طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

تفسير قراءات 9 كيهك

 

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز32 : 11 ، 33 : 1 ، 32 : 6

مت 25 : 14 - 23

مز 33 : 1 ، 12

لو 19 : 11 - 19

فى 3 : 20

- 4 : 9

يع 5

9 - 20

أع 11

19 - 26

مز 34 : 19 ، 68 : 3

لو 12 : 32 – 44

 

البولس من فيلبى 3 : 20 – 4 : 9

أولا : فى 3 : 20 - 21

20 فان سيرتنا نحن هي في السماوات التي منها ايضا ننتظر مخلصا هو الرب يسوع المسيح
21 الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته ان يخضع لنفسه كل شيء

 

"فإن سيرتنا نحن هي في السماوات،

التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح" [20].

"فإن سيرتنا" أو موطننا أو جنسيتنا هي في السماويات، فنحن على الأرض غرباء راحلون، فكيف نلتصق بالأرضيات؟ إن كانت الجنسية الرومانية في ذلك الحين لها تقديرها وامتيازاتها الخاصة (أع 28:22)، فكم تكون الجنسية السماوية. من حقوق المتمتع بهذه الجنسية أن عدو الخير لن يقدر أن يلحق بنا أو يتسلل إلينا.

+ "لأن العدو قد طارد نفسي" (مز 3:143)... كيف يمكننا أن نفلت من هذه المطاردة؟ إن وجدنا موضعًا لا يقدر (الشيطان) أن يدخله. تسأل: وما هو هذا الموضع؟ أي نوع هو هذا الموضع سوى السماء؟ ولكن كيف يمكنني أن أصعد إلى السماء؟ أصغِ إلى كلمات بولس التي تكشف عن هذا، وقد التصق بجسدٍ كما نحن، فنقدر أن نحيا هناك. "فكروا في ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله" (راجع كو 1:3-2). وأيضًا: "طريق حياتنا يعبر في السماء" (راجع في 20:3).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ من يرفض هذا العالم يجب أن يؤمن بكل يقين أنه ينبغي أن يعبر بفكره منذ الآن بالروح إلى عالم آخر. هناك تكون سيرتنا ولذّتنا وتمتّعنا بالخيرات الروحيّة.

+ رئيس الشرّ الذي هو نفسه الظلام الروحي - ظلام الخطية والموت - وهو ريح عاصف، وإن كان خفيًا، فإنه يهز كل جنس البشر على الأرض، ويقودهم بالأفكار القلقة الطائشة، ويغوي قلوب الناس بشهوات العالم، ويملأ كل نفسٍ بظلام الجهل والعمى والنسيان، ماعدا أولئك الذين وُلدوا من فوق، وانتقلوا بقلوبهم وعقولهم إلى عالم آخر كما هو مكتوب أن مدينتنا هي في السماوات.

+ بالرغم من أنّنا على الأرض فإن "مدينتنا هي في السماوات" [20]. إذ فيما يخص العقل والإنسان الباطن نصرف وقتنا ونقوم بأنشطتنا في ذاك العالم. وكما أن العين الظاهرة - عندما تكون صافية - ترى الشمس دائمًا بوضوحٍ، هكذا العقل المُطهر تمامًا ينظر دائمًا مجد نور المسيح، ويكون مع الرب ليلاً ونهارًا.

+ هذا لا يمكن أن يتحقق إذا لم يجحد المسيحي هذا العالم ويؤمن بالرب بكل قلبه. في هذه الحالة تستطيع قوة الروح أن تجمع القلب المشتّت في الأرض كلها، وتأتي به غالبًا محبة الرب وتنقل الذهن إلى العالم الأبدي.

القديس مقاريوس الكبير

+ من أراد بالحقيقة أن يكون تابعًا لله يلزمه أن يمزق القيود التي تربطه بهذه الحياة. هذا يتحقق بالعزل الكامل ونسيان العادات القديمة. فما لم ننتزع أنفسنا من كل من الرباطات الجسدية والمجتمع الزمني وننتقل كما إلى عالم آخر خلال سلوك حياتنا، وكما قال الرسول: "هدايتنا في السماء "، يستحيل تحقيق هدفنا نحو مسرة الله. وكما قال الرب بصورة دقيقة: "فكذلك كل واحدٍ منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا (لو 14: 33). إذ نفعل هذا يلزمنا أن نلاحظ قلوبنا بكل يقظةٍ، ليس فقط أن نحذر لئلا نفقد فكر الله أو نلطخ ذكرى عجائبه بتخيلات باطلة، وإنما لكي نحمل أيضًا فكر الله المقدس مختومًا على نفوسنا، كختمٍ دائمٍ لا يُمحى، وذاكرة طاهرة.

+ الزهد هو حل رباطات هذه الحياة المادية الزائلة، وتحرر من الارتباطات البشرية حتى نهيئ أنفسنا بالأكثر لنكون على الطريق الذي يقود إلى الله. إنه الدافع الذي لا يُعاق لاقتناء بالخيرات النفيسة جدًا التي هي "أشهى من الذهب والحجارة الكريمة" (مز 19: 10) والتمتع بها. باختصار الزهد هو انتقال من القلب البشري إلى طريقة حياة سماوية، فيمكننا القول: "فإن هدايتنا نحن هي في السماوات". أيضًا إنه النقطة الرئيسية - هو الخطوة الأولى نحو التشبه بالمسيح، الذي وهو الغني افتقر لأجلنا (2 كو8: 9). فإن لم ننل هذا الشبه يستحيل علينا أن نبلغ طريق الحياة حسب إنجيل المسيح.

+ بينما نسحب جسدنا على الأرض مثل ظل، نحفظ نفوسنا في صحبة الأرواح السمائية.

القديس باسيليوس الكبير

+ "بابل كأس ذهب بيد الرب تُسكر كل الأرض" (إر 28: 7). إن أردت أن تعرف كيف أن كل الأرض أصبحت سكرى بفعل كأس بابل، أنظر إلى الخطاة الذين يملأون الأرض كلها. لكنك قد تقول لي أن الأبرار لم يسكروا من كأس الخطاة، فكيف يقول الكتاب أن كل الأرض تسكر من كأس بابل؟ لا تظن أن الكتاب لا يقول الصدق حينما يقول ذلك، لأن الأبرار في الواقع ليسوا أرضًا (ترابًا)، وبالتالي فإن كل الأرض فقط أي الخطاة وحدهم هم الذين يسكرون. أما الأبرار، فبالرغم من وجودهم على الأرض إلا أن سكناهم في السماوات (في 3: 20). بالتالي لا يليق أن يقال للإنسان البار: "أنت تراب (أرض) وإلى التراب تعود"، بل سيقول له الرب، طالما أن ذلك الإنسان يلبس صورة السماوي (1 كو 15: 49): "أنت سماء وإلى السماء تعود". لذلك فإن كأس بابل لن يسكر إلا الذين مازالوا أرضًا.

+ البار ليس أرضًا (إر 28:7). فإنه وإن كان على الأرض، لكن دولته السماء. فلا يسمع: "أنت أرض، وإلى أرض تعود" (تك 19:3) بل بالأكثر يسمع: "أنت سماء وإلى سماء تعود، لأنك تحمل صورة السماوي" (1 كو 49:15)، وتقف ثابتًا.

+ لتخرجوا من كل ما هو ليس مقدسًا ولا مكرسًا لله. نقول إننا نخرج لا من أماكن، بل من أفعال، ليس من أقاليم، بل من أساليب حياة. أخيرًا، نفس الكلمة التي تدعي "مقدس hagios" في اللغة اليونانية تعني أن الشيء خارج الأرض. لأن من يكرس نفسه لله يتأهل أن يظهر خارج الأرض وخارج العالم. يمكن لهذا الشخص أن يقول وهو سالك علي الأرض "لنا طريق حياة في السماء".

+ يُقال عن النفس التي تخطيء: "من شعب الأرض" لأن هذا القول لا ينطبق علي ذاك الذي يقول: "محادثتنا في السماء التي منها أيضًا تنتظر مخلصًا هو الرب يسوع"، لذلك كيف يمكنني بحق أن أدعو هذه النفس: "من شعب الأرض" هذه التي ليس لها شركة مع الأرض، بل هي بالكامل في السماء، تقطن فيها حيث المسيح جالس عن يمين الله (كو 1:3). والتي تشتهي العودة لتكون مع المسيح. فإن هذا أفضل، لكنها تلزم أن تبقي في الجسد لحسابنًا.

العلامة أوريجينوس

+ قلوب المؤمنين هي سماء، يرفعونها يوميًا إلى هناك عندما يقول الكاهن: "ارفعوا قلوبكم"، فيجيبون: "رفعناها عند الرب". وبكلمات الرسول: "مواطنتنا هي في السماء". إن كانت مواطنة المؤمنين هي في السماء، فإنه إذ تكون فيهم المحبة الحقيقية، فإن جذر المحبة يُغرس في السماء. علي النقيض فإن جذر الطمع الذي في قلوب المتكبرين مغروس في جهنم، لأن هؤلاء يطلبون دومًا المقتنيات الأرضية، ويميلون إليها، ويحبونها، ويضعون كل رجائهم في الأرض.

الأب قيصريوس أسقف أرل

"الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا،

ليكون على صورة جسد مجده،

بحسب عمل استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شيء" [21].

لقد سبقنا الرأس السماوي وقد حمل طبيعتنا فيه، هذه التي تقدست وتمجدت بقيامته وتهيأت للسماء، حتى إذ نحمل صورة جسد مجده نعبر به ومعه إلى موطننا السماوي. هذا ما يتحقق في يوم الرب العظيم، حيث نقوم بأجساد على صورة جسد المسيح القائم من الأموات. فكما لبسنا صورة آدم الترابي سنلبس صورة آدم الروحاني، فننعم بالجسد الروحاني (1 كو 15: 42-44). الآن ننال القيامة الروحية لنفوسنا كعربون لقيامة الجسد (رو 11:8).

"سيغير"... هذا يذكرنا بجسد السيد المسيح الذي تغير على جبل طابور.

"جسد تواضعنا"... المسيحية لا تحتقر الجسد بل كرمت الجسد جدًا, فبعد تجسد كلمة الله نال الجسد كرامة ما بعدها كرامة. الجسد شريك للروح في رحلة العمر والجهاد لذلك سيشاركها في المجد. لكن لماذا يدعوه الإنجيل جسد تواضعنا؟ لأنه يتعرض للضعف والمرض والسقوط.

"ليكون على صورة مجده"... سيتغير جسد تواضعنا ليصبح مثل جسد المسيح بعد القيامة الذي خرج من القبر وهو مغلق.

"بحسب عمل استطاعته"... إنه يستطيع هذا فقد قام من بين الأموات بذاته وفي اليوم الأخير يقيمنا.

في حديث القديس هيلاري أسقف بواتييه عن الثالوث القدوس يشير إلى هذه العبارة: "يخضع لنفسه كل شيء"، موضحًا أنه يُخضع العدو إبليس تحت قدميه، ويخضع الموت حيث يهب الخلود نازعًا سلطان الموت، كما يخضع الطبيعة البشرية فيبطلها لا ليفني الإنسان بل لكي ما تُبتلع طبيعته في طبيعة جديدة مجيدة.

+ في خضوع أعدائه ينهزم الموت، وإذ ينهزم الموت يتبعه الخلود. يخبرنا الرسول هنا أيضًا عن مكافأة خاصة تُوهب خلال هذا الخضوع، إذ يتحقق خضوع بخضوع الإيمان. إذن يوجد خضوع آخر يحقق التحول من طبيعة إلى طبيعة أخري. إذ تبطل طبيعتنا من جهة حالها الذي نحن عليه الآن، وتخضع له فتصير علي شاكلته. بالإبطال لا يعني نهاية وجودها، وإنما تقدمها إلى حالٍ أسمى، هكذا تدمج في صورة الطبيعة الأخرى التي تنالها، فتخضع لشكلٍ جديدٍ... إننا نخضع لمجد قانون جسده.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

+ يقول "جسد تواضعنا"، لأنه الآن متواضع، خاضع للهلاك وللألم، ويبدو كما بلا قيمة، ليس فيه شيء أسمى من الحيوانات الأخرى. "ليكون علي صورة جسد مجده".

ما هذا؟ هل سيشكل جسدنا علي مثاله، ذاك الجالس عن يمين الآب، والمسجود له من الملائكة، والذي تقف أمامه القوات غير المتجسدة، ذاك الذي أعلى من كل نظام وسلطان وقدرة؟

ألا يستحق النحيب، إذ يبكي العالم كله وينتحب الذين سقطوا من هذا الرجاء؟ فإنه إذ أعطي الرجاء في جسدنا أن يصير على مثاله لا يزال يسير مع الشياطين؟ لست أبالي بجهنم هناك، فمهما قيل عنها فإن السقوط من مجدٍ عظيمٍ هكذا الآن وفيما بعد تحسب جهنم كلا شيء بالنسبة لهذا السقوط.

+ "بحسب استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شيءٍ". يقول أن لديه استطاعة أن يخضع كل الأشياء لنفسه، حتى الدمار والموت... لقد أظهر أعمالاً أعظم لسطانه لكي تؤمن بها أيضًا... رجاؤنا هذا (أي التمتع بصورة مجده) فيه الكفاية أن يقيمنا من بلادتنا العظيمة وخمولنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ كل الذين يأتون إليه ويرغبون في أن يصيروا شركاء في الصورة الروحية بتقدمهم يتجددون كل يوم في الإنسان الداخلي (2 كو 16:4)، ذلك حسب صورة خالقهم، حتى يصيروا علي شبه جسد مجده، ولكن كل واحد حسب قدراته.

العلامة أوريجينوس

 

من وحي فيلبي 3

أنت هو ينبوع فرحي!

+ في وسط آلامي أراك حاملاً الصليب.

فتتهلل نفسي لشركة آلامك .

وفي خدمتي لإخوتي أراك خادم الجميع.

فأشتهي أن أُبذل معك بكل سرور.

+ أنت هو ينبوع فرحي.

أعبدك، لا في شكليات باطلة،

بل بالروح والحق أثبت فيك وأنت فيٌ.

تجدد طبيعتي بروحك القدوس،

فأحمل دومًا طبيعة مفرحة.

أجد فيك كفايتي.

وبك أتبرر أمام الله أبيك!

+ تتهلل نفسي أن تفيض عليٌ بمعرفة أسرارك.

وتدخل بي إلى حجالك.

اختبر وسط الآلام قوة قيامتك.

وترفع نفسي كما إلى سماواتك.

هناك احتمي فيك،

فلن يقدر العدو أن يتسلل إليٌ!

ولا تقدر فخاخه أن تصطادني.

+ حولت حياتي إلى سباقٍ مفرحٍ.

أنسى علي الدوام ما مضى،

مشتهيًا أن أبلغ إليك بروح النصرة.

أنت إكليلي ونصرتي الأبدية.

تكملة البولس

فيلبى 4 : 1 – 9  

1 اذا يا اخوتي الاحباء و المشتاق اليهم يا سروري و اكليلي اثبتوا هكذا في الرب ايها الاحباء
2 اطلب الى افودية و اطلب الى سنتيخي ان تفتكرا فكرا واحدا في الرب
3 نعم اسالك انت ايضا يا شريكي المخلص ساعد هاتين اللتين جاهدتا معي في الانجيل مع اكليمندس ايضا و باقي العاملين معي الذين اسماؤهم في سفر الحياة
4 افرحوا في الرب كل حين و اقول ايضا افرحوا
5 ليكن حلمكم معروفا عند جميع الناس الرب قريب
6 لا تهتموا بشيء بل في كل شيء بالصلاة و الدعاء مع الشكر لتعلم طلباتكم لدى الله
7 و سلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم و افكاركم في المسيح يسوع
8 اخيرا ايها الاخوة كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن ان كانت فضيلة و ان كان مدح ففي هذه افتكروا
9 و ما تعلمتموه و تسلمتموه و سمعتموه و رايتموه في فهذا افعلوا و اله السلام يكون معكم


 

 

فرح في كل حين

بعد هذا الحديث الشيق عن فرح الأسير بولس، معلنًا أنه ليس من سجن، ولا من تخطيط الأشرار ضده، ولا من غضب الإمبراطور يقدر أن ينزع فرحه الداخلي منه، لذا ختم رسالته عن الفرح الدائم. قدم لنا مقومات هذا الفرح، كما أوضح أنه فرح كنسي شعبي مشترك.

1. مصدر الفرح

"إذًا يا إخوتي الأحبّاء والمشتاق إليهم،

يا سروري وإكليلي،

اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحبّاء" [1].

"إذًا": تربط ما بعدها بما قبلها. وبما أنكم يا إخوتي الأحباء تنتظرون مجيء الرب فلابد أن تثبتوا في الرب حتى النفس الأخير.

في وسط السباق يثبت المؤمن في المسيح المصلوب لكي لا ينحرف يمينًا أو يسارًا، ولا يمكن لكائنٍ أو لحدثٍ أو لظرفٍ ما أن يسحب عينيه عن الجعالة العليا، بل يحيا في السماويات، ويمارس مواطنته فيها. هذه العلاقة الشخصية مع محب البشر تفتح قلبه ليتمثل بمخلصه، فيحمل إخوته في قلبه بالحب ليجد فيهم سروره وإكليله، لكن ليس خارج مخلصه.

إذ يتحدث الرسول عن سباق وجهاد معركة يدعو المؤمنين إخوته الأحباء المشتاق إليهم ليسندهم بالحب والحنو. ففي وسط الآلام يحتاج الإنسان إلى مساندة المخلصين له في الرب.

يدعوهم سروره وإكليله، ليس فقط لأنه بخلاصهم يتمتع بإكليل سماوي من أجل محبته وجهاده لأجلهم، وإنما كأبٍ حقيقيٍ يرى في سرورهم الأبدي سروره، وفي تمتعهم بالإكليل السماوي تمتعه هو به.

ما يبهج قلبه أن يكون هو آخر الكل، حتى في السماء، فيفرح بسموهم وسرورهم وإكليلهم. لهذا يوصيهم: "اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء"، لأن ثبوتهم هذا كأنه ثبوته هو في الرب!

+ الحب، هو ذروة كل فضيلة بالنسبة للمسيحي، لا يتحقق كما يليق إن لم يثبت المؤمنون متحدين معًا كشخصٍ واحدٍ، يفكرون معًا في توافقٍ. هذا ما عناه الرسل هنا بقوله: "اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء". لنفهم أنه يود منهم أن يتحدوا في الفهم، إذ بالحقيقة يدعوهم "إخوتي الأحباء جدًا". الحب المشترك هو ثمرة التفكير المتناسق والوقوف معًا في المسيح. حينما يكون للكل إيمان متساوي في المسيح، فنقف جميعًا معًا فيه.

الأب ماريرس فيكتورينوس

+ انظروا كيف يضيف مديحًا لهم بعد التحذير. "يا سروري وإكليلي". لم يقل فقط "سرور"، بل ومعه "مجد". ليس فقط "مجد"، وإنما أيضًا "إكليلي". أي مجد يمكن أن يعادل ذلك، إذ هو إكليل بولس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ افتخر الحكيم جدًا بولس بالذين دُعوا بواسطته، قائلاً: "يا سروري وإكليلي" [1]، أما التلاميذ فلم يقولوا شيئًا من هذا، ولكنهم فرحوا فقط بسبب أنهم استطاعوا أن يسحقوا الشيطان (لو 10: 17).

القديس كيرلس الكبير

"أطلب إلى أفوديّة،

وأطلب إلى سنتيخي،

أن تفتكروا فكرًا واحدًا في الرب" [2].

بعد أن قدم الرسالة باسم الكنيسة كلها، شعبًا وكهنة، أوصى أشخاصًا معينين، غالبًا لهم دورهم القيادي. بدأ بسيدتين هما أفودية وسنتيخي، كانتا على خلاف إما فيما بينهما أو بينهما وبين الكهنة أو الخدام. ويرى البعض أنهما كانتا شماستين في كنيسة فيلبي. يسألهما أن تتحدا معًا في الفكر في الرب، وأن تعيشا في سلام الرب وفي محبته. يدعوهما للوفاق حتى تتمتعا مع أهل فيلبي بفرح المسيح.

معنى كلمة أفودية "رحلة مؤقتة" ومعنى سنتيخني "سعيدة الحظ"، وهما عملتا مع بولس في خدمة الإنجيل كغيرهما غير إنه وقع الاختلاف بينهما وعطلتا عملهما.

+ يطلب من هاتين السيدتين أن تلتزما بالفهم المشترك في الرب. يلزمهما خلال إيمانهما في المسيح أن يكون لهما التفكير والفهم لما يقوله الإنجيل عن المسيح. لكنه يقول "أطلب"، لأن هذا لنفعهما؛ "إنني لست أصدر أمرًا بل أطلب".

الأب ماريرس فيكتورينوس

"نعم أسألك أنت أيضًا يا شريكي المخلص،

ساعد هاتين اللتين جاهدتا معي في الإنجيل

مع إكليمنضس أيضًا،

وباقي العاملين معي الذين أسماؤهم في سفر الحياة" [3].

هنا يوجه حديثه غالبًا إلى تلميذه تيموثاوس أو سيلا (أع 15: 40؛ 19:16) اللذين خدما معه في فيلبي، أو أسقف فيلبي والمسئول عن رعاية الكنيسة فيها.

كما اشترك معه في الخدمة فليشترك في حمل النير، فيسند هاتين الشماستين. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هاتين السيدتين كان لهما دورهما القيادي في الكنيسة، وفي خدمة الإنجيل مع إكليمنضس وباقي العاملين مع الرسول بولس.

يلاحظ أن أول الذين قبلوا الإيمان في فيلبي سيدة، وهي ليدية بائعة الأرجوان (أع 14:16)؛ وربما كانت هاتان الشماستان من بين الحاضرات عند النهر حيث يقول الإنجيلي لوقا: "كنا نكلم النساء اللواتي اجتمعن" (أع 13:16)، ومن بين هؤلاء النساء من آمن، وربما اختيرت هاتان السيدتان للعمل كشماستين تخدمان كلمة الرب وسط النسوة.

كما طالبه الاهتمام باكليمندس الذي صار فيما بعد أسقفًا على روما، وله رسالة موجهة إلى أهل كورنثوس، سبق لي ترجمتها ونشرها.

أيضًا يسأله بصفة خاصة أن يهتم بالخدام العاملين مع الرسول بولس الذين لم يذكر أسماءهم هنا، لكن أسماءهم مسجلة في سفر الحياة بالروح القدس.

v كان من الضروري أن يسجل يسوع المسيح (عند ميلاده) اسمه في إحصاء كل العالم. سُجل مع كل أحد، وقدَّس كل أحد. لقد ارتبط مع العالم في الإحصاء، وقدم للعالم أن يرتبط به. بعد الإحصاء استطاع أن يسجل أسماء أولئك الذين من كل العالم "في سفر الحياة" معه. من يؤمن سينقش اسمه مؤخرًا في السماء مع القديسين.

العلامة أوريجينوس

افرحوا في الرب كل حين،

وأقول أيضًا افرحوا" [4].

إذ يشير إلى علاقة الأسقف بالخدام والخادمات يسأل جميع العاملين أن يمارسوا الفرح الدائم في الرب. مؤكدا ضرورة الفرح، إذ هو طريق الخدمة الروحية الناجحة. المسيح هو فرحنا الحقيقي، فيه نجد حياتنا وقيامتنا وشبعنا ومجدنا، وبالتالي فرحنا الدائم. وإذ لا يستطيع أحد ولا حدث ما أن يعزلنا عنه، لا يمكن أن يُنزع فرحنا من داخلنا.

من يلصق فرحه بالزمنيات يفقد فرحه مع تغير الظروف والأحداث، ومن يربط فرحه بثبوته في المسيح يتمتع بالفرح الدائم فيه.

"افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضا افرحوا" يعود الرسول في نهاية الرسالة ويؤكد أن هدف الرسالة هو الفرح, أفراح الملكوت مستمرة في كل حين... في السعة وفي الضيق، في الراحة وفي الشقاء، في الظروف السعيدة وفي الظروف التعسة، في الغنى العظيم وفي الفقر المدقع، في الصحة التامة وفي المرض القاتل. أفراح الملكوت تمنح القوة لمواجهة المشاكل والآلام.

+ يطوب (السيد المسيح) الذين ينوحون ليس علي فقدانهم أقربائهم، وإنما الذين تنخسهم قلوبهم، الذين يحزنون علي أخطائهم ويهتمون بخطاياهم أو بخطايا الآخرين. أما الفرح هنا فليس مضادًا لهذا النوح إنما يتولد منه. لأن من يحزن علي خطاياه ويعترف بها يفرح. علاوة علي هذا يمكننا الحزن علي خطايانا مع الفرح في المسيح.

+ قد عانوا من الآلام: "لأنه قد وُهب لكم... لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألموا لأجله" (29:1)، لهذا يقول لهم: "افرحوا في الرب". هذا يعني إن أظهرتم مثل هذه الحياة تفرحون. أو عندما لا تُعاق شركتهم مع الله تفرحون...

إن كانت الجلدات والقيود التي تبدو أكثر الأمور خطورة تجلب فرحًا، فأي شيء يمكنه أن يسبب لنا حزنا؟

"وأقول أيضًا افرحوا"، حسنًا يكرر القول. لأن طبيعة هذه الأمور تجلب حزنًا، لذا بتكراره يؤكد الالتزام بالفرح بكل وسيلة.

+ الفرح الحقيقي هو فرح الحياة الأخرى، حيث لا تتعذب النفس، وتتمزق الشهوة بسعادة المسيحي سعادة حقيقية وليست بلذة محمومة، إنها تعطي الحرية للنفس وهي حربة جذابة وغنية باللذات الحقيقية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ عندما تتحدون قلبيًا تفرحون في الرب، وعندما تفرحون في الرب تتحدون قلبيًا معًا في الرب.

الأب ماريرس فيكتورينوس

2. سرّ الفرح

"ليكن حلمكم معروفًا عند جميع الناس،

الرب قريب" [5].

كلمة "الحلم" هنا تحمل معنى اللطف وطول الأناة والرقة في التعامل وعدم الجدال الجاف والإذعان للغير، فهي تعبير عام شامل كما يقول آدم كلارك.

الإنسان الحليم يأخذ في اعتباره الآخرين فلا يتصلف في آرائه، بل يسمع وينصت ويقدر الرأي الآخر مادام في الرب.

بقوله: "الرب قريب" يكشف أن ما يمارسه الخادم أو المؤمن من حلم ينال مكافأته سريعًا من الرب نفسه الوديع والمتواضع القلب. إنه قادم سريعًا ليكافئ من شاركوه سماته، وحملوا صليبه بفرحٍ.

"الرب قريب"... هذه الحقيقة هي حصانة لكل نفس ضد الخطية، لأنه مادام الرب قريب فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إليه؟

+ سبق فقال: "آلهتهم بطونهم، ومجدهم في خزيهم" (في 19:3). فيُحتمل أنهم أرادوا ان يدخلوا في عداوة مع الأشرار، لهذا يحثهم ألا تكون لهم شركة معهم، بل يلزمهم أن يحتملوهم بكل حلمٍ، يحتملوا ليس فقط إخوتهم بل وأعداءهم والمقاومين لهم.

الرب قريب، فليس من مجالٍ للقلق... هل ترون (الأشرار) يعيشون في ترفٍ وأنتم في ضيق؟ الدينونة قريبة، وقريبًا سيعطون حسابًا عن أعمالهم... ستنتهي الأمور قريبًا.

هل يخططون ضدكم ويهددونكم؟ "لا تقلقوا في أي شيء". فإنك أن تعاملت برفقٍ مع الذين يدبرون شرورًا، فإن هذا ليس لنفعهم (ماداموا لم يتوبوا). المكافأة علي الأبواب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ يطالبهم الرسول أن يكون حلمهم معروفًا عند جميع الناس، لا يبغي مدحهم من الناس، وإنما أن يكونوا قدوة للغير. ليس شيء يجتذب النفوس للإيمان مثل طول أناة المؤمنين وحلمهم.

+ إنهم يطوَّبون ليس فقط عندما يمارسون الأعمال الصالحة، وإنما أيضًا يُلهمُون الآخرين لفعل الأعمال الصالحة.

الأب أمبروسياستر

"لا تهتمّوا بشيء،

بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر،

لتُعلم طلباتكم لدى الله" [6].

قد يظن الإنسان أن وصية الحلم أو الوداعة وطول الأناة صعبة، خاصة حيث يوجد مقاومون، لكن انتظار مجيء الرب القادم سريعًا ينزع عن النفس أي قلق أو ارتباك. أما سلاح المؤمن في ذلك فهو الصلاة مع الدعاء والشكر، فيستجيب الرب لطلبة الإنسان المصلي الشاكر!

الرب وحده هو المعين الحقيقي، فلنلجأ إليه بالصلاة والطلبة بغيرة (دعاء)، مع الشكر على عطاياه فيهب أكثر ويسند ويعين. هنا يربط الرسول عدم القلق بالصلاة والطلبة والشكر.

"لا تهتموا بشيء"... ليس معنى هذا أن نسلم أنفسنا للإهمال والكسل، ولكن القصد طرح هموم الحياة عنا، وإن لا نتحزب أو نرتبك أمام هموم الحياة والتجارب المختلفة، لأن سلام الله قادر أن يحفظ قلوبنا "بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر". الصلاة هي الطريق الوحيد إلى الراحة الحقيقية, وفي كل مرة نصلي بإيمان نشعر إن الله قريب منا يسمعنا ويستجيب دعاءنا. الصلاة تشمل التسبيح والسجود والشكر والطلب، أما الدعاء فهو الطلب، وكليهما يجب أن يقترنا بالشكر لأن تقديم الشكر يسر الله ويريح قلوبنا.

"لتُعلم طلباتكم لدى الله"... الله يعلم كل شيء، ولكن المقصود هنا استجابة الطلبات سواء بالإيجاب أو الرفض أو الانتظار.

+ أنظروا تعزية أخرى، هوذا دواء يعالج الحزن والكآبة، وكل ما هو مؤلم, ما هو هذا؟ الصلاة والشكر في كل شيء. إنه يرى ألا تكون صلواتنا طلبات مجردة، وإنما أن تكون تشكرات أيضًا علي ما لدينا. إذ كيف يمكن أن يطلب الإنسان أمورًا مقبلة وهو غير شاكرٍ علي الماضي؟... يلزمنا ان نشكر عن كل شيء، حتى عن تلك التي تبدو خطيرة، فإن هذا هو دور الإنسان الشاكر. في الحالات الأخرى (المفرحة) تتطلب طبيعة الأمور الشكر، أما هنا فالشكر ينبع عن نفس شاكرة وعن إنسان في غيرة منجذب نحو الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لا تقلقوا من جهة أنفسكم. لا تدعوا الأفكار غير الضرورية والارتباك بخصوص العالم والأمور الزمنية أن تحل بكم. فإن الله يمدكم بكل ما تحتاجون إليه في هذه الحياة، وستكونوا في حال أفضل في الحياة الأبدية.

الأب ماريرس فيكتورينوس

"وسلام الله الذي يفوق كل عقل،

يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" [7].

سلام الله هو عطية مجانية مقدمة للنفس التي تلقي رجاءها عليه فلا تضطرب، بل في وقت الضيق تصلي وتطلب وتشكر أيضًا. فتنفتح أبواب السماء ويفيض عليها السلام الإلهي الفائق للعقل، والقادر وحده أن يحفظ القلب والفكر في المسيح يسوع.هذا السلام الإلهي الداخلي يهب الإنسان نوعًا من التناغم بين النفس والجسد، وبين العقل والقلب، وبين الإرادة والسلوك، فيحيا المؤمن بلا صراعات داخلية، لأن روح الله يهبه وحدة داخلية فائقة. فلا تقدر خطية ما أن تتسلل إلى أعماقه لتفسد سلامه، ولا يقدر عدو الخير أن يقترب إليه، لأنه لا يحتمل النور الإلهي السماوي.

"وسلام الله الذي يفوق كل عقل" عندما يُقبل الخاطي إلى المخلص يحصل على "السلام مع الله", ثم يعيش حياة الإيمان، فيختبر "سلام الله الذي يفوق كل عقل". فالسلام المنسوب لله نفسه نحن منتسبون إليه أيضًا، وهو ملجأنا. فإننا نضع طلباتنا لديه عارفين إنه يسمع لنا, وإنه يتكفل بكل ما يخصنا, وهذا يعزي قلوبنا ويريحها ولو لم نحصل على جواب حسب فكرنا البشري. فنحن كثيرا ما نصرخ إليه من أجل ضيق خاص أو سببٍ مكدرٍ, ونحصل على السلام الكامل مع أن الشيء الذي طلبنا إزالته باق بعد، إذ يرفعنا فوقه ولا يقدر أن يكدرنا. هكذا بقيت شوكة بولس كما هي ولكنها لم تقدر أن تكدر راحة بولس.

+ سلام الله الذي يهبه للبشر يفوق كل فهمٍ. لأنه من يستطيع أن يتوقع، ومن يستطيع أن يترجى أن مثل هذه الصالحات تحدث؟ إنها تفوق كل فهم الإنسان وليس فقط كلماته. لم يرفض أن يبذل ابنه من أجل أعدائه والذين يبغضونه والذين أصروا أن يتركوه وذلك لكي يصنع سلامًا معنا. هذا السلام، الذي هو المصالحة، حب الله، يحفظ قلوبكم وأفكاركم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

اتسم الرسول بمحبته الشديدة لشعبه، لا يكف عن التعبير عن محبته لهم بكل وسيلة، تارة بالتشجيع وأخرى بالنصح، ودومٍا بالصلاة عنهم. هنا يطلب لهم السلام الإلهي الذي يففوق كل عقلٍ.

+ هذا هو دور المعلم، ليس فقط أن ينصح بل أيضًا يصلي لكي بالطلبات يسندهم حتى لا يُهزموا بالتجارب ولا يُخدعوا. كأنه يقول: ليت ذاك الذي وهبكم مثل هذا النوع من الفكر الذي لا يُدرك، هو نفسه يحفظكم ويجعلكم في أمان، حتى لا يصيبكم شر. إما أنه يقصد هذا أو يقصد ذاك السلام الذي قال عنه المسيح: "سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم" (يو 27:14)، هذا السلام يحفظكم، إذ يفوق فهم الإنسان.

+ ماذا يعني: "في المسيح يسوع"؟ إنه يحفظنا فيه حتى تبقوا ثابتين، ولا تسقطوا من إيمانه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ عندما يحل سلام الله علينا ندرك الله. ولا يكون للخلاف ولا للتنافر ولا للنزاعات موضع، ولا يوجد شيء موضع تساؤل. هذا أمر صعب في الحياة العالمية. لكنه يتحقق عندما يكون لنا سلام الله حيث يصير لنا الفهم. لأن السلام هو حالة تمتع فعلي بالراحة والأمان.

الأب ماريرس فيكتورينوس

"أخيرًا أيها الإخوة كل ما هو حق، كل ما هو جليل،

كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر،

كل ما هو مُسر، كل ما صيته حسن،

إن كانت فضيلة وإن كان مدح،

ففي هذه افتكروا" [8].

إذ يملك الرب في الداخل ويقيم سلامه الفائق تتحول طاقات الإنسان كلها للتأمل والتفكير فيما هو للرب وحده.

"أخيرا أيها الإخوة": أخيرا تشير هنا إلى قرب انتهاء الرسالة.

+ ماذا يعني "أخيرًا"؟ إنها تُستخدم بمعني: "لقد قلت كل شيء". إنها كلمة ينطق بها من كان مسرعًا، وليس له أن يفعل شيئًا في الأمور الحاضرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

وضع الرسول عدة بوابات يعبر عليها أي فكر لتحدد إن كنا نقبله أو نرفضه وهذه البوابات الست هي:

1- الحق. 2- الجلال والوقار. 3- العدل.

4- الطهارة. 5- السرور والفرح. 6- السمعة الحسنة.

+ يُعلمنا عن مكان العريس ومسكنه. إنه لا يحل في النفس البعيدة عن الفضيلة, فإذا أصبح أي شخص إناءً للعطور، يخرج منه مختارات من المرّ يصير كوبًا للحكمة التي تستقبل خمر الفرح النقية.

تعلمنا كلمات النشيد الآتية عن التغذية التي يُقدمها الراعي الصالح لرعيته فلا يدع غنمه تدخل الصحراء أو الأماكن الممتلئة بالأشواك لترعى، بل يقدم التوابل العطرة بالجنة كغذاء. وبدلاً من مرعى العشب يجمع لها الراعي السوّسن لتغذيتها.

يعلمنا كلمة الله الأمثلة، لأننا نرى أن طبيعة القوة المهيمنة على كل شيء ترتب مكانًا لهؤلاء الذين يستقبلونه بنقاءٍ وطهارةٍ. وهم يملكون حديقة مليئة بنباتات كثيرة مختلفة مزروعة بالفضائل. ويُنميهم العريس بقوة بواسطة السوّسن المزدهر، ويمتلئون بثمار التوابل العطرة.

يرمز السوّسن للفكر النقي المضيء ورائحته الجميلة لا تتفق مع رائحة الخطية الرديئة. تقول العروس أن السيد يعرف خرافه الروحية، ويغذيها في حدائقه ويجمع السوّسن ليغذي به غنمه.

يختار لنا بولس العظيم السوّسن لغذائنا من بيت الغذاء المقدس: "كل ما هو حق، وكل ما هو جليل، وكل ما هو عادل، وكل ما هو طاهر، وكل ما هو مسر وكل ما هو حسن الصيت، وكل ما كان فيه فضيلة وخصلة حميدة" (في 8:4). هذا هو في رأيي السوّسن الذي يغذى به الراعي الصالح والمعلم العظيم قطيعه.

القديس غريغوريوس النيسي

+ "كل ما هو حق" - ما هذه الأمور التي هي حق؟ إنها تلك التي بيَّنها الإنجيل: يسوع المسيح ابن الله، وكل ما يدور حول الأخبار السارة. عندما تكون أفكارك حق يتبع ذلك أنها تكون جليلة. ما هو حق لا يكون فاسدًا، وهذا يعني أنها مكرمة. ما هو ليس بفاسدٍ هو حق. لذلك ما هو حق وجليل هو أيضًا عادل أو يحقق العدالة. وما هو عادل فهو طاهر، إذ يتقبل التقديس من الله. كل ما هو عادل وجليل وحق وطاهر فهو مسر (محبوب) ولطيف. لأنه من لا يحب هذه الفضائل المقدسة؟... تتعلق بعض البنود من هذه القائمة بالفضيلة الحقيقية ذاتها، بينما البنود الأخيرة تخص ثمر الفضيلة. ما يخص الفضيلة هو الحب والحق والكرامة (جليل) والعدل والطهارة. وما يخص ثمر الفضيلة أنه مسر ولطيف.

الأب ماريرس فيكتورينوس

"كل ما هو حق": فحيث لا موضع للخطية، ولا للباطل يتجلى الحق الإلهي في النفس والفكر. فيصير فكر الإنسان عرشًا للسيد المسيح القائل: "أنا هو الحق"، ولن يقبل أن يكون ملهي لإبليس وأفكاره الباطلة. يقصد بـ "كل ما هو حق" جميع الجوانب المرتبطة بالحق، الحق في كل شيء في الفكر والكلام والتصرف بحسب وصية الإنجيل أي في الأمور التي تفيد روحيًا ولا تحزن قلب الله أو الإنسان نفسه أو الآخرين.

+ القديسون دائمًا متهللون جدًا أن يروا ثمار الحق عمليًا.

هيلاري أسقف آرل

+ إن حصنا أنفسنا بذلك، إن منطقنا أحقاءنا بالحق، لا يقدر أحد أن يغلبنا. من يطلب تعليم الحق لن يسقط على الأرض.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ المسيح ليس فقط هو الله، بل بالحقيقة الله الحق، إله حق من إله حق، إذ هو نفسه الحق.

القديس أمبروسيوس

"كل ما هو جليل": إذ يدرك المؤمن مركزه كابن لله لا يستطيع أن يفكر إلا في كل ما هو لائق بكرامته في الرب، أي فيما يتسم بالجلال والوقار، الأشياء ذات المهابة والقداسة وليس في الأشياء التافهة. إذ نلنا حرية مجد أولاد الله (رو 8: 21)، فلا نفكر ولا نعمل إلا بما يليق بمركزنا الجديد في الرب، مجدنا الداخلي. وكما يقول الرب نفسه: "وأكون مجدًا في وسطها" (زك 5:2).

+ الذين يستنيرون يتقبلون ملامح المسيح... فإنه حتما يُطبع على كل واحد منهم شكل الكلمة وصورته وملامحه حتى يُحسب المسيح مولودًا في كل واحدٍ منهم بفعل الروح القدس... ويصير الذين يتعمدون مسحاء آخرين.

الأب ميثوديوس

"كل ما هو عادل": يؤدي العدل الحق الواجب نحو الله والناس بأمانة وإخلاص. فلن يقدر فكر ما ضد الآخرين أن يعبر بأولاد الله المقدسين فيه. لأنه حيث يملك الحب لا يقدر الظلم أو البغضة أن تتسلل.

+ لقد أُعطي لنا الغضب لا لنرتكب أعمالاً عنيفة ضد إخوتنا، بل لكي نصلح من شأن الساقطين في الخطية بالعمل بدون كسل. لقد زرع فينا الغضب كنوع من المنخاس لكي نصر على أسناننا ضد الشيطان مملوءين عنفًا ضده وليس ضد بعضنا البعض. أسلحتنا هي لمحاربة العدو وليس لمحاربة بعضنا البعض.

هل أنت غضوب ؟ كن هكذا ضد خطاياك. أدب نفسك، واجلد ضميرك، وكن قاضيا قاسيا، واحكم بلا رحمة على خطاياك.

هذا هو طريق الانتفاع من الغضب. هذا هو السبب الذي لأجله غرس الله فينا الغضب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"كل ما هو طاهر": الطهارة هي نقاوة القلب والذهن من الفكر الدنس. ففكر المؤمن المقدس في الرب القدوس يتمتع بفيض من الطهارة والنقاوة والعفة.

+ الحقيقة هي أن الكل غير طاهرين، هؤلاء الذين لم يتطهروا بواسطة الإيمان بالمسيح، وذلك كقول العبارة: "إذ طهر بالإيمان قلوبهم" (أع 15: 9).

+ إننا محتاجون إلى العفة، ونحن نعلم أنها عطية إلهية، وهي امتناع القلب عن الميل نحو كلام الشر مع عدم تقديم أعذار عن خطايانا.

إننا محتاجون إلى العفة حتى نقمع الخطية فلا نرتكبها، وإن أخطأنا فلا نبرر ذلك بكبرياء شرير.

وبالإجمال، نحن نحتاج إلى العفة لكي نحيد عن الشر، ونحتاج إلى فضيلة أخرى هي البرّ لكي نفعل خيرًا. هذا ما ينصح به المزمور المقدس قائلاً: "حد عن الشر واصنع الخير". وبأي هدف نصنع هذا؟ "اطلب السلامة واسعَ وراءها" (مز 34: 14). سيكون لنا السلامة الكاملة، عندما تلتصق طبيعتنا دون أن تنفصل عن خالقها، فلا يكون لنا في أنفسنا ما يضاد أنفسنا.

وهذا أيضًا - كما أظن - أراد مخلصنا نفسه منا أن نفهمه بقوله "لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة" لأنه ماذا تعني الأحقاء الممنطقة؟ إنها ضبط الشهوات، وهذا هو عمل العفة. وأما السرج الموقدة فتعني الإضاءة والتلألؤ بالأعمال الصالحة، أي عمل البرّ.

وهنا لا يصمت الرب عن توضيح هدف صنع هذه الأمور إذ أضاف قائلاً: "أنتم مثل أناس ينتظرون سيدهم متي يرجع من العرس" (لو 12: 35، 36) فعند مجيئه يأتي ليكافئ الذين حفظوا أنفسهم من الشهوات، وصنعوا الأعمال التي تأمر بها المحبة. وهكذا يملكون في سلامه الكامل الأبدي أي بغير صراع مع الشر، بل يبتهجون بالخير بفرحٍ سامٍ.

القديس أغسطينوس

"كل ما هو مسر": نفكر في كل ما يسر الغير ويجلب المحبة ويسعد القلوب بالعطف والاحتمال وعدم ذم الآخرين أو إدانتهم. يغمر المؤمن السرور والفرح الذي لا يُنطق به، فرح الروح، بكونه الجو الطبيعي الذي يسود مملكة الله في القلب. يشعر المؤمن في أعماقه أنه أسعد كائن على وجه الأرض.

"كل ما صيته حسن": يبتعد الصيت الحسن عن الكلمات القبيحة وينطق أولاد الله بما يمجد أبيهم السماوي. فالمؤمن الحقيقي يشهد له حتى الأعداء، إذ يشعر الكل بغنى نعمة الله عليه فيلتمسون بركة الرب الحالة فيه. أفكاره دائمًا لصالح البشرية وبنيانها الدائم، يشرق على من حوله بنور السيد المسيح الذي فيه.

"إن كانت فضيلة، وإن كان مدح ففي هذه افتكروا"، فكره أشبه بالنحلة التي تمتص الرحيق من كل زهرة لتقدم عسلاً شهيًا. هكذا يرى المؤمن في كل إنسان حتى الذين يُدعون مجرمين جانبًا فاضلاً يتعلمه. بهذا إذ لا يكف عن أن يتعلم من كل أحد ما هو صالح ونافع، يصير فكره وسلوكه وكلماته موضع مديح الناس، وإن كان هذا لن يشغل قلبه، إذ يطلب مديح الرب لا الناس.

+ ما هو حق بالحقيقة هو فضيلة. الرذيلة هي بطلان، مسرتها باطلة، مجدها باطل، كل ما فيها باطل. ما هو طاهر هو ضد التفكير في الأمور الأرضية. ما هو جليل ضد أولئك الذين آلهتهم بطونهم (في 19:3).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ إننا نصير مثل الطعام الذى نأكله. دعونا نأخذ مثال الإناء الأجوف من الكريستال، فكل ما يوضع فيه يُرى بوضوح. ويشبه ذلك عندما نضع بهاء السوّسن في نفوسنا، فإنها تشع وتُظهر من الخارج الأشكال الموجودة بالداخل. ولتوضيح هذه النقطة. تتغذى الروح بالفضائل التي تُسمى رمزيًا بالسوّسن، ويُصبح الشخص المكوّن بهذه ذا حياة طيبة، مُشرقًا، مُظهرًا في حياته كل نوع من الفضيلة. لنفرض أن السوّسن النقى هو ضبط النفس والاعتدال والبرّ والشجاعة والقدرة وكل ما يقوله الرسول أنه حق وجليل ومستحق للحب وعادل ومقدس وعطوف وفاضل ومستحق للتمجيد (في 8:4) تتكون هذه الفضائل جميعها في النفس نتيجة للحياة النقية وتزيّن النفس التي تمتلكها.

القديس غريغوريوس النيسي

"وما تعلّمتموه وتسلّمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيّ،

فهذا افعلوا،

وإله السلام يكون معكم" [9].

مع توصيتهم كتابة يوصيهم الرسول بلغة التسليم أو التقليد والإقتداء به. فلا يكفي ما تعلموه من الرسول كتابة أو شفاها، وإنما أيضا ما تسلموه وما رأوه فيه في حياته العملية، هذا يلتزمون به، لأنه يقدم إنجيل المسيح، فيكون معهم اله السلام. الإله الذي هو مصدر السلام الداخلي، والمحب للسلام، والحافظ له في كل الظروف هو معهم وفيهم.

+ هذا هو تعليمه في كل نصائحه أن يقدم نفسه نموذجًا. وكما يقول في موضع آخر: "كما نحن عندكم قدوة" (في 17:3). مرة أخرى يقول هنا: "وما تعلمتموه وتسلمتموه"، أي تعلمتموه بكلمة الفم. "وسمعتموه ورأيتموه فيّ"، سواء بكلماتي أو أفعالي أو سلوكي. أنظروا كيف يقدم لنا هذه الوصايا في كل الجوانب؟ لما كان يصعب وضع تعبير دقيق لكل الأمور الخاصة بدخولنا وخروجنا وحديثنا وتحركاتنا وتعاملاتنا - وإذ يحتاج المسيحي أن يفكر في كل هذه الأمور - لذلك قال باختصار كمن يلخص الأمور: "سمعتموه ورأيتموه فيّ". إني أقودكم إلى الأمام بالأفعال وبالكلمات. افعلوا هذه الأمور، ليس فقط بالكلام وإنما أيضًا بالعمل.

"وإله السلام يكون معكم"، أي ستكونون في هدوء وأمان عظيم، ولا تعانوا من أمرٍ مؤلمٍ، ولا ما هو ضد إرادتكم، فإننا إذ نكون في سلامٍ معه، يكون هذا خلال الفضيلة، حيث يكون بأكثر سلام معنا. فإن ذاك الذي يحبنا، ويُظهر حنوه علينا حتى بغير إرادتنا، سوف يُظهر بالأكثر حبه لنا حين يرانا نسرع نحوه. ليس شيء فيه عداوة لطبيعتنا مثل الرذيلة. في أمور كثيرة يتضح كيف أن الرذيلة تحمل عداوة ضدنا، بينما تحمل الفضيلة صداقة من نحونا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ربما يتساءل أحد إن كان التقليد الشفهي قد توقف بظهور أسفار العهد الجديد. نجيب بأن الرسل أنفسهم قد ذكَّروا المؤمنين بالتقليد الشفهي حين كتبوا رسائلهم للجماعات المسيحية الأولى، إذ من خلاله يستطيعون أن ينالوا فهمًا للحق المسيحي:

"إذ كان لي كثير لأكتب إليكم لم أرد أن يكون بورقٍ وحبرٍ، لأني أرجو أن آتى إليكم فمًا لفم ليكون فرحنا كاملاً" (2 يو 12).

"وكان لي كثير لأكتبه لكنني لست أريد أن أكتب إليك بحبرٍ وقلمٍ. ولكنني أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم فمًا لفم" (3 يو 14، 13).

"أما الأمور الباقية فعندما أجئ أرتبها "الكلمة اليونانية تعني أطقسها" (1 كو 34:11).

"لأجل هذا تركتك في كريت لكي تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتقيم في كل مدينة قسوسًا" (تي 5:1).

في مواضع كثيرة يوصي الرسول بولس تلاميذه أن يحفظوا التقليد، ويودعوه أناسًا آخرين، وأن يتمسكوا بالتقاليد التي تعلموها بالكلام أو برسالته وأن يتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد الذي أخذه منه" (2 تس 6:3). كما حذرنا من كل تقليد بشري مقاوم للإيمان "حسب أركان العالم وليس حسب المسيح" (كو 8:2).

+ إذا حاولنا أن نحذف العوائد غير المكتوبة لأنها ليست بذات أهمية فلننتبه إلى أننا نسيء إلى البشارة في أهم أركانها، ونجعل الكرازة الإنجيلية اسمًا لغير مسمى.

القديس باسيليوس الكبير

+         +          +

الأبركسيس من أعمال 11 : 19 – 26

19 اما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس فاجتازوا الى فينيقية و قبرس و انطاكية و هم لا يكلمون احدا بالكلمة الا اليهود فقط
20 و لكن كان منهم قوم و هم رجال قبرسيون و قيروانيون الذين لما دخلوا انطاكية كانوا يخاطبون اليونانيين مبشرين بالرب يسوع
21 و كانت يد الرب معهم فامن عدد كثير و رجعوا الى الرب
22 فسمع الخبر عنهم في اذان الكنيسة التي في اورشليم فارسلوا برنابا لكي يجتاز الى انطاكية
23 الذي لما اتى و راى نعمة الله فرح و وعظ الجميع ان يثبتوا في الرب بعزم القلب
24 لانه كان رجلا صالحا و ممتلئا من الروح القدس و الايمان فانضم الى الرب جمع غفير
25 ثم خرج برنابا الى طرسوس ليطلب شاول و لما وجده جاء به الى انطاكية
26 فحدث انهما اجتمعا في الكنيسة سنة كاملة و علما جمعا غفيرا و دعي التلاميذ مسيحيين في انطاكية اولا


 

الكنيسة في أنطاكيّة

"أمَّا الذين تشتّتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس،

فاجتازوا إلى فينيقية وقبرس وإنطاكية،

وهم لا يكلمون أحدًا بالكلمة إلا اليهود فقط". [19]

يبدأ هذا القسم بالحديث عن مرحلة جديدة خاصة بامتداد الكنيسة من المجتمع اليهودي في أورشليم إلى المجتمع الخارجي خاصة إنطاكية. روى القديس لوقا سابقًا دخول السامريين إلى الكنيسة، ثم تحول أسرة أممية في قيصرية. الآن يروي لنا عن بدء ظهور المسيحية في إنطاكية، المدينة الرئيسية في سوريا تصير الكنيسة الأم للكرازة بين الأمم في آسيا وأوربا.

اهتم القديس لوقا بنجاح الخدمة في إنطاكية لأنها سرعان ما تصير مركز خدمة القديس بولس رسول الأمم، يبدأ رحلاته بها، ويرجع إليها ليبدأ رحلات جديدة.

أول الكارزين فيها بالإنجيل هم الذين تشتتوا بسبب الضيق بعد استشهاد القديس استفانوس، هذا الضيق الذي قام منذ حوالي خمس أو ست سنوات كما يقدر البعض. هكذا حول الله غضب الإنسان وعنفه بركة لكثيرين ومجدًا له في بلاد كثيرة. لقد نفذ المؤمنون وصية السيد المسيح أنهم متى اضطهدوهم يهربون من مدينة إلى أخرى، لكنهم وهم هاربون حملوا معهم الشركة الحية مع الله والشهادة لإنجيل المسيح أينما حلوا. لم يسيطر عليه الخوف من الضيق أو حتى الموت، بل شهوة الحب نحو البشرية لخدمتهم في المسيح يسوع. إذ نجحت الخدمة في اليهودية والسامرة والجليل خرجوا إلى ما وراء حدود كنعان ليكرزوا في فينيقية وجزيرة قبرص وسوريا. لكنهم كانوا يخدمون خلال مجامع اليهود فقط لاخوتهم اليهود، ويتركون الأمم، إما أن يتهودوا ثم يصيروا فيما بعد مسيحيين أو يبقوا كما هم.

"ولكن كان منهم قوم وهم رجال قبرسيّون وقيروانيّون،

الذين لمّا دخلوا إنطاكية

كانوا يخاطبون اليونانيين،

مبشّرين بالرب يسوع". [20]

سبق فتحدث الإنجيلي لوقا عما سببه حوار استفانوس قبل استشهاده من ضيق شديد، فتشتت المؤمنون وصاروا يكرزون (أع ٨: ٤). هنا إذ يتحدث عن تأسيس كنيسة أنطاكية يبدأ بالحديث عن دور الذين تشتتوا، إذ انطلقوا نحو البحر وساروا شمالاً مارين بمدن الساحل الكبرى مثل بيروت Berytue وأرادوس ولاودكية Leodicea وهي غير لاودكية آسيا الصغرى، حتى بلغوا أنطاكية في سوريا، ثم أبحروا غربًا حتى بلغوا قبرص.

كانت أنطاكية بلد سورية يونانية تحمل الثقافة السريانية ومعها الهيلينية، تقع على نهر الأورنتس، تعتبر المدينة الرومانية الثالثة بعد روما في الغرب والإسكندرية في الشرق. بدأت بذار المسيحية تُغرس فيها بسبب يوم الخمسين.

أخذ بعض المؤمنين الذين جاءوا من جزيرة قبرص ومن قيروان (ليبيا) إلى إنطاكية اتجاها آخر في الكرازة، هؤلاء كرزوا لليونانيين في إنطاكية. فمع وجود جماعة ضخمة لليهود في إنطاكية، إلا أن إنطاكية كانت أولاً أممية ولها ثقافة يونانية.

كان من أهم القبروسيين القديس برنابا الذي باع حقلاً كان يملكه وأعطى ثمنه للرسل (أع ٤: ٣٦-٣٧).

ومن بين القيروانيين سمعان القيرواني الذي حمل صليب ربنا يسوع، وابناه اللذان انتشرت بواسطتهم المسيحية في أنطاكية: اسكندر وروفس (مر ٥: ٢١؛ رو ١٦: ٣١).

هؤلاء كانوا يهودًا يتكلمون اليونانية لذلك دُعوا باليونانيين تجاوزًا.

يرى البعض أن كلمة "اليونانيين" هنا لا تعني اليهود الذين لهم ثقافة يونانية، بل اليونانيين من الأمم. وكأنه في إنطاكية ظهر فريقين فريق قادم من أورشليم واليهودية يكرزون في المجامع لليهود وللدخلاء من الأمم، وفريق قادم من قبرص وقيروان يكرزون بين اليونانيين الأمميين.

"وكانت يد الرب معهم،

فآمن عدد كثير،

ورجعوا إلى الرب". [21]

رافقتهم القوة الإلهية في كرازتهم، "وكانت يد الرب معهم"، وكما يفسر البعض أن هذا التعبير يشير إلى عمل آيات وعجائب تسند كرازتهم (مر 16: 20)، إذ كان الرب يعمل معهم وبهم. غير أن ما هو أعظم أن روح الله القدوس كان يعمل في قلوب السامعين فيتقبلوا كلمة الإنجيل ويتجاوبوا معها. كان روح الله ينقش الكلمة في قلوبهم، ويفتح بصيرتهم الداخلية لإدراك أسرارها.

كانت الكنيسة في أنطاكية تقف في الوسط بين كنيسة أورشليم التي ركزت بالأكثر على العبرانيين، وكنيسة الأمم التي كرز بها الرسول بولس وقد ركزت على الأمم، أما كنيسة أنطاكية فركزت على اليونانيين الأتقياء خائفي الرب، وهم يهود يتكلمون اليونانية. كان لها طابعها التقوي التقليدي، لذلك بذلت محاولات كثيرة لتهويد المسيحيين. ودخلت في صراع شديد مع القديسين بولس وبرنابا اللذين كانا يكرزان بين الأمم. حتى أدى الأمر إلى عقد مجمع في أورشليم لحسم الخلاف.

يعتبر القديس بطرس هو أول أسقف لأنطاكية، وكان منحازًا لليهود المسيحيين ظاهريًا، لكنه بقلبه كان يميل إلى المسيحيين الأممين مما ألزم القديس بولس إلى مقاومته في هذا الأمر.

القدّيس برنابا في إنطاكيّة

"فسمع الخبر عنهم في آذان الكنيسة التي في أورشليم،

فأرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى إنطاكية". [22]

أرسلت الكنيسة الأم في أورشليم برنابا لكي يثبت الكنيسة الناشئة هناك، كما سبق فأرسلت بطرس ويوحنا لتثبيت العمل الجديد في السامرة (أع 8: 14-17)

اختيار برنابا دون أي رسول آخر يكشف عن حكمة الرسل، فإنه قبرصي يوناني، كان صالحًا وممتلئًا من الروح القدس والإيمان وسبق له الخدمة بين الأمم، لن يدخل في منازعات الختان والناموس، لذلك فهو أقدر على الخدمة هناك بين اليونانيين. ولعل كنيسة أورشليم وقد أدركت نمو الخدمة بين الأمم خشت أن تفقد صلتها بكنيسة الأمم.

"الذي لمّا أتى ورأى نعمة اللَّه،

فرح ووعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب". [23]

أرسلت برنابا لتشجيع الكارزين والمؤمنين، ولكي تكشف عن فرحتها بعمل الله وسطهم. تتهلل الكنيسة بنجاحٍ عمل الرب خاصة في الأماكن التي لم تكن تتوقعها، فإنه ليس ما يفرح قلب الكنيسة مثل رؤيتها للنفوس وقد تركت الخطية والتصقت بالرب.

"يثبتوا في الرب"، فإذ ينضم الإنسان إلى الكنيسة تلاحقه التجارب، ويصب عدو الخير الضيقات عليه، لكي ينتزعه من الإيمان، يأسره في عدم الإيمان. لهذا فإن عمل الكنيسة هو تثبيت المؤمن في الرب، لتكون له معه شركة لا تقدر قوات الظلمة أن تفسدها.

"بعزم القلب": أي يكون للمؤمن الذهن الثابت والقلب الملتهب. فلا ينحرف عن خطة الله من نحوه (رو 8: 8؛ أف 1: 11؛3: 11؛2 تي 1: 9؛3: 10). يشير عزم القلب إلى وضوح الهدف والثبات فيه دون انحراف أو تردد، فيبقى الإنسان مخلصًا في إيمانه.

"لأنه كان رجلاً صالحًا،

وممتلئًا من الروح القدس والإيمان،

فانضم إلى الرب جمع غفير". [24]

إذ رأى عمل النعمة الإلهية في حياة الناس تهللت نفسه جدًا، والتهب قلبه فصار يعظهم ويثبتهم في الرب بشدة وقوة.

كلمة "برنابا" معناها "ابن الوعظ"، كان قلبه الممتليء بالفرح والحامل روح القوة يشدده لمسانده الكثيرين بكلمات النعمة.

+ إن وُجد أي شيء يُدعى صالحًا في الكتاب المقدّس مثل ملاك (طو 5: 21) أو إنسان (مز 37: 23؛ 112: 5)، أو عبد (سيراخ 7: 21)، أو كنز (طو 4: 9؛ لو6: 45)؛ أو قلب صالح (يهوديت 8: 28)، أو شجرة صالحة (2 مل 3: 19؛ مت 7: 17-19)، هذه كلّها تُدعى هكذا باستخدام غير دقيق للكلمة، لأن الصلاح الذي فيهم عرضي وليس جوهريًا.

العلامة أوريجينوس

القدّيس برنابا يطلب شاول

"ثم خرج برنابا إلى طرسوس ليطلب شاول،

ولمّا وجده جاء به إلى إنطاكية". [25]

استخدمه الرب للعمل لتثبيت الذين في الداخل، ولجذب الذين في الخارج. كان يعمل لبنيان المؤمنين ولجذب غير المؤمنين. أما سرّ نجاحه فهو:

1. كان رجلاً صالحًا، فالله القدوس يُسر بأن يعمل خلال القديسين الذين تجاوبوا مع روحه القدوس بروح الحب والوداعة والتواضع والعذوبة.

2. كان ممتلئًا من الروح القدس. لم يكن فقط محبًا ومتواضعًا، لكنه كان خاضعًا لقيادة روح الله الذي يملأ إنسانه الداخلي ويهبه ثماره.

3. كان ممتلئًا من الإيمان المستقيم: له ملء الثقة في الحق الإلهي ووعود الله الصادقة. فلا يعتمد على قدراته ومواهبه، ولا على بره الذاتي وقداسته، بل على قوة الله ووعوده.

+ جاء إلى المصارع القوي، القائد (اللائق بقيادة جيوش)، المقاتل في معركة منفردة، الأسد؛ تنقصني الكلمات التي أريدها: كلب الصيد، قاتل الأسود، الشبيه بالثور في القوة، سراج البهاء، الفم القادر على الحديث مع العالم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لعل نجاح القديس برنابا في خدمته بين الأمم ألهب قلبه للبحث عن شاول الذي دُعي لخدمة الأمم، حتى يعملا معًا. فالخادم الناجح يبحث دومًا عمن يعمل معه، طالبًا لا مجد ذاته، بل بنيان ملكوت الله على الأرض.

"فحدث أنهما اجتمعا في الكنيسة سنة كاملة،

وعلّما جمعًا غفيرًا،

ودُعي التلاميذ مسيحيين في إنطاكية أولاً". [26]

إذ وجده أخذه معه إلي إنطاكية، فقضيا معًا سنة كاملة، وهي تعتبر مدة طويلة بالنسبة لخدمة القديس برنابا أو القديس بولس، فقد شعرا بأهمية العمل هناك لتكون مركز إشعاع روحي قوي لخدمة الأمم في آسيا وأوروبا.

فرح برنابا، إذ عبر أبواب كيليكية التي تفصل بين الأقليم شمالاً وسوريا جنوبًا، حيث التقى بشاول الطرسوسي ليرجع به إلى أنطاكية، وكانا يعملان معًا في أنطاكية لمدة سنة كاملة. ارتبط الاثنان بصداقة حميمة في الرب، فالاثنان يحملان ذات الفكر من جهة غيرتهما وشوقهما للكرازة بين الأمم، وعدم الاستعباد لحرف الناموس القاتل. عمل معًا حيث التهبت الخدمة هناك، وشعر الرسولان ضرورة بدء اشعال العالم كله بنار الروح القدس ونور المسيح.

مع اهتمام القديس بولس بإنشاء كنائس جديدة في مناطق كثيرة، وكثيرًا ما كان هذا يكلفه خدمة يوم أو يومين أو أسابيع قليلة، كان يهتم أيضًا بإنشاء مراكز عمل يقضي فيها بعض سنوات. فقد قضى في أفسس ثلاث سنوات (أع 20: 31)، وسنة ونصف في كورنثوس (أع 18: 11).

رأى القديس لوقا أن يسجل حدثًا هامًا وهو دعوة المؤمنين لأول مرة "مسيحيين" في إنطاكية، لأنهم اتباع السيد المسيح. من الذي دعاهم هكذا؟ هل دعاهم أعداؤهم هكذا لتمييزهم كجماعة تُنسب ليسوع المسيح في نوعٍ من الاستخفاف، أم دعا التلاميذ أنفسهم هكذا كاعتزاز بشخص ربنا يسوع، ولكي يحمل اللقب مفهومًا لاهوتيًا وهو أن الإيمان المسيحي هو شركة مع السيد المسيح؟ غالبًا ما أراد اليونانيون المتنصرون أن يحملوا اسم المسيح كنوع من الاستقلال حيث كان كثيرون يتطلعون إلى التلاميذ كجماعة يهودية وليست دينًا مستقلاً. لقد أراد الأنطاكيون في صراعهم مع الذين هم من أهل الختان أن يتخلصوا من العادات اليهودية. في كل الأحوال لقد حمل اللقب تمييزًا خاصًا بهم، أنهم أتباع السيد المسيح، لهم سماتهم الخاصة ومشاعرهم وتعاليمهم ورجاؤهم الخاص، حتى وإن اختلفوا فيما بينهم من جهة الجنسية أو اللغة أو الثقافة.

كلمة "دعوا" في الأصل اليوناني معناها ليس مجرد لقب أو اسم، وإنما الالتزام بقيام بعملٍ لائقٍ، فمن يخدم القضاء يدعى قاضيًا. ومن يتبع المسيح ويتمتع بالشركة معه يُدعى مسيحيًا.

كثيرًا ما تُدعى جماعات معيّنة على اسم المعلم الذي يقودهم، فالأفلاطونيّون مدينون لأفلاطون بتعاليمه، وأيضًا الآبيقوريّون لآبيقور الخ. أمّا بالنسبة للسيّد المسيح، فالمسيحيّون يدينون له، ليس فقط بتعاليمه، وإنّما بحلوله فيهم، حيث يثبتون فيه وهو فيهم. يتمتّع المسيحيّون بالشركة مع مسيحهم، بالاتّحاد معه كرأسٍ للجسد الواحد.

حقًا، لقد دعوا قبلاً تلاميذ بكونهم يتتلمذون على يديه ويسلكون حسب منهجه، كما دُعوا قدّيسين لأنّهم يعتزّون ببرّه وقداسته حيث يسلكون كأيقونة له. ودُعوا أيضًا مؤمنين، لإيمانهم به، ويُدعون كنيسته لأنّهم شعبه الحال في وسطهم. وكان المقاومون لهم يدعونهم الناصريّين نسبة إلى يسوع الناصري للاستهانة به وبهم، وأيضًا الجليليّين لأن التلاميذ كانوا من الجليل غير متعلّمين. ودُعوا أيضًا أصحاب الطريق، وربّما دعوهم مسيحيّين. على أي الأحوال إنّنا نعتزّ بهذا اللقب، فهو في أعيننا لقب مجيد نفخر به، وهبة أنعم بها علينا إلهنا. وقد ورد في العهد الجديد ثلاث مرّات: هنا وفي أع26: 28؛ 1بط4: 16.

إدراكنا أن اسم يسوع المسيح يحمل قوّته ويمثّل حضوره الإلهي يجعلنا بالأكثر نعتزّ بهذا اللقب.

+ إنك تدعوني مسيحيًا، كما لو كان هذا الاسم لعنة لمن يحمله، أما من جهتي فإنني أجاهر بأني مسيحي، وأحمل هذا الاسم المحبوب لدى الله، راجيًا أن يكون في ذلك خدمة الله.

+ أما عن سخريتك بي بدعوتي مسيحيًا، فأنت لا تعرف ما تقول: أولاً لأن ما يُمسح فهو حلو وخادم وبعيد عن ما هو مزدري به... أية سفينة يمكن أن تستخدم وتتأهل للإبحار ما لم تُدهن (بالقار) أولاً؟ وأية قلعة أو منزل يكون جميلاً أو نافعًا ما لم يُدهن؟... ونحن نُدعي مسيحيين لأننا نُمسح بدهن الله.

القديس ثيؤفيلس الأنطاكي

+       +        +


 

 

إنجيل القداس من لوقا 12 : 32 – 44

32 لا تخف ايها القطيع الصغير لان اباكم قد سر ان يعطيكم الملكوت
33 بيعوا ما لكم و اعطوا صدقة اعملوا لكم اكياسا لا تفنى و كنزا لا ينفد في السماوات حيث لا يقرب سارق و لا يبلي سوس
34 لانه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم ايضا
35 لتكن احقاؤكم ممنطقة و سرجكم موقدة
36 و انتم مثل اناس ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى اذا جاء و قرع يفتحون له للوقت
37 طوبى لاولئك العبيد الذين اذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين الحق اقول لكم انه يتمنطق و يتكئهم و يتقدم و يخدمهم
38 و ان اتى في الهزيع الثاني او اتى في الهزيع الثالث و وجدهم هكذا فطوبى لاولئك العبيد
39 و انما اعلموا هذا انه لو عرف رب البيت في اية ساعة ياتي السارق لسهر و لم يدع بيته ينقب
40 فكونوا انتم اذا مستعدين لانه في ساعة لا تظنون ياتي ابن الانسان
41 فقال له بطرس يا رب النا تقول هذا المثل ام للجميع ايضا
42 فقال الرب فمن هو الوكيل الامين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم العلوفة في حينها
43 طوبى لذلك العبد الذي اذا جاء سيده يجده يفعل هكذا
44 بالحق اقول لكم انه يقيمه على جميع امواله


 

 

 

القطيع الجديد ومسرة الآب

"لا تخف أيها القطيع الصغير، لأن أباكم قد سّر أن يعطيكم الملكوت" [32].

يا لها من عبارة معزية فإنه يدعو الله "أبانا"، فنطمئن من جهة رعايته واهتمامه وتدابيره لحسابنا. حقًا تبقى الكنيسة على الدوام "القطيع الصغير" لأن كثيرين يُدعون وقليلين ينتخبون. تختفي هذه القلة في العالم، لكنها محصاة في عيني الله، إذ يقول الرب لإيليا الذي ظن أن القطيع قد فني تمامًا: "قد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجثُ للبعل، وكل فم لم يقبله" (ا مل 19: 18).

إنه قطيع ليس فقط من جهة العدد، ولكن من جهة الإمكانيات البشريَّة، لا حول له ولا قوَّة زمنيَّة، لكنه موضع سرور الآب، ووارث الملكوت الأبدي! إنه القطيع الصغير في عيني العالم لكنه علي صدر الله يتمتع بنعمته الإِلهيَّة، ويغتصب بالحب ملكوت السماوات!

+ هذه بالحقيقة هي تعزية روحيَّة، والطريق الذي يقودنا إلي الإيمان الأكيد... بقوله: "لا تخف" يقصد أنه يجب أن يؤمنوا بهذا الأمر المؤكد الذي لا يحمل شكًا وهو أن أباهم السماوي يهب طريق الحياة للذين يحبُّونه. أنه لن يتجاهل خاصته، بل يفتح يده التي تشبع المسكونة بالصلاح...

الذي يهب هذه الأمور العظيمة والثمينة، ويمنح ملكوت السماوات هل يمتنع من جانبه عن أن يترفق بنا؟ أو هل لا يمدنا بالطعام والملبس؟ أي خير أرضي يعادل ملكوت السماوات؟ ماذا يمكن أن يُقارن بما سيمنحه الله من أمور لا يمكن إدراكها ولا أن ينطق بها؟ "ما لم تر عين، ولم تسمع أذن ولم يخطر علي بال إنسان ما أعده الله للذين يحبُّونه" (1 كو 2: 9). عندما تمتدح الغنى الأرضي وتعجب بالسلطان الزمني فإن هذه لا تقارن بالنسبة لما قد أُعد، إذ قيل: "لأن كل جسد كعشب وكل مجد إنسان كزهر عشب" (1 بط 1: 24). فإن كنت تتحدَّث عن الغنى والترف والولائم، فقد قيل: "العالم يمضي وشهوته" (1 يو 2: 17). الأمور الإلهيَّة لا تقارن بما للعالم. فإن كان الله يهب ملكوته لمحبيه أفلا يريد أن يقدَّم لهم طعامًا وثيابًا؟

لقد دعاهم "قطيعًا صغيرًا"، لأننا أقل من جموع الملائكة غير المحصيَّة، التي تفوق في القدرة أمورنا المائتة بما لا يقاس. هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص بنفسه في المثل المذكور في الأناجيل، إذ يقول: "أي إنسان منكم له مئه خروف وأضاع واحدًا منها ألا يترك التسعة والتسعين في البريَّة (علي الجبال) ويذهب من أجل الضال حتى يجده؟ وإذا وجده فالحق أقول لكم يفرح به أكثر من التسعة والتسعين الذين لم يضلوا (لو 15: 4 الخ). لاحظوا إن كان عدد الكائنات العاقلة يمتد إلي عشرة مضروبة في عشرة، فإن القطيع الذي علي الأرض ليس إلا واحدًا من مئة.

مع أنه صغير من جهة الطبيعة والعدد والكرامة أن قورن بطغمات الأرواح العلويَّة التي بلا عدد لكنه بصلاح الآب الذي يفوق كل وصف ويُعطى له نصيب مع الأرواح الفائقة، أقصد ملكوت السماوات.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ يعني ربَّنا بالقطيع الصغير أولئك الذين يريدون أن يصيروا تلاميذه (القليلي العدد)، أو ليظهر أن القدِّيسين في العالم يبدون صغارًا بسبب مقرهم الإختياري، أو لأنهم يُضمون إلي جموع الملائكة الذين يفوقوننا في كل ما نعتز به بما لا يقارن.

لقب "الصغير" أعطاه ربَّنا لمختاريه بمقارنتهم بالأعداد الضخمة من الأشرار، أو ربَّما من أجل تواضعهم الورع.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ انظر أن تنتمي إلي القلة المختارة، ولا تسلك ببرود متمثلاً بتراخي الكثيرين. عش كالقلة حتى تتأهل معهم للتمتع بالله "لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" (مت 20: 16).

القدِّيس يوحنا كاسيان

+ لكل واحد منا قطيع يقوده إلي المراعي الخضراء.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

القطيع الجديد والصدقة

إن كان السيِّد المسيح قد دعا قطيعه بالصغير ليُحسب أهلاً لمسرة الآب الذي يهبهم الملكوت، فإنه يليق بهذا القطيع أن يعلن شوقه لهذا الملكوت المجاني بتخليه عن كنوز العالم وتقديمها للفقراء كمن يحفظونها لهم في البيت الجديد أي في السماء. بهذا يقدَّم لنا السيِّد المسيح مفهومًا جديدًا للعطاء أو الصدقة، ألا وهو الكشف عن تفريغ القلب من حب الزمنيات بقصد الشبع السماوي.

"بيعوا مالكم وأعطوا صدقة.

أعملوا لكم أكياسًا لا تفنى، وكنزًا لا ينفذ في السماوات،

حيث لا يقرب سارق، ولا يبلى سوس.

لأنه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضًا" [33- 34].

يقول القدِّيس أغسطينوس: ]ليت أعماله تعلن صوته [، بمعنى أن كان المؤمن يتحدَّث عن الملكوت، فليعلن حديثه هذا عمليًا بالعطاء.

+ ليكن شغفنا نحو الأمور المقبلة ثابتًا، لنخزن الرجاء في الأمور العتيدة ككنزٍ لنا. لنجمع أمامنا لأنفسنا كل هذه الأمور التي بها نتأهل لعطايا الله.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ الصدقة دواء لكل جرح. لكن الصدقة لا تُمارس بالعطاء المالي وحده، بل بكل ما يمكن للإنسان أن يريح به آخر، فالطبيب يعالج والحكيم يقدَّم مشورة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ قد يسأل أحد: على أي أساس يلزمنا أن نبيع مالنا؟ هل لأنها أمور ضارة بطبعها؟ أو لأنها تمثل تجربة لنفوسنا؟

نجيب علي ذلك أولا بأن لو كان كل ما في العالم شرِّيرا في ذاته لما حُسبت خليقة الله، لأن خليقة الله صالحة (1تى 4: 4). ثانيًا أن وصيَّة ربَّنا تعلمنا أن ننزع الشر الذي فينا لا أن نقدَّمه للغير، قائلاً "اعطوا صدقة".

القدِّيس باسيليوس الكبير

القطيع الجديد ومجيء الصديق

إذ يرفع السيِّد قلب قطيعه الصغير نحو السماء، ويسأله أن يقدَّم كل كنوزه إلي المخازن السماويَّة حيث لا ينفذ إليها سوس، ولا يقترب منها سارق، يلهب القلب بمجيء العريس السماوي، راعي القطيع الجديد، فيبقى الجسد متمنطقًا كمن هو مستعد للرحيل معه، والنفس كسراج متقد بحب العريس القادم، وكل ما في كيان الإنسان في حالة سهر ويقظة ليرحل الكل إلي حيث يوجد العريس.

لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة.

وأنتم مثل أناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العريس

حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت" [35-36].

ما هي الأحقاء الممنطقة إلا الجسد العفيف الذي يسلك كما في حالة انضباط وتأدب؟ وما هي السرج الموقدة إلا النفوس الملتهبة بروح الله واهب الإنارة؟ ومن هم الأناس الذين ينتظرون سيِّدهم إلا طاقات الإنسان ودوافعه بكل عواطفه وأحاسيسه ومواهبه؟... الكل يعمل كما في يقظة من أجل العريس القادم ليملك.

+ تمنطق الأحقاء وربطها بجلد ميت (حزام جلدي يسمى المنطقة) من حولها يعني أن الإنسان يمارس إماتة هذه الأعضاء التي تضم بذار الشهوة والدنس، فيعرف علي الدوام وصيَّة الإنجيل: "لتكن أحقاؤكم ممنطقة"، مطبقًا ذلك كتفسير الرسول: "فأميتوا أعضاءكم التي علي الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الرديَّة" (كو 3: 5). نجد في الكتاب المقدَّس الذين يمنطقون أحقاءهم هم وحدهم الذين يهلكون بذار الشهوة الجسديَّة، مترنمين بقوَّة، مرددين كلمات الطوباوي داود: "قد صرت كزقٍ في الدخان" (مز 119: 83).

القدِّيس يوحنا كاسيان

+ ماذا يعني: "أحقاؤكم ممنطقة"؟ اترك الشر (مز 34: 14).

ماذا يعنى "سرجكم موقدة"؟ اصنع الخير.

القدِّيس أغسطينوس

+ الأحقاء الممنطقة تعني البتولية (أو العفة)، والسرج الموقدة الأعمال الصالحة.

القدِّيس أغسطينوس

+ ماذا يعني أن نمنطق أحقاءنا؟ أن نضبط شهواتنا، الذي هو عمل العفة. أما إبقاء سرجنا يعني أن نشعلها ونوهجها بالأعمال الصالحة، أي بعمل البر.

القدِّيس أغسطينوس

+ "لتكن أحقاؤكم ممنطقة"، أي تكونون دائمًا علي استعداد لتمارسوا عمل ربكم. "وسرجكم موقدة" أي لا تسلكون الحياة في ظلمة، إذ يكون لكم نور التعقل الذي يكشف ما يجب أن تفعلوه وما تمتنعوا عنه. فإن هذا العالم هو ليل، فمن لهم الأحقاء ممنطقة يمارسون حياة عملية نشطة. لأن هذا هو حال الخدم الذين يجب أن تكون لهم المصابيح الموقدة أي عطيَّة التمييز، فيكون الإنسان العامل قادرًا علي تمييز ليس فقط ما يجب أن يفعله، وإنما كيفيَّة ممارسته حتى لا يسقط مندفعًا في هوة الكبرياء.

لنجاهد ممارسين الفضائل، فيكون لنا سراجان منيران هما الفهم العقلي الذي يشرق في النفس فنستنير، والتعليم الذي به ننير للآخرين.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ يليق بالرسل أن يتمنطقوا ليحملوا سرج الإنجيل.

القدِّيس جيروم

+ لا يقل أحد أن السيِّد يريدنا أن نمنطق جسدنا، ونمسك بسرج في أيدينا (بالمعنى الحرفي)، فإن هذا التفسير يناسب غباوة اليهود وحدهم، أما بالنسبة لنا فالأحقاء الممنطقة تعنى استعداد الذهن للعمل بقوَّة في كل ما هو ممدوح... والسراج يمثل يقظة الذهن والفرح العقلى.

القدِّيس كيرلس الكبير

يمكننا أيضًا أن نقول أن هذين الأمرين يشيران إلي شركة الجسد مع النفس في الحياة المقدَّسة، فمنطقة الأحقاء تشير إلي الجسد الذي قمعه الرسول، واستعبده لا ليحطمه، وإنما ليربيه بالروح القدس فيحيا مقدَّسا للرب، والسرج المنيرة هي النفس بكل طاقاتها تضيء داخل الجسد ليعيش الإنسان في وحدة وتناسق تحت قيادة الروح لحساب مملكة النور.

إن كان هذان العملان يمارسهما الإنسان بالعمل الروحي، فإن وصيَّة الرب جاءت تعلن الالتزام بالعمل خلال اليقظة والسهر المستمر حتى يأتي السيِّد ويحلّ في الوسط عريسًا للنفس، إذ يقول: "وأنتم مثل أناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العرس حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت" [36].

+ يليق بنا أن نتطلع إلى مجيء المسيح الثاني من السماء، فإنه سيأتي في مجد الآب مع الملائكة القدِّيسين... سيأتي المسيح كما من وليمة، لهذا يظهر بوضوح أن الله سكن كما في أعياد (عرس)، الأمر الذي يليق به. فإنه لا يوجد حزن قط في الأعالي، إذ لا يوجد قط شيء يحزن الطبيعة التي فوق الأهواء والتي لا تتأثر بها قط.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ عندما صعد ربَّنا إلي السماوات ذهب إلي العرس، كعريس التصق بجموع الملائكة السمائيين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إنه يأتي كما من فرح ٍكعريس يطلب عروسه البشريَّة؛ إه يقرع فيفتحون له للوقت [36]. ماذا يعني قرعه علي الباب إلا إصداره الأمر بالقيامة! وفتح الباب للوقت إلا استعدادهم السريع لملاقاته، إذ رقدوا على هذا الرجاء منتظرين يوم العرس الأبدي. يفتح المؤمنون الحقيقيون الباب ليدخل العريس كما في مملكته، ويفتح هو لهم لينعموا بأحضان الآب، أما الأشرار فيقومون لكن كما في موتٍ أبديٍ، لا يحملون بهجة القيامة، ولا يتمتعون برؤية الأمجاد الإلهيَّة... وهكذا تبقى أبوابهم مغلقة لا يدخلها العريس، وأبواب العريس الدهريَّة مغلقة لا يقدرون العبور فيها.

يكمل السيِّد المسيح حديثه، قائلاً: "الحق أقول لكم أنه يتمنطق ويتكئهم، ويتقدَّم ويخدمهم" [37]. يا للعجب العريس يتمنطق مكرمًا عروسه التي يتكئها، ويقوم فيخدمها بنفسه. إنه يخدم الذين سبقوا فتمنطقوا في العالم وقاموا يخدمون الآخرين لحساب العريس السماوي فتأهلوا لأن يخدمهم هو... يشعل هذا المنظر قلب القدِّيس يوحنا الذهبي الفم، فيقول: ]إذ نسمع عن هذه الأمور يليق بنا ألا نهتم بأهل الإيمان وحدهم (غل 6: 10) مهملين الآخرين. أن رأيت أحدًا في ضيق فلا تكن محبًا للاستطلاع فتكثر الأسئلة، بل مادام في ضيق فاحسب هذا فيه كفاية لينعم بعونك. أنه إنسان الله سواء كان وثنيًا أو يهوديًا، حتى أن كان كافرًا فهو محتاج إلي عونك. [

+ إننا ننال مكافأة مشابهة، إذ يتمنطق هو بالنسبة للذين منطقوا أحقاءهم.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ يمنطق حقويه بالبرّ.

العلامة أوريجينوس

+ يمنطق حقويَّة بمعنى أنه يستعد للدينونة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إنه يتمنطق ويتقدَّم للخدمة بعد أن يتكئهم أو يجلسهم [37].

+ يتكؤهم كمن يلطف من تعبهم، مقدَّمًا أمامهم الملذّات الروحيَّة، ويعد لهم مائدة عطاياه الفاخرة.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ الاتكاء هنا يعني الراحة من أتعاب كثيرة، والحياة بلا قلق، والتغير لطبيعة الذين يقطنون في النور فتغتنى بكل المشاعر المقدَّسة وتفيض عليها كل العطايا، فيمتلئون فرحًا. فيسوع يتكئهم ليهبهم راحة أبديَّة ويوزع عليهم بركات بلا عدد.

القدِّيس ديونسيوس الأريوباغى

إذ كشف عن حال القطيع الصغير المترقب مجيء صديقه الفريد وراعيه الواحد وعريسه السماوي، بدأ يؤكد الالتزام بالسهر وترقب هذا المجيء، بقوله:

"وإن أتى في الهزيع الثاني أو أتى في الهزيع الثالث

ووجدهم هكذا فطوبى لأولئك العبيد.

وإنما اعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أية ساعة يأتي السارق

لسهر ولم يدع بيته يُنقب.

فكونوا أنتم إذًا مستعدين

لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان" [38-40].

يرى الأب ميثوديوس أن السيِّد المسيح قد يأتي في الهزيع الأول عندما يكون الإنسان في طفولته، وربما ينتظرنا حتى الهزيع الثاني، أي عندما نبلغ النضوج (الرجولة) أو في الهزيع الثالث أي في الشيخوخة. إذن لنستعد لملاقاته إن كنا أطفالاً أو كبارًا أو شيوخًا. وقد قدَّم لنا القدِّيس كيرلس الكبير ذات التفسير.

القطيع الجديد والأمانة علي الوكالة

سحب السيِّد قلب قطيعه إليه ليترقب مجيئه الأخير، فيتمتع القطيع الجديد بملكوت الله. الآن يعلن السيِّد المسيح لقطيعه الإلتزام بالأمانة حتى يكون له نصيب في هذا الملكوت.

"فقال له بطرس: يا رب ألنا تقول هذا المثل أم للجميع أيضًا؟

فقال الرب: فمن هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيِّده علي خدمه

ليعطيهم العلوفة في حينها؟" [41-42].

إذ سمع القدِّيس بطرس المثل الخاص بيوم مجيء الرب والذي فيه يعلن السيِّد مجيئه فجأة، سائلاً إياهم السهر واليقظة والترقب لهذا المجيء، سأل القدِّيس بطرس سيِّده أن كان هذا المثل خاص بالتلاميذ وحدهم أم عام للكل؟

لعل القدِّيس بطرس تساءل في أعماق نفسه: ماذا يقصد السيِّد بقوله "أولئك العبيد"؟ ألعله يقصد التلاميذ الذين يؤتمنون علي "بيت الله" كخدام ورعاة حتى يأتي "رب البيت"، أم يقصد بهم كل مؤمن بكونه قد أؤتمن علي حياته كبيت الله كخادم وراعٍ للجسد والنفس والطاقات والمواهب وكل الإمكانيات لتعمل معًا لحساب رب البيت، السيِّد المسيح نفسه؟

جاءت إجابة السيِّد: "فمن هو الوكيل الأمين الحكيم، الذي يقيمه سيِّده علي خدمه، ليعطيهم العلوفة في حينها؟" [42]. وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم لم يقدَّم ربَّنا هذا السؤال لأنه يجهل من هم مؤمنين ووكلاء حكماء، إنما أراد أن يكشف عن ندرة وجودهم خاصة لكي يؤتمنوا علي خدمة الكنيسة.

+ من يُوجد أمينًا ووكيلاً حكيمًا فليتسلم تدبير بيت الرب ليعطي العلوفة (نصيبهم في الطعام) في حينها، الذي هو كلمة التعليم المغذي لنفوسهم، أو القدرة العملية التي تشكّل حياتهم.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ لقد سام المخلِّص الرسل كوكلاء علي خدمه، أي على أولئك الذين رُبحوا بالإيمان لمعرفة مجده - أناس أمناء وذو فهم عظيم، مثقفون حسنًا بالتعليم المقدَّس.

لقد سامهم، آمرًا إياهم أن يقدَّموا الطعام المسموح به، ليس بدون تمييز، وإنما في حينه. أقصد الطعام الروحي الذي يقدَّم بما يليق بكل فرد وما يشبعه. فإنه لا يليق تقديم التعليمات في كل النقاط بطريقة واحدة لكل الذين يؤمنون بالمسيح، إذ كُتب: "معرفة اعرف نفوس غنمك" (أم 27: 23). فعندما نقدَّم طرق الحق لإنسان صار تلميذًا حديثًا نستخدم معه التعليم البسيط الذي لا يحمل أمرًا يصعب فهمه أو إدراكه... الأمر الذي يختلف تمامًا عن الطريق الذي نستخدمه في تهذيب الذين ثبتوا بالأكثر في الفكر والقادرون علي إدراك العلو والعمق والطول والعرض لمفاهيم اللاهوت السامي، وكما سبق فقلنا: "الطعام القوي فللبالغين" (عب 5: 14).

القدِّيس كيرلس الكبير

مجىء السيِّد يفرز الوكلاء الأمناء والحكماء من الوكلاء المتهاونين العنفاء والعاملين لحساب بطولتهم لا لحساب موكلهم، إذ يقول:

"طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيِّده يفعل هكذا.

بالحق أقول لكم أنه يقيمه علي جميع أمواله.

ولكن أن قال ذلك العبد في قلبه سيدي يبطىء قدومه،

فيبتدىء يضرب الغلمان والجواري ويأكل ويشرب ويسكر.

يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره،

وفي ساعة لا يعرفها، فيقطعه ويجعل نصيبه مع الخائنين" [43-46].

+ من يعطي الخدم رفقاءه نصيبهم من الطعام بحكمة في حينه حسب احتياجهم يكون مطوّبًا جدّا كقول المخلِّص، إذ يُحسب أهلاٍ لأمور أعظم، ويتقبل مكافأة تليق بأمانته... هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص في موضع آخر حين مدح العبد العامل والأمين، قائلاً: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا في القليل فأقيمك علي الكثير، أدخل إلي فرح سيدك" (مت 25: 21).

أما أن أهمل واجبه فلم يكن مجتهدًا ولا أمينًا، مستخفًا بالسهر علي هذه الأمور كأنها تافهة، يترك ذهنه يرتبك بالاهتمامات الأرضية، ويفسده بأمور غير لائقة، فيستخدم العنف والقسوة مع الخاضعين تحته، ولا يقدَّم لهم نصيبهم، فسيكون في بؤس مطبق. فإن هذا هو معنى أنه "يقطعه"، كما أظن، "ويجعل نصيبه مع الخائنين". فإن من يسيء إلي مجد المسيح أو يتجاسر فيستهين بالقطيع الموكل إليه لا يختلف عن الذين لا يعرفون المسيح، ويُحسب هؤلاء مع الذين لا يحبُّونه. فإن المسيح قال للطوباوي بطرس: "يا سمعان بن يونا أتحبني؟ ارع خرافي، ارع غنم" (يو 21: 15-16). فمن يرعى غنمه إنما يحبها، ومن يهملها ويترك رعاية الخراف الموكل بها إليه يبغضها. وإن كان يبغضها فسيُعاقب ويحسب مع غير المؤمنين.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ "يقيمه علي جميع أمواله" [44]، ليس فقط علي بيته، وإنما علي الأمور الأرضية كما السماويَّة فتطيعه. وذلك كما حدث مع يشوع بن نون وإيليا، واحد أمر الشمس، والآخر أمر السحب؛ وكل القدِّيسين كأصدقاء لله استخدموا ما لله. من يعبر حياته بطريقة فاضلة ويخضع خدمه بطريقة لائقة مثل الغضب والشهوة، ويمدهم بالطعام في حينه؛ فبالنسبة للغضب يستخدمه ضد مبغضي الله (لتوبتهم)، وبالنسبة للشهوة يمارسها في حدود الضرورة اللازمة للجسد، مخضعًا إيَّاها لله؛ مثل هذا أقول يقيمه الله علي جميع أمواله إذ يُحسب أهلاً أن يتمتع بنظر كل الأمور (الإلهيَّة) خلال نور التأمَّل.

الأب ثيؤفلاكتيوس

ليتنا إذن نكون وكلاء أمناء ليس فقط كخدام نقدَّم الطعام الروحي اللائق بكل نفس في حينه، وإنما حتى بالنسبة لنا، فنكون أمناء علي الخدام الذين تحت أيدينا، كالجسد بكل أعضائه وأحاسيسه، والفكر بكل طاقاته، والقلب بكل عواطفه والغرائز. ليكن كل ما هو بين أيدينا أمانة تسلمناها من قبل الرب، يلزمنا أن نخدمها بالروح القدس، فنعطيها شبعًا لا بأمور هذه الحياة الباطلة، وإنما بطعام الروح، كلمة الله التي تُشبع كل كياننا. عندئذ يقيمنا الله علي جميع أمواله، إذ تخضع السماء والأرض لإشتياقاتنا في الرب، ويعمل الكل لبنياننا، ويصير كل منا أشبه بملكٍ صاحب سلطان في الرب، ملك الملوك ورب الأرباب.

إنه لا يليق بنا أن نضرب "الغلمان والجواري"، فإن كانت الغلمان تشير إلى طاقات النفس فإن الجواري تشير إلي طاقات الجسد، لأننا كما سبق في دراساتنا السابقة رأينا أن النفس يُرمز لها بالذكر والجسد بالأنثى، فالغلمان هم أبناء النفس، والجواري هن بنات الجسد؛ ونحن مطالبون ألا نحطم هؤلاء ولا أولئك، بل نقوَّتهم ونربيهم، ليكون الكل مقدَّسًا للرب، عاملاً بروحٍ منسجمٍ لحساب ملكوت الله.

 

+        +        +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt