طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 5 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 105 : 14 ، 15

لو 11 : 37 - 51

مز 105 : 26 ، 27 ، 45

مت 17 : 1 - 9

عب 11

17 - 27

2 بط 1 : 19

- 2 : 8

أع 15

21 - 29

مز 99 : 6 ، 7

مت 23 : 13 - 36

 

إنجيل باكر من مت 17 : 1 – 9

1 و بعد ستة ايام اخذ يسوع بطرس و يعقوب و يوحنا اخاه و صعد بهم الى جبل عال منفردين
2 و تغيرت هيئته قدامهم و اضاء وجهه كالشمس و صارت ثيابه بيضاء كالنور
3 و اذا موسى و ايليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه
4 فجعل بطرس يقول ليسوع يا رب جيد ان نكون ههنا فان شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة و لموسى واحدة و لايليا واحدة
5 و فيما هو يتكلم اذا سحابة نيرة ظللتهم و صوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا
6 و لما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم و خافوا جدا
7 فجاء يسوع و لمسهم و قال قوموا و لا تخافوا
8 فرفعوا اعينهم و لم يروا احدا الا يسوع وحده
9 و فيما هم نازلون من الجبل اوصاهم يسوع قائلا لا تعلموا احدا بما رايتم حتى يقوم ابن الانسان من الاموات

 

ملكوت أخروي وَاقعي

إذ وعد السيّد تلاميذه أن قومًا منهم يرون ابن الإنسان آتيًا في ملكوته، أخذ ثلاثة من تلاميذه ودخل بهم إلى ملكوته الأبدي متجليًا على جبل تابور، لكنّه عاد فنزل معهم، لنعيش هذا الملكوت خلال حياتنا الواقعية على الأرض متجهيّن نحو الصليب.

 

التجلّي

التجلّي هو دخول بالنفس إلى تذوّق الحياة الأخرويّة، لترى عريسها قادمًا في ملكوته، معلنًا لها أمجاده الإلهيّة بالقدر الذي يمكنها أن تحتمله وهي بعد في الجسد. هذا العمل الإلهي الذي تحقّق بطريقة ملموسة على جبل تابور أمام ثلاثة من التلاميذ ونبيّين من رجال العهد القديم، يتحقّق بصورة أو أخرى داخل القلب من حين إلى آخر، لكي يقدر أن ينسحب نحو العُرس الأبدي مشتاقًا إلى الانطلاق نحو الحياة الإنقضائيّة، فيحمل دفعة روحيّة قويّة تسند الإنسان في حمله الصليب والشهادة للسيّد المسيح.

التجلّي هو إعلان" الملكوت السماوي" الممتد فوق كل حدود الزمان، يقدّم للنفس البشريّة التي قبلت أن تكون إيجابيّة فيه بحمل صليب عريسها الملك، والدخول معه إلى الموت يوميًا للتمتّع بقوة قيامته. إنه يمثّل دفعه قويّة يهبها الملك المسيّا لجنوده الروحيّين للجهاد المستمر ضدّ إبليس وأعماله، ليهب فيهم الحنين نحو المكافأة الأبديّة والتمتّع بشركة الأمجاد السماويّة.

إذن فالتجلّي الذي تحقّق مرّة في حياة ثلاثة من التلاميذ، صار رصيدًا قدّمه السيّد لحساب الكنيسة كلها، تسحب منه كل يوم فيتزايد. تطلبه فتجده خبرة يوميّة تقويّة، يعيشها المؤمن على جبال الله المقدّسة، أي وصاياه، خلال الكنيسة سواء في عبادته الجماعيّة أو العائليّة أو الشخصيّة، كما يتذوّقها أثناء عمله بل ونومه، وفي تعامله مع الأتقياء كما مع الأشرار. إنه لقاء مستمر مع ربّنا يسوع المسيح على الدوام، فيه يكشف أمجاده جديدة في كل لحظة من لحظات حياتنا، حتى نلتقي به وجهًا لوجه في مجيئه الأخير.

بين التجلّي وأحداث الصلب

ارتبط التجلّي بأحداث الصلب والقيامة، فإنه لا يمكن للمؤمن أن يرتفع على جبل التجلّي ليرى بهاء السيّد ما لم يقبل صليبه ويدخل معه آلامه ليختبر قوّة قيامته فيه، فيُعلن الرب أمجاده له. ومن جانب آخر ما كان يمكن للتلاميذ أن يتقبّلوا آلامه ويُدكوا سرّ قيامته ما لم يهيِّئهم - خلال ثلاثة منهم - بالتجلّي.

+ إذ تحدّث الرب كثيرًا عن المخاطر التي تنتظره وآلامه وموته، وعن موت التلاميذ والتجارب القاسية التي تلحق بهم في الحياة... كما حدثهم عن أمور صالحة كثيرة يترجّونها، من أجلها يخسرون حياتهم لكي يجدوها، وإنه سيأتي في مجد أبيه ويهبنا الجزاء، لهذا أراد أن يُظهر لهم ما سيكون عليه مجده عند ظهوره، فيروا بأعينهم ويفهموا قدر ما يستطيعون، لهذا أظهر لهم ذلك في الحياة الحاضرة (بالتجلّي)...

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

+ القوم الذين قال عنهم أنهم لا يذوقون الموت حتى يعاينوا صورة مجيئه ورمزه، هم هؤلاء التلاميذ الثلاثة الذين أخذهم معه إلى الجبل، وأعلن لهم طريقة مجيئه في اليوم الأخير في مجد لاهوته وجسد تواضعه...

صعد بهم إلى جبل عال لكي يُظهر لهم أمجاد لاهوته... فلا يتعثّروا فيه عندما يرونه في الآلام التي قبلها بإرادته، والتي احتملها بالجسد من أجلنا...

صعد بهم إلى جبل لكي يُظهر لهم ملكوته قبلما يشهدوا آلامه وموته، فيرون مجده قبل عاره، حتى متى كان مسجونًا ومُدانًا من اليهود يفهمون أنه لم يصلب بواسطتهم عن عجز، بل لأنه سُرّ بصلاحه أن يتألّم لأجل خلاص العالم.

أصعدهم إلى جبل لكي يُظهِر لهم قبل قيامته مجد لاهوته حتى متى قام من الأموات يدركون أنه لم يتقبّل هذا المجد كجزاء لعمله كمن لم يكن له هذا المجد، وإنما له هذا المجد منذ الأزل مع الآب والروح القدس. وكما سبق فقال عندما ذهب إلى الآلام بإرادته: "الآن مجّدني أيها الآب بالمجد الذي لي قبل إنشاء العالم" (يو17: 9).

القدّيس مار إفرآم السرياني

الستّة أيام

يؤرِّخ معلّمنا متّى حادثة التجلّي "بعد ستّة أيام" [1] من وعد السيّد لتلاميذه أن منهم قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته (16: 28). بينما يؤرِّخه القدّيس لوقا باليوم الثامن من هذا الوعد. ليس في هذا تناقض، وإنما اتفاق وسرّ روحي عجيب. فمعلّمنا لوقا الإنجيلي أحصى اليوم الذي فيه أعلن الرب وعده ويوم التجلّي ذاته، أمّا معلّمنا متّى فتحدّث عن الأيام الستّة ما بين اليوم الذي أعلن فيه وعده واليوم الذي تمّ فيه التجلّي. ولم يحدث هذا بلا هدف، وإنما كشف متّى البشير حقيقة يكمّلها لوقا البشير. فإن التجلّي هو إعلان ملكوت المسيّا المخلّص الأخروي، الذي يتحقّق بعد الزمان أي يتمّ في اليوم الثامن الذي يُشير إلى الأبديّة بكونه اليوم الذي يلي نهاية الأسبوع "7". وقد سبق لنا الإشارة إلى رقم 8 في مواضع كثيرة كرمزٍ للحياة الأخرويّة المُقامة. أمّا رقم 6 الذي أورده هنا معلّمنا متّى فيحمل معانِ كثيرة منها:

أولاً: نحن نعلم أن رقم 6 يُشير إلى النقص، لهذا فإن اسم الوحش عدده 666 أي ناقص إلى النهاية، وفي نفس الوقت يُشير إلى كمال عمل الإنسان على الأرض حيث يعمل ستّة أيام ويبقى ناقصًا حتى يتمّ براحته في اليوم السابع أو السبت. هذا الكمال البشري مهما بلغ فهو ناقص، لأننا إن فعلنا كل البرّ نقول أننا عبيد بطّالون. وكأن لمحات التجلّي المُبهجة توهَب للنفس المجاهدة في الرب، الحاملة الصليب كل أيامها الستة، والتي تحسب كاملة في جهادها ناقصة في عينيّ نفسها. حينما يدخل الإنسان إلى حياة الجهاد القانوني بالروح القدس يعترف الإنسان بنقصه، أمّا الله فيراه بارًا، مشرقًا عليه بتجلٍّ خفي في القلب كهبة إلهيّة تسنده وتلهبه لجهاد أعظم، مشتهيًا التمتّع بالتجلّي لا على جبل تابور، وإنما في الأعالي على العرش الإلهي.

ثانيًا: يرى العلاّمة أوريجينوس أن المؤمن لا يقدر أن يرتفع مع السيّد على جبل تابور لينعم بالتجلّي ما لم يعبّر الأيام الستّة للعمل وخلقه العالم المنظور، أي يتعدّى المنظورات وينطلق خارج محبّة العالم، إذ يقول: "خلق العالم في ستّة أيام، أي العدد الكامل (للعمل)... لهذا أظن أن من يتخطّى كل أمور العالم غير ناظر إلى المنظورات لأنها وقتيّة، إنّما يتطلّع إلى غير المنظورات وحدها بكونها أبديّة، يتمّ فيه القول: "بعد ستّة أيام أخذ يسوع..." أشخاصًا معيّنين. فمن يرغب في أن يأخذه يسوع، ويصعد به إلى جبلٍ عال،ٍ ويتأهّل لرؤية تجلِّيه منفردًا، يلزمه أن يجتاز الأيّام الستّة، فلا يرى المنظورات ولا يحب العالم ولا الأشياء التي فيه (1 يو 2: 15)، ولا يرغب في شهواته التي هي شهوات الجسد، ولا يطلب غنى الجسد ومجده، الأمور التي تشتِّت الذهن وتسحبه عن الأمور الإلهيّة الصالحة، وتنحدر به إلى أسفل، وتخدعه بأمور هذه الحياة من غنى ومجد وراحة في الشهوات، التي هي أعداء الحق. من يعبر الأيام الستّة كما قلنا إنّما يحفظ سبتًا جديدًا، ويفرح على جبل عالِ، إذ يرى يسوع متجلِّيًا قدّامه، لأن الكلمة يحمل أشكالاً متعدّدة، فيظهر لكل واحد قدر احتماله، ولا يُعلن عن نفسه أكثر من قُدرة ناظره".

ثالثًا: يرى القدّيس أمبروسيوس في هذا إشارة إلى انقضاء الدهر إذ يقول: [نستطيع أن نقول أنه بعد ستّة آلاف سنة، لأن ألف سنة عند الرب كيوم (مز 89: 4)... إذ خلق العالم في ستّة أيام. بهذا يكشف لنا عن القيامة التي تحدُث عند نهاية زمن العالم. بمعنى آخر من يرتفع فوق العالم، فوق أزمنة الدهر، ويثبت في الأعالي يتطلّع إلى ثمار الأبديّة التي للقيامة العتيدة. إذن فلنتخطّى أعمال الحياة حتى نستطيع أن نرى الله وجهًا لوجه.]

التلاميذ الثلاثة

اختار السيّد المسيح ثلاثة من تلاميذه للتمتّع بالتجلّي، هم بطرس ويعقوب ويوحنا، فإن بطرس الذي يعني الصخرة يُشير إلى الإيمان، ويعقوب عُرف بجهاده وحياته البارة، كما عُرف يوحنا بالحبيب. وكأن النفس لن ترتفع على جبل تابور للتمتّع برؤية عريسها في ملكوته الأبدي، ما لم تحمل في داخلها الإيمان العامل بالمحبّة. ويرى القدّيس هيلاري أسقف بواتييه أن الثلاثة رجال يشيرون إلى البشريّة كلها، كل الأمم، التي جاءت كنسلٍ لسام وحام ويافث، صار لها حق الصعود مع السيّد للتمتّع بتجلّيه.

الجبل العالي

ما هو هذا الجبل العالي الذي نرتفع به ليُعلن الكلمة الإلهي ذاته لنا إلا كلمة الله ذاته ووصيّته الإلهيّة!

يقول العلاّمة أوريجينوس: [أن السيّد أعلن لاهوته للذين صعدوا على الجبل العالي، أمّا للذين هم أسفل فظهر لهم في شكل العبد. إنه يسأل من يشتاق أن يتعرّف على حقيقة السيّد ويتجلّى قدامه أن يرتفع مع يسوع خلال الأناجيل المقدّسة على جبل الحكمة خلال العمل والقول.] وفي نفس المعنى يقول القدّيس أمبروسيوس: [هلم نصعد على الجبل ونتضرّع إلى كلمة الله ليكشف لنا عن ذاته في مجده وجماله.]

لا يقدر الإنسان أن ينطلق إلى الملكوت ليرى المجد الإلهي إلا خلال كلمة الله المكتوبة وكلمة الله المتجسّد. فإن السيّد المسيح المتجسّد يحملنا خلال الكلمة المكتوبة وينطلق بنا فيه ومعه ليرتفع بنا إلى القمم العالية منفردين، فيتصاغر العالم جدًا في أعيننا، ونخلع عنّا كل ارتباك وهمّ، كما يفقد العالم قوّة إغراءاته، لتنسحب قلوبنا بالكامل نحو السماء، فنرى ملكوت الرب معلنًا أمامنا وفينا.

تغيير هيئته

"وتغيّرت هيئته قدّامهم، وأضاء وجهه كالشمس،

وصارت ثيابه بيضاء كالنور" [2].

هذا التغيير في الحقيقة هو كشف لحقيقة مخفيّة وأمجاد قد سترها الله وراء الجسد حتى يمكنه أن يقترب من جُبلتنا الضعيفة، ونحن نقترب إليه دون أن نحترق! إنه يُعلن بهاء لاهوته قدر ما نحتمل وحسبما يسندنا، حتى ندخل في اليوم الأخير إلى التمتّع بكمال أمجاده.

هذا التجلّي أيضًا كان بصورة أو أخرى لحسابنا، فكما بإعلان بنوَّته الإلهيّة الفريدة في مياه المعموديّة صار لنا حق البنوّة فيه للآب، فقد صار لنا بالتجلّي حق التمتّع بالطبيعة الجديدة المجيّدة التي على صورته المقدّسة، بخلعنا الإنسان العتيق الفاسد وحملنا الإنسان الجديد، والذي يتجدّد أيضًا كل يوم في المسيح يسوع بروحه القدّوس، فينطلق بنا من مجد إلى مجد، ويرتفع بنا من جبل إلى جبل، واهبًا إيّانا جناحيّ حمامة منطلقة نحو عريسها لتستقرّ في أحضانه، وتبقى معه في الفلك الأبدي بين يديه.

يضيء وجه السيّد كالشمس فتستضيء حياتنا به كالقمر، ونبقى في نوره الأبدي لا تقدر الظلمة الدهرية أن تقترب إلينا، ولا يكون لرئيسها موضع فينا، لا في الروح ولا في الجسد. نتلألأ كمؤمنين حقيقيّين على جبل التجلّي بنور السيّد المسيح ككواكبٍ مشرقةٍ مملوءةٍ بهاءً، فتضيء نفوسنا بثمار الروح القدس والنار وتتقدّس أجسادنا بكل أعضائها وأحاسيسها ومواهبها وعواطفها، ويتحوّل الإنسان إلى ملاك منير منجذب نحو النور بغير تردّد.

+ ظهر لتلاميذه حسبما يكون عليه في الدينونة العتيدة، لكن لا يظن أحد أنه خلع عنه شكله الأرضي ومظهره الخارجي، أو نزع عنه حقيقة جسده...

لقد وصف الإنجيلي كيف تغيّرت هيئته، قائلاً: "وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور (أو كالثلج)".

عندما يتحدّث عن ضياء وجهه وبياض ثيابه لا يخفي هيئته، إنّما تتغيّر بالمجد. إنها بلا شك تغيّرت على شبه مجده الذي سيكون له في ملكوته. صبغ هيئته بالسمُوّ، لكنّه لم ينزع عنه مظهره الخارجي.

القدّيس جيروم

+ أضاء وجهه ليس كما أضاء وجه موسى من الخارج، وإنما أشعّ مجد لاهوته من وجهه (أي من ذاته)، ومع هذا ظلّت أمجاده فيه. من ذاته يشع نوره ويبقى نوره فيه. إنه لا يأتيه من الخارج ليزيِّنه!... ولا يقبله لاستخدامه إلى حين! إنه لم يكشف لهم أعماق لاهوته التي لا تُدرك، وإنما كشف لهم قدر ما تقدر أعين التلاميذ أن تتقبّل وتميّز!

مار إفرآم السرياني

+ يضيء وجهه كالشمس ليُعلن ذاته لأبناء النور، هؤلاء الذين خلعوا أعمال الظلمة ولبسوا أسلحة النور (رو 13: 12)، فلم يعودوا بعد أبناء ظلمة أو أبناء ليل، بل صاروا أبناء نهار، يسلكون بأمانة كما في النهار (رو13:13، 1تس5: 5). بكشفه عن ذاته يضيء عليهم ليس بشمس بسيطة، وإنما بكونه شمس البر.

العلاّمة أوريجينوس

أما الثوب الأبيض فيُشير إلى كنيسة المسيح الملتصقة به كمن هو ملتحف بها، قد صارت بيضاء كالنور لأن عريسها حالّ في داخلها، شمس البرّ الذي جاء يضيء فيها، فتصير بيضاء كالنور، تحمل طبيعة النور. وقد سبق فرأينا أن هذا الثوب يُشير إلى العرس الأبدي، حيث تتقدّم أيضًا العروس بثوب إلى الرجلين (رؤ 19: 8). لتُزفّ مع عريسها في حضرة الأربعة وعشرين قِسِّيسًا.

+ ثيابه هي الكنيسة... في هذا الثوب كان بولس كما لو كان هُدْبًا، إذ قال عن نفسه: "لأني أصغر الرسل" (1 كو 15: 9). في موضع آخر يقول: "لأني آخر الرسل"؛ الهُدْب في الثوب هو آخر وأقل شيء فيه، لذلك فإن المرأة التي كانت تعاني من نزف الدم إذ لمست هُدْب ثوب المسيح بَرِئت، هكذا الكنيسة التي جاءت من الأمم صارت صحيحة خلال تعاليم بولس الرسول. أي عجبٍ في الإشارة إلى الكنيسة بالثوب الأبيض إن سمعت إشعياء النبي يقول: "إن كانت خطاياكم كالقرمز تبْيَض كالثلج" (إش 1: 18)!

القدّيس أغسطينوس

ويُعلّق العلاّمة أوريجينوس على قول الإنجيلي: "تغيّرت هيْئته قدّامهم" [2]، مركِّزًا على كلمة "قدّامهم". فإن السيّد المسيح هو هو لا يتغيّر، لكن من يتطلّع إليه خلال الأناجيل المقدّسة دون أن يصعد على جبل الحكمة المقدّسة، لا يقدر أن يرى مجده ويُدرك أسراره، أمّا من يرتفع على هذا الجبل فينعم بالتجلّي.

ظهور موسى وإيليّا

"وإذا موسى وإيليّا قد ظهرا لهم يتّكلمان معه" [3].

ليس عجيبًا أن الله الذي يُعلن ملكوته هنا خلال شعبه وسط كنيسته مختفيًا فيها، يُعلن لنا بهاءه الأبدي ليس منعزلاً عنّا. إنه يحيط به قدّيسوه وينعمون بالحديث معه كأب وأخ بكر وعريس وصديق. إنه يفرح بالبشريّة، ويدخل معهم في معاملات، لا على مستوى زمني مؤقَّت، وإنما معاملات أبديّة لا تنتهي. أمّا اختيار موسى وإيليّا فلم يكن بلا هدف، وإنما يمكن تعليله هكذا:

أولاً: كان موسى الرجل الذي شهد عنه الله نفسه أنه أحلم إنسان على الأرض، إذ قاد هذا الشعب غليظ الرقبة أربعين عامًا وسط تذمُّرات منهم بلا انقطاع، يشفع فيهم لدي الله. لقد أعلن الله غضبه، بقوله: "اتركني ليَحمَى غضبي عليهم وأفنيهم فأصيِّرك شعبًا عظيمًا" (خر 32: 10)، أمّا هو فتضرّع عنهم أمامهم، مفضلاً الشعب عن نفسه بقوله: "والآن إن غفرتَ خطيتّهم وإلا فامحني من كتابك الذي كَتبتْ" (خر 32: 32). وكان إيليّا الرجل الناري الملتهب بالغيرة الذي وقف أمام أخاب الملك وإيزابل، وقتل كهنة البعل، وطلب نارًا لتحرق رسل الملك... وكأن ملكوت المسيح إنّما هو ملكوت الوداعة والحلم، لكن ليس بلا غيرة؛ ملكوت الحب ولكن ليس بتدليل؛ الملكوت المتَّسِع لمغفرة الخطايا والصفْح عن السقطات في استحقاقات الدم، ولكن ليس في استهانة أو استهتار. فالسيّد المسيح بتجلّيه يكشف عن ملكوته الذي هو كنيسته، تحمل روح الحلم فتشفع في الخطاة، خلال الصليب المقدّس، لكن دون تهاون في الحق أو مهادنة مع الخطيّة.

لعلّ السيّد أحضر موسى وإيليّا كمََثلين للتلاميذ فيََغِِيروا منهما في الأمور الحُسنَى، فتكون لهم وداعة موسى وغيرة إيليّا على مجد الله.

ثانيًا: جاء موسى النبي إلى حضرة الملك المسيّا ممثِّلاً الأعضاء الراقدة في الرب، النفوس التي رحلت عنّا بالجسد لكنها مرتبطة معنا حول المسيح الواحد الذي يملك على الجميع. وأما إيليّا النبي فجاء يمثّل الأعضاء المجاهدة إذ لم يمت إيليّا. وكأن الكل يلتقون معًا كأحياء في الرب.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [بهذا يُخبرهم أن له سلطان على الموت والحياة، وأنه المدبِّر في الأعالي وأسفل، لهذا جلب من مات، ومن لم يُعاني من الموت.]

ثالثًا: إن كان موسى قد تسلّم الناموس وإيليّا يمثّل الأنبياء، فإن تجلِّي السيّد المسيح بينهما إنّما يُشير إلى أنه هو غاية الناموس ومركز النبوّات.

+ أمّا كوْن موسى وإيليّا هما وحدهما من كل جموع القدّيسين قد حضرا فهذا يعني أن المسيح في ملكوته يقف بين موسى وإيليّا.

القدّيس هيلاري أسقف بواتييه

+ من يرى مجد موسى مدرِكًا الناموس روحيًا في توافق مع يسوع، وينظر الحكمة المخفيّة في الأنبياء في سرّ (1 كو 2: 7)، إنّما يرى موسى وإيليّا وهما مع يسوع (أثناء التجلي).

العلاّمة أوريجينوس

+ ما هو نفع موسى وإيليّا، أي الشريعة والنبوّة إلا الحديث مع الرب؟! يشهد بذلك الذين يقرأون الناموس والنبوّة عن الرب. لاحظ كيف يعبّر الرسول عن ذلك باختصار: "لأن بالناموس معرفة الخطيّة، وأما الآن فقد ظهر برّ الله بدون الناموس" الذي ينظر الشمس مشهودًا لها من الناموس والأنبياء (رو 3: 20-21).

القدّيس أغسطينوس

رابعًا: موسى وإيليّا يمثّلان رجال العهد القديم، وبطرس ويعقوب ويوحنا يمثِّلون رجال العهد الجديد، وكأن السيّد المسيح هو مركز الكتاب المقدّس بعهديه، أو هو سرّ خلاص الكل ومشتهى الجميع. يرى القدّيس مار إفرآم السرياني أن موسى وإيليّا جاءا نيابة عن رجال العهد القديم يشاركان رجال العهد الجديد بهجتهم بالتمتّع بالمسيّا المخلّص الذي طال انتظار البشريّة له، إذ يقول: [هكذا كان حديثهما معه؛ يقدّمان له الشكر إذ حقّق ما قالاه هما وكل الأنبياء... لقد امتلأ الأنبياء بهجة وأيضًا التلاميذ بصعودهم على الجبل. لقد فرح الأنبياء لأنهم شاهدوا تأنّسه... وابتهج التلاميذ لأنهم رأوا مجد لاهوته الذي لم يكونوا بعد قد عرفوه.]

خامسًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الجموع سبق فقالت عن السيّد أنه إيليّا أو أحد الأنبياء (مت 16: 14)، لهذا جاء بقائدي طغمة الأنبياء ليُظهر لتلاميذه الفارق بين العبيد والرب، وأن بطرس على حق في اعترافه أنه ابن الله الحيّ.

سادسًا: إن كان السيّد المسيح في طريقة للمحاكمة يُتّهم بأنه صانع شرّ أي ناقض للناموس، ومجدّف أذ ينسب لنفسه مجد الآب. لهذا قدّم السيّد شهادة سابقة على مستوى فائق من موسى كمستلم الناموس يشهد للسيّد أنه حافظ للناموس وليس ناقضًا له؛ ومن إيليّا الغيور على مجد الله معلِنًا مجد يسوع. وكأن موسى جاء يشهد عن المسيح أنه ليس بفاعل شر،ّ وإيليّا يشهد عنه أنه ليس بمجدّف.

سابعًا: جاء موسى وإيليّا يُعلنان الغلبة الحقيقيّة للسيّد المسيح على الشيطان. لقد واجه موسى فرعون وغلب، وواجه إيليّا آخاب وغلب، أمّا يسوع فيُواجه إبليس ليغلب عن البشريّة كلها وباسمها.

ثامنًا: إذ ارتفع موسى على جبل سيناء تقبَّل الشريعة المقدّسة وسط سحاب كثيف، أمّا إيليّا وهو على الجبل فطلب من الله أن يُرسل نارًا ليحرق رئيسيّ الخمسين وجنودهما. لقد تحقّق هذا في كماله في المسيح يسوع ربّنا الذي هو كلمة الله المقدّم لنا خلال تجسّده ،مختفيًا كما في سحاب، فلا يقدر أحد أن يعاينه بنفسه. وهو النار المتّقدة الذي أحرق رياء اليهود ووثنيّة الأمم لتقديس البشريّة كلها.

تاسعًا: يقدّم لنا القدّيس جيروم تعليلاً لظهور موسى وإيليّا بقوله: [لنلاحظ أنه رفض تقديم آية من السماء للكتبة والفرّيسيّين الذين طلبوا منه ذلك، وها هو يعطي علامة من السماء لكي يزيد إيمان تلاميذه، إيليّا نزل من حيث صعد، وموسى يقوم من بين الأموات.]

عاشرًا: في التجلّي ظهر موسى وإيليّا وكان حاضرًا بطرس ويعقوب ويوحنا؛ فكان السيّد على الجبل بين خمسة من رجال العهدين، وكأن السيّد يريد أن نرتفع بروحه القدّوس إلى جبل تابور فيتجلّى خلال الحواس الخمس المقدّسة. فكلما تقدّست الحواس أعلن السيّد مجده فينا، وظهر بهاءه مُعلنًا في حياتنا.

اِحدى عشر: إن كان موسى وإيليّا من رجال العهد القديم الذين اهتم بقداسة الجسد، فإن بطرس ويعقوب ويوحنا من رجال العهد الجديد الذين اهتموا بقداسة الروح، وكأنّ تجلّي السيّد المسيح يتحقّق بتقديس الجسد والروح معًا.

جيد أن نكون ههنا

"فجعل بطرس يقول ليسوع: يا رب جيد أن نكون ههنا،

فإن شئتَ نصنع هنا ثلاث مظال،

لك واحدة ولموسى واحدة، ولإيليّا واحدة" [4].

إذ يتجلّى السيّد المسيح أمام النفس البشريّة وفي داخلها لا تقدر إلا أن تطلب البقاء معه إلى الأبد. ينسى الإنسان كل احتياجاته حتى الضروريّة، وكل أقربائه، ليبقى متمتّعا بالعريس الأبدي المتجلّي أمامه، لكن السيّد الذي أخلى ذاته من أجل خلاصنا بعد أن قدّم لنا سرّ تجلِّيه داخلنا يطالبنا بالنزول إلى إخوتنا، نشهد لهم عما رأينا وتمتّعنا، حاملين صليب الخدمة بفرح.

يرى العلاّمة أوريجينوس أن ما قاله الرسول بطرس من شوقه للبقاء في هذا الموضع قصد به بقاء السيّد هناك حتى لا ينزل ههنا، وذلك لخوفه على الرب إذ سمع أنه ينبغي أن يصعد إلى أورشليم. وإذ لم يجسر أن يكرّر القول له: "ارحم نفسك ولا تصعد" استخدم وسيلة أخرى لتحقيق ما في ذهنه. لقد رأى في هذا المكان المنفرد والهادئ موضعًا لائقًا للبقاء فيه. وإذ رغب أن يبقى فيه على الدوام كمكان للسكن طلب أن يصنع ثلاث مظال. لقد ظنّ بهذا أن الرب لا يصعد إلى أورشليم وبالتالي لا يتعرّض للموت. وإذ كان يُعلم أن الكتبة يترقّبونه فكّر أن معهم إيليّا الذي أنزل نارًا على الجبل (2 مل 1) وموسى الذي دخل في السحابة وتكلّم مع الله (خر 24: 33)، بهذا يكون هذا الجبل موضعًا لائقًا للاختفاء لا يمكن لأحد المضطهِدين أن يعرفه.

المظال الثلاث

أمر الله موسى النبي أن يقيم خيمة اجتماع أو مظلّة يحلّ فيها، علامة حضرته وسط شعبه ورعايته لهم، لكن معلّمنا بطرس الرسول إذ لم يكن بعد قد أدرك سرّ الوحدة بين الناموس والأنبياء والإنجيل، لم يطلب مظلّة واحدة تضم الثلاثة كعلامة للحضرة الإلهيّة، وإنما طلب ثلاث مظال.

لا ننسى موقف القدّيس بطرس المملوء محبّة، فإنه لم يطلب أن يُقيم لنفسه مظلّة، لأن "المحبّة لا تطلب ما لنفسها". وقد أجاب السيّد أيضًا بالمحبّة فلم يقبل أن تقام له مظلّة حتى لا يستقر على الجبل بعيدًا عن طريق الألم، إنّما أرسل سحابة نيّرة تظلِّله إلى حين، حتى إذ يتمّم إعلانه ينزل إلى الصليب. إنه لم يطلب ما لنفسه. وبنزوله نزل معه القدّيسون بطرس ويعقوب ويوحنا لكي يحملوا معه صليب الكرازة، ويسيروا معه طريق الآلام، طالبين ما هو للغير وليس ما هو لأنفسهم. اشتهى بطرس أن يبقى على الجبل، لكن السيّد ألزمه بالنزول ليُمارس الحب العامل.

+ أُخذ بطرس وابنا زبدي على جبل تعاليم الحق، ورأوا تجلِّي يسوع، وظهور موسى وإيليّا معه في المجد. لقد اِشتاقوا أن يُقيموا في داخلهم مظال لكلمة الله المزمع أن يحلّ في داخلهم، ولناموسه الذي رأوه في مجد، وللنبوة التي تتنبّأ عن الموت المزمع أن يتمّ (لو9: 31).

وإذ كان بطرس محبًا لحياة التأمّل مفضلاً التمتّع بها عن الحياة وسط الجماهير بضوضائها، تحدّث باسم من يحبون التأمّل: "جيد أن نكون ههنا" [4]. ولما كانت "المحبّة لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5) لم يحقّق يسوع ما ظنه بطرس كأمرٍ حسنٍ، بل نزل من الجبل إلى غير القادرين على الصعود والتمتّع بتجلّيه حتى يشاهدوه قدر ما يحتملون. فإنه يليق بالإنسان البار الذي له المحبّة التي لا تطلب ما لنفسها وهو حرّ في كل شيء أن يربط نفسه بالعبوديّة لجميع من هم أسفل حتى يربحهم (1كو9: 19).

العلاّمة أوريجينوس

+ تعب بطرس من الجموع وقد وُجد على الجبل وحده معه يسوع خبز الروح، لكن لاق به أن يرجع مرّة أخرى للعمل محتملاً الألم، مقتنيًا الحب المقدّس من أجل الله.

+ إنك ترغب في البقاء على الجبل يا بطرس، انزل "اِكرز بالكلمة، اِعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب. وبّخ، انتهر، عظ بكل أناة وتعليم" (2 تي4 : 2). احتمل، جاهد... حتى تنال ما يعنيه ثوب المسيح الأبيض من بهاء وجمال خلال عمل المحبّة المستقيم. فإنه متى قُرئ الرسول نسمعه يمدح المحبّة، قائلاً: "لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5)... وفي موضع آخر يطالب أعضاء المسيح أي المؤمنين بهذا الأساس للمحبّة: "لا يطلب أحد ما لنفسه، بل كل واحد ما هو للآخر" (1 كو 10: 24)... ويتحدّث عن نفسه: "غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلّصوا" (1 كو 10: 33). هذا ما لم يفهمه بطرس حين رغب في البقاء مع المسيح على الجبل، لقد حُفظ هذا ليكون لك يا بطرس بعد الموت (أي في السماء)، أمّا الآن فيلزمك أن تنزل للعمل على الأرض لكي تخدم عليها. لقد نزل "الحياة (يسوع)" على الأرض لكي يُرذَل ويُصلَب ويُذبَح، نزل الخبز لكي يجوع، نزل الطريق لكي يتعب، نزل الينبوع لكي يعطش، فهل ترفض أنت هذا العمل؟ لا تطلب ما هو لنفسك، بل لتكن لك المحبّة. أكرز بالحق، حينئذ تنطلق إلى الأبديّة لثمر السلام والأمان.

القدّيس أغسطينوس

السحابة النيِّرة

"وفيما هو يتّكلم إذ سحابة نيِّرة ظلَّلتهم،

وصوت من السحابة، قائلاً:

هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت، له اِسمعوا" [5].

إن كانت السحابة تُشير إلى الحضرة الإلهيّة، هذه التي كانت تملأ جبل سيناء حين قدّم الرب الناموس لموسى (خر 24: 15)، وكانت تملأ خيمة الاجتماع عندما كان الله يتحدّث مع موسى، ويأتي السيّد المسيح في مجيئه الأخير راكبًا إيّاها، فإن السحابة هنا "نيِّرة"، إعلانًا عن عمل التجلّي في حياة المؤمنين. فالنفس إذ تلتقي بالسيّد وتتعرَّف على أسراره قدر ما تحتمل، تستنير أكثر فأكثر بإعلانات سماويّة داخليّة. فتسمع صوت الآب: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت له اسمعوا". هذا هو أعظم إعلان يتقبّله الإنسان من الله في أعماق قلبه، وهو إدراك بنوّة المسيح الطبيعيّة لله كموضع سرور الآب، فتذوب نفسه داخليًا خلال اتّحادها بالابن الوحيد، وتشعر بدفء الحب الإلهي، وتتلمّس رضا الله الآب لها في الابن، وفرحه بها فيه، فتسمع لصوت الآب، وتخضع لعمل المسيح فيها بكونه رأسها! لا يطلب المسيحي إعلانات ملموسة يفخر بها، إنّما هذا هو جوهر إعلان الآب له: تلامسه الحقيقي بالابن الوحيد ليكون موضع سرور الآب خلال طاعته الكاملة حبًا وتواضعًا.

لقد تمتّعت القدّيسة مريم بالسحابة النيِّرة في أجلَى صورها، بطريقة فريدة حينما حلّ عليها الروح القدس ليظلِّلها بالقوّة الإلهيّة الفائقة. "الروح القدس يحلّ عليك وقوَّة العليّ تظلِّلك". هذه السحابة النيِّرة، أو الروح القدس الناري يهب المؤمنين استنارة للبصيرة الداخليّة لمعاينة المجد الإلهي للابن الوحيد، ويفتح الأذن لسماع صوت الآب، الذي يكشف لنا "سرّ المسيح" الذي صار فينا بالمعموديّة، فنحرص بالروح أن نبقى في حالة توبة مستمرّة وطاعة، لننعم بسرور الآب ونسمع صوته الأبوي.

+ صنع الله السحابة كخيمة إلهيّة، كانت منيرة، إذ هي مثال للقيامة العتيدة تظلِّل الأبرار الذين كانوا قد احتموا فيها واستناروا بها...

ولكن ما هي هذه السحابة المنيرة التي تظلِّل الأبرار؟

ألعلَّها هي القوّة الأبويَّة التي يصدر منها صوت الآب شاهدًا للابن أنه المحبوب وموضع السرور، ويحثْ من هم تحت ظلِّه أن يسمعوا له؟! إنه كما تكلَّم قديمًا يبقى يتّكلم على الدوام بإرادته.

السحابة المنيرة تعني الروح القدس الذي يظلّل على الأبرار، ويقدّم النبوّات الخاصة بالأمور الإلهيّة...

أتجاسر فأقول هي أيضًا المخلّص...

السحابة النيِّرة التي للآب والابن والروح القدس تظلِّل تلاميذ يسوع الحقيقيّين، أو تظلِّل الإنجيل والناموس والأنبياء حيث تضيء للذين يقدرون أن يروا نورها في (الكتاب المقدّس).

العلاّمة أوريجينوس

+ مصدر هذا الظل هو روح الله الذي لا يظلم قلوب البشر، بل يكشف لها الخفيات، هذا نجده في موضع آخر حيث يقول الملاك: "قوّة العليّ تظلِّلك".

لم توجد السحابة بسبب رطوبة الجبال المدخِّنة (مز 103: 32) ولا بخار الهواء المتكثِّف، ولا غطَّت السماء بظلمة مرهبة، وإنما كانت سحابة نيِّرة، لا تبلِّلنا بالأمطار والسيول، ولا تغمرنا بطوفان، وإنما نَداها الذي يرسله كلمة الله يغمر قلوب البشر بالإيمان.

القدّيس أمبروسيوس

+ عندما يهدّد الرب بالتأديب، يأتي في ظلام السحاب كما في سيناء (خر 19)، أمّا هنا فإذ أراد أن يُعلّم لا أن يؤدِّب ظهرت سحابة نيِّرة.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

+ هؤلاء الذين فكّروا في صنع غطاء أرضي من الأغصان أو مظلَّة قد تغطُّوا محتمين في سحابة نيِّرة، هكذا يكون لنا نحن أيضًا!

القدّيس جيروم

سحابة واحدة!

لقد طلب بطرس الرسول أن يُقيم ثلاث مظال، ولم يدرِ أن الحاجة إلى سحابة واحدة، لأن موسى (الناموس) وإيليّا (الأنبياء) يختفيان في الإنجيل المقدّس، ولهذا أيضًا عندما تكلَّم الآب قال "هذا هو ابني الحبيب" ولم يقل "هؤلاء هم أبنائي المحبوبين". فإن كانت الشريعة تبوِّق لنا بالصوت الإلهي، إنّما لتدخل بنا إلى الابن الوحيد الجنس. وإن كان الصوت النبوي يُعلن لنا الأسرار الإلهيّة، إنّما ليدخل بنا إلى السيّد المسيح الذي فيه كل الأسرار.

وكما يقول القدّيس جيروم:

[سُمع صوت الآب من السماوات، مقدّمًا شهادة عن الابن، ومصحِّحًا خطأ بطرس، معلّما إيّاه الحق... لذلك أكمل قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب"، لأجله أقيموا خيمة!

إنه ابني وهؤلاء عبيدي!]

خوف التلاميذ

"ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا،

فجاء يسوع ولمسهم، وقال:

قوموا، لا تخافوا" [7].

يرتبط التجلّي بالصلب والقيامة، فقد أوضح معلّمنا لوقا البشير أن السيّد المسيح كان يتحدّث مع موسى وإيليّا في الأمور العتيد حدوثها أي آلامه، وأما متّى البشير فأعلن عن سقوط التلاميذ على وجوههم وخوفهم جدًا حتى يمد السيّد يده، ويلمسهم القائم من الأموات، فيقومون من سقوطهم وينزع عنهم الخوف.

سقوط التلاميذ على وجوههم يُعلن عن سقوط كل البشريّة تمامًا، وعجزها التام عن القيام والالتقاء مع الله، إذ صارت وجوههم في التراب ساقطة، لا تقدر على معاينة الأمجاد السماويّة. وحلول الخوف الشديد فيهم يُشير إلى فُقدان السلام الحقيقي، لذلك جاءهم يسوع إشارة إلى نزوله إلينا، ومدّ يده مؤكِّدًا تجسّده. أمّا لمسه إيّاهم، فهو علامة حلوله في وسطنا كواحد منّا، يقدر أن يمدّ لنا يده فنقبلها. أخيرًا بسلطان أقامهم ونزع الخوف عنهم. حقًا لقد ظهرت قصّة سقوط الإنسان وقيامه خلال عمل الله الخلاصي واضحة على جبل التجلّي. وكأن سرّ التجلّي إنّما هو سرّ إعلان الله الدائم فينا، بكونه ابن الله المتجسّد المصلوب والقائم من الأموات، من أجلنا جاء ليقيمنا ونبتهج بعمله فينا.

+ إذ كانوا ساقطين منطرحين على الأرض وغير قادرين على القيام تحدّث معهم بوداعة ولمسهم. فبلمسه إيّاهم انصرف الخوف عنهم، وصارت أعضاؤهم المرتعبة قويّة... وكما شفاهم بلمسة يده، شفاهم أيضًا بوصيّته لذلك تبع هذا بقوله: "قوموا، لا تخافوا". لقد نزع عنهم الخوف أولاً حتى يقدّم لهم تعليمه.

القدّيس جيروم

+ أقامهم الابن الذي اِعتاد أن يُقيم الساقطين.

القدّيس أمبروسيوس

يسوع وحده

"فرفعوا أعينهم ولم يروا أحدًا إلا يسوع وحده.

وفيما هم نازلون من الجبل وأوصاهم يسوع، قائلاً:

لا تُعلموا أحدًا بما رأيتم،

حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات" [8-9].

إذ يختبر المؤمن قوّة قيامة السيّد يرفع عينيه بالروح القدس فلا يرى في قلبه إلا يسوع المسيح وحده يملأ كل حياته. بالقيامة دخل إلى العُليِّة ليكون هو وحده سِرّ سلامهم الحقيقي وفرحهم، يشبع كل احتياجاتهم.

أما وصيّته لهم بالصمت فلأنه يريدهم أن يأخذوا فترة تأمّل فيما حدث، ليروا أحداث التجلّي في قلوبهم، لا في أحداث خارجيّة، فيتمثلوا بالقدّيسة مريم التي كانت تحفظ الأمور متفكِّرة بها في قلبها (لو 2: 19). ولعلّه أراد منهم الصمت حتى يختبروا بأنفسهم القيامة، ويتجلّى السيّد في حياتهم الداخليّة، عندئذ يكرزون بالتجلّي ويعلنونه. وكما يقول القدّيس هيلاري أسقف بواتييه: [أمرهم بالصمت فيما يخُص ما رأوه حتى يمتلئوا بالروح القدس ويشهدوا للروحيّات.]

+         +           +

 

الكاثوليكون من 2 بط 1 : 19 – 2 : 8

اولا : 2 بط : 19 – 21

19 و عندنا الكلمة النبوية و هي اثبت التي تفعلون حسنا ان انتبهتم اليها كما الى سراج منير في موضع مظلم الى ان ينفجر النهار و يطلع كوكب الصبح في قلوبكم
20 عالمين هذا اولا ان كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص
21 لانه لم تات نبوة قط بمشيئة انسان بل تكلم اناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس

 

الأنبياء يشهدون له

"وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت،

التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها

كما إلى سراج منير في موضع مظلم،

إلى أن يتفجر النهار، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" [19].

يهتم الرسول بطرس كخادم للختان بشهادة نبوات العهد القديم (1 بط 1: 10-12، أع 3: 20-21) وهي أثبت. إنها شهادة أنبياء من أزمنة مختلفة تدور حول تجسد الرب وآلامه وصلبه وقيامته وأمجاده ومجيئه الثاني.

يمدحهم الرسول من أجل اهتمامهم بدراستها وفحصها بتدقيق "التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير"، يبدد الظلمة، ويشرق في القلب كوكب الصبح - الرب يسوع - ويظهر نهاره مضيئًا ظلمة القلب.

"عالمين هذا أولاً،

أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص.

لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان،

بل تكلم أناس اللَّه القديسون،

مسوقين من الروح القدس" [20-21].

سجّل الأنبياء نبواتهم لا عن اجتهاد بشري، أي ليس عن تفسير خاص، بل بوحي من الروح القدس. إنهم أشبه بالقيثارة في يدي الروح تحركها لتعطي لحنًا عذبًا عن محبة اللَّه المعلنة في تجسد الرب وموته وقيامته ومجيئه الثاني لنرث معه.

وقد دعاهم الرسول "أناس اللَّه"، لأنهم قيثارته، مسوقين كالسفينة التي يوجهها ربّان ماهر.

هذا ما نطق به الرسول أيضًا قائلاً: "أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود" (أع 1: 15).

ويقول الأب هيبوليتس:

[يقال عن الأنبياء الطوباويين أنهم عيوننا، إذ سبق فرأوا خلال الإيمان أسرار الكلمة، وصاروا خدامًا لتلك الأمور الخاصة بالأجيال المتعاقبة، فلا يتحدثون فقط عن الأمور الماضية، بل ويعلنون الحاضر والمستقبل...

لأن هؤلاء انتعشوا بالروح القدس، وتكرّموا كثيرًا بالكلمة ذاته، وهكذا كانوا كآلات موسيقى، وكانت لهم الكلمة دائمًا مثل آلة plectrum يعملون معًا في انسجام، وإذ كان الكلمة (المسيح) يحثهم يعلنون إرادة اللَّه، لأنهم لم يكونوا يتكلمون من ذواتهم، ولا حسب أهوائهم.]


 

 

ثانيا [ تكملة ]  2 بط 2 : 1 – 8

1 و لكن كان ايضا في الشعب انبياء كذبة كما سيكون فيكم ايضا معلمون كذبة الذين يدسون بدع هلاك و اذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم يجلبون على انفسهم هلاكا سريعا
2 و سيتبع كثيرون تهلكاتهم الذين بسببهم يجدف على طريق الحق
3 و هم في الطمع يتجرون بكم باقوال مصنعة الذين دينونتهم منذ القديم لا تتوانى و هلاكهم لا ينعس
4 لانه ان كان الله لم يشفق على ملائكة قد اخطاوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم و سلمهم محروسين للقضاء
5 و لم يشفق على العالم القديم بل انما حفظ نوحا ثامنا كارزا للبر اذ جلب طوفانا على عالم الفجار
6 و اذ رمد مدينتي سدوم و عمورة حكم عليهما بالانقلاب واضعا عبرة للعتيدين ان يفجروا
7 و انقذ لوطا البار مغلوبا من سيرة الاردياء في الدعارة
8 اذ كان البار بالنظر و السمع و هو ساكن بينهم يعذب يوما فيوما نفسه البارة بالافعال الاثيمة


 

ظهور المبتدعين وخطورتهم

"ولكن كان أيضًا في الشعب أنبياء كذبة،

كما سيكون فيكم أيضًا معلمون كذبة،

الذين يدسّون بدع هلاك،

وإذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم،

يجلبون هلاكًا سريعًا،

وسيتبع كثيرون تهلكاتهم،

الذين بسببهم يُجدف على طريق الحق" [1-2].

لا يكف إبليس عن أن يخدع بكل طريقة، مشوّهًا الحق، بإظهار ما هو على مثله، فكما يعمل الروح القدس في الأنبياء الحقيقيين شاهدين للرب، هكذا ظهر أيضًا أنبياء كذبة يعمل فيهم إبليس (إر 14: 14؛ 23: 25؛ تث 13: 1-5)، وكما يوجد رعاة حقيقيون، هكذا يوجد معلمون كذبة أيضًا. قد حذرنا ربنا يسوع منهم (مت 7: 15؛ 24:24)، كما حذر الرسول أساقفة أفسس قائلاً: "ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بأمورٍ ملتويةٍ ليجتذبوا التلاميذ وراءهم" (أع 20: 30).

يقول العلامة ترتليان: [يلزمنا ألا ندهش من وجود الهرطقات، لأنه قد سبق الرب فأنبأنا بقيامها، إذ تفسد إيمان البعض، لكنها تقدم تجربة إيمان فتهب فرصة للتذكية (1 كو 11: 19).]

فالهرطقات لها مضارها كما لها منافعها. أما مضارها فكما يقول الرسول:

1. ينكرون الرب الذي اشتراهم، مستهينين بالدم الثمين المدفوع لأجل إيماننا المستقيم.

2. لا يهلكون وحدهم، بل يحدرون معهم آخرين للهلاك، والهدم أسرع من البناء.

3. يسيئون إلى الله، إذ "بسببهم يجدف على طريق الحق". فبالرغم من ادعاءاتهم أنهم متمسكون بالإنجيل إلا أن انحراف إيمانهم وسيرتهم يسببان تجديفًا على اسم الرب.

أما منافع الهرطقات فكما يقول القديس أغسطينوس:

[أما عن الهراطقة فهم لا يفعلون أكثر من أن يجذبوننا نحو معرفة الأسرار، ذلك إن كنا نحيا في تقوى، ونؤمن بالمسيح. ولا نشتهي الطيران من العش قبل الأوان.

انظروا أيها الإخوة فائدة الهراطقة، فإن الله بحسب تدبيره يستخدم حتى الأشرار للخير... فإذ يبتدع الهراطقة تضطرب النفوس الصغيرة، وإذ تضطرب تبحث في الكتاب المقدس... وبحثهم هذا بمثابة قرع رؤوس الرضع على صدر أمّهاتهم لكي ينالوا اللبن الكافي.]

دينونتهم أكيدة

"وهم في الطمع يتجرون بكم بأقوال مصنّعة،

الذين دينونتهم منذ القديم لا تتوانى،

وهلاكهم لا ينعس" [3]

إذ يتاجرون بالنفوس مستهينين بها وبالدم الكريم المسفوك لأجلها، مستخدمين في ذلك أقوالاً مصنّعة، أي أحاديث لينة خادعة، إذ "بالكلام الطيب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء" (رو 16: 18). لهذا فإن دينونتهم منذ القديم قائمة تنتظرهم، وهلاكهم لا يغفل عنهم مهما شعروا بطمأنينة كاذبة.

ودليل إدانتهم:

أولاً: إدانة الملائكة الساقطين

"لأنه إن كان الله لم يشفق على ملائكة أخطأوا،

بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم،

وسلّمهم محروسين للقضاء" [4].

ونلاحظ أن قولهم "طرحهم" في صيغة الماضي تعني تأكيد ما سيكون في المستقبل.

استخدم القديس أغسطينوس هذا النص في إثبات أن الملائكة الأشرار لم يخلقوا هكذا، بل بسقوطهم في الخطأ صاروا أشرارًا.

ثانيًا: هلاك العالم القديم

"ولم يشفق على العالم القديم،

بل إنما حفظ نوحًا ثامنًا كارزًا للبرّ،

إذ جلب طوفانًا على عالم الفجّار" [5].

هذه الجملة متصلة بالجملة الشرطية السابقة، أي إن كان الله لم يشفق على العالم القديم في أيام نوح الذي كرز للبرّ ولم يسمعوا له، فجلب عليهم طوفانًا بسبب فجورهم، فهل لا يدين الله المبتدعين؟

وقد "حفظ نوحًا ثامنًا"، أي بالرغم من أنه الشخص الثامن من الفُلك. لعله دخل بعد أولاده ونسائهم وزوجته ليطمئن عليهم، فإن قلة عددهم لم تمنع اهتمام الله بهم وحفظهم. كما أن كثرة الأشرار لا يمنع إدانتهم.

ثالثًا: حرق سدوم وعمورة

"وإذ رمَّد مدينتيّ سدوم وعمورة حكم عليهما بالانقلاب،

واضعًا عبرة للمعتدّين أن يفجروا " [6].

لقد صار إحالة مدينتي سدوم وعمورة إلى رماد عبرة للتاريخ البشري كله، لأنه إذ ارتفع شرّهم وامتلأ كأس آثامهم أهلكهما الله، هكذا كل من يتمادى في الشر دون أن يتوب!

لقد "حكم عليهما بالانقلاب" كمن يُحكم عليه بالإعدام، لأن أجرة الخطية الموت. وحتى في هلاكهما الذي هو ثمرة فجورهما يخرج الله من الآكل أكلاً، محوّلاً شرهما لخير الآخرين، إذ يعتبرون بهما فيتوبون. هذا وقد كشف الله مدى اهتمامه بأولاده. ففي حرق المدينتين لم ينسَ الله لوطًا وابنتيه بالرغم من قلة عددهم بالنسبة للأشرار.

"وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة،

إذ كان البار بالنظر والسمع

وهو ساكن بينهم،

يعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بأفعالهم الأثيمة" [7-8].

لقد ألقى لوط نفسه بنفسه وسط الأردياء، إذ اختار الأرض الخصبة تاركًا لعمه "إبراهيم" الأرض الجرداء، لهذا استحق أن يخرج فارغ اليدين. لكن لوط لم يندمج مع الأشرار في دعارتهم، غير أن نفسه كانت تتعذب يومًا فيومًا مما يراه ويسمعه من أفعالهم الأثيمة!

لقد أنقذ الرب لوطًا (تك19: 16) لعدم تدنسه بالفساد الذي حوله، إذ كانت نفسه مرة "مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة"، لأنها سيرة ثقيلة على نفس المؤمن.

+           +              +  


 

 

الأبركسيس من أع 15 : 21 – 29

21 لان موسى منذ اجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به اذ يقرا في المجامع كل سبت
22 حينئذ راى الرسل و المشايخ مع كل الكنيسة ان يختاروا رجلين منهم فيرسلوهما الى انطاكية مع بولس و برنابا يهوذا الملقب برسابا و سيلا رجلين متقدمين في الاخوة
23 و كتبوا بايديهم هكذا الرسل و المشايخ و الاخوة يهدون سلاما الى الاخوة الذين من الامم في انطاكية و سورية و كيليكية
24 اذ قد سمعنا ان اناسا خارجين من عندنا ازعجوكم باقوال مقلبين انفسكم و قائلين ان تختتنوا و تحفظوا الناموس الذين نحن لم نامرهم
25 راينا و قد صرنا بنفس واحدة ان نختار رجلين و نرسلهما اليكم مع حبيبينا برنابا و بولس
26 رجلين قد بذلا انفسهما لاجل اسم ربنا يسوع المسيح
27 فقد ارسلنا يهوذا و سيلا و هما يخبرانكم بنفس الامور شفاها
28 لانه قد راى الروح القدس و نحن ان لا نضع عليكم ثقلا اكثر غير هذه الاشياء الواجبة
29 ان تمتنعوا عما ذبح للاصنام و عن الدم و المخنوق و الزنا التي ان حفظتم انفسكم منها فنعما تفعلون كونوا معافين

"لأن موسى منذ أجيال قديمة،

له في كل مدينة من يكرز به،

إذ يقرأ في المجامع كل سبت". [21]

يرى البعض أن القديس يعقوب يعلل التوصيات السابقة بأنها لازمة، لأنها تمس حياة اليهودي الروحية، والتي تستند على أسفار الناموس المقروءة دومًا في المجامع أينما وجدوا. لهذا يليق بالأممي أن يحمل هذه السمات ذاتها وهي لا تمس طقسًا تعبديًا بل سلوكًا روحيًا.

إرسالية إلى أنطاكية

"حينئذ رأى الرسل والمشايخ مع كل الكنيسة،

أن يختاروا رجلين منهم فيرسلوهما إلى إنطاكية،

مع بولس وبرنابا،

يهوذا الملقّب برسابا وسيلا،

رجلين متقدّمين في الاخوة". [22]

منذ خمس عشرة سنة خرج شاول الطرسوسي يحمل رسائل توصية من رؤساء الكهنة لاضطهاد كنيسة المسيح ومصادرة أموال المسيحيين وقتلهم، وهوذا اليوم يخرج من أورشليم مع برنابا وبرسابا وسيلا يحملون رسائل من الرسل للترفق بالمؤمنين من الأمم العائدين إلى كنيسة المسيح حتى يرفع عنهم ثقل حرفية الناموس.

اجتمع رأي الرسل والشيوخ على إرسال بعثة مؤتمنة من يهوذا برسابا وسيلا، تنقل رأي الكنيسة، وبيدهم رسالة بخط يد الرسل، غالبًا ما كانت باليونانية. هذه البعثة ترافق الرسولين برنابا وبولس ومن سافر معهما. بهذا القرار أعطت الكنيسة الفرصة للقديسين بولس وبرنابا للعمل في الكرازة والتبشير بين الأمم بحرية عوض إضاعة الوقت في منازعاتٍ لا تنتهي.

"مع كل الكنيسة": شركة رائعة بين القادة والشعب حتى في أخذ قرارات جوهرية تمس حياة الكنيسة ومستقبلها.

"رجلين متقدمين في الإخوة": أي من بين القادة أو أراخنة الشعب، أصحاب نفوذ وخبرة في الكنيسة.

"وكتبوا بأيديهم هكذا:

الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلامًا

إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية". [23]

ساد الكنيسة روح الحب والوحدة، فتكتب الكنيسة التي في أورشليم إلى أخواتها الكنائس التي في سوريا وكيليكية، بروح التقدير والاحترام المتبادل. لم تصدر الرسالة عن رسول معين مثل القديس بطرس أو القديس يعقوب أسقف أورشليم، كمن هو صاحب السلطان، بل صدر عن الرسل والكهنة مع الأراخنة (الإخوة).

لم تعرف الكنيسة السلطة المنفردة، مهما كانت قدسية القائد أو مركزه. فاعتماد الباباوية الرومانية على رئاسة القديس بطرس لا أساس لها، حيث لم يأخذ القديس بطرس مركز الرئاسة ولا اشتهاها، ولا أخذ يعقوب الرسول كأسقف أورشليم هذا المركز، بل ما كان يشغل الكل روح الوحدة فى تواضع لأجل مجد الله وحده وبنيان الكنيسة الجامعة (الكاثوليكية).

"إذ قد سمعنا أن أناسًا خارجين من عندنا،

أزعجوكم بأقوال،

مقلِّبين أنفسكم،

وقائلين أن تختتنوا، وتحفظوا الناموس الذين نحن لم نأمرهم". [24]

في حزمٍ بروح الحق يوبخون المعلمين المنادين بالتهود، أي حفظ الناموس والعوائد اليهودية الخاصة بالناموس. يبدو هؤلاء انهم نسبوا هذا التعليم للرسل، لذا التزموا بتوضيح الأمر والكشف عن خداعهم لهم وعدم صدقهم.

حسبوا هؤلاء المعلمين خوارج، خرجوا عن كنيسة المسيح وانفصلوا عنا، لم يعودوا ينتسبون إليها. هؤلاء افقدوا المؤمنين سلامهم الداخلي، وسببوا لهم تشويشًا في الفكر.

"مقلبين أنفسكم" أو مدمرين لها، الكلمة اليونانية تعنى "تجميع الأواني المستخدمة فى بيت بقصد التخلص منها"، وهى تُستخدم بالنسبة للناهبين واللصوص والأعداء الذين ينهبون الممتلكات. هنا تُستخدم لمن يسبب ارتباكًا وعدم استقرار للذهن، كما يسلب سلام الفكر ووعيه.

"رأينا وقد صرنا بنفس واحدة،

أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم،

مع حبيبينا برنابا وبولس". [25]

"رجُلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح". [26]

شهادة حية للرسولين من الكنيسة أنهما قد بذلا حياتهما من أجل ملكوت الله ونشر الكلمة.

"فقد أرسلنا يهوذا وسيلا،

وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهًا". [27]

مع ذهاب الرسولين بولس وبرنابا المهتمين بالكرازة للأمم، ومع بعث رسالة من مجمع الرسل المنعقد في أورشليم، بعثا بمندوبين هما يهوذا وسيلا ليجيبا على كل أسئلتهم. فلا تكفي الرسالة وحدها، بل مع القراءة يحتاجون على الاستماع من هذه المبعوثين.

"لأنه قد رأى الروح القدس ونحن

أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة". [28]

هنا نرى إيمان الحاضرين جميعًا بقيادة الروح القدس للمجمع الرسولي، وقيادته للكنيسة حسب وعد ربنا يسوع المسيح (مت 18: 18- 20؛ يو 14: 26).

+ قال الرسل: "لأنّه قد سُرّ الروح القدس ونحن" (أع 15: 28). وعندما يقولون: "قد سُرّ"، يشيرون ليس فقط إلى فاعل النعمة، بل أيضًا إلى مصدر تنفيذ ما أوصى به.

القديس أمبروسيوس

"أن تمتنعوا عمّا ذبح للأصنام،

وعن الدم والمخنوق والزنى،

التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعمًا تفعلون،

كونوا معافين". [29]

أُفتتح المجمع تحت قيادة الروح القدس، وبدأ القديس بطرس خطابه بإيضاح أن ما يستعرضه ليس رأيه الشخصي، بل ما ألزمه به الروح القدس حين طلب منه أن يكرز في بيت كرنيليوس الأممي. وها هو المجمع يختم بأن القرار قد صدر بناء على رأي الروح القدس العامل في حياة الرسل والمتجاوبين معه.

لقد شعر الرسل أن الجلسة كلها كانت تحت ظل الروح القدس وقيادته.

+ كانوا كمن يقوتون أطفالاً صغار، فأعطوهم لبنًا ليشربوا وليس طعامًا (1 كو 3: 2) فلم يضعوا لهم أحكامًا خاصة بالعفة ولا قدموا تلميحا عن البتولية، ولا حثوهم على الصوم ،ولم يكرروا التوجيهات المقدمة للرسل في الإنجيل، أن لا يكون لهم ثوبين، ولا كيس ولا مال في مناطق ولا عصا في أيديهم ولا أحذية في أقدامهم (مت 10: 10، لو 10: 5). وبالتأكيد لم يأمروهم أنهم إن أرادوا أن يكونوا كاملين يبيعوا كل ما لهم ويعطوه للفقراء ويأتوا ليتبعوه (مت 19: 21).

القديس جيروم

"فنعمًا تفعلون" أي تعملون ما هو صحيح وحق.

"كونوا معافين"، وهو اصطلاح وداعي يحمل معنى "كونوا أصحاء وأقوياء".

+        +          +

 

إنجيل القداس  متى 23 : 13 – 36

13 لكن ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا تدخلون انتم و لا تدعون الداخلين يدخلون
14 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تاكلون بيوت الارامل و لعلة تطيلون صلواتكم لذلك تاخذون دينونة اعظم
15 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تطوفون البحر و البر لتكسبوا دخيلا واحدا و متى حصل تصنعونه ابنا لجهنم اكثر منكم مضاعفا
16 ويل لكم ايها القادة العميان القائلون من حلف بالهيكل فليس بشيء و لكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم
17 ايها الجهال و العميان ايما اعظم الذهب ام الهيكل الذي يقدس الذهب
18 و من حلف بالمذبح فليس بشيء و لكن من حلف بالقربان الذي عليه يلتزم
19 ايها الجهال و العميان ايما اعظم القربان ام المذبح الذي يقدس القربان
20 فان من حلف بالمذبح فقد حلف به و بكل ما عليه
21 و من حلف بالهيكل فقد حلف به و بالساكن فيه
22 و من حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله و بالجالس عليه
23 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تعشرون النعنع و الشبث و الكمون و تركتم اثقل الناموس الحق و الرحمة و الايمان كان ينبغي ان تعملوا هذه و لا تتركوا تلك
24 ايها القادة العميان الذين يصفون عن البعوضة و يبلعون الجمل
25 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تنقون خارج الكاس و الصحفة و هما من داخل مملوان اختطافا و دعارة
26 ايها الفريسي الاعمى نق اولا داخل الكاس و الصحفة لكي يكون خارجهما ايضا نقيا
27 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة و هي من داخل مملوءة عظام اموات و كل نجاسة
28 هكذا انتم ايضا من خارج تظهرون للناس ابرارا و لكنكم من داخل مشحونون رياء و اثما
29 ويل لكم ايها الكتبة و الفريسيون المراؤون لانكم تبنون قبور الانبياء و تزينون مدافن الصديقين
30 و تقولون لو كنا في ايام ابائنا لما شاركناهم في دم الانبياء
31 فانتم تشهدون على انفسكم انكم ابناء قتلة الانبياء
32 فاملاوا انتم مكيال ابائكم
33 ايها الحيات اولاد الافاعي كيف تهربون من دينونة جهنم
34 لذلك ها انا ارسل اليكم انبياء و حكماء و كتبة فمنهم تقتلون و تصلبون و منهم تجلدون في مجامعكم و تطردون من مدينة الى مدينة
35 لكي ياتي عليكم كل دم زكي سفك على الارض من دم هابيل الصديق الى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل و المذبح
36 الحق اقول لكم ان هذا كله ياتي على هذا الجيل

 

ظلم الآخرين مع ممارسة العبادة

يمتد الرياء لا ليسحب الخادم إلى الأمجاد الزمنيّة الباطلة فحسب، وإنما ليظلم الأرامل والمحتاجين من أجل إشباع نفسه، مغطِّيًا تصرفاته هذه بشكليِّات من العبادة وإطالة في الصلوات.

"لكن ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،

لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس،

فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون.

ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،

لأنكم تأكلون بيوت الأرامل ولِعلّه تُطيلون صلواتكم،

لذلك تأخذون دينونة أعظم" [13-14].

هكذا إذ تتضخَّم الأنا ego لا يطلب الراعي الكرامات فحسب، وإنما يجري وراء الماديَّات على حساب شعبه فيمتلئ، ولا يقدر أن يدخل طريق الملكوت الكرب خلال الباب الضيِّق، بل يقف خارجًا ليسد الطريق أمام الآخرين، فيتعثّر ويُعثِر. وكما قال النبي: "وكما يكمن لصوص لإنسان كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم" (هو 6: 9).

يقول القدّيس جيروم: [على أي الأحوال المعلّم الذي يُعثِر تلاميذه بأعماله الرديئة يغلق ملكوت السماوات أمامهم.]

إعثار الدخلاء

"ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون،

لأنكم تطوفون البحر والبرّ لتكسبوا دخيلاً واحدًا،

ومتى حصل تصنعونه ابنًا لجهنم أكثر منكم مضاعفًا" [15].

يبذل المرائي الكثير محتملاً مشقَّات السفر والحرمان ليكسب دخيلاً واحدًا، لكنّه إذ يدخل به إلى الإيمان يكتشف الدخيل فيه رياءه، فيتحطَّم إيمانه فيه. إنه يدرك عن قرب ثوب معلّمه المزيف، فلا يعود ينظر إلى كلماته، بل يتطلّع إلى أعماله الخفيّة الشرّيرة، فيترك الإيمان بلا رجعة، إذ لا يعود يفتح باب قلبه لكارزٍ آخر يشهد له عن الإيمان، حتى وإن كان الأخير رجلاً مباركًا، فإن الخبرة الأولى قد حطَّمت الدخيل. وربّما يسلك الدخيل طريقًا آخر، فإنه وإن كان لا يرتدّ عن الإيمان علنًا، لكنّه يرتدّ بسلوكه العملي، إذ يشرب من معلّمه مياه الرياء ليسلك بروحه وربّما بصورة أشد، وفي الحالتين يزج المرائي بالدخيل إلى نيران الظلمة الأبديّة.

ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة السابقة، قائلاً: [هنا يصدر الاتهام في أمرين: الأول عدم نفعهم في خلاص الكثيرين إذ يحتاجون إلى أتعاب كثيرة ليربحوا شخصًا واحدًا، والثاني الإهمال في حفظ من كسبوه. فإنهم ليس فقط يتَّسِمون بالإهمال بل والخيانة، إذ يفسدونه بحياتهم الشرّيرة ويجعلونه أشرّ منهم فلا يقف (الدخيل) عند شرّ معلّمه. فإنه إن رأى معلّمه إنسانًا فاضلاً يتمثل به، أمّا إن رآه شريرًا فيتعدَّاه في الشرّ بسبب الميل الطبيعي للإنسان نحو الشرّ.]

وكما يقول القدّيس جيروم: [كانوا يجتهدون ليصنعوا دخيلاً واحدًا من الشرفاء، يضمّونه إلى شعب الله... لكنّه إذ كان ينظر إلى معلّميه فيُدرك أن أعمالهم تهدم تعاليمهم يرجع إلى قيئه، وبعودته أمميًا يُحسب جاحدًا فيستحق عقابًا أشد ممّا كان عليه قبل قبوله الإيمان.]

النظرة الماديّة في العبادة

يفسد الرياء المعلّمين فعِوض أن يحكموا روحيًا حتى في الأمور الماديّة، إذا بهم يحكموا بمنظار مادي حتى في الروحيّات. فيرون في ذهب الهيكل أنه أفضل من الهيكل، والقربان أثمن من المذبح، فمن يُقسِم بذهب الهيكل أو القربان يلتزم بالقسَم أو من يقسِم بالهيكل نفسه أو المذبح فليس بشيءٍ. هكذا إذ تَظْلَمْ البصيرة الداخليّة ويصيبها العمى تنجذب النفس إلى المقدّسات لتطلب الماديَّات فحسب.

يرى القدّيس جيروم: [أنهم يسلكون لا بمخافة الله بل بالرغبة في الغنى]، فالذي يحلف بالذهب أو القربان يلتزم بدفع الذهب وتقديم القربان الأمر الذي ينتفع منه الكهنة، لكن من يحلف بالهيكل أو المذبح ويحنث بالقسم فلا يشغل قلبه في شيءٍ.

حرفيُّون في الوصيّة بلا روح

يظهرون في تنفيذ الوصيّة كمدقِّقين للغاية، فيُعشِّرون النِعناع والشبَت والكمُّون الخ. الأمور التي ربّما تُزرع بكميَّات قليلة جدًا في المنازل للاستعمال الشخصي، لكنهم يتركون أثقل الناموس: "الحق والرحمة والإيمان". من أجل المظهر يتمِّمون الأمور التافهة تحت ستار التدقيق، أمّا جوهر الوصيّة الخفي فلا يمسُّونه. يحملون في قلوبهم الكراهيّة والبُغضة والحسد، ويتخلُّون عن الحق والرحمة والإيمان. لكنهم يظهرون كمُحبِّي الحق والمدافعين عنه، أنقياء لا يظلمون أحدًا وأطهارًا، فيُصفُّون عن البعوضة، مع أنهم في الداخل يبلعون الجمل، وكما يقول السيِّد: "أيها القادة العميان الذي يُصفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل" [24].

يرى القدّيس جيروم في ذلك جشع للقادة اليهود فإنهم يهتمّون بالعشور حتى بالنسبة للخضروات ذات القيمة البسيطة لأنها تدخل إلى بيوتهم، أمّا الوصايا الخاصة بالرحمة تجاه الفقراء والأرامل والأيتام ومحبّة الله فيتهاونون فيها. وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: إنهم يدقّقون في الوصيّة التي تحقّق هدفهم المادي وجشعهم ويتهاونون في الوصيّة التي تمسّ علاقتهم مع الله وحياتهم الروحيّة، مع أن كسر أيّة وصيّة إنّما هو كسر للناموس كله. إذ يقول: "عصيان وصيّة واحدة هو عصيان للناموس" (يع 2: 10)، إذ يجعله بلا ناموس. فإن تجاهل أحد هذه الوصايا خاصة الهامة منها، فأيّة كلمات يجدها قادرة أن تُخلِّصه من العقوبة التي يستحقَّها؟! هذا ما اِستحقَّه الفرّيسيّون من توبيخات قاسية إذ حَكم عليهم الرب: "ويل لكم أيها الفرّيسيّون لأنكم تُعشِّرون النَعنع والسَذاب وكل بَقْل وتتجاوزون الحق ومحبّة الله" (لو 11: 42). فإذ هم طامعون أكثر من غيرهم ومشغوفون بالربح القبيح أمروا بضرورة ملاحظة شريعة العشور بدقّة وحرفيّة حتى لا يحذفوا من حساباتهم أقل الأمور والبقول التي بلا ثمن، بينما يتجاهلون ما كان يجب مراعاته من وصايا هامة أعطيت بواسطة موسى مثل الحق الذي يحقّق العدالة في الحكم ومحبّة الله. لقد وبَّخهم الروح بصوت داود: "الله قائم في مجمع الآلهة يقضي وسط الآلهة، حتى متى تقضون جورًا، وترفعون وجوه الأشرار؟!" (مز 82: 1). كما اتَّهمهم على لسان إشعياء: كيف صارت المدينة الأمينة صهيون زانية، ملآنة حقًا كان العدل يبيت فيها وأما الآن فقاتلون؛ صارت فضتك زَغْلاً، ويخلِط تُجَّارك الخمر بالماء، رؤساؤك متمرِّدون وشركاء اللصوص، كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا، لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم. فإن القضاء بالجور ليس من عمل محبِّي الإخوة.

ويُعلّق القدّيس أمبروسيوس على دعوة الفرّيسيّين "عميانًا" موضّحًا أنهم بلا عذر فقد رأوا السيِّد المسيح لكن حسب الجسد ببصيرة روحيّة عمياء، إذ أظْلم الرياء وحرفيّة العبادة قلوبهم، قائلاً: [لم يبصِره اليهود مع أنهم رأوه.] غير أن رجال الإيمان من أسلافهم لم يروا الرب بالجسد، لكنهم عاينوه روحيًا، إذ لهم البصيرة المستنيرة، لهذا يقول الكتاب أن الشعب كان يرى صوت الله (خر 2: 18). ويُعلّق القدّيس، قائلاً: [من الواضح أن الصوت يُسمع ولا يُرى، فما الصوت إلا موجات تسمعها الأذن ولا تراها الأعين. هذه فكرة عميقة دفعت موسى ليؤكّد أن الإنسان يرى صوت الرب، يراه داخل القلب حيث يشخص إليه بعينيّه (الداخليّتين)... رآه إبراهيم كما هو مكتوب: "إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي" (يو 8: 56).. رأى الرب مع أنه بالتأكيد لم ينظره بالجسد... الذين صرخوا: أصلبه، أصلبه، لم يروه، "لأنهم لو عرفوا رب المجد لما صلبوه" (1 كو 2: 8).]

شكليُّون في العبادة بلا حياة

من أجل الناس يظهرون كمدقِّقين، ليس فقط في تنفيذ الوصيّة، وإنما في الطقس أيضًا، فيهتمّون جدًا بنقاوة الكأس والصحفة من الخارج، ولا يبالون بما يحملونه في الداخل غير المنظور، فصاروا أشبه بالقبور الجميلة المبْيَّضة من الخارج ومن الداخل مملوءة نتانة وكل نجاسة.

حقًا ما أخطر أن يهتمّ الإنسان بشكليّات العبادة الخارجيّة دون أن يلتقي بالسيِّد المسيح نفسه جوهر عبادتنا وسرّ حياتنا، فتصير العبادة ليست كأسًا للخلاص، وإنما يحمل موتًا للنفس وضيقًا للجسد. وتتحوّل حياة الإنسان إلى قبر جميل من الخارج ينعته الناس بالجمال الروحي والنقاوة، إذ هو مبيَضّ بينما في داخله يحمل نفسًا ميّتة ونجاسة، وإذ لا يجد السيِّد المسيح فيها له مسكنًا. وكما يقول القدّيس جيروم: [كما أن القدّيس هو هيكل الله، هكذا الخاطي يُقيم من نفسه قبرًا.]

مقاومون للحق تحت ستار الدين

إذًا يهتمّ الكتبة والفرّيسيّون ببناء قبور الأنبياء ويزيِّنون مدافن الصدِّيقين، فإنهم بهذا العمل إنّما يشهدون عما فعله آباؤهم بالأنبياء والصدِّيقين، إذ قاوموهم وقتلوهم. وها هم يكمِّلون مكيال آبائهم مدبِّرين المؤامرات لقتل السيِّد المسيح نفسه. يخاطبهم القدّيس جيروم على لسان السيِّد المسيح، قائلاً: [املأوا بدوركم مكيال آبائكم، فما لم يحقّقوه هم أكملوه أنتم؛ هم قتلوا الخدّام، وأنتم تصلبون المعلّم. هم قتلوا الأنبياء وأنتم تصلبون ذاك الذي تنبَّأ عنه الأنبياء.]

هكذا يدفع الرياء الإنسان من عمل شرير إلى آخر حتى ينتهي بمقاومة الحق تمامًا، مقدّمين دم الأبرياء ثمنًا رخيصًا في أعينهم، إنه يُحذّرهم من هذا المرض الخبيث الذي هو الرياء، الذي دخل بهم إلى دوَّامة المظهر الباطل والكرامة الزمنيّة ليعبر بهم إلى اغتصاب حقوق الأرامل، متستّرين تحت لواء الكرازة، فيدخلون بالدخلاء إلى نار جهنّم، وتحت ستار الوصيّة يقدّمون ما هو ظاهر، ويكسرون جوهرها. هكذا يلتحفون بشكليَّات العبادة، فيحكمون على أنفسهم بالموت، متستِّرين بقبر أجسادهم، وأخيرًا ها هم يدبِّرون المؤامرات لقتل ابن الله الوحيد ثمنًا للحفاظ على كراسيهم وسلطانهم وكرامتهم، تحت ستار الدفاع عن مجد الله والناموس والأنبياء.

"أيها الحيّات أولاد الأفاعي،كيف تهربون من دينونة جهنّم؟

لذلك هأنذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة،

فمنهم تَقتلون وتَصلبون، ومنهم تَجلدون في مجامعكم، وتَطردون من مدينة إلى مدينة.

لكي يأتي عليكم كل دم زكي سُفك على الأرض،

من دم هابيل الصدِّيق إلى دم زكريّا بن برخبا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح" [33-35].

من هو زكريّا بن برخيا؟ يرى القدّيس جيروم أنه وجد في عصره ثلاثة آراء:

1. زكريّا النبي أحد الأنبياء الصغار، وإن كان اسم أبيه مطابقًا لكلمات السيِّد، لكن لم يذكر الكتاب شيئًا عن سفك دمه بين الهيكل والمذبح، خاصة وأن الهيكل في عصره كان مجرّد حطام.

2. زكريّا أب يوحنا المعمدان، قُتل بسبب نبوّته عن مجيء المخلّص، لكن القدّيس جيروم لا يقبل هذا الرأي.

3. زكريّا الذي قتله يوآش ملك يهوذا كما جاء في أخبار الأيام الثاني (24: 21)، لكن اسم أبيه كما جاء في الكتاب المقدّس هو يهوياداع. ويرى القدّيس جيروم أن برخيا تعني "بركة" أو "مبارك من الرب"، ويهوياداع تعني "قداسة"، وإن الشخص يحمل الاسمين، لذلك يحبذ القدّيس جيروم هذا الرأي.

الحكم بالخراب الأبدي

إذ تظاهروا بالغيرة على مجد الله والهيكل والناموس والأنبياء، متطلّعين إلى السيِّد كمقاومٍ لهذه جميعها، دفعوا أنفسهم مع الشعب إلى الخراب الأبدي بتشويههم للحق، فيحملون ثمر أعمالهم وأعمال آبائهم.

"الحق أقول لكم أن هذا كلّه يأتي على هذا الجيل.

يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء والمرسلين إليها،

كم مرّة أردتُ أن أجمع أولادك،

كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا.

هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا.

لأني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن

حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب" [36-39].

لقد بكى السيِّد على أورشليم عندما اقترب منها، وهو يقول: "إنك لو علمتِ أنتِ أيضًا حتى في يومك هذا ما هو لسلامك، ولكن الآن قد أُخفيَ عن عينيّك، فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجرًا على حجر، لأنك لا تعرفي زمان افتقادك" (لو 19: 42-44).

 ويبقى السيِّد المسيح يبكي على كل نفس قبلته كأورشليم وصارت هيكلاً له ثم عادت فتنجَّست وقاومته. يقول العلاّمة أوريجينوس: [في الحقيقة نحن أورشليم التي بكاها يسوع... فبعد أن عرفنا أسرار الحق وكلمات الإنجيل وتعاليم الكنيسة، وبعد أن رأينا أسرار الرب نخطئ!... بكى على أورشليمنا فبسبب خطيّتها، إذ يحاصرها الأعداء، ويهدمون بنيها فيها، ولا يتركون فيها حجرًا على حجر. هذا ما يحدث الآن، فبعد أن يعيش إنسان في نسك كامل لسنين ينهزم أمام جاذبيَّة الجسد، ولا يقدر أن يحتمل مستلزمات الطهارة، فيتدنّس الإنسان ويعيش في عدم طهارة، وكأنه لا يُترك فيه حجر على حجر. وفي موضع آخر نقرأ: "كل بِرِّه الذي عمله لا يُذكر، في خيانته التي خانها وفي خطيّته التي أخطأ بها يموت" (خر 18: 14). هذه هي أورشليم التي يُبكى عليها.]

ويقول القدّيس كيرلّس الكبير: [ها أنت ترى أنه بالحقيقة غالبًا ما يطلب أن يمنحهم رحمته لكنهم رفضوا معونته، لذلك أدانهم قانون الله المقدّس، ونزعهم عن عضويَّة بيته الروحي.]

ويقول القدّيس جيروم: [أتيت كالدجاجة لأحميهم، لكنهم استقبلوني بالكراهيّة والغدر. جئت كأم وهم ظنّوا إني قاتلهم فقتلوني.]

ويرى القدّيس أغسطينوس أن السيِّد شبَّه نفسه بالدجاجة، لأنها إذ تحتضن بيضها أو يكون لها صغار يضعف جسمها جدًا ويسقط ريشها لاهتمامها بصغارها. وكأن في ذلك رمز لعمل السيِّد المسيح الذي نزل إلينا يحمل ضعفنا بحبّه ورعايته الإلهيّة.

+         +          +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt