طقس الكنيسة
  

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 6 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 110 : 4 ، 7

مت 16 : 13 - 19

مز 73 : 23 ، 24 ، 28

يو 15 : 17 – 25

2 كو 4 : 5

- 5 : 11

1 بط 2 : 16

- 3 : 7

أع 20 :  17- 38

مز 107 : 32 ، 41 ، 42

يو 10 : 1 – 16

 

إنجيل باكر ....  يو 15 : 17 – 25  

17 بهذا اوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضا
18 ان كان العالم يبغضكم فاعلموا انه قد ابغضني قبلكم
19 لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته و لكن لانكم لستم من العالم بل انا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم
20 اذكروا الكلام الذي قلته لكم ليس عبد اعظم من سيده ان كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم و ان كانوا قد حفظوا كلامي فسيحفظون كلامكم
21 لكنهم انما يفعلون بكم هذا كله من اجل اسمي لانهم لا يعرفون الذي ارسلني
22 لو لم اكن قد جئت و كلمتهم لم تكن لهم خطية و اما الان فليس لهم عذر في خطيتهم
23 الذي يبغضني يبغض ابي ايضا
24 لو لم اكن قد عملت بينهم اعمالا لم يعملها احد غيري لم تكن لهم خطية و اما الان فقد راوا و ابغضوني انا و ابي
25 لكن لكي تتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم انهم ابغضوني بلا سبب

 

"بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضًا". (17)

يمزج السيد المسيح الحب لله بالحب للاخوة (١٢، ١٧)، مقدمًا نفسه مثالاً لنا إذ أحبنا وبذل ذاته عنا (١٣)، ودعانا أحباء (١4)، وكشف لنا أسراره (١5)، واختـارنا (١6)، وأقامنا لخدمته (١٦)، وأعطانا نعمة لكي تقبل طلباتنا باسمه لدى الآب... هذا كله نرده له بحبنا لاخوتنا.

مواجهة بغض العالم

"إن كان العالم يبغضكم، فإعلموا أنه قد أبغضني قبلكم". (18)

البغض هو سمة إبليس ودعامة مملكته، كما أن الحب هو سمة مملكة المسيح. فلا عجب إن كان محبو العالم يبغضون مملكة المسيح بلا سبب، فإن هذه هي طبيعتهم. لو أن الكراهية تقوم بسبب شر ارتكبوه لما كانت لهم تعزية، أما إن قامت لأن العالم لا يطيق مسيحهم، فهذه الكراهية هي مجد لا يستحقه المؤمن، لأنه يحمل شركة آلام السيد المسيح.

دُعي الأشرار "العالم"، لأنهم محبون له فيحملون اسمه، ولأنهم يمثلون الغالبية العظمى من سكان العالم. لا نعجب إن كان العالم لا يطيق أولئك الذين يحبهم الرب ويباركهم. فقد حدثت عداوة بين العالم الشرير وأولاد الله منذ زحفت الحية إلى حواء لكي تغريها، فقد قتل قايين هابيل لأن أعماله كانت بارة، وأبغض عيسو يعقوب لأنه نال البركة، وحسد اخوة يوسف أخاهم لأن أباه قد أحبه، وأبغض شاول داود لأن الرب كان معه يُنجح طريقه... هكذا في كل هذه الأمثلة لم يحمل القديسون كراهية، ولا صنعوا شرًا يستحقون عليه البغض.

إذ لحقت المتاعب القديس جيروم كتب إلى أسيلا Asella عند تركه روما متجهًا إلى الشرق: [أكتب إليك في عجالة أيتها السيدة العزيزة أسيلا، فإنني ذاهب إلى السفينة مبتلعًا بالحزن والدموع، إلا أنني أشكر إلهي إني حُسبت مستحقًا لبغض العالم].

+ لا يرتعب أحدكم أيها الاخوة الأعزاء المحبوبين بالخوف من الاضطهاد القادم، أو من مجيء ضد المسيح الذي يهدد، حيث لا يوجد سلاح ضد كل الأمور غير النصائح الإنجيلية، والوصايا والتحذيرات السماوية.

ضد المسيح قادم، لكن المسيح يغلب.

العدو يقترب ويثور، ولكن الرب الذي يبرئ آلامنا وجراحاتنا يتبعنا.

المقاوم في غضب يهدد، لكنه يوجد الذي يحررنا من يديه.

الشهيد كبريانوس

+ مع هذا الحب يلزمنا أيضًا أن نحتمل بغض العالم لنا بصبرٍ... لماذا يتعالى العضو نفسه على الرأس؟ إنك ترفض أن تكون في الجسد إن كنت لا تريد أن تحتمل بغض العالم لك مع بغضه للرأس.

القديس أغسطينوس

"لو كنتم من العالم، لكان العالم يحب خاصته،

ولكن لأنكم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم من العالم،

لذلك يبغضكم العالم". (19)

يُحسب المؤمنون أنهم ليسوا من العالم، ليس بسبب حكمتهم وفضائلهم، ولا لأنهم من طبيعة تختلف عن بقية البشر، وإنما لأنهم قبلوا دعوة الله لهم وصاروا مختارين منه، أفرزهم للعمل في ملكوته. لهذا يبغضهم العالم. حياة المسيحي الحقيقي تدين العالم الشرير في صمت، لذا لا يجد العالم له طريقًا سوى الانتقام ممن لا يشاركه شره ويهدئ من ضميره.

هنا يشير إلى المزمور ٦٩: "أكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب" (مز ٦٩: ٤)، وقد جاء المزمور كله يتنبأ عن شخص السيد المسيح.

+ كأن السيد المسيح يقول لتلاميذه: "إن شئتم أن تحبوا فيجب عليكم أن تتألموا"، إذ يذكر هذا المعنى بغموضٍ في قوله: "لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته"، فإن أحبكم العالم فواضح أنكم قد أردتم خبثه فيكم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ العالم يحب نفسه باطلاً، ويبغض نفسه حقيقة. لأن من يحب الشر، يبغض نفسه (مز ١١: ٣). ومع ذلك قيل أن العالم يحب ذاته قدر ما يحب الشر الذي جعله شريرًا. ومن الجانب الآخر قيل أنه يبغض ذاته بقدر حبه لما يسبب له ضررًا. لذلك فهو يبغض طبيعته الحقيقية التي فيه ويحب الرذيلة.

إنه يبغض ما هو عليه حسبما خلقه صلاح الله، ويحب ما قد جلبه هو بإرادته الحرة... لقد مُنعنا من أن نحب فيه ما هو يحبه، وأُمرنا أن نحب فيه ما هو يبغضه، أي عمل الله والتعزيات المتنوعة لصلاحه.

مُنعنا من أن نحب الرذيلة التي فيه، وأُوصينا أن نحب الطبيعة، أما العالم فيحب الرذيلة في ذاتها ويكره الطبيعة.

وبهذا نحن نحب ونكره بطريقة سليمة، بينما العالم يحب ويكره ما فيه بطريقة شريرة.

القديس أغسطينوس

"أذكروا الكلام الذي قلته لكم:

ليس عبد أعظم من سيده.

إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم.

وإن كانوا قد حفظوا كلامي، فسيحفظون كلامكم". (20)

حقا لقد دعاهم السيد أحباء، لكن يليق بهم أن ينظروا إلى أنفسهم أنهم عبيد لله. لم يرد أن يبدأ حديثه بما سيعانوه من اضطهاد، إنما بدأ بما سيحتمله هو من متاعب. وضع نفسه في مقدمة المعركة التي بين النور والظلمة، وأن متاعبهم ليست إلا شركة في آلام السيد المسيح. وضع السيد تمييزًا فاصلاً بين المؤمنين المقدسين في حقه وبين الأشرار السالكين في ظلمة الجهالة.

 

"لكنهم إنما يفعلون بكم هذا كله من أجل اسمي،

لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني". (21)

أحد الأسباب الرئيسية لبغض العالم للمؤمنين هو الجهل وعدم المعرفة، فإنهم لا يعرفون الآب الذي أرسل السيد المسيح. خلال هذه الجهالة يأكلون شعب الله. وكما يقول المرتل: "قال الجاهل في قلبه ليس إله... ألم يعلم كل فاعلي الإثم الذين يأكلون شعبي كما يأكلون الخبز والرب لم يدعوا" (مز ١٤: ١، ٤).

لم يعرفوا الآب ولا عرفوا الابن المرُسل منه. "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" (١ كو ٢: ٨).

لا نتعجب من أن السيد الذي يقول: لست أدعوكم عبيدًا" يعود فيقول: "ليس العبد أعظم من سيده"، فهو لا يريد أن يدعونا عبيدًا، وفي نفس الوقت يدعونا "عبيدًا" وأننا لسنا أفضل منه الذي هو سيدنا. وكما يقول القديس أغسطينوس أنه واضح أنه يقصد في العبارة الأولى العبد الذي لا يسكن في البيت إلى الأبد، المتسم بالخوف الذي يطرده الحب خارجًا.

يعلق القديس أغسطينوس على تعبير "من أجل اسمي" الذي يعني "من أجل البرّ"، لأن مسيحنا هو برّنا. فالأشرار يضطهدون الأبرار في المسيح يسوع ليس من أجل جريمة ارتكبوها، بل من أجل البرّ. وأحيانًا يمارس الأبرار تأديبات قاسية ضد الأشرار، كما يفعل القضاة ضد المجرمين، أو كما يمارس رجال الشرطة ذلك ضد المقاومين للأمن، فإن كان القاضي أو رجل الشرطة مقدسًا في الرب فلا يُدان على معاقبته للشرير، لأن الشرير لا يحتمل العقوبة من أجل البرّ بل من أجل شره. كما يقول أيضًا إن الأشرار أحيانًا يضطهدون أشرارًا. قد يُسأل إن اضطهد الأشرار أشرارًا كما يفعل الأمراء الأشرار والقضاة الأشرار فإنهم وهم يضطهدون الأبرار بالتأكيد يعاقبون أيضًا القتلة والزناة وكل طبقات فاعلي الأشرار، هؤلاء الذين يمارسون ما هو ضد القوانين العامة، فكيف نفهم كلمات الرب: "لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته" (١٩)؟ فإن هؤلاء الذين يُعاقبون بسبب الجرائم السابق ذكرها إنما يُعاقبون لأنهم يسببون ضررًا للعالم نفسه. غير أن ذاك العالم موجود في الذين يعاقبون هذه الجرائم وفي الذين يحبون هذه الجرائم. لذلك فإن العالم إذ يوجد في الأشرار وغير الصالحين يكره الذين له بخصوص هذه الفئة من الناس المجرمين، ويحب الأشرار الذين يقدمون نفعًا له.

 

"لو لم أكن قد جئت وكلمتهم، لم تكن لهم خطية،

وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم". (22)

لقد تحققت الوعود الإلهية، وجاء من كان يتطلع إبراهيم إلى يومه فرآه وتهلل، كما اشتهى بقية الآباء والأنبياء مجيئه. بهذا ليس لهم عذر في رفضهم له. حملوا كراهية سبق فتنبأ عنها الكتاب المقدس (مز 35: 19؛ 69: 4؛ 109: 3).

 

"الذي يبغضني يبغض أبي أيضًا". (23)

يتساءل القديس أغسطينوس كيف يُمكن لليهود وهم لا يعرفون الآب الذي أرسل الابن الوحيد الجنس (٢١) أن يبغضوه (٢٣)؟ ويجيب في شيء من الإطالة بأن الإنسان كثيرًا ما يحب آخر أو يبغضه دون أن يراه أو يتعرف عليه، وإنما حسبما يتصوره عنه، أو ما يسمعه عنه. هكذا اليهود ابغضوا الآب وهم لا يعرفونه، وإنما حسبما تصوروا عنه. كما يقول القديس أغسطينوس: [كيف يمكن لهم أن يحبوا أب الحق هؤلاء الذين امتلأوا بالكراهية نحو الحق نفسه؟ فإنهم لا يرغبون في أن يُدان سلوكهم، بينما عمل الحق هو أن يدين مثل هذا السلوك. وهكذا ابغضوا الحق قدر ما أبغضوا معاقبتهم التي يسقطها الحق على مثل هؤلاء. وإذ لم يعرفوا أنه هو الحق الذي يدين من هم مثلهم، لذلك فقد كرهوا من لا يعرفوه، وإذ يبغضوه، فبالتأكيد لن يستطيعوا إلاَّ أن يبغضوا ذاك الذي ولد الحق. وهكذا إذ لم يعرفوا الحق الذي بحكمه يدانون، والمولود من الله الآب، فبالتأكيد هم أيضًا لم يعرفوا الآب ويبغضونه. يا لهم من أناس تعساء! فإنهم إذ يرغبون في أن يكونوا أشرارًا يجحدون ما هو حق إذ يدينهم].

"لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري، لم تكن لهم خطية،

وأما الآن فقد رأوا، وأبغضوني أنا وأبي". (24)

لقد صنع السيد المسيح بينهم أعمالاً عجيبة وفريدة، ليس فقط من جهة السلطان، وإنما أيضًا من جهة الحنو والحب والرحمة. ومع هذا أبغضوه هو والآب الذي أرسله، فما العجب إن أبغضوا الذين صاروا مؤمنين به وتلاميذ له.

 

رأوا بعيونهم المملوءة حسدًا وكراهية فكرهوه، أما القديس يوحنا فقد رآه وتمتع بالشركة معه، إذ يقول: "الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة... الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به، لكي يكون لكم أيضًا شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب، ومع ابنه يسوع المسيح" (1 يو :1 -3).

يقول القديس أغسطينوس أن كثير من الأنبياء قاموا بأعمال لم يقم بها غيرهم، لكنه ليس من وجه للمقارنة بين أعمالهم وأعمال السيد المسيح، ليس فقط من جهة كثرة العجائب التي بلا عدد، ولا بتنوعها، وإنما أيضًا بصنعها بسلطانه الشخصي، وبدونه لا يستطيع أحد أن يفعل شيئًا. هذا بجانب ميلاده من عذراء بتول وقيامته في اليوم الثالث الخ.

 

"لكن لكي تتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم:

إنهم أبغضوني بلا سبب". (25)

بغضهم للسيد المسيح بلا سبب، فكلماته وتعاليمه كانت علانية تقدم الحق ممتزجًا بالحب، وأعماله فائقة فريدة تقوم على نعمته الغنية وحبه اللانهائي. جاء في المزامير: "الذين يبغضونني بلا سبب" (مز 35: 19؛ 69:4). جاءت "بلا سبب" في اليونانية لتعني: "بدون مقابل"، فقد أبغضوه ولم يكن في ذهنهم نوال مقابل لهذه الكراهية.

يرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح قد أعلن عن بغض اليهود له ولأبيه، أبغضوه بلا سبب، وأنهم يقتلونه، لكن متى جاء الباراقليط في عيد العنصرة بعد صعود السيد المسيح يجتذب الحاضرين خلال كلمة بطرس الرسول، فيؤمن حوالي ثلاثة آلاف نسمة ممن كانوا مشتركين في الثورة ضده والمطالبة بصلبه. وهكذا يشهد الروح القدس له عمليًا بتحويل مبغضي الحق إلى مؤمنين بالحق.

 

إرسال المعزي لهم

الآن، بعد أن قدم لهم طريقًا يبدو غاية في الصعوبة، إذ طالبهم أن يثبتوا فيه كالأغصان في الكرمة، وهذا يبدو مستحيلاً في نظر الإنسان، كيف يثبت الإنسان الضعيف في ابن الله السماوي؟ كيف يتحد الترابي مع السماوي؟

عاد فسألهم أن يحبوا، لا خلال عواطف بشرية مؤقتة، بل أن يبذلوا حتى الموت كما بذل هو ذاته من أجل العالم، وهكذا صارت الوصية كأنها مستحيلة، من يقدر أن يتممها؟

وأخيرًا كشف عن بغض العالم واضطهاده لهم... هذا كله صار أشبه بطريق ضيق لا يقدر إنسان ما أن يسلكه، لهذا عزاهم بوعده بإرسال روحه القدوس الباراكليت. هذا هو المعلم السماوي والمرشد الحقيقي الذي يحملهم إلى كمال حق المسيح. هو يثبتهم في الكرمة، وهو يسكب الحب السماوي في قلوبهم، وهو يهبهم قوة الشهادة للمسيح لتجتذب حتى المقاومين لهم للحق.

 

"ومتى جاء المعزي،

الذي سأرسله أنا اليكم من الآب،

روح الحق الذي من عند الآب ينبثق،

فهو يشهد لي". (26)

يتحدث هنا عن المعزي بكونه أقنومًا يدعى "روح الحق"، ينبثق من عند الآب، يشهد للابن خلال عطاياه ونعمته على المؤمنين.

إنه روح الآب، إذ يقول الابن نفسه: "من عند الآب ينبثق" (يو 26:15)، وفي موضع آخر يقول: "لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت 20:10). وهو روح الابن أيضًا، إذ يقول الرسول "أرسل اللَّه روح ابنه إلي قلوبكم صارخًا يا أبا الآب" (غلا 6:4)، أي يجعلكم تصرخون، لأن هذا هو ما نصرخ به ولكن فيه، أي يملأ قلوبكم بالمحبة التي بدونها يكون صراخكم باطلاً، حيث يقول: "ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له" (رو 9:8).

سبق فقال أنه يطلب من الآب أن يرسل المعزي (يو ١٤: ١٦)، وهنا يقول: "سأرسله أنا إليكم من الآب". فُهو مُرسل من الآب من جهة أنه مدبر الخلاص والتقديس، ومُرسل من الابن بكونه قد دفع الثمن على الصليب لكي يستقر الروح في الإنسان ويجد فيه برّ المسيح.

الروح القدس يشهد للابن، وإذ يسكن في التلاميذ يشهدون للسيد المسيح بقوة الروح.

 

عمل الروح القدس اللائق به هو تحقيق وحدتنا مع المسيح.

+ إنه الروح الذي يوحدنا، نقول أنه يجعلنا نتجانس مع اللَّه؛ استقباله يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية، ونحن نتسلم هذا من الابن، وبالابن من الآب.

+ (الابن نفسه) يشَّكلنا حسب مجده، ويوسمنا بخاتم شكله.

+ إنه يمنحنا الرائحة الكاملة لذاك الذي ولده.

+ واهب الروح الإلهي المعطي الحياة ومعطيه هو الابن المولود من اللَّه.

+ الملء المُعطى لنا بالآب والابن يتحقق... بالروح القدس الذي يملأنا بالمواهب الإلهية به ويجعلنا شركاء في الطبيعة التي لا يُنطق بها.

+ هكذا حيث يعيش الابن فينا بطريقةٍ لا توصف وذلك بروحه (غلا 4: 6)، نقول أننا مدعوّون لروح البنوة.

+ شكرًا للاتحاد مع الابن الذي يتحقق بوساطة الروح في الذين يقبلونه حتى أننا نتشكل للبنوة.

+ إن كانت الصورة الحقيقية التي تعبر بكمال عن التشبه بالابن نفسه، بلا خطأ، فالشبه الطبيعي للابن هو الروح الذي نتوافق معه بدورنا خلال التقديس، والذي يشكلنا إلى شكل (الآب) نفسه.

+ نحن نتشكل حسب المسيح، ومنه نتقبل الصورة (غلا 4: 9)، وشكل الروح حسنًا جدًا، كمنْ مِنْ أحد شبيه له بالطبيعة.

+ بسبب قوته وطبيعته يمكن للروح بالتأكيد أن يُصلحنا إلى الصورة الفائقة.

القديس كيرلس الكبير

جاء في كتابات القديس باسيليوس الكبير كما في كتابات القديس كيرلس الكبير الروح القدس هو العامل ليقيم منا صورة للآب، ومرة أخرى أنه البيئة الحية التي خلالها يخلق فينا الشبه للآب والابن.

عيد البنطقستي هو مجيء الروح القدس الذي وعد به المسيح، والروح في عيد البنطقستي الدائم هو تأكيد لحضور المسيح في الكنيسة. هكذا فإن عيد العنصرة هي عيد مسياني ليس بأقل مما هو خاص بالروح القدس pneumatological، حيث أنه يدشن حضور المسيح في الكنيسة سرائريًا. عيد البنطقستي يزيل الارتباك بين صعود المسيح إلى السماء وجلوسه على يمين الآب وبين وعده: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى الانقضاء" (مت 28: 20).

يقول القديس مقاريوس أنه عندما يحل المسيح والروح فينا نختبر ذلك بطرق متنوعة: في فرح أو دموع، في سكون أو نشوة طرب. توجد أشكال متعددة لحضور اللَّه، أما ثمر الروح فهو دائمًا حضور المسيح واهب الوحدة، الذي يعيش في الكنيسة وفي قلب المؤمن.

"وتشهدون أنتم أيضًا،

لأنكم معي من الابتداء". (27)

يقول القديس أغسطينوس إذ يحل الروح القدس على الكنيسة يحمل التلاميذ الذين رافقوا السيد المسيح منذ بداية خدمته إمكانية الشهادة له، الأمر الذي لم يكونوا قادرين عليه أثناء حديث السيد المسيح معهم، إذ لم يكن ملء الروح قد حلّ فيهم. متى حلّ الروح القدس يهبهم الإيمان العامل بالمحبة، والمحبة الكاملة تطرد الخوف خارجًا. فلا يعود بطرس الرسول ينكر المسيح كما حدث عند الصلب، بل يشهد له محتملاً الآلام والاضطهادات من أجل اسمه بفرحٍ. [إذ يشهد له الروح القدس، ويوحي بمثل هذه الشهادة بشجاعة لا تُقهر، يجرد أحباء المسيح من خوفهم، ويحولهم إلى حبهم لبغض أعدائهم لهم].

+ في الكلمات السابقة قوَّى الرب تلاميذه ليحتملوا كراهية أعدائهم، وأعدَّهم أيضًا بتقديم نفسه مثالاً لكي يزدادوا شجاعة في الاقتداء به، مقدمًا لهم الوعد بالروح القدس الذي يأتي ليشهد له، ولكي يصيروا هم شهودًا خلال عمل الروح القدس في سامعيه. فإن هذا هو معنى: "وتشهدون أنتم أيضًا، لأنكم معي من الابتداء" (٢٧). بمعنى إذ يحمل شهادة تحملون أنتم أيضًا شهادة. إنه في قلوبكم، أنتم في أصواتكم؛ هو بالوحي وأنتم بالنطق، حتى تتحقق الكلمات: "إلى أقصى الأرض بلغ صوتهم" (مز ١٩ : ٤). فإنه إن لم يملأهم بروحه لا يحقق كثيرًا تقديم نفسه مثلاً للهدف.

القديس أغسطينوس

 

من وحي يو ١٥

طعمني فيك،

يا أيها الكرمة الحقيقية!

+ محبوبي العجيب، اكشف لي عن حبك الفائق.

غرستني كما في جنة إلهية، وسيَّجت حولي بحبك،

وترقبت لعلي أقدم لك ثمرًا يفرح قلبك!

وإذ أخرجت عنبًا رديًا لم تهملني.

+ اقتلعتني من فسادي، وطعمتني فيك، يا أيها الكرمة الحقيقية!

أحمل ثمر روحك القدوس، عنب الحب والفرح!

أحمل طعم عذوبتك، ورائحتك الذكية!

بدونك لا أصلح إلاَّ للمزبلة والنار!

+ ليجري حبك في عروقي، إذ أنا غصن حيّ فيك وبك.

فيصير فرحك بي كاملاً، وفرحي بك كاملاً.

أحبك، فأتعرف على أسرارك وإرادتك.

أحبك، فأبذل نفسي من أجل اخوتك الأصاغر!

+ أحبك، وإن كانت تكلفته بغض العالم لي. إني غصن فيك، يا أيتها الكرمة الإلهي،

العالم لا يطيقك، فلا يطيقني!

العالم لا يحتمل صوتك، فلا يقبل كلماتك التي على لساني!

+ من يثبتني فيك، فلا أُقتلع منك؟

من يهتم بي إلاَّ أباك الكرَّام العجيب؟

من يحوط حولي ويعمل فيَّ، إلاَّ روحك القدوس المعزي؟

لك المجد أيها الثالوث الكلي الحب!

+          +         +

 

البولس 2 كو 4 : 5 – 5 : 11

أولا : 2 كو 4 : 5 - 18

5 فاننا لسنا نكرز بانفسنا بل بالمسيح يسوع ربا و لكن بانفسنا عبيدا لكم من اجل يسوع
6 لان الله الذي قال ان يشرق نور من ظلمة هو الذي اشرق في قلوبنا لانارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح
7 و لكن لنا هذا الكنز في اوان خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا
8 مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين متحيرين لكن غير يائسين
9 مضطهدين لكن غير متروكين مطروحين لكن غير هالكين
10 حاملين في الجسد كل حين اماتة الرب يسوع لكي تظهر حياة يسوع ايضا في جسدنا
11 لاننا نحن الاحياء نسلم دائما للموت من اجل يسوع لكي تظهر حياة يسوع ايضا في جسدنا المائت
12 اذا الموت يعمل فينا و لكن الحياة فيكم
13 فاذ لنا روح الايمان عينه حسب المكتوب امنت لذلك تكلمت نحن ايضا نؤمن و لذلك نتكلم ايضا
14 عالمين ان الذي اقام الرب يسوع سيقيمنا نحن ايضا بيسوع و يحضرنا معكم
15 لان جميع الاشياء هي من اجلكم لكي تكون النعمة و هي قد كثرت بالاكثرين تزيد الشكر لمجد الله
16 لذلك لا نفشل بل و ان كان انساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يوما فيوما
17 لان خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا اكثر فاكثر ثقل مجد ابديا
18 و نحن غير ناظرين الى الاشياء التي ترى بل الى التي لا ترى لان التي ترى وقتية و اما التي لا ترى فابدية

 

استقامة الخدمة

"فإننا لسنا نكرز بأنفسنا،

بل بالمسيح يسوع ربًا،

ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" [ 5 ].

علامة استقامة خدمته أن يتقدم إليهم عبدًا لهم ليكرز بالمسيح لا بنفسه. ما يشغله تقديم فكر المسيح وحبه وعمله وشخصه الإلهي لا تقديم ذاته. شهوة قلبه أن يخدم العالم لكي يقبل سيده مخلص العالم. لا يخجل الرسول من أن يدعو نفسه عبدًا doulous لهم، فهذا هو إحساسه الحقيقي العميق، وهذه هي الدعوة الإلهية التي وُجهت إليه. لا يشتهي أن يكرز بحكمته ولا بقدرته ولا ببره الذاتي، بل يشهد للمسيا أنه الرب الذي له سلطان على السماء والأرض، الذي يصالح البشرية مع الآب.

"لأن اللَّه الذي قال أن يشرق نور من ظلمة،

هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد اللَّه،

في وجه يسوع المسيح" [ 6 ].

يتطلع الرسول بولس إلى التمتع بالاستنارة الداخلية بأنها عمل خلق لن يحققه أحد سوى اللَّه نفسه. يشير هنا إلى تكوين ٣:١ حيث قال اللَّه "ليكن نور" حين كانت الظلمة تغطي وجه الأرض فكان نور. هكذا يتطلع إلى قلوبنا التي سادتها ظلمة الجهالة ليشرق بنوره الإلهي عليها وتتمتع بالمعرفة السماوية، فتستنير وتنير الآخرين. أما قوله "في وجه يسوع المسيح" فإن هذه الاستنارة تتحقق بالمسيح، وفيه نتمتع بشركة مجده الإلهي، ونحمل بره وقداسته.

+ أترون كيف يظهر بولس مجد موسى مشرقًا ببهاءٍ زائدٍ على الذين يريدون أن يروه؟ إنه يشرق في قلوبنا، كما أشرق على وجه موسى كقول بولس (خر 29:34-35). أولاً يُذكرهم بما حدث في بدء الخلقة (تك 3:1)، وبعد ذلك يٍظهر أن هذه الخليقة المتجددة هي أعظم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ حيث أن الطبيعة الإلهية غير منظورة، وباقية على الدوام، تُرى ما هو عليه في ناسوت يسوع المسيح الذي يشرق بنورٍ إلهيٍ وتُرسل أشعتها.

ثيؤدورت أسقف قورش

 

في طقسنا المعاصر، قبل الاحتفال بعيد القيامة المجيد أو الفصح المسيحي، يُقرا الإنجيل الخاص بتفتيح عينيْ الأعمى في أحد التناصير، الأحد السابق لأحد الشعانين. وكأن العماد المقدس (التناصير) في حقيقته تفتيح لبصيرتنا الداخلية لمعاينة أسرار الحب الإلهي، فنقبل دخول المسيح نور العالم إلى أورشليمنا الداخلية لكي ننعم به بسرّ الفصح الحقيقي كسرّ استنارة يمس حياتنا الشخصية.

بهذا نفهم كلمات ربنا نفسه عن العماد المقدس، أنه بدونه لا نقدر أن نعاين ملكوت اللَّه (يو 3:3، 5)، أي بدونه لا تكون لنا البصيرة الداخلية المستنيرة التي تدرك ملكوت النور وتنعم به.

 

"ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفيةٍ،

ليكون فضل القوة للَّه لا منّا" [ 7 ].

لماذا لا يكرز بولس والعاملون معه بأنفسهم؟ لأنهم مجرد أوانٍ خزفية، لا قيمة لها في ذاتها، إنما في الكنز الذي يحملونه ويكرزون به.

التعبير الأصلي ostrakinois يعني أوان من القواقع (الصدف) وهي هشة للغاية، وكما تحوي القوقعة سمكة في الداخل هكذا نحمل كلمة الحق في أعماقنا. أيضًا تحمل معنى الخزف الذي يصنع من التراب أو الطين وحرقه بالنار.

جاء في الأدب اليهودي إن أميرة ذهبت إلى الحاخام يشوع بن قانانيا Chananiah وقالت له: "يا لعظمة مهارتك في الشريعة! مع هذا يا لبشاعة منظرك! كيف تُلقى الحكمة في أناء دنئ؟" سألها الحاخام عن الأواني التي تحفظ فيها الخمر. أجابت أنها خزفية من التراب، تفعل مثلما يفعل عامة الشعب. قال لها أنه أليق بها كابنة للإمبراطور أن تحتفظ بخمرها في أوانٍ فضيةٍ. فعلت الأميرة هذا ففسد الخمر، وإذ سأل الإمبراطور عمن قدم لها هذه المشورة وعرف أنه الحاخام يشوع استدعاه. أخبره الحاخام بكل ما جرى بينه وبين الأميرة، وقال له بأن الحكمة لا تستودع في شخص وسيم مهتم بمظهره الخارجي فحسب وإنما في إنسان متواضعٍ كإناء ترابي.

آلام الخدمة والعون الإلهي

"مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين،

متحيرين لكن غير يائسين" [ 8 ].

أكد السيد المسيح لتلاميذه أنه في العالم سيكون لهم ضيق (يو ٣٣:١٦). وقد أحاط الضيق بالرسول بولس ومن معه في كل شيء: "مكتئبين في كل شيء" لكن لم يكن لكل هذه الضيقات أن تقف عائقًا أمام الرسول أو تحبس عمله، بل كانت بالنسبة له فرصة لاكتشاف إمكانيات اللَّه إله المستحيلات. فهو قادر أن يسند ويعين ويحول المرارة إلى عذوبة.

عبَّر الرسول عما حلْ به ومن معه هكذا:

أولاً: كانوا مكتئبين في كل شيء.

ثانيًا: متحيرين.

ثالثًا: مضطهدين [ 9 ].

رابعًا: مطرودين.

ثلاثة من هذه التعبيرات كانت تستخدم في الصراعات الأسثموس Isthmus في كورنثوس والتعبير الرابع في سباق الجري.

جاء تعبير: "مكتئب" هنا في اليونانية ليصف من يسقط في يدي خصمه الذي يصارع ضده ولا يقدر أن يقاوم، فيبدو كمن عجز تمامًا عن تكملة المعركة.

وجاء تعبير "متحير" Aporoumenoi يصف من يقف في حيرة أمام قدرة خصمه المصارع ضده ومهارته مغلوبًا على أمره ولا يعرف ماذا يفعل.

هكذا يبدو الرسول بولس كمن في حلبة المصارعة قد سقط في يدي خصمه الذي كاد أن يفتك به، ووقف مذهولاً في حيرة كمن هو بلا خبرة أمام خصم قوي ومُدرب حسنًا. مع هذا كله لم يحل به الضيق ولا سقط في اليأس، لأنه حتمًا بالمسيح يسوع يقوم ويغلب وينال إكليل النصرة.

 

 

"مضطهدين لكن غير متروكين،

مطروحين لكن غير هالكين" [ 9 ].

تعبير "مضطهد" Diookomenoi هنا يشير إلى من فاته السباق وصار في المؤخرة وعاجز عن أن يلحق بالآخرين.

تعبير "مطروح" Kataballomenoi يخص المصارع وقد سقط ملقيًا على الأرض.

إن كان قد صار في مؤخرة سباق الجري عاجز عن اللحاق بمنافسيه أو طرحه العدو المصارع أرضًا، فبالمسيح يسوع يسبق الكل، ويقوم ليغلب ويُكلل.

 

"حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع،

لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا" [ 10 ].

يتحدث الرسول عن آلامه المستمرة بكونها تطابق آلام المسيح، وكأن الرسول يشارك السيد المسيح آلامه، وأيضًا آلام المسيح يسوع تعمل في آلام المؤمنين الذين يحملون إماتة الرب يسوع في جسدهم، مقدمين مثلاً رائعًا لقبول آلام المسيح بفرحٍ واعلان قبول حياته فيهم.

من أجل الحق الإنجيلي كان الرسول يتوقع الموت مع كل لحظة من لحظات حياته. وكما أن المصارعين يحملون في أجسادهم أثار الجراحات والكدمات التي تلقوها من المنافسين ويفتخرون بها بعد نوال إكليل النصرة، هكذا يرى الرسول أثار الآلام علامة مجد، لأنها شركة مع المسيح في آلامه.

بحسب الفكر البشري يموت الرسول وتنتهي حياته، لكن إذ يعمل المسيح فيه يهبه حياة جديدة كل يوم، هي حياة المسيح العامل فيه.

 

"لأننا نحن الأحياء نسلم دائمًا للموت من أجل يسوع،

لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت"[ 11 ] .

نحن الذين في خطر الموت الدائم نحيا مقدمين حياتنا ذبيحة حب لحساب السيد المسيح الذي يتمجد فينا إذ يهبنا الحياة المقامة.

يعتقد العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح بذاته، رب الشهداء، هو الشهيد الحقيقي الذي يعمل في حياة المؤمنين به. فقد عايش عهودًا عديدة من الاضطهاد، وأعلن أن المسيح، يسمح بالآلام للشهيد، إذ هو يتألم في شهدائه. ويمنح الشهيد النصرة، ويُلبسه الإكليل، ويقبل ذلك الإكليل في ذاته. ويدرك أن الإخلاص المطلق الذي للشهيد المسيحي يحمل في ذاته قوة إقناع قادرة أن تأتي بالوثنيين إلى رؤية الحق.

"إذا الموت يعمل فينا، ولكن الحياة فيكم" [ 12 ].

يقول: "نحن الرسل في خطر مستمر، نمارس الإماتة على الدوام، كمن هم موتى، أما الشعب فيتقبلون الإنجيل الذي يهبهم الحياة السماوية الجديدة".

+ إن كنتم تصدقون أن بولس قد أُختطف إلى السماء الثالثة، وإلى الفردوس، حيث "سمع كلمات لا يُنطق بها، ولا يسوغ لإنسانٍ أن يتكلم عنها" (2 كو 2:12، 4)، فسوف تتيقنوا بالتالي أنكم ستتعرفون على أمورٍ أكثر وأعظم مما كُشف لبولس، والتي هبط بعدها من السماء الثالثة. أما أنتم فلن تهبطوا، إذا ما حملتم الصليب وتبعتم يسوع، رئيس كهنتنا، الذي اجتاز السموات (عب 14:4). إن كنتم لا ترتدون عن إتباعه، فإنكم تجتازون السموات، مرتفعين، لا فوق الأرض وأسرارها فحسب، بل وفوق السموات وأسرارها أيضًا.

العلامة أوريجينوس

"فإذ لنا روح الإيمان عينه حسب المكتوب:

آمنت لذلك تكلمت،

نحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلم أيضًا" [ 13 ].

كما كتب داود: "آمنت لذلك تكلمت" (مز ١٠:١١٦) هكذا نحن نؤمن بأننا تقبلنا تحقيق الوعود الإلهية، وصار لنا حق التمتع بالخلاص الأبدي وشركة المجد مع المسيح. هذا ما نشهد عنه ونتكلم به.

ما آمن به رجال العهد القديم خلال إعلانات الروح هو ذات إيماننا، لكن ما نرجوه هو تمتعنا نحن به لذا لاق بنا أن نشهد له.

 

"عالمين إن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضًا بيسوع،

ويحضرنا معكم" [ 14 ].

وسط هذه الآلام التي حولت حياة الرسل إلى إماتة دائمة تشرق عليهم قيامة المسيح فيتمتعون بعربون القيامة معه. لم يخفِ الرسل الموت، إذ حسبوه طريق القيامة المفرح، به يعبرون مع المسيح وبالمسيح إلى المجد.

 

"لأن جميع الأشياء هي من أجلكم،

لكي تكون النعمة وهي قد كثرت بالأكثرين

تزيد الشكر لمجد اللَّه" [ 15 ].

يقصد بجميع الأشياء هنا خبرة الألم والموت اليومي والتمتع بعربون القيامة والحياة الجديدة، كل هذه الخبرات التي يعيشها الرسل مقدمة للشعب. الألم في حياة الخدام هو الطريق الحي لكسب نفوس جديدة وبنيان المؤمنين ونموهم الروحي.

 

"لذلك لا نفشل،

بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى،

فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" [ 16 ].

لن يتسلل اليأس إلى حياتنا، لأنه من الخارج يشيخ الجسد بحواسه ويفنى خاصة خلال الآلام والتجارب، لكن النفس في الداخل التي لا يراها أحد تتجدد طبيعتها، وتتقبل النور الإلهي والحياة الجديدة، فتتمتع بالحياة المقدسة المطوِّبة وتتجدد يومًا فيومًا. بينما يشيخ الجسد تتمتع النفس بالحداثة أكثر فأكثر.

"لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًا" [ 17 ].

يرى الرسول إن الضيق يعمل لحساب تمتعه بالسماء، وأنه حتمًا سيزول لأنه وقتي. لنحرص على استغلاله، لأنه يقدم لنا ثقل مجدٍ أبديٍ. ليس من موازنة بين آلام زمنية أرضية وأمجاد خالدة أبدية سماوية. إن قورنت الآلام بكل ثقلها واستمرارها مع الزمن بالمجد المعد لنا تُحسب وقتية وهينة.

يقابل الرسول الآلام بالأمجاد، الأولى حاضرة والثانية مستقبلية، الأولى مؤقتة والثانية خالدة، الأولى خفيفة للغاية والثانية تمثل ثقلاً عظيمًا.

 

+ هكذا طريق الصالحين فوق الكل، عندما يحتملون شيئًا من أجله، غير مبالين بمظهر ما يحدث بل يفهمون العلة وراء ذلك، فيحتملون كل شيء برباطة جأش.

هكذا عرف بولس معلم الأمم السجن والمحاكمات والمخاطر اليومية، كل هذه المصاعب الكثيرة التي لا تُحتمل، كأحمالٍ هينّة. ليس لأن هذه كانت هكذا بالحقيقة في طبيعتها، وإنما بسبب ما تنتجه من ورائها من اتجاه فيه لا يعود يرجع لمواجهة هذه التهديدات التي تحل به. لتصغِ بعد هذا كله إلى قوله: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًا" [ 17 ] . فتوقع المجد المعين لنا لنواله - كما يقول - بالمتعة غير المنقطعة يجعلنا نحتمل المتاعب واحدة فواحدة بغير صعوبة، ونحسبها كلا شيء. أترون كيف أن حب اللَّه يخفف من كثافة المتاعب وينزع عنّا أي إحساس بها حين تحل بنا؟ حتمًا بسبب هذا احتمل هذا الطوباوي كل شيء برباطة جأش مستندًا على الإيمان والرجاء باللَّه.

+ كان القديس بولس من أنبل الرجال ومثالاً واضحًا لسمو الطبيعة البشرية وإمكانياتها (خلال النعمة) في الفضيلة. خلال حديثه عن شخص السيد (المسيح) وحثٌنا على الفضيلة أدان (بولس الرسول) المنادين بفساد الطبيعة البشرية، وأبكم أفواه الناطقين بالافتراءات، مؤكدًا أن الفرق بين الملائكة والبشر طفيف جدًا إن أرادوا الوصول إلى درجة الكمال.

لم تكن طبيعة بولس الرسول تختلف عن طبيعتنا؛ ولا نفسه مختلفة، ولا عاش في عالمٍ آخرٍ، بل سكن في نفس العالم والمدينة وخضع لنفس القوانين والعادات، لكنه فاق في الفضيلة كل البشر في الماضي والحاضر. الآن، أين هؤلاء المعترضون على صعوبة الفضيلة وسهولة الخطية؟ فهذا الرجل يدينهم بكلماته: "لأن خفة ضيقاتنا الوقتية تُنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدىٍ" (2 كو 17:4). فإن كانت ضيقاته محتملة وخفيفة فكم بالأحرى ضيقاتنا التي إن قارنتها بها صارت كلا شيء أو مجرد لذٌات؟

+ حجم الأخطار التي واجهها ساعدت على زيادة النقد الموجه ضده، وجعلت النقاد يتشككون أن عظمته نابعة من قوة ما خارقة... سُمح له بالتألم حتى تدرك أنت أن طبيعته كانت مثل أي شخص آخر ولكن قوة إرادته جعلته ليس فقط إنسانًا فوق العادة ولكن صار كواحدٍ من الملائكة. بمثل هذه الروح وهذا الجسد تحمل ميتات كثيرة مستخفًا بالأشياء الحاضرة والمستقبلة وجعلته ينطق بهذه الكلمات الرائعة التي ظنها الكثيرون شبه مستحيلة: " فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل اخوتي أنسبائي حسب الجسد" (رو3:9).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى،

بل إلى التي لا تُرى،

لأن التي تُرى وقتية،

وأما التي لا تُرى فأبدية" [ 18 ].

الآلام زمنية يمكن للحواس إدراكها، فالعين الطبيعية ترى ما يحل بالإنسان من ضيقات، خاصة التي تصيب الجسم، إما الأمجاد فروحية سماوية تخص شركتنا مع اللَّه غير المنظور.

 

من وحي 2 كو 4

هب لي أن استعبد نفسي،

فاقتني بالحب الكثيرين!

+ كيف يمكن للضيق أن يحطمني؟

كيف يمكن للفشل أن يطرق بابي؟

صرت يا خالق الكل عبدًا،

وبآلامك وصلبك فتحت الباب للكل.

هب لي وسط آلام أن أشاركك آلامك.

استعبد نفسي بالحب للكثيرين،

واشتهي أن اقتني بنعمتك كل نفسٍ بشرية!

+ روحك القدوس يهبني القداسة،

فأسلك بلا لوم!!

ولا يقدر للغش أن يعبر بي.

أنت الحق الحقيقي،

اقتنيك فأفكّر بالحق وانطق به وأشهد له وأحياه.

+ ليشرق نورك في داخلي،

فاعكسه على اخوتي،

حتى وإن صار مكتومًا بالنسبة للمقاومين.

عدوّ الخير يفسد أعينهم،

فيظنّوا نورك فيَّ ظلمة.

+ أتمتع ببهاء أيقونتك في أعماقي،

فأكرز لحساب ملكوتك لا لمجدي!

أنا عبد لهم ومعهم من أجلك،

لتملك في قلبي وقلوبهم.

تُقيم ملكوت النور في داخلي،

فأنعم بإنارة معرفتك.

لن يحل بي ليل الجهالة،

بل أبقى في نهار معرفتك أبديًا!

+ أنا تراب ورماد،

لم تحتقرني، بل أقمت منّي إناءً خزفيًا.

أحملك في داخلي يا أيها الكنز الفريد.

+ لأدخل بك ومعك الطريق الضيق،

لتحل الأحزان،

لكنك تحوّل أحزاني إلى أفراح لا تنقطع.

إن طرحني العدو،

تحملني بذراعيك إلى أحضان حبك.

لن تتركني أهلك!

بل تهبني عِوض الموت شركة الحياة الجديدة.

+ لأحمل الإماتة معك، فأتمتع ببهجة قيامتك،

لأمت كل يوم فأحيا بك.

اختبر مع اخوتي قوة قيامتك.

+ ليُغنّي إنساني الخارجي،

فمع كل إماتة له اختبر تجديدًا في الداخل.

ليعبر جسدي في الضيق الزمني.

سيعبر لينعم جسدي مع نفسي بشركة المجد.

المجد لك يا من رفعت قلبي إلى السماء!

المجد لك يا من حوّلتَ ضيقي إلى خبرة السماء!

ثانيا : تكملة البولس .....    2 كو 5 : 1 – 11

1 لاننا نعلم انه ان نقض بيت خيمتنا الارضي فلنا في السماوات بناء من الله بيت غير مصنوع بيد ابدي
2 فاننا في هذه ايضا نئن مشتاقين الى ان نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء
3 و ان كنا لابسين لا نوجد عراة
4 فاننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين اذ لسنا نريد ان نخلعها بل ان نلبس فوقها لكي يبتلع المائت من الحياة
5 و لكن الذي صنعنا لهذا عينه هو الله الذي اعطانا ايضا عربون الروح
6 فاذا نحن واثقون كل حين و عالمون اننا و نحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب
7 لاننا بالايمان نسلك لا بالعيان
8 فنثق و نسر بالاولى ان نتغرب عن الجسد و نستوطن عند الرب
9 لذلك نحترص ايضا مستوطنين كنا او متغربين ان نكون مرضيين عنده
10 لانه لا بد اننا جميعا نظهر امام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرا كان ام شرا
11 فاذ نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس و اما الله فقد صرنا ظاهرين له و ارجو اننا قد صرنا ظاهرين في ضمائركم ايضا


 

 

خدمة المصالحة مع السماوي

 يختم الرسول حديثه عن خدمة العهد الجديد برفع القلوب إلى العرش السماوي لكي يدخل الكل إلى حضن الآب، وجاءت دعوة خدمته كسفيرٍ للسيد المسيح: "تصالحوا مع اللَّه!"

 

بيتنا السماوي ينتظرنا

أراد الرسول إن يكشف عن السرّ الخفي الذي يدفع الخادم الحقيقي كي لا يفشل ولا ييأس وسط الضيقات اليومية بل والميتات الكثيرة. إنه يرى أبواب السماء مفتوحة وبيته غير المصنوع بيدٍ بشريةٍ ينتظره. يرى حياة جديدة فريدة نال عربونها الآن، ويتمتع بكمالها في الأبدية. يرى حضن الآب ينتظره ليستقر فيه أبديًا.

يتحدث الرسول هنا عن ما يتوقعه ويرجوه في يقين وعن الحياة المطوَّبة الأبدية التي ينعم بها في الدهر الآتي.

"لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضي،

فلنا في السموات بناء من اللَّه،

بيت غير مصنوع بيدٍ أبدي" [ 1 ]

بقوله: "نحن نعلم" يكشف عن يقين الرجاء الذي فيه أن له موضع في السماء يدعوه بيتًا، إما حياته هنا فيدعوها "خيمة" لأنها غير مستقرة. هناك يجد له بيتًا أو مسكنًا، أو موضع راحة، أو بيت أبيه أو البيت الأبدي. إنه في الأعالي قام ببنائه اللَّه نفسه أعده لمحبوبيه، لا يُقارن بأي قصرٍ في هذا العالم.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن البعض يقولون بأن المنزل الأرضي هو العالم، لكن يبدو له أنه بالأحرى يشير الرسول إلى الجسد.

يقصد بالخيمة جسم الإنسان الذي تقطن فيه النفس كما في خيمة أثناء رحلتها في برية هذا العالم حتى تدخل كنعان السماوية. حينما تنحل الخيمة أو الجسد تنطلق النفس إلى الفردوس لترى مسكنًا جديدًا اختبرت عربونه وهي في الجسد، تقيم فيه حتى يوم الرب فيلبس جسدها عدم الفساد ويعيش الإنسان بكل كيانه في السماء عينها.

ماذا يعني بالبناء من اللَّه؟ يرى البعض أن الرسول يشير هنا إلى مركبة سماوية معينة يبعث بها اللَّه إلى النفوس عند خروجها من الأجساد، والبعض يظن أنها تشير إلى قيامة الجسد، وآخرون يروا أنها إشارة إلى الحالة المطوَّبة للقديسين المتمتعين بملكوت اللَّه. جسمنا الحاضر هو خيمتنا الأرضية، جسمنا المُقام هو بيتنا السماوي.

جاء في العظة الخامسة للقديس مقاريوس أن المسيحي الحقيقي إذ صارت له شركة الروح القدس، لأنه مولود من اللَّه من فوق، قد صارت مدينته في السماوات (في 20:3)، يكشف له الروح "الخيرات الأبدية كما في مرآة". إنه يهبه سلام المسيح ومحبة الرب وشهوة السماء، وذلك خلال الآلام والعرق والتجارب والحروب الروحية الكثيرة، لكنه ينعم بهذه الأمور بنعمة اللَّه. المسيحي الحقيقي يدخل إلى خبرة مجدٍ سماويٍ خارج عن الجسد، إذ يُجرح بجمالٍ آخر (غير جسدي) لا ينطق به: "أولئك الذين تساقط عليهم ندى روح الحياة، أي ندى اللاهوت، فجرح قلوبهم بحب إلهي للمسيح الملك السماوي، وارتبطوا بذلك الجمال والمجد الفائق الوصف والحسن عديم الفساد وغنى المسيح الملك الحقيقي الأبدي، الغنى الذي يفوق الوصف".

بهذا الغنى يتدرب الإنسان على الحياة الملوكية، حتى متى جاء يوم الرب العظيم يدخل الملكوت فلا يراه غريبًا عنه، إنما عاش في عربونه وتمتع بغناه بالروح القدس وهو على الأرض.

+ يلزمنا نحن جميعًا أن نجتهد ونسعى في كل نوعٍ من الفضيلة، وأن نؤمن أننا سنقتني ذلك البيت ونمتلكه منذ الآن. لأنه إن كان بيت جسدنا يُنقض فليس لنا بيت آخر للنفس لكي تدخل فيه.

القديس مقاريوس الكبير

 

 

 

"فإننا في هذه أيضًا نئن،

مشتاقين إلى إن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء" [ 2 ]

إذ نحن في هذا الجسد نئن من الضعفات التي تحل بنا والتجارب التي تواجهنا، فنشعر أن الحياة مملوءة بالآلام والأحزان. وكأن كل ما حولنا يصرخ: "قم ارحل من هذا الجسد إذ ليس فيه راحة". حتى القديسون يشعرون أحيانًا بثقل جسد الخطية والفساد الذي يحل فيه، فيصرخون: "ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت؟" (رو ٢٤:٧).

حقًا يشعر المسيحي بأن جسده هو عطية إلهية مفرحة، والحياة هبة من قبل اللَّه، لكن تذوقه لعربون الأبدية يلهب في داخله الحنين أن يلبس جسده ثوب عدم الفساد، لكي يتهيأ للحياة السماوية.

جاءت كلمة "يلبس" بالعبرية labash لتعني ما يحيط بالجسم أو يغطيه أو يغلفه. جاء في الكتابات اليهودية أن موسى إذ دخل السحابة التحف بها كثوب، كما قيل عن الأبرار إنهم ملتحفون بالنور كثوب.

إما المسكن هنا فجاء بالعبرية "بيت" beeyt وفي ترجومOnkelos بيت الوجه هو البرقع، وبيت الأصابع هو القفاز، وبيت القدمين الحذاءان. فارتداء النفس المسكن هنا يعني التحافها بسمات معينة كالفضيلة.

يرى بعض اليهود أن للنفس ثياب في هذا العالم وفي الدهر الآتي. فاللَّه أرسل النفوس لكي تلتحف بثوب خلال دراسة الناموس والعمل الصالح. آدم بعد سقوطه تعرى إذ صار في حالة الخطية بدون ثوبٍ يستر النفس.

يرون أن الإسرائيليين نالوا ثيابًا تلتحف بها نفوسهم على جبل سيناء، لكنهم إذ عبدوا العجل المسبوك تعروا. هنا الثوب يشير إلى تمتع الإنسان بأيقونة اللَّه خلال الحياة المقدسة.

جاء في Synopsis Sohar عن الحكمة العلوية: عندما يقترب الوقت لرحيل إنسانٍ من هذا العالم ينزع ملاك الموت عنه ثوبه القابل للموت ويلبسه ثوبًا من الفردوس، فيه يرى الحكمة السامية ويتأملها. لذلك يُقال أن ملاك الموت يكون مترفقًا جدًا بالإنسان إذ ينزع عنه ثوب هذا العالم ويلبسه ثوبًا أثمن بكثير مُعد في الفردوس.

عندما يقول الرسول بأنهم يشتاقون أن يلبسوا فوقها مسكننا الذي من السماء بالتأكيد يعني بأن الذين يؤمنوا باللَّه ويسلكون بالروح قد أُعدوا للتمتع برؤية الخالق والمخلص المبهجة للغاية.

النفوس المقدسة للرب لن توجد عارية في الدهر الآتي إذ ترتدي ثياب البرّ والتسبيح والمجد، إذ غسلوا ثيابهم في دم الحمل (رؤ ١٤:٧). هذه النفوس تشعر بيقين الرجاء في هذا الثوب السماوي لذا تشتاق أن ترتديه بخروجها من العالم.

نلبس ثوب العرس الأبدي "السيد المسيح نفسه"، فلا يمكن لقوةٍ ما أن تنتزعنا عن وليمة السماء، أو تطردنا خارجًا. إذ قيل: "لما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنسانًا لم يكن لابسًا لباس العرس، فقال له: يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا، وليس عليك لباس العرس؟ فسكت، حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية" (مت 11:22-13).

يدعو القديس يوحنا الذهبي الفم هذا الثوب:

"الثوب الذي لن يمكن أن يوجد مثله".

الثوب الملوكي.

الثوب الذي بلا عيب.

الثوب اللامع والمتلألئ بالبهاء.

 

إذ يتحدث القديس إكليمنضس الإسكندري عن ثياب المسيحي، يُطالبنا أن نرتدي الثياب اللائقة بنا كمسيحيين، وهي تختلف حسب سن الإنسان وطبيعته والظروف المحيطة به. فما يليق بشخصٍ ما قد يُحسب غير لائقٍ بالنسبة لغيره. لذا وجب أن يكون لنا روح التمييز لنختار الملبس اللائق بنا. وفي نفس الوقت يليق بنا أن ندرك أن لنا ثوبًا أهم يلتزم كل المؤمنين أن يرتدوه، ألا وهو شخص السيد المسيح، وهو ثوب ملوّن، يقدم لنا مواهب متعددة تبقى زاهية لا يقدر عامل الزمن أن يفقدها جمالها.

 

"وإن كنا لابسين لا نوجد عراة" [ 3 ]

من استعد للرحيل ونال عربون المجد لن يوجد عاريًا بل ينال المجد الأبدي الذي لا يزول.

يقول الرسول: "وإن كنا لابسين لا نوجد عراةً" (2 كو 3:5). فإذ نلبس الروح، ونكون هيكلاً مقدسًا له لا يترك حتى جسدنا عاريًا بل يسكب فيه مجد المسيح يسوع القائم من الأموات، كقول الرسول: "فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحهِ الساكن فيكم" (رو 11:8)، "لكي تُظهَر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت" (2 كو 11:4)، "لكي يُبتلَع المائت من الحياة" (2 كو 4:5)...

بهذا إذ يُهدم بيت خيمتنا الأرضي أي جسدنا، لا نظهر عُراة بل يكون "لنا في السماوات بناء من اللَّه بيت غير مصنوع بيدٍ أبديّ" (2 كو 1:5)، أي يظهر مجد السيد المسيح السماوي الذي كان مخفيًا في جسدنا الضعيف. وكما يقول القديس مقاريوس الكبير [لنسعَ إذًا أن نقتني ذلك اللباس هنا بالإيمان والحياة الفاضلة، حتى حينما نخلع الجسد لا نوجد عراة ولا يحتاج جسدنا في ذلك اليوم إلى شيء يمجده، لأن كل واحدٍ بقدر ما يُحسب أهلاً لشركة الروح القدس بالإيمان والاجتهاد يتمجد جسده في ذلك اليوم، لأن كل ما خزنته النفس في داخلها في هذه الحياة الحاضرة سوف يُعلن يومئذ، ويُكشف ظاهرًا في الجسد].

هذا المجد الذي للسيد المسيح، الذي يُلبسه الروح القدس لنفوسنا في الداخل، يصير مجدنا نحن وليس عارية، لهذا نحيا في هذا العالم بالحق أغنياء في الروح، نكون كملكٍ غنيٍ حينما يدعو الآخرين للوليمة يقدم بسخاء وبلا خوف من نفاذ كنوزه الداخلية التي له، أما الفقير الذي لا يملك شيئا فانه عندما يدعو الآخرين يستعير أدوات الوليمة إلى حين ثم يعود بعد الوليمة إلى فقره من جديد: "لهذا يليق بنا أولاً أن نطلب من اللَّه باجتهاد قلب وإيمان أن يهبنا أن نجد هذا الغنى في قلوبنا، أي نجد كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته... "

 

"فإننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين،

إذ لسنا نريد إن نخلعها،

بل إن نلبس فوقها،

لكي يُبتلع المائت من الحياة" [ 4 ]

نحن الذين في الخيمة مثقلين بالضعف الجسدي والمتاعب والضيقات نئن بسبب الحمل الذي نلتزم به. وكأنه يقول بأن الحياة البشرية ككل هي حالة من التعب، خاصة بالنسبة لنا نحن الذين نُضطهد على الدوام ونحمل إماتة جسد الرب يسوع وإن كنا نختبر الحياة المقامة المتهللة في المسيح يسوع.

إننا لا نريد إن نخلع هذه الحياة وتحل ساعة رحيلنا قبل الوقت الذي يراه اللَّه مناسبًا لنا ولبنيان الكنيسة ومجد اسمه القدوس.

نريد إن نلبس فوقها إن يكون لنا الاستعداد الكامل للمجد الأبدي. لسنا نطلب الموت حتى تتحقق فينا إرادة اللَّه ويتم كل شيء بحكمته الإلهية.

بتمتعنا بعربون الخلود نتحسس بأن المائت قد أُبتلع بالحياة الأبدية. لم يعد للخطية أو الفساد سلطان علينا.

 

 

"ولكن الذي صنعنا لهذا عينه هو اللَّه،

الذي أعطانا أيضًا عربون الروح" [ 5 ]

اللَّه هو الذي وهبنا وجودنا وجسمنا، وذلك لنحيا خالدين بالجسد ويتمجد كياننا بالكامل. وهبنا الجوع والعطش إلى البرّ والخلود.

العربون هو دفع جزء من الدفعة يضمن سداد الدفعة كلها. فما ننعم به الآن من تعزيات الروح القدس والسلام الذي يفوق العقل والفرح المجيد هو عربون المجد الذي سنناله فيما بعد بالكامل.

 

"فإذا نحن واثقون كل حين،

وعالمون أننا ونحن مستوطنون في الجسد

فنحن متغربون عن الرب" [ 6 ]

إننا مدركون تمامًا ما هو نصيبنا، فقد تمتعنا بعربون الروح وصار لنا الرجاء الثابت.

جاءت الكلمات باليونانية تحمل لهجة اليقين، فإذ نحن مستوطنون في الجسد، وهو اصطلاح يحمل معنى السكنى وسط الشعب، متغربون عن الرب، أي راحلون وسط شعب غريب الجنس.

فالسماء هي بيت المؤمن الحقيقي، وسكانها هم الشعب المنتمي إليه. هكذا النفس وهي مستوطنه في الجسد بكونه بيتها فهي متغربة عن مدينتها وشعبها، إذ هي مهيأة للمجد الأبدي اللائق بها لتكون في حضرة الرب، تلتقي به وجهًا لوجه.

يتحدث الرسول بولس عن خبرة، فقد ذاق انطلاق نفسه إلى السماء الثالثة لترى ما أعده اللَّه لمحبيه، فشعر بالحق أن نفسه متغربة عن هذا العالم، رحِّالة، ترجو البلوغ إلى مكان استقرارها الأبدي.

 

"لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان" [ 7 ]

هنا نعيش بالإيمان، فنثق بكلمة اللَّه ووعوده الإلهية، ونتمتع بعربون المجد كتذوقٍ مقدم لما سنراه وجهًا لوجه بالعيان. الآن نسير بالإيمان لنتهيأ للحياة بالرؤية.

الذين يولدون بالروح من فوق يشعرون بالتغرب هنا حتى يلتقوا باللَّه أبيهم في سمائه. إنهم يغلقون أعين قلوبهم عما في العالم حتى يفتحونها في عالم المجد، حيث يتحول الإيمان إلى عيان.

 

"فنثق ونُسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد،

ونستوطن عند الرب" [ 8 ]

إذ نسلك الآن بالإيمان نشتهي أن نتمتع بما هو بالعيان، ففي وسط أتعابنا الكثيرة نثق بما نلناه من عربون الروح وبالمواعيد الإلهية مشتهين إن نخرج من الجسد ونتغرب عنه إلى حين لنتمتع بالمجد الذي ننعم به ونراه.

 

"لذلك نحترس أيضًا،

مستوطنين كنا أو متغربين،

أن نكون مرضيين عنده" [ 9 ]

على أي الأحوال سواء كنا لانزال في الجسد أو في طريقنا السريع لخلق ما يشغلنا فما نحرص عليه وما نجاهد من أجله هو سرور اللَّه بنا. جاءت كلمة "نحترس" philotimoumetha تعني كلمة محبة الكرامة، ومحبة المجد الأبدي أو الطموح في نواله، فإننا لا نكف عن أن ندرس ونجاهد عاملين لكي نحب ذاك الذي وهبنا الوجود وسيهبنا الأمجاد الأبدية ونرضيه ونخدمه. هكذا سواء كنا أحياء أو منتقلين ما يشغلنا وما نطمح فيه هو أن نكون موضع رضا اللَّه.

"لأنه لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح،

لينال كل واحدٍ ما كان بالجسد،

بحسب ما صنع،

خيرًا كان أم شرًا" [ 10 ]

سرّ شهوة قلب المؤمن أن يكون موضع رضا اللَّه هو ترقبه للظهور أمام العرش الإلهي للدينونة، فيتمتع بعمل النعمة التي سندته وبررته، فينال حسب ما صنعه وهو في الجسد. فما يمارسه الإنسان في العالم الحاضر وهو في الجسد ينال ثمره بفيضٍ في يوم الرب العظيم.

استخدم القديس كيرلس الكبير هذه الآية للرد على القائلين بأن الجسد أُعطيَ للنفس كعقوبةٍ.

 

تصالحوا مع اللَّه

"فإذ نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس،

وأما اللَّه فقد صرنا ظاهرين له،

وأرجو أننا قد صرنا ظاهرين في ضمائركم أيضًا" [ 11 ]

إذ نتمتع بمخافة الرب ونترقب يومه العظيم نقنع الناس أن يقبلوا الإيمان بذاك القادر أن يبررهم ويقدسهم ويمجدهم في ذلك اليوم.

مخافة الرب التي هي رأس الحكمة تدفعنا للشهادة للَّه والاهتمام بخلاص البشر، ليس إرضاءً للناس ولا لنوال مكافأة منهم، وإنما إرضاء لذاك الذي يفحص قلوبنا ويعرف نياتنا الداخلية. وإذ نسعى هكذا باستقامة قلب نرجو إن يتكشف ذلك أمام ضمائر الناس الداخلية فيتمثلوا بنا ويجاهدوا معنا.

+ [يجب أن نغرس الفضيلة في نفوسنا من الداخل على أن لا نهمل أن يكون منظرنا الخارجي حسنًا فيلزم أن نعتني بما هو شريف أمام اللَّه والناس (2 كو 11:5)].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

+         +         +

الأبركسيس أعمال 20 : 17 – 38

17 و من ميليتس ارسل الى افسس و استدعى قسوس الكنيسة
18 فلما جاءوا اليه قال لهم انتم تعلمون من اول يوم دخلت اسيا كيف كنت معكم كل الزمان
19 اخدم الرب بكل تواضع و دموع كثيرة و بتجارب اصابتني بمكايد اليهود
20 كيف لم اؤخر شيئا من الفوائد الا و اخبرتكم و علمتكم به جهرا و في كل بيت
21 شاهدا لليهود و اليونانيين بالتوبة الى الله و الايمان الذي بربنا يسوع المسيح
22 و الان ها انا اذهب الى اورشليم مقيدا بالروح لا اعلم ماذا يصادفني هناك
23 غير ان الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلا ان وثقا و شدائد تنتظرني
24 و لكنني لست احتسب لشيء و لا نفسي ثمينة عندي حتى اتمم بفرح سعيي و الخدمة التي اخذتها من الرب يسوع لاشهد ببشارة نعمة الله
25 و الان ها انا اعلم انكم لا ترون وجهي ايضا انتم جميعا الذين مررت بينكم كارزا بملكوت الله
26 لذلك اشهدكم اليوم هذا اني بريء من دم الجميع
27 لاني لم اؤخر ان اخبركم بكل مشورة الله
28 احترزوا اذا لانفسكم و لجميع الرعية التي اقامكم الروح القدس فيها اساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه
29 لاني اعلم هذا انه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية
30 و منكم انتم سيقوم رجال يتكلمون بامور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم
31 لذلك اسهروا متذكرين اني ثلاث سنين ليلا و نهارا لم افتر عن ان انذر بدموع كل واحد
32 و الان استودعكم يا اخوتي لله و لكلمة نعمته القادرة ان تبنيكم و تعطيكم ميراثا مع جميع المقدسين
33 فضة او ذهب او لباس احد لم اشته
34 انتم تعلمون ان حاجاتي و حاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان
35 في كل شيء اريتكم انه هكذا ينبغي انكم تتعبون و تعضدون الضعفاء متذكرين كلمات الرب يسوع انه قال مغبوط هو العطاء اكثر من الاخذ
36 و لما قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم و صلى
37 و كان بكاء عظيم من الجميع و وقعوا على عنق بولس يقبلونه
38 متوجعين و لا سيما من الكلمة التي قالها انهم لن يروا وجهه ايضا ثم شيعوه الى السفينة

 

"ومن ميليتس أرسل إلى أفسس واستدعى قسوس الكنيسة". [17]

استدعى الرسول بولس وجهاء اليهود بروما ليوضح لهم الموقف أنه لم يأت إلى روما ليشتكي أمته أو رؤساء الكهنة أو مجمع السنهدرين (أع 28: 17-19)، حتى لا يظنوا فيه أنه خائن لبلده أو دينه. واستدعى قسوس كنائس أفسس، وقد قطعوا رحلة لا تقل عن 20 ميلاً ليذكرهم برسالتهم الرعوية: "لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أع 20: 28)، مقدمًا نفسه مثلاً عمليًا في الرعاية.

 

"فلما جاءوا إليه قال لهم:

أنتم تعلمون من أول يوم دخلت آسيا،

كيف كنت معكم كل الزمان". [18]

جاء حديثه يحمل روح الأبوة الحانية، يكشف لهم عن حياته وتعاليمه. يذكرهم بكيفية سلوكه حين كان في وسطهم. فقد عاش بينهم لمدة ثلاث سنوات (أع 20: 30)، وحتمًا لمسوا فيه حياته التي كرسها للإنجيل، وإيمانه الحي وإخلاصه في محبته لله ولهم. ليس من شهادة عن قدسية حياتهم سوى احتكاكهم معه عمليًا، واحتكاك البلاد القريبة منهم (في آسيا) معه.

"كل الزمان"، لم يسلك في وقتٍ ما بطريقة، ووقت آخر بطريقة أخرى، إنما كل زمان حياته تشع ببهاء عمل الله فيه.

"اخدم الرب بكل تواضع ودموع كثيرة،

وبتجارب أصابتني بمكايد اليهود". [19]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول في خطابه هذا لقسوس الكنيسة يستعرض أمرين هامين: الحب والثبات أو الجلدْ. وأن ما قدمه لم يكن بروح الافتخار، وإنما لكي يعلم الكهنة أن يتمثلوا به في خدمته.

أسلوبه في الخدمة أنه يخدم الرب لا الناس، ما يشغله هو مجد الله وبنيان كنيسته وتأسيس ملكوته في قلب كل إنسان. لا يداهن ولا يجامل على حساب خلاص النفوس، وفي نفس الوقت لا يخدم في اعتدادٍ بنفسه، بل يخدم "بكل تواضعٍ ودموعٍ كثيرةٍ وبتجاربٍ". إنه يشارك سيده تواضعه واحتماله التجارب والآلام من أجل محبته للبشرية.

كثيرًا ما يشير الرسول إلى حنو قلبه الذي يعبر عنه بغزارة دموعه من أجل الكثيرين (في 3: 18).

أينما وًجد كان كثير من اليهود يخططون بمكائد لقتله بوسيلة أو أخرى. وقد جاء سفر الأعمال يقدم أمثلة لمقاومة اليهود له، ومحاولة قتله مرات ومرات.

"كيف لم أؤخر شيئًا من الفوائد إلا وأخبرتكم،

وعلمتكم به جهرًا،

وفي كل بيت". [20]

لم يكف عن أن يقدم كل ما فيه نفع لهم، فهو مخلص في محبته وسعيه لسعادتهم في الرب، والتمتع بالمجد الداخلي. لم يخدم عن تعصبٍ، ولا عن زيادة عدد، ولا لافتخارٍ بالنجاح، وإنما في أبوة يطلب ما هو لبنيان بنيه. هذا هو غاية الإنجيل، فالكتاب كله نافع (2 تي 3: 16).

"أخبرتكم"، جاءت الكلمة اليونانية لتعني إعلانها في اجتماعات عامة أو بطريقة علنية، فما يكرز به في الاجتماعات يعلنه في كل بيت.

في زيارته لكل بيت ليس له غاية سوى نشر كلمة الله. العجيب أنه كان وهو رسول الأمم على مستوى العالم، يتنقل من دولة إلى دولة، ومن مدينة إلى مدينة، فإنه أينما أتيحت له الفرصة يفتقد البيوت، لا للمجاملات ولا للأحاديث عن أخبار العالم أو حتى أخبار الكنيسة إداريًا، بل نشر كلمة الخلاص. بهذا استطاع القول: "إني برئ من دم الجميع" [26].

"شاهدًا لليهود واليونانيين بالتوبة إلى اللَّه،

والإيمان الذي بربنا يسوع المسيح". [21]

أمران يشغلان فكر الرسول بولس وقلبه، وهما التوبة والإيمان. فيشهد بإيمانه بالسيد المسيح أمام كل يهودي أو أممي (يوناني)، أي أمام كل البشرية، أما عن التوبة فهي العودة "إلى الله" لأن الخطية في الواقع موجهة ضد الله القدوس الذي بلا خطية فتسحب الإنسان من الحضرة الإلهية، وتحرمه من القادر وحده على مغفرة الخطايا.

"والآن ها أنا أذهب إلى أورشليم مقيدًا بالروح،

لا أعلم ماذا يصادفني هناك". [22]

كان الرسول بولس ذاهبًا إلى أورشليم حسب التدبير الإلهي، لذا يقول: "مقيدًا بالروح"، فمع معرفته بأن شدائد وضيقات تنتظره، لكنه لا يعلم ما هي، إلا أنه يذهب بتوجيه الروح القدس له. فهو لا يُلقي بنفسه وسط التجارب بإرادته الذاتية أو عن اعتداد بذاته أو بحكمته أو قدرته. ولم يذهب شوقًا لرؤية مدينة آبائه، أورشليم، ولا للعبادة في الهيكل اليهودي، إنما كمن يقيده الروح، ويسحبه إلى أورشليم، وفي مسرة يسلك حسب توجيه الروح القدس له، مهما تكن النتائج.

إنه منطلق من آسيا ليس هروبًا من التجارب والمتاعب التي أثارها الكثيرون، إنما هو عابر إلى طريق مملوء أيضًا بالتجارب، يدخل إلى معركة أعنف وأشد.

ذهابه إلى أورشليم ليس مقيدًا بالجسد، فإنه ليس له أي احتياج جسدي للذهاب، لكنه مقيد بروح الرب.

كل ما يعرفه أن عواصف شديدة سيجتازها في أورشليم، لكن رب العالم كله حاضر، قادر أن يحول العواصف لمجد اسمه وبنيان الكنيسة.

"غير أن الروح القدس يشهد في كل مدينة قائلاً:

أن وُثقًا وشدائد تنتظرني". [23]

يشهد الروح القدس سواء بالإعلان المباشر له أو نبوات التي يسمعها من أناسٍ لهم موهبة النبوة كما جاء في أع 21: 11، أنه سيقيد ويدخل في شدائد لا يعلم تفاصيلها، وقد أعلن الروح هذا لا في مدينة واحدة، بل في مدن كثيرة.

"ولكنني لست احتسب لشيء،

ولا نفسي ثمينة عندي،

حتى أُتمّم بفرح سعيي،

والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع،

لأشهد ببشارة نعمة اللَّه". [24]

ليس شيء من كل هذه الشدائد يمكن أن تنزع عن الرسول بولس فرحه الذي يرافقه عبر كل جهاده، حاسبًا أن حياته الزمنية بلا قيمة. يقدمها ذبيحة حب لله. كل ما يشغله أن يحقق هدفه، ويتمم خدمته التى تسلمها من الرب نفسه (غل1: 12) شاهدًا ببشارة نعمة الله.

يحسب الرسول نفسه في كمن في سباق جري (2 تي4: 7؛ عب 12: 1؛1 كو 9: 24؛ أع 13: 25). ما يشغله في جهاده أن يحتفظ بفرحه في الرب حتى آخر نسمة من نسمات حياته، " أتمم بفرحٍ سعيي".

هنا يكشف لهم الرسول بولس عن نظرته للخدمة:

1. لا قيمة للحياة الزمنية أمام بلوغ الإنسان هدفه نحو خلاص نفسه وخلاص إخوته.

2. الخدمة سباق، لا يتوقف الخادم عن الركوض حتى يتسلم من يد الرب إكليل النصرة.

3. يتسم الخادم بالفرح الدائم وسط جهاده، حتى في مواجهته للموت.

4. إدراك أن الخدمة هي دعوة من الله شخصيًا.

5. عمل الخادم الشهادة المفرحة بنعمة الله التي تعمل بسخاء.

 

 

"والآن ها أنا أعلم أنكم لا ترون وجهي أيضًا،

أنتم جميعًا الذين مررت بينكم كارزًا بملكوت اللَّه". [25]

أعلن الرسول بولس أن هذا اللقاء هو لقاء وداعي، فإنهم لن يروا وجهه بعد في هذا العالم. لن يعود إلى أفسس، إنما ستلحق به المخاطر في أورشليم، وتنتظره الشدائد، وسيذهب إلى روما، وأيضًا إلى مدن أخرى مثل أسبانيا.

يصعب التعبير عن مشاعر الرسول وهو يودعهم مدركًا أنه لا يراهم بعد، لكن ما يشغله أنه كرز بينهم بملكوت الله الذي يضم الجميع، ولا يقدر الموت أن يفصل بينهم.

"لذلك أُشهدكم اليوم هذا أني بريء من دم الجميع". [26]

يشهد الرسول بولس أنه كان مخلصًا في خدمته لهم، ولم يقصر في حق أحدٍ منهم، بل ويأخذهم هم أنفسهم شهودًا في يوم الدينونة على أمانته وإخلاصه. فإن هلك أحد منهم، فهو بريء أمام الله.

"برئ من دم الجميع": يشير الدم هنا إلى الهلاك الأبدي الذي أشبه بسفك الدم، والموت البشع، فلا لوم عليه. إنه بريء من هلاك أي يهودي أو أممي. فليس من خطأ أو إهمال من جانبه.

1. "إني بريء من دم الجميع". هذا القول يناسب بولس ويليق به، لكننا لسنا نجسر نحن أن نقوله إذ ندرك أخطاءنا الكثيرة. فبالنسبة له هذا الدائم السهر، مستعد دائمًا، يحتمل كل شيء من أجل خلاص تلاميذه، لهذا فالقول هنا لائق ومناسب له. أما نحن فنقول مع موسى: "الرب غضب عليّ بسببكم" (تث 3: 26)، لأنكم تقودونا في خطايا كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأني لم أؤخر أن أخبركم بكل مشورة اللَّه". [27]

لم يمتنع عن تقديم مشورة الله وإرادته التي تطلب خلاص الجميع. لم يعقه خوف من أحدٍ، ولا مداهنة لأحدٍ. كان الإنجيل بالنسبة له مفتوحًا، يقدمه كما هو للجميع، لا يخشى الاضطهادات، ولا يطلب أمجاد زمنية وكرامات. لم يخفِ شيئًا من الحق، بل قدمه بكل صراحة بغير تزييف، في بساطة ووضوح دون فلسفة بشرية.

يقدم الرسول نفسه مثلاً كخادمٍ للسيد المسيح أنه لا يتوقف عن التعليم.

 

"احترزوا إذا لأنفسكم ولجميع الرعية،

التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة،

لترعوا كنيسة اللَّه التي اقتناها بدمه". [28]

يحذرهم الرسول من المخاطر التي سيتعرضون لها مما قد تسبب لهم ولرعية لمسيح دمارًا.

"لأنفسكم": فالخادم حتى الأسقف يلزمهم أن يكون حذرًا على خلاص نفسه (كو 4: 17؛ 1 تي 4: 14). يتعرض الأسقف للتجارب أكثر من الشعب، لأن عدو الخير يبذل كل الجهد ليدمره فيدمر الرعية.

"ولجميع الرعية": الأسقف ملتزم بكل نفسٍ، يعطي عنها حسابًا أمام الله. لا يكف عن أن ينصح ويعلم ويقود ويحمى كل إنسان من ضربات العدو القاتلة. لا يطلب الراعي ما لنفسه، أي ما هو لحياته الزمنية، بل يبذل ذاته عن الخراف، مقتديًا بالراعي الصالح.

لئلا يضطرب الأساقفة، لأنه من يقدر أن يخدم كل فرد في الرعية أكد لهم أن الروح القدس هو الذي أقامهم، وأن الكنيسة هو كنيسة الله الآب، وأن الابن المتجسد اقتناها بدمه. فالثالوث القدوس، الله القدير محب البشر، هو سند للراعي الجاد في حبه والمخلص في خدمته.

لقد دعاهم الله وأقامهم الروح القدس للخدمة والرعاية. هذا الفكر "دعوة الله للناس" كان يشغل قلب الرسول بولس، لم يفارقه. يرى العلامة أوريجينوس أن كل مؤمن يلزمه أن ينشغل بدعوة الله في دورٍ خاص به لبنيان الكنيسة. [يُقال أن بولس مدعو رسولاً، وأهل رومية مدعون، وإن كانوا ليسوا رسلاً. بالأحرى مدعوون أن يكونوا قديسين في الطاعة للإيمان. وقد تحدثنا فعلاً عن أنواعٍ مختلفة للدعوة.]

"أساقفة": في هذا الحديث يدعوهم تارة شيوخًا وأخرى قسوسًا (كهنة)، ثم اساقفة. فمن جهة السن هم شيوخ، ومن جهة دورهم للعمل هم كهنة العلي، ومن جهة الرتبة "أساقفة".

جاء تعبير "كنيسة الله" هنا في كثير من المخطوطات، خاصة السريانية "كنيسة الرب"، فقد اشتراها الرب بثمنٍ (1 كو 6: 20؛ 7: 23؛ 2 بط 2: 1).

 "لأني أعلم هذا،

أنه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعيّة". [29]

يتنبأ القديس بولس عن ظهور معلمين كذبة، أشبه بالذئاب الخاطفة التي لا تبالي بالخراف، بل تفترس وتُهلك، إذ يطلب المعلمون كرامتهم الزمنية، ويتشبثون بإرادتهم الذاتية. كل ما كان يشغل الكثيرين منهم هو "المباحثة"، لا لبلوغ الحق، وإنما لحب الجدال في ذاته.

 

"ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلّمون بأمور ملتوية،

ليجتذبوا التلاميذ وراءهم. [30]

الخطر الذي يصدر من الداخل أمرْ بكثير من الذي يأتي من الخارج، خاصة أن صدر عن معلمين أو خدام داخل الكنيسة. ذكر الرسل أسماء لأشخاص أسأوا إلى كنيسة الله من الداخل، مثل ديوتريفوس (3 يو 9)، فيجيلوس أو هيرموجينس (2 تي 1: 15)، وهيمينيس والكسندر (1 تي 1: 20). هؤلاء الذين بسبب الطمع أو حب الكرامة كوَّنوا تحزبات داخل الكنيسة سببت انشقاقات وتشويشًا. فالكنيسة لا ترهب العدو الخارجي إذا لم يوجد أعداء مقاومون في داخلها. كل إمكانيات المضطهدين وخططهم ومقاومتهم تُحسب كلا شيء مادام الداخل مقدسًا في الرب.

"لذلك اسهروا، متذكّرين أني ثلاث سنين ليلاً ونهارًا،

لم افتر عن أن انذر بدموع كل واحد". [31]

لم يكف الرسول بولس عن دعوة الأساقفة وكل الخدام كما الشعب للسهر، وكما يكتب إلى أهل تسالونيكي: "لا ننم إذا كالباقين بل لنسهر ونصح، لأن الذين ينامون فبالليل ينامون، والذين يسكرون فبالليل يسكرون، وأما نحن الذين من نهارٍ، فلنصحُ، لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هي رجاء الخلاص" (1 تس 6:5-8),

 

 

 

إن كان الرسول لم يكف عن أن ينذر كل واحدٍ بدموعٍ طوال الثلاث سنوات، فكم يليق بكل واحدٍ منهم أن يسهر على خلاص نفسه بجدية.

لقد قضى في أفسس ثلاث سنوات، منها سنتان في مدرسة تيرانس (أع 19: 10)، وثلاثة شهور يعلم في المجمع أفسس (أع19: 8)؛ وبقية المدة في أماكن أخرى. وربما يقصد بالثلاث السنوات، حسب عادة اليهود أن أي جزء من السنة يعتبر كأنه سنة كاملة.

 

"والآن استودعكم يا اخوتي للَّه،

ولكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم،

وتعطيكم ميراثًا مع جميع المقدسين". [32]

إذ لم تعد هناك فرصة للقاء آخر معهم سلم حياتهم في يدي الله وتحت حمايته ورعايته، ولكلمة نعمته، أي لوعود الله الصادقة المجانية، لا لحفظهم من التجارب والضيقات فحسب، وإنما لبنيانهم وتهيئتهم للميراث الأبدي في شركة مع القديسين. ما يشغل ذهن الرسول بولس على الدوام الميراث المُعد للقديسين (مت 19: 29؛ 25: 34؛ مر 10: 17؛ عب 6: 12؛ رؤ 21: 7؛ أف 1: 11؛ 8:5؛ كو 1: 12؛ 3: 24؛ رو 8: 17؛ غل 3: 29).

 

"فضة أو ذهب أو لباس أحدٍ لم اشتهِ". [33]

بعد أن أوصاهم بخصوص الاهتمام بخلاصهم وخلاص الرعية، كاشفا عن حنو ورعايته طوال مدة إقامته في أفسس، وبعد أن حذرهم من المعلمين الكذبة، الآن يقدم نفسه مثلاً عمليًا من جهة عدم طمعه في شيء مما لهم. فإنه لم يطلب ما لنفسه بل ما هو لهم (2 كو 12: 14). فمن حقه كخادم للإنجيل ان يأكل من الإنجيل، وبكونه يقدم الروحيات أن يأخذ احتياجاته الزمنية (1 كو 9: 13-14)، لكنه لم يطلب شيئًا من هذا، ولا اشتهاه في داخله.

لم يطلب حتى اللباس مكتفيًا بما يرتديه. لم يقل الرسول أنه لم يأخذ فضة أو ذهب أو لباس، إذ أخذ أحيانا للضرورة، كما جمع للفقراء في أورشليم، لكنه لم يشتهِ شيئًا من هذا، فقد تجنب محبة المال التي هي أصل الشرور.

 

"أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي،

خدمتها هاتان اليدان". [34]

في كورنثوس عاش مع أبولس وعمل معه، وكان يعول نفسه بعمل يديه (1 كو 4: 12؛ 1 تس 2: 9؛ 2 تس 3: 8).

 

"في كل شيء أريتكم أنه هكذا ينبغي أنكم تتعبون،

وتعضدون الضعفاء،

متذكرين كلمات الرب يسوع،

أنه قال: مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ". [35]

قدم حياته درسًا عمليًا في التعب بعمل اليدين، لا لإشباع احتياجاته فحسب، بل ولكي ينفق على من معه، وعلى الضعفاء المحتاجين. وكان قانون حياته كلمات السيد المسيح: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ".

 

وداع حار مؤثر

"ولمّا قال هذا،

جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلّى". [36]

جثا على ركبتيه معهم وصلى، ليودعهم في يد الله، لكي لا تفارقهم الحضرة الإلهية. لم يصلِ فقط من أجلهم بل وصلى معهم، ليقدم الكل صلاة جماعية، إنها صلاة وداعية جاءت بعد الحديث الوداعي، لكي تبقى البصمات الأخيرة في ذهنهم، أنه لا طريق للنجاة إلا بالصلاة.

اعتاد الرسول بولس أن يصلي جاثيًا على ركبتيه (أف 3: 14). فالركوع يحمل روح التواضع والخشوع أمام الله (2 أي 6: 13؛ دا 6: 10؛ لو22: 41؛ أع7: 60؛ 9: 40؛ 21: 5؛ رو11: 4؛ في2: 10؛ أف3: 14؛ مر1: 40).

نرى صورة حية لطقس الوداع: "ولما قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلى" [36].

"وكان بكاء عظيم من الجميع

ووقعوا على عنق بولس يقبلونه". [37]

تركهم والدموع منهارة بغزارة منهم، ولعله لم يستطع بولس صاحب القلب الرقيق أن يحبس دموعه وهو يلقي نظراته الأخيرة على محبوبيه، فانهار الكل أمام محبته الحانية، وارتمى الكل على عنقه يقبله. لم تستطع الكلمات أن تعبر عن شكرهم له على كل جهوده ومحبته لهم، فتحدثوا بلغة الدموع والقبلات المقدسة.

يحدثنا القديس أغسطينوس عن حياتنا على الأرض بكونها زمن تسميد الأرض حتى تقدم ثمارًا كثيرة، هذا التسميد هو ممارسة التوبة في حزن على خطايانا ورجاء في التمتع ببهجة الثمار. [شكرا لله! فإن التسميد في موقع مناسب، فإنه ليس بلا ثمرة، بل يجلب ثمرًا. هذا هو وقت الحزن المفرح حقًا، لكي نبكي على حال موتنا، وكثرة تجاربنا، وهجمات الخطاة الخفية، والاصطدام مع الشهوات، والصراع مع الأهواء الثائرة ضد الأفكار الصالحة. من أجل هذا ولنحزن. لنحزن على حالنا هذا.]

 

"متوجّعين ولا سيما من الكلمة التي قالها،

أنهم لن يروا وجهه أيضًا،

ثم شيّعوه إلى السفينة". [38]

يا لها من لحظات رهيبة وهم يتطلعون إلى الوجه الذي يحمل كل سمات المحبة الصادقة، يعكس حب الله لهم، وقد أدركوا أنها آخر لحظات لرؤيته.

"شيعوه إلى السفينة" وهم يرونه كمن ينطلق من بينهم إلى السماء، لن يروه بعد إلا مع رب المجد يسوع حين يأتي على السحاب، ليضم كنيسته إليه، وينطلق بها إلى حضن الآب.

يقدم لنا الإنجيلي لوقا كشاهد عيان وصفًا رائعًا لمشاعر الجماهير وهي تودع الرسول بولس.

من وحي أع 20

هب لي أن أكون أميناً إلى النهاية

+ ماذا فعلت المكائد برسولك العجيب,

زكته أمامك,

وفاحت رائحتك الذكية فيه!

+ لم تشغله الضيقات عن الخدمة غير المنقطعة.

يحَّول الليل إلى نهار بكرازته الجذابة.

مشتاقاً أن يصير الكل أبناء نور وأبناء نهار.

ليس بينهم ابن لليل والظلمة.

ولا يكون للظلمة موضع في قلب البشر!

+ سقط أفتيخوس الشاب من الطاقة وحملوه ميتاً!

سقط عليه بولس، فوهبه الله الحياة.

آمن الرسول أنك تقيم النفوس من موتها وفسادها,

فهل يصعب عليك أن تقيم الأجساد؟

+ سقط الشاب من الطاقة فمات,

وسقط الإنسان من الحياة الفردوسية, ففقد حياته الأبدية.

نزلت إليه واحتضنته,

حملته معك إلى عرشك السماوي!

+ في ميليتس قدم رسولك خطابه الوداعي،

حقاً بكل جرأة تحدث مع الأساقفة والكهنة.

فقد عاش أميناً حتى النهاية.

بانسحاقٍ ودموعٍ قضى حياته كخادمٍ لك.

رافق شعبه مستعبدًا نفسه لهم.

لم يستنكف من أن يكون عبدًا,

لأولئك الذين من أجلهم صرت أنت عبدًا.

+ كيف لا تنهمر الدموع من عينيه,

وهو يراك في البستان نفسك حزينة حتى الموت من أجل كل إنسان؟

+ تمتع بك يا أيها الحق الإلهي,

فلم يصمت عن أن يعلم بلا انقطاع,

لكي يدخل بكل نفسك إليك.

+ في كل بيت يدخله لا يشغله سوى كلمتك.

صار كل موضع بالنسبة له منبرًا.

يقف ليكرز بالتوبة دون ملل.

يحث على الإيمان بك ليتمتع الكل بشركة أمجادك.

قدم نفسه رخيصة من أجل الكرازة بإنجيلك.

ووجد في الميتات الكثيرة عذوبة الحياة معك.

+ أعلن براءته من دم الجميع,

إذ تحولت حياته كلها إلى عظة عملية لا تتوقف.

حذر شعبك من كل معلم كاذب, ونبي مخادع,

حتى يتمتع الكل برعايتك الإلهية.

+ أعلن براءته إذ لم يشته شيئًا عوض خدمته.

لم يعمل كأجير يطلب أجرة,

فهو ابنك يا صاحب الكرم,

تبنيته بنعمتك، ليتمتع بشركة الميراث معك!

+ أخيرًا يا له من وداعٍ فريدٍ!

فقد تفجرت منه ومن الخدام ينابيع الحب العميقة.

ركع الكل معًا للصلاة,

يشكرونك يا أيها الراعي الصالح,

إذ وهبتهم الحب الذي لا ينهزم.

+ بقبلات مقدسة انصرفوا جسديًا,

لكي يلتقوا معاً في الفردوس,

وينضموا مع كل مؤمنيك يوم مجيئك على السحاب.

وتزفهم الطغمات السمائية كعروس طاهرة عفيفة لك.

 

+        +         + 

إنجيل القداس ... يو حنا 10 : 1 – 16

1 الحق الحق اقول لكم ان الذي لا يدخل من الباب الى حظيرة الخراف بل يطلع من موضع اخر فذاك سارق و لص
2 و اما الذي يدخل من الباب فهو راعي الخراف
3 لهذا يفتح البواب و الخراف تسمع صوته فيدعو خرافه الخاصة باسماء و يخرجها
4 و متى اخرج خرافه الخاصة يذهب امامها و الخراف تتبعه لانها تعرف صوته
5 و اما الغريب فلا تتبعه بل تهرب منه لانها لا تعرف صوت الغرباء
6 هذا المثل قاله لهم يسوع و اما هم فلم يفهموا ما هو الذي كان يكلمهم به
7 فقال لهم يسوع ايضا الحق الحق اقول لكم اني انا باب الخراف
8 جميع الذين اتوا قبلي هم سراق و لصوص و لكن الخراف لم تسمع لهم
9 انا هو الباب ان دخل بي احد فيخلص و يدخل و يخرج و يجد مرعى
10 السارق لا ياتي الا ليسرق و يذبح و يهلك و اما انا فقد اتيت لتكون لهم حياة و ليكون لهم افضل
11 انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف
12 و اما الذي هو اجير و ليس راعيا الذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلا و يترك الخراف و يهرب فيخطف الذئب الخراف و يبددها
13 و الاجير يهرب لانه اجير و لا يبالي بالخراف
14 اما انا فاني الراعي الصالح و اعرف خاصتي و خاصتي تعرفني
15 كما ان الاب يعرفني و انا اعرف الاب و انا اضع نفسي عن الخراف
16 و لي خراف اخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي ان اتي بتلك ايضا فتسمع صوتي و تكون رعية واحدة و راع واحد    

 

الراعي الصالح

جاء حديث السيد المسيح عن الراعي الصالح بعد تفتيح عيني المولود أعمى، حيث ظهر الفارق واضحًا بين الراعي المهتم بخرافه وبين الأجراء؛ أي بين السيد المسيح الذي يشتاق إلى خلاص البشرية والفريسيين الذين يهمتمون بكرامتهم الذاتية وسلطانهم ومكاسبهم.

في الأصحاح السابق يود السيد المسيح أن يهب كل نفس نعمة البصيرة لكي تتعرف على الحق. وما هو الحق إلا إدراك أن كلمة اللَّه المتجسد هو الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف. يُعتبر هذا الاصحاح امتدادًا لحوار السيد المسيح مع الفريسيين في نهاية الاصحاح السابق. فقد أخذ الفريسيون موقفًا معاديًا له، على أساس أنهم المعلمون ورعاة كنيسة الله، وأن لا موضع ليسوع كاسر الناموس بينهم، مطالبين الشعب ألا يلتصقوا به، لأنه ليس من عند الله. جاء الحديث هنا يكشف عن ثلاثة فئات: فئة الرعاة الحقيقيين، الخدام الأجراء، اللصوص الذين يتخفون في زي رعاة.

مسيحنا مشبع كل احتياجاتنا

طُرد اليهود الذين آمنوا بالسيد المسيح من المجمع، ولم يعد لهم حق الدخول إلى الهيكل، ولا ممارسة العبادة اليهودية، ولا الطقوس الخاصة بالتطهيرات والأعياد الخ. فجاء هذا السفر يعلن أن يسوع المسيح يشبع كل احتياجاتهم، فيه كل الكفاية، فقد قد احتل موقع كل المؤسسات اليهودية وكل الامتيازات الخاصة بهم، ولكن بصورة فائقة إلهية.

1 - الراعي الصالح

في هذا المثل تظهر اليهودية كقطيع (1)، والسيد المسيح هو الراعي الصالح الذي يأتي من الباب المعين (خلال باب النبوات) إلى القطيع. والروح القدس يفتح له الباب، ويتجاوب القطيع الحقيقي معه، حيث تشفى أعينهم ويعاينوا الراعي. يخرج بهم الراعي عن حرفية الناموس (3) وعن الارتداد وعدم الإيمان، بينما يرفض الحرفيون الراعي الصالح (4، 5).

نرى في هذا المثل الآتي:

أ - السيد المسيح وليس الناموس هو باب القطيع، الباب الجديد (7).

ب - كل القيادات اليهودية الحرفية الرافضة للمسيح هم لصوص (8).

ج - المسيح وحده هو المخلص، السيد، معطي ذاته (9، 10).

د - المسيح هو ذبيحة الحب يموت عن قطيعه (11-15).

ه - للراعي الصالح قطيع آخر من الأمم يضمه إلى المؤمنين من اليهود، ويقيم منهم جميعًا قطيعًا واحدًا هو كنيسة المسيح (16، 1 كو 13:12، أف 4:4-6)

و- يتفاعل هذا القطيع الواحد مع ذبيحـة المسيح الفريدة ومـوته الاختياري (17، 18). أما عدم الإيمان فيعجز عن تقديم أي شيء سوى الارتباك والتجديف الشرير.

 

"الحق الحق أقول لكم

إن الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف،

بل يطلع من موضع آخر،

فذاك سارق ولص". (1)

تلجأ الخراف إلى حظيرة الخراف ليلاً، غالبًا ما تكون ملاصقة لبيت الراعي. للحظيرة باب واحد يحرسه البواب. لهذا من أراد السرقة يلجأ إلى التسلل عن طريق الوثب من حائط الحظيرة.

يشبه السيد المسيح نفسه براعي الخراف المهتم بقطيعه، والكنيسة في العالم أشبه بمرعى، حيث تضم في داخلها الخراف المشتتة في العالم (يو ١١: ٥٢)، ليتحدوا معه كقطيعٍ مقدسٍ يرعاه الراعي القدوس، هذا الذي يحتضنه فيكون لهم سور نارٍ لحمايتهم (زك ٢: ٥). أما استخدام قطيع الخراف كرمزٍ لكنيسة المسيح، ذلك لما اتسمت به الخراف من وداعة وهدوء وتسليم بين يدي راعيها، والتصاقها ببعضها البعض.

قدم السيد المسيح هذا التشبيه، لأن الخراف تتسم بعجزها عن دفاعها عن النفس ضد أي هجوم، إنما تعتمد تمامًا على اهتمام راعيها وسهره على حمايتها. تعتمد أيضًا في طعامها وشرابها على الراعي الذي يتقدمها، فحتى في البلاد التي تتسم بغزارة الأمطار يحتاج القطيع إلى من يقوده إلى فترة طويلة إلى مراكز المياه لكي يشرب، ولا تبحث عنها الخراف بنفسها. وفي دخولها إلى الحظيرة لا تبدأ بالدخول حتى وإن لحق بها مخاطر من وحوش ضارية ما لم يقود الراعي خروفًا أو اثنين من الباب فتسير بقية الخراف وراءه أو وراءهما.

+ إن وجدنا هذه الشخصيات الثلاث أيها الأخوة القديسون، نجد من يليق بنا أن نحبهم، ومن يجب علينا أن نحتملهم، ومن يلزمنا الحذر منهم. فالراعي يُحب، والأجير يُحتمل، واللص يُحذر منه.

القديس أغسطينوس

+ لاحظوا سمات اللص؛ أولاً أنه لا يدخل علانية؛ ثانياً لا يدخل حسب الكتب المقدسة، فهذا لا يعنيه، "لا يدخل من الباب" (١). هنا أيضًا يشير إلى الذين جاءوا قبلاً والذين سيأتون بعده، ضد المسيح والمسحاء الكذبة، يهوذا وثيداس (أع ٥:٣٦) وكل من على شاكلتهم.

في قول السيد المسيح: "إن الذي لا يدخل من الباب"، المقصود بالباب هنا هو الكتب المقدسة، لأنها تدخل بنا إلى الله، وتفتح لنا المعرفة بإلهنا، وهي تحفظنا، ولا تترك الذئاب تدخل إلينا، لأنها بصورة باب، تغلق المدخل في وجه ذوي البدع، وتصيرنا في صيانة من خداعهم، ولا تهملنا حتى لا ننخدع. لأننا بالكتب نعرف الرعاة، والذين ليسوا برعاة، ولهذا قال السيد المسيح لليهود: "فتشوا الكتب، لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي" (يو 5: 39). إنها تجلب موسى وتدعوه هو وكل الأنبياء شهودًا، إذ يقول: "كل من يسمع الأنبياء يأتي إليّ" وأيضًا: "لو صدقتم موسى تؤمنون بي"... حسنًا يقول: "يتسلق (يصعد) وليس "يدخل"، فإن التسلق هو من عمل السارق الذي يضع في نيته أن يقفز فوق السور، يفعل ذلك وهو معرض للخطر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لقد أعلنوا أنهم ليسوا عميانًا، ومع ذلك كان يمكنهم أن يروا فقط إن صاروا قطيع المسيح.

من أين لهم أن يدعوا بأن لهم النور هؤلاء الذين يعملون كلصوصٍ ضد النهار؟ ذلك بسبب بطلانهم وكبريائهم وتشامخهم العضال، لذلك أضاف الرب يسوع تلك الكلمات التي فيها يقدم لنا نحن أيضًا دروسًا قيمة إن دخلنا بها إلى القلب. إذ يوجد كثيرون بحسب عادة الحياة يُدعون صالحين - رجال صالحين، نساء صالحات، أبرياء - لمن يراعون ما جاء في الناموس: يحترمون والديهم، ويمتنعون عن الزنا، ولا يقتلون ولا يسرقون، ولا يشهدون باطلاً ضد أحد، ويراعون كل متطلبات الناموس الأخرى. ومع هذا فهم غير مسيحيين، ويسألون بتشامخٍ مثل هؤلاء الناس: "هل نحن أيضًا عميان؟"...

إنهم يعملون بلا هدف، ولا يدخلون من الباب الذي يقود إلى الحظيرة.

قد يقول الوثنيون: نحن نحيا بصلاح.

إن لم يدخلوا من الباب، أية إرادة صالحة هذه يمارسونها، ومع ذلك فهم متشامخون؟...

ليس لأحد رجاء حسن للحياة ما لم يعرف الحياة، أي المسيح، ويدخل الحظيرة من الباب.

+ يوجد فلاسفة لهم مناقشات بارعة عن الفضائل والرذائل، يميزون بينها، ويقدمون تعريفات لها، وفي النهاية يقدمون تسلسلاً عقليًا دقيقًا، يملأون الكتب، ويحمون حكمتهم بأحاديث ثرثارة؛ هؤلاء يجسرون ويقولون للناس اتبعونا، انضموا إلى فرقتنا إن أردتم أن تعيشوا سعداء. لكنهم لا يدخلون من الباب؛ هؤلاء يريدون أن يحطموا ويذبحوا ويقتلوا.

+ هل يمكن للفريسي أن ينطق بالصالحات؟

الفريسي هو شوك، فكيف أجني من الشوك عنبًا (مت ٧: ١٦؛ ١٢: ٣٣)؟

لأنك يا رب تقول: "ما يقولونه أعملوه، وأما ما يفعلوه فلا تفعلوه" (مت ٢٣: ٣).

هل تأمرني أن أجمع عنبًا من الشوك عندما تقول: "هل يجتنون من الشوك عنبا"؟ يجيبك الرب: "لست آمرك أن تجمع من الشوك عنبًا، بل أن تتطلع وتلاحظ حسنًا كما يحدث غالبَا عندما تتدلى الكرمة المرتفعة عن الأرض ألا تكون مشتبكة مع الأشواك". فإننا نجد أحيانا يا اخوتي كرمة مزروعة... يكون حولها سياج من الأشواك، تلقي بفروعها متشابكة بين الأشواك. والذي يريد أن يقتطف عنبًا لا يجنيه من الأشواك بل من الكرمة المتشابكة مع الأشواك.

بنفس الطريقة فإن الفريسيين مملوءون بالأشواك، لكنهم إذ يجلسون على كرسي موسى تحيط بهم الكرمة والعنب الذي هو الكلمات الصالحة، والوصايا الصالحة تتدلى منهم. لتقطف عنبًا دون أن يوخزك الشوك، عندما تقرأ: "ما يقولوه اعملوه، وأما ما يفعلوه فلا تفعلوه". لكن الشوك يوخزك إن كنت تفعل ما يفعلونه. فلكي تجتني عنبًا دون أن يمسك بك الشوك "ما يقولوه افعلوه، وأما ما يفعلونه فلا تفعلوه".

أعمالهم هي الأشواك، كلماتهم هي العنب، لكنه صادر عن الكرمة التي هي كرسي موسى.

+ ضميري ليس صالحًا لأنكم تمدحونه، إذ كيف تمدحون ما لا ترونه؟

ليمدحني (الله) الذي يرى.

نعم، ليُصلحه إن كان يرى فيه شيئًا يضاد عينيه.

فإنني أيضًا لا أقول إنني كاملاً تمامًا، لكنني أقرع صدري، وأقول لله: "ارحمني لكي لا أخطئ". لكنني أظن أنني أتكلم في حضرته بأنني لا أطلب شيئًا منكم بل أطلب خلاصكم، وأنتهر على الدوام خطايا اخوتي، وأحتمل ضيقات، وذهني يعذبني، ودومًا أوبخهم. نعم لا أكف عن حثهم. كل الذين يتذكرون ما أقوله هم شهود، كيف انتهر يا اخوتي من يخطئون بدون حسدٍ.

القديس أغسطينوس

"وأما الذي يدخل من الباب

فهو راعي الخراف". (2)

راعي الخراف هو صاحب القطيع، يهتم بكل واحدٍ منهم، يدخل إليهم من الباب بكونه صاحب سلطان. يدخل لكي يعمل لحساب الكل. وكما يقول الله نفسه: "أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب؛ وأطلب الضال، وأسترد المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح، وأبيد السمين القوي، وأرعاها بعدلٍ" (حز ٣٤: ١٥-١٦).

"لهذا يفتح البواب،

والخراف تسمع صوته،

فيدعو خرافه الخاصة بأسماء ويخرجها". (3)

+ ليس ما يمنع من الخطر أن نفترض في موسى أنه البواب، فإنه قد عُهد إليه حفظ تعاليم الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ ليتنا لا نرتبك أيها الاخوة في فهمه، إذ يحمل تشبيهات بكونه هو الباب وأيضًا البواب. لأنه ما هو الباب؟ طريق الدخول. من هو البواب؟ ذاك الذي يفتح الباب. إذن من هو ذاك الذي يفتحه إلاَّ هو نفسه حيث يكشف عن ذاته ليُرى؟

القديس أغسطينوس

"ومتى أخرج خرافه الخاصة يذهب أمامها،

والخراف تتبعه،

لأنها تعرف صوته". (4)

إذ يرسل الراعي الصالح خرافه ليس في الطريق الذي بلا ذئاب بل يؤكد لهم أنه يرسلهم "وسط الذئاب" (مت ١٠: ١٦)، لذلك يتقدمهم في الطريق حتى إذا ما هاجمتهم الذئاب إنما تهاجمه هو، فيحول الذئاب إلى حملان وديعة. لقد تقدم قطيعه في مرعى الصليب والآلام، حتى لا يخشى القطيع طريق الجلجثة، ولا يهابون الموت، ماداموا في رفقة المصلوب.

v يعمل الرعاة خلاف ذلك إذ يمشون وراء الخراف، ولكن السيد المسيح يبين هنا أنه هو الذي يرشد جميع تابعيه إلى الحق.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأما الغريب فلا تتبعه،

بل تهرب منه،

لأنها لا تعرف صوت الغرباء". (5)

القطيع غير العاقل يعرف صاحبه فيلتصق به، وإذ لا تعرف صوت الغرباء تهرب منهم. وكما قيل: "الثور يعرف قانيه" (إش ١: ٣).

"هذا المثل قاله لهم يسوع،

وأما هم فلم يفهموا ما هو الذي كان يكلمهم به". (6)

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه بهذه العبارة يفصل السيد المسيح بينه وبين المسحاء الكذبة، فإنه بكل وسيلة كان يفعل هذا.

أولاً: تعاليمه من الكتب المقدس التي تشهد له، أما المسحاء الكذبة فيجتذبون الناس بعيدًا عن كلمة الله.

ثانيًا: طاعة الخراف له، إذ يؤمنون به ليس فقط حين كان سالكًا على الأرض بل وحتى بعد موته وصعوده إلى السماء. أما المسحاء الكذبة فتتركهم الخراف كما حدث مع ثيداس ويهوذا إذ تشتت الذين آمنوا بهما (أع ٥: ٣٦).

ثالثًا: يعمل الكذبة كمتمردين ويسببوا ثورات، أما هو فعندما أرادوا أن يجعلوه ملكًا اختفى. وعندئذ سُئل إن كان يجوز أن تقدم الجزية لقيصر، أمرهم بدفعها، بل هو نفسه دفعها (مت ١٧: ٢٧).

رابعًا: جاء لخلاص الخراف، لكي تكون لهم حياة، ويكون لهم أفضل (١٠). أما الكذبة فيحرمونهم حتى من الحياة الزمنية، إذ يتركونهم في لحظات الخطر ويهربوا لينجوا.

لم يدرك اليهود ما عناه السيد المسيح بالمثل؛ لم يفهموا أن يسوع المسيح هو الراعي الصالح، ولا أن الأجراء هم الخدام الذين يطلبون ما لنفعهم الشخصي وليس ما هو لنفع القطيع، وأيضًا السراق واللصوص هم الذين يطلبون كرامتهم الشخصية، حتى وإن كان الثمن هلاك القطيع.

لم يستطع الفريسيون فهمه، هؤلاء الذين يحسبون أنفسهم معلمين للشعب، أصحاب معرفة، ولا يحتاجون إلى أن يتعلموا شيئًا. بين أيديهم كلمة الله، لكنهم يسيئون فهمها بسبب قسوة قلوبهم، وعمى بصيرتهم الداخلية.

"فقال لهم يسوع أيضًا:

الحق الحق أقول لكم إني أنا باب الخراف". (7)

إنه باب المرعى، باب الكنيسة. يَغلق لا ليحبس القطيع، وإنما ليحميه من الذئاب واللصوص، فلا يهلكون. إنه الحكمة والقوة والبرّ من يدخل منه يدخل إليه، وينعم بهذا كله. إنه باب مغلق في وجه الذئاب، لكنه باب الحب للخراف كي تدخل وتخرج وتلتقي معًا في شركة الحب الأخوي. لذا يدعو نفسه "باب الخراف"، لن يقدر ذئب أن يدخل منه ما لم يتحول إلى حملٍ حقيقيٍ.

إنه الباب الملوكي الإلهي، بل ندخل إلى العرش الإلهي وننعم بالحياة السماوية.

والعجيب أن راعي الخراف عومل كلصٍ، فخرجوا عليه بسيوفٍ وعصيٍ للقبض عليه (مت ٢٦: ٥٥)، لأنه لم يدخل من خلال هؤلاء اللصوص والذئاب الخاطفة، ولم يكن يستأذنهم في خدمته لشعبه. عوض التلمذة له ليسلكوا بروحه كانوا ينتظرون تلمذته لهم، ليسلك بروحهم المعادية للحق الإلهي وللحب الرعوي الحقيقي.

+ عندما يحضرنا إلى الآب يدعو نفسه "بابًا"، وعندما يرعانا يدعو نفسه "راعيًا". فلكي لا تظنوا أن عمله الوحيد أن يحضرنا إلى الآب لذلك دعا نفسه راعيًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يسوع هو كل شيء، كل الأسماء تناسبه. إنه كل شيء يعلنه.

العلامة أوريجينوس

+ للمحتاجين إلى البهجة يصير لهم كرمة، وللمحتاجين إلى الدخول يقف كبابٍ.

القديس كيرلس الأورشليمي

+ هو نفسه الباب؛ لنأتِِ فيه ونعرفه. لندخل أو لنفرح أننا بالفعل فيه.

+ جاء قبله الأنبياء، فهل كانوا سراقًا ولصوصًا؟ حاشا. إنهم لم يأتوا منفصلين عنه، بل جاءوا معه. عند مجيئه أرسل رسلاً لكنه احتفظ بقلوب رسله. أتريدون أن تعرفوا أنهم جاءوا معه ذاك الذي هو حاضر على الدوام؟ بالتأكيد هو أخذ جسدًا بشريًا في الوقت المعين. لكن ماذا يعني: "على الدوام"؟ "في البدء كان الكلمة" (يو ١: ١). جاء معه من جاءوا مع كلمة الله. لقد قال: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو ١٤: ٦). إن كان هو الحق، فقد جاء معه من هم صادقون. لكن كثيرين إذ انفصلوا عنه هؤلاء هم سراق ولصوص، أي جاءوا ليسرقوا ويدمروا.

+ "ولكن الخراف لم تسمع لهم" هذه نقطة أكثر أهمية. قبل مجيء ربنا يسوع المسيح، حيث جاء في تواضع في الجسد، سمعه أناس أبرار، آمنوا به أنه سيأتي بنفس الطريقة التي لنا أنه قد جاء.

الأوقات تتغير لكن ليس الإيمان... في أوقاتٍ متغيرةٍ حقًا لكن الدخول من باب واحد للإيمان، أي المسيح، فنرى كليهما قد دخلا...

يقول (الرسول): "جميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًا، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، الصخرة كانت المسيح" (١ كو ١٠: ٤). انظروا بينما بقي الإيمان تغيرت العلامات. هناك الصخرة كانت المسيح، أما بالنسبة لنا فالمسيح على مذبح الله... كثيرون في ذلك الوقت آمنوا، سواء إبراهيم أو اسحق أو يعقوب أو موسى أو البطاركة الآخرون والأنبياء الذين تنبأوا عن المسيح، هؤلاء هم خراف سمعوا المسيح. سمعوا صوته وليس صوت آخر.

القديس أغسطينوس

"جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص،

ولكن الخراف لم تسمع لهم". (8)

+ لم يتكلم هنا عن الأنبياء كما ادعى الهراطقة، فإنه إذ آمن كثيرون بالمسيح سمعوا للأنبياء واقتنعوا بهم. إنما يتحدث هنا عن ثيداس ويهوذا وغيرهما من مثيري الفتنة. بجانب هذا يقول: "ولكن الخراف لم تسمع لهم" (٨)، كمن يمدحهم على ذلك. لا نجده في أي موضع يمدح السيد من يرفضوا السماع للأنبياء، وإنما على العكس يوبخهم ويتهمهم بشدة، بينما القول: "لم تسمع" يشير إلى قادة الفتنة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أنا هو الباب،

إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى". (9)

من يدخل إلى المرعى خلال المسيح، الباب الإلهي، ليس فقط ينجو من اللصوص والسراق، وإنما يتمتع أيضًا بالحرية الحقيقية. يدخل ويخرج بكامل حريته. يدخل كما إلى حضن الأب ليتمتع بأبوته الإلهية، ويخرج إلى العالم كما مع الابن المتجسد ليشهد للحب الإلهي، ويجتذب كثيرين إلى المرعى الإلهي. إنه يخلص ويرد كثيرين بروح الله إلى خلاصهم، فيفرح ويتهلل معهم، ويشبع الكل من مرعى الحب، ويتمتعون بعربون المجد، مترقبين بفرحٍ يوم الرب لمشاركة الرب مجده. إنهم يخلصون من أنياب الأسد ليعيشوا في سلامٍ فائقٍ.

تدخل الخراف من الباب لتجد نفسها في المسيح يسوع كما في بيتها الأبوي، ليست بالخراف الغريبة ولا النزيلة، بل صاحبة بيت، تتحرك بكامل حريتها، إن دخلت تستقر كما في بيتها، لأنها خرجت للعمل إنما إلى حين لتعود وتستريح!

+ إنه كما يقول: "يكون في أمان وضمان". ولكن بقوله "مرعى" يعني هنا الرعاية وتغذية الخراف وسلطانه وسيادته عليهم. إنه يبقى في الداخل ولا يقدر أن يدفعه خارجًا. لقد حدث هذا مع الرسل الذين دخلوا وخرجوا، وصاروا سادة كل العالم، ولم يوجد من يقدر أن يطردهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كما أنه هو "الطريق"، وليس طريقًا بين طرق كثيرة، إنما الطريق الوحيد الذي يقودنا إلى حضن الآب، هكذا هو "الباب"، لا نقدر أن ندخل السماء من باب آخر غيره، هو الباب الوحيد.

+ لنسمو بأفكارنا على اليهود، فإنهم حقًا يقرون بتعاليمهم بالله الواحد، ولكن ماذا يكون هذا وهم ينكرونه خلال عبادتهم للأصنام؟! لكنهم يرفضون أنه أبو ربنا يسوع المسيح. وهم بهذا ينقضون أنبياءهم الذين يؤكدون هذا في الكتب المقدسة، إذ جاء "الرب قال لي أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك" (مز 7:2).

إنهم إلى يومنا هذا يرتجون مجتمعين على الرب و على مسيحه (مز 2:2)، حاسبين أنهم قادرون أن يكونوا أصدقاء للآب وهم منفصلون عن تعبدهم للابن، جاهلين أنه لا يأتي أحد إلى الآب إلا بالابن القائل: "أنا هو الباب والطريق" (يو6:14؛ 9:10).

فمن يرفض الطريق الذي يقود إلى الآب وينكر الباب، كيف يتأهل الدخول لدى اللّه (الآب)؟! إنهم يناقضون ما جاء في المزمور الثامن والثمانين: "هو يدعوني أبي. أنت إلهي وصخرة خلاصي. أنا أيضًا اجعله بكرًا أعلى من ملوك الأرض" (مز 26:89، 27).

القديس كيرلس الأورشليمي

+ أقول حقًا إننا ندخل حينما ننشغل بتدريبٍ للفكر داخليًا، ونخرج حينما نمارس عملاً خارجيًا. وكما يقول الرسول إن المسيح يحل في قلوبنا بالإيمان (أف ٣: ١٧). أن ندخل في المسيح، أي نسلم أنفسنا للفكر، حسن هذا الإيمان، أما أن نخرج بالمسيح، فهو أنه بذات الإيمان نمارس أعمالاً في الخارج، أي في حضور آخرين. هنا نقرأ في مزمور: "يخرج إنسان لعمله" (مز ١٠٤: ٢٣). ويقول الرب نفسه: "لتضئ أعمالكم قدام الناس" (مت ٥: ١٦)... أيضًا يبدو لي أنه يعني أنه تكون لهم الحياة في دخولهم وحياة أوفر في رحيلهم... فإنه لا يستطيع أحد أن يخرج بالباب - أي بالمسيح، إلى تلك الحياة الأبدية الذي يُفتح للنظر ما لم يدخل كنيسته بذات الباب أو بذات المسيح نفسه، التي هي قطيعه في الحياة المؤقتة التي تُمارس بالإيمان.

+ "ويجد مرعى" (٩)، مشيرًا إلى كليهما: الدخول والخروج، إنهم هناك فقط سيجدون المرعى الحقيقي حيث يشبع الجائعون والعطشى إلى البرّ. هذا المرعى يوجد بواسطة ذاك الذي قيل له: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو ٢٣: ٤٣).

القديس أغسطينوس

+ يدخل ليجد إيمانًا، ويخرج من الإيمان إلى الرؤية، ومن الاعتقاد إلى التأمل. يجد مرعى في انتعاشٍ أبديٍ.

سيجد قطيعه مرعى، لأن من يتبعه بقلب بريء ينتعش بطعامٍ أبدي.

ما هي مراعي هذه القطعان إلا المباهج الأبدية للفردوس الدائم الخضرة؟

مرعى المختارين هو وجه الله شخصه. عندما نراه، تشبع قلوبنا بطعام الحياة إلى النهاية.

الذين يهربون من مصائد الملذات الوقتية يفرحون في تلك المراعي في كمال الأبدية. هناك طغمات ملائكة تتغنى بالتسابيح، هناك صحبة المواطنين السمائيين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك،

وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة،

وليكون لهم أفضل". (10)

الرعاة المخادعون هم سراق، يدخلون لا من خلال باب الحب، بل بروح الخداع بنية شريرة. بخداعهم يذبحون النفوس ويهلكونها. بينما يهتم الراعي بتقديم حياة أفضل، ينشغل اللص بالذبح وقتل النفوس. تسلل اللص إلى القطيع يسبب موتًا، أما نزول الراعي الصالح، الكلمة المتجسد، فيهب حياة أبدية.

إن كان الراعي قد جاء إلى قطيعه في العالم لكي يبررهم ويقدسهم ويمجدهم، فإنه يرد لهم الحياة المفقودة. إنهم لا يعودوا إلى ما كانوا عليه قبل الخطية، بل إلى فيض أبدي للحياة التي لن يقهرها موت، لذا يقول: "أفضل".

+ إن قلت: قل لي وما الذي يكون أفضل من الحياة؟ أجبتك: ملكوت السماوات، لكنه لم يقل هذا بعد، إنما يردد اسم الحياة الذي كان أوضح الأشياء معرفة عندهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ "فقد أتيت لتكون لهم حياة" (١٠)، أي الإيمان العامل بالمحبة (غلا ٥: ٦). "وليكون لهم أفضل"، هؤلاء الذين يصبرون حتى المنتهى، فإنهم يخرجون بهذا الباب عينه، أي بالإيمان بالمسيح. فإنهم كمؤمنين حقيقيين يموتون وتكون لهم حياة أفضل عندما يذهبون إلى حيث يقيم الراعي، ولا يموتون بعد.

+ إن كنا نتطلع إلى العالم كبيتٍ واحدٍ عظيم، فإننا نرى السماوات تمثل القبو، والأرض تمثل الممر. إنه يريد أن ينقذنا من الأمور الأرضية، لنقول مع الرسول: "مواطنتنا هي في السماء". فالالتصاق بالأرضيات هو موت للنفس، عكس الحياة التي يصلي من أجلها قائلاً: "أحيني"!

القديس أغسطينوس

"أنا هو الراعي الصالح،

والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف". (11)

تطلع أنبياء العهد القديم إلى ربنا يسوع بكونه الراعي (إش ٤٠: ١١؛ حز ٣٤: ٢٣؛ ٣٧: ٢٤؛ زك ١٣: ٧)، واختبره الرسل كأسقف لنفوسنا (١ بط ٢:٢٥)؛ ورئيس الرعاة (١ بط ٥: ٤)؛ والراعي العظيم (عب ١٣: ٢٠).

لهذا اللقب "الراعي الصالح" جاذبيته الخاصة لدى المسيحيين عبر الأجيال حتى الذين لم يشاهدوا رعاة غنم في حياتهم، فإنهم يشعرون فيه بنوعٍ من دفء الرعاية. كما أن قطيع الغنم لا يقدر أن يواجه الحياة بدون راعيه، هكذا يشعر المسيحيون في مواجهة الشر والعالم الشرير إلى الراعي الإلهي الذي يحفظهم من الشر ويشبع كل احتياجاتهم، ويقودهم إلى المراعي الفردوسية.

بقوله "أنا هو" يستخدم السيد المسيح لغة اللاهوت "أنا يهوه"، فهو الراعي الوحيد الإلهي الفريد.

الكلمة اليونانية المترجمة هنا "صالح" هي kalas، وهي تختلف عن غيرها من الكلمات اليونانية التي تُترجم أيضًا "صالح"، مثل: agathos إذ تشير إلى السلم الداخلي، و dikaios التي تشير إلى الشخص الذي يبلغ مستوى عالٍ من الاستقامة. أما kalas فجاء في Abbot Smith's lexicon ٍ أنها تشير إلى الصلاح معلنًا شكل معين، بمعنى آخر تشير إلى الصلاح مع الجمال. وقد قام E. V. Rieu بترجمة العبارة: "أنا هو الراعي"، الراعي الجميل". على أي الأحوال فإن تعبير الراعي الصالح تعبير محبب للنفس، يحمل فيه الصلاح الجذاب للرعية. فمع صلاح رعايته تتمتع الرعية بجاذبية شخصه، أو انجذابهم إليه.

رعاية "الراعي الصالح" فريدة من نوعها، ليست فقط رعاية صالحة، حيث ينشغل الراعي بالقطيع، كمن ليس ما يشغله في السماء وعلى الأرض غيره، ولا من حيث اهتمامه بالنفس الواحدة، خاصة الخروف الضال، وإنما ما هو أعظم انه "يبذل نفسه عن الخراف".

في منطقة فلسطين كان الرعاة يتعرضون لمخاطر اللصوص كما لمخاطر الحيوانات المفترسة. فداود النبي واجه أسدًا ودبًا وهو شاب في رعاية غنمه (١ صم ١٧: ٣٤-٣٦). ويحدثنا عاموس النبي عن الراعي الذي يخلص من فم الأسد قدمي حمل أو قطعة أذن له (عا ٣: ١٢). وفي عصر الآباء نسمع يعقوب يقول لخاله: "فريسة لم أحضر إليك. أنا كنت أخسرها. من يدي كنت تطلبها، مسروقة النهار أو مسروقة الليل" (تك ٣١: ٣٩). هكذا لعمل الرعاية مخاطر، لكننا لا نسمع قط عن راعٍ يلقي بنفسه في الموت بإرادته من أجل قطيعه. حقًا قد يتعرض الراعي للموت، لكنه ليس لأجل مصلحة قطيعه، إنما من أجل مصلحته الشخصية كمالكٍ للقطيع. أما الراعي الصالح فبإرادته وحسب مسرته واجه الموت ليفدي كل حملٍ من قطيعه.

بذل الراعي الصالح ذاته ليقدم لنا دمه الثمين، تغتسل به نفوسنا، فنطهر من الخطايا، ونشربه سرّ حياة أبدية. والعجيب فيه أنه يهب خدامه الأمناء أن يجدوا مسرتهم في البذل فينفقون ويُنفقون (2 كو 12: 15) لحساب الشعب كما فعل الرسول بولس.

بين السيد المسيح والراعي

اختيار السيد المسيح للراعي لتشبيه له لم يأت جزافًا، إنما يحمل معانٍ هامة:

أولاً: الراعي، وإن كان صاحب القطيع مهما بلغت أعداده يرتدي ثيابًا رخيصة أثناء رعايته للغنم، إذ كثيرًا ما يجلس على الأرض وحوله غنمه، ويحمل على منكبيه الغنمات المجروحة أو المتعثرة، وقد تكون متسخة بالوحل. هكذا لبس الكلمة الإلهي جسدًا لكي يشاركنا أرضنا، ويحملنا على منكبيه، بل ويحتل مركزنا يحمل آثامنا للتكفير عنها.

ثانيًا: في الرعاية يتحرك الراعي أمام الخراف لكي تتبعه، وهكذا فتح لنا مسيحنا طريق السماء بعبوره خلال الصليب، كي نشاركه آلامه فننعم بشركة أمجاده.

ثالثًا: كثيرًا ما يمسك الراعي بعصا الرعاية، مقدمتها على شكل حرف U، لكي ما إذا سقط خروف في حفرة يرفعه بها. هكذا يمسك مسيحنا بصليبه الذي يحمل كل نوع من الحنو الإلهي البناء مع الحزم والتأديب بما فيه تقدمنا المستمر.

رابعًا: كثيرًا ما يجلس الراعي بستظل في الظهيرة ويضرب بمزماره وحوله الخراف فإن سمة الراعي هو الفرح وسط المتاعب وحرّ التجارب. هكذا نجد في راعينا مصدر الفرح الحقيقي.

خامسًا: يهتم الراعي بالخروف الضال أكثر من التسعة والتسعين الباقين، ولا يستريح حتى يرده إلى القطيع (مت ١٨: ١٢-١٤؛ لو ١٥: ٣-٧).

+ "أنا هو الراعي الصالح". يتحدث هنا عن الآلام، مظهرًا أنها هي خلاص العالم، فإنه لم يأتِ إليها قسرًا. عندئذ يتحدث عن نموذج الراعي مرة أخرى وعن الأجير.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لقد قال أنه هو "الراعي"، كما قال أنه هو "الباب". تجد الاثنين في نفس الموضع، كلاً من "أنا هو الباب" و "أنا هو الراعي" (٧، ١١). في الرأس هو الباب، وفي الجسد هو الراعي... الذي يدخل من الباب هو الراعي، أما الذي يطلع من موضعٍ آخرٍ فذاك سارق ولص، يبدد ويشتت ويهلك. من هو الذي يدخل من الباب؟ ذاك الذي يدخل بالمسيح. من هو؟ ذاك الذي يتمثل بالآم المسيح...

+ هل كان (الرسل) رعاة؟ بالتأكيد كانوا هكذا. فكيف يوجد راعي واحد؟ كما سبق فقلت أنهم كانوا رعاة لأنهم أعضاء في الراعي. لقد فرحوا في هذا الرأس، وتحت رئاسة هذا الرأس كانوا في انسجام معًا، عاشوا بروحٍ واحدٍ في رباط جسدٍ واحدٍ. لذلك فجميعهم ينتمون للراعي الواحد.

+ ماذا تعني إذن إنك تقدم للرعاة الصالحين الراعي الصالح وحده إلاَّ أنك تعلم الوحدة في الراعي الصالح؟ وقد أوضح الرب نفسه ذلك بأكثر وضوح في خدمتي، إذ أذكركم أيها الأحباء بهذا الإنجيل القائل: "اسمعوا ماذا وضعت أمامكم، لقد قلت أنا هو الراعي الصالح، لأن كل البقية، الرعاة الصالحين، هم أعضائي". رأس واحد، جسم واحد، مسيح واحد. هكذا كل من راعي الرعاة ورعاة الراعي والقطيع برعاته الذين تحت الراعي.

ما هذا كله إلاَّ ما يقوله الرسول: "كما أن الجسم واحد، له أعضاء كثيرون، وكل أعضاء الجسم بكونهم كثيرون جسم واحد، هكذا المسيح" (١ كو ١٢: ١٢). لذلك إن كان المسيح هو هكذا، فبسبب صالح يحوي المسيح في ذاته كل الرعاة الصالحين، يقيمون الواحد القائل: "أنا هو الراعي الصالح". أنا وحدي وكل البقية معي واحد في وحدة.

من يرعي بدوني يرعى ضدي. "من لا يجمع فهو يفرق" (مت ١٢: ٣٠). لتسمعوا هذه الوحدة قد وضعت أكثر قوة، إذ يقول: "ولي قطيع آخر ليس من هذا القطيع" (١٦).

+ أسألكم، أتوسل إليكم بحق قدسية مثل هذا الزواج أن تحبوا الكنيسة، حبوا الراعي الصالح، فالعروس جميلة للغاية، هذه التي لا تخدع أحدًا، ولا تطلب هلاك أحد. صلوا أيضًا من أجل القطيع المبعثر، لكي يأتوا، ويتعرفوا عليه، ويحبوه، ويصيروا رعية واحدة وراعٍ واحدٍ.

القديس أغسطينوس

+ كيف لا أحبك يا من أحببتني بشدة؟ رغم أني سوداء، فقد وضعت حياتك من أجل خرافك (يو 13:15)، أنت راعيهم.

ليس لأحدٍ حب أعظم من هذا، لأنك بذلت حياتك لتمنحني الخلاص.

قل لي إذًا أين ترعى؟

عندما أجد مرعى خلاصك، حينئذ اشبع بالطعام السماوي؛ الذي بدونه لا يدخل أحد إلى الحياة الأبدية. وحين أجري إليك أيها الينبوع سوف أشرب من الينبوع الإلهي الذي جعلته يتدفق ليروى كل من يعطش إليك.

إذ ضُرِب جنبك بالحربة للوقت خرج دم وماء (يو 34:19). ومن يشرب منه يصبح ينبوع ماء حيّ للحياة الأبدية (يوحنا 14:4).

إذا رعيتني ستجعلني أستريح بسلام خلال منتصف النهار في الضوء الخالي من الظلال. لأنه لا توجد ظلال في منتصف النهار، عندما ترسل الشمس أشعتها عمودية فوق الرأس. وستجعل ضوء منتصف النهار يُريح كل من أطعمته، وتأخذ أطفالك معك في فراشك (لو 7:11).

لا يستحق أحد أن يأخذ راحة منتصف النهار إلا ابن النور والنهار (1 تس 5:5). الشخص الذي فصل نفسه من ظلمة الليل إلى الفجر، سوف يستريح في منتصف النهار مع شمس البرّ (ملا 2:4).

القديس غريغوريوس النيسي

"وأما الذي هو أجير وليس راعيًا،

الذي ليست الخراف له،

فيرى الذئب مقبلاً،

ويترك الخراف ويهرب،

فيخطف الذئب الخراف ويبددها". (12)

يتعرض هذا القطيع لذئابٍ خاطفة تخدع وتفترس وتحطم (أع ٢٠: ٢٩)، كما يتعرض للصوص يخطفون القطيع لتقديمه ذبائح لعدو الخير، أو يسرقون طعامه. غالبًا ما تأتي الذئاب في ثياب حملان (مت ٧: ١٥).

في العبارتين ١٢ و١٣ يحدثنا السيد المسيح عن الرعاة المهملين، فيدعوهم أجراء، إذ يخدمون من أجل الأجرة أو المكافأة، وليس عن حبٍ صادقٍ لشعب الله. محبتهم للمال أو لبطونهم هي التي تحملهم إلى الرعاية. حقًا من يخدم المذبح من المذبح يأكل، ومن يكرز بالإنجيل فمن الإنجيل يعيش، لكن قلوبهم مرتبطة بخلاص النفوس، لا بما يقتنوه من وراء الخدمة.

+ يعلن عن نفسه أنه السيد مثله مثل الآب، فإنه هو كذلك، فهو الراعي والخراف له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الأجير الذي يرى ذئبًا فيهرب تاركًا القطيع للافتراس يخطئ. وقد جاء في المشناه Mishnah أنه يلتزم أن يحمي القطيع إن واجه ذئبًا واحدًا لكن يعطي عذرًا له لو هاجم القطيع ذئبان أو أكثر لأنه لا يقدر على هذه المواجهة. كأجير غير ملتزم بحماية القطيع أن تعرض لذئبين معًا، لأن حياته تكون في خطرٍ.

+ يعمل الأجير مادام لا يرى الذئب قادمًا، مادام لا يرى اللص أو السارق، ولكن إذ يراهم يهرب...

يصعد الأجراء بطريق آخر... لأنهم متكبرون يصعدون...

الذين ليسوا في وحدة (الكنيسة) لهم طريق آخر، أي متعجرفون ويريدون أن يفسدوا القطيع.

الآن لاحظوا كيف يصعدون. إنهم يقولون: إننا نحن الذين نقدس ونبرر ونقيم أبرارًا...

الذئب هو الشيطان الذي يرقد منتظرًا أن يخدع، وأيضًا الذين يتبعونه يخدعون، فقد قيل بالحق يرتدون جلود القطيع، ولكن في الداخل ذئاب خاطفة (مت ٧: ١٥).

إن لاحظ الأجير شخصًا منشغلاً بحديثٍ شريرٍ، أو أحاسيس قاتلة لنفسه أو يمارس رجاسة ودنسًا، وعلى الرغم من أنه يبدو كمن يحمل شخصية لها أهميتها في الكنيسة (التي منها يترجى أن ينال نفعًا إذ هو أجير)، ولا يقول شيئًا له: "أنت تخطئ"، ولا يؤنبه حتى لا يفقد ما لنفعه. أقول هذا هو معنى "عندما يرى الذئب يهرب". إنه لا يقول له: "أنت تعمل بالشر". هذا ليس هروبًا بالجسد بل بالنفس. الذي تراه لا يزال واقفًا بالجسد يهرب بالقلب. عندما يرى خاطئًا لا يقول له: "أنت تخطئ" نعم لكي يكون في اتفاق معه.

+ لا يحملن الأجير هنا شخصية صالحة، ولكن من نواحٍ أخرى فهو نافع، وإلا ما كان يُدعى أجيرًا، وما كان ينال أجرة ممن وظَّفه. فمن هو هذا الأجير الذي يُلام ونافع أيضًا؟ يوجد بعض يعملون في الكنيسة يقول عنهم الرسول بولس: "يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح" (في ٢: ٢١). ماذا يعني "يطلبون ما لأنفسهم"؟ الذين لا يحبون المسيح مجانًا، بل يسعون نحو المنافع الزمنية، يطلبون الربح، ويطمعون في الكرامات من الناس.

+ يوجد أجراء أيضًا في وسطنا، لكن الرب وحده يميزهم، ذاك الذي يفحص القلوب يميزهم.

+ لنلتفت باهتمامٍ إلى الحقيقة أنه حتى الأجراء نافعون. فإنه بالحقيقة يوجد كثيرون في الكنيسة يسعون وراء النفع الأرضي، ومع هذا فهم يكرزون بالمسيح، ومن خلالهم يُسمع صوت المسيح، وتتبع الخراف لا الأجراء، بل صوت المسيح المتكلم خلالهم. أشار الرب نفسه إلى الاستماع إلى الأجراء، إذ قال: "على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا" (مت ٢٣: ٢-٣). ماذا قال سوى أصغوا إلى صوت الراعي خلال الأجراء؟

+ اسمع الرسول يتنهد من أجل مثل هذه الأمور. إنه قيل أن البعض يكرزون بالإنجيل خلال المحبة، وآخرون "لعلة"، فيقول عنهم انهم لا يكرزون بالإنجيل بحق (في ١: ١٦-١٨). ما يكرزون به هو حق، أما الذين يكرزون فهم أنفسهم ليسوا مستقيمين.

لماذا من يكرز هكذا ليس مستقيمًا؟ لأنه يطلب شيئًا آخر في الكنيسة، لا يطلب الله.

إن طلب الله يكون عفيفًا، إذ يكون الله هو الزوج الشرعي للنفس.

أما من يطلب من الله ما هو بجانب الله، فإنه لا يطلب الله بعفة.

لاحظوا يا اخوة، إن كانت زوجة تحب زوجها لأنه غني، فإنها ليست عفيفة. لأنها لا تحب زوجها بل ذهب زوجها. لو أنها تحب زوجها، فإنها تحبه في عريه وفقره. لأنها إن كانت تحبه لأنه غني، ماذا إذا صار محتاجًا فجأة؟ ربما ترفضه، لأنها لم تحب رجلها بل ممتلكاته. لكنها إن كانت تحب زوجها بالحق، فإنها تحبه بالأكثر عندما يفتقر،إذ تحبه مترفقة به أيضًا.

+ يلزمنا لا أن نحب الغنى، بل الله الذي خلق الغني، لأنه لا يعدكم بشيء بل بنفسه. لتجد شيئًا أثمن منه وهو يهبه لك. جميلة هي الأرض والسماء والملائكة، لكن خالقهم أكثرهم جمالاً.

إذن من يكرزون بالله بكونه الله المحب، من يكرزون بالله لأجل نفسه، يرعون القطيع وليسوا أجراء.

يطلب ربنا يسوع المسيح من النفس هذه العفة، إذ قال لبطرس: "يا بطرس أتحبني" (يو ٢١: ١٦)؟ ماذا تعني "أتحبني"؟ هل أنت عفيف؟ هل قلبك غير زانٍ؟ هل لا تطلب الأمور الخاصة بك في الكنيسة، بل تطلبني أنا؟ إن كنت هكذا وتحبني "ارع غنمي". فإنك لا تكون أجيرًا بل راعيًا.

+ يكرز الراعي بالمسيح بالحق، ويكرز الأجير بالمسيح بعلة (في ١: ١٨)، يطلب شيئا آخر. وإن كان هذا وذاك يكرزان بالمسيح... بولس نفسه الراعي يُسر أن يكون لديه أجراء. فإنهم يعملون حين يكونوا قادرين، إنهم نافعون ماداموا قادرين على الكرازة... نادرًا ما يجد (الرسول) راعيًا بين إجراء كثيرين، لأن الرعاة قليلون، أما الأجراء فكثيرون. لكن ماذا قيل عن الأجراء؟ "الحق أقول لكم أنهم قد أخذوا أجرتهم" (مت ٦: ٢). أما عن الراعي فماذا يقول الرسول؟ "لكن من يطهر نفسه من مثل هذه يصير آنية للكرامة مقدسة ونافعة للرب، معدة لكل عملٍ صالحٍ" (٢ تي ٢: ٢١)، ليست معدة لأمور معينة بل "معدة لكل عمل صالح".

القديس أغسطينوس

"والأجير يهرب،

لأنه أجير ولا يبالي بالخراف". (13)

يشبه القديس أغسطينوس الأجراء الذين يعملون في الخدمة لحساب أنفسهم لا لحساب المسيح بالأسوار المملوءة شوكًا وقد استندت عليها الكرمة الحاملة العنب. فيليق بنا أن نتمتع بعنب الكرمة المحمول على الأشواك. العنب الذي لم يصدر عن الشوك بل عن الكرمة.

يقدم لنا الرسول مثلاً لهذه الأشواك الحاملة للكرمة: "وأما قوم فعن حسد وخصام يكرزون بالمسيح، وأما قوم فعن مسرة. فهؤلاء عن تحزب ينادون بالمسيح، لا عن إخلاص... غير أنه على كل وجه سواء كان بعلةٍ أم بحقٍ يُنادى بالمسيح، وبهذا أنا أفرح، بل سأفرح أيضًا" (في ١: ١٥ ١٨).

+ في هذا يختلف الراعي عن الأجير، واحد يطلب دومًا ما هو لسلامه غير مبالٍ بالخراف، والآخر يطلب ما هو للخراف غير مبالٍ بما هو لنفسه...

قديمًا انتهر حزقيال (الأجراء) وقال: "ويل لكم يا رعاة إسرائيل. هل يرعى الرعاة أنفسهم؟ ألا يرعون الخراف؟" (خر ٣٤: ٢). لكنهم فعلوا ما هو على خلاف ذلك، الذي هو أشر أنواع الشر، وعلة كل بقية الشرور. فقد قيل: "لم يستردوا المطرود، والضال لم يطلبوه، والمكسور لم يجبروه، والمريض لم يشفوه، لأنهم رعوا أنفسهم لا الغنم" (راجع حز ٣٤: ٤).

وكما أعلن بولس أيضًا في موضع آخر: "إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح" (في ٢: ٢١). وأيضًا: "لا يطلب أحد ما هو لنفسه بل كل واحدٍ ما هو للآخر" (١ كو ١٠: ٢٤).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يكون الشخص أجيرًا إن احتل موضع الراعي لكنه لا يطلب نفع النفوس. إنه يتوق إلى المنافع الأرضية، ويفرح بكرامة المراكز السامية، وينقاد إلى الربح المؤقت، وينعم بالكرامة المقدمة له. هذه هي مكافآته... مثل هذا لا يقدر أن يقف عندما يكون القطيع في خطر.

الآن إذ يجد الكرامة ويتمتع بالمنافع المؤقتة يخشى مقاومة الخطر لئلا يفقد ما يحبه... عندما يقتحم شخص شرير المؤمنين المتواضعين، يكون هذا ذئبًا يهجم على القطيع، يمزق أذهانهم بالتجارب. لا يتحمل الأجير مسئولية حماية القطيع.

تهلك النفوس بينما يتمتع هو بالمنافع الأرضية. ليس من غيرة تلتهب في الأجير ضد هذه التجارب، ليس من حب يثيره، كل ما يطلبه هو المنافع الخارجية، وبإهمال يسمح للأضرار الداخلية أن تحل بقطيعه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"أما أنا فإني الراعي الصالح،

وأعرف خاصتي،

وخاصتي تعرفني". (14)

تلامس المرتل مع الرب الراعي الصالح في مزمور الراعي (مز ٢٣)، حيث يكشف عن مدى اهتمام الرب الفائق برعيته.

تكشف الرعاية الصالحة عن الحب المشترك والمعرفة المتبادلة بين الراعي ورعيته. فالراعي يعرف رعيته، لا معرفة مدرسية تعتمد على التنظيمات المجردة، بل معرفة الالتصاق بهم، والانتساب إليهم وانتسابهم له، فيصيروا خاصته التي تتأهل لمعرفته.

لقد عرف الله إبراهيم واسحق ويعقوب، فدعا نفسه "إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب". وعرف بولس راعيه الأعظم فيحسبه ربه وإلهه هو! هكذا خلال هذه الرعاية الحقيقية يسمع كل حمل من بين القطيع صوت راعيه يؤكد له: "وأكون له إلهًا، وهو يكون لي ابنًا" (رؤ ٢١: ٧).

إنه يعرف خاصته، إذ يتطلع إليهم بعيني الحب والاهتمام الرعوي، يعرفهم فيبذل ذاته بكل سرور من أجلهم. وكما يقول القديس يوحنا: "هو أحبنا أولاً" (١ يو ٤: ١٩). وكما يقول الرسول بولس: "وأما الآن إذ عرفتم الله، بل بالأحرى عُرفتم من الله" (غلا ٤: ٩).

نظرات حب الراعي تسحب نظرات الرعية إليه، وكما يعرف الراعي خاصته بالحب العملي والاتحاد معهم يعرفونه هم ويجدون لذتهم في الاتحاد معه. هذا هو العهد الجديد، عهد النعمة القائم على الحب بين الله وخاصته. فتدرك الخاصة كلمات راعيهم: "أنا أعلم الذين اخترتهم" (يو ١٣: ١٨)، وفي يقين الإيمان بالراعي يرددون مع الرسول: "لأنني عالم بمن آمنت وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي إلى ذلك اليوم" (٢ تي ١: ٢١).

+ المسيح إذن هو الراعي الصالح. ماذا كان بطرس؟ ألم يكن راعيًا صالحًا؟ ألم يبذل حياته عن القطيع؟ ماذا كان بولس؟ ماذا كان بقية الرسل؟ ماذا عن الأساقفة الطوباويين والشهداء؟... ماذا عن كبريانوسنا القديس؟ ألم يكن هؤلاء جميعًا رعاةً صالحين؟... هؤلاء جميعًا كانوا رعاةً صالحين، ليس لمجرد سفك دمائهم، إنما سفكوه من أجل القطيع، ليس في كبرياء، بل سفكوه في محبة.

ماذا تقول يا رب، أيها الراعي الصالح؟ فإنك أنت هو الراعي الصالح، أنت هو الحمل الصالح. في نفس الوقت أنت الراعي والمرعى، الحمل والأسد في نفس الوقت. ماذا تقول؟ هب لنا أذنًا وأعنا لكي نفهم. إنه يقول: "أنا هو الراعي الصالح". وماذا عن بطرس؟ هل هو ليس براعٍ أو هل هو شرير؟... إنه راع وراع صالح، لكنه كلا شيء بالحق بالنسبة لقوة راعى الرعاة وصلاحه، ومع هذا فإنه راعٍ وصالح، وكل الآخرين الذين مثله هم رعاة صالحون.

+ المسيح هو بابي إليكم، بالمسيح أجد مدخلاً، لا إلى بيوتكم بل إلى قلوبكم. بالمسيح أدخل، إنه المسيح الذي فيّ، هو الذي تريدون أن تسمعوا له. ولماذا تريدون أن تسمعوا المسيح فيّ؟ لأنكم قطيع المسيح، أُشتريتم بدم المسيح. إنكم تعرفون ثمنكم، الذي لا يُدفع بواسطتي، وإنما يكرز به بواسطتي. إنه هو، وهو وحده المشتري، الذي سفك دمه الثمين - الدم الثمين لذاك الذي بلا خطية.

القديس أغسطينوس

"كما أن الآب يعرفني، وأنا أعرف الآب،

وأنا أضع نفسي عن الخراف". (15)

ليس فقط اشتهى البذل حتى الموت من أجل قطيعه بل كراعٍ صالح يؤكد: "وأنا أضع نفسي عن الخراف". لقد حقق خطة البذل فعلاً. قدم حياته المبذولة مهرًا ليقتني الخراف. اشتراها لا لكي يذبحها، وإنما يُذبح هو لكي يحبها. لا يُقدم القطيع ذبيحة عن صاحبها كما في العهد القديم، بل يقدم الراعي نفسه ذبيحة عن قطيعه.

+ "خاصتي تعرفني، كما أن الآب يعرفني، وأنا أعرف الآب"، بمعنى سأكون منتميًا لقطيعي وهم يرتبطون بي، بدأت الكيفية التي بها يعرف الرب الآب ابنه الحقيقي الوحيد الجنس، ثمرة جوهره، ويعرف الابن الآب، بكونه الله الحقيقي، ويلد كيانه من هو منه، هكذا نحن إذ تعبنا لنكون له يُقال أننا من عائلته، ونُحسب أبناءه. نحن بالحقيقة أقرباؤه (أع 17: 29)، ونحمل اسم الابن، وبسبب ذاك الذي من الآب، فإنه وهو المولود من الله، إله حق، قد صار إنسانًا، وأخذ طبيعتنا، ماعدا الخطية.

القديس كيرلس الكبير

+ إنه (الآب) يعرف أنه قد ولده، كما يعرف هو أيضًا أنه مولود منه. وباختصار أذكر ما جاء في الإنجيل: "أنه لا يعرف أحد الابن إلا الآب، ولا الآب إلا الابن" (مت 27:11، يو 15:10؛ 25:17).

القديس كيرلس الأورشليمي

+ إنه يعرف الآب بنفسه، ونحن نعرفه به... إذ يقول: "الله لم يره أحد قط، الابن الذي في حضن الآب هو يخبر" (يو ١: ١٨). هكذا به ننال هذه المعرفة التي يعلنها لنا.

+ تذكروا كيف أن الرب يسوع المسيح هو الباب والراعي، الباب بتقديم نفسه لكي يُعلن، والراعي الذي يدخل بنا بواسطته. بالحقيقة يا اخوة، لأنه هو الراعي يعطي لأعضائه أن يصيروا مثله. فإن كلا من بطرس وبولس وغيرهما من الرسل وكل الأساقفة الصالحين كانوا رعاة. لكن لا يدعو أحد منا نفسه أنه الباب. فقد ترك هذا بالتمام لنفسه. في اختصار مارس بولس عمل الراعي الصالح عندما كرز بالمسيح، إذ دخل من الباب. لكن حينما بدأ القطيع غير المهذب يسبب انشقاقات، وأن يقيموا أبوابًا أخرى أمامهم... قال بولس أنا لست الباب؛ "هل صُلب بولس من أجلكم، أو هل اعتمدتم باسم بولس؟!" (١ كو ١: ١٢-١٣).

القديس أغسطينوس

"ولي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة،

ينبغي أن آتي بتلك أيضًا،

فتسمع صوتي،

وتكون رعيةً واحدةً، وراعٍ واحدٍ". (16)

يقدم لنا الراعي الصالح في هذا السفر تأكيده عن المعرفة الفريدة المتبادلة بين الآب والابن، علامة وحدة الفكر والإرادة ووحدة العمل معًا (مع وحدة الجوهر الإلهي)، كمثال للمعرفة بينه وبيننا كخاصته المحبوبة لديه التي تجد أبديتها في قبول مشيئته وقوته والعمل به ومعه! يتحدث بعد ذلك عن الخراف الآخر التي من الأمم، بكونها خرافه التي يأتي بها إليه لتكون مع خراف بيت إسرائيل رعية واحدة لراعٍ واحد.

بقوله: ينبغي أن "آتِ بتلك" يؤكد السيد المسيح دوره الإيجابي في اقتناء الأمم شعبًا له، فهو الذي يقدم دمه ثمنًا لخلاصهم، وهو الذي يعمل بروحه فيهم ليجتذبهم، لكن ليس بغير إرادتهم. إنه يفتح قلوب مؤمنيه لمحبة كل البشرية المدعوة للتمتع برعاية السيد المسيح مخلص العالم. وفي نفس الوقت يحطم تشامخ اليهود الذين ظنوا أن المسيا قادم إليهم وحدهم، وإنهم قطيع الله الفريد، متطلعين إلى الأمم ككلابٍ بين القطيع.

بقوله "ينبغي" يؤكد السيد التزام الحب؛ حبه الإلهي يلزمه بتقديم ذاته ذبيحة لفداء قطيعه بسرورٍ.

إنه يأتي بالكل من جميع الأمم ليردهم إلى المرعى الحقيقي، الكنيسة المقدسة؛ يفتح لهم أبوابها السماوية ليدخلوا بعد تيه في البرية لزمانٍ هذا مقداره. إنه ينسبهم له، فهم قطيعه الذي خلقه ويهتم بخلاصه، ويقدم دمه الثمين ثمنا لخلاصهم، يردهم في كرامةٍ ومجدٍ.

هذا القطيع أيًا كان مصدره، إذ هو قادم من أمم كثيرة، يسمع صوت الراعي الواحد فيؤمن به، إذ الإيمان بالاستماع، فينجذبون إليه ويتحدون معه كأعضاءٍ لجسدٍ واحدٍ لرأس واحد. وكما يقول الرسول: "جسد واحد، وروح واحد، كما دُعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد، رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم" (أف ٤: ٤-٦). هكذا ترتبط وحدة القطيع أو الوحدة الكنسية بوحدة الراعي.

+ كأنه يقول: ما بالكم تتعجبون إن كان هؤلاء القوم سيتبعونني، وإن كان غنمي يسمع صوتي، لأنكم إذا رأيتم أغنام أخرى تتبعني وتسمع صوتي فستذهلون حينئذ ذهولاً عظيمًا.

+ "ينبغي أن آتي بتلك"، كلمة "ينبغي" هنا لا تعني "ضرورة"، بل هي إعلان عما سيحدث حقًا كأنه يقول: لماذا تتعجبون إن كان هؤلاء يتبعونني وإن كانت خرافي تسمع صوتي؟ فإنكم سترون آخرين أيضًا سيتبعونني ويسمعون صوتي، فتكون "دهشتهم أعظم". لا ترتبكون عندما تسمعونه يقول: "ليست من هذه الحظيرة"، فإن الاختلاف يخص الناموس وحد، كما يقول بولس: "لا الختان ينفع شيئًا، ولا الغرلة" (غلا ٥: ٦).

"ينبغي أن آت بتلك أيضًا" (١٦). لقد أظهر أن هؤلاء وأولِئك قد تشتتوا وامتزجوا، وكانوا بلا رعاة، لأنه لم يكن بعد قد جاء الراعي الصالح. عندئذ أعلن عن وحدتهم المقبلة إذ يصيروا رعية واحدة. وهو نفس الأمر الذي أعلنه بولس بقوله: "لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا" (أف ٢: ١٥).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ "أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟ لماذا أكون كمقنَّعة عند قطعان أصحابك" (نش 7:1).

"أين ترعى أيها الراعي الصالح، يا من تحمل القطيع كله على كتفيك؟ لأنك إنما حملت خروفًا واحدًا على كتفيك ألا وهو طبيعتنا البشرية.

أرني المراعى الخضراء.

عرفني مياه الراحة (مز 2:22).

قدني إلى العشب المشبع.

ادعني باسمي (يو 16:10) حتى اسمع صوتك، أنا خروفك، أعطني حياة أبدية.

القديس غريغوريوس النيسي

+ ضرب الفريسيين المعاندين بطرق متنوعة. هنا سمح لهم أن يلاحظوا أنهم على وشك نزعهم عن رعاية شعبه، الذي يدبر أمورهم بنفسه الآن. إنه يعني إن الخلط بين قطعان الأمم مع أولئك الذين لهم إرادة صالحة من شعب إسرائيل، فلا يعود يحكم اليهود وحدهم، بل ينتشر مجد نوره على الأرض كلها. إنه يرغب ألا يُعرف في إسرائيل وحدها منذ البداية، بل يقدم لكل الذين تحت السماء معرفة الله الحقيقي.

القديس كيرلس السكندري

+ توجد سفينتان (لو ٥: ٢) منهما دعا تلاميذه. إنهما تشيران إلى هذين الشعبين (من اليهود ومن الأمم)، عندما ألقوا شباكهم وأخرجوا صيدًا عظيمًا وعددًا كبيرًا من السمك، حتى كادت شباكهم تتخرق. قيل "امتلأت السفينتان" تشير السفينتان إلى الكنيسة ولكنها تتكون من شعبين، ارتبطا معًا في المسيح، وإن كانا قد جاءا من أماكن متباينة.

عن هذه أيضًا الزوجتان اللتان لهما زوج واحد يعقوب، وهما ليئة وراحيل، كانتا رمزًا (تك ٢٩: ٢٣، ٢٨). وعن هذين الشعبين كان الأعميان رمزًا، جلسا على الطريق ووهبهما الرب النظر (مت ٢٠: ٣٠). وإن دققت في الكتاب المقدس تجد الكنيستين اللتين هما كنيسة واحدة وليس اثنتين قد رمز لهما في مواضع كثيرة.

القديس أغسطينوس

+ أخيرًا، الذبائح نفسها التي للرب تعلن أن الاجتماع المسيحي يرتبط بذاته بحب ثابت لا ينفصل. لأن الرب عندما دعا الخبز الذي يتكون من وحدة حبوب كثيرة جسده، يشير إلى شعبنا الذي يحمل اتحادًا. وعندما يدعو الخمر المعصور من عناقيد العنب والحبوب الصغيرة جدًا التي تجتمع معًا في دمه الواحد، هكذا أيضًا يعني قطيعنا الممتزج معًا بجماهير متحدة.

الشهيد كبريانوس

 

 

من وحي يو 10

لتحملني على منكبيك وتغسلني بدمك!

+ وسط ضجيج العالم الذي لا ينقطع،  أرى وجهًا مشرقًا، واسمع صوتًا رقيقًا جذّابًا!

إنه وجهك يا من أنت أبرع جمالاً من بني البشر!

إنه صوتك الفريد الذي يسحب كل مشاعري!

أنت هو راعيّ الصالح، المحب لنفسي!

+ أنت هو الراعي، والباب، والبوّاب.  أنت هو الراعي الذي يتقدم خطواتي،

ليقتل كل ذئب مفترس.  تتقدّمني لتدخل بي إلى مراعيك السماوية الفريدة.

تتقدّمني لترتفع على الصليب، فتغسلني بدمك الطاهر!

تحمل عصاك لتقتل بها عدوّي، وبها تؤدبني بروح الحنو واللطف،

وبها تقودني لأدخل في أحضانك.

تحمل مزمارًا، لتعلن فرحك الكامل بي، فيكمل فرحك فيّ، يا مصدر كل سعادة.

+ أنت هو الباب والبوّاب. كيف يدخل إلى حضنك أبيك إلا بك يا باب الأحضان الإلهية؟

هل من باب آخر أدخل به سواك؟

أنت هو البوّاب، تقودني إليك،

وتغلق عليّ فيك،

فلن يقدر عدو أن يدخل معي، ولا أن يمسّني!

+ ماذا أرد لك مقابل هذه الرعاية الفريدة الفائقة؟

هب لي أن أتحد بك، فأصير بك ومعك راعيًا!

أحبك، فأرعى بك ومعك غنمك. يكمل فرحي بخلاص الكثيرين.

وأجد لذّتي في شركتي معك بروح الرعاية الحقيقية.

+ رعايتك حملتك بإرادتك إلى الموت والقيامة.

بسلطانك أخذت نفسك وأبهجت الذين في القبور!

هب لي مجد الشركة معك في صلبك، وهب لي بهجة التمتع بقيامتك!

+ في عيد التجديد كنت تتمشى في رواق سليمان،

هوذا رواق ملك السلام في داخلي، لتدخل وتتمشى، فأتمشّى معك، وأسمع صوتك.

لتقم في داخلي عيدًا دائمًا للتجديد المستمر لهيكلك في داخلي!

+ لتُعلن في داخلي أنك واحد مساوٍ لأبيك. أؤمن يا سيدي، فقد رأيتك وتمتعت بأعمالك!

أعمالك تشهد لك، فقد حوّلت مقبرتي إلى مقدسٍ،

وحوّلت قلبي إلى سماواتك، وحوّلت ظلمتي إلى نورٍ،

أعلنت حضرتك في داخلي! فماذا أطلب بعد؟

 

+       +      +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt