23-24].

كيف لم يُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، وهو القائل لنيقوديموس "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة" (يو3: 16)؟ بل وسبق فشهد الأنبياء في العهد القديم عن مجيء المسيّا للعالم كله، اليهود والأمم معًا؟

يجيب القدّيس أغسطينوس: [إننا نفهم من هذا أنه لاق به أن يُعلن عن حضوره بالجسد وميلاده، وعمل معجزاته وقوّة قيامته وسط هذا الشعب، فإنه هكذا قد دبّر الأمر منذ البداية. ما سبق فبُشِّر به قد تحقّق بمجيء المسيح يسوع لأمّة اليهود كي يُقتل، لكنّه يربح منهم الذين سبق فعرفهم، فإنه لم يدن الشعب كلّه، إنّما فحصهم فوجد بينهم تبنًا كثيرًا، ووجد أيضًا حنطة مختفية. منهم ما هو يُحرق، ومنهم ما يملأ المخازن، فإنه من أين جاء الرسل؟!] كما يقول: [لأنه لم يذهب بنفسه للأمم، بل أرسل تلاميذه، فيتحقّق ما قاله النبي: "شعب لم أعرفه يتعبّد لي" (مز 18: 43). انظر كيف أوضحت النبوّة الأمر كيف تحقّق؟! تحدّثت بوضوح: "شعب لم أعرفه"؛ كيف؟ يكمّل قائلاً: "من سماع الأذن يسمعون لي" (مز 18: 44)، أي يؤمنون لا خلال النظر بل خلال السمع، لهذا نال الأمم مديحًا عظيمًا. فإن (اليهود) رأوه فقتلوه، الأمم سمعوا عنه وآمنوا به.]

لقد أكمل السيّد حديثه، قائلاً: "ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب؟" [26]. لماذا نطق هكذا؟ هل كان يحتقر الأمم فيدعوهم كلابًا؟! بلا شك لا يحتقر السيّد خليقته، ولكنه ربّما قال هذا مردِّدًا ما كان يردِّده اليهود لكي يمجِّد من ظنَّهم اليهود كلابًا، معلنًا كيف صاروا أعظم إيمانًا من البنين أنفسهم. هذا ومن ناحية أخرى، فإن الأمم بإنكارهم الإيمان بالله، وصنعهم الشرور الكثيرة حتى أجاز الكثيرون أطفالهم في النار، وقدّموا بنيهم ذبائح للأصنام، فعلوا ما لا تفعله الكائنات غير العاقلة. إنه لا يقصد تمييز اليهود عن الأمم، إنّما يكشف عن فعل الخطيئة فينا، كما كشف عن أعماق قلب المرأة الكنعانيّة التي سبقت بتواضعها العجيب أبناء الملكوت. فقد قالت: "نعم يا سيّد، والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها" [27].

يقول القدّيس أغسطينوس: [أنها لم تثُرْ ولا غضبت، لأجل دعوتها ككلبٍ عندما طلبت البركة وسألت الرحمة، بل قالت: "نعم يا سيّد". لقد دعوتني كلبًا، وبالحق أنا هكذا، فإنّني أعرف لقبي! إنك تنطق بالحق، لكن ينبغي ألا أُحرم من البركة بسبب هذا... فإن الكلاب أيضًا تأكل من الفتات الساقط من مائدة أربابها. ما أرغبه هو البركة بقدر معتدل، فإنّني لا أزحم المائدة، إنّما أبحث فقط عن الفتات. انظروا أيها الإخوة عظمة التواضع الذي أمامنا!... إذ عرفت نفسها، قال الرب في الحال: "يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن كما تريدين" [28].

 لقد قلتِِ عن نفسكِ إنكِ "كلبًا"، لكنّني أعرفك إنكِ "إنسان"... لقد سألتي وطلبتي وقرعتي، فيُعطَى لك وتجدين ويُفتح لك. انظروا أيها الإخوة كيف صارت هذه المرأة الكنعانيّة مثالاً أو رمزًا للكنيسة؟! لقد قدّمت أمامنا عطيّة التواضع بدرجة فائقة!] ما حُرم منه اليهود أصحاب الوعود بسبب كبريائهم نالته الأمم المحرومة من المعرفة خلال التواضع. الذين ظنّوا في أنفسهم أبناء، حُرموا أنفسهم من مائدة الملكوت خلال جحودهم، والذين كانوا في شرّهم ودنسهم كالكلاب، صاروا بالحق أبناء يدخلون وليمة أبيهم السماوي.

لقد حقّقت هذه المرأة الخارجة من تخوم صور ما سبق فأعلنه النبي عنها: "بنت صور أغنى الشعوب تترضَّى وجهك بهديّة" (مز 45: 12). أيّة هدية تقدّمها بيت صور هذه إلا إعلان إيمانها الفائق خلال صمت السيّد، وتظاهره بعدم العطاء في البداية. لقد وهبها الفرصة لتقديم أعظم هديّة يشتهيها الرب، إذ يقول "يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لكِ كما تريدين" [28]. لقد فتحت بهذه الهديّة كنوز السيّد، لتنال كل ما تريد، بينما أغلق قادة اليهود أبواب مراحم الله أمام أنفسهم. قبل هديّتها القلبيّة الفائقة، وردّ لها الهديّة بما هو أعظم، إذ مدَحها أمام الجميع، فاتحًا أبواب محبّته أمامها، مقيمًا إيّاها رمزًا لكنيسة الأمم التي اغتصبت الرب نفسه بالإيمان.

انجذاب البسطاء إليه

مرة أخرى يصعد السيّد إلى الجبل ليجلس هناك، فتجتمع الجماهير البسيطة، تحمل إليه العرج والعمي والخرس الخ.، يطرحونهم عند قدميه فيشفيهم. إن كان القادة بريائهم الذي أعمى قلوبهم فلم يعاينوا شمس البرّ، فإن الغرباء (الأمم) في شخص المرأة الكنعانيّة التقوا به خلال الشعور بالاحتياج إليه، وهكذا أيضًا بسطاء اليهود أدركوا في بساطة قلوبهم في يسوع المسيح ملكهم المخلّص، الأمر الذي حُرم منه القادة.

+       +        +


 

البولس من رومية 4 : 4 – 24

4 أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ.
5 وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا.
6 كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ أَيْضًا فِي تَطْوِيبِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَحْسِبُ لَهُ اللهُ بِرًّا بِدُونِ أَعْمَال:
7 «طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ.
8 طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً».
9 أَفَهذَا التَّطْوِيبُ هُوَ عَلَى الْخِتَانِ فَقَطْ أَمْ عَلَى الْغُرْلَةِ أَيْضًا؟ لأَنَّنَا نَقُولُ: إِنَّهُ حُسِبَ لإِبْرَاهِيمَ الإِيمَانُ بِرًّا.
10 فَكَيْفَ حُسِبَ؟ أَوَهُوَ فِي الْخِتَانِ أَمْ فِي الْغُرْلَةِ؟ لَيْسَ فِي الْخِتَانِ، بَلْ فِي الْغُرْلَةِ!
11 وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ، لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ، كَيْ يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضًا الْبِرُّ.
12 وَأَبًا لِلْخِتَانِ لِلَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْخِتَانِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يَسْلُكُونَ فِي خُطُوَاتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ وَهُوَ فِي الْغُرْلَةِ.
13 فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ.
14 لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً، فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ:
15 لأَنَّ النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَبًا، إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ.
16 لِهذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ، كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ، لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا.
17 كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ». أَمَامَ اللهِ الَّذِي آمَنَ بِهِ، الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ.
18 فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ، لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا قِيلَ: «هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ».
19 وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ ­ وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا، إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ ­ وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ.
20 وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا للهِ.
21 وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا.
22 لِذلِكَ أَيْضاً: حُسِبَ لَهُ بِرًّا».
23 وَلكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ،
24 بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا، الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ.


 

 

+آمن أبونا إبراهيم وأيضًا مارس أعمال الناموس، إذ قبِل الخِتان في جسده كما خَتن ذكور بيته، لكن شتّان بين الإيمان وأعمال الناموس، إذ يقول الرسول:

 "أما الذي يعمل فلا تُحسب له أجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين" [ 4 ]

أيهما أعظم: الأجرة التي ينالها الإنسان مقابل أعمال الناموس، أم النعمة التي ينالها مقابل الإيمان؟ بلا شك البرّ أعظم من الأجرة، لأن البرّ يعني عفو الله عن آثامنًا، ليهبنا برّه عاملاً فينا فننال مجدًا أبديًا. وقد اقتبس الرسول من المرتّل داود العبارة: "طوبى لمن غفرت آثامهم". [ 7 ] وكما يقول القدّيس ذهبي الفم: [ لا يقدّم بولس هذه العبارة اعتباطًا، لكنه يودّ القول بأن من غُفرت آثامه بالنعمة نال التطويب، فمن آمن وتبرّر يتأهل بالأكثر للبركة، التي خلالها يُنزع الخزي ليحل المجد.]

القول النبوي "طوبى لمن غُفرت آثامهم" يكشف عن بهجة قلب المرتّل بنوال برّ مجّاني لا أجرة عن عمل ناموسي، هذا البرّ هي عطيّة إلهية يهبها الله لمؤمنيه. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري:[ هذه الطوباوية تحلّ على الذين اختارهم الله خلال يسوع المسيح ربنا، لأن "المحبّة تستر كثرة من الخطايا" (1 بط 4: 8). هؤلاء قد اغتسلوا بواسطة ذاك الذي يريد توبة الخاطي لا موته ( حز 33: 11).]

ما هو هذا الإيمان الذي يبرّرنا؟

+ماذا يعني نؤمن به؟ الإيمان به يعني حبنا له، وتقديرنا لسموه، والذهاب إليه، والإتحاد بأعضائه.

+الإيمان بالمسيح هو أن نؤمن به أنه يُبرّر الخاطي؛ نؤمن بالشفيع الذي بدون وساطته لا يمكن أن نتصالح مع الله؛ نؤمن بالمخلص الذي جاء يطلب ويخلِّص ما قد هلك (لو 19: 10)؛ نؤمن بذاك القائل: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5).

+إيماننا نفسه بالمسيح هو عمل المسيح، إذ هو يعمل فينا، بالتأكيد ليس بدوننا. اسمع الآن وافهم: "من يؤمن بي فالأعمال التي أعملها أنا يعملها هو"

 يقول: الأعمال التي أفعلها أنا أولاً، ثم يفعلها هو بعد ذلك، فأنا أفعلها لكي يفعلونها هم أيضًا. ما هي هذه الأعمال إلا إقامة الإنسان البارّ من الشرّير؟

+تتبرّر النفس بارتفاعها نحو الله، والتصاقها بذاك الذي يبرّرها... فإنها إذ تتركه تصير شريرة، وإذ تعود إليه تتبرّر. ألا يظهر لك أنه متي وُجد شيء ما بارد واقترب من النار يصير دافئًا؟ وعندما يُنزع من النار يبرد! لو أن شيئًا ما كان مظلمًا واقترب من النور، أمّا يصير بهيًا؟ وإن نُزع عن النور يصير مظلمًا؟ هكذا هي النفس، أمّا الله فليس هكذا!

القدّيس أغسطينوس

+ ماذا يعني الرسول بقوله: "وأما الذي لا يعمل، ولكن يؤمن بالذي يُبرّر الفاجر، فإيمانه يُحسب له برًا[ 5 ] ؟ هل يحثِّنا الرسول على تجاهل الأعمال لنتبرّر بالإيمان وحده؟

نجيب على ذلك بأن الرسول كان يُحدّث اليهود الذين تشامخوا على الأمم بأعمال الناموس بطريقة حرفيّة قاتلة، فإن هذه لا تبرّر الإنسان، إنما لو حُفظت بطريقة روحية، تدفعهم لإدراك الخلاص والتبرير بالمسيّا، الذي كانوا يتظرونه. هذا من جانب ومن جانب آخر، فإننا كمسيحيّين لا نتبرّر بأعمالنا الصالحة كأعمال من عندياتنا، وإلا حسبت "برًا ذاتيًا" تعطل خلاصنا، إنما نمارسها بكونها ثمرة عمل الله فينا، وكما يقول الرسول بولس: "لأن الله هو العامل فيكم" (في 2: 13)، "نحن عاملان مع الله  (1كو 3 : 9). لهذا يؤكّد الرسول يعقوب "لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضًا بدون أعمال ميت" ( يع 2: 26).

إبراهيم أب لجميع المؤمنين

إذ قارن الرسول بين أعمال الناموس والإيمان في حياة أبينا إبراهيم ليُعلن سموّ الإيمان، الذي به يتبرّر، دون تجاهل لأعمال الناموس التي مارسها إبراهيم وإن كانت عاجزة عن التبرير، الآن يؤكّد الربط بين الإيمان وأعمال الناموس في حياة هذا الأب دون تعارض، قائلاً: "أخذ علامة الخِتان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغُرْلة" [ 8 ]  فالخِتان هو علامة جسديّة جاءت لا معارضة للإيمان، بل خاتمة على إيمانه ومؤكدة له، حتى كل من يحملها إنما يلزم أن يلتزم أيضًا بالإيمان. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن العلامة جاءت لاحقة للإيمان، إذ آمن إبراهيم حين كان أولاً في الغُرْلة، وبقيَ مؤمنًا أيضًا وهو في الخِتان، بهذا أعلن أبوته لأهل الغُرْلة أن يقبلوا الامتثال به في إيمانه، وأيضًا لأهل الخِتان أن يفعلوا ذات الأمر.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية مظهرًا أن اليهود لم يأتوا إلا كضيوف لاحقين لأهل الغُرْلة، وأنهم أضيفوا إليهم، أي جاءوا إلى بيت الإيمان مُضافين إلى إبراهيم الذي قبِل الإيمان وهو في الغُرْلة قبل الخِتان، قائلاً: [لأنه إن كان إبراهيم قد تبرّر وكلِّل وهو بعد في الغُرْلة، فقد جاء اليهود بعد ذلك. إذًا إبراهيم هو أب الأمميّين أولاً الذين ينتسبون إليه بالإيمان، كما أنه أب اليهود ثانيًا، أي أب الجنسين... لهذا يستكمل بولس حديثه، قائلاً: "ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغُرْلة كي يحسب لهم البرّ أيضًا وأبًا للختان " [ 11 – 12 ] .

هذا وينتسب الأمميّون لإبراهيم لا بسبب غرلتهم، وإنما لإقتدائهم بإيمانه، كذلك اليهود لا ينتفعون ببنوّتهم له لا لكونهم مختونين، وإنما لأنهم لم يؤمنوا... إذن لك الحق في أبوة إبراهيم إن سرْت في خطوات ذلك الإيمان، دون تنازع ولا مشايعة لمناصرتك للناموس.

هذا ويري الذهبي الفم أن الخِتان مجرّد علامة حملها إبراهيم من أجل ضعف اليهود، إذ يقول الرسول "ليكون أبًا للختان"، لا بمعنى أن يحملوا العلامة جسديًا فيصيرون أبناء له، وإنما يحملون ما وراء العلامة ألا وهو إيمانه. لأن هذه العلامة ليست إلاّ ختمًا للإيمان. فإن لم يسعَ اليهود إلى الإيمان مكتفين بالعلامة التي للجسد، تصير هذه نفاية لا ضرورة لها. هكذا أيضًا لا يليق بهم إذ نالوا الخِتان أن يحتقروا أهل الغُرْلة، بل أن يكونوا سندًا لهم، ليكون الكل معًا في ذات الإيمان الواحد.

لقد ظنّ اليهود أنهم ورثة إبراهيم في نواله المواعيد الإلهية لمجرد تمتعهم بهذه العلامة، أي ممارستهم لأعمال الناموس، متجاهلين التزامهم بالاقتفاء بأبيهم في إيمانه، لهذا يقول الرسول:  "لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة، فقد تعطّل الإيمان وبطل الوعد" [ 14 ]  بمعنى آخر إن تمسك اليهود بأعمال الناموس كعلامة لميراثهم ما لإبراهيم، مكتفين بهذه الأعمال عند حرفيتها يسلبون الإيمان عمله، ويفقدون نوالهم الوعد الإلهي الذي أُعطيَ لإبراهيم، أن بنسله تتبارك الأمم. على العكس إن كان أهل الغُرْلة لم يمارسوا أعمال الناموس في حرفيتها، لكنهم بالإيمان صاروا ورثة إبراهيم وحُسبوا أصحاب الوعد كأبناء له.

الاتّكال على أعمال الناموس ليس فقط يفقد الإنسان عمل الإيمان الذي لإبراهيم، ويحرمه التمتّع بالوعد الإلهي، وإنما يدخل به إلى غضب الله، لأنه وهو يمارس الأعمال الظاهرة كالخِتان والغسالات يكسر شرائعه السلوكية، كالوصايا العشر، ولو وصية واحدة فيُحسب متعديًا. لذلك يقول الرسول: "لأن الناموس ينشيء غضبًا، إذ حيث ليس ناموس ليس تعدٍ" [ 15 ]  فبدون الناموس يخطئ الإنسان، لكن الغضب ينشأ بالأكثر حيث يوجد الناموس، كاشفًا للخطايا التي يرتكبها الإنسان متعديًا الوصيّة، وكما قيل: "ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به" ( غل 3: 10).

يقدّم لنا القدّيس أغسطينوس تفسيرا لهذه العبارة، قائلاً: [قبل الناموس كان يمكن أن يدعى الإنسان خاطئًا ولم يكن ممكنًا أن يُدعي متعديًا. أمّا وقد أخطأ بعد استلامه الناموس فلم يعد خاطئا فحسب وإنما متعديًا أيضًا. وهكذا أضيف "التعدي" إلى "الخطيّة" فكثرت الخطيّة جدًا.]

إن كان اليهود بفهمهم الحرفي لأعمال الناموس فقدوا تمتعهم بالوعد ودخلوا إلى الغضب، لا كخطاة فحسب وإنما كمتعدين، فإنه من الجانب الآخر الإيمان يفتح لهم كما لأهل الغُرْلة التمتّع بالبنوة لإبراهيم المؤمن.

"لهذا هو من الإيمان كي يكون على سبيل النعمة،

ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل،

ليس هو من الناموس فقط،

بل أيضًا لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا" [ 16 ]

وكما يقول الذهبي الفم أنه بدون الإيمان لا يخلص أحد، لأن الناموس بالنسبة لأهل الخِتان لا يبرّرهم بل ينشئ غضبًا، إذ سقط الكل تحت التعدي، لذا جاء الإيمان يرفعهم من الخطر وليس كالناموس. كما يرفع أيضًا أهل الغُرْلة، فيحسب الكل أبناءً لإبراهيم. "كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة" [ 17 ]  فكما أن الله هو إله الجميع وليس خاصًا بأمّة معيّنة، هكذا بالإيمان حُسب إبراهيم أبًا للجميع حسب الوعد المُعطي له (تك 17: 5).

إيمان إبراهيم وإيماننا

إن كان الإيمان قد فتح الباب على مصراعيه ليدخل كل الأمم إلى النسب لإبراهيم كأبناء له، فما هي مادة هذا الإيمان؟

"كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة،

أمام الله الذي آمن به،

الذي يحي الموتى،

ويدعو الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة" [ 17 ]

اقتبس الرسول هذا الوعد: "  قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة"هذا لا يتحقّق حسب الطبيعة، إذ هو ليس أبًا للأمم حسب الجسد، إنما حسب الإيمان.

مادة إيمانه هي أن الله " يحيي الموتى، ويدعوا الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة". من هم الموتى الذين يُحييهم؟ أو ما هي الأشياء الغير موجودة التي يدعوها كأنها موجودة؟

أولاً: مستودع سارة أو أحشاؤها أشبه بالميّت الذي لا يحمل حياة، وقد وهبه الله اسحق حيًا خلال هذه الأحشاء الميّتة، وكما يقول الرسول نفسه: "وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبره جسده، وهو قد صار مماتًا، إذ كان ابن نحو مائة سنة ولا مماتيّة مستودع سارة" [ 19 ]  ما ناله إبراهيم من وعد كان "على خلاف الرجاء"، إذ لم ينظر قط إنسانًا قبله نال ابنًا بهذه الطريقة، وإنما صار هو مثلاً لمن جاء بعده. هو ترجّى الله الذي يُقيم من الموت ويهب حياة، فآمن بالله أنه يعطيه نسلاً كما من العدم، فاتحًا باب الرجاء لمن جاء بعده ممن أنجبوا في شيخوختهم خلال زوجات عاقرات.

ثانيًا: آمن إبراهيم بتمتعه بالأبوة، ليس فقط لإسحق الذي وهبه الله إيّاه في فترة شيخوخته، وخلال مستودع سارة الذي كان في حكم الموت، وإنما أيضًا لأمم كثيرة، هي بحسب الطبيعة ميّتة لا تحمل بنوّة لإبراهيم حسب الجسد، لكن الله يُقيمها من هذا الموت ويقدّمها لإبراهيم أبناء له.

هذا ما أوضحه الرسول بقوله: "فهو على خلاف الرجاء آمن على الرجاء، لكي يصير أبًا لأمم كثيرة، كما قيل هكذا يكون نسلك" [ 18 ]  وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه كان على خلاف رجاء البشر في رجاء من جهة الله آمن بالوعد ونال. فكان الإيمان هو سنده، لم يعطِه الله برهانًا، ولا علامة، إنما مجرّد كلمات وعد ومع هذا لم يتردّد، ولا شك مرتابًا مع أن العائق كان عظيما: "ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله، بل تقوّى بالإيمان معطيًا مجدًا للَّه" [ 20 ]

بمعنى آخر ليتنا نتعلم أن الله يتمّم مواعيده معنا مهما كانت العوائق أو المعطّلات، إذ "تيقّن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا، لذلك أيضًا حُسب له برًا" [ 21 – 22 ]

نال إبراهيم الوعد، كما قلت، لا بميلاد اسحق كما من العدم، وإنما بأبوّته لأمم كثيرة، لا خلال الجسد وإنما خلال الإيمان. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن هذه الأمم أيضًا تُحسب تحت حكم الموت وعدم الوجود بسبب وثنيّتها، إذ تقبل الإيمان تنال قيامة من الأموات، يصيّرونها شعب الله الحيّ وكنيسة العهد الجديد المقدّسة

ثالثًا: إن كانت الخطيّة قد أفقدت الإنسان حياته وجعلته كمن هو غير موجود، فبالإيمان ينعم الإنسان ببرّ المسيح كمن قد أقيم من الموت، أو صار موجودًا بعد فقدانه، كقول الأب عن ابنه الراجع إليه: "لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالا فوُجد" (لو 15: 32). لذلك يقدّم لنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم في تعليقه على هذا الأصحاح سلاحًا روحيًا نلتزم باستخدامه، هو الإيمان باسم ربنا يسوع المسيح وقوة الصليب، قائلاً:

هذا السلاح لا يُخرج الحيّة من جحرها فحسب، وإنما أيضًا يلقيها في النار (أع 28: 5) وتُشفي الجراحات.

إن نطق أحد بهذا الاسم ولم يُشف، فبسبب عدم إيمانه وليس عن ضعف في القول ذاته. لأن البعض التفوا حول يسوع وكانوا يضغطون عليه (لو 8: 44-45) ولم ينتفعوا منه، أمّا المرأة نازفة الدم فحتى بدون لمس جسده، وإنما بمجرد لمس هُدب ثوبه أوقفت ينبوع دمها الذي طال أمده.

هذا الاسم مخيف للشياطين وللسموم والأمراض. ليتنا نجد فيه سرورًا فنتقوّى به...

أي عذر لنا أن نقدّمه، إن كان ظل (الرسل) وثيابهم أقاموا موتى  ، بينما صلواتنا لا تنزع عنّا الشهوات؟ ما هو علّة هذا؟... فإن طبيعة بولس هي كطبيعتنا، وُلد ونشأ مثلنا، سكن على الأرض واستنشق هواءها مثلنا، لكنه من جانب آخر كان أعظم وأفضل منّا من جهة الغيرة والإيمان والحب. إذن لنقتد به، ولنسمح للمسيح أن يتكلّم خلالنا، فإنه يرغب في هذا أكثر منّا. لقد أعدّ هذا التعليم ويريد ألا يكون ذلك بلا نفع أو معطلاً إنما يودّ أن يستخدمنا...

إن تحدّث المسيح فينا وأشرق الروح القدس بنوره فينا نكون أفضل من السماء، إذ لا تظهر الشمس والقمر في جسدنا بل يظهر رب الشمس والقمر والملائكة ساكنًا فينا وعاملاً.

لست أنطق بهذا لكي نقيم الموتى ونطهر البرص، إنما لنحقق معجزة أعظم من هذا كله هو إعلان المحبّة. لأنه حيث توجد هذه الممجدة يسكن الابن مع الآب والروح القدس... فقد قيل: "إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون أنا في وسطهم" (مت 18: 20). يتحقّق هذا من أجل الحنو الشديد ورباط الصداقات القوية، أي من أجل من لهم حب بعضهم لبعض....]

إذن ليكن لنا كإبراهيم أبينا الإيمان بالوعد الإلهي، فننال لا القدرة على عمل المعجزات، إنما ما هو أعظم ننال "الحب" الحقيقي في الرب، فننعم بسكنى الثالوث القدوس فينا كسُر حياتنا وفرحنا ومجدنا أبديًا. هذه هي القيامة الأولى التي لنفوسنا!

ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على العبارة "يدعو الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة"، قائلاً: [لقد كنتَ غير موجود فخلقكَ الله ووهبك الوجود، أفلا يهتم بك الآن وقد صرت أنت هكذا، هذا الذي يدعو الأشياء غير موجودة كأنها موجودة؟]

أخيرًا، أكد الرسول بولس أن ما كُتب عن إبراهيم من جهة إيمانه بالقيامة من الأموات، إذ آمن بالله الذي يهبه إسحق من مستودع سارة المُمات، وآمن أن يقيمه أبًا على شعوب ليست من نسله حسب الجسد، كما آمن أن الله يهب البرّ كحياة لمن مات بالخطيّة. فإن هذا كله قد كُتب من أجلنا من جهة إيماننا بالمسيح الذي يقيمنا من الموت، ويهبنا برّه كحياة جديدة مقامة نمارسها عمليًا، إذ يقول:

 "ولكن لم يُكتب من أجله وحده أنه حُسب له، بل من أجلنا نحن أيضًا الذين سيحسب لنا، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات، الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا" [ 24 – 25 ] .

هنا يبرز النقاط التالية:

أ. غاية الحديث الإلهي عن إيمان إبراهيم هو إعلان طريق البرّ الحقيقي خلال الإيمان. فقد تبرّر إبراهيم بالإيمان لكي نتبرّر نحن أيضًا معه كأبناء له نحمل ذات إيمانه. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم، لئلاّ يقول المستمع، ما لنا نحن بهذا؟ لذلك ربطنا نحن بأبينا إبراهيم، فنتبرّر مثله، لأننا نؤمن بنفس الإله الذي آمن به إبراهيم، ونثق في ذات الأمور التي وثق فيها، فما حدث لإبراهيم ليس خاصًا به وحده، وإنما يُحدّث مع الكل.

ب. إن كان إبراهيم قد نال وعدًا بخصوص نسله، يتحقّق هذا الوعد فينا بصلب السيد المسيح وقيامته الذي هو من نسل إبراهيم حسب الجسد. إبراهيم آمن بنيل بركة مستقبلة خلال نسله، إذ يقول السيد: "أبوكم إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي فرأى وفرح" ( يو 8: 56)، أمّا نحن فقد تمتّعنا بهذا الوعد بصلب السيد المسيح وقيامته.

يقول العلامة ترتليان: [ ها أنتم ترون حكمة الله كيف ذبحَت ذبحها (أم 9: 2)، البكر الابن الوحيد يحيا ويردّ الآخرين للحياة. أقول أن حكمة الله هو المسيح الذي بذل ذاته لأجل خطايانا.]

+         +          +

الأبركسيس من أعمال 7 : 35 – 50

35 هذا موسى الذي انكروه قائلين من اقامك رئيسا و قاضيا هذا ارسله الله رئيسا و فاديا بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة
36 هذا اخرجهم صانعا عجائب و ايات في ارض مصر و في البحر الاحمر و في البرية اربعين سنة
37 هذا هو موسى الذي قال لبني اسرائيل نبيا مثلي سيقيم لكم الرب الهكم من اخوتكم له تسمعون
38 هذا هو الذي كان في الكنيسة في البرية مع الملاك الذي كان يكلمه في جبل سيناء و مع ابائنا الذي قبل اقوالا حية ليعطينا اياها
39 الذي لم يشا اباؤنا ان يكونوا طائعين له بل دفعوه و رجعوا بقلوبهم الى مصر
40 قائلين لهرون اعمل لنا الهة تتقدم امامنا لان هذا موسى الذي اخرجنا من ارض مصر لا نعلم ماذا اصابه
41 فعملوا عجلا في تلك الايام و اصعدوا ذبيحة للصنم و فرحوا باعمال ايديهم
42 فرجع الله و اسلمهم ليعبدوا جند السماء كما هو مكتوب في كتاب الانبياء هل قربتم لي ذبائح و قرابين اربعين سنة في البرية يا بيت اسرائيل
43 بل حملتم خيمة مولوك و نجم الهكم رمفان التماثيل التي صنعتموها لتسجدوا لها فانقلكم الى ما وراء بابل
44 و اما خيمة الشهادة فكانت مع ابائنا في البرية كما امر الذي كلم موسى ان يعملها على المثال الذي كان قد راه
45 التي ادخلها ايضا اباؤنا اذ تخلفوا عليها مع يشوع في ملك الامم الذين طردهم الله من وجه ابائنا الى ايام داود
46 الذي وجد نعمة امام الله و التمس ان يجد مسكنا لاله يعقوب
47 و لكن سليمان بنى له بيتا
48 لكن العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الايادي كما يقول النبي
49 السماء كرسي لي و الارض موطئ لقدمي اي بيت تبنون لي يقول الرب و اي هو مكان راحتي
50 اليست يدي صنعت هذه الاشياء كلها


 

"هذا موسى الذي أنكروه قائلين:

من أقامك رئيسًا وقاضيًا؟

هذا أرسله اللَّه رئيسًا وفاديًا،

بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة". [35]

كان الاتّهام الموجّه ضد القدّيس استفانوس أنّه يجدّف على موسى، الآن يعلن لهم القدّيس بأن اللَّه كرّم موسى إذ أرسله، وقد جاءت المقاومة المستمرّة والخطيرة من جانب آبائهم، الذين رفضوا رئاسته وحكمه كقاضٍ عليهم. في قسوة قلب وغلاظة رقبة كانوا دائمي التذمّر عليه، بل وحاولوا قتله أكثر من مرّة. فالقدّيس استفانوس لا يجدّف على موسى، بل يكرمه ويعجب منه كيف احتمل مقاومة شعبه له، دون أن يتخلّى عنهم أو يقاومهم.

حين قدم موسى نفسه لشعبه، ومد يده للعمل، انكشف حال الشعب، إذ رفض موسى كقائدٍ أو رئيسٍ أو قاضٍ، لكن حين أعلن الله عن حضوره الناري وهب موسى عمل الرئاسة والخلاص بكونه رمزًا للمخلص الحقيقي، ملك الملوك. فقد كان الشعب غليظ الرقبة ومتمردًا منذ عصر موسى؛ فما يفعله اليهود في أيام الرسل ليس بالأمر الغريب عن طبيعتهم. كان موسى رمزًا للسيد المسيح الذي رفضه البناءون فصار حجر الزاوية (أع 4: 21).

ما فعله آباؤهم بموسى النبي فعله الرؤساء بيسوع المسيح. لقد أنكروا العليقة المتقدة نارًا، ورفضوا قيادة موسى وعمله كقاضٍ وفادٍ من عبودية فرعون. الآن يرفض أبناؤهم الصليب المشرق بنوره، ويجحدون تجسد الكلمة الإلهي، ولا يقبلون يسوع ملكًا وفاديًا لنفوسهم. إنهم مقاومون أبناء مقاومين.

+ إنه لأمر معتاد لدى اليهود أن يخطئوا للمحسنين إليهم، حتى وهم يقدمون لهم الإحسان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذا أخرجهم، صانعًا عجائب وآيات في أرض مصر،

وفي البحر الأحمر،

وفي البرية أربعين سنة". [36]

نزل الله لإنقاذ شعبه وهم في مصر، ورافقتهم العناية الإلهية أثناء عبورهم بحر سوف وفي داخل البرية، ولم ينتظر ولا سألهم أن يذهبوا أولاً إلى أورشليم ويقيموا الهيكل وعندئذ يحل في وسطهم ويعمل فيهم.

لقد رافقتهم الآيات والعجائب الإلهية، ففي مصر أرسل الضربات العشرة ليخلصهم بيدٍ قويةٍ، وذراعٍ رفيعة (خر4- 12)، وفي البحر الأحمر شقه لكي يعبر الشعب بسلامٍ، بينما هلك فيه فرعون وكل جنوده (خر14، 15). وفي البرية خلال الأربعين عامًا كان يقدم لهم المن من السماء والماء من الصخرة (خر 16، 17 الخ).

لم يستخدم موسى خبراته العسكرية القديمة، لكن وهبه الله العجائب والآيات حتى يًرعب قلب فرعون وقلوب المصريين (خر 3: 19-21). وبقي هذا السلاح الإلهي في يد موسى ليعبر بالشعب بحر سوف، ويسير بهم في وسط البرية أربعين عامًا.

مقاومة آبائهم لموسى

"هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل:

نبيًّا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم،

له تسمعون". [37]

هكذا بلغ القديس استفانوس إلى ما يبغيه أن موسى المرفوض من آبائهم هو القائد المدعو من الله، والمسنود بالآيات والعجائب. ما حدث مع موسى يحدث مع يسوع المسيح مخلص العالم، الذي جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله.

إذ كشف القديس استفانوس أنه لن يجدف على موسى النبي، بل ينتقد رافضي قيادته، ويظهر ما صنعه الله على يديهم، يعود فيوضح أن موسى نفسه الذي يفتخرون به ويثقون الآن فيه قد وعد بمجيء المسيح (تث 18: 15؛ 18)، فيلزمهم الاستماع له وطاعته بقبول من تنبأ عنه. لقد أعلن السيد المسيح نفسه أنهم إن كانوا يؤمنون بموسى يلزمهم أن يؤمنوا به (يو 5: 46).

+ دعا ابن الله ملاكًا كما دعاه أيضًا إنسانًا. لقد ظهر له في البرية وليس في هيكلٍ. انظروا كل من العجائب تحدث ولا تُذكر كلمة "هيكل" أو "ذبيحة". هذا ليس فقط في البرية بل وفي العليقة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

+ كان رب الأنبياء، ومحقق النبوات، ومقدس الأنبياء، ومع هذا فهو نبي أيضًا... إنه مثل (موسي) حسب الجسد وليس حسب العظمة.

+ إنه يشبهه، بمعنى من جهة الجسد، وليس من جهة سمو العظمة. لذلك دعي الرب يسوع "النبي".

القديس أغسطينوس

 

"هذا هو الذي كان في الكنيسة في البرية،

مع الملاك الذي كان يكلمه في جبل سيناء ومع آبائنا،

الذي قبل أقوالاً حيّة ليعطينا إيّاها". [38]

يشير القديس استفانوس هنا إلى الاجتماع الكنسي الذي صنعه موسى النبي بأمر الله مع جميع الشعب وآباء الأسباط في حوريب، حين ظهر لهم الرب وأعطاهم الناموس. تقبل موسى الناموس، واستعفي الشعب من سماع صوت الله (تث 18: 15-16). إنه اجتماع كنسي تحقق على جبل حوريب، كنيسة بلا أعمدة ولا سقف ولا أروقة ولا هياكل؛ كنيسة حية بحلول الله في وسط شعبه، وهي كنيسة غريبة في وسط القفر.

هكذا يود القديس استفانوس أن يسحب قلوب الرؤساء إلى جوهر الكنيسة التي تقوم على حضرة الله. أما غاية الاجتماع الكنسي، فهو التمتع بأقوال الله الحية.

تمتع الشعب في البرية بأقوال الله أو الشريعة الموسوية التي تسلمها موسى خلال خدمة الملائكة (أع 7: 53؛ عب 2: 2)، وهى أقوال حية. تمتعوا بهذه البركات الإلهية الفائقة في البرية خارج أرض الموعد وبدون وجود هيكل.

"الذي لم يشأ آباؤنا أن يكونوا طائعين له،

بل دفعوه، ورجعوا بقلوبهم إلى مصر". [39]

لم يقل "آباؤكم" بل "آباؤنا"، الذين اتسموا بالعصيان والتمرد على الله وعلى موسى، فرفضوا القيادة الإلهية ورجعوا إلى مصر بقلوبهم. لقد "قال بعضهم لبعض: نقيم رئيسًا، ونرجع إلى مصر... ولكن قال كل الجماعة أن يُرجما (موسى وهرون) بالحجارة" (عد 14: 4، 10).

هذا هو القرار الذي اتخذه الآباء في أيام موسى، وقد جاء قرار السنهدرين ضد يسوع المسيح مطابقًا لقرار آبائهم. لم يستطع الآباء أن يرجموا موسى وهرون، أما مجمع السنهدرين فحقق عمليًا ما في قلوبهم بصلب السيد المسيح.

 

لقد ندموا على خروجهم من مصر، وارتبطت بطونهم بالطعام المصري، حتى وإن كان مجرد رائحة القدور، كما ارتبطت أعماقهم بالعبادة المصرية، كأن يسجدوا لعجل أبيس، وارتبط سلوكهم بالعادات والأخلاقيات التي كانت للمصريين.

"قائلين لهرون:

اِعمل لنا آلهة تتقدم أمامنا،

لأن هذا موسى الذي أخرجنا من أرض مصر،

لا نعلم ماذا أصابه". [40]

"فعملوا عجلاً في تلك الأيام،

وأصعدوا ذبيحة للصنم،

وفرحوا بأعمال أيديهم". [41]

بالرغم من كل هذه البركات التي تسلمها آباؤهم من يد الله خلال موسى، إلا أنهم رفضوا الله ونبيه موسى. اشتهوا الرجوع إلى مصر، إذ طلب الشعب من هرون أن يصنع لهم تمثالاً ذهبيًا لعجل أبيس معبود المصريين (خر32: 16، 18). وقد برروا تصرفهم بأن موسى قد اختفى عنهم، ولا يعلمون شيئًا عن مصيره.

في أيام موسى صنع الشعب عجلاً من ذهب ليعبدوه ويقدموا ذبيحة للصنم بفرح، وفي أيام السيد المسيح طلبوا قيصر ملكًا، ورفضوا مملكة المسيح الروحية.

كأنه يوبخهم: من الذي جدف على الله وعلى موسى؟ هل أنا الذي قبلت من تنبأ عنه موسى، ومن كان هو نفسه رمزًا له، أم آباؤكم الذين رفضوا قيادة موسى، وندموا على خروجهم من مصر، واشتهوا الطعام المصري الذي كانوا يقدمونه للعبيد (رائحة القدور)، ويتعبدون للعجل، وكسروا الناموس وقاوموا أقوال الله الحية؟

"فرجع اللَّه وأسلمهم ليعبدوا جند السماء،

كما هو مكتوب في كتاب الأنبياء:

هل قرّبتم لي ذبائح وقرابين أربعين سنة في البريّة يا بيت إسرائيل؟" [42]

افتبس القدّيس استفانوس هذه النبوّة من عاموس 5: 25، ليكشف لهم عن انحرافهم من أقوال الأنبياء أنفسهم.

أعطاهم الله سؤل قلبهم، فقد اشتهوا الرجوع عن الله، والارتداد إلى مصر حيث حياة العبودية. وهبهم طلبتهم فرجع عنهم وسلمهم لشهوة قلوبهم.

"بل حملتم خيمة مولوك،

ونجم إلهكم رمفان التماثيل التي صنعتموها،

لتسجدوا لها،

فأنقلكم إلى ما وراء بابل". [43]

ارتبطت عبادة كواكب السماء بعبادة الإلهين مولوك ورمفان.

مولوك: مقتبسه من العبرية كما من العربية ومعناها "ملك". وهو إله العمونيين، حيث كانوا يقدمون له ذبائح بشرية. وقد حذر موسى النبي الشعب في مواضع مختلفة من تقديم أطفالهم ذبائح للإله مولوك، حيث كانوا يجيزوهم في النار (لا 18: 21؛ 20: 2-5).

عبد الإسرائيليون مولوك بعد دخولهم أرض الموعد؛ فبنى سليمان هيكلاً له على جبل الزيتون (1 مل 11: 7)؛ وأجاز منسى ابنه في النار تكريمًا لهذا التمثال (2 مل 21: 3، 6). وكان تمثال هذا الإله مصنوع من النحاس، ويداه ممتدتين كما لو كانتا تطلبان أن تحتضنا الطفل المُقدم ذبيحة. كانوا يوقدون نارًا في التمثال النحاسي حتى يحمر تمامًا، ويضعون الطفل على الذراعين المحميتين بين دقات الطبول والرقص، فيحترق الطفل تمامًا. يظن البعض أن هذا كان يتم تكريمًا لكوكب زحل ساتورن وهو إله الزراعة عند الرومان، والبعض يحسبونه تكريمًا للشمس، والبعض كوكب عطارد (رسول الآلهة، وإله التجارة والفصاحة والمكر واللصوصية عند الرومان).والبعض كوكب الزهرة، فينوس، إلهة الحب والجمال عند الرومان الخ.

"نجم إلهكم رفعان": اقتبسها القديس إستفانوس عن الترجمة السبعينية. تطلق كلمة رفعان في القبطية على كوكب زحل.

إذ بلغوا أقصى حدود التمرد حيث فضلوا العبادة للأوثان عن عبادة الله الحي، أعطاهم سؤل قلوبهم، فنقلهم بالسبي إلى بابل، حيث العبادة الوثنية التي طالما ارتدوا إليها. سلمهم الله لفكر قلوبهم (عا 5: 25-27).

خيمة الشهادة في البرية

بعد هذا العرض التاريخي المؤلم الذي يكشف عن إصرار آبائهم على التمرد على الله، مع وجود قلة أمينة مقدسة للرب لا ترتبط بالحرف القاتل، بل بالإيمان الحي العملي، مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وموسى النبي والأنبياء، الآن يتحدث عن الخيمة والهيكل.

تسلل هذا الاتجاه لعبادة الأصنام إلى العبرانيين عبر كل تاريخهم، وبلغ القمة أثناء السبي البابلي. اعتادوا الإقتداء بجيرانهم المحيطين بهم، فكانوا يؤلهون كواكب السماء ويعبدونها (تث 4: 19؛ 17: 3؛ 2 مل 21: 3، 5؛23: 4-5؛ إر 8: 2؛ 19: 13؛ صف 1: 5)

"وأمّا خيمة الشهادة، فكانت مع آبائنا في البرية،

كما أمر الذي كلم موسى أن يعملها،

على المثال الذي كان قد رآه". [44]

كان من عادة الوثنيين أن يأخذوا آلهتهم معهم أينما ذهبوا، فيضعون التمثال الصغير في هيكل صغير أو خيمة صغيرة. ولكي يحفظ الله شعبه من عبادة الأوثان أظهر لموسى المثال السماوي الذي بناء عليه يصنع خيمة الاجتماع التي كان فيها تابوت العهد، تُحمل الخيمة في مسيرة الشعب في البرية، وتُنصب أينما حلوا، علامة الحضرة الإلهية (خر 25: 9، 40؛ 26: 30؛ 27: 8).

"التي أدخلها أيضًا آباؤنا،

إذ تخلفوا عليها مع يشوع في مُلكِ الأمم،

الذين طردهم اللَّه من وجه آبائنا إلى أيام داود". [45]

أحضر الآباء خيمة الاجتماع معهم في أرض الموعد تحت قيادة يشوع بن نون، حتى متى طرد أمامهم الأمم الوثنية، وجب تطهير كنعان من كل أثرٍ وثنيٍ لتبقى الحضرة الإلهية وحدها علامة اتحادهم بالله، وقبوله ملكًا يشبع أعماقهم ويدير أمورهم.

حقًا، لقد صنع موسى خيمة الاجتماع، سرّ قوتها إنها "على المثال الذي كان قد رآه"، أي تحمل ظل السماويات. رأى موسى ما هو غير مصنوع بأيدٍ بشرية، وقدم ظلاً لذلك على الأرض، لكي يختبر المؤمنون ظل السماويات.

كان القديس استفانوس يحدثهم عن خيمة الاجتماع لكي يسحب قلوب الرؤساء المجتمعين إلى الفكر السماوي، أما هم فأقاموا خيمة مولوك في قلوبهم.

لا يسكن الله في مصنوعات الأيادي

"الذي وجد نعمة أمام اللَّه،

والتمس أن يجد مسكنًا لإله يعقوب". [46]

وجد داود النبي نعمة لدى الله الذي أغدق عليه بالبركات، ووهبه نصرة على الأعداء، أما رد فعل داود النبي فهو التهاب قلبه بأن يقيم هيكلاً دائمًا يُوضع فيه تابوت العهد، رمز الحضرة الإلهية (2 صم 7: 1، أي 22: 7).

"ولكن سليمان بنى له بيتًا". [47]

كان داود الملك يشتهي أن يبني لله بيتًا (2 صم 3:2-7)، وإذ وجد نعمة في عيني الله، سمح لابنه سليمان أن يبني الهيكل.

+ لقد ظنوا أن سليمان كان عظيمًا (لأنه بني الهيكل)، لكنه لم يكن أفضل من أبيه، ولا حتى على مستوى أبيه، هذا أمر واضح... فإن حتى (هذه الأبنية) لا تليق بالله، إذ هي أمور مصنوعة، متطلعًا إلى أن هذه مخلوقات هي من صنع يديه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لكن العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي،

كما يقول النبي". [48]

أزال القديس استفانوس الاتهام الموجه ضده أنه يتحدث ضد الهيكل، فقد أظهر أن هذا الهيكل كان موضوع شهوة قلب الملك البار داود، وأنه بُني بأمرٍ إلهيٍ. وفي نفس الوقت يؤكد أن الله لا يحد نفسه بهذا الهيكل المصنوع بالأيادي. إنه ليس في حاجة إليه، فعرشه هو السماء، فمع تقدير القديس استفانوس للهيكل في أورشليم، لكن ما يشغل قلب الله أن يقبل جميع الأمم الإيمان الحي، فلا يحد العبادة بمدينة أورشليم وبهيكل سليمان.

"السماء كرسي لي،

والأرض موطئ لقدمي،

أي بيت تبنون لي؟ يقول الرب،

وأي هو مكان راحتي؟" [49]

"أليست يدي صنعت هذه الأشياء كلها؟" [50]

إن كان الله في تنازله سمح بإقامة خيمة الاجتماع، ثم ببناء الهيكل، فإن راحته ليس في موضع معين، بل في حضوره وسط شعبه، الذي يحمل شعبه إلى العلى، ويرتفع بهم إلى ما فوق الحرف والمادة ليتمتعوا بالروح والسماء!

+      +      +

مزمور إنجيل القداس 85 : 10 – 11

الرحمة والحق التقيا . البر والسلام تلائما ، الحق من الأرض ينبت والبر من السماء يطلع

إنجيل القداس من لوقا 1 : 39 – 56

39 فقامت مريم في تلك الايام و ذهبت بسرعة الى الجبال الى مدينة يهوذا
40 و دخلت بيت زكريا و سلمت على اليصابات
41 فلما سمعت اليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها و امتلات اليصابات من الروح القدس
42 و صرخت بصوت عظيم و قالت مباركة انت في النساء و مباركة هي ثمرة بطنك
43 فمن اين لي هذا ان تاتي ام ربي الي
44 فهوذا حين صار صوت سلامك في اذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني
45 فطوبى للتي امنت ان يتم ما قيل لها من قبل الرب
46 فقالت مريم تعظم نفسي الرب
47 و تبتهج روحي بالله مخلصي
48 لانه نظر الى اتضاع امته فهوذا منذ الان جميع الاجيال تطوبني
49 لان القدير صنع بي عظائم و اسمه قدوس
50 و رحمته الى جيل الاجيال للذين يتقونه
51 صنع قوة بذراعه شتت المستكبرين بفكر قلوبهم
52 انزل الاعزاء عن الكراسي و رفع المتضعين
53 اشبع الجياع خيرات و صرف الاغنياء فارغين
54 عضد اسرائيل فتاه ليذكر رحمة
55 كما كلم اباءنا لابراهيم و نسله الى الابد
56 فمكثت مريم عندها نحو ثلاثة اشهر ثم رجعت الى بيتها

 

 

لقاء مريم باليصابات

إن كانت القدّيسة مريم قد صارت ممثَّلة للبشريّة المؤمنة، أو ممثَّلة للكنيسة بكونها قبلت الإيمان بوعد الله وانحنت ليحل كلمة الله فيها، فإنَّها إذ تمتَّعت بالكلمة داخلها لم تستطع إلا أن تنطلق "بسرعة إلى الجبال إلى مدينة يهوذا" [39]، لتلتقي بنسيبتها اليصابات... صورة حيّة للكنيسة الحاملة للعريس فيها، والتي لن تستريح، بل تنطلق عَبر الأجيال كما على الجبال لكي تقدّم عريسها لكل نفس في العالم.

حسب المنطق البشري كان يلزمها أن تتوارى، وتبحث الأمر في نفسها كما مع خطيبها، لتدبير أمر الحبل والميلاد، لكنها وقد حملت ذاك الذي يحمل هموم العالم ويدبِّر كل الأمور لم تفكر فيما هو لنفسها، بل بروح الخدمة انطلقت إلى الجبال إلى مدينة يهوذا تخدم اليصابات.

إن حملنا مسيحنا في داخلنا ننطلق بقلب منفتح ونخرج عن "الأنا" متَّسعة قلوبنا بالحب للجميع، مشتهين خدمة الجميع!

يلاحظ في هذا اللقاء المبارك الآتي:

أولاً: حسب المنطق البشري يبحث الفقير عن الغَني، والمحتاج عمن يسد له احتياجه، والتلميذ عن معلِّم، أما حسب المنطق الإلهي فالكبير يطلب الصغير ويبحث عنه، لكي يضمُّه بالحب ويحمله على منكبيه. هكذا "الله أحبَّنا أولاً"، لقد بادر بالحب ونزل إلينا، إذ لا نقدر نحن أن نرتفع إليه. هو ينحني ليحملنا من التراب وينتشلنا من الأعماق ليدخل بنا إلى أحضان الآب ويرفعنا إلى سماواته. وهكذا إذ يحل فينا نجرى نحو الضعفاء ونبحث عن الكل لخدمتهم.

يقول العلامة أوريجينوس: [الممتازون يتقدَّمون إلى من هم أقل امتيازًا لمنحهم بعض المزايا. هكذا جاء المخلِّص إلى يوحنا ليقدِّس المعموديّة. وبمجرد أن سمعت مريم رسالة الملاك أنها ستحبل بالمخلِّص، وأن ابنة خالتها اليصابات حُبلى "قامت وذهبت بسرعة إلى الجبال ودخلت بيت اليصابات" [39-40]. يسوع وهو في بطن العذراء يُسرع بتقديس يوحنا المعمدان الذي كان لم يزل بعد في بطن أُمّه.]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [من كان أرفع منزِلة يزور الأقل؛ مريم ذهبت إلى اليصابات، ويسوع ذهب إلى يوحنا إذ أراد يسوع أن يقدِّس معموديّة يوحنا بنفسه ليعتمد.]

إن حملنا مسيحنا القدِّوس نتقدَّس فننطلق إلى كل موضع مشتاقين أن يقدِّس الكل معنا!

ثانيًا: يقول العلامة أوريجينوس: [استحقَّت مريم أن تكون والدة الإله، فصار عليها أن تصعد الجبال وتبقى في المرتفعات.] وأيضًا يقول القدّيس أمبروسيوس: [أغريب على تلك التي امتلأت بالله أن ترتفع سريعًا إلى أعلى؟!]

ثالثًا: إذ حملت القدّيسة مريم كلمة الله محب البشر، جاء لقاؤها مع اليصابات رقيقًا للغاية، تحمل روح الخدمة في تواضع، لذلك يطالب القدّيس أمبروسيوس في تفسيره لإنجيل متى أن تتعلَّم العذارى من القدّيسة مريم رقتها وتواضعها وتكريمها للكبار. ما أحوجنا اليوم إلى إدراك أن نوالنا نعم الله، خاصة الرتب الكهنوتيّة، يلزم أن يدفعنا للخدمة المتواضعة بلا حب للكرامة أو التسلُّط، إنما بشوق لغسل الأقدام برقَّة!

رابعًا: دخلت مريم بيت اليصابات تحمل عريسها في أحشائها، لذلك إذ سلَّمت عليها يقول الإنجيلي:

 "فلما سمعت اليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت اليصابات من الروح القدس" [41].

أقول ليتنا في زياراتنا ولقاءاتنا مع الآخرين نحمل إليهم مسيحنا القدِّوس الذي يبهج أحشاءهم الداخليّة، ويلهب روحه القدِّوس فيهم، عوض أن نحمل معنا أفكارًا شرِّيرة وكلمات إدانة فنملأهم غمًا ونطفئ الروح في داخلهم.

وقد لاحظ الدارسون أن كلمة "ارتكَض" بالعبريّة جاءت بمعنى "رقص"، هي ذات الكلمة التي استخدمت حين رقص داود النبي أمام التابوت.

+ أسألك أن تقبل الحبل به وأن ترقص أمامه، إن لم يكن في الرحم كيوحنا فعند استقرار التابوت كما فعل داود.

القدّيس غريغوريوس النزينزي

+ بدون شك إذ امتلأت اليصابات من الروح القدس إنما ذلك لأجل ابنها يوحنا، الذي كان لا يزال في بطن أمه امتلأ من الروح القدس. وإذا تقدَّس الابن بعد ذلك امتلأت اليصابات أيضًا من الروح القدس.

العلامة أوريجينوس

+ ظهرت في الحال بركات زيارة مريم ووجود الرب، لأنه عندما سمعت اليصابات صوت سلام مريم ارتكَض الجنين بابتهاج في بطنها وامتلأت من الروح القدس.

كانت اليصابات أول من سمع صوت مريم، لكن يوحنا كان أول من تأثر بالنعمة...

عرفت اليصابات قدوم مريم، وشعر يوحنا بوجود المسيح،

المرأة شعرت بوجود المرأة، والجنين شعر بوجود الجنين،

وبينما كانتا تتحدَّثان عن النعمة، كان الجنينان يحقّقان في الداخل عمل المراحم الإلهيّة.

الطفل ارتكَض ثم امتلأت الأم، إذ لم تمتلئ قبل الطفل...

القدّيس أمبروسيوس

+ إذ امتلأ يوحنا من الروح القدس تقدَّس وهو في بطن أُمِّه لكي يعمد الرب.

إنه لم يكن يمنح الروح لكنه كان يبشِّر بالذي يمنحه، إذ كان يقول: "أنا أعمِّدكم بماء للتوبة، ولكن الذي يأتي بعدي... هو سيعمِّدكم بالروح القدس ونار" (مت 3: 11). لماذا بالنار؟ لأن الروح القدس نزل على شكل ألسنة كأنها من نار (أع 2: 3). بهذا الخصوص قال الرب بفرح: "جئت لأُلقى نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطربت؟!" (لو 12: 49).

+ عمل هذا الروح في اليصابات. أنه يعرف العذارى وصديق المتزوِّجين أيضًا إن كان زواجهم شرعيًا.

القدّيس كيرلس الأورشليمي

خامسًا: إن كان ابتهاج الجنين في الأحشاء يشير إلى الثمر الروحي الداخلي في النفس، فإنَّ الجسد أيضًا يشترك مع النفس في هذا الثمر، لذلك انطلق لسان القدّيسة اليصابات يُعلن عمَّا في داخلها منسجمًا ومتناغمًا معه، إذ

"صرخت بصوتٍ عظيم،ٍ وقالت: مباركة أنتِ في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك. فمن أين لي هذا أن تأتي أُم ربِّي إليّ؟! فهوذا حين صار صوت سلامك في أذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني. فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب" [42-45].

بينما كان العالم كله يجهل كل شيء عن البشارة للقدّيسة مريم، إذ بالقدّيسة اليصابات تُعلن أُمومة مريم لربِّها، بالرغم من عدم وجود أيّة ظاهرة لهذا الحدث الإلهي. والأمر المُدهش أن هذه الأحداث العجيبة من ارتكاض الجنين مبتهجًا وامتلاء اليصابات بالروح القدس وشهادتها لأمومتها لربِّها تمَّت بمجرد إصغاء اليصابات لسلام مريم، وكأن ابن الله الساكن في أحشاء القدّيسة مريم قد تكلَّم بنفسه على لسان أُمِّه، وعمل خلال تصرُّفاتها.

لقد طوَّبت اليصابات مريم لأنها صارت أُمًّا لله خلال تجسّد الكلمة، وقد بقيت الكنيسة عبر الأجيال تطوَّبها، فقد وقف القدّيس كيرلس الكبير يتحدَّث أمام آباء مجمع أفسس، قائلاً:

 [السلام لمريم والدة الإله، الكنز الملوكي للعالم كله، المصباح غير المنطفئ، إكليل البتوليّة، صولجان الأرثوذكسيّة، الهيكل غير المفهوم، مسكن غير المحدود، الأم وعذراء. السلام لك يا من حملتِ غير المُحوى في أحشائك البتوليّة المقدَّسة.]

يعلِّق العلامة أوريجينوس على كلمات اليصابات وعلى لسانها، قائلاً:

[أيُّ عمل حسن قمْتُ به؟ أو ما هي أهميّة الأعمال التي مارِسْتُها حتى تأتي أم ربي لرؤيتي؟!

هل أنا قدّيسة؟! أيُّ كمال أو أيَّة أمانة داخليّة بموجبها استحقّقتُ نيل هذا الامتياز: زيارة أم ربِّي إليَّ؟!]

ويعلِّق القدّيس أمبروسيوس قائلاً على لسانها:

["من أين لي"، بمعنى أنها لفرصة عظيمة أن تأتي أم ربِّي إليَّ، أعترف إني لا استحقُّها.

"من أين لي"، أي فضَّل لي، أو أيّ عمل قمتُ به، أو أيّ حق هو لي... فإنَّي أشعر بالمعجزة وأتلمَّس السرّ.]

تسبحة العذراء

إذ انطلق لسان اليصابات يطوِّب العذراء لأنها آمنت بالمواعيد، وحملت كلمة الله في أحشائها، انطلق أيضًا لسان العذراء بالتسبيح لله. وهكذا تحوّل اللقاء إلي مُمارسة لحياة تعبُّديّة على مستوى تسبيحي ملائكي، يمجِّد الله ويُعلن أسراره الفائقة بفرح.

"فقالت مريم: تعظِّم نفس الرب،

وتبتهج روحي بالله مخلِّصي" [46-47].

يقول العلامة أوريجينوس: [قبل ميلاد يوحنا تنبَّأت اليصابات، وقبل ميلاد الرب مخلِّصنا تنبَّأت مريم. وكما بدأت الخطيّة بالمرأة ثم بلغت إلي الرجل، هكذا بدأ الخلاص في العالم بواسطة نساء العالم، تغلَّبْن على ضعف جنسهن. لننظر الآن نبوَّة العذراء وهي تقول: "تُعظِّم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلِّصي"، فإنَّ النفس والروح يشتركان في التعظيم.]

لقد أساءت حواء إلى خالقها حين شوَّهت روحها بالعصيان، وأفسدت خليقة الله الصالحة، فلم تعد حياتها تمجّد الخالق ولا أعماقها تُعلن عن بهائه. وقد جاءت القدّيسة مريم تحمل كلمة الله في أحشائها، يردّ لنفسها جمالها الأول، وتصير روحها مبتهجة بكونها صورة الله ومثاله.

يقول العلامة أوريجينوس: [يحدّث تساؤل: كيف تعظِّم نفسي الرب؟ حقًا إن كان الرب لا يقبل الزيادة ولا النقصان إنما بلا تغيير، فإلى أي مدى يمكن لمريم أن تقول هذا؟: "تعظِّم نفسي الرب"؟... كلما كبرت صورة (المسيح فيَّ) وصارت بهيّة بأعمالي وأفكاري وأقوالي، تكون قد كبرت صورة الرب وتمجّد... وكما أن صورة الرب تزداد بهاءً فينا، فإنَّنا إذ نخطئ تصغر الصورة وتبهت...]

أما قول العذراء "تبتهج روحي بالله مخلِّصي" فيحمل مفهومًا لاهوتيًا هامًا أن القدّيسة مريم مع سموِّها العظيم تحتاج إلى "الخلاص" كسائر البشر، وتبتهج به، إذ وُلدت تحمل الخطيّة الأصليّة (الجديّة) التي ورثناها عن أبوينا الأوَّلين. لقد أدركت القدّيسة سّر تمتُّعها بالنعمة الإلهيّة، إذ قالت: "نظر إلى تواضع أمته". لم تقل أن الله نظر إلى صلواتها أو أصوامها أو سهرها أو عدلها أوحكمتها، لكنة "نظر إلى تواضع أَمَتِه". لقد عرفت الطريق الذي به تنطلق إلى مراحم الله وتغتصب عطاياه وهو "التواضع". فإن كان عدو الخير قد فقد مركزه خلال الكبرياء، فقد جعل الكبرياء فخًا يقتنص به كل بشر إلى ملكوت ظلمته، حارمًا إيَّاه من خالقه مصدر حياته وعلَّة بهجته.

"فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوِّبني، لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدِّوس، ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتَّقونه" [48-50]. لقد أدركت القدّيسة مريم عظمة العطيّة التي نالتها إذ تمتَّعت بواهِب العطايا نفسه، تحمله في أحشائها، لذا جميع الأجيال (جميع المؤمنين عبر العصور) يطوِّبونها من أجل عمل الله معها. وها هي الكنيسة قد امتلأت ليتورجياَّتها بتطويبها، مُعلنه عمل الله فيها ومعها بتجسُّد الكلمة مخلِّص العالم.

إننا نطوِّبها عبر العصور، لا كعذراءٍ عاشت ثم ماتت، وإنما كعذراء تجلّى في حياتها عمل الله الخلاصي الفائق. فكل مؤمن يتطلَّع إليها فيرى فيها نعمة الله الفائقة التي وُهبت للبشريّة. إن كانت العذراء قد تمتَّعت بأمومة للسيِّد المسيح إذ حملته متجسِّدا في أحشائها كما حملته بالإيمان في قلبها، فإنَّ النفس التي تتمتَّع بالشركة مع الله تنعم أيضًا بنوع من الأمومة، لذلك يقول الأب ميثودوسيوس: [الكنيسة في حالة تمخُّض إلى أن يتشكَّل المسيح ويولد داخلنا. فكل قدّيس يتمتَّع بشركة مع المسيح كأنما يولد المسيح فيه من جديد!]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [احرص أن تتمِّم مشيئة الآب لكي تكون أُمًا للمسيح (مر 3: 35).]

يعلِّق القدّيس كيرلس الكبير على بقيّة تسبحة العذراء، قائلاً: [صنع قوّة بذراعه، شتَّت المستكبرين بفكر قلوبهم" [51]:

[تشير مريم "بالذراع" إلى الرب يسوع المسيح الذي ولدَته، "وبالمستكبرين" إلى إبليس وجنوده الذين أغواهم الكبرياء فسقطوا في حضيض الذُل والمسكَنة، بل وتشير مريم أيضًا بالمستكبرين إلى حكماء الإغريق الذين أبوا أن يقبلوا جهالة المسيحيّة كما اِدَّعوا، وإلى جمهور اليهود الذين لم يؤمنوا بيسوع المسيح فتفرَّقوا في أطراف الأرض.

أنزل المسيح الأعزَّاء عن الكراسي، فقد تضعضع سلطان إبليس وجنوده فلم يعودوا يملكون العالم بأن يحفظوا في أسرهم جمهور الجنس البشري. وسقط الكتبة والفرِّيسيُّون اليهود من مجدهم العالي، لأنهم تكبَّروا عن قبول السيِّد المسيح.

"أنزل الأعزاء عن الكراسي، ورفع المتَّضعين" [52].

غرق جنود إبليس وحكماء الإغريق وكتبة اليهود وفرِّيسوهم في بحر العظمة الفارغة والخيلاء الكاذبة، فأذلَّهم الله ورفع عليهم قومًا اِتَّضعت قلوبهم وخلُصت ضمائرهم، فقد أُعطوا "سلطانًا ليدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوّة العدو ولا يضرُّهم شيء" (لو 10: 19)، ولا تؤثِّر فينا المؤامرات الدنيئة التي يحرِّك أطرافها أولئك المتكبِّرون الغادرون.

ألم تكن لليهود يومًا ما دولة واسعة الأطراف، ونظرًا لعدم إيمانهم انكمشوا حيث هم الآن، أما الأمم فقد ساعدهم إيمانهم على تبوُّء منزلة عالية ومكانة سامية.

"أشبع الجياع خيرات، وصرف الأغنياء فارغين" [53].

يقصد بالجياع الجُبْلة البشريّة، فإنَّ جميع الناس ماعدا اليهود أعوزهم مجد الله، وذاقوا مرارة الجوع. لم يكن هناك من بين الناس سوى اليهود الذين استمتعوا بلذَّة الناموس، وتثقَّفت عقولهم بتعاليم الرسل والأنبياء، إذ "لهم التبنِّي والمجد والعهود والمواعيد" (رو 9: 4). ولكن قادهم غرورهم إلى هاوية الشموخ والكبرياء، فرفضوا السجود للإله المتجسِّد، فلا عجب أن عادوا بلا إيمان ولا علم ولا رجاء ولا نعمة، فقد نُبذوا من أورشليم الأرضيّة، وطُردوا من حياة المجد والنعمة التي ظهرت، لأنهم لم يقبلوا سلطان الحياة وصلبوا رب المجد، وهجروا ينبوع الماء الحّي، ولم يقدِّروا قيمة الخبز الحّي النازل من السماء. فلا غرابة بعد ذلك إن ذاقوا مرارة جوع لا يضارعه جوع آخر، ويحرق لسانهم عطش دونه أي عطش آخر، لأن جوعهم وعطشهم لم يكونا بماديِّين ملموسين، ولكنهما معنويَّان روحيَّان، أو كما يقول عاموس: "هوذا أيام تأتي يقول السيِّد الرب أُرسل جوعًا في الأرض لا جوعًا للخبز ولا عطشًا للماء بل لاِستماع كلمات الرب" (عا 8: 11).

أما الوثنيُّون الذين آمنوا فكثيرًا ما آلمهم الظمأ الروحي وتملَّك أفئدتهم سلطان البؤس والشقاء، فقد أُشبِعت نفوسهم من دسم الكلمة الإلهيّة وارتوت قلوبهم بالماء الحيّ الشافي، لأنهم قبلوا الرب يسوع المسيح، فحظوا بالمواعيد التي كانت لليهود قبلاً.

"عضَّد إسرائيل فتاة ليذكر رحمة" [54].

لم يُعضَّد إسرائيل حسب الجسد وهو الذي امتاز بالكبرياء والخيلاء، وشمَخ بأنفه معتمدًا على حسَبه ونسبِه، بل عضَّد إسرائيل حسب الروح، ذلك الذي يُقدِّر قيمة هذا الاسم فيعمل على رِفعته وإِكرامه، وذلك بالثقة بالله وبالإيمان بابنه والحصول على نعمه التبني من الرب يسوع، طبقًا لمواعيد الله مع أنبياء العهد القديم وبطاركته.

وتُشير الآية أيضًا إلى جمهور اليهود بالجسد، وهم أولئك الذين آمنوا بالرب يسوع المسيح، فإنَّ الله جلّ شأنه وعد إبراهيم قائلاً: "ويتبارك في نسلك جميع قبائل الأرض"، لأنه حقًا "ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم" (عب 2: 16).]

أخيرًا إذ أورد التسبحة قال: "فمكثت مريم عندها ثلاثة أشهر، ثم رجعت إلى بيتها" [56].

يعلِّق العلامة أوريجينوس على هذا القول الإنجيلي هكذا: [إن كان حضور مريم عند اليصابات وسلامها لها كافيان أن يجعلا الجنين يرتكِض مبتهجًا، واليصابات تتنبَّأ بعد أن امتلأت بالروح القدس... إن كان هذا قد تّم في ساعة واحدة، يمكننا أن نتخيَّل التقدَّم العظيم الذي أحرزه يوحنا خلال الثلاثة شهور التي مكثتهم مريم عند اليصابات. فإن كان في لحظة واحدة أو على الفور ركض الطفل في أحشاء أُمه، أو بمعنى آخر قفز متهلَّلاً وامتلأت اليصابات من الروح القدس، أفليس من المعقول أن اليصابات ويوحنا قد ازدادا في النمو خلال الثلاثة أشهر، وهما بالقرب من والدة الإله، والمخلِّص نفسه حاضر! في هذه الأشهر الثلاثة كان يوحنا يتقوَّى في حلبة الأبطال، ويُعِّد وهو في بطن أُمه لميلاد عجيب وتثقيف أعجب!... إذ عاش في البريّة إلى أن حان وقت ظهوره لإسرائيل.]

بنفس المعنى يقول القدّيس أمبروسيوس: [أيّة قامة في تقديرنا يستطيع أن يبلغها الجنين من وجود مريم في بيته هذه الفترة الطويلة؟!... هكذا كان النبي يأخذ المسحة المقدَّسة ويتهيَّأ للمعركة الكبرى.]

+        +        +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt