طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

الأحد الثانى من شهر كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 144 : 5 ، 7

لو 7 : 36 - 50

مز 72 : 6 ، 7

لو 11 : 20 - 28

رو 3 : 1

- 4 : 3

ا يو 1 :  1

- 2 : 2

أع 7

30 – 34

مز 45 : 10 – 11

لو 1 : 26 – 38

مزمور عشية : 144 : 5 ، 7

يارب طأطىء سمواتك وانزل المس الجبال فتدخن ... أرسل يدك من العلاء . انقذنى ونجنى من المياة الكثيرة من أيدى الغرباء

 

إنجيل عشية من لوقا 7 : 36 – 50    

36 و ساله واحد من الفريسيين ان ياكل معه فدخل بيت الفريسي و اتكا
37 و اذا امراة في المدينة كانت خاطئة اذ علمت انه متكئ في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب
38 و وقفت عند قدميه من ورائه باكية و ابتدات تبل قدميه بالدموع و كانت تمسحهما بشعر راسها و تقبل قدميه و تدهنهما بالطيب
39 فلما راى الفريسي الذي دعاه ذلك تكلم في نفسه قائلا لو كان هذا نبيا لعلم من هذه الامراة التي تلمسه و ما هي انها خاطئة
40 فاجاب يسوع و قال له يا سمعان عندي شيء اقوله لك فقال قل يا معلم
41 كان لمداين مديونان على الواحد خمس مئة دينار و على الاخر خمسون
42 و اذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعا فقل ايهما يكون اكثر حبا له
43 فاجاب سمعان و قال اظن الذي سامحه بالاكثر فقال له بالصواب حكمت
44 ثم التفت الى المراة و قال لسمعان اتنظر هذه المراة اني دخلت بيتك و ماء لاجل رجلي لم تعط و اما هي فقد غسلت رجلي بالدموع و مسحتهما بشعر راسها
45 قبلة لم تقبلني و اما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلي
46 بزيت لم تدهن راسي و اما هي فقد دهنت بالطيب رجلي
47 من اجل ذلك اقول لك قد غفرت خطاياها الكثيرة لانها احبت كثيرا و الذي يغفر له قليل يحب قليلا
48 ثم قال لها مغفورة لك خطاياك
49 فابتدا المتكئون معه يقولون في انفسهم من هذا الذي يغفر خطايا ايضا
50 فقال للمراة ايمانك قد خلصك اذهبي بسلام

 

قصة المرأة الخاطئة

إن السيِّد المسيح كصديقٍ سماويٍ يفتح قلبه للغرباء (يهتم بقائد المائة)، وللأرامل (إقامة أبن أرملة نايين)، ويجذب تلاميذ يوحنا المعمدان كممثِّلي أبناء العهد القديم ليتلامسوا مع أعمال محبَّته الفائقة، الآن تقتحم امرأة خاطئة - تستحق في عيني اليهود الرجم - هذه الصداقة فتلتقي مع ربَّنا يسوع المسيح كعريسٍ سماويٍ لها، بالتقائها معه في بيت سمعان الفرِّيسي دون دعوة ظاهرة توجَّه إليها.

لقاء هذه الخاطئة جذب نفوسًا كثيرة للتوبة، إذ أعلن صداقة الله الحقيقية للخطاة ومحبَّته لكل نفسٍ واشتياقه لخلاص الكل. وقد سجَّل لنا كثير من الآباء تعليقاتهم علي هذا اللقاء، منهم القدِّيس مار أفرام السرياني الذي عرض هذا اللقاء في أسلوب قصصي رائع تحت عنوان "حب ودموع" في سلسلة "القصة المسيحيّة".

يمكننا بروح الآباء أن نقدَّم الملاحظات التالية في قصَّة المرأة الخاطئة:

أولاً: يقول القدِّيس أغسطينوس: [انطلقت المرأة الخاطئة إلي الوليمة بدون دعوة، إذ كان الطبيب على المائدة، وبجرأة مقدَّسة سألته الصحَّة... لقد عرفت جيِّدًا قسوة ما تعانيه من المرض، كما أدركت أن الذي تأتي إليه قادر أن يهبها الصحَّة، لذا انطلقت في الطريق بقوّة... اقتربت لا إلى رأس الرب بل إلى قدَّميه، هذه التي سلكت في الشر زمانًا تطلب (قدميه) خطوات البرّ.[ كأن هذه المرأة وهي تمثِّل النفس المحطَّمة بالرجاسات وجدت قدميّ مخلِّصها سِرْ إمكانيّة السلوك في طريق البِرّ، والانطلاق به وفيه إلى حضن الآب تنعم بالصداقة الإلهيّة أبديًا.

ثانيًا: سأل أحد الفريِّسيِّين السيِّد المسيح أن يأكل معه، فدخل السيِّد بيته لكنه لم يدخل قلبه، فقد أعدَّ الوليمة، وربَّما كلَّفته الكثير وحسده كثيرون، أن المعلِّم في داخل البيت... لكن المرأة دخلت مقتحمة بدالة الحب البيت والتقت مع السيِّد كعريسٍ لنفسها. يمثِّل الفريسي النفس التي تتخفَّى وراء المظاهر الخارجيّة دون الأعماق، تستضيف الرب في البيت لا القلب، أما المرأة فتُمثِّل النفس الجادة في خلاصها تهتم باللقاء الخفي مع العريس السماوي.

يقارن القدِّيس أمبروسيوس في إحدى رسائله بين الفريسي والمرأة الخاطئة فيقول:

أ. لم يقدِّم الفريسي ماء لغسل قدَّمي السيِّد أما المرأة فقدَّمت دموعًا لغسلهما. الأول يمثِّل اليهود أو غير المؤمنين الذين ليس لهم ماء لغسل قدَّميّ السيِّد، الذي يود أن يسير في ضميرهم. [كيف يقدر أن يغسل ضميره من لا يتقبَّل ماء المسيح؟ أما الكنيسة فلها هذا الماء (المعموديّة) ولها هذه الدموع (التوبة).]

ويعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على هذا الغسل في موضع آخر، قائلاً: [غسلت خطاياها بغسلها قدَّميّ المخلِّص بدموعها. أيها الرب يسوع، فلتسمح لي أن أغسل قدميْك ممَّا اِنطبع عليهما بسيرك في داخلي (مع أنهما لم يتنجَّسا)... لكن من أين لي أن آتي إليك بماء الحياة الذي أغسل به قدميْك؟ فإذ ليس لي ماء أقدِّم دموعًا. وإذ أغسل قدميك إنما أثق أنني أنا نفسي أغتسل، حيث تقول لي: "خطاياك الكثيرة مغفورة لك، لأنك أحببت كثيرًا".]

في موضع آخر يقول: [اِعترف بخطاياك بدموعك ليقول عنك العدل الإلهي: غسلتْ قدميْ بدموعها ومسحَتها بشعر رأسها... فدموع محبَّتنا لا تستطيع فقط أن تغسل خطايانا، وإنما تغسل أيضًا خطوات الكلمة الإلهيّة لتُثمر خطواته فينا! إنها دموع نافعة ليس فقط تكفِّل قيام الخطاة، وإنما هي غذاء للصدِّيقين. بارٌ هو الإنسان القائل: "صارت لي دموعي خبزًا" (مز 41: 4). إن كنت لا تستطيع الاقتراب من رأس المسيح اِلمس قدميه برأسك.]

ب. لم يكن للفرِّيسي شعر يمسح به القدمين، إذ لم يكن نذيرًا للرب، أما الكنيسة فلها شعر، وهي تطلب النذير. ويرى القدِّيس أمبروسيوس هذا الشعر الذي مسحت به المرأة قدميْ المخلِّص يشير إلى الغِنى الذي لا قيمة له ما لم يقدَّم منه للفقراء - قدميْ المخلِّص- يغسل جراحاتهم وآلامهم.

في موضع آخر يقول: [" حِلْ شعرك واَخْضِع له كل مواهب جسدك".] فطاقاتنا الجسديّة ومواهبنا وإمكانيَّاتنا وعواطفنا تبقى كالشعر لا قيمة له ما لم يتقدَّس باستخدامه في مسح قدميْ المخلِّص، أي في خدمة إخوته الأصاغر!

ج. بالنسبة لقبلات هذه المرأة الخاطئة التي لم يمارسها الفريسي، يقول القدِّيس أمبروسيوس: [القبلة هي علامة الحب. لهذا لم يستطع اليهودي (غير المؤمن) أن يمارس قُبلة؛ لأنه لا يعرف سلام المسيح ولا يقبله، هذا الذي قيل عنه: "سلامًا أعطيكم، سلامي أتركه لكم" (يو 14: 7). هكذا ليس للمجمع اليهودي قبلات، وإنما للكنيسة التي ترقَّبت المسيح وأحبَّته، قائلة: "ليُقبِّلني بقبلات فمه" (نش 1: 2). أرادت أن تطفئ لهيب شوقها الطويل مترقبَّة مجيء الرب بقبلاته وأن تروي عطشها بهذه العطيّة.] يكمل القدِّيس حديثه في ذات الرسالة فيقول: [الكنيسة وحدها لها قبلات العروس، بكون القبلة عربونًا للزواج وامتيازًا خاصًا بالعرس.]

قبلات الكنيسة صادقة وأمينة، إذ هي قبلات العروس الملتهبة حبًا نحو عريسها، هذه التي لم يختبرها يهوذا حين قدَّم قبلته الغاشة عند تسليمه سيِّده، لذا يخاطبه القدِّيس أمبروسيوس، قائلاً: [لقد قدَّمت قبلة يا من لا تعرف سِر القُبلة... فالمطلوب هو قُبلة القلب والنفس لا قُبلة الشفتين... فإنَّه حيث لا يوجد حب ولا إيمان ولا عاطفة أيّة عذوبة تكون للقُبلات؟]

ثالثًا: إذ يقارن القدِّيس أمبروسيوس بين المرأة التي سكبت الطيب على رأس المخلِّص حين كان في بيت سمعان الأبرص في قرية بيت عنيا (مت 26) وبين المرأة المذكورة هنا، يرى أنهما إن كانتا حادثتين مختلفين لكن كلتاهما قدَّمت طيبًا. الأولى تمثِّل النفس التي تدخل إلى الصداقة الإلهيّة وتسمو في الحياة الكاملة في الرب فتسكب الطيب على رأس المخلِّص، إذ تبلغ الكثير من أسراره الإلهيّة، أما نحن فنمتثل بالثانيةk إذ نشعر بخطايانا فنأتي إليه من ورائه ونبكي مشتاقين بلوغ قدميه، لكننا لا نحرم من تقديم الطيب، إذ يقول القدِّيس: [مع أنها خاطئة لكن كان لها الطيب.]

نقول إن كنا خطاة نسلك طريق توبتنا فليتنا نقتحم بيت سمعانk ونلتقي بربَّنا أينما وجد، مقدِّمين طيبًا مسكوبًا على قدميه. طيب التوبة الصادقة الممتلئة رجاءً خلال الدم المقدَّس المنسكب من الجنب المطعون.

مرَّة أخرى في تفسيره لإنجيل لوقا يرى القدِّيس أمبروسيوس هذا الطيب المسكوب على قدميْ المخلِّص خاص بالكنيسة وحدها، إذ يقول: [مغبوط هو الإنسان الذي يستطيع أن يمسح قدميْ المسيح بالطيب، الأمر الذي لم يفعله سمعان!... الطيب هو خُلاصة روائح زهور كثيرة لذا ينشر روائح زكيَّة ومتنوِّعة، وربَّما لا يستطيع أحد أن يسكب هذا الطيب إلا الكنيسة وحدها التي تملك الكثير من الزهور ذات الروائح المتنوِّعة. هنا تندمج صورة المرأة الخاطئة بالمسيح الذي حمل صورة عبد (حاملاً شبة جسد الخطيّة).]

رابعًا: لم ينتفع الفرِّيسي بلقائه مع المخلِّص، بسبب إصراره على الكبرياء أما المرأة الخاطئة فربحت الكثيرk لأنها أحبَّت كثيرًا خلال روح التواضع. بالكبرياء يفقد الإنسان كل بركة روحيَّة. وبالحب المملوء تواضعًا ينعم بحب المخلِّص نفسه ومغفرة خطاياه.

+ جلس سيِّد التواضع في منزل فرِّيسي متكبِّر يُدعى سمعان، وبالرغم من جلوسه في منزله لم يكن في قلبه مكان يسند (ابن الإنسان) فيه رأسه (9: 57).

القدِّيس أغسطينوس

+ حِبْ كثيرًا فيُغفر لكَ كثيرًا. لقد أخطأ بولس كثيرًا، بل واِضطهد الكنيسة، ولكنه أحبَّ كثيرًا مثابرًا حتى الاستشهاد وغفرت له خطاياه الكثيرة... إذ لم يبخل بدمه لأجل اسم الله.

القدِّيس أمبروسيوس

+ لم تضل المرأة الطريق المستقيم، أما الفريسي الجاهل فقد ضل، إذ قال في نفسه: "لو كان هذا نبيًا لعلِم من هذه المرأة التي لمسته، وما هي أنها خاطئة". كان الفرِّيسي إذن فخورًا بنفسه، معجبًا بطائفته، ضعيف المادة العقليّة، فلم يدرك الموضوع على حقيقته. كان لزامًا عليه أن يروِّض حياته، ويزيِّنها بالسجايا السامية، فلا يدين المريض والعليل ويحكم عليه بما هو براء منه. ترك الفريسي هذا كله، وتعلّق بأهداف الناموس الجامد، وطلب إلى الرب يسوع المسيح أن يطيع شريعة موسى، فقد أمرت هذه الشريعة الناس المقدَّسين أن يتجنَّبوا الأشرار الدنسين، ولام الله كل من اُختير رئيسًا لمجمع اليهود، وفرَّط في حقِّه بأن اِقترب من دنس مرذول وصغير ممقوت. فقد ورد على لسان أحد الأنبياء أنهم لا يميِّزون بين "المقدَّس والمرذول" ولكن المسيح قام لا ليُخضِعنا تحت لعنة الناموس، بل ليفدي الخطاة برحمته التي فاقت الناموس، لأن الناموس "قد زيد بسبب التعديَّات" (غل 3: 19)، "لكي يُستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص من الله، لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرَّر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطيّة" (رو 3: 19).

جاء المسيح حتى يفي للمدين دينه، مهما كثر الدين أو قلَّْ، ويترأف على الناس بأسرهم كبيرهم وصغيرهم، حتى لا يُحرم إنسان أيًا كان مشاركة المسيح في صلاحه. ولكي يقدِّم لنا السيِّد مثالاً واضحًا لرحمته حرَّر هذه المرأة الخاطئة من شرورها بقوله لها: "مغفورة لك خطاياك". ولا يمكن أن تخرج هذه العبارة إلا من فم الله لأنها تتضمَّن سلطانًا فوق كل سلطان لأنه لما كان الناموس يحاكم الخاطئ، فمن ذا الذي يمكنه الارتفاع فوق مستوى الناموس إلا الذي وضعه وأمر به؟ في الحال حرَّر السيِّد المرأة ونبَّه الفريسي ومن جلس معه على المائدة إلى أمور سامية، إذ تعلَّموا أن المسيح الكلمة هو الله، ولذلك فهو ليس أحد الأنبياء بل يفوق كل إنسان ولو أنه تجسَّد وصار إنسانًا...

لا تقلق وتيأس إذا أحسست بثِقل وطأة خطاياك السابقة، فإنَّ رحمة المسيح واسعة المدى. لتكن خطيئتك عظيمة إلا أن رحمة المسيح أعظم، فبنعمته يتبرَّر الخاطئ، ويُطلق سراح الأسير. ولكن اعلم أن الإيمان بالمسيح هو الذي يؤهِّلنا لهذه البركات الخلاصية، لأن الإيمان هو طريق الحياة والنعمة. وفيه نسير إلى المخادع السمائيّة حيث نرث ملكوت القدِّيسين الأبرار ونصبح أعضاء في مملكة المسيح.

القدِّيس كيرلس الكبير

أخيرًا نختم حديثنا عن المرأة الخاطئة، بأنها قد كشفت عن أعماق محبَّة الله الفائقة للبشر، وكما يقول القدِّيس إيريناؤس: [كما يُزكِّي الطبيب بمرضاه، هكذا يعلن عن الله خلال البشر.]

+      +       +

مزمور باكر : 72 : 6 ، 7

ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث الذارفة على الأرض ، يشرق فى أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر .

 

إنجيل باكر من لوقا 11 : 20 – 28

 

20 و لكن ان كنت باصبع الله اخرج الشياطين فقد اقبل عليكم ملكوت الله
21 حينما يحفظ القوي داره متسلحا تكون امواله في امان
22 و لكن متى جاء من هو اقوى منه فانه يغلبه و ينزع سلاحه الكامل الذي اتكل عليه و يوزع غنائمه
23 من ليس معي فهو علي و من لا يجمع معي فهو يفرق
24 متى خرج الروح النجس من الانسان يجتاز في اماكن ليس فيها ماء يطلب راحة و اذ لا يجد يقول ارجع الى بيتي الذي خرجت منه
25 فياتي و يجده مكنوسا مزينا
26 ثم يذهب و ياخذ سبعة ارواح اخر اشر منه فتدخل و تسكن هناك فتصير اواخر ذلك الانسان اشر من اوائله
27 و فيما هو يتكلم بهذا رفعت امراة صوتها من الجمع و قالت له طوبى للبطن الذي حملك و الثديين اللذين رضعتهما
28 اما هو فقال بل طوبى للذين يسمعون كلام الله و يحفظونه

 

 

يسمي السيِّد المسيح الروح القدس "إصبع الله"، ربَّما لأن الإنسان صاحب السلطان حين يشير بإصبعه يتحقَّق كل ما يريده، وكأن الآب والابن يعملان بروحهما القدُّوس كما بالإصبع. يقول القدِّيس كيرلس [يدعى الروح القدس إصبع الله لهذا السبب. قيل عن الابن أنه يد الله وذراعه (مز 98: 1)، به يعمل الآب كل شيء. ولما كان الإصبع غير منفصل عن اليد بل بالطبيعة هو جزء منها، هكذا (مع الفارق) الروح القدس متَّحد مع الابن، وخلاله يعمل الابن كل شيء.]

هذا والأصابع مع اختلاف مواضعها وأحجامها وأطوالها تعمل معًا بلا اِنقسام، فتشير إلى تنوُّع الخدمات أو المواهب والروح واحد. كقول الرسول بولس: "فأنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد، وأنواع خِدم موجودة، ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة، ولكن الله واحد، الذي يعمل الكل في الكل، ولكنه لكل واحد يعطي إظهار الروح للمنفعة" (1 كو 12: 4-7).

يقول القدِّيس أغسطينوس: [يُدعى الروح القدس إصبع الله بسبب توزيع المواهب، فيه ينال كل واحد موهبته، سواء للبشر أو الملائكة، إذ لا يوجد في أعضائنا تقسيم مناسب أكثر من أصابعنا.] كم يقول القدِّيس أمبروسيوس [لقب "الإصبع" يشير إلى الوحدة لا إلى اِختلاف السلطان.]

+ من هم أبناؤهم الذين يُخرجون الشيَّاطين ويكونون قضاة عليهم، إلا جماعة من التلاميذ البسطاء، الذين هم من الأُمّة اليهوديَّة يعيشون ببساطة قلب بينهم، وأُميُون، يُخرجون الشيَّاطين بقوَّة وسلطان، فيدينون بهذا كل اِتهام يوجِّهه الفرِّيسيُّون والكتبة ضد سلطان السيِّد المسيح. يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [كان التلاميذ الطوباويُون يهودًا، وأبناء لليهود حسب الجسد، وقد نالوا سلطانًا من المسيح باستدعاء هذه الكلمات: "باسم يسوع المسيح". فإن بولس أيضًا مرَّة أمر الروح النجس بسلطان رسولي: "أنا آمرك باسم يسوع أن تخرج منها" (أع 16: 18). فإن كان أبناؤكم ـ كما يقول ـ باسمي يطئون بأقدامهم على بعلزبول باِنتهارهم أتباعه (شيَّاطينه) وإخراجهم من الساكنين فيهم، أفليس واضح أنه تجديف بجهل عظيم أن تتَّهمونني بأني أحمل سلطان بعلزبول؟ أنتم الآن متَّهمون خلال إيمان أبنائكم.]

ينتقل السيِّد المسيح من إظهار أنه يخرج الشيَّاطين بروحه القدُّوس (إصبع الله) إلى السلطان الذي وهبه لتلاميذه الذين هم أبناء اليهود، ليجذب أنظارهم وأفكارهم من المناقشات الغبيَّة التي يُثيرونها خلال حقدهم وحسدهم إلى التطلُّع نحو السلطان الجديد الذي وُهب للتلاميذ خلاله، وإلى الإمكانيَّة التي صارت للبشريَّة خلال السيِّد المسيح. فما يفعله المسيح يسوع ربَّنا ليس اِستعراضًا لقوَّته الإلهيَّة وإنما هو رصيد يقدِّمه لحساب مملكته في قلوبنا، أي لحساب كنيسته التي في داخلنا، لذلك يقول:

 "فقد أقبل عليكم ملكوت الله" [20].

بمعنى آخر يوَد إن يقول لهم: عوض إن تتَّهموني بأن أعمل بقوَّة بعلزبول تمتَّعوا بسلطاني الذي أهبه للبشر لتحطيم بعلزبول وطرد أرواحه الشرِّيرة من النفوس والأجساد المحطَّمة. في هذا يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [يقول: إن كنتٌ كإنسان قد صرتُ مثلكم، وأخرج الشيَّاطين بروح الله، فقد نالت الطبيعة البشريَّة فيّ أولاً الملكوت الإلهي، إذ صارت ممجَّدة بكسر سلطان الشيطان واِنتهار الأرواح الدنسة، هذا هو معنى الكلمات: "أقبل عليكم ملكوت الله". لكن اليهود لم يفهموا تدبير الابن الوحيد في الجسد، وأنه كان يجب عليهم بالحري إن يتأمََّلوا أن الابن الوحيد الجنس، كلمة الله قد صار جسدًا دون أن يتغيَّر عما هو عليه، ممجِّدًا طبيعة الإنسان، إذ لم يستنكف أن يأخذ حقارتها لكي يُضفي عليها غناه هو.]

+  إذ نالت البشريَّة في المسيح يسوع سلطانًا بروحه القدُّوس وأعلن عن ملكوت الله فيها، فإنه لم يعد هناك مجال لمملكة الظلمة التي سادت زمانًا، والتي تملَّكت بشراسةٍ وعنفٍ وسلطانٍ خلال ضعفنا. لقد جاء القوي الذي يحطِّم من ظن في نفسه قويًا وأعطيناه الفرصة زمانًا ليسيطر علينا، إذ يقول السيِّد المسيح:

 "حينما يحفظ القوي داره متسلِّحًا تكون أمواله في أمان. ولكن متى جاء من هو أقوى منه، فإنه يغلبه، وينزع منه سلاحه الكامل الذي اتكل عليه، ويوزِّع غنائمه" [21-22].

هكذا يقدِّم لنا العمل المسيحاني في حياتنا بمثل إنسانٍ قوي متسلِّح في داره، تملك على القلب والعالم كدارٍ له، أسلحته الخبث والدهاء، لكن جاء المسيَّا الأقوى، سلاحه الحب والبذل يحطِّم بالحق الباطل، وبالحب الخبث، وبالنور الظلمة، فيطرد من استعمر القلب وملك على العالم، ساحبًا منه الغنائم. هكذا يوضِّح السيِّد أنه لا هوادة بين النور والظلمة، ولا اِتِّفاق بين المسيح وبليعال.

يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [دُعي الشيطان قويًا، ليس لأنه بالطبيعة هو هكذا، إنما بالإشارة إلى سلطانه القديم الذي صار له بسبب ضعفنا.] ويقول القدِّيس كيرلس الكبير: [هذا هو مصير عدوُّنا العام، الشيطان الخبيث، ذي الرؤوس المتعدِّدة، مبتدع الشرّ. فإنه قبل مجيء المخلِّص، كان في قوَّة عظيمة، يسوق القطعان التي ليست له إلى حظيرته، ويغلق عليها، هذه التي هي قطعان الله، فكان كلصٍ مفترسٍ ومتصلِّف للغاية. لكن إذ هاجمه كلمة الله الذي هو فوق الكل، واهب كل قوَّة، رب القوات، بكونه قد صار إنسانًا، فنهب منه أمتعته ووزَّع غنائمه. فإن أولئك الذين كانوا قبلاً قد أُسروا بواسطته في الخطأ والجحود دعاهم الرسل القدِّيسون إلى معرفة الحق والاقتراب إلى الله الآب خلال الإيمان بالابن.]

+ بعد أن قدَّم السيِّد المسيح هذا المثل، قال هذا المبدأ:

 "من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يُفرِّق" [23].

هنا يبرز السيِّد المسيح خطورة الحياة السلبيَّة التي خلالها يظن الإنسان أنه يقف في منتصف الطريق. فإن السيِّد المسيح يقدِّم طريقين لا ثالث لهما: النور أو الظلمة، مملكة الله أو إبليس. من كان يعمل بروح بعلزبول لا يطرد الشيَّاطين لحساب مملكة الله، إنما ينحني لمملكة الظلمة، وهكذا من يحمل روح الله لا يقبل إلا أن يعمل لحساب مملكة الله. وكأنه يطالبهم بمراجعة أنفسهم ليعرفوا بالحق أين هو مركزهم؟ هل هم معه يعملون على الجمع لحسابه، أو ضدُّه يعملون على تشتيت النفوس؟

كأنه يقول لهم قد جئت لأجمع أبناء الله فيّ، هؤلاء الذين شتَّتهم العدو إبليس، فالشيطان لا يعمل معي، بل يود تشتيت من أجمعهم، فهل تطلبونني لتعملوا للجمع أم تطلبونه فتقومون بالتشتيت؟ وكما يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [إنه يقول: جئت لأخلِّص كل إنسان من يدّ الشيطان، لأنقذهم من خبثه الذي اِصطادهم به، لأحرِّر المأسورين، وأُشرق نورًا على الذين في الظلمة، أُقيم الساقطين وأشفي منكسري القلوب، وأجمع أبناء الله المشتَّتين. وأما الشيطان فهو ليس معي، بل عليّ. بالعكس هو ضدِّي، إذ يتجاسر ليشتِّت الذين أجمعهم وأخلِّصهم. كيف إذن يمكن لذاك الذي يقاومني ويبُث شروره ضد غاياتي أن يعطيني سلطانًا ضدُّه؟ أليس من الغباوة إن تتخيَّلوا هذا؟]

يُعلِّق القدِّيس يوحنا الذهبي الفم على كلمات السيِّد، قائلاً على لسانه: [إن كان الذي لا يعمل معي يكون خصمًا لي، فكم بالأكثر من يقاومني؟ على أي الأحوال يبدو لي أنه قد أشار بهذا المثل إلى اليهود الذين ثاروا ضدَّه بواسطة الشيطان، إذ كانوا يعملون ضدَّه ويُشتِّتون من يجمعهم.]

+  بعد أن عرض المثَل الأول الخاص بالأقوى الذي يطرد القوي ويوزِّع غنائمه معطيًا إيَّانا رجاء أن نختفي فيه لكي به نحارب العدو ونطرده من أعماقنا، يقدِّم لنا مثلاً آخر لتحذيرنا:

"متى خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة،

وإذ لا يجد يقول: أرجع إلى بيتي الذي خرجتُ منه.

فيأتي ويجده مكنوسًا مزيَّنًا.

ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح أُخر أشرّ منه،فتدخل وتسكن هناك،

فتصير أواخر ذلك الإنسان أشرّ من أوائله" [24- 26].

بالمثلين وضَّح السيِّد المسيح الفارق بين عمل السيِّد المسيح وعمل الفرِّيسيِّين، ففي المثل الأول أظهر السيِّد المسيح بكونه الأقوى الذي يحرِّرنا ممن اِستقْوَى علينا وأسَرْنا بخُبثه، وفي المثَل الثاني أظهر عمل الفرِّيسيِّين وقادة اليهود الذين يجولون البَرّ والبحر لاصطياد إنسانٍ، وبعد قبوله الإيمان يجعلونه أشرّ منهم، إذ يتعثَّر فيهم. هكذا ينحرف للشرّ أكثر مما كان عليه قبل قبوله الإيمان. وكما قال الرب:

 "ويلٍ لكم أيها الكتبة والفرِّيسيُّون المراؤون، لأنكم تطوفون البحر والبَرْ، لتكسبوا دخيلاً واحدًا، ومتى حصل تصنعونه ابنًا لجُهنَّم أكثر منكم مضاعفًا" (مت 23: 15).

بهذا المثَل يحذِّرنا لئلاَّ نبدأ الطريق ولا نكمِّله، فإننا إذ نبدأ نطرد الشيَّاطين من قلوبنا كما من مسكنه، لكنه لا يجد راحته إلا في العودة من حيث طُرد، وهكذا يبقى متربِّصًا لعلَّه في تهاوننا يرجع بصورة أشرّ وأقوى لكي يسكن من جديد. هذا هو حال كثير من المسيحيِّين بدأوا بالروح وللأسف كمَّلوا بالجسد (غل 3: 3)، فعاد إبليس ليجد قلوبهم مسكنًا له مكنوسًا ومزيَّنًا لاستقباله.

هذا هو حال اليهود الذين سبقوا الأمم في معرفة الله، وكأنهم قد تمتَّعوا بطرد إبليس من قلوبهم، لكنهم إذ جحدوا الرب صاروا أشرّ ممَّا كان عليه قبل الإيمان، بل وأشرّ من الأمم. هذا ما يقوله القدِّيس أمبروسيوس: [بإنسان واحد يُرمز لكل الشعب اليهودي، فالروح النجس خرج بالناموس، ولما لم يجد راحة في الأمم، إذ قبلوا الإيمان المسيحي الذي يحرق الروح النجس، وقد ارتوت قلوب الأمم الجافة بندى الروح القدس وانطفأت سهام العدو الملتهبة نارًا (أف 6: 16)، رجع الروح النجس إلى الشعب اليهودي ومعه أرواح أشرّ منه. هنا رقم 7 يشير إلى كمال العدد.] بنفس المعنى يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [إذ كانوا تحت العبوديَّة بمصر، يعيشون حسب عادات المصريِّين ونواميسهم المملوءة دنسًا سلكوا حياة دنسة وسكن الروح النجس فيهم، إذ يسكن في القلوب الشرِّيرة. ولكن إذ خلصوا بواسطة موسى خلال رحمة الله وتقبَّلوا الشريعة كمعلِّم في مدرسة، ودُعوا إلى نور معرفة الله الحقيقيَّة، طُرد منهم الروح النجس الفاسد. ولكنهم إذ لم يؤمنوا بالمسيح بل جحدوا المخلِّص، هاجمهم الروح النجس من جديد، فوجد قلبهم فارغًا، خاليًا من مخافة الله، كما لو كان مكنوسًا فسكن فيهم. فكما أن الروح القدس إذ يجد قلبًا متحرِّرا من كل دنس، طاهرًا، يأتي ويسكن فيه ويستريح هناك، هكذا الروح الشرِّير اعتاد على السُكنى في قلوب الأشرار، لأنهم ـ كما قلت ـ خالون من كل فضيلة وليس فيهم خوف الرب. بهذا صار أواخر الإسرائيليِّين أشر من أوائلهم.]

الصداقة وكلمة الله

"وفيما هو يتكلَّم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجمع. وقالت له:

"طوبى للبطن الذي حَملك، والثدْيين اللذيْن رضعتهما.

أما هو فقال: بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه" [27-28].

إذ سمعت المرأة حديث السيِّد طوّبت من حملته وأرضعته. وبلا شك فإن القدِّيسة مريم تستحق الطوبى، غير إن السيِّد لم ينزع عنها التطويب، إنما حثنا لننال نحن أيضًا الطوبى بقوله:

 "طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه".

 وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم أن القدِّيسة مريم قد تزكَّت بالأكثر بهذه الكلمات إذ حملته في نفسها كما حملته في جسدها. ويقول القدِّيس أغسطينوس: [اقترابها كأُم لا يفيد مريم لو لم تكن قد حملته في قلبها بطريقة طوباويَّة، أكثر من حملها إيّاه في جسدها.]

لقد فتح لنا الرب باب اللقاء معه والتمتُع بصداقته، فإن كان قد طالبنا في بداية الأصحاح بالصلاة بلجاجة ثم حثَّنا على وحدانيَّة الروح بلا انشقاق والتمتُع بعمل الروح القدس فينا، فإنه الآن يحثُنا على الالتصاق بكلمة الله وحفظها قلبيًا وسلوكيًا. إن كنَّا لم ننعم بحمل السيِّد المسيح جسديًا أو اللقاء معه كمن كانوا معه في أيامه، لكن إنجيله بين أيدينا، إن سمعناه وحفظناه رأيناه متجلِّيًا في الداخل.

يرى القدِّيس أغسطينوس أن هذا الحديث الإلهي يمس حياة الكنيسة كلها التي تختبر حياة الوحدة كجسد واحد للرب، إذ يقول: [ليته لا يفرح أحد من أجل نسله المؤقت، بل بالحري بالروح الذي يربطهم بالله.]

+      +       +

البولس من رومية 3 : 1 – 4 : 3

أولا : رومية 3 : 1 – 30

1 اذا ما هو فضل اليهودي او ما هو نفع الختان
2 كثير على كل وجه اما اولا فلانهم استؤمنوا على اقوال الله
3 فماذا ان كان قوم لم يكونوا امناء افلعل عدم امانتهم يبطل امانة الله
4 حاشا بل ليكن الله صادقا و كل انسان كاذبا كما هو مكتوب لكي تتبرر في كلامك و تغلب متى حوكمت
5 و لكن ان كان اثمنا يبين بر الله فماذا نقول العل الله الذي يجلب الغضب ظالم اتكلم بحسب الانسان
6 حاشا فكيف يدين الله العالم اذ ذاك
7 فانه ان كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده فلماذا ادان انا بعد كخاطئ
8 اما كما يفترى علينا و كما يزعم قوم اننا نقول لنفعل السيات لكي تاتي الخيرات الذين دينونتهم عادلة
9 فماذا اذا انحن افضل كلا البتة لاننا قد شكونا ان اليهود و اليونانيين اجمعين تحت الخطية
10 كما هو مكتوب انه ليس بار و لا واحد
11 ليس من يفهم ليس من يطلب الله
12 الجميع زاغوا و فسدوا معا ليس من يعمل صلاحا ليس و لا واحد
13 حنجرتهم قبر مفتوح بالسنتهم قد مكروا سم الاصلال تحت شفاههم
14 و فمهم مملوء لعنة و مرارة
15 ارجلهم سريعة الى سفك الدم
16 في طرقهم اغتصاب و سحق
17 و طريق السلام لم يعرفوه
18 ليس خوف الله قدام عيونهم
19 و نحن نعلم ان كل ما يقوله الناموس فهو يكلم به الذين في الناموس لكي يستد كل فم و يصير كل العالم تحت قصاص من الله
20 لانه باعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر امامه لان بالناموس معرفة الخطية
21 و اما الان فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودا له من الناموس و الانبياء
22 بر الله بالايمان بيسوع المسيح الى كل و على كل الذين يؤمنون لانه لا فرق
23 اذ الجميع اخطاوا و اعوزهم مجد الله
24 متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح
25 الذي قدمه الله كفارة بالايمان بدمه لاظهار بره من اجل الصفح عن الخطايا السالفة بامهال الله
26 لاظهار بره في الزمان الحاضر ليكون بارا و يبرر من هو من الايمان بيسوع
27 فاين الافتخار قد انتفى باي ناموس ابناموس الاعمال كلا بل بناموس الايمان
28 اذا نحسب ان الانسان يتبرر بالايمان بدون اعمال الناموس
29 ام الله لليهود فقط اليس للامم ايضا بلى للامم ايضا
30 لان الله واحد هو الذي سيبرر الختان بالايمان و الغرلة بالايمان


 

حاجة الكل للخلاص

بعد عرض الرسول لعلاقة البشريّة بالله انتهي إلى هذا الأصحاح ليُعلن أنه وإن اختلفت خطايا البشر عن بعضهم البعض، لكن النتيجة واحدة، وهي سقوط الكل تحت نير الخطيّة، أي إعلان أن الكل غير بار ويحتاج إلى تبرير حقيقي فعَال. بمعنى آخر جاء هذا الأصحاح أشبه بحكم عام على البشرية كلها أنها بلا برّ حقيقي، في عوز إلى من يبرّرها.

1. الاتهام: عدم أمانتنا مع أمانة الله

الاتهام الموجّه للبشرية كلها: إنها بلا بر،ّ أي بلا أمانة في قبول وعد الله لها، بالرغم من برّ الله في وعده لها؛ في هذا يشترك اليهودي مع الأممي، ويتساوى الكل. هذا الاتهام قد يُسيء اليهود فهمه فيحسبونه مستهينًا بما نالوه من امتيازات، لذلك جاء الاتهام مفصلاً بطريقة لائقة لا تجرح مشاعرهم، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

أولاً: أن كان الأممي قد كسر الناموس الطبيعي فهلك (ص 1)، واليهودي كسر الناموس المكتوب واستهان بالخِتان الروحي فسقط في دينونة أكثر مرارة من التي يسقط تحتها الأممي، فما الحاجة إذن لاختيار الله لشعبه؟ وتقديمه عهد الخِتان والناموس المكتوب؟ هذا هو التساؤل الذي وضعه الرسول بولس في نهاية حديثه عن ما بلغ إليه الأممي واليهودي، ولئلاّ يظن القارئ أن بولس الرسول يستهين بنعم الله وعطاياه في العهد القديم، لذلك يقول الرسول:

"إذًا ما هو فضل اليهودي؟ أو ما هو نفع الخِتان؟

كثير على كل وجه، أمّا أولاً فلأنهم أستؤمنوا على أقوال الله.

فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء؟ أفلعلّ عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟

حاشًا، بل ليكن الله صادقا وكل إنسان كاذبًا، كما هو مكتوب: لكي تتبرّر في كلامك،

وتغلب متى حوكمت" [1-4].

خشي الرسول أن يُساء فهم حديثه السابق، فيظنه البعض أنه يقلل من شأن معاملات الله مع شعبه، خاصة تقديمه ناموسه كعطيّة يؤتمنوا عليها، أو اختيارهم كشعبٍ مقدس له، أو دخوله في عهد معهم مقدمًا الخِتان علامة عهد. لذلك أسرع ليؤكّد أن العيب لا في العطيّة ولا في العاطي، وإنما في عدم أمانة من تسلمها. بمعني آخر، إنه ينتقد تصرف اليهود نحو نعم الله لا نعم الله في ذاتها، فإن الله في أمانته قدّم عطايا إلهية ونعم مجّانية مقدّسة، لكن الإنسان في غير أمانة أساء استخدامها، وأفسد عملها في حياته.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول هذه، قائلاً:

[إن كان المقصود هو أن كل هذه الأشياء بلا قيمة، فلماذا دُعي الشعب؟ ولماذا أُقيم عهد الخِتان؟

ماذا يفعل الرسول هنا؟ وكيف يحل هذه المشكلة؟

يحلها بنفس الطريقة التي سبق فاتبعها، إذ تغني بهبات الله لا بفضل اليهود، فبكونهم يهودًا عرفوا إرادة الله، وأدركوا الأمور الأسمى، ذلك ليس بفضل عملهم الذاتي، إنما هو عمل نعمة الله. وكما قال المرتّل في المزمور: "لم يصنع هكذا بإحدى الأمم وأحكامه لم يعرفوها". وكما أعلن موسى بسؤاله: "هل جرى مثل هذا الأمر العظيم؟ أو هل سُمع نظيره؟ هل سمع شعب صوت الله يتكلّم من وسط النار كما سمعت أنت وعاش؟" (تث 4: 32-33). هذا ما يفعله بولس هنا، إذ اتّبع ذات الوسيلة إذ قال بأن الخِتان ذو نفع إن أُقترن بفعل الصلاح (رو 2: 25) ولم يقل أن الخِتان بلا نفع، لذلك تساءل: إن كنت متعديًا الناموس فقد صار ختانك غرلة (رو 2: 25). كأنه يقول: يا من أختتنت صار ختانك غُرْلة، ولم يقل: يا من اختتنت ختانك بلا نفع على الإطلاق. لهذا يطيح بالأشخاص ويؤيد الناموس؛ هذا ما يفعله هنا إذ بعدما تساءل: ما هو فضل اليهودي؟ لم يجب بالنفي، بل أكدَ فضله ليعود فيدحضهم موضحًا عقوبتهم خلال الميزات التي نالوها.

أردف السؤال بسؤال، قائلاً: أو ما هو نفع الخِتان؟

ويجيب على السؤالين، قائلاً: "كثير على كل وجه، أمّا أولاً فلأنهم أستؤمنوا على أقوال الله".

ترون إذن أنه في كل مناسبة يعدد نعم الله لا أفضال اليهود.

ما معني: "استؤمنوا"؟ معناها أن الناموس قد وُضع بين أيديهم، لأن الله جعل لهم قيمة فأقامهم أمناء على أقواله التي نزلت من فوق. بقوله هذا يقيم شكوى ضدهم، إذ يهدف إلى إظهار نكرانهم للفضل بالرغم من المزايا التي وُهبت لهم.

يستطرد فيقول: "فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء، أفلعلّ عدم أمانتهم تبطل أمانة الله؟ حاشًا" [3-4].

لاحظوا هنا كيف يبرز الاتهام في شكل اعتراض، وكأنه يقول: رب معترض يتساءل: ما نفع الخِتان إذًا ما داموا قد أساءوا استخدامه؟ وهو لا يقف هنا موقف المشتكي العنيف، إنما موقف من يلتزم بتبرير الله من الشكاوى الثائرة ضده، فيحولها من ضد الله إلى ضد اليهود. يقول لهم: لماذا تتذمّرون من أن البعض لم يؤمنوا؟ كيف يؤثر هذا في الله من جهة عطاياه، فهل نكران مستخدميها يغيَر من طبيعتها؟ أو يجعل من الأمر المكرّم هوانًا؟ هذا هو معنى تساؤله: "أفلعلّ عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟" يجيبهم: "حاشا"، وكأنه يقول: لقد أكرمت فلانًا، فلم يقبل إكرامي، فهل يُحسب عدم قبوله الإكرام علّة شكوى ضدي؟ أو يقلّل هذا من إكرامي؟...

تأمّلوا إذن كيف وضعهم الرسول في قفص الاتهام خلال ذات الأمور التي ينتفخون بها!... لقد عمل الله ما في وسعه، أمّا هم فلم يعرفوا أن ينتفعوا بأعماله معهم، إذ يردّد قول المرتّل في المزمور: "لكي تتبرّر في كلامك وتغلب متى حوكمت".]

 [انظروا إلى خطّة بولس فإنه لم يَتّهم الكل بعدم الأمانة، بل قال: "إن كان قوم" [3] هؤلاء كانوا غير أمناء، وهكذا يبدو الرسول غير قاسٍ في اتهاماته حتى لا يظهر كعدوٍ.]

هكذا لم يحقِّر الرسول من العطايا الإلهية سواء بالنسبة للختان كعلامة للعهد الإلهي إن فهم روحيًا وأيضًا لعطيّة الأقوال الإلهية، إنما يهاجم عدم أمانة الإنسان، الأمر الذي لا يبطل أمانة الله.

لم يتجاهل رجال العهد الجديد عطايا الله لرجال العهد القديم، خاصة أقوال الله، ففي خطاب الشماس استفانوس جاء حديثه عن موسى النبي هكذا: "الذي قبل أقوالاً حيّة ليعطينا إيّاها" (أع 7: 38).

في حبٍ قدّم الله أقوالاً حيّة تحمل المواعيد الإلهيّة، لكن قابل الإنسان الحب بالجمود، فعصى أقوال الله، وتجاهل حفظها روحيًا وعمليًا بالرغم من افتخاره بها، وتمسكه بحفظها في حرفيتها. ومع هذا يبقي الله أمينًا في تحقيق ما وعد به.

رفض الإنسان اليهودي "الحق" برفضه وعود الله الواردة في أقواله خاصة ما جاء بالنسبة للمسيا المخلص، فحُسب كاذبًا، أمّا الله فيبقي صادقًا يحقّق ما وعد به.

هذا ويقدّم لنا القدّيس جيروم تفسيرًا روحيًا لعبارة: "ليكن الله صادقًا وكل إنسان كاذبًا" [4]، معلنًا أنه ما دام الإنسان يسلك بفكره وإمكانياته البشريّة الذاتية، إنما يعيش بالكذب، لكنه متى التقى بالله "الحق" وحمل سماته ويحسب ابنًا لله، ينعم بالحق فيه، فيكون بالله صادقًا، إذ يقول: [يصير الإنسان بالقداسة إلهًا، بهذا يكف عن أن يكون إنسانًا ينطق بالكذب.]

ويرى القدّيس كبريانوس خلال ذات العبارة أنه لا يليق بنا أن نيأس حين نرى البعض ينحرف عن الإيمان أن ينكره، إنما كرجال الله نتشدّد ونسلك بالحق، حتى وإن سلك كثيرون بالكذب، فمن كلماته:

[إن كان كل إنسان كاذبًا والله وحده صادق يليق بنا نحن خدام الله، خاصة الكهنة، ماذا نفعل سوى أن ننسى الأخطاء البشريّة والكذب، ونستمر في حق الله، ونحفظ وصايا الرب!]

[اختار الرب يهوذا من بين الرسل، وقد خان يهوذا الرب، فهل ضعُف إيمان الرسل أو وَهن ثباتهم لأن يهوذا الخائن قد فشل في تبعيتهم؟ هكذا فإن قداسة الشهداء وكرامتهم لا تنقصان لأن إيمان البعض قد تحطّم.]

[ينصحنا بولس أيضًا ألا نضطرب حين يهلك الأشرار خارج الكنيسة، ولا يضعف إيماننا بمفارقة غير المؤمنين لنا... فمن جانبنا يلزمنا أن نجاهد ألا يهلك أحد تاركًا الكنيسة بسبب خطأ ارتكبناه، لكن أن هلك أحد بإرادته وخطيته ولا يودّ العودة أو التوبة والرجوع إلى الكنيسة، فإننا لا نُلام في يوم الدين، مادمنا كنّا مهتمين بإصلاحه، إنما يسقط هو وحده تحت الدينونة لرفضه العلاج بنصيحتنا الصالحة.]

ويقدّم لنا الأب بولاس أسقف يوبا Bobba بموريتانيا ذات الفكر قائلاً أنه يلزم ألا نضطرب حين يرفض إنسان إيمان الكنيسة.

يرى القدّيس أغسطينوس أن الكذب هنا يعني الفراغ، والصدق أو الحق يعني الملء، إذ يقول: [الله الملء والإنسان فارغ. أن أراد أحد أن يمتلئ فليذهب إلى ذاك الذي هو الملء: "تعالوا إلى واستنيروا" (راجع مز 34: 5). فإن كان الإنسان كاذبًا، فهو بهذا فارغ يطلب أن يمتلئ، فيجري بسرعة وغيرة نحو الينبوع ليمتليء.]

يقول أيضًا: [عندما يعيش إنسان حسب الحق يعيش لا حسب نفسه بل حسب الله القائل: "أنا هو الحق" (يو 14: 6). من يحيا حسب نفسه، أي حسب الإنسان لا الله، فبالتأكيد يعيش حسب الكذب، ليس لأن الإنسان نفسه كذب إذ الله موجده وخالقه، وهو بالتأكيد ليس موجدًا للكذب ولا خالق له، إنما لأن الإنسان الذي خُلق مستقيمًا لكي يحيا حسب الله خالقه لا حسب نفسه، أي يتمّم إرادة الله لا إرادته الذاتية، صار يعيش بغير ما خُلق ليعيش به، وهذا هو الكذب... لذلك لم يقُل أن كل خطيّة هي كذب باطلاً.]

ثانيًا: إذ عالج الرسول المشكلة الأولي وهي: ما نفع بركات الله ونعمه على اليهودي، إن كان اليهودي قد أساء استخدامها، فصارت البركات وهي مقدّسة ومباركة علّة عقوبة أعظم لمن أساء استخدامها؟ إذ أظهر الرسول أن بعضًا منهم كانوا غير أمناء، لكن يبقي الله أمينًا بالرغم من عدم أمانتهم، وأنه لا يليق أن نشين كرامة واهب النعم، إن أساء الذين قبلوها استخدامها. الآن يعالج الرسول مشكلة أخرى مشابهة للأولى ومكمّلة لها، وهي كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الوثنيّين قد استهانوا بكلمات الرسول بولس: "حيث كثرت الخطيّة ازدادت النعمة جدًا"... فحسبوا أن النتيجة الطبيعية لذلك هي أننا نخطيء لكي تزداد النعمة، أو بمعنى آخر لنكن غير أمناء فتتجلي أمانة الله.

يقول الرسول: "ولكن إن كان إثمنا يبين برّ الله، فماذا نقول: ألعلّ الله الذي يجلب الغضب ظالم؟ أتكلم بحسب الإنسان: حاشًا، فكيف يدين الله العالم إذ ذاك؟ فإنه أن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده، فلماذا أُدان أنا بعد كخاطئ؟ أمّا كان يُفتري علينا، وكما يزعَم قوم أننا نقول: لنفعل السيّئات لكي تأتي الخيرات، الذين دينونتهم عادلة" [5-8].

نستخلص من هذا النص الآتي:

أ. لا يتوقف عدو الخير عن محاربة خدمة السيد المسيح بكل طرق، فإن كان اليهود يهاجمون الكرازة بدعوى أن الرسول بولس يُهين الناموس ويستخفّ بالخِتان، ويقاوم أمة اليهود، فإن الأمم من جانبهم أيضًا يقاومون هذا العمل بإساءة فهمه، حاسبينه أنه ينادي بفعل السيئات لكي تأتي الخيرات، وكأن الشرّ هو علّة الخير، وعدم أمانتنا هو مجد لأمانة الله، وهذا بلا شك افتراء كاذب. لذا إذ يُعلن الرسول عن سقوط العالم كله في الشرّ، ليتحدّث عن حاجة الجميع إلى المخلص، يوضّح أنه لا ينادي بما أُتُّهم به، مُظهرًا أن هذا القول يستلزم أحد أمرين: إمّا أن يكون الله غير عادل، لأنه يجازي الإنسان على شرّه وعدم أمانته، وهو علّة نصرة الله ومجده، أو أنه إن لم يعاقبنا تقوم نصرته على رذائلنا، وكِلا الأمران ممقوتان عند الرسول.

ب. يودّ الرسول تأكيد أن الله الذي يتمجّد حتى في شرّنا بإعلان برّه وحبّه للخطاة لا يعفي الإنسان من مسئوليته عن ارتكابه للإثم. فقد اعتاد الإنسان منذ بدء سقوطه أن يلقي باللوم على غيره، كما فعل آدم الذي ألقى باللوم على المرأة التي جعلها الله معه (تك 3: 12)، وكما فعلت حواء التي ألقت باللوم على الحيّة.

يقول الرسول: "أتكلم بحسب الإنسان" [5] وكأنه إذ يلتزم بتقديم هذا الاعتراض الذي يخطر على فكر البعض، إنما يتكلّم كإنسان متكابر على الله، إذ ينسب لله الظلم في إدانته للإنسان الأثيم ويفتح الباب للإنسان أن يتمادى في ارتكاب الآثام بحجّة إعلان "برّ الله". لهذا جاءت هذه الرسالة تؤكد أن برّ الله وأمانته في مواعيده وفيض نعمته على الخطاة ليست فرصة للشر، إذ يقول: "أنبقى في الخطيّة لكي تكثر النعمة؟ حاشا، نحن الذين مُتنا عن الخطيّة كيف نعيش بعد فيها؟" (رو 6: 1-2).

ج. يُعلّق القدّيس إكليمنضس السكندري على العبارات الرسولية التي بين أيدينا موضحًا أن الله يوقع العقوبة ليس عن انفعال، إنما لتحقيق العدالة، فيختار الأثيم لنفسه أن يسقط تحت العقوبة بكامل حريته، هو الملوم لا الله.

2. علّة الاتهام: الكل بلا برّ

الآن بعد أن ردَ على اليهود الذين اتهموا الرسول أنه يستخف بعطايا الله لهم كيهود أهل الخِتان وأصحاب الناموس، كما ردَ على الأمميّين الذين حسبوه ينادي بفعل الشرّ لكي يجلب الخير، بدأ يؤكّد من جديد فساد البشريّة كلها ليُعلن حاجة الكل إلى طريق واحد للخلاص، هو التمتّع ببرّ المسيح خلال الإيمان بفدائه، إذ يقول:

"فماذا إذًا، أنحن أفضل؟ كلا البتة.

لأننا قد شكونا أن اليهود واليونانيّين أجمعين تحت الخطيّة.

كما هو مكتوب: أنه ليس بار ولا واحد، ليس من يفهم، ليس من يطلب الله.

الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد.

حنجرتهم قبر مفتوح، بألسنتهم قد مكروا.

سمَ الأصلال تحت شفاههم، وفمهم مملوء لعنة ومرارة.

أرجلهم سريعة إلى سفك الدم، في طرقهم اغتصاب وسحق، وطريق السلام لم يعرفوه.

ليس خوف الله قدام عيونهم" [9-18].

الآن إذ يُعلن فساد البشريّة كلها يلجأ إلى رجال العهد القديم ليقتطف كلماتهم التي تؤكد ذلك:

يلجأ إلى داود النبي القائل: "ليس من يفهم، ليس من يطلب الله" (مز 14: 2 الترجمة السبعينيّة)، وقد جاءت الترجمة العبرية: "هل من فاهم طالب الله!" فإذ أخطأ الكل في حق الله، انطمست عيون أذهانهم، فلم تعد تستطيع أن تراه، ولا أن تدرك أسراره الإلهية، كآدم الذي أخطأ، فصار غير قادرٍ على إدراك محبّة الله، وأصبح هاربًا من وجهه لا يقدر أن يطلبه. لكن هل ينطبق هذا على اليهود الذين صارت لهم معرفة الله بالناموس، ويطلبونه خلال طقوسهم وعبادتهم غير المنقطعة؟ يجيب المرتّل: "ليس من يفهم، ليس من يطلب الله"، غير مميّز اليهودي عن الأممي، لأن اليهودي في حرفيته لم يستطع إدراك أعماق الناموس وغايته الإلهية كما تحوّلت الطقوس إلى شكليات لا تمس القلب ليُدرك الله ويعاينه.

ويقتطف من نفس المزمور: "الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (مز 14: 3). مرة أخرى يؤكّد أن "الجميع" بلا تمييز بين يهودي أو أممي إذ لم يفهموا، ولم يعد للصلاح موضع فيهم. هذا أيضًا ما يعلنه إشعياء النبي القائل: " كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحدٍ إلى طريقه" (إش 53: 6).

بعد أن تحدّث عن فساد الكل بوجه عام بدأ يُعلن فساد الإنسان في كُلّيته، فتحوّلت الحنجرة إلى قبر مفتوح (مز 5: 9) تخرج رائحة موت ونتانة، وانشغل اللسان بالمكر، وتحوّلت الشفاه إلى مخزن خفي لسمَ الأصلال (مز 140: 3)، وفمهم ينبوع لعنة ومرارة (مز 10: 7)، وأرجلهم تسرع إلى سفك الدم (إش 59: 7؛ أم 1: 16) لا تعرف طريق السلام، بل طريق السحق والمشقة، أمّا أعماقهم ففقدت البصيرة الداخليّة، فلم يعد خوف الله أمام عيونهم (مز 36: 1). وكأن الفساد قد دبَّ في حياة الإنسان الداخليّة، كما في أعضائه الظاهرة.

3. الحكم: دينونة الكل، والحاجة إلى تبرير عام

إن كان الذين بلا ناموس مكتوب قد سقطوا تحت الهلاك، والذين تحت الناموس قد صاروا تحت الدينونة، فكيف يمكن الخلاص؟ يقدّم لنا الرسول بولس العلاج معلنًا الحاجة إلى المخلص الذي يقدّم حياته فِدْية عن العالم كله، واهبا البرّ الإلهي لمؤمنيه. ويلاحظ في هذا العلاج الآتي:

أولاً: يقول الرسول: "وأما الآن فقد ظهر برّ الله بدون الناموس" [21]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يكتفي بقوله "البرّ"، إنما يصفه "برّ الله" مظهرًا مدي النعمة وعظمة الوعد مادام الله هو مصدرهما.]

إن كان الإنسان قد فشل في نوال البرّ خلال الناموس الطبيعي أو الناموس المكتوب، إذ ظهر كاسرًا للناموس، فإن الله قدّم برّه لنا، باتحادنا مع الآب في ابنه البارّ الذي بلا خطيّة، نحمله في داخلنا، ويحملنا هو فيه، فنحسب به أبرارٌا. فالبرّ الذي صار لنا ليس وليد جهادنا الذاتي ولا طاعتنا الذاتية، إنما هو ثمرة عمل روحه القدوس الذي يهبنا الشرّكة مع الآب في ابنه، فنحمل سمات الابن فينا، ويصير برّه برًا لنا.

بمعني آخر إذ فقد الكل "البرّ" صارت الحاجة إلى برّ الله، الأمر الذي تحدّث عنه الله بلسان النبي إشعياء:

"اسمعوا لي يا أشدّاء القلوب البعيدين عن البرَّ، قد قربت برّي، لا يبعد، وخلاصي لا يتأخر" (إش 46: 12-13).

"قريب برّي، قد برز خلاصي... أمّا خلاصي فإلى الأبد يكون، وبرَّي لا ينُتقص... أمّا برّي فإلى الأبد يكون، وخلاصي إلى دور الأدوار" (إش 51: 5، 8).

"احفظوا الحق واِجروا العدل، لأنه قريب مجيء خلاصي واستعلان برّي" (إش 56: 1).

ثانيًا: بقوله: "ظهر برّ الله". وليس "قدّم برّ الله" يُعلن أن هذا البرّ الإلهي ليس جديدًا، إنما هو في ذهن الله يودّ أن يقدمه لنا، إنما في الوقت المعيّن، لذا يقول: "مشهودًا له من الناموس والأنبياء". وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يودّ أن يقول لهم: لا تضطربوا لأنكم لم تنالوا قبل الآن، ولا تفزعوا... لأن الناموس والأنبياء أشاروا إليه منذ القديم.]

هذا البرّ الذي أنبأ الله به على أفواه الأنبياء، أعلنه في ابنه يسوع المسيح البارّ لحسابنا، إذ يقول: "برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح، إلى كل وعلي الذين يؤمنون، لأنه لا فرق" [22]. أشار الأنبياء على البرّ من بعيد، أمّا المسيح فهو وحده جاء نائبًا عنّا لكي إذ يحمل المؤمنين فيهن ينعمون ببرّ الآب الذي هو أيضًا برّ الابن. هذا ما أعلنه السيد في صلاته الوداعية: "أنا مجّدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته، والآن مجّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 4-5). هذا المجد الأزلي الذي له، يحمله الآن وهو في الجسد كبَرّ إلهي، ليكون لنا برًا نعيشه ونمارسه، فنقول: "الرب برَنا" (إر 23: 6، 33: 16، 51: 10).

ثالثًا: جاء الحكم: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" [24]، جاء حكمًا جامعًا وشاملاً لليهود وللأمم.

في موضع آخر يضم الرسول نفسه بين الخطاة بل ويحسب نفسه "أول الخطاة" (1 تي 1: 15)، بينما نجده أيضًا يقول: "من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لوم" (في 3: 6). فكيف يحسب نفسه أول الخطاة وفي نفس الوقت بلا لوم من جهة البرّ الذي في الناموس؟ يجيب القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه بالنسبة لبرَ الله يُحسب حتى الذين يتبرّرون في الناموس خطاة. ويشبه ذلك بإنسان جمع مالاً وحسب نفسه غنيًا لكنه متي قارن نفسه بالملوك ظهر فقيرًا للغاية وأول الفقراء. [بالمقارنة بالملائكة يُحسب حتى الأبرار خطاة، فإن كان بولس الذي مارس البرّ الذي في الناموس هو أول الخطاة، فأي إنسان آخر يحسب نفسه بارًا؟]

يقول القدّيس أغسطينوس: [جاء المسيح للمرضي فوجد الكل هكذا. إذن لا يفتخر أحد بصحته لئلاّ يتوقف الطبيب عن معالجته... لقد وجد الجميع مرضى، لكنه وجد نوعين من القطيع المريض؛ نوع جاء إلى الطبيب، والتصق بالمسيح، وصار يسمعه ويكرمه ويتبعه فتغيرَ... أمّا النوع الآخر فكان مفتتنًا بمرض الشرّ ولم يدرك مرضه، هذا النوع قال لتلاميذه: "لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟" (مت 9: 11). وقد أجابهم ذاك العارف لهم ولحالهم: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضي".]

إن كان الرسول يعقوب يقول: "من عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 7)، فمن منا لم يعثر في واحدة؟ إذن الكل يحتاج إلى الطبيب، إذ صاروا فاقدين للمجد الحقيقي: "أعوزهم مجد الله".

صارت البشريّة كلها في حالة عوز وجوع إلى "المجد "، لكن للأسف أرادوا أن يشبعوا بمجد الناس لا الله (يو 12: 43).

رابعًا: يبلغ الرسول إلى غاية حديثه، ألا وهو وإن جُرح اليهودي فاقدًا المجد الإلهي لأن الناموس صار فاضحًا لخطاياه عِوض أن يكون مبرّرًا له وممجّدًا، لكنه يتمتّع مع الكل بعمل المسيح الفدائي خلال الدم بخطة إلهية سبق فأعدّها لتظهر في ملء الأزمنة، إذ يقول: "متبرّرين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدّمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار برّه" [24].

إن كان الحكم جماعيًا بأن الكل بلا استثناء قد فقدوا "المجد" الحقيقي وسقطوا في الفساد الداخلي والخارجي، لكن الطبيب يقدّم العلاج "مجّانًا"، لا لأنه علاج رخيص، وإنما لأن ثمنه لا يُقدر، لا يستطيع أن يدفعه سوى الابن، الذي بنعمته قدّم حياته كفّارة عنّا لإظهار برّه فينا. لذلك وقف السيد المسيح ينادي: "من يرد فليأخذ ماء الحياة مجّانًا" (رؤ 22: 17)، أي ماء نعمته المجّانية.

لقد جاء السيد المسيح "كفارة" عنّا، وهو مبدأ سبق فهيأ له في العهد القديم، فقد هيّأ الله كبشًا لإبراهيم يُصعده مُحرقة عِوضًا عن ابنه (تك 22: 13)، أو كفارة عنه. وقد أمر الله موسي أن يقدّم كل واحد فِدْية نفسه للرب (خر 30: 11)، أمّا في العهد الجديد فيقول الرسل:

"هو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضًا" (1 يو 2: 2).

"هو أحبّنا وأرسل ابنه كفّارة لخطايانا" (1 يو 4: 10).

"الذي لنا فيه الفداء (الكفارة) بدمه غفران الخطايا" (أف 1: 7؛ كو 1: 14).

"عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى... بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 19).

خامسًا: بقوله: "ليكون بارًا، ويُبرّر من هو بالإيمان بيسوع المسيح" [26]، يُعلن أن برّه سهل المنال، يُمنح للجميع.

 لذلك يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم مشجعًا كل مؤمن ليتمتع ببرّ المسيح؛ [لا تتشكّك إذن... ولا تبتعد عن برّ الله لأنه بركة سهلة المنال وممنوحة للجميع بلا استثناء. لا تخجل ولا تخزي، لأنه أن كان الله يُعلن استعداده أن يفعل هذا لك، بل ويفرح بذلك ويعتز، فكيف تغتم أنت وتخزى وتخفي وجهك خجلاً ممّا يتمجّد به سيدك؟]

هذا هو عمل الله القدوس وشهوة قلبه، أنه كقدوس يودّ أن يقدس الكل، وقادر على ذلك لكن ليس بدون إرادتنا.

 

يقول القدّيس أغسطينوس: [الله قدوس ويقدِّس، الله بار ويُبرّر.]

سادسًا: ينتهز الرسول هذه الفرصة ليعود فيؤكّد أن برّ المسيح لا يتحقّق بأعمال الناموس بل بالإيمان، قائلاً: "فأين الافتخار؟ قد انتفى. بأي ناموس؟ أبناموس الأعمال؟ كلاّ، بل بناموس الإيمان" [27].

 وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لو كان للناموس فاعلية لظهرت قبل مجيء (الفادي)، أمّا الآن وقد جاء الفادي فإنه لا يطلب غير الإيمان، إذ زالت الحاجة إلى عمل الناموس. ومادام الكل قد سقطوا فقد جاء ليفتديهم بنعمته، وقد جاء الآن لهذا السبب. فلو أنه جاء قبل ذلك ظنوا بأنه من الممكن أن يخلصوا بجهادهم الذاتي وصلاحهم طوعًا للناموس... كأنهم أشبه بإنسان صدر عليه الحكم بالإعدام، وبينما هو مُساق إلى المشنقة صدر العفو الملكي لكنه توقح هذا الإنسان مدعيًا أنه خلّص نفسه بنفسه، أفلا يسخر به الآخرون، قائلين: كان الأولي به أن ينطق بهذا وهو في الطريق إلى المشنقة قبل صدور العفو، أمّا وقد شمله العفو الملكي فلا مجال له للافتخار. هذا هو حال اليهود، إذ خانوا العهد مع أنفسهم، وجاء المسيح يفديهم، نازعًا عنهم سبيل الافتخار. لأن ذاك الذي وصف نفسه أنه معلِّم الأطفال ومهذِّب الأغبياء وله صورة العلم والحق في الناموس، وجد نفسه في حاجة إلى معلِّم ومخلِّص، تمامًا كالذين يَدّعي أنه يعلِّمهم، فكيف يفتخر بعد؟]

سابعًا: إن كان الرسول يؤكّد من وقت إلى آخر أنه لا خلاص بأعمال الناموس الحرفيّة كالخِتان والغسالات والتطهيرات، إنما "بناموس الإيمان" [27] لننعم ببرّ المسيح. فإنه يؤكّد أن للإيمان أيضًا "ناموس"، بمعنى أن للإيمان شريعة أو قانون يلتزم به المؤمن، وليس الإيمان حالة من التشويش أو الاستهتار. فإن كنّا بالإيمان بالمسيح قد تحرّرنا من عبودية حرف الناموس، إنما لنعيش "الحرّية في المسيح"، سالكين بروح لائق بالحياة الإيمانية الخاضعة لقانون الحب أو ناموس السماء أو تدبير الروح الجاد المدقق. لهذا يُعلّق القدّيس أغسطينوس على حديث الرسول بولس: "إذًا نحسب الإنسان يتبرّر بالإيمان بدون أعمال الناموس" [28]، قائلاً: [توجد أعمال تبدو أنها صالحة، لكنها إذ هي خارج الإيمان بالمسيح فهي غير صالحة، لأنها لا تحقّق غاية الأعمال الصالحة، "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرَ لكل من يؤمن" (رو 10: 4). لهذا لا يريدنا الله أن نميز الإيمان عن الأعمال، إنما نعلن الإيمان نفسه بكونه عملاً، إذ الإيمان ذاته عامل بالمحبّة (غل 5: 6) .]

ثامنًا: إذ أوضح الرسول أن الخلاص يتحقّق خلال الإيمان بالمسيح يسوع دون أعمال الناموس الحرفيّة ليفتح الباب على مصراعيه لجميع الأمم، استصعب اليهود أن يدخل الأمم معهم على قدم المساواة، لذلك تساءل الرسول: "أم الله لليهود فقط؟ [29]. وكما يُعلّق الذهبي الفم: [كأنما يقول لهم: على أي أساس يبدو لكم تخطئة مبدأ خلاص الجميع؟ ألعلّ الله يحابي؟ وهكذا يوضّح لهم أنهم باحتقارهم الأمم إنما يهينون مجد الله، لأنهم لا يريدونه إله الجميع. فإن كان إله الكل فإنه يعتني بالكل وبالتالي يخلص الكل بذات الطريق، أي طريق الإيمان.]

هكذا يجيب الرسول على اعتراضهم مظهرًا أن الله "هو الذي سيُبرّر الخِتان بالإيمان، والغُرْلة بالإيمان" [30]... أنه يمطر محبّته على الجميع ليُبرّر الكل، وكما يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [إنه يمطر نعمته الإلهية على الأبرار والظالمين (مت 5: 45) .]

تاسعًا: أوضح الرسول أنه إذ يُعلن فتح باب الخلاص للجميع لا يستخف بالناموس، وإن كان الناموس بأعماله الحرفية يعجز عن تحقيق الخلاص، إذ يقول: "أفنبطل الناموس بالإيمان؟ حاشا، بل نثبت الناموس" [30]. إنه

يثبت الناموس، لا لكي يلزِم الأمم بأعمال الناموس، وإنما يثبته بتحقيق غايته. أنه هبة الله ليفضح شرّنا، فنكشف حاجتنا للخلاص والمخلص، وقد جاء الإيمان يحقّق هذه الغاية في كمالها.

 

تكملة البولس : رومية 4 : 1 - 3

إبراهيم والإيمان

إذ كان الرسول يُعلن عجز أعمال الناموس عن تقديم برّ الله، ليفتح الباب للبشرية كلها فتنعم بهذا البرّ خلال الإيمان، انتقل إلى الحديث عن إبراهيم بكونه أول من نال عهد الخِتان ليوضّح أن إبراهيم أيضًا لم يتبرّر بالخِتان (أعمال الناموس) وإنما بالإيمان، إذ يقول: "فماذا نقول أن أبّانا إبراهيم قد وُجد حسب الجسد، لأنه إن كان إبراهيم قد تبرّر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدي الله [1 – 2]

ويلاحظ في حديث الرسول عن إبراهيم وارتباطه بالإيمان الآتي:

أولاً: "فماذا نقول: أن أبّانا إبراهيم قد وُجد حسب الجسد؟"[ 1 ]كأن الرسول بولس يحدد العلاقة التي تربطهم بإبراهيم كأب إنما هي "حسب الجسد"، الأمر الذي يُضعف صلتهم به ماداموا لا ينعمون بأبوته خلال إيمانه، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:[أنه بهذا يفسح المجال أمام الأمميّين ليدخلوا هم أيضًا في قرابة مع إبراهيم خلال الامتثال بإيمانه.]

ثانيًا : لماذا اختار الرسول بولس إبراهيم مع أنه قد سبقه هابيل الذي قيل عنه "أنه بار"(عب 11: 4)، ونوح الذي قيل أنه كان  "رجلاً بارًا كاملاً في أجياله" ( تك 6: 9)؟

يردّ على ذلك أن الرسول اختار إبراهيم لعدة أسباب رئيسية منها:

أ. أن اليهود كانوا يفخرون بنسبهم لإبراهيم كأب للمؤمنين، فحينما حدّثهم السيد المسيح عن الحرّية، "أجابوه: أننا ذُرّية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا؟" (يو 8: 33). فقد أراد الرسول أن يفنّد هذه الحُجّة.

ب. لم يُدعَ هابيل ولا نوح أبًا للمؤمنين، أمّا إبراهيم فقد جاء عنه: "لأني أجعلك أبًا لجمهور من الأمم"  ( تك 17: 4).

ج. لأن إبراهيم يعتبر حلقة الوصل بين أهل الغُرْلة وأهل الخِتان، عاش متبررًا بالإيمان وهو في الغُرْلة، وإذ نال الوعد الإلهي وتمتع بالخِتان كعلاقة للعهد عاش أيضًا متبررًا بالإيمان وهو في الخِتان. بهذا ضمّ المؤمنين من أهل الغُرْلة وأهل الخِتان في شخصه، خلال الإيمان.

ثالثًا: لا ينكر الرسول بولس أن لإبراهيم أن يفتخر من جهة الأعمال، لكن ليس لدي الله، لأن ما مارسه من أعمال الناموس كالخِتان لا فضل له فيه إنما هو عطيّة الله له خلال العهد الذي أقامه الله معه، وله أيضًا أن يفتخر من جهة الإيمان، بهذا له أن يفتخر لا متعاليًا على الله، وإنما يفتخر أنه ارتمى في حضن الله، ليغتصب بالإيمان مواعيد الله وعهوده، ويحسب بارًا في عينيه. يقول الرسول: "لأنه أن كان إبراهيم قد تبرّر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدى الله، لأنه ماذا يقول الكتاب: فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا" [ 2 – 3 ] .

إن قورن إبراهيم بمعاصريه من البشر فله فخر بأعماله أمام البشر، سواء بكونه أول من اُختتن كعلامة عهد بينه وبين الله أو أعظم معاصريه في الأعمال الصالحة. أمّا أمام الله ففخره الحقيقي أنه اغتصب برّ الله بإيمانه الحيّ العملي، المُعلن خلال طاعته له سواء بالعبادة له وسط جوّ وثني أو بالخروج من أرضه وعشيرته وبيت أبيه (تك 12)، أو عدم محبته للنصيب الأكبر في معاملته مع لوط ابن أخيه (تك 13)، أو حُبّه لإضافة الغرباء (تك 18)، أو شفاعته عن إخوته في البشريّة (تك 18)، أو تقديم ابنه ذبيحة (تك 28) الخ. هذه التصرفات جميعها وغيرها إنما كانت نابعة عن إيمانه بالله وملتحمة به، فجاءت تمجد الله.

بمعنى آخر لم يكن لإبراهيم أن يفتخر بأعمال الناموس في ذاتها، إنما بإيمانه الحيّ العملي الذي به حُسب بارًا في عيني الله فاحص القلوب.
بهذا نوفِّق بين ما يقوله الرسول بولس هنا وبين ما ورد في رسالة معلمنا يعقوب الرسول: "ألم ‍يتبرّر إبراهيم أبونا بالأعمال، إذ قدّم اسحق ابنه على المذبح؟ فترى أن الإيمان عمل من أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان، وتمّ الكتاب القائل: "آمن إبراهيم بالله فحسب له برًا، ودعي خليل الله" ( يع 2 : 21 – 23 )
يُعلن الرسول بولس أن إبراهيم لم يتبرّر أمام الله خلال أعمال الناموس، كالخِتان والتطهيرات والغسالات، إنما تبرّر خلال الإيمان الحيُ، ومعلمنا يعقوب يُعلن أن إبراهيم لم يتبرّر خلال إيمان شفهي نظري جامد إنما خلال الإيمان المترجِّم عمليًا كذبيحة اسحق، وكأن الأعمال التي يذكرها القدّيس يعقوب إنما هي أعمال الإيمان وليست خارج الإيمان! يحذّر الرسول بولس من الاتّكال على حرفيّة أعمال الناموس ويحذّر الرسول يعقوب من الاتّكال على الإيمان الخالي من الأعمال، أو الإيمان النظري غير الحيُ، هذه الأعمال التي يسألنا الرسول بولس أن نمارسها بالمسيح يسوع ربنا، إذ يقول: "لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمالٍ صالحةٍ قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" ( أف 2: 10).

+ + +

 

الأبركسيس من أعمال 7 : 30 – 34

 

30 و لما كملت اربعون سنة ظهر له ملاك الرب في برية جبل سيناء في لهيب نار عليقة
31 فلما راى موسى ذلك تعجب من المنظر و فيما هو يتقدم ليتطلع صار اليه صوت الرب
32 انا اله ابائك اله ابراهيم و اله اسحق و اله يعقوب فارتعد موسى و لم يجسر ان يتطلع
33 فقال له الرب اخلع نعل رجليك لان الموضع الذي انت واقف عليه ارض مقدسة
34 اني لقد رايت مشقة شعبي الذين في مصر و سمعت انينهم و نزلت لانقذهم فهلم الان ارسلك الى مصر

 

العليقة والأرض المقدسة

"ولما كملت أربعون سنة،

في لهيب نار عُلِّيقة". [30]

الآن تبدأ قصة الخروج وموسى في أضعف حالاته كغريبٍ هاربٍ من وجه فرعون. هنا أعلنت السماء تحركها للخلاص، فقد ظهر يهوه على شكل نارٍ متقدة في عليقه، ينزل ليقدس الأرض، ويقود شعبه إلى كنعان. إنها قصة التجسد الإلهي حيث تحمل العذراء مريم في أحشائها جمر اللاهوت، ويقود السيد المسيح البشرية إلى كنعان السماوية، محررًا إياهم من عبودية إبليس.

هنا للمرة الثانية يوضح استفانوس أن ظهور الله لمؤمنيه غير مرتبطٍ بأورشليم؛ ظهر لإبراهيم فيما بين النهرين، وظهر لموسى النبي على جبل سيناء. تقدست الأرض بحلول الله، ليس في هيكل سليمان ولا في قدس الأقداس، وإنما على جبل سيناء... بهذا يدفع استفانوس السامعين إلى عدم التعصب لأرض الموعد ومدينة أورشليم والهيكل، فإن الله يود أن يقدس العالم كله!

+ قطن موسى في البرية؛ فبعد أن أكمل 40 عامًا من عمره هرب من مصر، ولمدة أربعين عامًا رعى قطعان يثرون، أما يوحنا فجاء إلى البرية منذ ولادته. "الأعظم بين مواليد النساء" (مت 11: 11)، كان بالحق مستحقًا أن يتمتع بتربيةٍ أعظم. يقول النبي عنه: "ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك" (ملا 3: 1؛ مت 11: 10).

العلامة أوريجينوس

+ أزال عنه كرامة الملوكيّة بإرادته (إذ ترك قصر فرعون) كأنّها تراب ينفضه بإزالته من قدميه (عب 11: 24-26). عزل نفسه عن المجتمع البشري لمدّة أربعين عامًا، وعاش منفردًا مركّزًا نظره بثبات على العزلة والتأمّل في غير المنظورات (عب 11: 27). بعد هذا استنار بنورٍ لا يعبّر عنه، وحرّر الأجزاء السفليّة التي لنفسه من الثوب الميّت المصنوع من الجلد.

القدّيس غريغوريوس النيسي

يرى القدّيس غريغوريوس النيسي في انطلاق موسى النبي إلى البرّيّة ليعيش فيها أربعين عامًا راعيًا للغنم، رمزًا لانطلاق النفس إلى حياة السكون، ترعى حركاتها الداخليَّة كقطيع، كما كان موسى يرعى الغنم هناك. [بنفس الطريقة سنحيا حياة توحد، فلا نعود نسقط في أشراك أعداء ولا أن نوجد في وسطهم، بل سنحيا بين الذين هم مثلنا في ميولنا وفكرنا التي نقوتها، فترعى كل حركات نفوسنا مثل غنم وتتغذّى على الإرادة التي للفكر المُهتدى.]

"فلما رأى موسى ذلك تعجب من المنظر،

وفيما هو يتقدم ليتطلع،

صار إليه صوت الرب". [31]

ما أدهش موسى النبي هو منظر العليقة التي بها لهيب نار ولم تحترق. إنه منظر عجيب يحمل صورة حية لكلمة الله المتجسد، فقد تجسد ولم يحترق الناسوت بنار اللاهوت الذي لا يُمكن الاقتراب إليه.

يمثل هذا المنظر أيضًا كنيسة الله سواء في العهد القديم أو الجديد؛ فقد كان إسرائيل وسط نار الاضطهاد في مصر ولم يحترق، لأن الله نفسه أرسل لهم موسى، رمز السيد لمسيح، مخلصًا. وتبقى الكنيسة في العهد الجديد وسط نيران الضيقات التي تعجز عن أن تحرقها.

يشير هذا المنظر أيضًا إلى القديسة مريم بكونها حملت كلمة الله في أحشائها، هذا الذي يُدعى نارًا آكله، لكنها لم تحترق، إذ قدسها روحه القدوس، وهيأها لحلول الكلمة فيها وقبول جسدٍ منها.

لم يرَ موسى النبي الجوهر الإلهي، لكنه رأى العليقة الملتهبة نارًا بكونها رمزًا للتجسد الإلهي، لكنه سمع صوت الرب وتعّرف عليه.

"أنا إله آبائك،

إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب،

فإرتعد موسى،

ولم يجسر أن يتطلع". [32]

يتحدث الله مع موسى النبي معلنًا: "أنا إله آبائك، إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب". وكأنه يرجع بذاكرة موسى إلي الوعد الإلهي لهؤلاء الآباء المحبوبين لديه! وقف موسى في رعدةٍ، لا يجسر أن يرفع عينيه ليرى وجه الرب.

كأن الله يعلن لموسى النبي: "أنا هو إله آبائك، إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب؛ كما إني أنا هو إلههم واهب الوعود ومقيم العهد معهم، أنا هو إلهك الذي يقيم معك العهد. موت إبراهيم واسحق ويعقوب لم يعطل العهد، لأنه وإن مات هؤلاء فأنا حي أهبهم الحياة. إنهم في عيني ليسوًا أمواتًا بل أحياء".

صارت الأرض مقدسة، مؤهلة للسجود عليها لله، وليس للدوس عليها بالنعلين. تمتع موسى بالسجود بالروح والحق، وليس في حرفية العبادة وشكلياتها.

ارتعد موسى، ولم يجسر أن يتطلع إلى المنظر، فقد أدرك أن المتحدث هو صوت الرب واهب الوعود لآبائه إبراهيم واسحق ويعقوب. تمتع موسى النبي بصوت الرب، وأدرك ان خلاله يحقق الله إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب وعوده.

لقد أُتهم القديس استفانوس أنه يجدف على الله وعلى موسى (6: 11) وقد كاد اليهود أن يؤلهوا موسى النبي، لهذا مع تقديم القديس استفانوس كل توقيرٍ واحترامٍ لموسى النبي، يكشف هنا أنه إنسان مجرد، عاجز عن التطلع حتى إلى العليقة الملتهبة نارًا، ويرتعد حين يسمع الصوت الإلهي، إنه يخضع للآلام، خاصة للخوف عندما يتجلى مجد الله وينكشف جلاله أمامه.

يرى القدّيس غريغوريوس النيسي في العلّيقة المتّقدة بلهيب نار إشراق النور الإلهي علينا خلال تجسّد الكلمة. فقد صار جسدًا لكي يلقي بنوره على البشر. يقول أيضًا:

 [لئلاّ يظن أحد أن البهاء لم يصدر عن مادة، لم يشرق النور من نجمٍ من بين الكواكب، بل صدر عن علّيقة أرضيّة، فاق في بهائه كل الكواكب السماويّة. نتعلّم من هذا أيضًا سرّ العذراء: النور الإلهي الذي أشرق منها خلال الميلاد على الحياة البشريَّة لم يحرق العلّيقة الملتهبة، كما أن بتوليّتها لم تتحطّم بإنجابها.]

"فقال له الرب:

اخلع نعل رجليك،

لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة". [33]

خلع الحذاء يحمل معنى رمزيًا سبق لنا الحديث عنه في دراستنا لسفر الخروج (ص 3) وفي سفر التثنية (25: 7-10). إذ يرى العلامة أوريجينوس في هذا إشارة إلى التخلي عن محبة الأمور الزمنية الميتة، لأن الأحذية كانت تصنع من جلود الحيوانات بعد ذبحها، وخلع محبة الظهور، لأن الجلد يُستخدم في الطبول التي تعطي أصواتًا عالية بلا عمل إشارة إلى حب المظاهر.

أيضًا جاء في الشريعة أنه إن رفض إنسان الزواج بأرملة أخيه ليقيم له منها نسلاً يخلع حذاءه ويسمى "بيت مخلوع النعلين" (تث 5:25-10)، وكأن موسى عند خلعه الحذاء أعلن أنه ليس بعريس الكنيسة، وهكذا الأسقف أو الكاهن أو الشماس يخلعون أحذيتهم عند دخولهم الهيكل ليؤكدوا أن المسيح وحده هو عريس الكنيسة.

+ لم تُذكر كلمة "هيكل"، ومع ذلك فالموضع مقدس بظهور المسيح وعمله. فإن الموضع أكثر دهشة من قدس الأقداس، إذ لم يُذكر في موضع آخر أن الله ظهر هكذا، ولا قيل أن موسى ارتعد إلاَّ في هذا الموضع.

لقد ظهرت عظمة حنو رعايته...

انظروا كيف يُظهر أن الله بحنوه كما بتأديباته وبمعجزاته قد يقرّبهم إليه، لكنهم بقوا كما هم. الله حاضر في كل موضع، هذا ما يجب أن يتعلموه! إذ نسمع هذه الأمور ليتنا نهرب إليه في ضيقاتنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يعلّمنا النور ما ينبغي علينا أن نفعله حتى نقف داخل أشعّة النور الحقيقي. فإنّه لا يمكن للأقدام المنتعلة (بنعلين جلديين) أن تصعد إلى ذلك العلوّ الذي فيه يُرى نور الحق. لهذا وجب خلع أغطية الجلد الميّتة والأرضيّة عن النفس، هذه التي التحفت بها طبيعتنا في البداية عندما وُجدنا عراة بسبب عصياننا للإرادة الإلهيَّة. عندما نفعل هذا تثمر معرفة الحق وتعلن عن ذاتها.

القدّيس غريغوريوس النيسي

"إني لقد رأيت مشقّة شعبي الذين في مصر،

وسمعت أنينهم،

ونزلت لأنقذهم،

فهلُم الآن أرسلك إلى مصر". [34]

يعتزّ اليهود بموسى النبي جدًا، بكونه القائد العظيم الذي خلّص آباءهم من عبوديّة فرعون لينطلق بهم إلى البرّيّة حتى يرثوا أرض الموعد. الآن يكشف ما وراء حب موسى لشعبه ورعايته وقوّته، إنّها حب اللَّه نفسه الذي نزل بنفسه إليهم إذ رأى وسمع، رأى مشقّتهم، وسمع أنينهم، أمّا موسى فهو مُرسل كأداة في يد اللَّه:

 "فهلمّ الآن أرسلك إلى مصر" [34]. الذي أرسله وهبه نصرت متوالية ونجاحًا في تحقيق رسالته.

يقدم القديس استفانوس ملخصًا لما سجله موسى النبي بالتفصيل في خروج 3: 7-10. أرسله الله إلى مصر، ليصارع فرعون، لا بقدراته وقوته، وإنما بعمل الله فيه. أرسله بعد أن عانى الشعب المشقة، وارتفع أنينهم إلى السماء، حتى يخرج بهم إلى البرية ليعيشوا قرابة أربعين سنة، فيفنى الجيل الذي حمل أوثان مصر في قلبه، ويدخل بجيلٍ جديدٍ إلى ارض الموعد.

ينسى الإنسان الله ويتجاهله، لكن الله لا ينسى الإنسان أينما وجد. لقد نزل إليهم ليسمع أنينهم وينقذهم، منفذًا وعوده ومخلصًا إياهم.

+ من البداية قال لآدم: "بعرق جبينك تأكل خبزك" (تك ٣: ١٩). أيضًا لكي يخرجوا من الألم الشديد إلى الراحة، كان يلزمهم أن يشكروا الله. اسمعوا ما يقوله النبي: "خير لي أنك أذللتني" (مز ١١٩: ٧١). فإن كان الضيق نافع جدًا للعظماء المشهورين، فكم بالأكثر بالنسبة لنا.

+ لنخضع نحن أنفسنا للصلاة. إنها سلاح قدير إن قُدمت بغيرةٍ، إن كانت بدون عجبٍ، إن كانت بذهنٍ مُخلصٍ. إنها تصد حروبًا، وتفيد الأمة كلها مع عدم استحقاقها. يقول: "سمعت أنينهم ونزلت لأنقذهم" [34].

 إنها هي عينها دواء منقذ، له قوة لمنع الخطايا وشفاء الأفعال الشريرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

+        +        +

مزمور إنجيل القداس : 45 : 10،11

اسمعى يا بنت وانظرى واميلى أذنك وانسى شعبك وبيت أبيك ،

فيشتهى الملك حسنك لأنه هو سيدك فاسجدى له

 

إنجيل القداس من لوقا 1 : 26 – 38

26 و في الشهر السادس ارسل جبرائيل الملاك من الله الى مدينة من الجليل اسمها ناصرة
27 الى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف و اسم العذراء مريم
28 فدخل اليها الملاك و قال سلام لك ايتها المنعم عليها الرب معك مباركة انت في النساء
29 فلما راته اضطربت من كلامه و فكرت ما عسى ان تكون هذه التحية
30 فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لانك قد وجدت نعمة عند الله
31 و ها انت ستحبلين و تلدين ابنا و تسمينه يسوع
32 هذا يكون عظيما و ابن العلي يدعى و يعطيه الرب الاله كرسي داود ابيه
33 و يملك على بيت يعقوب الى الابد و لا يكون لملكه نهاية
34 فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا و انا لست اعرف رجلا
35 فاجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله
36 و هوذا اليصابات نسيبتك هي ايضا حبلى بابن في شيخوختها و هذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرا
37 لانه ليس شيء غير ممكن لدى الله
38 فقالت مريم هوذا انا امة الرب ليكن لي كقولك فمضى من عندها الملاك


 

 

البشارة بالتجسّد الإلهي

"وفي الشهر السادس أٌرسل جبرائيل الملاك من الله

إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة،

إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف ، واسم العذراء مريم..." [26-27].

أولاً: منذ خمسة أشهر سبق فبشَّر الملاك زكريَّا الكاهن، والآن مع بداية الشهر السادس جاء يبشِّر القدّيسة مريم، لكن شتَّان بين البشارتين. حقًا إن البشارة الأولى تمَّت داخل الهيكل أثناء العبادة الجماعيّة، رافقها زكريَّا أمام الجميع وتحدَّث عنها الكهنة، إذ تمَّت مع زميلهم الكاهن، لكن كانت بشارة بميلاد أعظم مواليد النساء يوحنا السابق خادم الكلمة؛ أما البشارة الثانية فتمَّت في بيت مجهول في قريّة فقيرة بطريقة سريّة لم يلمسها حتى صاحب البيت نفسه "يوسف النجار"، وقد كانت بشارة بتجسّد الكلمة ذاته! لقد أخلى الابن ذاته، حتى في البشارة به لم تتم به بين كهنة، ولا في داخل الهيكل، ولا على مستوى الجماعة، إنما تمَّت مع فتاة فقيرة في مكان بسيط.

ثانيًا: أٌرسل الملاك إلى "عذراء مخطوبة لرجل"، لماذا لم يُرسل إلى عذراء غير مخطوبة؟

أ. يجيب العلامة أوريجينوس بأن وجود الخاطب أو رجل مريم ينزع كل شكٍ من جهتها عندما تظهر علامات الحمل عليها، ويقول القدّيس أمبروسيوس: [ربَّما لكي لا يُظن أنها زانية. ولقد وصفها الكتاب بصفتين في آن واحد، أنها زوجة وعذراء. فهي عذراء لأنها لم تعرف رجلاً، وزوجة حتى تُحفظ ممَّا قد يشوب سمعتها، فانتفاخ بطنها يشير إلى فقدان البتوليّة (في نظر الناس). هذا وقد اِختار الرب أن يشك البعض في نسبه الحقيقي عن أن يشكُّوا في طهارة والدته... لم يجد داعيًا للكشف عن شخصه على حساب سمعة والدته.]

+ كانت الخطبة حسب التقليد اليهودى تعادل الزواج حاليًا في كل شيء ماخلا العلاقات الجسديّة، لهذا دعيت القدّيسة مريم "امرأة يوسف".

ب. يرى العلامة أوريجينوس نقلاً عن القدّيس أغناطيوس أن وجود يوسف يشكِّك الشيطان في أمر المولود ويُربكه من جهة التجسّد الإلهي. وقد قدَّم لنا القدّيس أمبروسيوس ذات الفكر حين قال: [هناك سبب آخر لا يمكن إغفاله وهو أن رئيس هذا العالم لم يكتشف بتوليّة العذراء، فهو إذ رآها مع رجلها لم يشك في المولود منها، وقد شاء الرب أن ينزع عن رئيس هذا العالم معرفته. هذا ظهر عندما أوصى السيِّد تلاميذه ألا يقولوا لأحد أنه المسيح (مت 16: 22)، كما منع الذين شفاهم من إظهار اسمه (مت 5: 4) وأمر الشيَّاطين ألا تتكلَّم عن ابن الله (لو 4: 35). يؤيِّد ما ذكره الرسول أيضًا: "بل نتكلَّم بحكمة الله في سّر، الحكمة المكتومة التي سبق الله فعيَّنها قبل الدهور لمجدنا، التي لم يعملها أحد من عظماء هذا الدهر، لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 7-8)... إذن لقد توارى الرب عن إبليس لأجل خلاصنا. توارى لكي ينتصر عليه، توارى عنه في التجربة، وحين كان يصرخ إليه ويلقبِّه "ابن الله" لم يؤكِّد له حقيقة لاهوته. توارى الرب أيضًا عن رؤساء البشر. وبالرغم من تردّد إبليس حين قال: "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل" (مت 4: 6) إلا أن الأمر قد انتهى بمعرفته إيَّاه، فقد عرفتْهُ الشيَّاطين حين صرخت: "ما لنا ولك يا يسوع ابن الله أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذِّبنا؟!" (مت 8: 29). لقد عرفتْه الشيَّاطين إذ كانت تترقَّب مجيئه، أما رؤساء العالم فلم يعرفوه... استطاع الشيطان بمكر أن يكشف الأمور المكتوبة أما الذين اقتنصتهم كرامات هذا العالم فلم يستطيعوا أن يعرفوا أعمال الله.]

ثالثًا: كرَّر الإنجيلي كلمة "عذراء" وكأنه أراد تأكيد عذراويَّتها ليعلن أن السيِّد المسيح ليس من زرع بشر. هذا ما أعلنه حزقيال النبي بقوله عن الباب الشرقي: "هذا الباب يكون مغلقًا لا يُفتح، ولا يدخل منه إنسان، لأن الرب إله إسرائيل دخل منه فيكون مغلقًا، الرئيس، الرئيس هو يجلس فيه" (حز 44: 2-3). ولذلك جاء في الطقس البيزنطي عن السيِّدة العذراء: [السلام لكَ، أيها الباب الفريد الذي عبر منه الكلمة وحده.]

إنها عذراء وزوجة (عروس) في نفس الوقت، إذ تمثِّل العضو الأول في الكنيسة العذراء عروس المسيح، وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [كانت مريم الزوجة العذراء تمثِّل في آن واحد الكنيسة العروس التي بلا عيب. فالكنيسة عروس المسيح البتول، حبلت بنا بالروح القدس وولدتنا بغير ألم، ومريم حبلت بالروح لا بالزواج، وهكذا صارت تمثِّل كل الكنائس التي تثمر بالروح والنعمة، وإن كانت تتَّحد ظاهريًا تحت لواء راعٍ بشري.]

يقول القدّيس أغسطينوس: [كما ولدت مريم ذاك الذي هو رأسكم، هكذا ولدتكم الكنيسة، لأن الكنيسة هي أيضًا أم وعذارء، أم في أحشاء حبنا، وعذراء في إيمانها غير المزعزع. هي أم لأمم كثيرة الذين يمثِّلون جسدًا واحدًا، وذلك على مثال العذراء أُم الكثيرين وفي نفس الوقت هي أُم للواحد.]

يقول القدّيس كيرلس الكبير: [لنُطوِّب مريم دائمة البتوليّة بتسابيح الفرح، التي هي نفسها الكنيسة المقدَّسة.]

رابعًا: يحدّد الإنجيل اسم المدينة التي جاء إليها الملاك ليلتقي بالقدّيسة العذراء مريم، وهى "ناصرة". مدينة في الجليل بشمال فلسطين، تبعد 88 ميلاً شمال أورشليم، و15 ميلاً جنوب غربي طبريّة. عاش فيها القدّيس يوسف والقدّيسة العذراء مريم، وقد قضى السيِّد المسيح القسط الأوفر من الثلاثين عامًا الأولى في حياته فيها (لو 3: 23؛ مر 1: 9)، فدُعيَ بالناصري (مت 12: 11؛ مر 1: 24). إذ بَدَأ رسالته رفضَهُ أهلها مرّّتيْن (لو 4: 28-31؛ مت 4: 13؛ 13: 54-58؛ مر 6: 1-6). تقع على تل (لو 4: 29)، ولم يكن لها أهميّة تُذكر، فلم ترد في العهد القديم، ولا في وثائق الدول العظمى قبل مجيء المسيح، ولا في كتابات المؤرِّخ اليهودي يوسيفوس. لعلَّ كلمة "ناصرة" تعني "قضيب" أو "غصن"... ولهذا السبب كثيرًا ما دُعي السيِّد المسيح بالغُصن.

خامسًا: جاءت تحيّة الملاك: "سلامٌ لكِ أيَّتها الممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة أنت في النساء" [28]. لم تكن بالتحيّة العاديّة وإنما جاءت تحيَّة فريدة، حملت كل معنى الفرح، فالكلمة اليُّونانيّة "شيريه" التي تُرجمت هنا "سلام" ورد فعلها حوالي 80 مرة في الترجمة السبعينيّة للعهد القديم، تُرجم نصفها "يفرح" والنصف الآخر استخدم للتعبير عن فرح شعب الله بعمل مثير يمس خلاصهم. وكأن القدّيسة مريم قد نالت باسم الكنيسة كلها التي هي عضو فيها فرحًا فائقًا خلال تجسّد الله الكلمة وحلوله فيها.

فيما يلي بعض التعليقات للآباء على هذه التحيّة الفريدة:

+ انفردت بدعوتها "الممتلئة نعمة"، إذ وحدها نالت النعمة التي لم يقتنيها أحد آخر غيرها، إذ امتلأت بمواهب النعمة.

القدّيس أمبروسيوس

+ هذا الميلاد مطلقًا هو نعمة، فيه تمَّ الاتِّحاد، اتِّحاد الإنسان بالله، والجسد بالكلمة... لم تكن الأعمال الصالحة هي الاستحقاق لتحقيقه.

القدّيس أغسطينوس

+ التحفت بالنعمة الإلهيّة كثوب، امتلأت نفسها بالحكمة الإلهيّة،

في القلب تنعَّمت بالزيجة مع الله،وتسلَّمت الله في أحشائها!

الأب ثيؤدسيوس أسقف أنقرة

 

سمعت القدّيسة مريم الملاك يقول لها: "الرب معكِ"، وكان لهذا التعبير مفهومه الخاص بالنسبة لها، فقد ذاقت معيّة الله على مستوى فريد، إذ حملت كلمة الله في أحشائها، وقدَّمت له من جسدها ودمها!

"مباركة أنت في النساء"... وكما يقول العلامة أوريجينوس: [الفرح الذي بوَّق به جبرائيل لمريم نزع حكم الحزن الصادر من الله ضد حواء]، [كما بدأت الخطيّة بالمرأة وبعد ذلك عبرت إلى الرجل، هكذا بدأت البشارة بالنسوة (مريم واليصابات).]

سادسًا: "فلما رأتهُ اضطربت من كلامه وفكَّرت ما عسى أن تكون هذه التحيّة. فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله" [29-30].

يقول القدّيس جيروم: [لقد اضطربت ولم تستطع أن تجاوبه، إذ لم يسبق لها أن قدَمت تحيّة لرجلٍ من قبل، لكنها إذ عرفته من هو أجابته، هذه هي التي كانت تخاف الحديث مع رجل، صارت تتحدَّث مع ملاك بلا خوف.]

هكذا يرى كثير من الآباء أن السيِّدة العذراء كنموذج حيّ للعذارى اللواتي تكرَّسن للعبادة يسلُكن بحياءٍ شديدٍ، ولا يلتقين برجالٍ، بل يقضين حياتهنَّ في بيوتهنَّ أو في بيوت العذارى، لا يتعاملْن مع الرجال. لكننا لا نستطيع أن ننكر أن مع ما اتَّسَمت به العذراء من حياء شديد وتكريس كامل لحساب الرب، وعدم رغبتها في الزواج، كما يظهر من قولها للملاك: "كيف يكون لي هذا وأنا لست أعرف رجلاً" لكنها كانت الإنسانة الفعّالة في الجماعة المقدَّسة. فعّالة بصلواتها وتقواها، وفعّالة أيضًا بقبولها عطيّة الله الفائقة (تجسّد الكلمة في أحشائها)، وفعّالة في الخدمة، ففي أول معجزة للسيِّد المسيح طلبت منه "ليس لهم خمر" (يو 2: 3)، ورافقت السيِّد حتى الصليب، وبعد الصعود كانت مع التلاميذ تسندهم. فالبتوليّة لا تعني السلبيّة، إنما إيجابيّة الحّب الباذل المُعلن خلال العبادة والعمل، في حدود مواهب الإنسان التي يتسلّمها من الرب نفسه. لذلك يقول القدّيس أغسطينوس: [لا تكرم البتوليّة من أجل ذاتها، وإنما لانتسابها لله.]

سابعًا: جاء الوعد الإلهي للقدّيسة مريم على لسان الملاك:

"وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمِّينه يسوع.

هذا يكون عظيمًا وابن العلي يُدعى،

ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه،

ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد،

ولا يكون لمُلكه نهاية" [31-33].

تمتَّعت القدّيسة مريم بهذا الحبل الإلهي، إذ تجسّد ابن العلي فيها، هذا الذي ترقبه رجال العهد القديم كملكٍ يجلس على كرسي داود ويملك أبديًا، وكمخلِّصٍ لذا يدعى "يسوع" الذي يعني "يهوه خلاصي".

+ ليس من يشبه والدة الإله، فإنَّك وأنت تسكنين الأرض صرِت أُمًا للخالق.

(بارالكس) لحن البركة

+ إن كان ابن الله قد صار ابنًا لداود، فلا تشك يا ابن آدم أنك تصير ابنًا لله.

إن كان الله قد نزل أعماقًا كهذه، فإنَّه لم يفعل هذا باطلاً، إنما ليرفعنا للأعالي!

وُلد بالجسد، لكي تولد أنت ثانية حسب الروح.

وُلد من امرأة، لكي تصير أنت ابنًا لله.

القدّيس يوحنا ذهبي الفم

ثامنًا: إذ سمعت القدّيسة مريم الوعد الإلهي بروح التواضع وفي إيمان، دُهشت إذ كان الوعد فريدًا لم يُسمع في الكتب المقدَّسة إنسانًا ناله، لهذا تساءلت:

"كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟!.

فأجاب الملاك، وقال لها:

الروح القدس يحلُّ عليكِ، وقوّة العليّ تظلِّلك،

فلذلك أيضًا القدِّوس المولود منك يُدعى ابن الله" [34-35].

أ. يظهر من حديث العذراء أنها قد نذرت البتوليّة، فلو أنها كانت تود الزواج لما قالت هكذا، بل تقول: "متى يكون هذا؟!" منتظرة تحقيق الوعد خلال الزواج. لقد وضعت في قلبها أن تكون بتولاً للرب، فحلّ البتول فيها، ليُقدِّس فيها بتوليّة الكنيسة الروحيّة. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [اليوم تحتفل الكنيسة البتول بالميلاد البتولي... فقد أكّد السيِّد المسيح بتوليّة القلب التي يريدها للكنيسة أولاً خلال بتوليّة جسد مريم. فالكنيسة وحدها هي التي تستطيع أن تكون بتولاً فقط حين ترتبط بعريس، ألا وهو ابن البتول، إذ تقدِّم له ذاتها تمامًا.]

ب. يقول القدّيس أمبروسيوس: [لم ترفض مريم الإيمان بكلام الملاك، ولا اعتذرت عن قبوله، بل أبدت استعدادها له، أما عبارة: "كيف يكون هذا؟" فلن تنم عن الشك في الأمر قط، إنما هو تساؤل عن كيفيّة إتمام الأمر... إنها تحاول أن تجد حلاً للقضيّة... فمن حقِّها أن تعرف كيف تتم الولادة الإعجازيّة العجيبة.] لذلك جاءت إجابة الملاك لها تكشف عن سرّ عمل الله فيها لتحقيق هذه الولادة: "الروح القدس يحلُّ عليك، وقوّة العليِّ تظلِّلك، فلذلك أيضًا القدِّوس المولود منك يُدعى ابن الله".

الروح القدس يحلُّ عليها لتقديسها، روحًا وجسدًا، فتتهيَّأ لعمل الآب الذي يُرسل ابنه في أحشائها يتجسّد منها. حقًا يا له من سرّ إلهي فائق فيه يًعلن الله حبُّه العجيب للإنسان وتكريمه له!

أما هذا الإعلان أحنت رأسها بالطاعة لتقول: "هوذا أنا أَمَة الرب ليكن لي كقولك" [38].

شك زكريَّا الكاهن في إنجاب زوجته، والبتول آمنت، وفي طاعتها قبِلت عمل الله، وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [لقد سَمت بإيمانها على الكاهن؛ فالكاهن أخطأ وتوارى، والعذراء قامت بإصلاح الخطأ.] هكذا صمت زكريَّا بسبب شكِّه وحملت العذراء بالكلمة المتجسّد أو النطق الإلهي الذي لن يصمت.

يرى القدّيس إيريناؤس أن طاعة القدّيسة مريم قد حلَّت موضع عِصيان أُمِّها حواء؛ الأخيرة بعِصيانها عقَّدت الأمر، وجاءت ابنتها تحِل العقدة بالطاعة.

ويرى اللاهوتيون أنه في هذه اللحظات التي قدَّمت الطاعة لله والخضوع قبلت التجسُّد، إذ لم يكن ممكنًا أن يتم التجسّد بغير إرادتها وقبولها للعمل، إذ يقدِّس الله الحريّة الإنسانيّة.

يقول القدّيس أمبروسيوس: [إنها تصف نفسها أَمََة للرب مع أنها اُختيرت أُمًا له، فإنَّ الوعد الذي تحقّق لم يُسقطها في الكبرياء.] ويقول القدّيس أغسطينوس أن السيِّد المسيح المتواضع لا يُعلِّم أُمة - في الحبل به- الكبرياء بل التواضع!

+        +         +

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt