طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات  الأحد الأول من شهر كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 13 : 1 ، 3

مر 14 : 3 - 9

مز 102 : 19 ، 21

مر 12 : 41 - 44

رومية 1

1 - 17

يع 1

1 - 18

أع 1

1 - 14

مز 102 : 13 ، 16

لو 1 : 1 - 25

مزمور عشية : مز 13 : 1 ، 3

+ إلى متى يارب تنسانى كل النسيان . إلى متى تحجب وجهك عنى ... انظر واستجب لى يارب إلهى . أنر عينى لئلا أنام نوم الموت .

 

إنجيل عشية من مرقس 14 : 3 – 9

3 و فيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الابرص و هو متكئ جاءت امراة معها قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن فكسرت القارورة و سكبته على راسه
4 و كان قوم مغتاظين في انفسهم فقالوا لماذا كان تلف الطيب هذا
5 لانه كان يمكن ان يباع هذا باكثر من ثلاث مئة دينار و يعطى للفقراء و كانوا يؤنبونها
6 اما يسوع فقال اتركوها لماذا تزعجونها قد عملت بي عملا حسنا
7 لان الفقراء معكم في كل حين و متى اردتم تقدرون ان تعملوا بهم خيرا و اما انا فلست معكم في كل حين
8 عملت ما عندها قد سبقت و دهنت بالطيب جسدي للتكفين
9 الحق اقول لكم حيثما يكرز بهذا الانجيل في كل العالم يخبر ايضا بما فعلته هذه تذكارا لها

كسر قارورة الطيب

"وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكئ

جاءت امرأة معها قارورة طيب نادرين خالص كثير الثمن،

فكسرت القارورة وسكبته على رأسه" [3].

كان السيد في بيت عنيا، أي في بيت العناء أو الألم، عيناه تنظران إلى الصليب بسرور، كقول الرسول بولس: "الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب 12: 2). وكان يرى التحركات الضخمة والسريعة بين جميع القيادات اليهودية المتضاربة، تعمل معًا لأول مرة بهدف واحد، هو الخلاص منه! وسط هذا الجو المّر وُجدت امرأة استطاعت أن تلتقي به في بيت سمعان الأبرص لتقدم حبها الخالص وإيمانها الحيّ العملي، لتتقبل من السيد مديحًا ومجدًا أبديًا!

التقت بالسيد في بيت سمعان الأبرص، وقد دُعي هكذا لأنه كان أبرصًا وطهره السيد، وقد حمل هذا الاسم تذكارًا لما كان عليه ليمجد السيد المسيح الذي طهّره.

ولعل بيت سمعان الأبرص يشير إلى الكنيسة التي ضمت في داخلها من الشعوب والأمم أولئك الذين سبقوا فتنجسوا ببرص الخطية وقد طهرههم السيد بدمه المبارك! في هذه الكنيسة توجد امرأة، لم يذكر الإنجيلي اسمها ولا مركزها إذ هي تشير إلى كل نفس صادقة في لقائها مع السيد.

تشير قارورة الطيب الناردين الخالص كثير الثمن إلى الحب الداخلي، حب النفس لمخلصها، هذا الذي رائحته تملا الكنيسة كلها وترتفع إلى السماوات عينها، إن كسرت القارورة، أي احتمل الإنسان الألم وقبل الموت اليومي من أجل المصلوب.

إن كان اسم السيد المسيح دهن مهراق (1: 2)، فاحت رائحته الذكية حين أُهرق دمه مجتازًا المعصرة وحده، فإن الكنيسة بدورها تقدم حياتها مبذولة كقارورة طيب منكسرة لتعلن رائحة محبتها الداخلية.

أما عن سكب الطيب على رأس السيد، ففي نص منسوب للقديس جيروم قيل أن المرأة سكبت الطيب من القدمين حتى بلغت الرأس، لكن الإنجيلي حسبها سكبته على رأسه. ولعل ذلك يشير إلى نظرة السيد المسيح إلى أعمال المحبة أنها جميعًا تقدم لحسابه. فما قدمه للفقراء والمساكين والمرضى والمسجونين والمتضايقين والحزانى من أعمال محبة إنما يتقبله السيد المسيح نفسه كرأسٍ الكل. بمعنى آخر نحن نسكب الطيب على الأعضاء فيُنسب هذا العمل إلى الرأس، ويحسبنا سكبناه عليه.

لم يطق يهوذا محب الفضة هذا العمل الكنسي المفرح، إذ كان يود أن يُقدم ثمن القارورة له ليضعه في الخزانة لحساب الفقراء فينهبه. لهذا أثار تبرمًا وسط المحيطين به، إذ يقول الإنجيلي:

"وكان قوم مغتاظين في أنفسهم، فقالوا: لماذا كان تلف الطيب هذا؟ لأنه كان يمكن أن يُباع هذا بأكثر من ثلاث مئة دينار ويعطى للفقراء وكانوا يؤنبونها" [5].

لم يهتم يهوذا أنه يفقد حياته كلها وخلاصه الأبدي، لكنه أثار نفوس التلاميذ لأجل ما يراه فقدانًا بالنسبة لأكثر من ثلاثمائة دينار!

في نص منسوب للقديس جيروم ورد التفسير للقصة بمفهوم رمزي، إذ قيل:

[سمعان الأبرص يعني العالم الذي كان دنسًا (أبرصًا بعدم الإيمان) لكنه تحوّل إلى الإِيمان. المرأة بقارورة الطيب إيمان الكنيسة القائلة: "أفاح نارديني رائحته" (نش 1: 12). دُعي ناردين خالص بكونه الإِيمان الثمين. البيت الذي امتلأ من رائحته هو السماء والأرض. أما كسر القارورة فهو كسر الشهوات الجسدية عند الرأس الذي به تشكّل الجسد كله، فقد تنازل الرأس وأخلى ذاته حتى يستطيع الخاطيء أن يبلغ إليه. هكذا انطلقت المرأة من القدمين إلى الرأس، ونزلت من الرأس إلى القدمين، أي بلغت بالإِيمان إلى المسيح وأعضائه.]

لقد حسب يهوذا هذا الطيب خسارة، لأن يساوي أكثر من ثلاثمائة دينار، ولم يدرك أن ما قد حسبه خسارة هو ربح في عيني الرب الذي يشتاق أن يتقبل من كل إنسان ذات الطيب. فان رقم 300 يشير إلى تقديس الإنسان تقديسًا كاملاً خلال الطاعة لوصية الله في الداخل والخارج فإن كان رقم 300 هو محصلة (10×10×3)، فإن رقم 10 الأولى تشير إلى طاعة الوصية (الوصايا العشر)، ورقم 10 الثاني يشير إلى تقديس الحواس الخفية (خمسة حواس) والظاهرة، ورقم 3 يشير إلى تقديس النفس والجسد والروح بالتمتع بالحياة المقامة التي في المسيح يسوع الذي قام في اليوم الثالث، كما يشير رقم 3 إلى تقديس النفس والجسد والروح خلال الإيمان بالثالوث القدوس.

على أي الأحوال إن كانت هذه المرأة قد انتقدها الناس لكنها تمتعت بمديح الرب نفسه الذي أعلن ارتباط قصتها بالكرازة بإنجيله في العالم كله!

أخيرًا فان قصة سكب الطيب على السيد المسيح وردت في الأناجيل الأربعة (مت 26: 6؛ مر 14: 3؛ لو 7: 21؛ يو 12: 3). وواضح من الأناجيل أن سكب الطيب تكرر أكثر من مرة، وقد اختلفت الآراء في تحديد شخصيات هؤلاء النسوة اللواتي سكبن الطيب، غير أن الرأي السائد هو:

أولاً: المرأة المذكورة في إنجيل يوحنا هي مريم أخت لعازر.

ثانيًا: المرأة المذكورة في إنجيل لوقا هي خاطئة قامت بهذا العمل إثناء خدمة السيد.

ثالثًا: المرأة المذكورة في إنجيلي متى ومرقس سكبت الطيب في أيام البصخة، يرى البعض أنها غير الخاطئة، ويرى آخرون أنها هي بعينها الخاطئة سكبته وهي خاطئة تطلب بدموع المغفرة وأخرى تقدمه طيب حب وشكر أثناء البصخة، بل ويرى آخرون أنها مريم أخت لعازر ومرثا.

+      +      +

مزمور باكر : مز 102 : 19 ، 21

 

لأنه أشرف من علو قدسه الرب من السماء إلى الأرض نظر ... لكى يحدث فى صهيون باسم الرب وبتسبيحه فى أورشليم  

 

إنجيل باكر من مرقس 12 : 41 – 44

41 و جلس يسوع تجاه الخزانة و نظر كيف يلقي الجمع نحاسا في الخزانة كان اغنياء كثيرون يلقون كثيرا
42 فجاءت ارملة فقيرة و القت فلسين قيمتهما ربع
43 فدعا تلاميذه و قال لهم الحق اقول لكم ان هذه الارملة الفقيرة قد القت اكثر من جميع الذين القوا في الخزانة
44 لان الجميع من فضلتهم القوا و اما هذه فمن اعوازها القت كل ما عندها كل معيشتها

الأرملة المحبة والفلسان

إن كانت كل قوى القيادات اليهودية قد تكاتفت معًا لمقاومة السيد، فقد وُجدت أرملة فقيرة مملوءة حبًا لله والناس قدمت كل أعوازها - أي فلسين - في خزانة الهيكل، فحسبها الرب أفضل من مقدمي الذهب الكثير والفضة، إذ قال: "الحق أقول لكم أن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة. لأن الجميع من فضلتهم ألقوا، وأما هذه فمن إعوازها ألقت كل ما عندها كل معيشتها" [44-43].

في نص منسوب للقديس جيروم يرى الكاتب في نفسه أنه هو الأرملة الفقيرة إذ يقدم في قلوب الناس كما في خزانة الهيكل فلسين هما الشرح المبسط للإيمان التابع عن العهدين القديم والجديد، يجد له مكانًا في قلوب سامعيه بالروح القدس ليترجمه الروح إلى حياة عملية في الفكر والقول والعمل.

ويرى الأب ثيؤفلاكتيوس هذه المرأة رمزًا للنفس المؤمنة التي ترملت إذ مات رجلها الأول الذي باعت نفسها له أي إبليس، وتقدمت لعريسها الجديد بالفلسين أي النفس والجسد، تقدمهما خلال التواضع والنسك، تهبه كل حياتها ليعمل فيها.

ويرى القديس أغسطينوس في الفلسين (رقم 2) إشارة للحب، فإننا لا نستطيع نقترب إلى مقدسات الله، ولا يتطلع الرب إلى تقدماتنا أن لم تنبع عن قلب متسم بالحب لله والناس. بالحب ننعم بالمقدسات وتكريم الرب لنا.

هذا وقد فتحت هذه الأرملة الباب أمام جميع المؤمنين لإدراك مفهوم العطاء الحقيقي. إنه عطاء القلب الداخلي الذي يفرح قلب الله، وليس مجرد العطاء الظاهر، فمن كلمات الآباء في هذا الشأن:

+ ألم تفق (هذه الأرملة) فيض غناك بسبب استعدادها الداخلي؟ كتب الحكيم بولس شيئًا من هذا النوع: "لأنه إن كان النشاط موجودًا (الإرادة حاضرة)، فهو مقبول على حسب ما للإنسان، لا على حسب ما ليس له" (2 كو 8: 12). ليس فقط الغني ينال نعمة من الله بتقديمه ثمرًا للإخوة، فإن مخلص الجميع يقبل ذبيحته، وإنما أيضًا يهب نعمة للذي يقدم قليلاً لأنه يملك القليل، ولا يخسر الأخير شيئًا بسبب قلة ما يملكه. فإن الله ناظر الكل يمدح استعداده الداخلي ويقبل نيته ويجعله مساويًا للغني، بل بالحري يهبه إكليلاً أعظم كرامة مما للغني.

القديس كيرلس الكبير

+ أتقول ليس لك قدرة على تقديم أعمال رحمة؟... فَلَكَ لسان، أيا كان فقرك فلك قدمان بهما تزور المريض وتفتقد في السجن. لك سقف تستقبل تحته غرباء. ليس هناك عذر قط لمن لا يمارس عمل الرحمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ ما اشترت به الأرملة بفلسين اشتراه بطرس بتركه الشباك (مت 4: 20)، وزكا بتقديمه نصف أمواله (لو 19: 8).

+ أي شيء يا إخوة أكثر قدرة من أنه ليس فقط زكا اشترى ملكوت السماوات بنصف أمواله (لو 19: 8)، وإنما اشترته الأرملة بفلسين، ليملك الاثنان نصيبًا متساويًا؟ أي شيء أقدر من هذا أن ذات الملكوت الذي يتأهل له الغني بتقديم كنوزه يناله الفقير بتقديم كأس ماء بارد! (مت 10: 42)

+ قليل هو مالها، لكن عظيم هو حبها.

القديس أغسطينوس

+ من يقدم نفسه لله إنما يقدم كل شيء له دفعة واحدة.

+ مع كونها أرملة فقيرة، لكنها كانت أغنى من كل شعب إسرائيل.

+ مثل هذه التقدمات لا تُقدر بوزنها، بل بالإرادة الصالحة التي قُدمت بها.

القديس جيروم

+       +       +

البولس من رومية 1 : 1 – 17

 

1 بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولا المفرز لانجيل الله
2 الذي سبق فوعد به بانبيائه في الكتب المقدسة
3 عن ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد
4 و تعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الاموات يسوع المسيح ربنا
5 الذي به لاجل اسمه قبلنا نعمة و رسالة لاطاعة الايمان في جميع الامم
6 الذين بينهم انتم ايضا مدعوو يسوع المسيح
7 الى جميع الموجودين في رومية احباء الله مدعوين قديسين نعمة لكم و سلام من الله ابينا و الرب يسوع المسيح
8 اولا اشكر الهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم ان ايمانكم ينادى به في كل العالم
9 فان الله الذي اعبده بروحي في انجيل ابنه شاهد لي كيف بلا انقطاع اذكركم
10 متضرعا دائما في صلواتي عسى الان ان يتيسر لي مرة بمشيئة الله ان اتي اليكم
11 لاني مشتاق ان اراكم لكي امنحكم هبة روحية لثباتكم
12 اي لنتعزى بينكم بالايمان الذي فينا جميعا ايمانكم و ايماني
13 ثم لست اريد ان تجهلوا ايها الاخوة انني مرارا كثيرة قصدت ان اتي اليكم و منعت حتى الان ليكون لي ثمر فيكم ايضا كما في سائر الامم
14 اني مديون لليونانيين و البرابرة للحكماء و الجهلاء
15 فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم انتم الذين في رومية ايضا
16 لاني لست استحي بانجيل المسيح لانه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي اولا ثم لليوناني
17 لان فيه معلن بر الله بايمان لايمان كما هو مكتوب اما البار فبالايمان يحيا

 

نشأة المسيحية بروما

لم يذكر العهد الجديد شيئًا عن تأسيس هذه الكنيسة، كما لا يُعرف من الذي قدّم الشعلة الأولى للإيمان هناك، لكننا نلاحظ في نشأة المسيحية بروما الآتي:

1. جاء في سفر أعمال الرسل أنه في يوم الخمسين حضر يهود أتقياء من كل أمة، من بينهم "رومانيون مستوطنون يهود ودخلاء" (أع 2: 10)، هؤلاء قبلوا الإيمان بالسيد المسيح وعادوا من أورشليم إلى روما يكرزون بين إخوتهم اليهود. لهذا يرى غالبية الدارسين أن كنيسة روما في بدء انطلاقها كان معظمها من أصل يهودي حتى وقت بعث رسالة القديس بولس إليهم. لهذا نجد الرسالة موجهة بالأكثر إلى اليهود المتنصرين أكثر من الأمم المتنصرين، هذا وقد أعطى هذا الوضع انطباعًا في ذهن قادة الرومان أن المسيحيين ليسوا إلا طائفة يهودية منشقة عنهم.

2. إذ تميزت الدولة الرومانية بالحرية وسهولة الانتقال فيما بينها، خاصة بين البلدان المختلفة والعاصمة، وكانت روما ملتقى كبار القادة والمعلمين والتجار، فقد دخلها بلا شك جماعة من المعلمين والتجار المؤمنين سواء من أصل يهودي أو أممي، جاءوا يحملون في قلوبهم شعلة الإيمان المتقد، يكرزون ويشهدون للرب. من بين هؤلاء أُناس سمعوا تعاليم القديس بولس في بعض مدن آخائية ومكدونية في بلاد اليونان وفي مدن آسيا الصغرى وآمنوا بهذه التعاليم. ويؤكد ذلك سلام القديس بولس على كثيرين ذكرهم بأسمائهم في الأصحاح الأخير من الرسالة، مما يدل على أنهم كانوا من تلاميذه ومعارفه، مع أنه لم يكن قد ذهب إلى روما قبل كتابة الرسالة.

3. إذ طُرد كثير من اليهود إن لم يكن جميعهم من روما بأمر كلوديوس إلى مدن أخرى ثم عادوا إليها مرة أخرى، كان بعضهم قد آمن بالسيد المسيح، مثال ذلك أكيلا وبريسكلا اللذان التقيا مع الرسول بولس في كورنثوس (أع 18: 1-2). وآمنا على يديه، وكان يشترك معهما في صناعة الخيام... هذان وغيرهما قد اشتركوا في تأسيس الكنيسة هناك (رو 16: 5).

4. واضح من الرسالة أن أحدًا من الرسل لم يكن قد أنشأ هذه الكنيسة حتى كتابة هذه الرسالة، فقد كان مبدأه: "كنت محترصًا أن أُبشر هكذا، ليس حيث سُميَ المسيح، لئلا أبني على أساس آخر" (رو 15: 20)، وإذ يكتب في نفس الرسالة معلنًا شوقه الشديد للتوجه إليهم وأنه مُنع مرارًا، وأخيرًا قرر زيارتها (رو 1: 9-10؛ 15: 22، 24) هذا يؤكد أن أحدًا من الرسل لم يكن قد زار روما من قبل.

5. كان الرسول بولس يشعر أنه رسول الأمم (غل 2: 7، 11)، لذا أحس بالمسئولية تجاه هذه المدينة كعاصمة العالم الأممي في ذلك الحين. لذا أرادها مركزًا من مراكز خدمته، وأنه مدين لهم بالكرازة (1: 13-14).

6. يرى غالبية الدارسين في الغرب والشرق أن القول بأن القديس بطرس الرسول قد أسس هذه الكنيسة وبقي على كرسيها حوالي 25 عامًا لا يمكن قبوله، فمن جهة كان القديس بطرس حاضرًا في أورشليم حتى المجمع الرسولي المنعقد عام 50 م تقريبًا (أع 15)، وكان في أنطاكية عام 55 م حيث اجتمع بالقديس بولس هناك (غل 2: 11)، وكان في بابل حين كتب رسالته الأولى حوالي عام 60 م (1 بط 5: 13). هذا ولو أن القديس بطرس قد أسس الكنيسة هناك عام 41 م كما ظن البعض لما كتب الرسول هذه الرسالة، وإن كتبها لما قال أنه لا يبشر حيث سُمي المسيح لئلا يبني على أساس لآخر (15: 20)، ولكان ذكر اسمه في الرسالة أو سلّم عليه.

زمان ومكان كتابتها

كتب الرسول هذه الرسالة وهو يتوقع زيارته لروما، وقد قرر ذلك في طريقه إلى أسبانيا (رو 15: 23-24)، وذلك بعد ذهابه إلى أورشليم حاملاً معه عطايا مسيحيي مكدونية وآخائية إلى إخوتهم فقراء أورشليم (رو 15: 25-26؛ 1 كو 16: 1-16؛ 2 كو 8: 1-4). بهذا يكون قد كتبها أثناء رحلته التبشيرية الثالثة من كورنثوس في بيت رجل اسمه غايس، وصفه الرسول: أنه "مضيفي ومضيف الكنيسة كلها" (رو 16: 23)، وهو أحد اثنين قام الرسول بتعميدهما (1 كو 1: 14).

أملاها الرسول على ترتيوس (رو 16: 22)، وقد حملتها إلى روما الشماسة فيبي، خادمة كنيسة كنخريا (15: 1) ميناء شرقي كورنثوس.

إذ ذهب الرسول بولس إلى أورشليم في ربيع عام 58 م، لذا يرى غالبية الدارسين أنها كُتبت ما بين عامي 57، 58 م.

أعضاء الكنيسة الأولى

لا يمكننا أن نفهم غاية هذه الرسالة وندرك عمق معانيها ما لم نتعرف على نوعية أعضائها، هل كانوا من اليهود المتنصرين؟ أو من الأمم المتنصرين؟ أو كانوا خليطًا من الاثنين؟

الرأي الأول: لمدرسة توبنجن Tubingen و E. Renan و T. Zahn و W. Manson وF. Leenhardt أن الغالبية العظمى للأعضاء من اليهود المتنصرين، وحجتهم في ذلك الرئيسية هي استخدام الرسول مقتطفات كثيرة من العهد القديم خاصة قصة إبراهيم داعيًا إيّاه "أبانا"، ويشعر القارئ أن الرسول في أغلب حديثه يتكلم مع من هم من أصل يهودي. هذا بجانب أن تعداد اليهود في روما في القرن الأول كان كبيرًا.

الرأي الثاني: نادى به J. Munck و S. Lyonnet و O. Michel و C. K. Barrett بأن الغالبية العظمى هم من أصل أممي، معتمدين على أن الرسول يحدثهم كرسول للأمم (1: 5-7، 12-14؛ 11: 11- 13، 15: 16)؛ وأنه يقارنهم بغيرهم من سائر الأمم (1: 12-14). وحديثه لهم قائلاً: "قدمتم أعضائكم عبيدًا للنجاسة والإثم" (6: 19) يناسب من كانوا من أصل أممي لا يهودي، كما يخاطبهم "أقول لكم أيها الأمم" (11: 13).

الرأي الثالث: إنها كانت خليطًا من الصنفين، نادى به Headlam و Sanday و Dodd...

هذا ويمكننا القول بأن الكنيسة كانت تضم الصنفين، غير أن العنصر اليهودي كان غالبًا إلى حد كبير.

أهمية الرسالة وغايتها

كان لهذه الرسالة أهميتها في الكنيسة الأولى، فقد جاء عن القديس يوحنا ذهبي الفم أنه كان يقرأها مرتين أسبوعيًا.

1. نستطيع أن نتفهم أهمية هذه الرسالة ونتفهم ما حوته في داخلها من سبب كتابتها والظروف التي كانت تحيط بها. فقد آمن عدد ليس بقليل من يهود روما بالسيد المسيح، سواء كانوا يهودًا من أصل عبراني أو دخلاء من الأمم، كما آمن بعض الأمميّين الوثنيين المثقفين بفكر يوناني بربنا يسوع، وكان يلزم أن يلتقي الجميع بوحدانية الروح كأعضاء في جسدٍ واحدٍ،، لكن اليهود بتربيتهم المتزمتة، وتعصبهم الشديد لجنسهم وثقافتهم وفكرهم الديني، لم يقدروا أن ينزعوا أنفسهم بسهولة عن شعورهم بالامتياز عن غيرهم حتى بعد قبولهم الإيمان المسيحي، فكانوا يستخفون بالأمميّين المتنصرين تحت دعوى:

1. أنهم أبناء إبراهيم، أصحاب الوعد كنسل إبراهيم.

2. أنهم مستلمو الناموس الموسوي دون سواهم.

3. أنهم شعب الله المختار وحدهم.

خلال هذا الفكر الذي عاشوه في ماضيهم اليهودي تأصل فيهم الكبرياء عن عدم فهم للبنوة لإبراهيم ولا غاية الناموس ولا معنى اختيار الله لشعبه. فظنوا أنهم حتى بعد قبول الإيمان بالمسيا المخلص يبقون في مرتبة أسمى من غيرهم.

هذا، ومن جانب آخر فإن بعض الأمميّين المتنصرين أخذوا موقفًا مضادًا كرد فعل للفكر اليهودي، فنظروا لليهود كشعبٍ جاحدٍ وأن الباب قد أُغلق بالنسبة لليهود لينفتح لهم على مصراعيه، الأمر الذي يعرضهم هم أيضًا للكبرياء.

خلال هذه الظروف جاءت الرسالة موجهة إلى الطرفين لتعالج قضايا إيمانية حيّة وسلوك روحي إيماني يمس حياة الكنيسة عبر الأجيال كلها، فحدثنا الرسول عن عمومية الخلاص. وأن الباب قد انفتح للأمم جميعًا خلال الإيمان الحيّ العامل بالمحبة، فقدم لنا الرسول بوحي الروح القدس مفهوم الإيمان وارتباطه بالخلاص، كما كشف لنا عن قلبه الرسولي المتفجر بالحب نحو المسيّا ونحو البشرية كلها التي مات المسيح عنها. وفي نفس الوقت عالج مشكلة الكبرياء سواء في حياة اليهود أو الأمم، والتقديس، والحياة الإيمانية العملية خلال العلاقات العامة والعلاقة بالنفوس الضعيفة، وعلاقة المؤمن بالمجتمع الخ. لقد قيل عن هذه الرسالة أنها "كاتدرائية الإيمان المسيحي"، تدخل بالمؤمن إلى مقدسات الله الفائقة، وترفعه خلال مذبح الإيمان الحيّ العملي إلى الالتقاء بالآب السماوي في الابن الوحيد المبذول، وذلك بعمل الروح القدس.

رأى البعض في الرسالة أنها جاءت لتقف في وجه أنصار "حركة التهوّد" التي تدفع بالمؤمنين إلى العودة لأعمال الناموس الحرفية كالختان والتطهيرات والغسالات الموسوية والتزام الأمميّين بالتهوّد قبل تنصرهم؛ أو جاءت هذه الرسالة بهدف المصالحة بين الفريقين من اليهود المتنصرين والأمميّين المتنصرين. لكن في الحقيقية لم يقدم الرسول هذه الرسالة بطريقة دفاعية، ولا لمجرد عمل مصالحة، إنما قدمها كمقال يمس إيمان الكنيسة ويعبِّر عن الحياة الإنجيلية بدقة بالغة، حتى دُعيت هذه الرسالة: "إنجيل بولس".

2. من أهداف هذه الرسالة إعلانه عن زيارته لروما بعد اشتياقات ومحاولات كثيرة. جاءت هذه الرسالة تمهد لمجيئه بعرضه إنجيل ربنا يسوع الذي قبلته الكنيسة الأولى من خلال نظرة معينة هي انفتاح باب الخلاص لكل الشعوب والأمم. مهّد الطريق حتى متى جاء لا يحتك بطالبي التهوّد، أصحاب الفكر الضيق. ولعلّه قد كتب هذه الرسالة بعد أن بلغته أخبار الكنيسة في روما من تلاميذه ومعارفه هناك، فأراد معالجة الأمور كتابة قبل مجيئه.

المواضيع الرئيسية في الرسالة

1. الإيمان والخلاص المجاني

عاش القديس بولس قبل الإيمان بالسيد المسيح في صراع داخلي مرّ، ففي الخارج يظهر إنسانًا معتدًا بجنسه وبرّه، بكونه عبرانيًا أصيلاً من شعب الله المختار، وفرّيسيًا وحافظًا للناموس، يمارس الطقوس في جدية ويحفظ الوصايا، لكنه في أعماق نفسه الدفينة متى صارح نفسه يجد أنه ضعيف للغاية أمام الخطية، وعاجز عن التمتع بالحياة المقدسة الداخلية، محتاج لا إلى وصايا وتعاليم بل بالحري إلى تجديد طبيعته.

وجد الرسول بولس في الإيمان وحده بربنا يسوع، لا بأعمال الناموس الحرفية من ختان وغسالات وتطهيرات، يُدفن مع المسيح ويقوم في مياه المعمودية ليصير "خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل صار جديدًا" (2 كو 5: 17).

اختبر الحياة الجديدة في المسيح يسوع لا كتغيير مظهري، ولا اعتناقًا لتعاليم جديدة، إنما ما هو أعظم: تمتع بقوة الإيمان الحيّ، وتغيير شامل في حياته الجديدة فيه تقديس للقلب والأحاسيس والعواطف والفكر وكل طاقات النفس والجسد بالروح القدس الذي يسكن فيه. هذا التغيير يتحقق خلال تغيير مركز الإنسان من حالة العداوة مع الله خلال ناموس الخطية إلى حالة البنوة لله في المسيح يسوع الابن الوحيد، الأمر الذي لن يمكن للناموس الموسوي أن يحققه، ولا لأعمال الناموس الحرفية الكثيرة.

حينما يتحدث الرسول هنا عن الإيمان وحده دون الأعمال، لا يتحدث عن الجهاد الروحي النابع عن الإيمان الحق، إنما عن الأعمال الناموسية في حرفيتها، فقد كان الخلاف بين عنصري الكنيسة الأولى من يهود متنصرين وأمميين متنصرين لا في أمر الجهاد الروحي وإنما "أعمال الناموس"، إذ طالب البعض من الفريق الأول التزام الأمميين أن يتهودوا أولاً بالختان وممارسة الغسالات والتطهيرات حتى يُقبلوا في الإيمان المسيحي. دُعى هذا الأمر بحركة التهوّد.

يهاجم الرسول بطريق غير مباشر هذه الحركة التي ترد الإنسان إلى حرفية الناموس ومظهرية إتمام أعماله، لذا ركّز على الإيمان. ويقصد به الإيمان الحيّ العامل بالمحبة، والذي به يرتبط المؤمن بربنا يسوع ويتحد معه (رو 6: 5)، ويتألم معه (1 كو 12: 16؛ رو 8: 17)، ويُصلب معه (رو 6: 6)، ويموت معه (2 تي 2: 11)، ويقوم معه (أف 2: 6)، ويحيا معه (رو 6: 8)، ويجلس معه (أف 2: 6)، ويتمجد معه (رو 8: 17)، ويملك معه (2 تي 2: 12)، ويرث معه (رو 8: 17).

2. عمومية الخلاص

إيمان الرسول بولس بالسيد المسيح زعزع أساسات فكره المتعصب. فبعدما كان يعتنق أن العالم كله قد خُلق من أجل الرجل اليهودي لخدمته، أدرك حب الله الشامل لكل البشر بغض النظر عن جنسيته أو جنسه أو إمكانياته أو سلوكه؛ جاء لليهودي كما للأممي، للرجل كما للمرأة، للطفل وللشيخ، يطلب الخطاة والفجّار ليقدسهم له. جاء لأجل الجميع، لذا تكررت كلمة "جميع" أو ما يماثلها حوالي 70 مرة في هذه الرسالة.

يعتبر موضوع "عمومية الخلاص" هو الخط الرئيسي في كل الرسالة، يركز عليه الرسول بكل قوته، مفندًا الحجج اليهودية المتقوقعة حول الفكر اليهودي المتعصب، بطريقة روحية لا تثير اليهود حتى يكسبهم هم أيضًا مع كافة الأمم.

فنّد حجتهم أنهم أبناء إبراهيم أب الآباء، فطالبهم بالبنوة الروحية له بحمل إيمانه، ورفعهم إلى البنوة لله واهبة الحرية الداخلية. وفنّد حجتهم أنهم مستلمو الناموس، مُعلنًا أنه فضح خطاياهم وأعلن الحكم عليهم بالموت ليقودهم إلى المخلص واهب الحياة. وأخيرًا فنّد حجتهم أنهم شعب الله المختار، ليُعلن بسط الله ذراعيه للعالم كله ليضم له شعبًا لم يكن يعرفه، ويجعل من الأمم التي كانت غير محبوبة محبوبة له بإيمانها به بعد جحود طال زمانه. فالله خالق الكل، والمهتم بخلاص الجميع.

النعمة والتبرير والتقديس

تكررت في هذه الرسالة هذه المصطلحات ومشتقاتها: النعمة، البرّ، القداسة الخ. ويلاحظ في الرسول بولس أنه لا يهتم بتقديم مفاهيم فكرية مجردة وتعاريف لمثل هذه المصطلحات، إنما تشعر وكأنه يود أن يدخل بكل مؤمن بالروح القدس إلى التمتع بهذه النعم والعطايا الإلهية، على عكس الدارسين المُحدِثين إذ يهتمون بالأكثر بتقديم تعاريف ويدخلون في أبحاث فكرية فلسفية معقدة أكثر من الخبرة الحيّة.

أولاً: النعمة Charisma

إذ يعالج الرسول بولس موضوع "عمومية الخلاص" يكثر الحديث عن النعمة كمقابل لأعمال الناموس الحرفية، فقد أراد اليهود أن يتبرروا بأعمال الناموس، لكن جاء السيد المسيح ليهب النعمة المجانية لكل البشر للتبرير. "الله الذي هو غني في الرحمة، من أجل محبته كثيرة التي أحبنا بها، ونحن أموات بالخطايا أحيانًا مع المسيح، بالنعمة أنتم مخَلّصون... ليظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع، لأنكم بالنعمة مخَلَّصون بالإيمان وذلك ليس منكم، هو عطية الله، ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أف 2: 4-9).

حاول بنيامين بريوري Benjamin Brewery أن يستنبط من كتابات العلامة أوريجينوس تعريفًا للنعمة الإلهية والتي استقاها العلامة أيضًا من كتابات الرسول، فقال:

[النعمة هي قوة الله المودعة في يديّ الإنسان مجانًا،

لكنها لا تُعطى بدون شرط،

وهي تهييء الإنسان بالروح القدس، ليقدم الخلاص للتمتع بالحياة الأبدية الجديدة النهائية،

المعلنة والمدبّرة في الكتاب المقدس،

بواسطة يسوع المسيح، والمقدمة للعالم كله.]

النعمة هي عطية الله الآب التي يقدمها لنا في ابنه يسوع المسيح، الذي حملنا فيه بالصليب لننعم بما له، ووهبنا روحه القدوس روح الشركة الذي يرفعنا كما بجناحيّ الروح إلى الأحضان الأبوية كأبناء مقدسين في الحق.

وقد جاءت كلمة "نعمة"Charisma مقابل "أجرة" opsonis، فالخطية أجرتها موت يقابلها النعمة هبتها الحياة الأبدية (6: 23؛ 5: 15). فما نناله من الله ليس أجرة عن عمل نمارسه، إنما هو هبة مجانية قدمها الله خلال ذبيحة الصليب، نابعة عن فيض حبه الإلهي. بهذا ارتبطت كلمة "النعمة" في ذهن الرسول بولس بعمل الله الخلاصي المجاني، غايتها أن ترفعنا من حالة ما تحت الناموس أي تحت حكمه إلى "حالة النعمة" (5: 2)، نعيشها بمركز جديد.

تُقدم هذه النعمة الإلهية المجانية للعالم كله بلا مقابل، وبلا قيود من جانب الله، لكن لا ينتفع بها المقاومون والعنيدون، إذ لا تنزع النعمة حرية الإرادة. من هنا نفهم الجهاد الروحي، إننا لا نقدمه كثمن للنعمة، وإنما كإعلان عن جدّية قبولنا وتجاوبنا مع نعمة الله المجانية؛ إنه ضروري لخلاصنا وبدونه خسر كثيرون نعمة الله المجانية؛ لكننا لا نحسب هذا الجهاد أو الأعمال الصالحة برًا ذاتيًا من جانبنا. إذن لنقبل نعمة الله ومبادرته بالحب. هذه النعمة تعمل فينا لتقديس مشيئتنا وأعمالنا، وبجديتنا في تقديس المشيئة والعمل ينفتح القلب أكثر لقبول العمل الإلهي، وهكذا نرتفع من مجدٍ إلى مجدٍ، ونمارس الحياة المقدسة بجهادٍ وتعبٍ خلال النعمة المجانية.

هذا ويرى القديس بولس أن "النعمة" هي حالة يتمتع بها المؤمن الحيّ، الذي يقبل الإيمان بالمسيح بطريقة حيّة، أي إيمانًا عاملاً بالمحبة. هذه هي النعمة العامة المقدمة للجميع، لكن هناك نعم أخرى مجانية كنعمة الرسولية التي وهبت له (رو 15: 15) للكرازة بين الأمم.

كلمة "نعمة" Charisma تعبير عسكري، يستخدم عندما يتولى الإمبراطور العرش، أو يحتفل بعيد ميلاده، حيث يهب جنوده عطايا مجانية خلال كرم الإمبراطور وسخائه. وكأن السيد المسيح إذ ارتفع على عرش الصليب وملك على النفوس قدم "نعمة" لكل بشر، هي عمله الخلاصي الذي يتركز في حلوله في النفس لتثبيت الإنسان فيه بروحه القدوس، فينعم بالأحضان الأبوية. هذه هي عطيته: تمتع الإنسان بالثالوث القدوس في استحقاقات الدم الثمين، ليحمل الصورة الإلهية، وينعم بسمات سماوية فائقة.

يرى القديس البابا أثناسيوس الرسولي أن هذه النعمة الإلهية التي تجلّت في كمال قوتها بالصليب ليست بالأمر الجديد، فعند الخلقة بالنعمة أقام الله الخليقة من العدم إلى الوجود، وميّز الإنسان بنعمة خاصة دون سائر الخليقة، هي نعمة خلقته على صورة الله ومثاله، لكي يستطيع أن يبقى في الفردوس أبديًّا. يدعم ذلك نعمة الوصية التي وُهبت له كنعمة، حتى إذا ما بقي أمينًا في حفظه للوصية، أي تمتعه بالنعمة يحيا في الفردوس بلا حزن ولا ألم ولا قلق. أما سرّ عدم الفساد فهو التمتع بالشركة في الكلمة الذي "فيه كانت الحياة" (يو 1: 4). أما وقد فقد الإنسان النعمة الإلهية بالعصيان، جاء الكلمة متجسدًا ليرد الإنسان إلى الخليقة الأولى بتجديد طبيعته بنعمة أعظم.

ثانيًا: التبرير Dikaisone

يرى الكثير من الدارسين أن هذه الرسالة في جوهرها أشبه بمقال عن "التبرير". شغل موضوع التبرير الإنسان منذ سقوطه، فقد أحسّ بفشله في التبرر أمام الله، إذ قيل: "ليس بار ولا واحد" (رو 3: 10). خلال الناموس الطبيعي صرخ أيوب التقي: "فكيف يتبرر الإنسان عند الله؟" (أي 9: 2). وقال اليفاز التيماني: "من هو الإنسان حتى يزكو أو مولود المرأة حتى يتبرر؟ هوذا قديسوه لا يأتمنهم والسماوات غير طاهرة بعينيه؟ فبالحري مكروه وفاسد الإنسان الشارب الإثم كالماء" (أي 15: 14-16). ويقول بلدد الشوحي: "فكيف يتبرر الإنسان عند الله؟ وكيف يزكو مولود المرأة؟ هوذا نفس القمر لا يضيء، والكواكب غير نقية في عينيه، فكم بالحري الإنسان الرمة وابن آدم الدود" (أي 25: 4، 6). وفي عهد الناموس الموسوي يقول المرتل: "لأنه لن يتبرر قدامك حيّ" (مز 134: 2). وقد جاء علاج هذا الأمر في الإنجيل، خاصة في هذا السفر:

"متبررين مجانًا بنعمته، بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان لإظهار بره في الزمان الحاضر، ليكون بارًا، ويبرر من هو من الإيمان بيسوع" (رو 3: 24-25).

"فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص به من الغضب" (رو 5: 9).

"إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح" (غل 2: 16).

وإنني إذ لا أود الدخول في مباحثات فلسفية نظرية جافة فقد انشغل كثير من اللاهوتيين في الغرب بهذا الموضوع أقدم مفهومًا مبسطًا للتبرير أو التمتع ببرّ الله في المسيح يسوع بربنا.

كلمة "بار" من الجانب اللغوي في الأصل اليوناني تقترب جدًا من كلمة "عادل"، لهذا يرى البعض في البار كائنًا وقورًا، لكنه ليس بالضرورة جذّابًا، إذ هو عادل، لكنه ليس بالضرورة لطيفًا وحانيًا، وربما استخدم الرسول هذا المعنى عندما قال: "فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار، ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت" (رو 5: 7)، غير أنه جاء التعبير في كتابات الرسول نفسه كما في بقية الكتاب المقدس يحمل معنى أوسع.

بالنسبة لله دُعي بارًا في العهد القديم خلال علاقته بنا بتقديمه أعماله الخلاصية للإنسان، إذ يقول: "أنا قد أنهضته بالبرّ (بالنصر)" (إش 46: 13)، "قريب برّي" (إش 51: 5)؛ وفي العهد الجديد يتجلى برّه في أعماله الخلاصية لحسابنا في المسيح يسوع: "لأن فيه معلن برّ الله بإيمان لإيمان" (رو 1: 16)، "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء" (1 كو 1: 30).

لعل الرسول بولس قد فهم "برّ الله" بمعنى أن الله بار في وعده، أمين في مواعيده، إذ يقول: "فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء؟ أفلعل عدم أمانتهم يبطل أمانة الله؟ حاشا! ليكن الله صادقًا وكل إنسان كاذبًا، كما هو مكتوب: لكي تتبرر في كلامك، وتغلب متى حوكمت" (رو 3: 3-4). وكأن الرسول يود أن يقول إن الله بار في وعده للإنسان بالرغم من انتزاع البرّ من البشرية بعدم تجاوبها مع عمله الخلاصي، وعدم قبولها وعوده عمليًا بالطاعة له. بهذا نفهم أيضًا العبارة أنه "ليس بار ولا واحد" (رو 3: 10؛ مز 14: 1-3، 53: 1).

الله بار في وعوده الإلهية نحو الإنسان الذي لم يستطع أن يكون بارًا لا بالطبيعة ولا تحت الناموس الموسوي، فإنه إذ يكسر وصية واحدة ولو بالفكر أو النيّة يُحسب كاسرًا للناموس فلا يتبرر. هذا ما أوضحه الرسول في الأصحاحات الثلاثة الأولى معلنًا أن الإنسان، يهوديًا كان أم أمميًا، صار في عوز إلى برّ الله، فماذا فعل اليهود؟ لقد حاولوا أن يتبرروا في أعين أنفسهم، حاسبين أن البرّ يكمن في انتسابهم لإبراهيم أبيهم جسديًا أو حفظهم لأعمال الناموس حرفيًا أو انتمائهم لشعب الله المختار أيّا كانت حياتهم. وكانت النتيجة أنهم سعوا وراء "برّ الناموس" الذي يقوم على حفظه شكليًا (رو 10: 22)، رافضين برّ الإيمان. وهنا يميز الرسول بين برّ الناموس الذي طلبه اليهود خلال الشكليات في كبرياء، وبرّ الإيمان الذي قدمه الله في ابنه يسوع المسيح للعالم كله. هذا التمييز سبق فأعلنه السيد المسيح لليهود، موضحًا أنهم يطلبون برّ الكتبة والفريسيين في رياء، ويرفضون برّ الله الذي وجده العشّارون والخطاة )مت 5: 20، 6: 33، 21: 3).

عاش آباؤنا بروح التمييز، يخشون طلب الإنسان بره الذاتي عوض البرّ بالإيمان الحيّ العامل بالمحبة. فقد جاء ربنا يسوع المسيح يهبنا بنعمته المجانية الدخول إلى بره والثبوت فيه، لكن ليس في رخاوة أو في إيمان لفظي بحت، إنما خلال الإيمان الحي العامل. فالبرّ هو ثمرة نعمته، لا عن استحقاق بشري ذاتي، نطلبه مجاهدين ليقدس إرادتنا وحياتنا العملية، مجاهدين بروحه القدوس، لكي ننطلق إلى "برّ المسيح" من عمق إلى عمق، لتكون لنا خبرات متجددة بروحه في برّ المسيح.

يفهم القديس أغسطينوس البرّ على أنه ملكية يمنحها الله للإنسان؛ فالبرّ في نظره ليس غفرانًا للخطايا مجردًا وامتناعًا عنها، وإنما قبول "برّ المسيح" كبرّ له. بمعنى آخر البرّ في سلبيته توقف عن الشر، وفي إيجابيته حمل سمات المسيح عاملة فيه. هذا أيضًا ما أعلنه القديس يوحنا ذهبي الفم عندما تحدث عن الحياة الفاضلة بكونها تحمل الجانبين السلبي والإيجابي: رفض الشر وعمل الصلاح.

أخيرًا، ما نود تأكيده أن البرّ ليس عملاً ذاتيًا أو فضيلة بشرية، إنما في إيماننا هو تجلي سمات المسيح في حياة المؤمنين المجاهدين بالروح والسالكين بالحق. هذا ما سنلمسه في دراستنا لهذا السفر، فإنه إذ يتحدث عن "البرّ في المسيح" يربطه بالسلوك الروحي العملي، تحت عنوان "اهتمام الروح" أي "بالسلوك بالروح القدس"، ورفض "اهتمام الجسد" أي الخنوع للشهوات الجسدية التي قد تسيطر حتى على النفس. هذا ويختم السفر بحديث طويل عن حياة البار العملية، مترجمة في عبادته وسلوكه الشخصي وعلاقته بالمجتمع خاصة صغار النفوس والضعفاء. وكأن الرسول يود تأكيد أن البرّ بالإيمان هو خبرة عملية حيّة تتجلى في كل جوانب حياة الإنسان.

ثالثًا: التقديس agiacmos

القداسة سمة خاصة بالله نفسه الذي يدعو نفسه "القدوس" (لا 11: 44-45، 20: 26، 22: 2؛ 1بط 1: 16)، يسكب هذه السمة على خليقته المحبوبة لديه فيحسبهم قديسين، ناسبًا نفسه إليهم بدعوته "قدوس القديسين" (دا 9: 24)، ويسمى شعبه سواء في العهد القديم أو العهد الجديد "أمة مقدسة" (خر 19: 6؛ 1 بط 2: 9).

القداسة هي هبة إلهية تُعطى لمؤمنيه، أو نعمة مجانية تُقدم لأولاد الله المجاهدين لكي يصيروا على شبه أبيهم القدوس، إذ "هذه هي إرادة الله قداستكم" (1 تس 4: 3)، أو كما يقول الرسول: "لكي نشترك في قداسته" (عب 12: 10).

إن كان الروح القدس يسمى "روح القداسة"، فإن الله يهبنا الحياة المقدسة بروحه القدوس الذي يدخل بنا إلى الثبوت في المسيح القدوس، فنحمل سماته فينا، ويتحقق فينا القول أن نكون قديسين كما أنه قدوس (لا 11: 44؛ 1 بط 1: 16).

هذه الهبة المجانية تعطى للمجاهدين بالرب، لا ثمنًا لجهادهم، وإنما من أجل تجاوبهم مع فيض نعمته المجانيه، ليسلكوا في القداسة لعلهم يبلغون إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13). لذلك يقول العلامة أوريجينوس أن الرسول يدعو المؤمنين المجاهدين "مدعوّين قديسين" (1: 7) ليس لأنهم بلغوا الحياة المقدسة في كمالها وإنما لأنهم يسيرون فيها مشتاقين البلوغ إلى كمالها.

تفسير بعض الآيات :

آية(1): "بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولاً المفرز لإنجيل الله."
بولس=
هي كلمة  لاتينية معناها الصغير، فمن عادة العبرانيين تسمية الشخص بإسمين. وبولس كان إسمه أيضا شاول وتعني مطلوب من الله. ويقول أغسطينوس أن بولس كان نحيف الجسم قصير القامة. وهو فضّل استخدام إسم بولس من قبيل التواضع ومشيراً لأنه أصغر الرسل.

عبد ليسوع المسيح= كان معلمي اليهود يتفاخرون بألقاب مثل سيدي أو معلمي واليهود عموماً يتفاخرون بيهوديتهم والأمم بفلسفاتهم، أما بولس فيعلمهم أنه يفتخر بكونه عبداً للمسيح. وإذا كان الكل عبيداً للمسيح فلماذا يتفاخر اليهودي علي الأممي أو الأممي علي اليهودي. وهو عبد للمسيح لأن المسيح إفتداه وإشتراه بدمه وفكه من الأسر وصار ملْكاً لهُ. ونفهم أن العبودية للمسيح تحرر، ولا يمكن أن يكون الإنسان عبداً للمسيح حقيقة ما لم يختبر في الوقت نفسه الحرية الحقيقية. إن عبد المسيح لا يستعبد لأي إنسان آخر ولا حتي لشهوات جسده الخاصة، ولا يستطيع أحد أن يبعده عن تأدية واجبه، ولا تسيطر عليه عادة معينة، ولا يستطيع العالم أن يغريه بمفاتنه أو أن يجذبه إليه. أنه يعيش في الأرض كإنسان سماوي، وبعد أن كان عبداً للخطية صار كاهناً وملكاً. هو يعيش في الجسد ولكن يسلك في الروح ليسوع المسيح. وهذا ما جعل حتى إخوة المسيح بالجسد يفتخرون بأنهم عبيد له، ولم يفتخروا بكونهم أقرباء له بالجسد (يه1 + يع1:1). فبولس بعد أن ظهر له المسيح في الطريق شعر أنه صار مكرساً للمسيح يسوع من كل قلبه ونفسه وجسده.    المدعو رسولاً= كأن لا فضل له في إيمانه ولا إرساليته بل هي دعوة من الله. وهو يسمي نفسه رسولاً مثل الإثني عشر. وتظهر أهمية هذه العبارة خصوصاً في الرسائل التي حاول أهلها ان يتنكروا لأحقية بولس الرسول في الخدمة وبهذا يشككوا في تعاليمه. وكان بولس مضطراً لأن يثبت أنه مرسل من الله لإثبات صدق تعاليمه لتثبيت المؤمنين.

المفرز لإنجيل= مفرز تعني بريسي بالآرامية ومنها فريسي (فريزي) أي مختار أو معين. أي أن بولس إنتقل من فريسيته اليهودية إلي فريسية أخري بنعمة الله، هي فريسية الإنجيل، أي أن الله إختاره وأفرزه لكي يبشر بالإنجيل. وكان الفريسيون اليهود مفروزون لدراسة الناموس، وكلمة فريسي تناظر دكتوراه في اللاهوت. وكان بولس أحد هؤلاء الفريسيين. والله بسابق علمه أفرزه وعينه للتبشير بالإنجيل. وكانت تلمذته لغمالائيل نوع من الإعداد، ولكن الله سبق وأفرزه من البطن (غل15:1 + أع2:13 + أر4:1 ،5) لإنجيل الله= إنجيل تعني بشارة مفرحة. وهنا يقول إنجيل الله. وفي مواضع أخري يقول إنجيل يسوع المسيح (رو9:1 إنجيل ابنه). فالله هو مصدر الخلاص بيسوع المسيح، جوهر الإنجيل أو جوهر البشارة المفرحة هي في مجيء الرب يسوع وفدائه للبشرية. الله قد سبق منذ القديم وأعد برنامج الخلاص المفرح للبشر الذي تحقق بمجيء المسيح له المجد.

والقديس إمبروسيوس لاحظ أن اسم المسيح في هذه الآية قد استخدمه الرسول قبل إسم الله في الترتيب، وإستخدم هذا في الرد علي آريوس أن الله والمسيح متساويان. وهذا يتضح أيضاً من كون أن الإنجيل هو إنجيل الله وإنجيل ابنه في نفس الوقت (آية1، آية9).

 آية (2): "الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة."

الكتاب المقدس موحى به من الله. وهذه الكرازة بالخلاص سبق الله فوعد بها في القديم بواسطة الأنبياء، فقبل أن يعمل الله أعمالاً عظيمة يسبق ويهيئ لها زماناً طويلاً، هذا بالإضافة إلي أن نبوات الأنبياء عن الخلاص بالمسيح تشير لأن هذا الخلاص هو خطة أزلية، وأن الله قد أعد خلاص البشر منذ الأزل. وبولس هنا يطمئن سامعيه أن إنجيله الذي يبشر به قد وضعت أساساته منذ البدء. وأن كرازة بولس لا تتعارض مع الكتاب المقدس لليهود بل هي تفسره وتشرحه.

 آية (3): "عن إبنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد."

عن إبنه= عن راجعة للآية السابقة، فوعود الأنبياء كانت عن المسيح ابنه. الذي صار من نسل داود= وقارن مع (رو3:8) لنرى سبق وجود الإبن قبل التجسد. ويلاحظ في كلمة إبنه انها في أصلها اليوناني مسبوقة بأداة تعريف، إشارة إلي بنوة المسيح الوحيدة الفريدة، التي بالطبيعة وليست بالتبني مثلنا. وهذا الإبن الأزلي الذي هو إبن الله صار إبناً للإنسان = من جهة الجسد= فالمسيح له بنوتان، بنوة لله وبنوة للإنسان هو إبن الله وإبن الإنسان. من نسل داود= فالعذراء مريم من نسل داود. وقيل عن المسيح أنه من ذرية داود (رؤ16:22).

صار= أخذ حالة جديدة علي حالته، إتحد لاهوته بناسوته كإتحاد الحديد بالنار، ولكن لاهوته لم يتأثر ولم يتحول إلي ناسوت، وناسوته كان ناسوتاً كاملاً، شابهنا في كل شئ ماعدا الخطية وحدها. لقد إنتقل من حالة إبن الله غير المنظور (بلاهوته) إلي حالة إبن الله المنظور في الجسد. ولم يظهر للناس سوي أنه إنسان عادي. حينما أخذ جسداً أخفي لاهوته، ولكن لاهوته ظل كاملاً دون أن يزيد أو ينقص، فهو كامل مطلق لأنه الكل. ولكن بقيامته ظهر أنه إبن الله.

 

آية (4): "وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات يسوع المسيح ربنا."

تَعَّينَ= أي ظهر ما كان مخفياً. هذه لا تعني أنه صار فيما بعد إبن الله. بل لقد ظهرت لنا بنوته لله بواسطة قوة فائقة للطبيعة ويشهد لهذه البنوة قيامته من الأموات. كلمة تعَّين تعني أتضح انه /ظهر/ شُهِدَ لهُ/ صدق علي أنه/ تبين أنه/ إعترف بأنه/ تحقق بأنه ابن الله.

بقوة= الإعلان عن بنوة المسيح لله وإثبات لاهوته جاء بقوة. فالقيامة كانت بقوة بالقيامة من الأموات= فالقيامة من الأموات والإنتصار علي الموت عمل قوي جداً. من جهة روح القداسة= روح القداسة ليس هو الروح القدس. فالروح القدس لم يكن هو الذي أقام المسيح، لأن المسيح كان لاهوته متحداً بناسوته، والذي أقامه هو لاهوته. ولماذا قال روح القداسة؟ هذا يعني أن سبب قيامة المسيح هو إنتصاره علي الخطية، إذ كان بلا خطية، فالخطية هي التي تأتي بالموت، ولأن المسيح كان بلا خطية "من منكم يبكتني علي خطية" ولأنه إنتصر علي إبليس في حروبه ولأنه قال "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شئ" لهذا انتصر علي الموت بسبب قداسته. المسيح كان وهو علي الأرض مخفياً لاهوته في ناسوته، ولم يظهر لاهوته إلا في أنتصاره علي الموت وعلي الجحيم الذي فتحه واخرج منه نفوس الأبرار. فقوله روح القداسة هذا يشير لأن الذي أقام المسيح لاهوته، ولكن ذلك راجع لقداسة المسيح بالجسد وكلمة تعيَّن هنا هي في مقابل كلمة صار في الآية السابقة.

 

آية (5): "الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم."لأجل إسمه= أي ما أخذنا فلنعمل به ونتاجر به لأجل مجد اسمه. وماذا أخذ بولس الرسول؟ نعمة ورسالة= نعمة (إرجع للمقدمة) ورسالة= أي إرساليته كرسول للأمم.

نعمة= هنا بولس يشير لعمل النعمة فيه التي حولته من مضطهد للكنيسة إلي مسيحي حصل علي الخلاص، بل وإلي رسول. إن الله دعاه ويداه ملوثتان بالدماء ليغير طبيعته فيصير في المسيح خليقة جديدة (2كو17:5). وعمله كرسول كان من أجل الأمم ليطيعوا الإيمان: لإطاعة الإيمان= نري بولس الذي يشعر بنعمة الله التي غيرته، يري أن الله قادر أن يغير الأمم أيضاً فيؤمنوا ويطيعوا الله. إطاعة الإيمان= تعني أننا يجب أن نتقبل قضايا الإيمان وحقائقه بكل خضوع، فحقائق الإيمان هي أمور موحى بها وليست للمناقشات العقلية، علينا ان نخضع الذهن لإعلانات الله بالصلاة في جميع الأمم= الرسالة هي لكل الأمم بلا إستثناء.

 

آية (6): "الذين بينهم أنتم أيضاً مدعوو يسوع المسيح."

 ومن بين هؤلاء الأمم فإنكم يا أهل رومية مدعوين لكي تكونوا من خاصة المسيح. ولا فضل لأحد في هذه الدعوة بل هي نعمة الله المجانية التي لو قبلها أحد لآمن بالمسيح. وهذه النعمة هي به ولأجل اسمه (آية 5).

 

آية (7): "إلى جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين قديسين نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح."

مدعوين قديسين= المسيحية عند بولس هي قداسة، والإيمان بالمسيح هو تقديس، والمؤمنين بالمسيح قديسين، أي مفروزين عن العالم ليلتصقوا بالله، ويكونوا مخصصين له. وقد قبلوا روح الله ليعينهم علي ذلك، وعلي أن يحيوا بالتقوي والطهارة والقلب العابد. والقداسة هي سلم نصعد عليه فليس الكل قد وصل للكمال، بل القداسة درجات. وقوله مدعوين= إذاً هم مثله، فهو أيضاً مدعو (آية1). فهو يفتخر بخدمة أحباء الله المدعوين.

نعمة لكم وسلام= كلمة نعمة هي تحية اليونانيين وكلمة سلام هي تحية اليهود، فهو يكتب للإثنين. ولكن بمعني آخر فالنعمة هي عمل الروح القدس في المؤمن والذي نتيجته السلام، لذلك فالنعمة تسبق السلام رو 1:5 والنعمة هي أعمال رحمة الله عموماً، الفداء وإرسال الروح القدس، وكل الخير الذي أعطاه الله لنا، والخير الأعظم هو إرسال الروح القدس، ومن نعمة الله غفران خطايانا ومنحنا رتبة البنوة. ومن الله أبينا والرب يسوع المسيح= هذه تشير لتساوي الآب والإبن فالنعمة والسلام يصدران عن كليهما.

 

آية (8): "أولاً أشكر الهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم أن إيمانكم ينادى به في كل العالم."

الرسول يبدأ بالجانب الإيجابي ليشجعهم، فهو هنا يمدح إيمانهم قبل أن يبدأ الهجوم. وبولس لم يراهم، ولكنه فرح بنمو الكنيسة في كل مكان، لذلك علينا ان نصلي لنمو الكنيسة وإنتشار الإنجيل. ولنتعلم من بولس أن نبدأ دائما بالشكر علي ما يعطيه لنا الله، وما يعطيه من خير للآخرين كأنه أعطاه لنا. إلهي= جميل جداً أن يقول إلهي. هذه مثل "أنا لحبيبي وحبيبي لي" هو يشعر بالعلاقة الخاصة التي تربطه بالله، هو إلهي وقد إمتلكني، وأنا عبده الذي يشعر بمحبته فأسلم نفسي له كعبد لثقتي في محبته. والله يرد في المقابل ويقول أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب.

بيسوع المسيح= فنحن غير مقبولين أمام الآب إلا بالمسيح موضع سروره. إيمانكم= هم لهم إيمان ولكننا سنري أن بولس يريد أن يصحح مفاهيمهم ويخلصهم من تعاليم الناموس. ولكن واضح أن إيمانهم ذاع وانتشر في كل العالم.

 

آية (9): "فان الله الذي أعبده بروحي في إنجيل إبنه شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم."

أعبده بروحي= وقارن مع عبادتكم العقلية (رو1:12). وطالما نسمع هنا عن عبادة بالروح، فقطعاً توجد عبادة بالجسد. هذه هي عبادة الفروض والواجبات، هي ممارسات بدون قلب. كمن يصوم ويتباهي أمام الناس أو حتى أمام نفسه بأنه صام أكثر من الجميع، وهكذا في مطانياته وصلواته ولكن مثل هذا يُعِّرفْ شماله ما تفعله يمينه. وخطورة هذا النوع من العبادة أنه لو صادفت هذا الإنسان تجربة، سريعاً ما يلوم الله أنه سمح له بهذه التجربة، ولم يذكر له خدمته وعبادته وأصوامه وصلواته.. وهذه جربها بولس الرسول في يهوديته (فهذه طريقة الفريسيين في العبادة) ولم تشبعه ولم تعطه فرحاً وسلاماً.

أمّا العبادة بالروح، فهي عبادة يقودها الروح، هي عبادة في القلب، ولا تظهر أمام الناس، بلا مظاهر ولا إدعاء، بل في إنسحاق للقلب وخضوع لصوت الروح القدس، والروح القدس لا يجبر أحد علي شئ، بل هو يقنع الإنسان المؤمن إقناعاً عقلياً بكل ما سيقوم به في عبادته (لذلك فلقد سميت عبادة عقلية رو1:12) وبهذا تكون العبادة بحرية الإرادة أي بكامل حريتنا، وبإرادتنا، وبإختيارنا، من كل القلب وبكل رغبة وشوق ويضع الإنسان كل طاقاته الروحية والنفسية والجسدية في خدمة الله والروح يقود كل شئ، والإنسان يكرس كل شئ لله.

فمثلاً يفتح الروح عيني المؤمن علي صورة المسيح المصلوب، ويقنع المؤمن قائلاً هل تتمتع بالطعام اللذيذ والمسيح متألم، هنا يقدم الإنسان صوماً لا ليتباهي به بل ليشترك مع المسيح في ألمه، هنا يكون كأم رفضت أن تأكل لمرض إبنها، وذلك عن حب، ليس طمعاً في أجر ستحصله منه لذلك فمن يقدم هذا النوع من العبادة، لن يطالب الله حين وقوعه في تجربة، بأن يرفع عنه التجربة مذكراً الله بأعماله. فمن يعبد بالروح هو يقدم عبادته لله عن حب ليس طمعاً في اجر. ومثل هذا يتلذذ بعبادته وتشبعه عبادته، فالحب مشبع. وهكذا في الصلاة، فالإنسان يبدأ بأن يغصب نفسه (جهاد) تم تبدأ النعمة عملها فيتلذذ الإنسان بصلاته ولكن في مرحلة التغصب، يسمع المؤمن صوت الروح القدس، معلناً له حب المسيح له، لقد بذل المسيح لأجلك، أفلا تقف للصلاة وتفرح قلب الله بك. ولو إستجاب وإقتنع بصوت الروح القدس لوجد لذة في صلاته. فهل لو كان يتلذذ في صلواته سيطالب الله بأجر مع أن الله قد أعطاه هذه اللذة. لاحظ أن بولس الرسول في مسيحيته قد إختبر هذا النوع من العبادة، فإختبر الفرح والسلام الذي يفوق كل عقل. بل أن الروح القدس في هذا النوع من العبادة يعطي للمؤمن أن يشعر بمشاعر وأحاسيس حب الله فيبادله حباً بحب، وربما لا يجد كلمات يعبر بها عن هذا الحب الذي ملأ قلبه فيئن فقط (رو26:8). والعبادة بالروح لا تكون بالضرورة باللسان فقط، بل في شركة عميقة مع الله، هي شركة بلا إنقطاع تنفيذاً لقول الرسول "صلوا بلا إنقطاع" (1تس17:5). هي شركة في الإستيقاظ وهي في النوم "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش2:5) وهي في المنزل وفي الكنيسة، في العمل وفي الطريق.

ولكن من قصة إيليا (امل12:19،13) نسمع أن إيليا إستمع لصوت الله في الهدوء، فكيف نسمع صوت الله وسط ضجيج العالم. لابد لنا من وقفة هادئة في المخدع يومياً، في صلاة وفي تأمل للكتاب حتى نسمع صوت الروح القدس في داخلنا. وكيف نسمع صوت الروح القدس ونحن غارقين في الخطايا التي تغلق حواسنا الروحية، إنما لأنقياء القلب فقط إمكانية رؤية الله وسماع صوته (مت8:5) فلن نسمع صوت الروح في داخلنا ما لم نقدم توبة أولاً. وكيف نسمع صوت الروح القدس إن كنا في صلاتنا نتكلم طوال الوقت، لذلك علينا ان نصمت بعض الوقت لنعطي فرصة للروح القدس أن يتكلم. وحساسية أذاننا تزداد مع الوقت، وتضيع الحساسية إذا عاندنا صوت الروح القدس، وتزداد الحساسية حين نخضع لصوته. وإذا استمعنا لصوته يعطينا الإقناع العقلي. إذاً العبادة بالروح هي عبادة عقلية.

بلا إنقطاع أذكركم= الذي يصلي بالروح لا يهتم بنفسه بل هو مشغول بالآم وخلاص نفوس الآخرين، يشكر علي توبة فلان، ويبكي علي خطية فلان، لأنه سيهلك بسببها، ويصرخ لشفاء فلان، يطلب السلام للعالم المضطرب المتألم. مثل هذا سيتشبه بالله في إهتمامه بالناس.

في إنجيل إبنه= هذه العبادة بالروح تظهر أيضاً في كرازتي وخدمتي وتبشيري بإنجيل المسيح.

 

آية (10): "متضرعاً دائماً في صلواتي عسى الآن أن يتيسر لي مرة بمشيئة الله أن آتي إليكم."

هو يشعر بالمسئولية تجاه روما، فهو خائف علي الكنيسة من التهود. ولكن لنتعلم أن ليس كل ما نريده يوافق مخططات الله.

 

آية (11): "لأني مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم."

أمنحكم هبة= سؤال.. هل لو كان بطرس موجوداً في روما منذ 16 سنة وقد أسس كرسيها كما يقول الكاثوليك، هل كان يصح أن يقول بولس هذا وأين بطرس؟ ولماذا لا يمنحهم بطرس هذه الهبة؟. والهبة التي يريد بولس أن يمنحها هي هبة روحية= لأنها من عمل الروح القدس، وهي تثبيتهم في الإيمان الصحيح وإبعادهم عن التهود، وهي أيضاً البركة الرسولية.

 

آية (12): "أي لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعا إيمانكم وإيماني."

نلاحظ هنا رقة وإتضاع بولس الرسول، فهو يظهر هنا إحتياجه لهم، وأنه سيتعزي بإيمانهم (فالمروِي هو أيضاً يروَي أم25:11) وهم سيتعزون أي يفرحون بإيمانه. ولكننا نلمح هنا أن الرسول يقول أن إيمانهم مختلف عن إيمانه، فإيمانهم إستلموه من مسيحيين من أصل يهودي ومتأثرين بيهوديتهم. لذلك ففي (15:1) يقول أنه مستعد لتبشيرهم أي تصحيح إيمانهم. فحتي الأمم منهم إستلموا الإيمان علي يد يهود، وهو يريد أن يصحح الإيمان ويلغي ما هو متهود فيه مثل لزوم الختان للخلاص.. الخ.

 

الرسول لا يريد الخدمة السهلة، بل هو يريد أن يذهب ليصحح لهم إيمانهم. ولنلاحظ أنه كثيراً ما نطلب طلبات جيدة، كما طلب الرسول هنا والله يؤجل الإستجابة لوقت مناسب يراه الله (هذا أسماه ملء الزمان) ثمر= حيثما يزداد الشر يريد الرسول أن يذهب ليكون له ثمر أي مؤمنين إيماناً صحيحاً، وهذا لكي تعلن قوة الإنجيل بالأكثر.

 

الرسول يشعر أن الله وكّله علي وكالة وأعطاه نعمة لأجل كل الأمم، وهو شعر بأن هذا دين في رقبته يود لو صفي حسابه معهم بأن يجعلهم يؤمنون. وهو شعر بأن هناك ديناً في رقبته:

1.  فهو مقدِّر لعظمة ما أخذه من نعم.

2. لمحبته لكل الناس وإشتياقه لخلاصهم.

3. هو يشعر بأن ما أخذه لا يستحقه إذ يشعر ببشاعة ماضيه ومع كل هذا أخذ. لذلك شعر بنوع من الإلتزام نحو الذين لم يتذوقوا حريته التي في المسيح والمجد الذي أخذه. لذلك قال "إذ الضرورة موضوعة عليَّ فويل لي إن كنت لا أبشر" (1كو16:9). البرابرة= كان اليونانيين والرومان يعتقدون انهم هم الحكماء وباقي الناس برابرة.

عموماً فمن يتذوق يشعر بأنه يريد أن الكل يتذوق. بل يشعر بحزن إن حُرِمَ أحد من نعمة الله "من يعثر وأنا لا ألتهب، من يضعف وأنا لا أضعف".

 

ما هو لي: أي أنني مكلف بهذا، أن أكرز بالإنجيل بين الأمم، ما هو لي أي أن هذا هو عملي الذي خلقني الله لأجله. أنتم الذين في رومية= هو يريد ان يبشر في روما مركز الوثنية والخطية ومستعد لإحتمال أي ألم في سبيل ذلك. أيضاً= هو تعبير يشير لصعوبة التبشير في روما التي تمجد القوة، وهو سيذهب ليبشر بنجار مصلوب وهو موت العبيد الذين إرتكبوا أبشع الجرائم، قال أحد فلاسفة الرومان: "أتمني أن لا تخطر فكرة الصلب علي بال إنسان روماني شريف"

لتبشيركم= إذا فإيمانهم محتاج لمراجعة جذرية، بسبب التقاليد اليهودية التي دخلت لإيمانهم. ولشعوره بالدين نحوهم هو مستعد للذهاب إليهم.

 

آية (16): "لأني لست استحي بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم لليوناني."

لأنه قوة الله للخلاص= هو لا يخجل من إنجيل الله لأنه يشعر بقوة هذا الإنجيل. فالإنجيل ليس رسالة نظرية أو فلسفة فكرية تعليمية، إنما هو عمل إلهي جبار، وحركة حب إلهي لا تتوقف لتبلغ بالإنسان إلي شركة الأمجاد الإلهية. هو قوة يشعر بها بولس الرسول وسيشعر بها كل مؤمن. هو قوة مجالها خلاص الإنسان، قوة تعمل في الفكر والإرادة والنفس والشعور والجسد. بعظة واحدة من بطرس آمن 3000 لأن الكلمة لها قوة جبارة غيرت الدولة الرومانية نفسها للمسيحية. فالإنجيل قائم علي عملية تغيير كبري بواسطة المسيح، تعطي الخلاص وتهبه للذين يؤمنون بالمسيح. لليهودي أولاً= زمنياً فقط، فاليهود كانوا أسبق في إرتباطهم بالله. وقد أخذوا المواعيد بالخلاص وأئتمنوا علي ناموس الله أولاً. ولهذا فعليهم واجبات أكثر فلا محاباة، هم عليهم الإيمان بالمسيح أولاً ثم أن يبشروا هم الأمم ثم لليوناني: فالأمم أيضا مدعوين.

فيه معلن بر الله= هذا الإنجيل الذي أبشر به هو قوة الله للخلاص (آية 16) وكيف يخلص؟ بأن يجعل المؤمن باراً. وهل يستطيع كل مؤمن أن يصبح باراً؟ قطعاً فعمل نعمة الله التي تبرر عمل قوي جداً جداً. الله يعطي للمؤمن المعمد والممسوح بزيت الميرون، أن يحل عليه الروح القدس الذي له قوة جبارة في تغيير حياة المؤمن، من حياة الخطية إلي حياة البر، وتغيير شاول الطرسوسي نفسه إلي بولس الرسول خير شاهد لذلك (راجع معني التبرير في المقدمة). ولنفهم أنه علينا أن نغصب أنفسنا كمؤمنين لنفعل البر (جهاد إيجابي) والنعمة تعطينا أن نتلذذ ونتعزي بعمل البر. ولاحظ أننا نصير أبراراً بحياة المسيح فينا. ولاحظ أن بر الناموس كان "إعمل فتحيا" أمّا في المسيحية فالتبرير يبدأ بالإيمان بالمسيح فلا بر خارج عن الإيمان بالمسيح. ثم يأتي دور المعمودية التي فيها نموت ونقوم مع المسيح بحياته. ويأتي بعد ذلك دور حلول الروح القدس الذي يثبتنا في المسيح، وبقدر ما نثبت في المسيح ننمو في البر. ونحن نثبت في المسيح بقدر ما نصلب أنفسنا مع المسيح ونجاهد (جهاد سلبي وجهاد إيجابي) لذلك فمدخل التبرير في المسيحية هو الإيمان معلن بر الله بإيمان. بإيمان لإيمان= الإيمان ينمو ويزداد (2تس3:1+ لو5:17). والله قسم لكل منا قدر من الإيمان (رو3:12) ونحن أمّا ننمي هذا القدر أو ننقصه وكل إيمان نبلغه يعبِّر عن مستوانا الروحي الذي وصلنا إليه، وطوبي للجياع والعطاش إلي البر .. (مت6:5). مثل هؤلاء ينمو باستمرار مستواهم الروحي وبالتالي ينمو إيمانهم من إيمان لإيمان أعمق وأعلي وهذا متوقف علي جهادنا (سلبي وإيجابي) وعلي خضوعنا وتسليمنا الحياة بين يدي الله بشكر وبلا تذمر، بهذا ينمو الإيمان، بل ننمو في المجد، ومن مجد إلي مجد (2كو18:3). وقطعاً فكلما نزداد في درجتنا الإيمانية سنزداد في عمل البر وحياة البر. ولاحظ أن الإيمان هو ثمرة للإمتلاء من الروح القدس (غل22:5، 23) والإمتلاء من الروح يأتي بالجهاد (راجع المقدمة).

تأمل:- في الآية كما قصدها حبقوق وبنفس مفهومه، فمن يقع في تجربة الآن. عليه أن ينظر لله بإيمان بأن الله سيرحمه ويتحنن عليه، ويحول الضيقة لخيره فهو صانع خيرات. وهذا عكس من يخاصم الله وقت التجربة. في هذه الآية نجد أن المؤمن ينمو بإستمرار في بر المسيح، ولكن هذا لا يعني أننا نصير بلا خطية، فطالما نحن في الجسد فنحن معرضون لأن نخطئ ولكن التوبة والإعتراف يغفران الخطية. 

 

+     +     +

الأبركسيس من أعمال 1 : 1 – 14

 

1الكلام الاول انشاته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدا يسوع يفعله و يعلم به
2 الى اليوم الذي ارتفع فيه بعدما اوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم
3 الذين اراهم ايضا نفسه حيا ببراهين كثيرة بعدما تالم و هو يظهر لهم اربعين يوما و يتكلم عن الامور المختصة بملكوت الله
4 و فيما هو مجتمع معهم اوصاهم ان لا يبرحوا من اورشليم بل ينتظروا موعد الاب الذي سمعتموه مني
5 لان يوحنا عمد بالماء و اما انتم فستتعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الايام بكثير
6 اما هم المجتمعون فسالوه قائلين يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك الى اسرائيل
7 فقال لهم ليس لكم ان تعرفوا الازمنة و الاوقات التي جعلها الاب في سلطانه
8 لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم و تكونون لي شهودا في اورشليم و في كل اليهودية و السامرة و الى اقصى الارض
9 و لما قال هذا ارتفع و هم ينظرون و اخذته سحابة عن اعينهم
10 و فيما كانوا يشخصون الى السماء و هو منطلق اذا رجلان قد وقفا بهم بلباس ابيض
11 و قالا ايها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء ان يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء سياتي هكذا كما رايتموه منطلقا الى السماء
12 حينئذ رجعوا الى اورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون الذي هو بالقرب من اورشليم على سفر سبت
13 و لما دخلوا صعدوا الى العلية التي كانوا يقيمون فيها بطرس و يعقوب و يوحنا و اندراوس و فيلبس و توما و برثولماوس و متى و يعقوب بن حلفى و سمعان الغيور و يهوذا اخو يعقوب
14 هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة و الطلبة مع النساء و مريم ام يسوع و مع اخوته


 

الآن وقد قُدم الثمن بالكامل قام السيد المسيح من بين الأموات، مؤكدًا قبول الآب لذبيحة الصليب، فصار من حق البشرية أن تتمتع بالدخول إلى السماويات خلال برّ المسيح القائم من الأموات. وقد جاء هذا الأصحاح يوضح التهيئة العملية لميلاد كنيسة المسيح في يوم الخمسين ككنيسة يقودها الروح القدس بنفسه.

 

١. جذب التلاميذ نحو الملكوت

بعد أن وجّه الإنجيلي لوقا السفر إلى ثاوفيلس أوضح عمل السيد المسيح مع تلاميذه خلال فترة الأربعين يومًا من يوم قيامته حتى صعوده، حيث سحب قلوبهم إلى ملكوت الله، وألهبها للبلوغ إليه. قيامته غيَّرت نظرتهم إليه، فلم يعد يعيش في وسطهم نهارًا وليلاً، يمارس الحياة البشرية اليومية، لكنه صار يلتقي بهم في ظهورات، حيث صار موضعه الطبيعي بعد القيامة هو السماء. مع كل ظهورٍ كانوا يشتاقون إلى الحياة الجديدة المُقامة ليمارسوا عربون السماويات حتى يحل يوم لقائهم معه على السحاب وينالوا شركة المجد الأبدي.

"الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس،

عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به" [1].

تخدم مقدمة إنجيل لوقا (لو ١: ١-٤) السفرين معًا بكونهما أشبه بكتابٍ واحدٍ في مجلدين، أما مقدمة أعمال الرسل (١: ١-٢) فتربط السفرين معًا.

لقد قدم في الكلام (المقال) الأول عرضًا لأقوال السيد المسيح وأعماله. إنه لم يكن ممكنًا لسفرٍ ما أن يسجل تفاصيل كل أحاديث السيد ومعجزاته وأعماله الخلاصية (يو ٢١: ٢٥)، لكنه سجل جوهر الأحاديث والأعمال.

 

"إلى اليوم الذي ارتفع فيه،

بعدما أوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم" [2].

في حديثه الوداعي وعدهم بكل وضوح بعطية روحه القدوس المعزي، الذي يقدم لهم كل الحق، ويفتح أذهانهم لمعرفة الكتب المقدسة، ويجتذب العالم إلى معرفته، حيث يبكت على خطية وعلى برٍّ وعلى دينونة، كما نفخ في وجوه تلاميذه وأعطاهم نفخة الروح لكي كل ما يحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء، وما يربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء. أما بعد قيامته فقد "أوصاهم بالروح القدس". ربما ركز أغلب أحاديثه عن الروح القدس، لذلك كانت قلوبهم تلتهب حبًا نحو السماويات. ولعلهم كانوا يتساءلون علانية أو خفية: من يستطيع أن يسلك في شركة مع القائم من الأموات؟ جاءت إجابة السيد المسيح لهم: بالروح القدس!

لم يسجل لنا لوقا البشير أحاديث السيد معهم عن الروح القدس، بل ترك الأحداث الواردة في السفر تكشف عما وعد به السيد، وما تمتعوا به بحلول الروح القدس عليهم، وسكناه في داخل الكنيسة الحديثة الولادة.

 

"الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ببراهين كثيرة،

بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يومًا،

ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله" [3].

يقدم لنا لوقا البشير خدمة السيد المسيح لتلاميذه بظهوره لهم دفعات كثيرة خلال الأربعين يومًا، مؤكدًا لهم أنه حي ببراهين كثيرة، ومحدثًا إياهم عن ملكوت الله. خدمته في هذه الفترة مختلفة تمامًا عن خدمته خلال الثلاث سنوات السابقة. لم يعد يقدم أشفية وإقامة موتى، ولا عظات للجماهير، ولا حوار معه، إنما أعلن بكل وسيلة عن حقيقة شخصه أنه غالب العالم الشرير والموت والشيطان، من يقتنيه يقتني الغلبة والنصرة، ويتمتع بالحياة الجديدة المُقامة، بكونها عبورًا إلى عربون السماء، وتمتعًا بالمجد السماوي الداخلي.

التعبير اليوناني للكلمتين "ببراهين كثيرة tekmhrion" يعنى "علامات مُلزمة"، أو "علامات لا تُقاوم" أو "معصومة من الخطأ "infallible proofs. فإن كانت القيامة هو عصب الإيمان والخلاص، بدونها يُفقد الصليب دوره، لهذا قدم السيد المسيح براهين كثيرة لتأكيدها، أما هذه البراهين أو العلامات التي لا تُقاوم فهي:

1. كانت ظهوراته لأشخاصٍ مختلفين وفي أوقات متباينة (1 كو 15) خلال فترة دامت أربعين يومًا، هي إعلانات لا يمكن أن تحمل أي نوعٍ من الخداع، بل كانت تجتذب من يلتقون به. ربط السيد ظهوراته بآلامه وصلبه، إذ كشفت عن مجد الصليب بتأكيد قيامته، فصار التلاميذ يعتزون بالقول: "بعدما تألم"، فما كان يمكنهم التمتع بمجد هذه الظهورات الإلهية وإدراك حقيقة شخص السيد المسيح ورسالته لو لم يجتز الألم. هي طريق مجده، أي طريق تحقيق رسالته كمخلصٍ لنا، به ومعه نجتاز الألم لنعبر إلى الأمجاد. "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17). "باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم (الأنبياء)، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها" (1 بط 1: 11). هكذا صار الألم طريق المجد الحقيقي، إذ يقول الرسول: "كما اشتركتم في آلام المسيح، افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضا مبتهجين" (1 بط 4: 13). هنا ندرك سرّ اعتزاز الكنيسة بالتعبير "آلامك المحيية"، وتكراره يوميًا في صلوات السواعي وفي الليتورجيات الكنسية كسرّ خلاصنا ومجدنا الأبدي.

2. عدم توقعهم لقيامته (يو 20: 25؛ لو 24: 19-24) أكد أن ظهوراته لم تكن عن أوهامٍ أو خيالاتٍ أو تصوراتٍ كانت مسبقة في أذهانهم.

3. ظهر لهم كصديقٍ ورفيقٍ لهم، ولكن على مستوى جديدٍ وفائقٍ. لقد أكل وشرب معهم، ولكن ليس كحياةٍ يوميةٍ عاديةٍ، كما كان قبل قيامته.

4. لقاؤه مع تلاميذه في الجليل كما عيَّن لهم. لقد رأوا ذاك الذي عاشوا معه قرابة ثلاث سنوات عن قربٍ شديدٍ، يعرفونه حق المعرفة.

5. خضوع جسده للمس، ليصرخ كلٍ منهم في أعماقه مع توما الرسول قائلاً: "ربي وإلهي".

6. لم تكن ظهورات مجردة، بل قدم لهم أحاديثه عن ملكوت الله الذي بدأوا يدركونه بمفهومٍ جديدٍ بعد تمتعهم بالقائم من الأموات والحوار معهم.

ملكوت الله: ما قدمه السيد المسيح لتلاميذه خلال هذه الفترة كرصيدٍ حيٍ لكرازتهم هو الكشف عن سرّ صليبه والتمتع بقوة قيامته. يقدم ذاته لهم بكونه المصلوب القائم من الأموات. بهذا صار ملكوت الله منظورًا ومسموعًا وملموسًا بالمسيح القائم من الأموات. وبهذا يترنم التلاميذ: "الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" (1 يو 1:1). فالشهادة العملية لقيامته من الأموات هي الجانب العملي لخبرة ملكوت الله فينا. أو بمعنى آخر ملكوت الله في جوهره هو اتحاد مع المسيح المصلوب القائم من الأموات والصاعد إلى السماوات.

قبل قيامته لم يكن التلاميذ قادرين على إدراك أسرار السيد المسيح، لذا قال لهم: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو 16: 12). أما وقد صارت القيامة واقعًا يمكنهم أن يتلمسوه، لم يعد يقول لهم: "أحتى الآن لا تفهمون... كيف لا تفهمون؟" (مت 16: 9، 11)، إنما "فتح ذهنهم ليفهموا الكتب" (لو 24: 45).

ربما يتساءل البعض: لماذا لم يظهر السيد علانية لكل البشرية كما صُلب علانية، وإنما ظهر للتلاميذ والرسل ولمجموعاتٍ معينة؟

1. كان لابد من إعلان حبه للبشرية كلها بصلبِه علانية، فهو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. أما القيامة فهي هبة تُعطي للمشتاقين إليها، وإلى المخلصين في التعرف على شخص المسيح القائم من الأموات.

2. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لو ظهر علانية للجميع لظن الكل أنه مجرد ظهور لشخصه، وليس قيامة من الأموات. فالتلاميذ أنفسهم مع سماعهم عدة مرات عن قيامته قبل صلبه، وظهوره لهم، ولمسه، بل واشتراكه مع بعضهم في الأكل... مع كل هذا كانوا في حالة اضطرابٍ شديدٍ وارتباكٍ، إذ لم يكن من السهل قبول قيامة ميت! لهذا أراد السيد بكل الطرق تأكيد قيامته لهم بكل وسيلة حتى يكونوا شهودًا لها في كرازتهم في العالم أجمع.

حتى بعد قيامته وظهوراته المستمرة لهم كانوا في ارتباكٍ شديدٍ، مع الشعور بثقل المسئولية، بل واستحالة تحقيق رسالتهم الموكلة إليهم. لهذا حدثهم عن "الأمور المختصة بملكوت الله"، ليس كالأحاديث السابقة قبل قيامته، إنما أحاديث عملية بالكشف عن شخصه لهم، ليدركوا أن ملكوت الله هو التعرف عليه والتمتع بحبه والشركة معه. فالملكوت هو لقاء حي عملي معه. كما كشف لهم عن إرسالية الروح القدس الذي يسكن فيهم ويهبهم القوة للشهادة له، فيتحقق ملكوت الله في قلوب الكثيرين في العالم كله!

 

٢. الوعد بالقائد الإلهي

"وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم،

بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعتموه مني" [4].

يرى البعض أنه عوض كلمة sunalizomeno "مُجتمع" جاءت في كثير من المخطوطات الكلمة اليونانية sunaulizomeno، لذلك كثيرًا ما تُترجم: "يأكل ملحًا معهم" كما جاءت في الترجمة السريانية الهرقلية، أو "يأكل خبزًا معهم" كما في السريانية البشيتا؛ وجاءت في القديس يوحنا الذهبي الفم: "وبينما هو على المائدة معهم". ولهذا يعتز التلاميذ بأنهم أكلوا وشربوا معه بعد قيامته كتأكيدٍ لحقيقة القيامة (أع 10: 40-41؛ لو 24: 42).

كما نال إبراهيم الوعد الإلهي من الله أثناء الوليمة معه وحوله الملاكان (تك 18: 1-8)، هكذا نال أبناء إبراهيم هنا الوعد بالروح القدس الذي يقيم من الحجارة أبناء لإبراهيم من كل الأمم وهو يأكل معهم.

"موعد الآب": سبق فوعد به الآب بالأنبياء في العهد القديم (إش 32: 15؛ 44: 3؛ يوئيل 2: 28-32). كما وعد به السيد المسيح أن الآب سيرسله أو سيرسله هو من عند الآب خمس مرات في يوحنا 14-16.

لماذا لم يحل الروح القدس علي التلاميذ أثناء وجود السيد المسيح على الأرض، أو بعد صعوده مباشرة؟

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن التلاميذ التزموا بالبقاء في أورشليم إلى أن يحل الروح القدس عليهم للأسباب التالية:

أولاً: إنهم أشبه بجيش الله الذي لن يقدر أن يدخل المعركة الروحية ما لم يحملوا السلاح، فيتهيأوا للمعركة. أو هم أشبه بالفُرس التي لا يمكنها أن تخرج للحرب ما لم يمتطيها الفرسان أو سائقو المركبات.

ثانيًا: كان يلزم أن يقبل الكثيرون في أورشليم الإيمان، فلا يخرج التلاميذ إلى الغرباء للشهادة للمصلوب القائم من الأموات كمن هم في استعراض، وإنما إذ يؤمن بعض ممن صلبوا السيد يصير إيمانهم شهادة قوية لقيامة السيد في ذات المدينة التي تم فيها صلبه ودفنه. بهذا يبكم التلاميذ أفواه المعترضين من الغرباء. فبإيمان بعض من الذين صلبوه يؤكد الرسل حقيقة صلبه وقيامته أيضًا.

ثالثًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن التلاميذ كانوا محتاجين إلي فترة إعداد لقبوله. فإن كان دانيال خرّ وسقط على وجهه عندما رأى ملاكًا (دا 8: 17) كم يكون بالأكثر حال التلاميذ حين يتقبلون نعمة عظيمة كهذه؟

رابعًا: في وجود السيد المسيح لم يشعر التلاميذ بالحاجة إلى معزٍٍ آخر، ولم يلتهب قلبهم شوقًا لقبول الروح القدس، أما بمفارقته لهم جسديًا شعروا بالحاجة إلى معزٍٍ آخر، وترقبوا حلول الروح القدس بشوقٍ عظيمٍ.

خامسًا: لما كان عمل الروح القدس هو تهيئة العروس لتحمل أيقونة عريسها، لذا حلّ الروح على التلاميذ بعد صعوده إلى السماوات لكي يحملوا سماته السماوية، ويشتاقوا للاتحاد معه لا ليلبثوا معه هنا على الأرض بل في السماء.

"لأن يوحنا عمد بالماء،

وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس،

ليس بعد هذه الأيام بكثير" [5].

لقد سبق فأعلن ذلك القديس يوحنا المعمدان (مت 3: 11)، وقد تحقق في يوم الخمسين وأثناء كرازة الرسل (أع 11: 15-17؛19: 1-6). كانت معمودية القديس يوحنا المعمدان للتوبة، كإعدادٍ لاقتراب ملكوت السماوات (مت 4: 17).

الآن يقول بوضوح: "إن يوحنا عمد بالماء، وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس". الآن لا يستخدم الشهادة (شهادة يوحنا المعمدان له)، إنما يرجع إلى شخص يوحنا، مذكرًا تلاميذه بما قاله، ومظهرًا لهم أنهم الآن قد صاروا أعظم من يوحنا، إذ هم يعمدون أيضا بالروح. مرة أخرى لم يقل: "أنا أعمدكم بالروح القدس" بل قال: "ستتعمدون"، معلمًا إيانا التواضع. هذا واضح بما فيه الكفاية من شهادة يوحنا أن المسيح نفسه هو الذي يعمد: "هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (لو 3: 16).

لماذا يقول المسيح: "ستتعمدون" مع أنه بالحقيقة لم يكن يوجد ماء في العلية؟ لأن الجزء الأساسي في العماد هو الروح، الذي خلاله يقوم الماء بعمله. بنفس الطريقة يُقال عن ربنا أنه مُسح مع أنه لم يٌمسح قط بزيت، وإنما لأنه قبل الروح. هذا بجانب أنهم بالحقيقة قبلوا عمادًا بالماء (وعمادًا بالروح) وذلك في لحظات مختلقه. ففي البداية عمدهم يوحنا...

"أما هم المجتمعون فسألوه قائلين:

يا رب هل في هذا الوقت ترُد الملك إلى إسرائيل؟" [6]

تعتبر هذه الآية امتدادًا للآية ٣، فقد كان من الصعب جدًا على التلاميذ أن يتخلصوا مما ثبت في أذهانهم عن ملكوت الله خلال الفكر اليهودي الحرفي، حيث كان الشعب يطلب المسيا كملكٍ أرضي (يو ٦: ١٥)، وكانوا يتطلعون إلى شعب الله كمملكة سياسية لها سلطانها الزمني. خلال الأربعين يومًا من قيامة السيد إلى صعوده كان يسحب قلوب التلاميذ من المفاهيم الأرضية البشرية إلى الفكر الإلهي السماوي.

لقد تحطم كل أملٍ لليهود في إقامة يسوع ملكًا، فهل أعادت قيامته الرجاء فيهم ليحتل ذات المركز بذات الفكر؟

سؤال التلاميذ للسيد يكشف عن مدى خطورة الأفكار الخاطئة التي تبعث بجذورها في أعماق الفكر، فمع كل هذا الزمن الذي عاش فيه التلاميذ أثناء خدمة السيد، ومع قيامته وأحاديثه معهم عن الملكوت السماوي خلال الأربعين يومًا، لازالت أفكارهم القديمة المتجذرة تقود أعماقهم. إنهم في حاجة إلى الروح القدس، روح المسيح، أن يحتل أعماقهم ويجدد أفكارهم ويخلصهم من الأفكار القديمة الخاطئة.

سؤالهم يكشف عن حيرتهم، فقد التصق العصر المسياني في ذهنهم بظهور مملكة إسرائيل المجيدة، والنصرة على الأمم والشعوب. وإذ لم يكن بعد قد حلّ عليهم الروح القدس لم يكن ممكنًا لهم التعرف على "مملكة المسيح" كما هي.

هل سيحتل يسوع كرسي موسى عوض رؤساء الكهنة والفريسيين؟

هل يجلس يسوع القائم من الأموات على العرش ليهب إسرائيل النصرة على الأمم؟

هل حان الوقت لطرد الرومان واستقلال إسرائيل؟

هذا وقد جاء التعبير "ترد apokaqistanein" ليعني "يعيد الأمر إلى وضعه" أو "تجديد".

"فقال لهم:

ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" [7].

هنا الحديث الأخير للتلاميذ مع السيد المسيح قبل صعوده. لم تكن قلوبهم قد ارتفعت بعد مع المسيح إلى السماء ليطلبوا مملكة سماوية. بينما كان السيد المسيح يقدم لهم الوعد بالروح القدس ليصعد بهم كما بجناحي حمامة إلي السماء، كانت قلوبهم لاتزال ملتصقة بالزمن والمجد الأرضي. كانوا يحملون في صدورهم حنينًا قويًا نحو ملكوت إسرائيل.

إذ كان السيد في طريقه للصعود، كانت آخر وصية لهم ألا ينشغلوا بالأزمنة والأوقات، حتى تنفتح قلوبهم على الأبدية، وتسمو أفكارهم فوق حدود الزمن.

أراد السيد المسيح ألا يعرف أحد الأزمنة والأوقات حتى لا يسقطوا في الكبرياء بسبب هذه المعرفة، بل يريد لهم التواضع. وكما يقول القديس أغسطينوس: [أنتم تريدون أن أعلن لكم عن الملكوت الآن... إنكم تحبون العلو، ستنالونه ولكن اتبعوني خلال التواضع.]

ماذا يعني بالأزمنة والأوقات؟ يقصد بالأزمنة البحث في تحديد أزمنة إقامة المملكة المسيانية. فعوض طلب الملكوت والتمتع بإمكانياته، ينشغل الإنسان بالحسابات الزمنية، وهذا أمر يشغل كثير من المؤمنين عبر القرون.

وأما الأوقات فتعني البحث في الأحداث القادمة، ماذا سيحدث حتى مجيء السيد المسيح الأخير.

في عصرنا الحالي مع الشعور بقرب النهاية ينشغل كثير من الدارسين بالأزمنة والأوقات، على سبيل المثال يتساءل الكثيرون:

+ متي ينتهي العالم؟

+ ما هو موقف إسرائيل الحالي؟ هل يقبلون الإيمان بالمسيح؟ هل ينالون ملكًا على مستوى العالم كله؟

+ بماذا تٌفسر أحداث 11 سبتمبر 2001 على ضوء سفر الرؤيا والأسفار النبوية في العهد القديم؟

+ هل نتوقع حربًا عالمية مدمرة؟

+ من يشترك في الحرب؟

+ وما هي التحالفات؟

تحول كثيرون في دراستهم للكتاب المقدس بعهديه إلي أبحاث في الأزمنة والأوقات، التي حذرنا منها السيد المسيح في آخر كلمات مع تلاميذه قبل صعوده.

خلال الأربعين يومًا من قيامته إلى صعوده أدركوا أمورًا سامية لم يكونوا بعد قد أدركوها، مثل الآتي:

+ إنه ابن الله المساوي للآب في الكرامة (يو 5: 17-20).

+ ستكون قيامة من الأموات (مت 17: 9).

+ أن الذي يصعد يجلس عن يمين الآب (لو 22: 69).

+ أنه مسجود له بواسطة الملائكة، وأنه سيأتي ثانية (مر 16: 19).

+ ما سيحدث في يوم الدينونة (مت 16: 27)، وأنهم يجلسون يدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر (لو 21: 27).

+ يُطرد اليهود ليدخل الأمم (مت 19: 28).

بدأت تتجلى أمامهم كل هذه الأقوال التي أعلنها السيد قبل صلبه، وتتضح خلال ظهوراته العجيبة، لكن لم يكونوا بعد قد تخلصوا من الأفكار اليهودية المادية تمامًا، لأنهم لم يكونوا قد نالوا بعد الروح القدس الذي يحملهم إلى السماويات، ويختبروا الحياة الجديدة المقامة.

يميز القديس جيروم بين ما يلزمنا أن نعرفه وما لا نطلب أن نعرفه، كمثال يصلي المرتل قائلاً: "يا رب عرفني نهايتي" (مز 39: 4) كأمرٍ ضروريٍ للغاية، حيث نعرف ما أعده الله لنا. أما ما هو أصل النفس البشرية وبدايتها فليس لنا أن ننشغل به، هل هي تولد من الوالدين كالجسد أم غير مولودة منهما؟ هذا لا يشغل ذهننا. والمثل الرائع في هذا التمييز الرسول بولس، فإنه عرف ما رآه وسمعه وتمتع به عندما ارتفع إلى السماء الثالثة، أما كونه قد ذهب بجسده أم خارج جسده، فهو ليس موضوع بحثه ولا سؤاله من الرب.

 

"لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم،

وتكونون لي شهودًا

في أورشليم، وفي كل اليهودية، والسامرة، وإلى أقصى الأرض" [8].

بقوله: "لكنكم" يصحح السيد المسيح وضع التلاميذ، فعوض الرغبة المتقدة لمعرفة الأزمنة والأوقات التي هي من سلطان الآب، يوجههم إلى تحقيق رسالتهم. فقد دُعوا لنوال قوة الشهادة على مستوى العالم كله، بفاعلية الروح القدس الذي يحل عليهم.

بينما كانوا لا يزالوا يتطلعون إلى مملكة المسيح بفكرٍ ماديٍ، فكانوا يتعجلون اليوم الذي فيه يُتوج ملكًا على إسرائيل ليسودوا العالم، إذا به يتحدث عن تتويجه ملكًا علي قلوب البشرية في العالم كله. هذا لن يتحقق إلا بتدبير الآب، الذي في سلطانه أن يجتذب القلوب إلى ابنه المصلوب بعمل روحه القدوس. هم سألوا عن اليوم، أما هو فحوّل فكرهم إلى السلطان الذي ينالونه من الآب للكرازة. هم سألوا عن إسرائيل، أما هو فحدثهم عن إسرائيل الجديد الذي يضم أورشليم وكل اليهودية والسامرة وأقصى الأرض. هذا ما قد سبق فتنبأ عنه داود النبي (مز 2: 8) وأيضًا حزقيال النبي (حز 21: 27).

ما سأله التلاميذ بخصوص معرفة اليوم لا ينفعهم شيئًا، لذلك حول أنظارهم إلى ما هو لبنيانهم. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم هذا الموقف بطفلٍ يصرخ طالبًا منا شيئًا غير نافعٍ له، فنخفي الشيء عنه، ونظهر له أيادينا فارغة كأنه ليس معنا، ثم نقدم له ما هو لنفعه. هكذا إذ سأل التلاميذ عن ذلك اليوم قال لهم إنه "في سلطان الآب" معرفة الأزمنة والأوقات، وكأنه بدا كمن كان فارغ اليدين، وكأن ليس في سلطانه تقديم هذه المعرفة لهم، ثم عاد فقدم لهم ما هو أهم بالنسبة لهم وهو نوال القوة والسلطة للعمل الجاد لإقامة هذا الملكوت.

يقول القديس الذهبي الفم إنه المعلم الذي يقدم لتلاميذه لا ما يختارونه بل ما هو مناسب لهم، وما يجب أن يتعلموه ويتعرفوا عليه.

"قوة": ينالون قوة إلهية لا تقف عند صنع الآيات والمعجزات باسم يسوع المصلوب، وإنما قوة سحب النفس بكل طاقاتها للإيمان بالسيد المسيح والتمتع بخبرة الحياة الجديدة المقامة من الأموات. الروح القدس وحده يقدر أن يخترق القلب والفكر ويعمل داخل النفس معلنًا الحرب على الخطية (أع 2: 37)، ومشرقًا ببهاء الثالوث القدوس فيها لتقبل عمل الله بفرحٍ.

 

"وتكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية والسامرة، وإلي أقصى الأرض" [8]. جاء سفر الأعمال يعلن تحقيق هذا الوعد الإلهي، ففي الإصحاحات السبعة الأولى كانت الشهادة محصورة في أورشليم. ومع بدء الأصحاح الثامن بدأت الشهادة في اليهودية والسامرة. ومع الأصحاح الحادي عشر (11: 19) انطلقت الخدمة خارج هذه الحدود حتى بلغت عاصمة الدولة الرومانية التي كانت تسود العالم في ذلك الحين. هنا يشير السيد المسيح إلى كل فئات البشر في ذلك الحين:

1. اليهود الذين يتمسكون بالناموس الموسوي والعبادة في الهيكل بكل طقوسها في حرفية جامدة.

2. الدخلاء الذين تهودوا، لكنهم في أعماقهم لا يعتزون بالختان حسب الجسد ولا حرفية الناموس، ولا يشغلهم الهيكل في ضخامة مبناه.

3. السامريون الذين كانا يخلطون بين عبادة الله الحيّ والعبادة الوثنية.

4. الأمم بعبادتهم للأوثان وممارسة طقوس متنوعة حسب عادات كل أمةٍ.

بدأت الشهادة بأورشليم، لأنه كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن العالم يقبل الإيمان حين يرى بعضًا ممن صلبوا السيد قد آمنوا بقيامته، فيكون ذلك برهانًا أكيدًا على قيامة السيد، صادرًا عن أعدائه المقاومين وقد صاروا مؤمنين به. هذا وقد جاء في إشعياء النبي: "من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم كلمة الرب" (إش 2: 3). وقد آمن في أورشليم نحو ثلاثة آلاف نفس في عظة واحدة (أع 2).

إذ كان على وشك أن يتركهم جسديًا قدم لهم ما يفرح قلوبهم ويسندهم في تحقيق رسالتهم ويعزيهم وسط آلامهم.

 

عند ميلاد كلمة الله المتجسد قدم جبرائيل الملاك هذا الوعد الإلهي: "الروح القدس يحل عليكِ، وقوة العلي تظللكِ، فلذلك أيضا القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله" (لو 1: 35). أنجبت القديسة مريم ابن الله المتجسد، وتمتعت بالأمومة الفريدة له، مع دوام بتوليتها. الآن يقدم الكلمة الإلهي المتجسد، يسوع المسيح، وعدًا بميلاد عروسه الأم البتول بقوة الروح القدس الذي يحل على البشر: "ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودا" [8]

المولود الأول هو ابن الله المتجسد القدوس، مولود بالروح القدس بقوة من الأعالي، والمولود الثاني عروسه الكنيسة المقدسة تولد من الروح القدس بقوة من الأعالي.

تحقق الميلاد الأول من العذراء مريم بعد تقديسها، والثاني من الرسل والتلاميذ بعد تقديسهم.

في الميلاد الأول صار السماوي ابن البشر ليحل في وسطنا، وفي الثاني يصير الأرضيون حاملين سمة السماوي، وفي أحضانه الإلهية يتمتعون بالسماويات.

صار المولود الأول من أجلنا جنينًا فطفلاً، وكان ينمو ويتقوى بالروح (لو 2: 4)، والمولود الثاني عروسه التي لها سلام تُبنى وتسير في خوف الرب بتعزية الروح القدس تتكاثر على الدوام (أع 9: 31).

المولود الأول جعل من كثيرين مسبحين لله، مثل القديسة مريم واليصابات وسمعان الشيخ؛ والمولود الثاني حول البشرية إلى جماعة مسبحين (أع 2: 47).

٣. ارتفاع الرأس إلى السماء

"ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون،

وأخذته سحابة عن أعينهم" [9].

يؤكد لوقا الإنجيلي: "ولما قال هذا... وهم ينظرون"، ففي قيامته لم يره أحد، لكن الطبيعة شهدت له، والقبر الفارغ، مع شهادة الجند أنه سُرق وهم نيام الأمر الذي لا يقبله عقل بل أكد قيامته، وظهورات السيد لكثيرين وفي أوقات متباينة وهو يتحدث معهم ويحاورهم، حتى لا يظنوا أن ما رأوه كان حلمًا جميلاً، أو وهمًا. ما كان يمكنهم أن يصدقوا حقيقة صعوده ويؤمنوا بها لو لم يروها بأعينهم.

كان لابد أن يروا صعوده ويتحدثوا مع الملاكين ليدركوا أن ملكوت المسيح ليس ملكوتًا أرضيًا زائلاً، بل ملكوت سماوي أبدي. ولكي يدركوا أن رسالته على الأرض قد كملت (يو ١٧: ٤؛ ١٩: ٣٠)، وكان لائقًا به أن يعود إلى مجده الذي له مع الآب (يو ١٧: ٤-٥؛ في ٢: ٦، ٩-١٠).

أتم السيد رسالته على الأرض، فصعد لكي يرسل الروح القدس ليقود كنيسته في العالم كله.

صعد إلى الآب لكي يهيئ لنا مجدنا خلال شفاعته الكفارية لدى الآب لغفران خطايانا وتبريرنا فيه، كرئيس الكهنة الأعظم (عب ٩: ٧-٨، ١١-١٢، ٢٥). ولكي يعلن انفتاح أبواب السماء لأول مرة لحامل الطبيعة البشرية، فصار لنا حق الصعود معه.

قدم لنا الإنجيلي لوقا هذا المشهد الحقيقي المثير والبديع لصعود السيد المسيح إلى السماء، وقد أخذته سحابة عن أعين تلاميذه. يقول المرتل: "الجاعل السحاب مركبته، الماشي على أجنحة الريح" (مز 104: 3). ويقول دانيال النبي: "كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان، أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه..." (دا 7: 13). يشير السحاب إلى السمو الفائق والجلال الإلهي (تث ٤: ١١؛ ٢صم ٢٢: ١٢؛ مز ٩٧: ٢)، كما يشير إلى الشكيناه Shekinah كمجدٍ يمثل الحضرة الإلهية (خر ٣٣: ٧-١١؛ ٤٠: ٣٤؛ مر ٩: ٧).

"ارتفع" إذ صار جسد الرب ممجدًا بقيامته من الأموات، لا سلطان للجاذبية الأرضية على الجسد القائم من الأموات، وأصبح طبيعيًا أن يرتفع، بل ويرفع معه كل من يلتصق به، أو يصير عضوًا فيه. "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع". (يو 12: 32)

بعد قيامته تسربل جسده بالمجد والتحف بالنور، ومن أجلنا أخفي ذلك عن الأعين حتى يتلامس معه تلاميذه ومن معهم ويتأكدون من قيامته. لقد قدم نعمة خاصة لتلاميذه لكي يروه صاعدًا، هذا الذي لما ظهر لشاول الطرسوسي وهو في طريقه إلى دمشق ارتعد وتحير، "بغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض". (أع 9: 3-4)

لقد أخفى مجده عن أعين الذين التقوا معه حتى إذ أخذته سحابة عن أعينهم، رفع الحجاب عن مجده، ولم يعُد بعد يمكن للأعين البشرية أن تراه. إنما نراه بعد أن يهبنا قيامة أجسادنا لتصير على مثال جسده الممجد. "حينئذ ينظرون ابن الإنسان آتيًا في سحابٍ بقوةٍ كثيرةٍ ومجدٍ" (مر 13: 26).

"وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق،

إذا رجلان قد وقفا بهم بلباسٍ أبيض" [10].

إذ كانت الملائكة تشتهي خدمته والشهادة له، ظهر ملاكان للحاضرين يشهدان لصعوده، ربما كانا ذات الملاكين اللذين كانا في القبر يشهدان لقيامته.

رأوا ملاكين في شبه بشر بلباسٍ أبيض، كأنهما ملتحفان بالنور علامة الطهارة والفرح والمجد. غالبًا ما تظهر الملائكة بلباسٍ أبيضٍ (يو ٢٠: ١٢؛ مت ٢٨: ٣؛ مر ١٦: ٥)، ويظهر المفديون في السماء سائرين مع المخلص بثيابٍ بيضٍ؛ كما قيل: "من يغلب فذلك سيلبس ثيابًا بيضًا" (رؤ ٣: ٥، ٧: ٩، ١٣-١٤).

 

"وقالا أيها الرجال الجليليون،

ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟

إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء،

سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء" [11].

كان موطن التلاميذ هو الجليل، فلا نعجب إن دعاهم الملاكان جليليين.

ليس من منظر لحدثٍ في تاريخ البشرية يمكن أن يبهر الإنسان مثل صعود السيد المسيح على السحاب، يقابله تمامًا مجيئه على السحاب لكي يحمل معه كنيسته في موكب سماوي فائق، ويدخل بها إلى الأمجاد الأبدية.

لماذا كانوا واقفين ينظرون إلى السماء؟

1. كانت أعين الجميع شاخصة تتطلع إلى سيدهم الصاعد إلى السماء، ربما يترقبون في أعماقهم ماذا يحدث بعد ذلك. وقفوا في حيرة: ما هو دوره؟ وما هو دورهم هم بعد صعوده؟

2. يرى البعض أنهم إذ كانوا يتحدثون مع السيد المسيح عن رد المُلك لإسرائيل ظنوا أنه قد حان الوقت لكي يملك ويخلص الشعب من الاستعمار، الآن إذ صعد أمامهم أصيبوا بحالة إحباط، بأنه لن يُرد الملك لإسرائيل.

3. إذ سبق فأعلن لهم أنه يصعد إلى السماء ويعود، ربما ظنوا أنه بصعوده يعود فورًا، فكانوا يشخصون إليه مترقبين سرعة رجوعه.

4. كان منظر صعوده بديعًا للغاية، وبدأت مظاهر المجد تنكشف، لهذا كان الحاضرون يشخصون إلى السماء وهو منطلق، وكأنهم يودون ألا يفارق هذا المنظر أعينهم. وذلك كما حدث في التجلي حيث طلب القديس بطرس: "جيد يا رب أن نكون هنا".

ظهرا بثيابٍ بيضٍ ليحولا أنظار الحاضرين إلى الاستعداد لمجيء المسيح الأخير. تحدثا معهم كأن مجيئه يتم في خلال يومٍ أو أيامٍ، فإنه لا يشغل الملائكة الزمن بل اللقاء مع ربهم. لقد أرادوا أن يلتهب قلب الكنيسة شوقًا نحو مجيء عريسها، كأنه قادم في لحظاتٍ. وكما يقول الرسول: "إنها الساعة الأخيرة". ها قد عبر حوالي ألفين من السنين، ونحن بكل شوقٍ نترقب مجيئه كمن في اللحظات الأخيرة!

بينما كان الحاضرون يتطلعون في دهشة إذا بملاكين يسحبان قلوبهم إلي مثل هذا المنظر حين يأتي السيد المسيح على السحاب كما علي المركبة الإلهية ليحمل فيها عروسه المقدسة، تنطلق معه إلي البيت السماوي، بيت الزوجية، لتعيش في الأحضان الإلهية.

 

يرى البابا أثناسيوس الرسولي أن في هذا لتأكيد بأننا نعبد الرب المتجسد الصاعد هكذا، والذي سيأتي هكذا، إذ تعثر البعض في المسيح بسبب جسده.

"حينئذ رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون،

الذي هو بالقرب من أورشليم على سفر سبت" [12].

ألهب المنظر قلوبهم، فعادوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ (لو 24: 52)، وكانت المسافة بين الجبل وأورشليم هي "سفر سبت"، أي حوالي كيلومتر واحد، تُدعى بالعبرية "تخوم السبت". يرى البعض أن سفر سبت وإن كان لم يحدده الناموس، لكن حسب التقليد اليهودي كانت هذه المسافة تعادل ٢٠٠٠ خطوة، لأنه لم يكن يُسمح لأحد أن يقيم حول الخيمة بأكثر من ٢٠٠٠ خطوة حتى يمكنه الذهاب إلى الخيمة للعبادة في يوم السبت. صار هذا تقليدًا خاصًا بمحلة إسرائيل. كما لم يكن يُسمح للاويين أن يسكنوا في مدن أبعد من ٢٠٠٠ خطوة من الهيكل لذات الغرض.

صعود السيد وهبهم فرحًا داخليًا، إذ بدأوا يدركون أن مملكة المسيح هي السماء، وحيث يملك هو يملكون معه. هذا الفرح الداخلي وهبهم قوة تتحدى كل الظروف، وكما قيل: "لأن فرح الرب هو قوتكم" (نح 8: 10). صار كل ما يشغلهم أن يشهدوا له أمام العالم لكي يصير الكل "منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الرب" (2 بط 3: 12).

لم يسأل التلاميذ الملاكين عن موعد مجيئه ثانية، فقد اُمتصت أفكارهم في ذاك الصاعد إلى السماء، وأدركوا ما سبق فقاله المرتل عنه: "السحاب والظلام تحت قدميه" (مز 18: 9؛ 92: 2). أدركوا أنه رب السماء. كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كملكٍ أظهر لهم المركبة الملوكية، هذه قد أُرسلت إليه.]

"ولما دخلوا صعدوا إلى العلية التي كانوا يقيمون فيها،

بطرس ويعقوب ويوحنا

وأندراوس وفيلبس وتوما

وبرثولماوس ومتى ويعقوب بن حلفى

وسمعان الغيور ويهوذا أخو يعقوب" [13].

وردت قائمة التلاميذ الإثني عشر في متى ١٠: ٢ الخ؛ مر ٣: ١٦ الخ؛ لو ٦: ١٤ الخ).

سمعان القانوي أو الغيور: يقصد بالقانوي أنه كان من قانا، أما الغيور فلأنه يتبع جماعة الغيورين، وهي فئة كانت تنادي بالتحرر من الاستعمار الروماني للتمتع بالحرية باستخدام القوة. استمدوا فكرهم من فينحاس الغيور علي بيت الرب (عد 25: 10-13). ويقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي أنهم ذوو صلة بثوداس الثائر (أع 5: 37) الذي رتب ثورة ضد الرومان سنة 6 ميلادية. ومع فشل الثورة بقي إتباعه يحملون روحه الثائرة، وقد أثاروا فيما بعد ثورة عام 66 انتهت بدخول تيطس أورشليم عام 70م وحرق الهيكل وتدميره تمامًا.

كانوا يجتمعون معًا في العلية التي في بيت مريم أم القديس مرقس الرسول. ويبدو أن البيت كان متسعًا جدًا وأيضًا العلية، إذ قيل: "كانوا يقيمون فيها". ربما كانت النسوة يُقِمْنَ في الدور الأسفل، بينما كان التلاميذ يقيمون في العلية. وعندما حلّ الروح القدس كريح عصفت بالبيت كله وملأته.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن التلاميذ لم يظهروا أية علامة للحزن عند صعود السيد المسيح كما حدث مع أليشع حين أُخذ سيده إلى السماء، إذ مزق ثوبه (2 مل 2: 12). بل يقول الإنجيلي لوقا: "فسجدوا له، ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ، وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله" (لو 24: 52-53). ولعل سرّ فرحهم قول الملاك: "سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء" [11]. صعوده ورجاؤهم في المجيء الأخير له حول حياتهم إلى تسبيحٍ دائمٍ في هيكل الله.

"هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفسٍ واحدة على الصلاة والطلبة،

مع النساء ومريم أم يسوع ومع اخوته" [14].

جاءت كلمة "يواظبون" في اليونانية لا تعنى مجرد الانتظام، وإنما تعني الغيرة المتقدة والإصرار على الانتظام بأمانة وإخلاص.

"الصلاة والطلبة": غالبًا ما عنى بالصلاة هنا الصلوات الطقسية الخاصة بالسواعي، وما تضمنته من طلباتها الثماني عشرة، أو البركات "براكوت".

يكشف سفر الأعمال عن طبيعة الكنيسة أنها جماعة مقدسة دائمة الصلاة والطلبة بنفسٍ واحدةٍ.

كانت الكنيسة تضم "النساء" دون تخصيص، اللواتي تبعنه من الجليل (لو 8: 1-3)، واللواتي كن معه عند الصليب وعند القبر (مت 27: 55-56). ويقول الإنجيلي: "وأُخر كثيرات صعدن معه إلى أورشليم". (مر 15: 41)

"اخوته" كما يقول القديس جيروم إنهم أبناء خالته (مر 15: 40).

+       +       +

مزمور إنجيل القداس 102 : 13 ، 16

أما أنت يارب فإلى الدهر جالس وذكرك إلى دور فدور ....إذا بنى الرب صهيون يرى بمجده

 

 


 

إنجيل القداس من لو 1 : 1 – 25

1 اذ كان كثيرون قد اخذوا بتاليف قصة في الامور المتيقنة عندنا
2 كما سلمها الينا الذين كانوا منذ البدء معاينين و خداما للكلمة
3 رايت انا ايضا اذ قد تتبعت كل شيء من الاول بتدقيق ان اكتب على التوالي اليك ايها العزيز ثاوفيلس
4 لتعرف صحة الكلام الذي علمت به
5 كان في ايام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة ابيا و امراته من بنات هرون و اسمها اليصابات
6 و كانا كلاهما بارين امام الله سالكين في جميع وصايا الرب و احكامه بلا لوم
7 و لم يكن لهما ولد اذ كانت اليصابات عاقرا و كانا كلاهما متقدمين في ايامهما
8 فبينما هو يكهن في نوبة فرقته امام الله
9 حسب عادة الكهنوت اصابته القرعة ان يدخل الى هيكل الرب و يبخر
10 و كان كل جمهور الشعب يصلون خارجا وقت البخور
11 فظهر له ملاك الرب واقفا عن يمين مذبح البخور
12 فلما راه زكريا اضطرب و وقع عليه خوف
13 فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لان طلبتك قد سمعت و امراتك اليصابات ستلد لك ابنا و تسميه يوحنا
14 و يكون لك فرح و ابتهاج و كثيرون سيفرحون بولادته
15 لانه يكون عظيما امام الرب و خمرا و مسكرا لا يشرب و من بطن امه يمتلئ من الروح القدس
16 و يرد كثيرين من بني اسرائيل الى الرب الههم
17 و يتقدم امامه بروح ايليا و قوته ليرد قلوب الاباء الى الابناء و العصاة الى فكر الابرار لكي يهيئ للرب شعبا مستعدا
18 فقال زكريا للملاك كيف اعلم هذا لاني انا شيخ و امراتي متقدمة في ايامها
19 فاجاب الملاك و قال له انا جبرائيل الواقف قدام الله و ارسلت لاكلمك و ابشرك بهذا
20 و ها انت تكون صامتا و لا تقدر ان تتكلم الى اليوم الذي يكون فيه هذا لانك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته
21 و كان الشعب منتظرين زكريا و متعجبين من ابطائه في الهيكل
22 فلما خرج لم يستطع ان يكلمهم ففهموا انه قد راى رؤيا في الهيكل فكان يومئ اليهم و بقي صامتا
23 و لما كملت ايام خدمته مضى الى بيته
24 و بعد تلك الايام حبلت اليصابات امراته و اخفت نفسها خمسة اشهر قائلة
25 هكذا قد فعل بي الرب في الايام التي فيها نظر الي لينزع عاري بين الناس


 

 

الأصحاح الأول

البشارة بالتجسّد

جاء الأصحاح الأول من هذا السفر أشبه بمقدَّمة له تكشف عن غاية السفر كله ألا وهو الإعلان عن شخص المسيَّا بكونه صديق البشريّة الحقيقي، الذي يهبها البهجة، ويحول حياتها إلي أنشودة تسبيحٍ مفرحٍ. ففي هذا الأصحاح نجد الإعداد لمجيء هذا الصديق الفريد الذي يهب اليصابات ابنًا في شيخوختها ينزع عارها، ويفتح لسان زكريَّا الكاهن بالتسبيح عند ولادة السابق للمسيح، وتنعم فتاة الناصرة الفقيرة والبتول بشارة سماويّة فائقة، حتى الجنين في أحشاء اليصابات يَّتهلَّل ويرقص مبتهجًا. هذه جميعها صور تمهيديّة تكشف عن شخص السيِّد المسيح نفسه، وعمله في حياتنا كصديقٍ سماويٍ، قادر أن ينزع عقرنا ويفتح لساننا، ويردّ لنا بهجتنا.

1. مقدَّمة السفر

افتتح معلِّمنا لوقا إنجيله بالعبارات التاليّة:

"إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصّة في الأمور المتيقِّنة عندنا.

كما سلّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدَّامًا للكلمة.

رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبَّعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب إليك أيها العزيز ثاوفيلس.

لتعرف صحة الكلام الذي عُلّمت به" [1-4].

في هذه المقدَّمة كتبت باليُّونانيّة في أسلوب بليغ نلاحظ الآتي:

1. ظروف الكتابة هي وجود كثيرين ممَّن كتبوا عن الأمور المتيقِّنة الخاصة بالسيِّد المسيح وأعماله الخلاصيّة. يرى قلَّة من الدارسين أنه يقصد بهذا الإنجيليِّين مرقس ومتّى، لكن الرأي الغالب أنه يقصد أناسًا غير مخلِّصين حاولوا الكتابة عن شخص السيِّد المسيح بفكرٍ خاطئٍ... لكن أعمالهم لم تقبلها الكنيسة الأولى كأسفار قانونيّة. ويميز العلامة أوريجينوس بين إنجيل معلِّمنا لوقا (وأيضًا بقيّة الأناجيل) التي كُتبت بوحي الروح القدس وتسلّمتها الكنيسة، وبين المحاولات البشريّة لكتابة أناجيل، فيقول: [معني كلمة "أخذوا" أنهم حاولوا، وفي هذا إتهام موجَّه ضدَّهم ضمنيًا، إذ حاولوا كتابة الأناجيل دون إرشاد الروح القدس، أما البشيرون متَّى ومرقس ولوقا ويوحنا فلم يحاولوا التأليف إنما امتلأوا بالروح القدس فكتبوا الأناجيل... أربعة أناجيل هي القانونيّة، منها وحدها نستقي إيماننا بربِّنا ومخلِّصنا.]

ب. يكتب معلِّمنا لوقا "الأمور المتيقِّنة" والأكيدة، لذلك يشبِّه القدّيس أمبروسيوس هذا السفر بالبيت الذي يُبنى علي الصخر، المرتبط بالإيمان الكامل الثابت غير المتزعزع، هذا الإيمان يقوم على الفهم الروحي والإدراك والتمييز بين الحق والباطل، وليس على المعجزات المجرّدة.

بنفس المعنى يقول العلامة أوريجينوس: [يعبِّر القدّيس لوقا عن مشاعره بقوله: "الأمور المتيقِّنة عندنا". لقد عرف القصّة بكل يقين الإيمان والعقل فلم يتردّد في تصديقها، وهذا حال المؤمن. لقد بلغ قمَّة الإيمان كقول النبي: "ثبِّت كلامك في قلبي" (مز 119). لذلك يقول الرسول عن المؤمنين الأقوياء الأشدَّاء أنهم متأصِّلون ومتأسِّسون في الإيمان (أف 3: 18). الإنسان المتأصِّل والمؤسّس في الإيمان لا يمكن أن ينهدم أو يسقط بُناؤه حتى إن هبَّت العاصفة وهاجت الرياح ونزلت الأمطار كالسيول عليه، لأن بِناءه مؤسّس ومتين. هذا ويليق بنا ألا نعتقد بأن قوّة إيماننا تقوم على الرؤيّة الملموسة أو هي ثمرة ذكاء أو عقل. لنترك غير المؤمنين يؤمنون خلال العلامات والمعجزات الظاهرة، أما المؤمن المحنَّك القوي فيسلك ويفكِّر بالروح مميِّزًا الحق من الباطل.]

ج. ما يسجله لنا معلِّمنا لوقا البشير إنما قبِله خلال "التسليم" أو ما نسميه "التقليد"، وهو الوديعة المُعاشة في حياة الكنيسة بالروح القدس تتسلّمها الأجيال خلال التسليم الشفوي والكتابي وخلال العبادة والسلوك... هذا ما أكَّده الإنجيلي بقوله "كما سلَّمها إلينا الذين كانوا من البدء معاينين وخدَّاما للكلمة".

علّق العلامة أوريجينوس علي العبارة السابقة مبرزًا نقطتين رئيسيَّتين في التسليم الكنسي: أولاً أن قوله "معاينين" لا يعني مجرد الرؤيا الجسديّة، إذ كثيرون رأوا السيِّد المسيح حسب الجسد ولم يدركوا شخصه ولا تمتَّعوا بعمله الخلاصي. ثانيًا أن المعاينة الروحيّة أو الإدراك الروحي تلتحم بالعمل، لذا قال "خدَّامًا للكلمة"، فلا انفصال بين الحياة الروحيّة التأمَّليّة والعمل، إذ يقول: [تأمَّل الرسل الله الكلمة لا بكونهم قد أبصروا المسيح المخلِّص المتجسّد، بل رأوا الله الكلمة (هنا لا يقصد انفصال المسيح إلى شخصين إنما يؤكِّد التزامنا إدراك حقيقة المخلِّص المتجسّد). لو كانت رؤيّة المسيح بالجسد (مجردًا) يعني رؤيّة الله الكلمة، لكان هذا يعني أن بيلاطس الذي أسلم يسوع قد رأى الكلمة، وكذا يهوذا الذي أسلمه وكل الذين صرخوا: "أصلبه أصلبه" (يو 19: 15). هذا الفكر بعيدًا عنه تمامًا، إذ لا يستطيع غير المؤمن أن يرى كلمة الله. رؤيّة الله الكلمة أوضحها المخلِّص بقوله: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9).] كما يعلِّق على قوله: "كانوا منذ البدء معاينين وخدَّاما للكلمة" بقوله: [نستخلص من هذه الكلمات أن المعرفة قد تكون غاية في ذاتها، لكنه يتوِّجها العمل بمضمونها... فالاكتفاء بالمعرفة دون تطبيقها هو علم بلا نفع. وكما يرتبط العلم بالتطبيق العملي هكذا ترتبط المعرفة بخدمة الكلمة... فكلمة "معاينين" تعني المعرفة النظريّة، بينما تشير كلمة "خدَّام" للمعرفة التطبيقيّة.]

ظهر هذان الفكران للعلامة أوريجينوس بوضوح في كتابات القدّيس كيرلس الكبير والقدّيس أمبروسيوس. يقول القدّيس كيرلس الكبير: [يصف القدّيس لوقا رسل المسيح بأنهم عاينوا الرب، وفي ذلك يتّفق لوقا مع يوحنا، فقد كتب: "والكلمة صار جسدًا وحل بيننا، ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة وحقًا" (يو 1: 14). كان لابد أن يظهر المسيح بالجسد، حتى نراه ونحس به، لأنه جلّ اسمه بطبيعته لا يُرى ولا يُلمس، فإنَّ يوحنا يقول أيضًا: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه الذي رأيناه بعيُّوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة، فإنَّ الحياة أُظهرت لنا" (1 يو 1: 1). أتسمعون كيف أن الحياة ظهرت لنا فلمسناها بأيدينا ورأيناها بعيُّوننا؟ ظهر المسيح حتى ندرك أن الابن صار جسدًا، فرأيناه بصفته إنسانًا، وقبلاً لم نره باِعتباره إلهًا.]

بنفس المعنى يقول القدّيس أمبروسيوس: [رأى التلاميذ كلمة الرب وسمعوه... هؤلاء الذين شاهدوا مجد الكلمة مع موسى وإيليَّا (مت 16: 3) رأوا الرب يسوع، إذ شاهدوه في مجده، أما الآخرون (اليهود) فلم يروه هؤلاء الذين عرفوه حسب الجسد، إذ أُعطي للبصيرة الروحيّة لا للعيُّون الجسديّة أن ترى يسوع. لم يره اليهود مع أنهم أبصروه (جسديًا). أما إبراهيم فقد رآه كما هو مكتوب: "أبوكم إبراهيم تهلَّل بأن يرى يومي، فرأى وفرح" (يو 8: 56) مع أنه بالتأكيد لم يره حسب الجسد... غير أن اليهود لم يروه، إذ "اِظلم قلبهم الغبي" (رو 1: 21)... عندما نرى الرب نرى عمانوئيل، فندرك أن الله معنا، أما من لا يبصر الله معه فإنَّه لا يعرف بعد مولود العذراء.]

إذن يكتب معلِّمنا لوقا البشير خلال التسليم الذي وُهب للذين عاينوا الرب ليس حسب الجسد فحسب، وإنما عاينوه في أعماقهم وأدركوا سّر حلوله فيهم وعمله في داخلهم. ونحن أيضًا إن أردنا أن نتفهَّم الإنجيل يلزمنا أن نتسلّم معاينة الرب فينا وتلاقينا معه، على صعيد الإيمان الحّي العملي، حتى لا نسمع كلمات التوبيخ التي وجهها السيِّد لفيلبس: "أنا معكم زمانًا هذه مدَّته ولم تعرفني يا فيلبس؟!" (يو 14: 9).

د. لم يلقِّب الإنجيلي الرسل بمعايني الكلمة فحسب، وإنما دعاهم أيضًا "خدَّامًا للكلمة" [2]. فإنَّ كان العمل الرسولي يقوم على معاينة الرب ببصيرة روحيّة فتدرك أسراره الإلهيّة، لكن دون انفصال عن العمل. وهكذا تلتحم المعرفة بالخبرة الروحيّة، والإيمان بالجهاد، والتأمَّل بالخدمة. يقول القدّيس أمبروسيوس: [نال الرسل هذه النعمة... لقد عاينوا، ويُفهم من هذا جهادهم للتعرُّف على الرب، وخدموا، ويفهم منه ظهور ثمار جهادهم.]

هـ. وُجه هذا الإنجيل للعزيز ثاوفيلس، وقد سبق لنا في المقدَّمة الحديث عن هذا الشخص. فكلمة "عزيز" هو لقب يُطلق على أصحاب المراكز الكبرى في الدولة الرومانيّة، لُقب به فيلكس (أع 23: 26؛ 24: 13)، وأيضًا فستوس (أع 26: 25). أما كلمة "ثاوفيلس" فتعني "محب الله"، لذلك يعلِّق القدّيس أمبروسيوس بقوله: [إن كنت تحب الله فهذه البشارة هي مكتوبة لك، وإن كانت قد كُتبت لأجلك، فأقبلها من الإنجيلي وديعة واحتفظ بها في أعماق نفسك: "احفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا" (2 تي 1: 14). تأمَّلها في كل حين، وتحصن فيها على الدوام... فإنَّ أولى واجباتك هي الأمانة في هذه الوديعة التي لا يبليها سوس (هرطقة) ولا يفسدها صدأ.] ويقول العلامة أوريجينوس: [ربَّما يظن البعض أن الإنجيل قد كُتب لشخص يُدعى ثاوفيلس، لكن إن كنتم أيها السامعون جميعكم محبو الرب فأنتم ثاوفيلس. ثاوفيلس هو شخص صالح جدًا وقوي... فلا يوجد ثاوفيلس ضعيف. أقول أن كل "ثاوفيلس" هو قوي، مصدر قوَّته وقدرته هو كلمة الله.]

2. البشارة لزكريَّا بميلاد يوحنا

جاء السيِّد المسيح مخلِّصا للعالم، يهبه شبعًا داخليًا وفرحًا سماويًا، لذلك ففي الإعداد لمجيئه تمتَّعت اليصابات العاقر بإنجاب "يوحنا" الذي يعني "الله يتحنَّن أو يُنعم"، وانفتح لسان زكريَّا الصامت بالتسبيح. فإنَّ كانت اليصابات كامرأة تشير إلى الجسد، فبحنان الله ونعمته نُزع عن الجسد عاره، وتمتَّع بثمر روحي عجيب، بينما زكريَّا يمثِّل النفس وقد انطلقت في الداخل بروح التسبيح والفرح عوض الصمت القائم على العجز.

يحدّثنا القدّيس لوقا عن قصّة البشارة لزكريَّا بميلاد يوحنا بلغة العابد المتخشِّع، فيقول:

"كان في أيام هيرودس ملك اليهوديّة كاهن اسمه زكريَّا من فرقة أبيَّا،

وامرأته من بنات هرون واسمها اليصابات.

وكانا كلاهما باريْن أمام الله،

سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم.

ولم يكن لهما ولد، إذ كانت اليصابات عاقرًا،

وكان كلاهما متقدَّميْن في أيَّامهما" [5-7].

ويلاحظ في عرضه للقصّة الآتي:

ا. إذ كان القدّيس لوقا رجلاً علميًا كطبيبٍ، حدَّد بدقة تاريخ الحدَّث، أنه في أيام هيرودس الكبير ملك اليهوديّة، الابن الثاني لأنتيباس، الأدومي الأصل. تزوَّج عشر نساء، قتل إثنتين منهنَّ، وكان له أبناء كثيرون، أعدم أحدهم. وقتل أطفال بيت لحم، وفي فراش الموت طالب بقتل شرفاء القدس حتى لا يجد أحد مجالاً للبهجة بعد موته، لكنه مات قبل تحقيق أمنيَّته.

على أن الأحوال وسط هذا الجو القاتم سياسيًا ودينيًا، إذ توقَّفت النبوَّة أكثر من ثلاثة قرون، وعاش الكل في جوٍ من الفساد، ظهر إنسانان بارَّان أمام الله، هما "زكريَّا" ويعني "الله يذكر"، و"اليصابات" وهي الصيغة اليُّونانيّة للكلمة العبريّة "اليشبع" وتعني "الله يُقْسِم" أو "يمين الله". أنجب الاثنان "يوحنا" أي "الله حنَّان" أو "الله يُنعم". وكأنه وسط فساد هذا العالم، إذ نذكر الله ونلتحم بقسمه ومواعيده الصادقة ننعم بحنانه ونعمته الإلهيّة عاملة فينا.

يعلِّق القدّيس أمبروسيوس على التعبير: "كانا كلاهما بارَّيْن أمام الله، سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم" بقوله: [عبارة "بارّيْن أمام الله" لها مغزاها، فالأبرار أمام الناس ليسوا بالضرورة أبرارًا أمام الله. نظرة الإنسان تختلف عن نظرة الله، "لأن الإنسان ينظر إلى العينين، وأما الرب فينظر إلى القلب" (1 صم 16: 7). فقد يبدو لي أن إنسانًا ما يستحق أن يُدعى بارًا، لكنه عند الرب ليس هكذا، لأن الدافع لقداسته هو التملُّق لا القلب البسيط. إذن فالإنسان لا يقدر أن يميِّز الخفيَّات، والمكافأة الكاملة هي أن نُحسب أبرارًا أمام الله، وكما يقول الرسول: "الذي مدحه ليس من الناس بل من الله" (رو 2: 29). مطوّب بحق ذاك الذي يتبرَّر أمام الله! مطوّب بحق ذاك الذي يتأهَّل أن يسمع الرب يقول عنه: "هوذا إسرائيلي حقًا لا غشَّ فيه" (يو 1: 47). فالإسرائيلي الحقيقي هو الذي يرى الله ويُدرك أن الله يراه، كاشفًا خبايا قلبه.]

يوضَّح العلامة أوريجينوس معنى تعبير "بارّيْن أمام الله" بقوله: [قد لا يجد إنسان ما يشتكي به عليَّ بعد فحصه إيّاي، فإني بار أمام الناس... ولكن حكم الناس غير صحيح، فهم يجهلون إني يومًا ما أخطأت في الخفاء في داخل قلبي، ويجهلون إن كنت قد نظرت إلى امرأة واشتهيَّتها وعشت في زنا القلب. قد يراني الناس أتصدّق بحسب إمكانيَّاتي لكنهم يجهلون إن كنت أفعل ذلك لأجل وصيّة الله أم لطلب مديح الناس... طوبى للإنسان البار أمام الله، والذي مدْحه من الله، فالإنسان عاجز لا يقدر أن يحكم بعدل ووضوح. قد يمجِّد الناس من لا يستحق التمجيد، ويدينون من لا يستحق الإدانة. الله وحده عادل في المدح والإدانة.]

ويعلِّق العلامة أوريجينوس أيضًا على تعبير "بلا لوم" قائلاً: [قيل عن الكنيسة بأنها "مجيدة لا دنس فيها ولا غضَن" (أف 7: 25). ليس معنى هذا أن ابن الكنيسة لم يُخطئ قط، إنما يعيش في حياة التوبة. تعبير "بلا غضَن" يعني بغضه للإنسان العتيق وكفِّه عن الخطيّة، لذلك يكمِّل العبارة "لتكون مقدَّسة بلا عيب"، فقد ورثت النفس الخطيّة، لكنها تصير طاهرة بلا لوم إن زال عنها وسخ الخطيّة.]

هذا ويُعلن الإنجيل برِِّهما أمام الله وأنهما بلا لوم بالسلوك العملي في جميع وصايا الرب وأحكامه، وكأن البرّ الخفي يرتبط بطاعة الوصيّة وقبول أحكام الله؛ هذا هو طريق برّنا بالروح القدس الذي يهبنا في استحقاقات الدم أن ندخل إلى الوصيّة ونعيشها بالطاعة في فرح، ونتفهّم أحكام الله وتدابيره فنحمل روح التمييز فينا.

إذ عالج القدّيس أغسطينوس موضوع "البرّ في المسيح" حدَّثنا عن برّ زكريَّا واليصابات معلنًا أن رجال العهد القديم حُسبوا أبرارًا أيضًا في المسيح، خلال رجائهم في المسيَّا المنتظر الذي يقدَّم حياته مبذولة ثمنًا لبرّنا. ففي حديثه عن "الطبيعة والنعمة" يورد كلمات القدّيس أمبروسيوس، قائلاً: [بلا شك عاش رجال العهد القديم بمثل هذا الإيمان في المسيح حتى قبل موته (على الصليب). فالمسيح وحده يرسل الروح القدس المعطَى لنا، خلاله تنسكب المحبَّة في قلوبنا، وبها وحدها يُحسب الأبرار أبرارًا.] وفي موضع آخر يؤكِّد القدّيس أغسطينوس أن برّ زكريَّا قائم على عمل السيِّد المسيح الذبيحي خلال ممَّارسته الكهنوتيّة وتقديمه الذبائح الحيوانيّة كرمز لذبيحة المسيح، قائلاً: [اِعتاد زكريَّا بلا شك أن يقدَّم ذبائح عن خطاياه.]

إن كان زكريَّا يُحسب بارًا، لكن هذا لا يعني أنه لم يصنع خطيّة، فقد كرّر القدّيس أغسطينوس في مواضع كثيرة قول القدّيس أمبروسيوس: [ليس أحد في العالم بلا خطيّة.]

ب. كان "زكريَّا من فرقة أبيَّا" [5]، كلمة "أبيَّا" تعني "أبي هو يهو". هذه الفرقة من نسل أليعازر الكاهن، تعتبر الثامنة من الأربعة والعشرين فرقة التي قُسِّمت إليها طائفة الكهنة منذ وقت داود، كل فرقة تقوم بالعمل أسبوعًا كل ستة أشهر حسب قرعتها. وكانوا يلقون قرعة أيضًا ليعرفوا من يقع عليه اختيار الله للقيام بخدمة البخور من وسط الفرقة، وكان اليهود عادة يقدَّمون البخور صباحًا ومساءً فقط.

يرى القدّيس أمبروسيوس أن زكريَّا وقد "أصابته القرعة أن يدخل الهيكل ويبخِّر" [9] إنما يشير إلى السيِّد المسيح بكونه رئيس الكهنة الذي وحده يدخل إلى الأقداس السماويّة، يكْهِن لحسابنا ويشفع فينا بدمه، وأن إصابة القرعة تشير إلى إرساليته التي لم تكن من الناس بل من قِبل الآب.

ج. يعلِّق العلامة أوريجينوس على تعبير الإنجيلي: "فظهر له ملاك الرب واقفًا عن يمين مذبح البخور" [11] بقوله أن الإنسان إذ له جسد كثيف لا يقدر أن يُعاين الكائنات الروحيّة والإلهيّة، ولا أن يشعر بها ما لم تظهر له. كأن ظهورات الله وملائكته تتوقَّف علي إرادة الله ورغبته أن نرى، فالله حاضر معنا، وأيضًا ملائكته ومع ذلك لا نراهم. ‎فمن كلماته:

[ظهر الرب لإبراهيم ولأنبياء آخرين حسب نعمة الله، فليست عين إبراهيم الروحيّة (الداخليّة) هي علَّة الرؤيا للرب، إنما نعمة الله هي التي وهبت له ذلك.]

[يمكن أن يوجد ملاك بجوارنا الآن ونحن نتكلَّم، لكننا لا نستطيع أن نعاينه بسبب عدم استحقاقنا. قد تبذل العين المجرّدة أو الداخليَّة مجهودًا لتبلغ هذه الرؤيا، لكن إن لم يُظهِر الملاك نفسه لنا لا يقدر أن يراه المشتاقون إلى رؤيَّته.]

[هذه الحقيقة لا تخص رؤيتنا لله في هذا الزمان الحاضر فحسب، وإنما حتى حينما نترك هذا العالم، لا يظهر الله وملائكته لجميع الناس بعد الانتقال مباشرة... إنما تُمنح هذه الهبة لمن له القلب النقي الذي تأهَّل لرؤيّة الله. أما صاحب القلب المثقل بالأوحال، فقد يوجد مع صاحب القلب النقي في مكان واحد، لكن يعاين صاحب القلب النقي الله، وأما صاحب القلب غير النقي فلا يري ما يشاهده الآخر.]

[اِعتقد أن هذا حدث بالنسبة للسيِّد المسيح حين كان بالجسد علي الأرض، فإنَّه ليس كل من نظره عاين الله... فبيلاطس رأي يسوع وهيرودس الوالي رآه ومع ذلك لم ينظراه كما هو إذ لم يستحقَّا ذلك.]

وجاء تفسير القدّيس أمبروسيوس يحمل ذات الفكرتين أن الله وملائكته يظهرون حينما يريد الله كعطيّة إلهيّة، وأن القلب النقي يعاين الله... فمن كلماته:

[إننا نرى الرب عندما يريد ذلك، لكننا لا نستطيع أن نراه بطبيعته كما هو... ظهر لإبراهيم لأنه أراد ذلك. لكن إن لم يردّ الإنسان فلا يظهر له الرب. رأى القدّيس إسطفانوس السماوات مفتوحة وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله، بينما كان الشعب يرجمه (أع 7: 9)، ولم ينظر الشعب الله. أيضًا أبصر إشعياء السيِّد رب الجنود (إش 6: 1)، لكن أحدًا غيره لم يستطع أن ينظره.]

[ما الذي يدهشنا إن كان لا يرى أحد الله في هذا العالم إذ هو غير منظور، فلا يُرى ما لم يكشف هو عن ذاته؟ إنما في القيامة لا يراه غير أنقياء القلب، لأنه "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). لقد طوَّب الرب الكثيرين، لكنه لم يعد بمعاينة الله إلا لأنقياء القلب.]

[لا نعاين الله في مكان ما بل في القلب النقي، لا تبحث عن الله بالعين الجسديّة... بل من يستطيع أن يدرك ما هو العرض والطول والعمق والعلو، ويعرف محبَّة المسيح الفائقة المعرفة (أف 4: 20)، فبرأفة الله علينا ورحمته يبلغ بنا إلى ملء قامة المسيح حتى نستطيع أن نعاينه.]

وقد سبق لنا الحديث عن "رؤيّة الله" في كتابنا عن القدّيس يوحنا الذهبي الفم، لكن ما يجب تأكيده أن الله وهو غير منظور يود أن يُعلن ذاته ويشتاق أن نراه، هذه عطيَّته المجانيّة يقدَّمها للقلب النقي؛ فهو يعمل فينا بلا انقطاع بروحه القدِّوس لكي تتنقّى قلوبنا فيه، وترتفع لمشاهدته، والتمتَّع بأحضانه الأبويّة، وشركة الأمجاد السماويّة.

د. ظهر ملاك الرب عن يمين مذبح البخور، أي ما بين المذبح الذهبي (الصلاة) ومائدة خبز الوجوه (سّر الإفخارستيا). وكأن من يريد أن يلتقي مع القوات السمائيّة يلزمه أن يبسط يديه بالصلاة، فيقدَّم ذبيحة حب وبخور طيب قدام الله، وأن يدخل إلى مائدة الرب، يلتقي برب السمائيِّين ويحمله في داخله.

فمن جهة الصلاة يقول القدّيس أوغريس: [اِعلم أن الملائكة القدّيسين يدفعوننا إلى الصلاة، ويقفون إذ ذاك إلى جانبنا فرحين مصلِّين من أجلنا، فإذا تكاسلنا متقبِّلين أفكارًا غريبة نغيظهم كثيرًا، لأننا بينما هم يحاربون عنَّا بهذه القوّة، لا نريد نحن حتى التضرع إلى الله من أجل أنفسنا، بل نعرض عن خدماتهم، ونبتعد عن الرب إلههم لنذهب إلى الشيَّاطين الأدناس.]

أما بخصوص الاقتراب من المائدة المقدَّسة، فيتحدَّث عنه القدّيس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [كأن الإنسان قد أُخذ إلى السماء عينها، يقف بجوار عرش المجد، يطير مع السيرافيم، يترنَّم بالتسبحة المقدَّسة.]

هـ. "فلما رآه زكريَّا اضطرب، ووقع عليه خوف، فقال له الملاك: لا تخف يا زكريَّا..." [12-13]. إن كانت رؤيّة السمائيِّين تجعل القلب مضطربًا لأنه ينظر أمرًا غريبًا، لكنه لا يبقى في اضطرابه، بل يجد السماء عينها تهتم به وتناديه باسمه، وتهتم به شخصيًا، وتشبعه بالسلام الداخلي مع عطايا وخيرات إلهيّة فائقة.

يقدَّم لنا القدّيس أنطونيوس الكبير تمييزًا بين الرُؤى السماويّة والمناظر المخادعة، فالأولي حتى إن بدأت بخوف أو اضطراب لأن الإنسان لم يعتد رؤيَّتها لكنها تبعث سلامًا حقيقيًا في النفس، أما الأخرى فتفقد النفس سلامها؛ الأولي تلهب القلب بالسمائيَّات أما الثانية فتشعل الذهن وتربكه بالزمنيَّات، إذ يقول: [ظهور هذه الأرواح (الملائكة) هادئ وصامت يخلق فرحًا في النفس وشجاعة، لأن الرب فرحنا. الأفكار التي تخلقها هذه الظهورات تجعل النفس غير متزعزعة حتى تُنيرها بهذا الفرح، فتعرف ما هي الأرواح التي تظهر لها، إذ أن الشوق الإلهي وشوق الخيرات العتيدة يدخلان النفس ويتَّحدان بها. إن كان يوجد من يخاف من ظهور الأرواح الشرِّيرة فهذه الأرواح (الصالحة) تطرح عنهم الخوف جانبًا بالمحبَّة التي تظهرها كما فعل جبرائيل مع زكريَّا (لو 1: 3)، وكما فعل الملاك الذي ظهر للنسوة عند قبر الرب (مت 28: 5)، وعندما ظهر للرعاة قال لهم: لا تخافوا (لو 2: 10). إن خوف هؤلاء لم يكن نتيجة الخوف بل نتيجة اليقين بظهور الملائكة الصالحين؛ هذا هو ظهور الملائكة القدّيسين.] كما يقول: [إذا ما رأينا أرواحًا وأثارت اضطرابًا وضربات خارجيّة وتخيُّلات دنيويّة وتهديدًا بالموت وكل ما ذكرناه، فلنعرف أن هذا هو هجوم أرواح شرِّيرة.]

و. لعل زكريَّا قد نسيَ طلبته من الله أو فقد الرجاء في الإنجاب، لكن اسمه "زكريَّا" يعني "الله يذكُر"، فقد ذكر الله له ولامرأته طلباتهما ووهبهما لا من يُفرح قلبيهما وحدهما، وإنما من يُبهج قلوب الكثيرين. إنه يعطي ما طلبناه بالرغم من نسياننا، ويعطينا أكثر ممَّا نسأل وفوق ما نطلب، يعطي مؤكِّدًا عطيَّته، فقد عيَّن له اسمه.

أما من جهة "يوحنا" كعطيّة الله لزكريَّا واليصابات، فقد أعلن الملاك الآتي:

أولاً: سّر فرح للكثيرين: "ويكون لك فرح وابتهاج، وكثيرين سيفرحون بولادته" [14]. قلنا أن إنجيل لوقا البشير هو "إنجيل الفرح"، فقد أرسل الله يوحنا السابق لينادي بالتوبة مهيِّئًا الطريق للرب في قلوب الكثيرين، فيفرح السمائيُّون كما يفرح المؤمنون. غاية الله أن يردّنا إلى فرحه الأبدي، ونُوجد في سلامٍ سماويٍ لا يشوبه ضيق أو مرارة، وها هو يُعد لهذا الفرح حتى بالبشارة بميلاد السابق له.

في دراستنا لسفر اللاويِّين (ص 12) رأينا في شريعة المرأة التي تلد كيف تبدأ فترة الميلاد للطفل بفترة تُحسب فيها الوالدة كمن في نجاسة، إذ التصقت الخطيّة بنا حتى في ميلادنا وموتنا، والآن إذ بدأ يُشرق شمس البرّ علي البشريّة ويصالحها مع السمائيِّين تحوّلت حياتنا فيه إلى فرح، وصار الميلاد مُفرحًا، وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [يوجد فرح خاص في بداية الحمل بالقدّيسين وعند ميلادهم، فالقدّيس لا يُفرِّح عائلته فحسب، وإنما يكون سببًا في خلاص الكثيرين. إن هذه العبارة تعلَّمنا أن نتهلَّل بميلاد القدّيسين.]

أقول ليتنا نحن أيضًا إن كنا قد عشنا زمانًا هذا مقداره بنفسٍ عاقرةٍ وجسدٍ بلا ثمر روحي، فلنتقبَّل وعود الله السمائيّة، ونحمل حنان الله ونعمته أي "يوحنا" في داخلنا، فنبتهج ونتهلَّل بالله، ويفرح معنا كثيرون بل والسماء عينها تشترك معنا في فرحنا (لو 15: 7).

لتكن حياتنا مثمرة في الرب فتبهج الكثيرين، ولا تكن عقيمة أو ثمرها قاتل أو مميت. يقول الأب تادرس: [الحياة والموت ليسا في ذاتهما صالحين أو شرِّيرين، ويؤكِّد هذا ميلاد يوحنا ويَّهوذا. أحدهما كانت حياته نافعة ويظهر ذلك ممَّا قيل عنه: "وكثيرون سيفرحون بولادته" (لو 1: 14). والآخر قيل عنه: "كان خيرًا لذلك الرجل لم يولد" (مت 26: 24).]

ثانيًا: "لأنه يكون عظيمًا أمام الرب" [15]. لم يكن بعد قد وُلد يوحنا، ولا حبلت به في أحشائها، يدعوه الملاك "عظيمًا أمام الرب". فالعظمة لا بكثرة الأيام والسنين، ولا بقوّة الجسد والأعمال الظاهرة، إنما بالحياة الداخليّة القويّة.

كان العالم في ذلك الحين يحتقر الأطفال بوجه عام ولا يقدَّم لهم حقًا إنسانية. لكن إنجيل السيِّد المسيح يكشف عن صداقته للأطفال، فيتطلَّع إليهم كعظماء في عينه، الأمر الذي أكده السيِّد المسيح فيما بعد لتلاميذه حين قدَّم لهم طفًلا ليمتثلوا به من أجل بلوغ العظمة السماويَّة (مت 18: 2-3؛ لو 18: 15).

لنكن أطفالاً في الشرِّ فنحسب عُظماء وناضجين في الرب، لكن لا نسلك في ضعف الطفولة غير الناضجة، وإلا حُسبنا مُستعبَّدين تحت أركان العالم (غلا 4: 3)، وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [الإنسان الناضج (روحيًا) وحده يتخطَّى أركان هذا العالم.] لنكن ناضجين روحيًا في الرب فلا نحتقر الصغار كقول الرب: "اُنظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الأصاغر" (مت 18: 10).

يحدّثنا القدّيس أمبروسيوس في تفسيره لإنجيل لوقا عن عظمة يوحنا المعمدان قائلاً: [حياتنا لا تُقيَّم حسب الزمن وإنما حسب درجات الفضيلة... فقد دُعي يوحنا عظيمًا لا بسبب قوَّته الجسديّة بل الروحيّة، فإنَّه لم يقهر إمبراطوريَّات ولا وضع في برنامجه أن تكون له غنائم ونصرات، بل تطلَّع إلى ما هو أفضَّل جدًا، إذ كان الصوت الصارخ في البريّة الذي صرع الملذَات الجسديّة وتراخي الجسد بسمو روحه وقوَّتها. كان صغيرًا في الأمور العالميّة، عظيمًا في الروحيات. أخيرًا فإنَّ سر عظمته هو عدم سيطرة حب هذه الحياة الزمنيّة عليه الأمر الذي لم يعقه عن إدانة الخطيّة.]

ثالثًا: "ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" [15]. بعد أن حدَّد اسمه وأعلن فاعليته كمُفرِّح للقلوب أوضح إمكانيَّاته، فمن الجانب السلبي "خمرًا ومسكرًا لا يشرب"، كنذير للرب لا يكون لملذَات العالم أو بهجته موضع في قلبه أو في جسده، أما من الجانب الإيجابي فإنَّه لا يعيش محرومًا بل يمتلئ من الروح القدس من بطن أمه. يُحرم من الخمر المادي المسكر ويرتوي بالخمر السماوي المفرح!

يقول العلامة أوريجينوس: [جاء رئيس ملائكة يعلن عن ميلاد يوحنا الذي يمتلئ من الروح القدس من بطن أمه...، ففي بطن أمه تهلَّل يوحنا من الفرح، ولم يستطع أن يتوقَّف عندما جاءت أم يسوع، بل كان يحاول أن يخرج من بطن أمه... "هوذا حين صار صوت سلامك في أذني اِرتكض الجنين بابتهاج في بطني" [44] .]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [كان يفتقر لروح الحياة (كجنين) ونال روح النعمة، فإنَّ حقيقة الحياة تسبقها النعمة للتقديس، إذ يقول الرب: "قبلما صوَّرتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك، جعلتك نبيًا للشعوب" (إر 1: 5). شتَان بين روح العالم وروح النعمة، فالأولى تبدأ بالميلاد وتنتهي بالموت، أما الثانية فلا يحدّها الزمن ولا السنين، ولا يطفئ الموت شعلتها، ولا يغلق عليها رحم الأمومة... إن من يمتلك روح النعمة لا يعود يفتقر إلى شيء، ومن نال الروح القدس بلغ قمة الفضائل.]

رابعًا: "ويردّ كثيرون من بني إسرائيل إلى الرب إلههم" [16]. هنا يؤكِّد رسالته وهي ردْ الكثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم بتمهيد الطريق بالتوبة لقبول السيِّد المسيح مخلِّص العالم. يرى العلامة أوريجينوس أن العالم في حاجة مستمرَّة إلى عمل يوحنا الذي يسمِّيه "سرّ يوحنا" ليدخل بكل نفس إلى الثبوت في المسيح، إذ يقول: [اِعتقد من جانبي أن سّر يوحنا لا يزال يتحقّق إلى يومنا هذا، فيستطيع الإنسان أن يؤمن بيسوع المسيح إن كان له روح يوحنا وقوَّته في نفسه، هذا لكي يعد شعبًا كاملاً لربِّنا، وإن كان له الخشونة ويسلك الطريق الضيق... إلى اليوم روح يوحنا وقوَّته يسبقان مجيء الرب يسوع.]

خامسًا: "ويتقدَّم أمامه بروح إيليَّا وقوَّته" [17]. يعلِّق العلامة أوريجينوس على هذه العبارة هكذا: [لم يقل بنفس إيليَّا بل "بروح إيليَّا وقوَّته"، فكان لإيليَّا روح وقوّة كسائر الأنبياء... الروح الذي سكن في إيليَّا سكن يوحنا، والقوّة التي في إيليَّا كانت في يوحنا.]

ويقدَّم لنا القديس أمبروسيوس مقارنة لطيفة بين إيليَّا ويوحنا المعمدان، جاء فيها:

[عاش إيليَّا في البريّة وكذا يوحنا،

وكانت الغربان تعول الأول أما الثاني ففي طريق البريّة قد داس كل إغراءات الملاهي، وأحبَّ الفقر مبغضًا الترف. الواحد لم يسَعََ لكسب رضاء آخاب الملك، والثاني اِحتقر رضا هيرودس الملك.

رداء الأول مزَّق مياه الأردن، بينما الثاني جعل من هذه المياه مغسلاً يهب خلاصًا.

الأول ظهر مع الرب في المجد (عند التجلِّي)، والثاني يحيا مع الرب في الأرض.

واحد يسبق مجيء الرب الأول والآخر يسبق مجيئه الثاني.

الأول أنزل الأمطار على الأرض بعد أن جفَّت ثلاث سنوات والثاني غسل تراب أجسادنا في مياه الإيمان خلال ثلاث سنوات (سنة عهد الآباء وسنة عهد موسى والأنبياء؛ ثم سنة مجيء الرب إلهنا ومخلِّصنا).]

إن سّر القوّة في القدّيس يوحنا أنه حمل روح إيليَّا، لا بمعنى روحه كشخص، إنما روح القوّة التي وُهبت له من قِبل الله، أو الإمكانيَّات التي قُدَّمت له، لهذا يقول القدّيس أغسطينوس: [يقصد بروح إيليَّا الروح القدس الذي تقبله إيليَّا.]

3. صمت زكريَّا

"فقال زكريَّا للملاك:

كيف أعلم هذا، لأني أنا شيخ، وامرأتي متقدَّمة في أيامها؟

فأجاب الملاك وقال له:

أنا جبرائيل الواقف قدام الله،

وأُرسلت لأكلِّمك وأُبشرك بهذا.

وها أنت تكون صامتًا، ولا تقدر أن تتكلَّم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا،

لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته" [18-20].

في هذا الحوار الذي تم بين رئيس الملائكة جبرائيل وزكريَّا الكاهن داخل الهيكل نلاحظ الآتي:

أولاً: لم يصدِّق زكريَّا الكاهن كلمات الملاك، بالرغم من رؤيته للملاك وسماعه للصوت الملائكي بطريقة ملموسة، في النهار، داخل الهيكل، الأمر الذي جعله يُلام عليه، خاصة وأن التاريخ المقدَّس يذكر أمثلة حيّة لأُناس شيوخ أنجبوا بينما كانت نساؤهم عاقرات كسارة امرأة إبراهيم. لكن زكريَّا كان بارًا، لم يلقِ باللوم على زوجته في عدم الإنجاب، ولم يذكر حتى بينه وبين الملاك أنها عاقر، إنما بدأ بنفسه قائلاً: "أنا شيخ وامرأتي متقدَّمة في أيامها". أقول ما أجمل النفس البارة الرقيقة في أحاسيسها، لا تجرح مشاعر الآخرين حتى في غيبتهم! إنه لا يشكو حتى للسماء من أجل عُقر زوجته!

ثانيًا: أعلن رئيس الملائكة عن نفسه أنه "جبرائيل" ويعني "جبروت الله"، أما سرّ قوَّته أو جبروته فهو كما قال "الواقف قدام الله". جاء يحمل الوعد الإلهي وليبشِّر، لكنه التزم أيضًا أن يؤدَّب بالصمت كأمر الله!

ثالثًا: في محبَّته وهب زكريَّا الكاهن البشارة المُفرحة بميلاد يوحنا كهبة مجََّانيَّة قُدَّمت له، بل وللبشريّة كلها، والآن إذ تمتَّع الكاهن بهذا الوعد الأكيد، وحدَّد له الرب على فم رئيس ملائكته اسم المولود وسِماته ورسالته وإمكانيَّاته، ومع ذلك لم يصدِّق، لذلك سمح الله في محبَّته أيضًا أن يؤدِّبه إلى حين. الله في أبوَّته لنا يهب كما في أبوَّته يؤدِّب لبنياننا.

والعجيب حتى الأخطاء التي نرتكبها يستخدمها الله للخير، فما حدث لزكريَّا بسبب شكِّه صار رمزًا لما يحدث للشعب اليهودي الذي لم يصدِّق السماء ولا مواعيد الله، فلم يقبل ربِّنا يسوع ملِكًا روحيًا ومخلِّصًا. لهذا سقط تحت تأديب الصمت، حتى يقبلوا الإيمان في أواخر الدهور. سقطوا تحت الصمت إذ رفضوا كلمة الله المتجسّد، فنزع عنهم الأنبياء وتوقَّفت العبادة الهيكليّة.

يقول العلامة أوريجينوس: [صمت زكريَّا هو صمت الأنبياء عند شعب إسرائيل، فلا يتكلَّم الله بعد مع اليهود بينما جاء الله الكلمة الذي من البدء. لقد صار معنا المسيح الذي لا يصمت، لكنه صامت حتى يومنا هذا بالنسبة لليهود.]

ويقول القدّيس أمبروسيوس: [الصمت هو الكف عن تقديم الذبائح وسكوت الأنبياء، فقد توقَّف صوت النبي والكاهن، إذ يقول الله "سأنزع الجبار والنبي والقاضي" (إش 1: 31)... أما بالنسبة لنا، فقد جاء إلينا كلمة الله الذي لا يمكن أن يسكت فينا، لذا لا يستطيع اليهودي أن يحاور المسيحي: "إذ أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلَّم فيّ" (1 كو 13: 3).]

إن كان زكريَّا في صمته كان يومئ بالإشارات والحركات الجسديّة لحرمانه من موهبة الكلام، ففي هذا كان أيضًا يرمز لليهود الذين اهتموا بأعمال الناموس الجسديّة بلا فهم روحي، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [في اِعتقادي توجد أفعال بدون أقوال أو معنى، لا تختلف عن الإيماءات التي بلا معنى... فإذا اِعتبرنا الشرائع اليهوديّة كما بدون كلام لعدم فهمها وتفسيرها... يمكننا أن نفهم ما حدث لزكريَّا صورة لما يحدث مع اليهود حتى أيامنا هذه. التطهير عندهم أشْبه بحركة بسيطة دون معنى، فإنَّ نظرنا إليه يمكننا اِعتباره إيماءة بسيطة وعملاً صامتًا. أيضًا الفصح والأعياد الأخرى ما هي إلا حركات بسيطة لا حقائق. وحتى يومنا هذا الشعب الإسرائيلي أصم وأبكم، فإنَّه إذ رفض "الكلمة" وابتعد عنه صار هكذا .]

إن كان زكريَّا الكاهن قد صمت، إنما لكي بصمته أعلن عن الحاجة إلى "الكلمة" الإلهي الذي فقده إسرائيل... وكأنه حتى بالصمت مهَّد الطريق للإعلان عن السيِّد المسيح. هذا ومن جانب آخر، فقد سمح له بالصمت كفرصة رائعة يتوقَّف فيها الكلام مع الناس لكي ينشغل قلبه بالحديث مع الله، يتأمَّل أعماله ويتلمَّس أسراره ويتفهَّم النبوَّات.

كما اِعتزل زكريَّا كلام الناس بسبب صمته، اِعتزلت اليصابات زوجته الناس بسبب خجلها، إذ يقول الإنجيلي: "وبعد تلك الأيام حبلت اليصابات امرأته، وأخفت نفسها خمسة أشهر، قائلة: هكذا قد فعل بي الرب..." كانت لهما فرصة روحيّة للحديث مع الله وحده، يتأمَّلان عمله معهما، وينتظران عطيَّته لهما.

اِستنتج العلامة أوريجينوس والقدّيس أمبروسيوس من خجل اليصابات أنها إذ لم تنجب زمانًا توقَّفت عن العلاقات الجسديّة بينها وبين رجلها، إذ كان رجال الله يلتقون بزوجاتهم جسديًا من أجل الإنجاب، فإنَّ تحقّقوا من عدم الإنجاب بقيت علاقاتهم مرتبطة بالحب الزوجي دون علاقات جسديّة... هكذا إذ حملت اليصابات خجلت من الظهور أمام الناس، حتى اِلتقت بالسيِّدة العذراء الحاملة لكلمة الله المتجسّد في أحشائها، وإذ ابتهج الجنين في أحشائها لم تعد اليصابات تخجل... إنها تحمل ثمرًا فائقًا؛ تحمل من هو أعظم مواليد النساء، يوحنا السابق.

ونحن يمكننا أن نقول بأن العلاقات الجسديّة بين الزوجين مقدَّسة وطاهرة مادامت باعتدال، لا يغلب عليها روح الشهوة والأنانيّة خلال طلب لذَّة الجسد، بل روح الحب الزوجي والعطاء. في المسيح يسوع كلمة الله المتجسّد - يجد الزوجان أنهما قد صارا جسدًا واحدًا، يعيشان بالروح حتى في لحظات لقائهما معًا، يظللهما روح الله بلا اِنقطاع، فيكونا مقدَّسين على الدوام في كل تصرفاتهما.

+        +        +

 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt