طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 8 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 34 : 19 – 20

مت 16 : 24 - 28

مز 37 : 39 – 40

مر 13 : 9 - 13

2 كو 10

1 - 18

1 بط 4

1 - 11

أع 12 : 25

- 13 : 12

مز 97 : 11 ، 12

لو 11 : 53 – 12 : 12

الكاثوليكون من بطرس الأولى 4 : 1 – 11

1 فاذ قد تالم المسيح لاجلنا بالجسد تسلحوا انتم ايضا بهذه النية فان من تالم في الجسد كف عن الخطية
2 لكي لا يعيش ايضا الزمان الباقي في الجسد لشهوات الناس بل لارادة الله
3 لان زمان الحياة الذي مضى يكفينا لنكون قد عملنا ارادة الامم سالكين في الدعارة و الشهوات و ادمان الخمر و البطر و المنادمات و عبادة الاوثان المحرمة
4 الامر الذي فيه يستغربون انكم لستم تركضون معهم الى فيض هذه الخلاعة عينها مجدفين
5 الذين سوف يعطون حسابا للذي هو على استعداد ان يدين الاحياء و الاموات
6 فانه لاجل هذا بشر الموتى ايضا لكي يدانوا حسب الناس بالجسد و لكن ليحيوا حسب الله بالروح
7 و انما نهاية كل شيء قد اقتربت فتعقلوا و اصحوا للصلوات
8 و لكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لان المحبة تستر كثرة من الخطايا
9 كونوا مضيفين بعضكم بعضا بلا دمدمة
10 ليكن كل واحد بحسب ما اخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضا كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة
11 ان كان يتكلم احد فكاقوال الله و ان كان يخدم احد فكانه من قوة يمنحها الله لكي يتمجد الله في كل شيء بيسوع المسيح الذي له المجد و السلطان الى ابد الابدين امين


 

الآلام

 

الآلام وترك الشهوات

"فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد،

تسلحوا أنتم أيضًا بهذه النية،

فإن من تألم في الجسد كُفَّ عن الخطية" [1].

بداية سقوط الإنسان هي رغبته في الاستقلال عن الله، ليتحرر من إرادة الله وفكره، مغلقًا على نفسه بروح الظلمة في الجسد، فصارت نفسه تميل إلى شهوات الجسد خاضعة لها. هكذا أحنى الإنسان برأسه لكي لا يرى السماوي والسماويات، بل يرى ذاته منغمسًا في الأرضيات كمن يخلد هنا إلى الأبد. هنا تألم الرب يسوع المسيح لأجلنا بالجسد، مُقَدِّمًا لنا صليبه سكينًا نذبح بها الخطية الرابضة في الجسد، ونبتر بها الفساد الداخلي لكي يعود للجسد صحته، ونقول: "نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش فيها؟... عالمين أن الإنسان العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة" (رو ٦: ٢، ٦).

"لكي لا يعيش أيضًا الزمان الباقي في الجسد لشهوات الناس،

بل لإرادة الله" [2].

بالصليب تموت أجسادنا عن شهواتها، فنحيا بقية أيام غربتنا سالكين ليس حسب شهوات الناس بل لإرادة الله حسب قصده. لقد مات المسيح "كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات من أجلهم وقام" (٢ كو 5: ١٥).

وكما يقول القديس إكليمنضس السكندري صار لنا صليب ربنا حدًا، صار سياجًا وحصنًا ضد خطايانا السابقة. لذلك إذ نحن قد تجددنا فلنثبت أنفسنا فيه (في الصليب) في الحق، ونعود إلى تقديس نفوسنا ووقارها.

"لأن زمان الحياة الذي مضى يكفينا

لنكون قد عملنا إرادة الأمم،

سالكين في الدعارة والشهوات وإدمان الخمر

والبطر والمنادمات وعبادة الأوثان المحرمة" [3].

يوبخنا الرسول في لطف بأن أيام غربتنا قليلة. يكفي ما مضى أننا خسرناه بسبب سلوكنا حسب إرادة الأمم في الشرور السابق ذكرها. أما الآن فَعِوَض الذات البشرية بكل أفكارها وشهواتها، صار لنا المسيح المصلوب عاملاً فينا نحيا به. صار لنا به حياة النصرة والغلبة على الشهوات المحرمة.

"الأمر الذي فيه يستغربون أنكم لستم تركضون معهم إلى فيض هذه الخلاعة عينها مجدفين" [4].

يقف الوثنيون حائرين كيف خلعنا أعمال الإنسان العتيق فلا نسلك مثلهم منجذبين إلى فيض الخلاعة بتهور. وفي حيرتهم هذه يجدفون بأن ينسبوا إلى المؤمنين الكبت والحرمان والجهل، دون أن يدركوا مقدار السعادة التي نحن فيها.

الإنسان الشهواني يظن بل ويؤكد داخل نفسه إنه لا يمكن أن يوجد إنسان طاهر، إذ يُسقط نفسه على البشرية فيراها ضعيفة هزيلة مثله. وإن رأى من كان طاهرًا ظن أنه مرائي ومخادع. وبنفس الطريقة يتعجب المؤمن المجاهد - المرتبط بصليب ربنا عمليًا - كيف لا يأتي الناس ويذوقوا عذوبة الحياة الطاهرة المقدسة.

أخيرًا بعدما تحدث الرسول عن فاعلية آلام الرب في حياة المؤمن عاد ليشجع المؤمن في تحمله للألم برفع نظره إلى الدينونة.

الآلام والدينونة

"الذين سوف يعطون حسابًا للذي هو على استعداد أن يدين الأحياء والأموات.

فإنه لأجل هذا بشر الموتى أيضًا

لكي يدانوا حسب الناس بالجسد،

ولكن ليحيوا حسب الله بالروح.

وإنما نهاية كل شيء قد اقتربت" [5-6].

يبشر الرسول المتألمين قائلاً: "الذي هو على استعداد أن يدين"، وكأن الرب قد تهيأ ليدين... لقد اقتربت نهاية كل شيء. فالدينونة على الأبواب فكيف نكف عن احتمال الآلام بفرح أو نضطرب من المجدفين علينا؟

إنه يدين الأحياء والأموات، أي يدين القديسين الأحياء بالروح ويحملون أيضًا جسدهم في عدم فساد وعدم موت، كما يدين الأموات الذين أماتت الخطية نفوسهم واستكانوا لذلك. أيضًا يدين الأحياء الذين لم ينتقلوا إلى يوم مجيئه فإنهم في لحظة يتغيرون، كما لا ينسى الذين سبقوا فماتوا بالجسد. لا يفلت من بين يديه أحد الكل ينال جزاءه كبيرهم وصغيرهم مند خلقة آدم إلى آخر الدهور.

من أجل هذا بشر الديان، ربنا يسوع، الموتى... ومن هم هؤلاء الموتى؟

1. ربما قُصد بهم الذين انتقلوا من العالم حاملين آلامهم وأتعابهم من أجل الإيمان، هؤلاء الذين دانهم الناس حسب الجسد وحكموا عليهم أنهم مستحقون الموت مع إنهم بالروح هم أحياء في نظر الله.

2. إن الديان بشر الموتى بالروح (مت ٨: ٢٢ و يو ٥: ٢٥) أي الأشرار لكي يتوبوا ويقبلوا إدانة الناس لهم مهتمين بأمر واحد أن يحيوا بالروح.

ويقول القديس أغسطينوس: [ليس ما يلزمنا تفسير قول الرسول على أنه يصف ما يحدث في الجحيم (الموتى)، فإن الإنجيل يُبَشَّر به في هذه الحياة للأموات أي غير المؤمنين الأشرار، حتى عندما يؤمنون "يدانوا حسب الناس بالجسد" أي يدانوا بالأحزان الكثيرة وموت الجسد نفسه... ولكنهم يحيوا حسب الله بالروح، حيث كانت أرواحهم ذاتها ميتة عندما كانوا مسجونين في عدم الإيمان والشر.]

وما هي ثمار تأملنا الدائم في مجيء الرب؟

اعتادت الكنيسة الأولى وخاصة بين الرهبان على ممارسة ثلاثة تداريب تعتبر أساسية في حياة المؤمن وخاصة بالنسبة لراغبي الرهبنة وهي:

1. زيارة المدافن.

2. ممارسة "صلاة يسوع"، أو الصلاة الدائمة أو كما يسميها القديس أغسطينوس بالصلاة السهمية. لأنها تصوب ضد الشيطان، ولا يقدر على صدها.

3. تذكر يوم الدينونة ومجيء الرب.

وهنا يقدم لنا الرسول التدريب الثالث كباعثٍ لنا على الآتي:

ا. التعقل والسهر للصلاة

يقول الرسول "فتعقلوا واصحوا للصلوات"، فتَذَكُّر الدينونة يسلخ الإنسان عن شهواته الجسدية فيحيا متعقلاً، أي خاضعًا لعقله أو لذهنه الروحي وليس لجسده وشهواته.

ويُعَرِّف العظيم أنبا أنطونيوس العقلاء بأنهم [من كانت نفوسهم عاقلة، تقدر أن تميز بين ما هو خير وما هو شر ومضر للنفس، ويحرصون بحكمة على ما هو خير ونافع للنفس، ويمارسونه بشكرٍ عظيم لله.]

لِنَصْحْ ولنسهر حتى لا يكون نصيبنا مع تلك التي رآها هرماس إذ نظر النفس الخاملة كعجوز خائرة مسترخية على كرسي عاجزة عن الحركة، فلما سأل عن السبب قيل له [لأن روحكم الآن عجوز قد فقدت قوتها بسبب ضعفاتكم وشكوكم. لقد صارت كالشيوخ الذين فقدوا الأمل في تجديد قوتهم، ولم يعودوا بعد يتوقعون سوى أنهم يغطون في نومهم الأخير، وهكذا ضعفتم بسبب الانشغالات العالمية، وأسلمتم نفوسكم للخمول ولم تلقوا همكم على الله (١ بط ٥: ٧).

ب. محبتنا لإخوتنا

"ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة،

لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" [8].

إن كانت الصلاة الدائمة هي غاية عبادتنا إذ نكون على الدوام في حضن الله، لكن لا نَفْعَ لها ما لم تستند بحبنا لإخوتنا محبة شديدة نابعة من أعماق القلب الداخلية. لأنه بالمحبة تستر أخطاء الغير وعيوبهم، فيستر الله علينا ويغفر خطايانا، ويمتعنا بصلاة هادئة مقبولة لدى الله، وبهذا يزداد اتحادنا بالرب.

يقول القديس إكليمنضس الروماني: [الحب يوحدنا مع الله إذ "المحبة تستر كثرة من الخطايا".]

هذا الحب يبعثه أيضًا التأمل في يوم الدينونة حيث نجد أن الله لا ينسى تعب محبتنا بل كأس ماء بارد نعطيه لا يضيع أجرنا فيه.

وإذ ترتفع أنظارنا إلى الدينونة، نشتهي أن نرى حتى المضايقين لنا كملائكة الله نشترك جميعًا في التسبيح والتمجيد لله، وهذا يبعث فينا حبًا روحيًا عميقًا.

ج. إضافة الغرباء

"كونوا مضيفين بعضكم بعضًا بلا دمدمة" [9].

التأمل في مجيء الرب على السحاب ومناداتنا بأسمائنا لندخل إلى شركة أمجاده، مستضيفًا لنا في أحضانه الأبديّة بفرح وبسرور، يبعث فينا نحن الضعفاء أن نفتح قلوبنا وبيوتنا لأخوتنا الغرباء، فنستضيفهم بلا دمدمة، أي بلا تذمر بل بفرحٍ وبشاشةٍ حقيقيّة.

ومن اهتمام الآباء الرهبان بإضافة الغرباء أنهم كانوا يسمحون لأنفسهم، حتى بالنسبة للنساك المتوحدين، أن يكسروا أصوامهم من أجل الغريب في استضافتهم له، لكي لا يُحرموا من تقديم ذبيحة الحب لله في شخص الغريب.

د. خدمة الآخرين

"ليكن كل واحدٍبحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضًا،

كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة.

إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله،

وإن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله،

ليتمجد الله في كل شيء بيسوع المسيح،

الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" [10-11.]

كلما ارتفعت أنظار المؤمن تجاه الأبديّة يُضرِم الموهبة التي نالها من الرب بلا كسل وهنا نلاحظ:

أ. يقول الرسول "ليكن كل واحدٍ، فلا يوجد في الكنيسة كلها إنسان قط بلا موهبة، سواء كان طفلاً أو شيخًا، رجلاً أو امرأة، كاهنًا أو علمانيًا، بتولاً أو أرملاً أو متزوجًا. لأننا جميعًا أعضاء في جسد المسيح، ولا يمكن أن يكون في هذا الجسد عضو بلا عمل.

ب. "بحسب ما أخذ"، أي ليس لعضوٍ فضل فيما له من مواهب. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الله يوزع علينا المواهب بالقدر الذي يرى فيه خلاصنا. فيعطي لإنسان موهبة أقل ليس عن عدم محبة من الله تجاهه، بل لأنه يعلم أنه لا يقدر أن يُضرِم أكثر من ذلك، فلو قدم له ما هو أكثر لصار هذا الإنسان مهملاً. ويعطي الرب لآخر موهبة أكثر ليس لأنه أفضل من أخيه، لكن لأن الله يعلم أنه بهذا القدر يقدر هذا الأخ أن يثابر ويعمل وبدونها يفشل في عمله. هكذا يُنَسِّق صانع الخيرات ضابط الكل حسبما يرى فيه خيرنا وخلاصنا.

ج. "يخدم بها بعضكم بعضًا كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة". أي أعطيت هذه المواهب من يديّ الله لا للمباهاة بها، بل لخدمة الكنيسة والبشريّة كلها.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [في الكنيسة أعضاء كثيرون مختلفون، بعضهم ذوي كرامة الآخرون أقل كرامة. مثال ذلك توجد جوقة من المتبتلين، ومجموعات من الأرامل، وإخوة مرتبطون بزواج مقدس... ومع ذلك فالكل يكمل بعضهم بعضًا... قد تكون موهبة إنسان أقل لكنها ضرورية، فإذا تعطل العضو (عن عمله) تعطلت أعمال كثيرة.]

د. "إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله"، أي أن من وُهِبَ عطية الوعظ فليختفِ في كلمة الله لكي يظهر الله وتختفي كل فلسفة بشريّة.

هـ. "وإن كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله ليتمجد الله في كل شيء، بيسوع الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين".

وكما يختفي الواعظ والمتكلم في كلمة الله ليُظْهِرها كما هي بلا تنميق ولا تمويه ولا تزيين، هكذا من وُهب عطية الخدمة في أي نوع من أنواع الخدمات، فليعلم أنه يعجز عن الخدمة ما لم يُعطه الرب القوة للتنفيذ. بهذا يتمجد الآب في كل شيء بيسوع المسيح صاحب المجد والسلطان.

وكلمة "آمين" هنا لا تعني ختام الحديث وإنما تعني "ليكن هذا!"

+       +       +

الأبركسيس من أعمال 12 : 25 – 13 : 12

أولا : أعمال 12 : 25

25 و رجع برنابا و شاول من اورشليم بعدما كملا الخدمة و اخذا معهما يوحنا الملقب مرقس

"ورجع برنابا وشاول من أورشليم،

بعدما كملا الخدمة،

وأخذا معهما يوحنا الملقّب مرقس". [25]

"يوحنا الملقب مرقس": القديس مرقس الرسول هو ابن أخت القديس برنابا (١ كو ٤: ١٠). يبدو أن الصديقين الحميمين بولس وبرنابا كانا قد أقاما في أورشليم في بيت يوحنا مرقس، حيث كان التلاميذ يجتمعون.

 

تكملة  أعمال 13 : 1 – 12

1 و كان في انطاكية في الكنيسة هناك انبياء و معلمون برنابا و سمعان الذي يدعى نيجر و لوكيوس القيرواني و مناين الذي تربى مع هيرودس رئيس الربع و شاول
2 و بينما هم يخدمون الرب و يصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا و شاول للعمل الذي دعوتهما اليه
3 فصاموا حينئذ و صلوا و وضعوا عليهما الايادي ثم اطلقوهما
4 فهذان اذ ارسلا من الروح القدس انحدرا الى سلوكية و من هناك سافرا في البحر الى قبرس
5 و لما صارا في سلاميس ناديا بكلمة الله في مجامع اليهود و كان معهما يوحنا خادما
6 و لما اجتازا الجزيرة الى بافوس وجدا رجلا ساحرا نبيا كذابا يهوديا اسمه باريشوع
7 كان مع الوالي سرجيوس بولس و هو رجل فهيم فهذا دعا برنابا و شاول و التمس ان يسمع كلمة الله
8 فقاومهما عليم الساحر لان هكذا يترجم اسمه طالبا ان يفسد الوالي عن الايمان
9 و اما شاول الذي هو بولس ايضا فامتلا من الروح القدس و شخص اليه
10 و قال ايها الممتلئ كل غش و كل خبث يا ابن ابليس يا عدو كل بر الا تزال تفسد سبل الله المستقيمة
11 فالان هوذا يد الرب عليك فتكون اعمى لا تبصر الشمس الى حين ففي الحال سقط عليه ضباب و ظلمة فجعل يدور ملتمسا من يقوده بيده
12 فالوالي حينئذ لما راى ما جرى امن مندهشا من تعليم الرب

 

 

أنطاكية مركز للعمل

"وكان في إنطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلّمون،

برنابا وسمعان الذي يدعى نيجر ولوكيوس القيرواني

ومناين الذي تربّى مع هيرودس رئيس الربع وشاول". [1]

من بركات الاضطهاد الذي أثاره اليهود على الكنيسة في أورشليم بعد رجم القدّيس استفانوس أن انطلق كثيرون إلى أنطاكية. وكان الذين من أصل يهودي لا يكرزون بالكلمة هناك إلا اليهود وحدهم (أع 11: 19). غير أن الذين لهم ثقافة هيلينيّة أو الذين كانوا قبروسيّين أو قيروانيّين فصاروا يركزون بين اليونانيّين هناك. "وكانت يد الرب معهم، فآمن عدد كثير ورجعوا إلى الرب" (أع 11: 21). واستمرت خدمة الرسولين برنابا وشاول الطرسوسي هناك لمدة عام وقد ألهبت قلوب الكثيرين للخدمة. صارت الكنيسة هناك ملتهبة بالروح، لهذا استراحت نفس بولس (شاول الطرسوسي) أن يجعل أنطاكية مركز خدمته، يبدأ منها رحلاته، وإليها يرجع.

يذكر القديس لوقا البشير أنّه "دُعي التلاميذ مسيحيّين في أنطاكية أولاً" (أع 11: 26). فمع أن الكنيسة قد ضمّت من هم من أهل الختان وأيضًا من هم من أهل الغُرلة، لكن لنموّها أدرك غير المؤمنين أنّه لم تعد الكنيسة شيعة من شيع اليهود، ولا فرقة، بل هي ديانة مستقلّة، حتى وإن اعتمدت على نبوّات العهد القديم وتمسّكت بأسفار التوراة، وحسبت آباء اليهود ووعود الله وعهوده أنّهم آباؤهم وأنبياؤهم والوعود الإلهية هي لهم وعهود الله معهم؛ أنُهم مسيحيّون! من هنا بدأ العالم يدرك ذلك، لذا يقول أغريباس الملك للقدّيس بولس: "بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًّا" (أع 26: 28).

يقدّم لنا الإنجيلي لوقا صورة حيّة لنشاط الكنيسة وازدهارها في أنطاكية. وُجد أنبياء ومعلّمون يقومون بخدمة الكنيسة هناك، وذكر قائمة بخمسة أسماء، وجاء برنابا على رأس القائمة، ربّما لأنّه كان أقدمهم عهدًا بالإيمان، وكان له غيرة متّقدة حتى جذب شاول الطرسوسي للعمل معه الذي كان إلى ذلك الحين مرافقًا لبرنابا وشريكًا معه في الخدمة.

كان الأنبياء الذين انحدروا من أورشليم إلى أنطاكية (أع ١١: ٢٧) بمثابة زائرين يجولون لخدمة اسم الرب، أما المذكورون هنا فهم أعضاء ثابتون في الكنيسة. كان دور النبي في العهد الجديد هو النطق بالروح القدس، أما المعلم فكان يفسر ما قيل بالروح القدس في الكتاب المقدس، وما ينطق به النبي بالروح. وكان غاية الاثنين هو تمتع المؤمنين بحضرة السيد المسيح المعلم، الحال في كنيسته على الدوام لتعيش به، وهو يحيا فيها.

سمعان الذي يُدعى نيجر: "سمعان" اسم يهودي، واللقب "نيجر" لاتيني، ربما لأنه كان أسمر اللون. غالبًا ما كان هو سمعان القيرواني والد ألكسندر وروفس (مر ١٥: ٢١).

لوكيوس القيرواني، وقد سبق لنا الحديث عنه (أع ١١: ٢٠)، وهو بخلاف الوارد في رومية ١٦: ٢١. كان أحد اليونانيين المتنصرين الذين لهم دور فعّال في الكنيسة بأنطاكية مع الرجال القادمين من قبرص. ظن البعض أن لوكيوس ولوقا شخص واحد، لأن الصيغة اللاتينيّة لكلمة لوقا اليونانيّة هي لوكيوس، لكن رفض كثير من الباحثين هذا الافتراض، خاصة وأن اسم لوقا كان شائعًا، فلم يكن ما يدعو الإنجيلي إلى عدم ذكره بالصيغة اليونانيّة.

"مناين الذي تربى مع هيرودس رئيس الربع". مناين هو النطق المخفف للاسم العبري مناحم Menahem، ومعناه "المعزي". أما هيرودس فهو أنتيباس بن هيرودس الكبير الذي أرسل بيلاطس إليه السيد المسيح لمحاكمته، والذي تولى على الجليل وبيريه كرئيس ربع سنة ٤ ق.م. حتى سنة ٣٩ م.

مناين نبي أنطاكية التقِى على ما يُظن أنه كان من الأسينيين العارفين بالروح. تربى مناين في قصر هيرودس الكبير مع ابنه انتيباس. وقد تنبأ لهيرودس الكبير بأنه سيصير ملكًا كما كتب يوسيفوس، وكان هيرودس الكبير يوقره. وإليه تُعزى معرفة القديس لوقا بهيرودس وعائلته، وبهذه الجماعة من الأنبياء والمعلمين وأحبار الكنيسة في أنطاكية. والعجيب أن ابن هيرودس وهو قاتل القديس يوحنا المعمدان، كان زميل تربية وتعليم ونشأة مع مناحم النبي التقِي والمعلم.

يذكر شاول في آخر جماعة الأنبياء والمعلمين، لأنه لم يكن بعد قد بلغ قامة هؤلاء الأنبياء ودرجتهم، وذلك حسب الأقدمية في الكنيسة.

فرز برنابا وشاول للكرازة

"وبينما هم يخدمون الرب ويصومون،

قال الروح القدس:

افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه". [2]

بدأت رحلات بولس الرسول التبشيرية بإعلان الروح القدس لا لشاول ولا لبرنابا، بل للكنيسة المجتمعة بروح الصلاة والصوم. وقد جاءت كلمة "يخدمون" في اليونانية بمعنى يحتفلون بالليتورجيا (ليتورجوتون)، أي يمارسون ليتورجيا الإفخارستيا.

الكلمة اليونانية المترجمة "يخدمون" (ليتورجونتون) تفيد الخدمة العامة غير المدفوعة الأجر كرامة للملك؛ هنا تشير إلى خدمة الصلاة في الكنيسة بتقديم الشكر والتسبيح في الاحتفال بالذبيحة الإلهية.

"قال الروح"، غالبًا على لسان أحد الأنبياء المجتمعين للصلاة والصوم، وقد كرسوا قلوبهم في جدية للخدمة والشهادة.

"افرزوا"، تعني التخصص لعمل الروح القدس، قائد حركة الشهادة ليسوع المسيح.

 والعجيب أن الروح قال: "افرزوا لي" وليس "للرب يسوع"، لأنه هو والابن الوحيد الجنس واحد في الجوهر، لهما ذات السلطان والقوة، والكرازة هي لحساب الثالوث القدوس.

جاءت الدعوة بالاسم شخصيًا لفتح أول طريق نحو الكرازة في العالم الأممي.

 

+ في عظة للقديس يوحنا الذهبي الفم على 1 تي1: 1 يوضح أن الروح القدس هو الذي قال: "افرزوا لي برنابا وشاول" (أع 13: 1)، وفي نفس الوقت فإن السيد المسيح هو الذي دعاه وأرسله "اذهب فإني سأرسلك إلى الأمم بعيدًا " (أع 22: 21)، كما يقول في موضع آخر: "ينبغي لك أن تقف أمام قيصر" (أع 27: 24). وفي نفس الوقت يحسب الرسول ان كل الأوامر صادرة من عند الآب... هنا يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم وحدة العمل للثالوث القدوس.

 

لاحظنا في المقدّمة دور الروح القدس في حياة الكنيسة، بكونه القائد الحقيقي، الذي يقدّم لها ذاته، ويهبها الإمكانيّات الإلهية لتصير أيقونة عريسها السماوي، السيّد المسيح.

+ إنّه الروح الذي يعرف كل شيء (1 كو 2: 10)، الذي يعلّم (يو 14: 26)، الذي يهِّب حيث يريد وبقدر ما يريد (يو 3: 8)، يرشد (مز 142: 10)، ويتكلّم (أع 13: 2) ويُرسل (أع 13: 4)، ويفرز (أع 13: 2)... ويوحي (يو 16: 3)، وينير (يو 14: 26)، ويحيي (يو 6: 63)، أو بالأحرى الذي هو نفسه نور وحياة، ويجعلنا هيكله (1 كو 3: 16)، ويؤلّهنا (1 كو 3: 16)، ويقودنا إلى الكمال (يو 16: 13)، بحيث إنّه يسبق المعموديّة (أع 10: 47)، ويُطلب بعد المعموديّة... يوزّع المواهب الروحيّة (1 كو 12: 11)، يصنع الرسل والأنبياء والمبشّرين والرعاة والمعلّمين (أف 4: 11).

القديس غريغوريوس النزينزي

"فصاموا حينئذ وصلّوا،

ووضعوا عليهما الأيادي، ثم أطلقوهما". [3]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن شاول سيم في إنطاكية حيث كان يخدم.

يقدم لنا القديس لوقا أول طقس سيامة كنسية، فقد جاءت الدعوة أولاً من الروح القدس بعد صوم وصلاة وشوق حقيقي لنمو الخدمة والشهادة للسيد المسيح. قام الروح القدس بتعيين الأسماء لأنه هو العارف القلوب، وجاء وضع الأيادي يتناغم مع إرادة الروح القدس، فدور الكنيسة هو تحقيق هذه الإرادة ليعيش الكل في شركة الروح ووحدتها. هنا صورة حية للسيامة بوضع الأيدي بعد دعوة الروح القدس الأشخاص للعمل الكرازي خلال ليتورجيا الإفخارستيا وممارسة صوم خاص.

تمت السيامة وهم صائمون، فقد احتل الصوم مركزًا خاصًا في حياة الكنيسة الأولى بكونه علامة حية تشير إلى انشغال الكنيسة بالمائدة السماوية، وأنها في ممارستها للحياة اليومية من أكلٍ وشربٍ ونومٍ، إنما من أجل الضرورة، وليس لأية لذة أو متعة جسدية.

+ لنطلب الطعام لكي نقتات به لا ليحطمنا. نطلب الطعام كقوتٍ لنا، لا كمجال للأمراض، أمراض النفس والجسد. نطلب الطعام الذي يعطي راحة لا ترفًا حيث يكون مملوء إزعاجًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

بدء الرحلة الأولى

"فهذان إذ أُرسلا من الروح القدس،

انحدرا إلى سلوكية،

ومن هناك سافرا في البحر إلى قبرس". [4]

هنا تبدأ أول رحلة كرازية للقديس بولس الرسول:

سلوكية: على شاطيء فينيقية مقابل قبرص، وهي ميناء أنطاكية المشهور وتُدعى أيضًا بيرية Pieria الواقعة على بعد ١٦ ميلاً شرق أنطاكية وخمسة أميال شمال مصب نهر الأورنتس. أسسها سلوكيوس نيكاتور أول ملوك السلوقيين سنة ٣٠١ ق.م. ولما نزلوا في قبرص نزلوا في المدينة المقابلة على الساحل الشرقي، وهي مدينة سلاميس.

يا للعجب كان شاول الفرّيسي حتمًا يتحاشى الذهاب إلى قبرص، الذي تغنّى الشعراء بفسادها وانحلالها، بكونها الجزيرة العزيزة على الإلهة فينوس. وها هو الآن شاول المسيحي قد دُعي للانطلاق إليها ليُقاوم كل انحلال فيها، ويُقيم مع شعبها هيكلاً لروح الله القدّوس.

+ كمن يطير سافر (القديس بولس) على البر وفي البحر، في اليونان وكل مناطق البرابرة، وباختصار سافر في كل الدول تحت السماء. لم تكن رحلاته باطلة، فإنه حيثما سافر كان ينزع أشواك الخطية، ويزرع بذور التقوى في كل موضع، يزيل الخطأ، ويقدم الحق للشعب، يحول البشر إلى كائنات سماوية، وما هو بالأكثر، أقامهم من شياطين إلى ملائكة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ انحدرا إلى سلوكية لم يبقيا فيها لأنها يعلمان أن أهل سلوكية قد انتفعوا كثيرا من الخدمة في إنطاكية حيث بقي القديسين بولس وبرنابا سنة كاملة.

"ولما صارا في سلاميس

ناديا بكلمة الله في مجامع اليهود

وكان معهما يوحنا خادمًا". [5]

سلاميس: مدينة يونانية على الساحل الشرقي القبرصي، كانت العاصمة ومركز التجارة الأول في قبرص الشرق وقاعدة الحكم لنصفها الشرقي. بينما باغوس هي عاصمة الغرب وأكثر منها أهمية. كانت سلاميس مقصد اليهود بها أكثر من مجمع. وكانت مجامع اليهود هي المقصد الأول للقديس بولس في كرازته ورحلاته حيث وضع في قلبه أن يبدأ بهم دومًا في الكرازة بإنجيل المسيح، لكن عينيه كانت دائمًا مركزة على المترددين من الأمم داخل المجامع، وكانوا معروفين بخائفي الرب أو الأتقياء.

"وكان يوحنا معهما خادمًا": يرى البعض أن تعبير "خادم" هنا بحسب التقليد الكنسي تعني قيامة بعماد المؤمنين، ويرى آخرون أنها تشير إلى خدمة تعليم الموعوظين.

مرافقة القديس مرقس يوحنا لهما كانت مصدرًا خصبًا للمعلومات الدقيقة التي وردت في سفر أعمال الرسل، إذ كانت اجتماعات الكنيسة الأولى في أورشليم تتم في العلية التي لبيت والدته (أع ١٢: ١٢).

مقاومة باربشوع للكرازة

"ولما اجتازا الجزيرة إلى بافوس،

وجدا رجلاً ساحرا نبيًّا كذابًا يهوديًا اسمه باريشوع". [6]

بافوس: كانت عاصمة قبرص الغرب، وهي مركز تجمع اليونانيين. كانت بافوس القديمة تبعد سبعة أميال جنوب شرقي بافوس الحديثة. وفي كلتا المدينتين كانت العبادة مقصورة على الإلهة اليونانية بافيان Paphian، والتي عرفها اليونان باسم افروديت Aphrodite وفينوس Venus إلهة الجمال والحب.

باريشوع: اسمه معناه "عليم الساحر"، يدَّعي علم الغيب، غالبًا ما كان يهوديًا عربيًا يحتفظ بصفته كاسمٍ له كعليم بالغيب، وكعالم بقدرته وسلطانه.

"كان مع الوالي سرجيوس بولس وهو رجل فهيم،

فهذا دعا برنابا وشاول والتمس أن يسمع كلمة الله". [7]

سرجيوس الوالي: بالرجوع إلى سجلات الشيوخ بروما وُجد أنه مذكور كأحد الأمناء باسم "حارس التيبر" (نهر في إيطاليا)، لذلك يرى البعض أنه بعد أن قضى ولايته في التيبر نُقل إلى ولاية قبرص، وأنه روماني أصيل.

كان متعلمًا دائم البحث كما اتسم فلاسفة روما. وإذ وُجد في عاصمة قبرص المزدحمة بمجامع اليهود التي كانت تطمح في التقرب من الرؤساء، لذا كان يتداول معهم في شأن الدين اليهودي ومعرفة الله. ومن هنا صارت الصداقة بينه وبين عليم الساحر الذي خدعه بأعماله السحرية الشيطانية.

سمع الوالي عن مجيء بولس وبرنابا وكيف قدما تعاليم سامية، فاستدعاهما، الأمر الذي أثار عليم الساحر وبذل كل الجهد للتشويش عليهما.

إذ كان الوالي حكيمًا ومهتمًا بخلاص نفسه لم يحتج إلى أحاديث طويلة، إنما إذ سمع كلمة الله دعا الرسولين إليه ليحدثاه بالكلمة. كان قلبه ملتهبًا بالمعرفة الصادقة البناءة. لم يكن بعد قد رأى الوالي أية معجزة أو آية صنعها الرسولان لكنه سمع الكلمة فاجتذبته. إذ كان عليم الساحر يقاوم الكلمة اضطر الرسول فيما بعد أن يأسره بالعمى حتى تنفتح بصيرته وبصيرة الوالي لرؤية أسرار الله، ويتلامسا مع النور الحقيقي عوض الظلمة التي كان يعيش فيها الساحر ويجتذب الوالي معه إلى أسرها!

"فقاومهما عليم الساحر،

لأن هكذا يترجم اسمه،

طالبًا أن يُفسد الوالي عن الإيمان". [8]

دًعي هنا "ماجوس"، لكنه لم يكن منتميًا إلى فئة المجوس، علماء الفلك والنجوم، وإنما كان ساحرًا مخادعًا ومشعوذًا، ونبيًا كاذبًا، لا علاقة له بالله.

"وأمّا شاول الذي هو بولس أيضًا،

فامتلأ من الروح القدس،

وشخص إليه". [9]

في القديم كان الشخص يحمل ثلاثة أسماء ليكَّون اسمه الكامل: الأول يسمى Praenomen والثاني Nomen والثالث Logomen أي اللقب أو الكنية أو ما يدعى بالإنجليزية Surname أو Nickname، وهو الذي يميز الشخص.

اسم شاول كان الأصل وأُضيف إليه البديل بولس، ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه أُعطي له بوضع اليد، وإن كنا نرى أنه لم يُدعى بولس إلاَّ بعد الالتقاء بالوالي لوسيوس سرجيوس بولس. لهذا يرى القديس چيروم أن اسم بولس أُعطي لشاول تذكارًا لقبول الوالي الإيمان. ويرى لايتفوت Lightfoot أن شاول أخذ هذا الاسم أثناء الختان كعادة اليهود حيث يحتفظ باسمه الأصلي بين العبرانيين، ويستخدم اسمه الأممي بين الأمم. فقد اشتهر اليهود باستخدام أسماء معروفة لدى المناطق التي يعيشون فيها مع احتفاظهم بأسمائهم العبريّة في الوسط اليهودي.

يرى القديس أغسطينوس أن شاول أخذ اسمه عن شاول الملك المتكبر علامة الاعتداد بذاته، لكنه اختار أن يُدعي "بولس" الذي يعني "الأقل" معطيًا إيانا درسًا في التواضع. "أنا أقل الرسل" ( 1 كو 15: 9).

"وقال أيها الممتلئ كل غش وكل خبث،

يا ابن إبليس،

يا عدو كل برّ،

ألا تزال تُفسد سُبل الله المستقيمة". [10]

يا ابن إبليس: إنه ليس "باريشوع" أي ابن يسوع بل هو ابن إبليس، لأنه يمارس عمل أبيه، إذ كلمة إبليس تعني المضلل، والشيطان يعني الخصم أو المقاوم. هكذا يدعوه بالاسم الذي اختاره الساحر خلال تصرفاته. وإذ قاوم برّ الله أي النور، وسلك بروح الظلمة صدر الحكم بالعمى حتى يدرك عماه الداخلي ويتلمس ظلمته، لعله يعترف ويتوب مشتاقًا إلى النور الحقيقي والمعرفة الصادقة بلا خداع. لقد رفض أن يتمتع بأشعة شمس البرّ فحُرم من رؤية الشمس العادية.

يصف القديس لوقا كطبيب كيف غشت عيناه ضباب، فيتوقف جهاز العين عن استقبال النور تمامًا.

"فالآن هوذا يد الرب عليك،

فتكون أعمى، لا تبصر الشمس إلى حين،

ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة،

فجعل يدور، ملتمسًا من يقوده بيده". [11]

+ "فهوذا يد الرب عليك" لم يكن ذلك انتقامًا بل كان شفاءً. وكأنه يقول له: "لست أنا أفعل ذلك بل يد الرب". لاحظوا تواضعه! لم يشرق نور على الساحر كما في حالة بولس حيث أشرق نور حوله. يقول: "فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين"، مقدمًا له فرصة للتوبة. فإننا لا نجدهم في أي موضع يرغبون في الظهور كبارزين بالعنف، مستخدمين سلطانهم. فإنهم حتى إن استخدموا ذلك ضد الأعداء يكونوا قساة على الجسد بقصد صالح. إنهم لم يستخدموا هذا مع الذين في الخارج حتى لا يكون الإيمان كرهًا وبالرعب.

+ كانت علامة لكي ما هو نفسه يتحول إلى الإيمان. بهذا أراد بسرورٍ أن يحوله إلى الإيمان. فإن تعبير "إلى حين" يجعل من هذا العمل ليس عقوبة بل لإيمانه. لو كان ذلك للعقوبة لجعله أعمى على الدوام لكن الأمر بخلاف هذا؛ إنه إلى حين، وأيضًا لكي يربح الوالي.

+ يا لحب السيطرة! يا لشهوة المجد الباطل، كيف أنها تسقط وتهلك كل شيء، تجعل البشر يقفون ضد خلاصهم وخلاص الآخرين. تجعلهم بالحق عميان وفي ظلمة ويحتاجون إلى من يقودهم بيديه.

+ كيف يمكننا أن نتخلص من المجد الباطل؟ فكروا في أولئك الذين من أجل المجد أنفقوا أموالاً كثيرة، ولم ينالوا شيئًا منه. فكروا فى الأموات، أي مجد قد نالوه، وكيف أن هذا المجد لا وجود له، بل يبدو أنه صار كلا شيء. لتفكروا أنه يحمل مجرد الاسم "المجد" ولا يحوي فيه شيئًا حقيقيًا... لنهرب من هذا الهوة، ولنطلب أمرًا واحدًا: المجد الذي من الله، وأن نكون مقبولين لديه، وممدوحين من سيدنا جميعًا، فإذ نعبر حياتنا الحاضرة في الفضيلة ننال البركات الموعود بها مع أولئك الذين يحبونه بنعمة ورحمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة والكرامة مع الآب والروح القدس إلى أبد الأبد وإلى انقضاء العالم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

"فالوالي حينئذ لمّا رأى ما جرى،

آمن مندهشًا من تعليم الرب". [12]

جاء في السجلات التاريخية أن الوالي سرجيوس بولس اعتمد هو وعائلته، وفي الجيل التالي صار بعض أفراد أسرته مسيحيين مثل ابنته وابنها كايوس كاريستانيوس فرونتو وكان عضوًا في عائلة مشهورة تقيم في أنطاكية بسيدية.

+      +      +

إنجيل القداس من لوقا 11 : 53 – 12 : 12

 

أولا : لوقا 11 : 53 – 54

53 و فيما هو يكلمهم بهذا ابتدا الكتبة و الفريسيون يحنقون جدا و يصادرونه على امور كثيرة
54 و هم يراقبونه طالبين ان يصطادوا شيئا من فمه لكي يشتكوا عليه

 

أخيرًا إذ فضح الرب جراحات الكتبة والفرِّيسيِّين ابتدءوا "يحنِقون جدًا ويصادرونه على أمور كثيرة. وهم يراقبونه طالبين أن يصطادوا شيئًا من فمه ليشتكوا عليه" [53-54].

لقد أراد لهم الشفاء من جراحات النفس الداخليَّة، لكنهم في جهالة اِزدادوا مقاومة خلال قسوة القلب إذ حنقوا جدًا، وفساد الإرادة، إذ صاروا "يصادرونه"، وخلل العقل إذ صاروا يراقبونه بكل فكرهم ليقتنصوا له خطأ من فمه. يهذا أعلنوا بالأكثر فسادهم الداخلي عاطفيًا وإراديًا وفكريًا.

تكملة إنجيل القداس : لوقا 12 : 1 – 12

1 و في اثناء ذلك اذ اجتمع ربوات الشعب حتى كان بعضهم يدوس بعضا ابتدا يقول لتلاميذه اولا تحرزوا لانفسكم من خمير الفريسيين الذي هو الرياء
2 فليس مكتوم لن يستعلن و لا خفي لن يعرف
3 لذلك كل ما قلتموه في الظلمة يسمع في النور و ما كلمتم به الاذن في المخادع ينادى به على السطوح
4 و لكن اقول لكم يا احبائي لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد و بعد ذلك ليس لهم ما يفعلون اكثر
5 بل اريكم ممن تخافون خافوا من الذي بعدما يقتل له سلطان ان يلقي في جهنم نعم اقول لكم من هذا خافوا
6 اليست خمسة عصافير تباع بفلسين و واحد منها ليس منسيا امام الله
7 بل شعور رؤوسكم ايضا جميعها محصاة فلا تخافوا انتم افضل من عصافير كثيرة
8 و اقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله
9 و من انكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله
10 و كل من قال كلمة على ابن الانسان يغفر له و اما من جدف على الروح القدس فلا يغفر له
11 و متى قدموكم الى المجامع و الرؤساء و السلاطين فلا تهتموا كيف او بما تحتجون او بما تقولون
12 لان الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب ان تقولوه


 

الصديق السماوي والقطيع الصغير

في الأصحاح السابق كشف الرب ضعفات بعض القيادات الدينيَّة لما حملته من شكليَّات في العبادة بلا أعماق، وحرفيَّة في فهم الناموس والوصيَّة بلا روح، مع ارتباط مرّ بمحبَّة العالم والكرامات الزمنيَّة> والآن إذ جاء هذا الصديق ليقيم لنفسه قطيعًا جديدًا ليكون جسده الواحد، أبرز سمات هذا القطيع الجديد الصغير ليكون منسجمًا ومتناغمًا مع راعيه السماوي الذي هو عريسه ومخلِّصه ورأسه العامل في الجسد.

1. القطيع الصغير وخمير الفرِّيسيِّين

إذ أراد صديقنا السماوي أن يقيم مؤمنيه قطيعًا جديدًا يحمل سماته السماويَّة، أول وصيَّة قدَّمها لكنيسته خلال تلاميذه هي عزل "الخميرة القديمة"، خميرة الفرِّيسيِّين، أي الرياء، حتى لا تقوم الكنيسة على أساس خاطئ. لقد أراد تحطيم الخميرة القديمة الفاسدة لكي تُقدَّم كفطير الفصح الجديد، وكما يقول الرسول بولس: "ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمِّر العجين كله؟ إذا نقُوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير، لأن فصحنا أيضًا قد ذُبح لأجلنا، إذًا لنعيِّد ليس بخميرة الشرّ والخبث، بل فطير الإخلاص والحق" (1 كو 5: 6-8).

 

"وفي أثناء ذلك إذ اجتمع ربوات الشعب

حتى كان بعضهم يدوس بعضًا

ابتدأ يقول لتلاميذه:

أولاً تحرَّزوا لأنفسكم من خمير الفرِّيسيِّين الذي هو الرياء." [1].

بالرياء أراد الفرِّسيُّون أن يصطادوا السيِّد المسيح بكلمة من فيه لكي يحجبوا الناس عنه، فلا تنهار شعبيَّتهم، ولا يفقدون كرامتهم وسلطانهم، لكن تصرُفهم جاء بنتيجة عكسيَّة، فقد جاء عشرات الألوف يزحمون السيِّد مشتاقين إلى الالتقاء معه. وهكذا قبل أن يحذِّر السيِّد المسيح قطيعه من الرياء الذي للفرِّيسيِّين أوضح الإنجيلي لوقا وبدرس عملي كيف يفشل الرياء في تحقيق غاية السالكين به، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [هكذا الحق قوي، وكل خداع ضعيف.]

بالرياء يود الإنسان أن يجتذب الكل حوله ويحرمهم من الحق، لكن الرياء ينكشف، وينفر الناس من المرائين ليلتصقوا بالحق. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد شبَّهه السيِّد المسيح بالخميرة التي تعمل بالرغم من صغر حجمها في العجين كله، معلنًا أنه مفسد للإنسان بكليته، يفقده كل نقاوة وفضيلة روحيَّة في القلب والفكر والأحاسيس، حتى وإن ارتدى ثوبًا من التقوى الظاهرة والقدرة على التعليم والغيرة على المقدَّسات.

+ الرياء يكرهه الله، ويمقته الإنسان. لا يجلب مكافأة، وبلا منفعة تمامًا في خلاص النفس، بل بالحري يكون علَّة هلاكها.

إن كان الرياء لا ينفضح أحيانًا، لكن إلى حين، إذ لا يدوم كثيرًا، بل ينكشف كل شيء، فيجلب على صاحبه وبالاً، وهكذا يكون أشبه بامرأة قبيحة المنظر تُنزَع عنها زينتها الخارجيَّة التي وُضعت لها بطرق صناعيَّة.

+ الرياء غريب عن سمات القدِّيسين، إذ يستحيل أن يفلت شيء مما نفعله أو نقوله من عيني اللاهوت، إذ "ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لن يُعرف" [2]. كل كلماتنا وأعمالنا ستُعلن في يوم الدين. لذلك فالرياء مُتعب وبلا منفعة. يليق بنا أن نتزكَّى كعباد حقيقيِّين نخدم الله بملامح صريحة وواضحة.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ تُمدح الخميرة بكونها مرتبطة بخبز الحياة، وتُلام حين تعني المكر المستمر المُر.

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

+ يُسمى الرياء خميرة، إذ هو يخدع نيَّات من يمارسه ويضلِّلها. ليس شيء يُفسد شخصيَّة الإنسان مثل الرياء.

+ وجَّه حديثه للفرِّيسيِّين، وكأنه يقول لهم: أيها الفريِّسيُّون، ما تتكلَّمون به في الظلمة، أي كل مساعيكم لتجرِّبونني في مخابىء قلوبكم، يُسمع به في النور، لأني أنا هو النور، فبنوري تنفضح خداعات ظلمتكم. وما تنطقون به في الأذن والمخادع، أي ما تتهامسون به في آذان بعضكم البعض سوف يُعلن على السطح، إذ هو مسموع لي كمن يصرخ بصوتٍ عالٍ من فوق السطح.

هنا أيضًا يمكن أن يُفهم بالنور "الإنجيل"، وبالسطح نفوس التلاميذ المرتفعة. فما قد دبَّره الفريِّسيُّون معًا، سيُنادى به ويُكشف خلال نور الإنجيل، بالمبشِّر العظيم، الروح القدس، الذي يسيطر على نفوس التلاميذ (العالية).

الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا

2. القطيع الجديد والخوف

إذ يطلب مِن كنيسته، القطيع الجديد، ألاَّ تحمل خمير الفرِّيسيِّين الذي هو الرياء، فلا يكون خارجها غير داخلها، يسألها أن تسلك بمخافة الرب وحده، دون خوف الناس. فمن يخاف الرب لا يهتم بحكم الناس، الأمر الذي ينزع عنه كل رياء لأنه لا يطلب مدحهم ولا يضطرب لذمهم، لا يسألهم المكافأة ولا يرهب بطشهم.

"ولكن أقول لكم يا أحبائي،

لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد

وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر.

بل أريكم ممن تخافون:

خافوا من الذي بعد ما يقتل له سلطان أن يلقى في جهنم.

نعم أقول لكم من هذا تخافوا" [4-5].

+ يلزمنا أن نخاف عذاب النفس لا قتل الجسد، فالموت يمثل نهاية طبيعيَّة للعذاب الجسدي لكن ليس نهاية للعقاب. فهو يضع نهاية لآلام الجسد (الزمنيَّة)، أما عقاب النفس فأبدي. يلزمنا أن نخاف الله وحده!

القدِّيس أمبروسيوس

+ هذه الوصيَّة تخص الذين يحبُّونه. ولكن من هم الذين يحبُّونه؟ نقول أولئك الذين لهم فكر مشابه له، غيورون في التبعيَّة على أثر خطواته. هذا ما يحثُّنا عليه الرسول بقوله: "فإذا قد تألَّم المسيح لأجلنا بالجسد تسلَّحوا أنتم أيضًا بهذه النيَّة" (1 بط 4: 1). لقد بذل حياته لأجلنا وكان بين الأموات كمن هو حرّ (مز 88: 5). فالموت لم يهاجمه بسبب الخطيَّة مثلنا، إذ كان ولا يزال بلا خطيَّة، غير قادر على صنع شرٍ، إنما احتمل الآلام بإرادته لأجلنا من أجل محبَّته لنا غير المحدودة. لنصغ إليه، إذ قال بوضوح: "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبَّائه" (يو 15: 13). أفلا تحسب دناءة مُرة ألا نرُد للمسيح دينه الضروري جدًا، الذي اِقترضناه منه؟

بطريقة أخرى، نقول إننا كأحبَّاء له يلزمنا ألا نخاف الموت بل بالحري نتمثَّل بالآباء القدِّيسين. فعندما جُرِّب الأب إبراهيم قدَّم ابنه الوحيد اسحق، حاسبًا أن الله قادر أن يقيمه من الأموات (عب 11: 19). أي رعب من الخوف يمكن أن يهاجمنا وقد أبطل "الحياة (المسيح)" الموت، لأن المسيح هو القيامة والحياة (يو 11: 25).

ولنضع أيضًا في ذهننا أن الأكاليل تُقتنى بالجهاد. فإن المصارعين الأقوياء في الحلقات ينالون الكمال بالجهاد العنيف مع الخبرة. الشجاعة والذهن الشهم هما اللذان يخدمان أصحاب المهارة في المعارك. أما من يلقي عنه دِرعه يحتقره العدو، وإن عاش الهارب من المعركة، يحيا كذليلٍ. أما الذي ثبُت في المعركة، ووقف ببسالة وشهامة بكل قوَّته ضد العدو، فيُكرم بنواله النصرة، وإن سقط (جريحًا) فيكون موضع إعجابٍ. هكذا يليق بنا أن نسلك، محتملين بصبر، وثابتين في الصراع بشجاعة، فننال المكافأة العظيمة، ونكون موضع إعجاب، ونقتني لأنفسنا بركات الله، أما رفض احتمال موت الجسد من أجل محبَّة المسيح فيجلب علينا عقابًا أبديًا لا ينقطع. لأن غضب الإنسان يبلغ نهايته عند حدود الجسد، ويكون موت الجسد هو نهاية صراعهم ضدَّنا، وأما إن عاقب الله فالخسارة لا تمس الجسد وحده... بل تمس النفس البائسة أيضًا فتسقط تحت العذابات.

ليته يكون نصيبنا هو الموت المكرَّم، الذي يُصعدنا إلى بداية الحياة الأبديَّة، والذي بالضرورة يلتصق بالبركات النابعة عن الفيض الإلهي. لنهرب من الحياة المخجلة ولنحتقرها، الحياة الكريهة المؤقَّتة التي تقود إلى عذاب أبدي مرّ.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ اُنظر كيف جعل ربَّنا تلاميذه فوق الكل، إذ حثَّهم أن يستخفُّوا بالموت الذي يرعب الكل! وفي نفس الوقت قدَّم تأكيدات لخلود النفس.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ قال أحد القدِّيسين: أن الجسد بخوفه من التجارب - كي لا يتضايق أو يخسر حياته - يصبح صديقًا للخطيَّة، ولهذا يُجبره الروح القدس على الموت لأنه إن لم يمت فلا يتغلَّب على الخطيَّة.

إذ شاء أحد أن يكون مسكنًا للرب عليه أن يقهر جسده، ويخدم الرب، ويعمل وصايا الروح، ويحفظ نفسه من أعمال الجسد التي كتب عنها الرسول. الجسم الممزوج بالخطيَّة يرتاح بأعمال الجسد، أما ثماره فلا تريح روح الله...

أموت هنا حتى لا أري موت النفس الحقيقي أي الانفصال عن الله. خير لي أن أموت هنا من أجل الطهارة عن أن أعيش حياة شرِّيرة لقد اخترت هذا الموت بحرِّيتي من أجل خطاياي.

الأب مار اسحق السرياني

3. القطيع الجديد والاتِّكال على الله

إذ أراد السيِّد المسيح أن يشجِّعنا في جهادنا الروحي فلا نخاف موت الجسد، أكد لنا رعايته حتى لأجسادنا، بل ولشعور رؤوسنا التي تبدو في أعيننا أحيانًا بلا ثمن. إنه رب النفس والجسد معًا، يهتم بحياتنا في كلِّيتها، إذ يقول:

"أليست خمسة عصافير تباع بفلسين،

وواحد منها ليس منسيًا أمام الله؟

بل شعور رؤوسكم أيضًا جميعها محصاه،

فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة" [6-7].

+ تأمَّل عظم رعايته بالذين يحبُّونه. فإن كان حافظ المسكونة يهتم هكذا حتى بالأمور التي بلا قيمة ويتنازل ليتحدَّث عن طيور صغيرة (لو 12: 6-7)، فكيف يمكنه أن ينسى الذين يحبُّونه والذين يتأهَّلون لافتقاده لهم، إذ يعرف كل دقائق حياتهم حتى عدد شعور رؤوسهم؟...

ليتنا لا نشك أن يده الغنيَّة تهب نعمته للذين يحبُّونه. فإما أنه لا يسمح لنا أن نسقط في تجربة، أو إن كان بحكمته يسمح لنا أن نسقط في الفخ إنما ليتمجَّد خلال الآلام، واهبًا إيَّانا بكل تأكيد قوَّة الاحتمال. الطوباوي بولس هو شاهدنا في ذلك إذ يقول: "الله أمين (قوي)، الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13).

القدِّيس كيرلس الكبير

+ إن كان الله لا ينسى العصافير، فكيف ينسى الإنسان؟ وإن كانت عظيمة هكذا وأبديَّة حتى أن العصفور وعدد شعور رؤوسنا ليس مخفيًا أمام علمه فكم يُحسب بالأكثر جاهلاً من يظن أن الرب يجهل القلوب الأمينة أو يتجاهلها؟...

العصافير الخمسة على ما يبدو لي هي حواس الجسد الخمس: اللمس والشم والتذوق والنظر والسمع. العصافير كالجسدانيين تنقر قذارة الأرض لتطلب غذائها في الأراضي البور ذات الرائحة النتنة، وتخطىء فتسقط في الشباك فلا تقدر على الارتفاع نحو الثمار العالية والوليمة الروحيَّة. فإغراءات الشباك تسبي في ثناياها تحركات أرواحنا. والتهاب طبيعتنا ونشاطنا وطهارتنا هذه كلها تتبدد خلال الاهتمام بالأرضيات والماديات واقتنائنا ترف هذا العالم. والآن بعد سبينا صار أمامنا نوعان من الملذّات، إما العبوديَّة للخطيَّة أو التحرَّر منها، فالمسيح يحرَّرنا والعدو يبيعنا. يعرضنا للبيع ليميتنا بينما يفدينا المسيح ليخلصنا. وقد ذكر متى عصفورين (مت 10: 29) إشارة إلى الجسد والروح...

لقد أُعطينا بالنعمة أن نطير، لكن اللذة تسبينا، فتصير الروح ثقيلة بفخاخ الشر وتنحدّر إلي مستوى طبيعة الجسد الثقيلة.

قيل أنه لا يسقط واحد منها بدون إذن الله، فالساقط ينحدر نحو الأرض، أما الذي يطير فتحمله النعمة الالهيَّة... فلا تخشى إذن سطوة الشيطان بل خف غضب الله.

النفس أيضًا شُبهت بعصفورٍ، إذ قيل: "نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصياد" (مز 123: 7)، وفي موضع آخر: "كيف تقولون لنفسي: اهربوا إلي جبالكم كعصفورٍ" (مز 11: 1)، كما شُبه الإنسان بالعصفور: "أما أنا فكعصفورٍ منفرد علي السطح" (مز 102: 7)، إذ الإنسان مكون من عصفورين في واحدٍ، كإتحاد الجناحين اللذين يتعاونا في خفة ليرتفع فيغلب الطبع الروحي علي المادي.

يوجد عصفور صالح يقدر بالطبيعة (الروحيَّة) أن يطير، وعصفور شرِّير لا يقدر أن يطير بسبب النجاسات الأرضية، وهذا الأخير يُباع بفلسين... ما أبخس ثمن الخطايا؟ فالموت يشمل الجميع، أما الفضيلة فثمينة! يعرضنا العدو للبيع كالعبيد الأسرى ويّقيمنا بثمن بخس، أما الرب فيعاملنا كعبيد صالحين خلقهم علي صورته ومثاله، يّقيمنا بثمنٍ عظيمٍ، إذ يقول الرسول: "قد اُشتريتم بثمن" (1 كو 6: 20). نعم أنه ثمن غالٍ لا يحُسب بفضة بل بالدم الثمين. لأن المسيح مات لأجلنا وحرَّرنا بدمه الثمين، كما يشير القدِّيس بطرس في رسالته: "عالمين أنكم أفتديتم، لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدمٍ كريمٍ كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 18-19)، نعم هو دم ثمين لأنه دم جسد بلا دنس، دم ابن الله الذي فدانا ليس فقط من لعنة الناموس (غل 3: 13) بل ومن موت الخطيَّة الأبدي.

القدِّيس أمبروسيوس

+ العصافير الخمس تُفهم بطريقة سريَّة الحواس الخمس التي لها إدراكات علويَّة للأمور السماويَّة: ترى الله، وتسمع الصوت الإلهي، وتتذوق خبز الحياة، وتشتم رائحة المسيح، وتمسك كلمة الحياة. هذه الحواس تُباع بفلسين، إذ تُحسب رخيصة بواسطة الذين يُهلكون ما هو من الروح وهم غير منسيين أمام الله.

العلامة أوريجينوس

 

4. القطيع الجديد والشهادة

"وأقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس

يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله.

ومن أنكرنى قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله.

وكل من قال كلمة علي ابن الإنسان يُغفر له، وأما من جدف علي الروح القدس فلا يغُفر له.

ومتى قدَّموكم إلي المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون.

لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" [8-12].

إن كانت الخطيَّة قد أفسدت العصافير الخمسة أي حواسنا الداخليَّة، فعوض انطلاقها بالروح القدس نحو الإلهيات لترى وتسمع وتتذوق وتلمس وتشتم ما هو أبدى وإلهي، إذا بها تسقط في فخاخ الملذّات وترتبط بحبال العالم، وتصير عاجزة عن الطيران أسيرة فخاخ العدو تحت سلطانه العنيف المهلك. لهذا فإن الإنسان حتى في تدينه لم يقدر أن يرتفع إلي فوق بل صار في عبادته وكرازته أسير المجد الباطل والرياء وأحيانا الطمع المادي الأمور التي وهبته فكرًا فرِّيسيا ناموسيًا، يهتم بالحرف القاتل عوض الروح العميق الذي يبنى. وقد افتدانا الرب ليطلقنا من هذه الفخاخ لنحيا في هذا العالم شهود حق للمخلِّص خلال حياتنا السماويَّة وفكرنا الجديد وإنساننا الروحي الذي هو من عمل إلهنا... نشهد له هنا فيشهد لنا ابن الإنسان في المقادس السماويَّة عينها.

لقد دفع دمه ثمنًا لانتزاعنا من فخ الرياء، مؤكدًا لنا أن ما نقوله في الظلمة يُستعلن في النور، وما ننادى به الأذن يعلن علي السطوح... والآن هاهو يؤكد أن ما نفعله هنا كما في الظلمة أو في الأذن يعلنه ربَّنا يسوع نفسه أمام ملائكته وقدِّيسيه في الرب العظيم.

إن كان المراؤون يفعلون الشر خفيَّة فينفضحون، فعلم الكنيسة الظاهر والخفي هو الاعتراف بالمخلِّص لكي تتمجد حقيقة!

 

+ "لأنك أن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خلصت" (رو 10: 9). لقد وضح سّر المسيح في هذه الكلمات بطريقة رائعة.

أول كل شيء من واجبنا أن نعترف بأن الابن المولود من الله الآب، الابن الوحيد الذي من جوهره، الله الكلمة، هو رب الكل، ليس كمن نال الربوبية من الخارج بل تُنسب له بكونه الرب بالحق بالطبيعة، كما الآب أيضا. ثانيًا يليق بنا أن نؤمن بأن الله أقامه من الأموات، بمعنى أنه إذ صار إنسانًا تألَّم في الجسد من أجلنا وقام من الأموات، لذلك كما قلت الابن هو الرب... هو وحده الرب بالطبيعة بكونه الله الكلمة فوق كل خليقة. هذا ما يعلمنا إيَّاه الحكيم بولس، قائلاً: " لأنه وإن وُجد ما يُسمى آلهة سواء كان في السماء أو علي الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرة، لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1 كو 8: 5-6)...

من يعترف بالمسيح أمام الناس أنه الله الرب، يعترف به أمام ملائكة الله ولكن أين؟ وكيف؟ واضح أنه في ذلك الوقت عندما ينزل من السماء في مجد أبيه مع الملائكة القدِّيسين في نهاية هذا العالم، حيث يكلل المعترفين به الحقيقيين الذين لهم الإيمان الأصيل غير المتردد... هناك تتلألأ جماعة الشهداء القدِّيسين الذين احتملوا الجهاد حتى بذل الدم، وقد كرموّا المسيح بصبرهم، ولم ينكروا المخلِّص، ولم يكن مجده غير معروف لديهم، بل وقدَّموا ولاءهم له. مثل هؤلاء يمدحهم الملائكة القدِّيسون الذين يمجدون المسيح مخلِّص الكل من أجل الكرامات التي يهبها لقدِّيسيه والتي يستحقونها. هذا ما يعلنه المرتل: "تخبر السماوات بعدله (ببره)، لأن الله هو الديان" (مز 50: 6). هذا هو نصيب المعترفين به.

أما البقيَّة التي جحدته واستهانت به فستنكر، عندما يقول لهم كما سبق فقيل بأحد الأنبياء قديمًا: "كما فعلت يُفعل بَك، عملك يرتد علي رأسك" (عو 15). وينكرهم بهذه الكلمات: "لا أعرفكم... تباعدوا عنى يا جميع فاعلي الظلم" (لو 13: 27).

من هم هؤلاء الذين يُنكرون؟

أولاً، الذين عندما يسقطون تحت ضغط الاضطهاد وتحل بهم ضيقة ينكرون الإيمان، هؤلاء يفقدون الرجاء كلية من جذوره، فلا توجد كلمات بشريَّة يمكن أن تعبر عن ذلك إذ ينالون غضبًا ودينونة ونارًا لا تُطفأ.

بنفس الطريقة الذين يتبعون هرطقة والذين يعلّمون بها، هذه الهرطقة تنكره كأن يتجاسر البعض فيقول أن كلمة الله، الابن الوحيد، ليس هو الله بالطبيعة والحق.

القدِّيس كيرلس الكبير

 

ليتنا إذن نشهد للرب ونعترف به بفمنا وقلبنا وبإيماننا الحق وسلوكنا اللائق خلال عمل نعمته الواهب قوَّة الشهادة والعمل، ليظهر مسيحنا القائم من الأموات متجليًا في أعماقنا واضحًا في حياتنا اليومية خلال الحياة الجديدة التي لنا فيه. بهذه الشهادة وهذا الاعتراف اليومي نتأهل أن يعترف ربَّنا نفسه بنا أمام ملائكته، إذ يحسبنا ورثة الله، ووارثون مع المسيح، وشركاء في المجد الأبدي، لنا موضع في حضن الآب!

ولما كان الاعتراف بالسيِّد المسيح مكافأته العلنية الأبديَّة بلا رجعة، وأيضا للانكار جزاءه الأبدي بلا رجعة لهذا خشى لئلاَّ ينهار أحد بروح اليأس أن ضعف مرة وسقط في الجحود، فيظن أنه لايقدر أن يرجع ويتوب بل يسقط تحت هلاك ابدى لهذا يؤكد: "وكل من قال كلمة علي ابن الإنسان يُغفر له" [10]، فاتحًا أبواب الرجاء علي مصراعيه خلال التوبة. وقد جاءت تكملة حديثه تؤكد ذلك، بقوله: "وأما من جدف علي الروح القدس فلا يُغفر له" [10]. بمعنى أن من يرفض عمل الروح القدس واهب التوبة والمغفرة يفقد غفرانه. وقد سبق لنا الحديث في شيء من الاستفاضة عن "التجديف علي الروح القدس"، مؤكدين أن التجديف الذي لا يُغفر هو الإصرار علي عدم التوبة.

لقد أساء البعض فهم هذه العبارة الإلهية حاسبين أن من يقول كلمة على ابن الإنسان تُغفر له بينما من يقول كلمة على الروح القدس لا تُغفر، بمعنى أن من يخطئ ضد السيِّد المسيح بكونه قد تجسد مختفيًا يغفر له حين يكتشف الحق ويتوب، بينما من يخطئ ضد الروح القدس فلا توبة له. هذا التفسير لا يمكن قبوله، إذ أكّد الكتاب المقدَّس أن كل خطيَّة نقدَّم عنها توبة تُغفر، هذا أيضًا ما أعلنه آباء الكنيسة فاتحين أبواب الرجاء حتى أمام الهراطقة الذين جدفوا ضد الروح القدس وأتباعهم أن رجعوا عن خطأهم، وقد قبلتهم الكنيسة فعلاً عند توبتهم.

يؤكد القدِّيس أمبروسيوس أن التمايز هنا يقوم علي أساس تمايز أعمال الثالوث القدُّوس، وأن الإنكار للروح القدس أو التجديف عليه إنما يعنى رفض عمله تمامًا، أي رفض عمل التوبة الذي يبعثه الروح فينا. هذا ما يوضحه نفس حديث السيِّد، إذ يكمل قائلاً: ["لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" [12]. فمن يرفض عمله الخفي في القلب لا ينال غفرانًا حتى يرجع ويقبله من جديد.]

ولما كانت الشهادة للسيد المسيح تضع تلاميذه أمام المجامع والرؤساء والسلاطين، فقد وهبهم إمكانية لهذا العمل، إذ عهد بهم في يدّي روحه القدُّوس، قائلاً: "لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب لأن تقولوه" [12].

+ يقول أن ما ننطق به ونجيب به (وقت الضيق) يوهب لنا في تلك الساعة من السماء التي تمدنا، فلا نتكلم نحن بل روح الله الذي لا يفارق من يعترفون به، ولا ينفصل عنهم، بل يتكلَّم فيهم ويتّوج فيهم.

إن عمله هو أن نغلب وننال النصرة بإخضاع العدو في الصراع العظيم.

القدِّيس كبريانوس

+ عندما تثور خلافات أو صراعات بين الأصدقاء يأمرنا الرب أن نفكر جيدًا في الأمر، لكن حينما يصير رعب محاكم العدالة وتثور المخاوف من كل جانب، فإنه يعطينا قوَّته واهبة الشجاعة وما ننطق به وعدم ثبط الهمة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+        +        +

 

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt