طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 30 أبيب

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 4 : 3 ، 6 ، 7

مت 10 : 24 - 33

مز 113 : 1 – 2

مر 8 : 34 – 9 : 1

رومية 8

14 - 27

1 بط 2

11 - 17

أع 19

11 - 20

مز 66 : 12 – 14

لو 21 : 12 – 19

 

البولس من رومية 8 : 14 – 27

التمتّع بروح البنوّة

ركّز الرسول بولس في هذا الأصحاح وهو يتحدّث عن "ناموس الروح، وبرّ المسيح"، عن شعورنا أننا مدينون للروح القدس الذي يعتقنا من الدينونة مادمنا نسلك حسب الروح، ويهبنا روح الغلبة والنصرة فنواجه حرب الخطايا بقوّة، ونركض في ميدان الفضيلة، منطلقين نحو السماء كما بأجنحة الروح. أخيرًا، يكشف لنا الرسول عن عمل هذا الروح الإلهي فينا، لا بتقديم إمكانيات إلهية إلينا فحسب، وإنما بتجديد مركزنا بالنسبة لله، فيعتقنا من العبوديّة لنحتل مركز البنوّة الفائق الذي به نصرخ نحو الآب قائلين: "يا أبّا الآب"، نُحسب بالحق أولاد الله، لنا حق الميراث مع المسيح.

"لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله،

إذ لم تأخذوا روح العبوديّة أيضًا للخوف،

بل أخذتم روح التبنّي

الذي به نصرخ يا أبّا الآب؛

الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله" [14-16].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العطيّة بقوله:

[الآن فإن هذه أيضًا أعظم كرامة من الأولى. ولهذا لم يقل "لأن كثيرين يعيشون بروح الله"، إنما يقول "لأن كثيرون ينقادون بروح الله"، مظهرًا أنه يستخدم سلطانًا على حياتهم (يقتادهم) كربانٍ يقود سفينة، أو سائق مركبة على زوج من الفرس، فهو لا يقود الجسد فقط وإنما النفس أيضًا، يملك عليهما... ولأنه يخشى بسبب الثقة في عطيّة جرن المعموديّة يهملون في رجوعهم بعد نوالهم العماد، لذا يود أن يقول لهم أنكم وإن نلتم المعموديّة ولا تنقادون للروح فإنكم تفقدون الكرامة التي نلتموها وسمو بنوّتكم.]

يرى ذات القدّيس أن قول الرسول: "لم تأخذوا روح العبوديّة" يُشير إلى العهد القديم حيث لم ينل اليهود روح البنوّة، إنما بنوالهم الناموس مجردًا عاشوا تحت تهديدات العقوبة في خوف كعبيدٍ، أمّا في العهد الجديد فلم تعد مكافأة الوصيّة أمورًا زمنية ولا عقابها زمنيًا، إنما قُدمت الوصيّة للبنين، ليكون الله نفسه هو مكافأتنا، ننعم به أبًا أبديًا، نناديه "أبًا"، وهي كلمة أرامية توجه لمناداة الأب.

يُعلّق القدّيس أغسطينوس على القول: "روح العبوديّة أيضًا للخوف"، قائلاً: [يوجد نوعان من الخوف ينتجان صنفين من الخائفين. هكذا يوجد نوعان من الخدمة يقدّمان نوعين من الخدام. يوجد خوف يطرده الحب الكامل خارجًا (1 يو 4: 18)، كما يوجد نوع آخر من الخوف هو طاهر ويبقى إلى الأبد (مز 19 : 9). يُشير الرسول هنا إلى الخوف الذي ليس للمحبّة... كما يُشير في موضع آخر إلى الخوف الطاهر، بقوله: "لا تستكبر، بل خف" (رو 11: 20).]

بهذا الروح نحمل لغة البنين في حديثنا مع الله كأب لنا، فنصرخ بالروح القدس الساكن فينا، واهب البنوة، لنقول: يا "أبًا". هذا الصوت الذي نصرخ به كما يقول القدّيس جيروم: [لا يخرج من الشفاه بل من القلب، ففي الحقيقة يقول الله لموسى: "مالك تصرخ إليّ؟" (خر 14: 15)، وبالتأكيد لم ينطق موسى بكلمة.]

+ بالحري يجدر بهم أن يفهموا أنهم إن كانوا أبناء الله، فبروح الله ينقادون ليفعلوا ما ينبغي فعله. وعندما يفعلون هذا يقدّمون الشكر لله الذي به فعلوا... وهذا لا يعني أنهم لم يفعلوا شيئًا (أي لا يحرمون من نسبة هذه الأعمال إليهم).

+ إنه يعني عندما تميتون بالروح أعمال الجسد فتحيون [13] مجدوا الله، اشكروه، قدّموا له التشكرّات، ذاك الذي تنقادون بروحه، لكي تقدروا على السير في هذه الأمور لتظهروا كأبناء الله.

القدّيس أغسطينوس

يحدّثنا القدّيس كبريانوس عن التزاماتنا كأولاد الله، قائلاً: [إن كنّا أولادًا لله، إن كنّا بالفعل قد بدأنا أن نكون هياكله، إن كنّا نقبل روحه القدوس، يلزمنا أن نحيا بالقداسة والروحانيّة. إن كنّا نرفع أعيننا عن الأرض نحو السماء، إن كنّا نرفع قلوبنا، ونمتليء بالله (الآب) والمسيح بالعلويات والإلهيات، فليتنا لا نفعل إلا ما يليق بالله والمسيح، كما يحثّنا الرسول، قائلاً: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض، لأنكم قد مُتم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تُظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كو 3: 1-4). ليتنا نحن الذين في المعموديّة متنا ودفنا عن الخطايا الجسديّة التي للإنسان القديم وقمنا مع المسيح في التجديد السماوي نفكر في أمور المسيح ونمارسها.]

هذا ويروي القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص إن عطيّة البنوّة التي ننالها بالروح القدس هي عطيّة السيد المسيح نفسه، هذا الذي حمل مالنا ليهبنا ما له، فحمل موتنا ولعنتنا وخطايانا وعبوديتنا لينزع هذا كله عنّا، فلا نُحسب بعد عبيدًا بل أبناء وأحباء.

ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على تعبير "أبًا الآب"، قائلاً أن كلمة "أبا" تقابل في اللاتينية Pater وهي تعني أيضًا "الآب"، وكأن الكنيسة تكرر الكلمة، إذ تصرخ بلغة اليهود "أبًا" وبلغة الأمم "الآب"، فهي كنيسة واحدة تضم أعضاء من اليهود والأمم يشعر الكل بأبوة الله لهم بلا تمييز.

يشهد بهذه البنوّة الروح القدس نفسه الذي يسكن فينا واهبا إيّانا "كرامة البنوّة"، إذ يقول الرسول: "الروح نفسه أيضًا يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله" [16].

التمتّع بالميراث

إذ ننال روح البنوة، نُحسب أبناء الله لنا حق الميراث الأبدي، وكما يقول الرسول: "فإن كنّا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله، ووارثون مع المسيح" [17].

ظن اليهود أنهم كأصحاب للناموس هم ورثة المواعيد دون سواهم، لكن الرسول بلطفٍ يكشف لهم أن الأمم إذ نالوا روح البنوّة بالمعموديّة صاروا ورثة الله، وكما قال السيد المسيح نفسه: "أولئك الأردياء يهلكهم هلاكا رديًا ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين" (مت 21: 41)، كما قال: "وأقول لكم أن كثيرون سيأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم واسحق في ملكوت السماوات، وأمّا بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجية" (مت 8: 11-12).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أضاف إلي قوله إننا ورثة الله "وارثون مع المسيح". لاحظ طموحه، فإنه يريد أن يقترب بنا إلي السيد. فحيث أنه ليس كل الأبناء ورثة أظهر أننا أبناء وورثة أيضًا. ولما كان ليس كل الورثة ينالون ميراثا عظيمًا أبرز هذه النقطة بكوننا ورثة الله. مرة أخرى إذ يمكن أن نكون ورثة لله ولكن ليس ورثة مع الابن الوحيد أظهر أن لنا هذا أيضًا.]

الشركة مع المسيح المتألم والممجد

إن كان الروح القدس يهبنا الميراث كأبناء لله، نرث الله مع المسيح… فإن هذا الميراث هو عطية مجانية لا فضل لنا فيها، لكنها لا تُقدم للخاملين بل للجادين في الشركة مع المخلص، الذين لهم شركة في آلامه يتمتعون بشركة أمجاده " إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضا معه " [17].

تجديد الخليقة وعمل الروح

سبق فحدثنا عن "ناموس الروح" مبرزًا عمل الله فينا، أنه يعتقنا من الدينونة إن سلكنا بالروح القدس وليس حسب شهوات جسدنا، ويهبنا اهتمام الروح الذي هو الحياة والسلام، وننعم بسكنى السيد المسيح فينا فيهبنا برّه، وننعم بعربون القيامة عاملاً فينا، ونشعر بالدين نحو الروح الذي يهبنا البنوة لله والميراث مع المسيح والشركة معه. الآن يحدثنا عن عمل الروح فينا وأثره حتى على الخليقة غير العاقلة، مبرزًا ترقب العالم المخلوق من أجلنا لعودتنا إلي الأحضان الإلهية كأبناء لله بعد أن تركناه زمانًا فسببنا للأرض اللعنة وللخليقة فسادًا. هذا من جانب، ومن جانب آخر إذ نعود الآن لنختبر عربون الروح بقيامة نفوسنا من موت الخطية تتمتع أيضا أجسادنا بهذه القيامة مترقبة يوم الرب العظيم بصبرٍ ليعيش الإنسان بكليته، نفسًا وجسدًا، في كمال قوة القيامة أبديًا. ولئلا يستصعب المؤمن هذا أكدّ دور الروح القدس نفسه، واهتمامه بنا، لتحقيق هذا العمل فينا.

أولاً: بدأ الرسول حديثه بالقول: "فإني أحسب أن الآم الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18].

وضع هذه العبارة كخاتمة للحديث السابق وافتتاحية للحديث الجديد، فإنه إذ كان يتحدث عن "برّ المسيح" وارتباطه بناموس الروح، كاشفًا عن عمل الروح فينا، خاصة البنوة لله والتمتع بالميراث أراد أن يوضح أن حياتنا مع الله ليست هروبًا من الضيق والألم الحاضر، وإنما هي ارتفاع على الآلام الحاضرة خلال انفتاح القلب علي المجد الأبدي. وكأن الرسول بعد أن عرّفنا علي عطايا الله غير المدركة إذا به يقودنا بثقة وسط آلام هذا الزمان وأخطاره، معلنًا أن اتحادنا مع الله بروحه القدوس في ابنه لا يغير الظروف المحيطة بنا بل يهبنا اتساعًا في القلب والفكر وقوة للنفس لتجتاز كل الظروف بنبلٍ من أجل الأمجاد الأبدية.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذه العبارة قائلاً: [لاحظ كيف يهدئ روح المصارعين ويرفعها في نفس الوقت، فإنه بعد ما أظهر أن المكافآت أعظم من الأتعاب، يحثهم لاحتمال متاعب أكثر دون أن يستكبروا، إذ لا يزالوا يغلبون لنوال الأكاليل كمكافأة لهم. في موضع آخر يقول: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجًد أبديًا"(2 كو 4: 17). هنا لم يقل إن الآلام خفيفة، لكنه يربط الآلام بالراحة خلال إعلان المكافأة بالصالحات العتيدة. "فإني أحسب أن الآلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18]... لم يقل "المجد الذي سيكون لنا" وإنما "يُستعلن فينا"، كما لو كان المجد فينا فعلاً لكنه لم يستعلن بعد... هذا أوضحه أكثر في موضع آخر: "حياتنا مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 3)... هذه الآلام ـ أيًا كانت ـ مرتبطة بحياتنا الحاضرة، أما البركات القادمة فتبلغ عصورًا بلا حدود.]

هذا الحديث الرسولي عن المجد الأبدي الذي يُستعلن فينا خلال الآلام الزمنية المؤقتة ألهب قلب المؤمنين للانطلاق بالحب الإلهي على مستوى سماوي يرفع نفوسهم فوق كل ألم وضيق أو طلب خير زمني أو بركة مؤقتة:

+ المحبة لا تجد شيئا ثقيلاً؛ الغيور لا يعرف عملا صعبًا. تأمل ما احتمله يعقوب من أجل راحيل المرأة التى وُعد بها، إذ يقول الكتاب المقدس: "فخدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها" (تك 29: 20). لقد أخبرنا بنفسه بعد ذلك عما احتمله: "كنت في النهار يأكلني الحرّ في الليل الجليد" (تك 31: 40). هكذا يليق بنا أن نحب المسيح ونطلب على الدوام قبلاته، وعندئذ يبدو كل صعب سهلاً لنا، وما هو طويل يصير قصيرًا.

لنُضرب بسهام حبه (مز 120: 5) فنقول في كل لحظة: "الويل لي فإن غربتي قد طالت عليّ" (مز 120: 5).

+ إن تطلعت أن ترث خيرات العالم لا تقدر أن تكون شريكًا مع المسيح في الميراث.

+ إنك طماع للغاية يا أخي، إذ تود أن تبتهج بالعالم هنا وتملك مع المسيح هناك.

القديس جيروم

+ [إلى المُقدمين للاستشهاد ]

إنكم تنتظرون كل يومٍ بفرحٍ يوم رحيلكم المنقذ.

ها أنتم قد تركتم العالم بالفعل، وتسرعون نحو مكافاءات الاستشهاد، نحو المنازل الإلهية، لكي تروا

بعد ظلمة العالم هذه النور اللائق، وتتقبلون مجدًا أعظم من كل الآلام والأحزان.

الشهيد كبريانوس

+ "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" [18]. أنظر فإن النير هين والحمل خفيف (مت 11: 29). فإنه وإن كان عسيرًا علي القليلين الذين اختاروه، لكنه سهل بالنسبة للذين يحبونه. يقول المرتل: "علي حسب كلامك شفتيك لزمت طرقًا وعرة" (مز 26: 4).

القديس أغسطينوس

ثانيًا: إذ يعلن الرسول أن الروح لا ينزع عن المؤمن الآلام والضيقات إنما يهبه مجدًا خفيًا في الداخل وسط الآلام الخارجية، يُستعلن هذا المجد في يوم الرب العظيم، ينتقل من حياة المؤمن الداخلية إلي الخليقة عينها، قائلا:"لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله" [19].

ماذا يقصد بالخليقة التي تترقب في شوقٍ إعلان بنوتنا لله؟

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يقصد بالخليقة هنا العالم كله بما فيه من جمادات. فإن كان الله قد خلق العالم كله من أجل الإنسان ليحيا سيدًا فيه يحمل صورته الإلهية ومثاله، فإن فساد الإنسان انعكست آثاره حتى علي الخليقة، فعندما سقط آدم جاء الحكم: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكًا وحسكًا تنبت لك" (تك 3: 17-18). قاوم الإنسان إلهه، فأثمرت مقاومته مقاومة الخليقة له، لكنها حتى في هذه المقاومة كأنها تترجى عودته إلى حضن الله كابن له فتعود هي متهللة من أجل الإنسان الذي خلقت لأجله.

صوّر الرسول بولس الخليقة كشخصٍ يئن ويتمخض معًا يترجى صلاح الحياة كلها. غير أن هذا لا يُفهم بصورة حرفية مادية وإلا توقعنا أن تعود البشرية كما مع آدم في الفردوس الأول الأرضي المادي ويبقى الفردوس خالدًا، الأمر الذي يتنافى مع فكر المسيح وروح الإنجيل، إنما أراد الرسول أن يبرز فاعلية عمل السيد المسيح في حياة الإنسان، حتى تكاد الخليقة غير العاقلة أن تنطق متهللة من أجل المصالحة مع الله وعودته إلى الأحضان الأبوية.

في أوضاع استثنائية سمح الله للطبيعة العنيفة أن تخضع للمؤمن، كملاطفة الحيوانات المفترسة الجائعة للشهداء في الساحات الرومانية، وعدم فاعلية السم علي بعضهم، وسكنى بعض المتوحدين والسواح مع الحيوانات البرية، وإعالة البعض في الصحراء بواسطة غربان الخ. هذا كله لم يكن قاعدة عامة إنما تحققت بفيض خاصة في عصور الضيق الشديد لمساندة الإيمان بطريقة ملموسة، ولتأكيد العطايا الإلهية الداخلية غير المنظورة والأمجاد السماوية المترقبة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[يجعل (الرسول بولس) من العالم كله أشبه بشخصٍ، كما سبق ففعل الأنبياء عندما قدموا الأنهار تصفق بالأيادي (مز 98: 8)، والتلال تقفز، والجبال تتحرك، لا لنتخيل هذه الكائنات الجامدة أشخاصًا حية، فننسب لها قوة العقل، وإنما لكي ندرك عظمة البركات وكأنها قد أثارت الخليقة غير الحسية أيضًا. يستخدمون ذات الأسلوب أيضا في الظروف المؤلمة حيث يصورون الكرمة تنتحب والخمر يبكي والجبال وعوارض الهيكل تصرخ، لندرك مدي بشاعة الشر. هكذا امتثل الرسول بالأنبياء فجعل من الخليقة هنا أشبه بكائن حي يئن ويتمخض، لتظهر عظمة الأمور المقبلة…

ما معنى أن الخليقة أخضعت للباطل [20]؟ لماذا صارت فاسدة؟ وما هو السبب؟ بسببك أنت أيها الإنسان، فإنك إذ حملت جسدًا ميتًا قابلا للآلام تقبلت الأرض لعنة وأنبتت شوكا وحسكًا.

حتى السماء إذ تبلى مع الأرض ستتحول إلي حالة أفضل، اسمع ما ينطق به النبي: "من قدم أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك؛ هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، كرداء تغيرهن فتتغير" (مز 102: 25ـ26).

ويعلن إشعياء ذات الأمر، بقوله: "ارفعوا إلى السماوات عيونكم وانظروا إلى الأرض من تحت، فإن السماوات كالدخان يضمحل، والأرض كالثوب تبلى، وسكانها يموتون (مثلها)" (إش 51: 6).

ها أنت ترى بأي معنى سقطت الخليقة في عبودية الباطل، وكيف تتحرر من حالة الفساد؟...

لقد حاصرها الشر لأجلك وصار مفسدًا، مع أن (الخليقة) لم ترتكب خطأ من جانبها، ولأجلك أيضًا سيحدث عدم الفساد. هذا هو معنى "علي الرجاء" [20].

عندما يقول أنها أخضعت "ليس طوعًا" لا ليظهر أن ما قد حدث لها وإنما لكي نتعلم عناية المسيح للكل، فإن إصلاح الخليقة لا يكون من ذاتها.]

الآن، ما هو رجاء الخليقة؟

"لأن الخليقة نفسها أيضا ستعتق من عبودية الفساد إلي حرية مجد أولاد الله" [21].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[الآن، ما هي هذه الخليقة؟ إنها لا تعنيك أنت وحدك، وإنما معك أيضًا الخليقة الأدنى، التي لا تشترك معك في العقل أو الحس، هذه تشاركك بركاتك.

يقول "ستعتق من عبودية الفساد"، بمعنى أنها لا تعود تصير فاسدة، وإنما تتمشى جنبًا إلي جنب مع الجمال الذي يُوهب لجسدك. فكما أنه عندما صار جسدك فاسدًا فسدت هي أيضًا، هكذا الآن إذ صار جسدك غير فاسد تتبعه هي أيضًا. وإذ يعلن الرسول هذا يبلغ إلي النتيجة: "إلى حرية مجد أولاد الله"، فتتحقق حريتها.

إنه يشبه مربية تربي ابن ملك، عندما ينال الابن سلطان أبيه تتمتع هي معه بالخيرات، هكذا أيضًا بالنسبة للخليقة معنا.

ها أنت ترى في كل الأمور أن الإنسان يحتل مركز القيادة، فمن أجله خُلقت كل الأشياء.

انظر كيف يلطف (الرسول) المصارع، مظهرًا محبة الله غير المنطوق بها من نحو الإنسان، إذ يود أن يقول: لماذا أنت مرتبك عند تجاربك؟ فإن كنت تتألم من أجل نفسك فإنه حتى الخليقة تتألم بسببك. وليس فقط يلطف، وإنما يظهر أيضًا أن ما ينطق به أمر ذو أهمية. لأنه إن كانت الخليقة التي أوجدت بكاملها لأجلك هي "علي رجاء" فكم بالأولى يليق بك أنت أن تكون علي رجاء، يا من مِنْ خلالك ستتمتع الخليقة بتلك الخيرات؟

كما أن الآباء إذ يرون الأبناء في طريقهم لنوال كرامة يُلبسون الخدم ثيابًا بهية من أجل مجد الابن، هكذا يلبس الله الخليقة عدم الفساد من أجل مجد حرية الأبناء.]

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الخليقة التي تئن علي رجاء هي جماعة السمائيين الذين كمن هم يئنون من أجل الإنسان ليفرحوا بتمتعه بالبنوة، وكما قال السيد المسيح إن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو 15).

ويرى القديس إيريناؤس أن "الخليقة" هنا تعني "الجسد"، إذ يقول: "[من العدل أنه في ذات الخليقة التي فيها تعبوا وتألموا متزكين بكل طرق الاحتمال أن يتقبلوا مكافأة أتعابهم، وأنه في الخليقة التي فيها ذُبحوا من أجل محبتهم لله، فيها ذاتها ينتعشون مرة أخرى. الخليقة التي احتملوا فيها العبودية يملكون. فإن الله غنى في كل شيء، وكل شيء هو له. يليق إذن أن تُعاد الخليقة عينها إلي حالتها الأولى فتصير بلا مقاومة تحت سلطان البرّ كما أوضح الرسول في الرسالة إلى أهل رومية.]

ثالثا: الخليقة توبخنا برجائها كما بأنينها: إن كانت الخليقة التي تتمتع بالخيرات من أجلنا إذ سقطت تحت الفساد بسببنا تترجى مجدنا كأولاد لله لتلبس عدم الفساد، فإنها في هذا الانتظار كمن في حالة ولادة مستمرة تنتظر "جديدًا"، إذ يقول الرسول: "فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن" [22]. هذا هو حال الخليقة التي أُوجدت من أجلنا فكم بالحري يليق بنا أن نئن نحن أيضا ونتمخض بالآلام من أجل تمتعنا بكمال مجد البنوة لله ؟

رابعا: إن كانت الخليقة التي لم تنل شيئا قد امتلأت رجاءً وصارت كما في حالة ولادة تئن وتتمخض، فكم بالحري يليق بنا نحن الذين تمتعنا فعلاً بعمل الروح القدس في نفوسنا، فنلنا باكورة المجد في داخلنا لنترجى كمال عمله حين تخلص أجسادنا أيضا بقيامتها في يوم الرب العظيم، فتنعم مع النفوس بذات المجد، إذ يقول الرسول: "وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا نئن في أنفسنا، متوقعين التبني فداء أجسادنا" [23]؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن باكورة الروح الذي نلناه يدفعنا لهذا الأنين الداخلي المملوء رجاءً. هذه الباكورة عظيمة للغاية لا تقف عند غفران الروح لخطايانا، وإنما أيضا تهبنا البرّ والتقديس، وقد ظهرت هذه الباكورة في عصر الرسول بإخراج الرسل للشياطين وإقامة الموتى خلال ظلهم (أع 5: 15) وثيابهم (أع 19: 12). هذه هي الباكورة، فماذا يكون كمال الروح؟

إذن لنتوقع التبني كقول الرسول. كيف يكون هذا ونحن قد نلنا البنوة لله فعلاً؟ إننا نتوقع كمال مجد البنوة بقيامة الجسد من الأموات، كقول الرسول: "الذي سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون علي صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته، أن يخضع لنفسه كل شيء" (في 3: 21)، "لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت" (1 كو 15: 53).

إذًا ما نلناه كباكورة الروح إنما يفتح باب الرجاء للإنسان ليجاهد بالصبر حتى يبلغ كمال الروح الذي يمجّد الإنسان بكليته نفسًا وجسدًا، علي مستوى أبدي، لذلك يكمل الرسول حديثه عن الرجاء لنوال كمال الروح قائلاً:

"لأننا بالرجاء خلصنا،

ولكن الرجاء المنظور ليس رجاءً،

لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟

وإن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر" [24ـ25].

أ. ماذا يعنى: "بالرجاء خلصنا"؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[هذا يعنى أننا لا نطلب كل شيء لنا في هذه الحياة، وأن يكون لنا رجاء أيضًا، مؤمنين أن ما وعدنا به الله يحققه لنا، بهذا نحن خلصنا؛ فإن فقدنا الرجاء نفقد كل ما نلناه...

يود أن يقول: أتساءل، ألم تكن أنت خاضعًا لخطايا بلا حصر؟ ألم تكن يائسًا؟ ألم تكن تحت الحكم؟... ما الذي خلّصك إذن؟ الرجاء في الله وحده، وثقتك من جهة مواعيده وعطاياه، فإنه ليس لك شيء آخر تقدمه له. إن كان هذا هو الذي خلصك، فلنتمسك به الآن أيضًا. فمن قدم لك بركات عظيمة هكذا لا يمكن أن يخدعك في البركات المقبلة. لقد وجدك ميتًا ومحطمًا وسجينًا وعدوًا، فجعلك صديقًا وابنًا وحُرًا وبارًا ووارثًا معه، مقدمًا لك أمورًا عظيمة هكذا لم يكن يتوقعها أحد. هل بعد التمتع بمثل هذه العطايا بسخاءٍ وحبٍ يخونك في الأمور المقبلة؟...

هذا الطريق (الرجاء) خلصك من البداية؛ إنه العربون الذي أحضرته وحده إلى العريس. فلنتمسك به ولنحتفظ به، فإنك إن طلبت شيئًا في هذا العالم تفقد صلاحك الذي به صرت بهيًا، لهذا يكمل الرسول: قائلا: "ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضا؟"]

يقول القديس أغسطينوس: [وإذ ننتظر خلود الجسد وخلاص نفوسنا في المستقبل نتسلم العربون فيُقال إننا قد خلصنا.]

يشبه القديس أغسطينوس هذا الرجاء بالبيضة التي تحمل في داخلها حياة تقدمها خلال دفء الضيقات والآلام، إذ يقول: [إنها بيضة، وليس بعد (كتكوت). إنها مغلفة بقشرة، لكن لا تنظر إليها هكذا بل انتظر في صبر، ولتجعلها في دفء فستقدم حياة. اضغط عليها.]

ب. إن كانت باكورة الروح تدفعنا للتمسك بالرجاء لنوال كمال المجد الذي يهبه الروح للأبناء، فإن هذا الرجاء ليس بالعمل السلبي، بمعنى آخر يلتزم المؤمن أن يمارس دورًا إيجابيًا باحتماله الأتعاب الكثيرة والآلام من أجل رجائه في غير المنظورات، إذ يقول الرسول "نتوقعه بالصبر" [25]. هذا ما يؤكده الرسول علي الدوام: إبراز عمل النعمة الإلهية المجانية، لكن دون سلبية من جهة المؤمن!

ج. إن كان المؤمن في رجائه بالتمتع بكمال عمل الروح ليُعلن مجد أبناء الله أبديًا وذلك خلال الصبر، فإن هذا الصبر عينه هو عطية إلهية نقتنيها بالله نفسه، إذ يسندنا الروح القدس نفسه في جهادنا، حتى في الأمور البسيطة والضعفات، وكما يقول الرسول: "وكذلك الروح أيضا يعين ضعفاتنا" [26].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لكي تعرف أنه ليس بأتعابك وحدها والمخاطر التي تواجهها إنما تقف النعمة بجانبك، حتى في الأمور التي تبدو هينة للغاية، إذ يعمل معك، وفي كل الأحوال يقوم بدوره في الاتحاد.]

د. إذ يتعرض الرسول بولس لعون الروح القدس لنا في جهادنا حتى في الضعفات البسيطة كي نلتهب بالرجاء ونثابر بالصبر، يبرز عملاً رئيسيًا للروح القدس في حياتنا، بقوله: "لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها، ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين" [26ـ27].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن "الروح" هنا الذي يشفع فينا إنما يعنى القلوب الملتهبة بالروح القدس خلال "موهبة الصلاة "، إذ يعطى الروح القدس للبعض موهبة الصلاة عن الآخرين... فالروح يقترح علي النفوس المقدسة ما تصلي به من أجل إخوتها، لأنها لا تعلم ما تصلي لأجله كما ينبغي، فقد صلى بولس طالبًا أن يرى روما، وصلى موسى مشتهيًا رؤية فلسطين (تث 3: 26)، وطلب إرميا عن اليهود (إر 15: 1) وتشفع إبراهيم عن أهل سدوم (تك 18: 23)، ومع ما لهذه الصلوات من قيمة كبرى تكشف عن قلوب مقدسة محبة للآخرين، لكنها في رأي القديس يوحنا الذهبي الفم لم يكن هؤلاء يعرفون ما يصلون لأجله كما ينبغي، فالإنسان مهما بلغت قداسته يحتاج إلى عون الروح ليرشده حتى في الصلاة عن الآخرين.

الروح يسند ليس فقط في الصلاة عن الآخرين وإنما حتى من أجل الإنسان نفسه، لأنه كما يقول الأب إسحق تلميذ القديس أنبا أنطونيوس: [أحيانًا نسأل أمورًا تضاد خلاصنا، وبواسطة عنايته الإلهية يرفض طلباتنا، لأنه يرى ما هو لصالحنا بحق أعظم مما نستطيع نحن. وهذا ما حدث مع معلم الأمم عندما صلى أن ينزع منه ملاك الشيطان الذي سمح به الرب لأجل نفعه. "من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني، فقال لي: تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 8-9) .]

يعلق القديس أغسطينوس علي أنّات الروح القدس فينا، قائلاً: [لا يئن الروح القدس في ذاته مع نفسه في الثالوث القدوس، في جوهره الأبدي... إنما يئن فينا، أي يجعلنا نئن. فإنه ليس بالأمر الهين أن الروح القدس يجعلنا نئن، إذ يهبنا أن ندرك أننا غرباء نسلك في أرض غربتنا، ويعلمنا أن ننظر نحو وطننا، فنئن بشوق شديد.]

+         +         +

الأبركسيس من أعمال 19 : 11 – 20

 قوات غير المعتادة

"وكان اللَّه يصنع على يديّ بولس قوات غير المعتادة". [11]

ثبت الله كرازة الرسول بولس وتعليمه بصنع الآيات والعجائب.

لم نسمع عن آيات صنعها الرسول بولس منذ إخراج الروح الشرير من العرافة في فيلبي. فلم يذكر أنه صنع آيات في تسالونيكي وبيريه وأثينا، فهل صنع آيات لم يسجلها لوقا البشير؟ غالبًا حيثما كانت كلمة الإنجيل تنجح، لم تكن توجد حاجة لعمل الآيات. أما حينما توجد مقاومة شديدة، فإن الله يسند العمل بالآيات. ففي أفسس وُجدت مقاومة شديدة وشتائم من اليهود والأمم، لهذا "كان الله يصنع على يدي بولس قوات غير المعتادة". هذا وإننا لا نتجاهل أن القديس بولس لم ينشغل بتسجيل كل الآيات والقوات. ففي كورنثوس كما يقول الرسول وجدت آيات على رسولية تمت بينهم بأعمال عجيبة وقوات (2 كو 12: 12)، ومع هذا لم يسجل لنا لوقا البشير آية واحدة مما صنعها الرسول هناك.

لقد اقتضت ظروف أفسس أن يصنع الله على يديه قوات غير المعتادة، أي لم يفعلها رسول آخر.

"حتى كان يؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى،

فتزول عنهم الأمراض،

وتخرج الأرواح الشريرة منهم". [12]

إذ كان عدو الخير يعمل بكل قوةٍ خلال عظمة أرطاميس، سند الرب كنيسته فأعطى الرسول أن يصنع قوات غير معتادة (أع 19: 11-12)؛ وكان اسم يسوع يتعظم (أع 19: 17)، وجاء كثيرون بكتب السحر يحرقونها أمام الجميع، قُدرت أثمانها بخمسين ألفًا من الفضة. هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة (أع 19: 19-20).

هكذا قدرما سيطرت قوات الظلمة على أفسس عمل الرب بقوة ليجتذب السحرة أنفسهم للإيمان.

لم يكن بولس الرسول هو الذي يصنع القوات غير المعتادة، إنما كان هو الأداة المقدسة التي يستخدمها الله. إذ يقول: "من هو بولس؟ ومن هو أبولس؟"

لقد قدس الله ليس فقط جسده بل وحتى المناديل والمآزر التي على جسمه الضعيف، فتوضع على المرضى ومن بهم أرواح شريرة. وهكذا حقق الله وعده لتلاميذه أنهم يفعلون أعمالاً أعظم مما فعلها (لكن باسمه). وأكد أنه أعطاهم سلطانًا على الأرواح النجسة وأن يشفوا كل الأمراض (مت 10: 1).

+ صار الكلمة جسدًا لكي يغير جسدنا إلى روح... ولكي يقدس الجسد كله معه، إذ فيه تقدست البكور.

القديس غريغوريوس النيسي

أبناء سكاوا المعزمين

"فشرع قوم من اليهود الطوّافين المعزمين،

أن يسموا على الذين بهم الأرواح الشريرة باسم الرب يسوع،

قائلين: نقسم عليك بيسوع الذي يكرز به بولس". [13]

يقتبس هنا لوقا البشير مثلاً عن مدى تأثير خدمة القديس بولس في أفسس. فإن بعض العزامين الذين يدعون انهم يخرجون الشياطين فيطوفون أفسس للمكسب المادي، ظنوا أنهم يمارسون هذا العمل بقوة اسم يسوع الذي يكرز به بولس، هؤلاء اليهود شاهدوا القوات غير المعتادة التي وهبت للرسول، فعوض أن يؤمنوا أرادوا استخدام قوة الاسم في عمل السحر.

الكلمة اليونانية المترجمة طوّافين تشير إلى شخص يطوف وهو عاطل سيئ، ليس له موضع يقيم فيه. هؤلاء كانوا كثيرون في العالم، عملهم أن يطوفوا لعمل السحر والادعاء أنهم يخرجون الأرواح الشريرة، بأن يقسموا عليه باسم الله لكي يخرجوا.

"وكان سبعة بنين لسكاوا رجل يهودي رئيس كهنة الذين فعلوا هذا". [14]

+ تطلعوا إلى خسة الناس! لقد استمروا كيهود بينما حاولوا الانتفاع من هذا الاسم. كل ما فعلوه من أجل المجد والنفع المادي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كلمة سكاوا يونانية، ولا يُعرف رئيس كهنة بهذا الاسم. وإن كان رئيس كهنة، فلماذا يعيش في أفسس؟ لذا يرى البعض أنه أقام نفسه أو أقامه بعض اليهود رئيس كهنة. ويرى آخرون انه ربما ينتسب لعائلة هرون الكهنوتية، ولعله كان عضوًا في مجمع السنهدرين، وقد ترك أورشليم ليعيش في أفسس، أو كان يجول مع أبنائه من بلد إلى آخر كخدام لإبليس، يدعون القدرة على إخراج الشياطين وممارسة السحر.

هذه الخرافة كما يقول يوسيفوس المؤرخ انتشرت بين اليهود بعد أن وضع سليمان بعض التعاويذ لشفاء الأمراض وإخراج الشياطين، ولعل السيد المسيح قد أشار إلى هؤلاء في مت 12: 27.

حقًا إنه لأمر محزن أن السبط الذي قدسه الله لخدمته وبيت هرون الذي خصصه ككهنة له، قد انحرف ليصير منهم خدام لإبليس يمارسون السحر والرقي باسم الله نفسه، ليس تكريمًا لله، ولا إيمانًا بقدرته، وإنما لممارسة السحر الشيطاني. لهذا يصرخ الرسول: "هل من شركة بين المسيح وبليعال؟"

لا نعجب إن كان إبليس وجنوده أحيانًا يُظهرون نوعًا من الغيرة على اسم الله، لكن في كل الحالات ما يودونه هو تدمير خلاص البشر، لهذا لم يقبل السيد المسيح ولا رسله شهادتهم حتى وإن بدت صحيحة.

إن كنا نقاوم إبليس بروح الحق، بالإيمان الحي خلال ميثاقنا مع الله فحتمًا نحطمه؛ أما إن حسبنا أننا بمجرد ترديد اسم الله وخلال الشكل نقاومه، فإنه يقوى علينا ويصيب نفوسنا بجراحات خطيرة ويفضح عرينا الداخلي من نعمة الله.

يمكن سر غلبتنا على إبليس لا في النطق باسم يسوع دون الحياة معه بنعمته. لذا يقول الأب ثيؤدورت أسقف كورش [بعد أن أعلن بولس عن العدو أشار إلى المخلص (رو 6: 20). الذين ينالون نعمة الله لن يُغلبوا قط].

+ ليت الله ينصركم، ليس من الخارج على عدوكم، وإنما من الداخل على أنفسكم.

+ لا ترهب العدو الذي يأتي من الخارج، فإنك إن غلبت نفسك ستصير غالبًا للعالم.

القديس أغسطينوس

+ دُعي الشيطان قويًا ليس لأنه بالطبيعة هو هكذا، إنما بالإشارة إلى سلطانه الذي صار له بسبب ضعفنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فأجاب الروح الشرير، وقال:

أمّا يسوع فأنا أعرفه، وبولس أنا اعلمه،

وأمّا أنتم فمن أنتم؟" [15]

لقد أدركت الأرواح الشريرة أنهم يفعلون هذا ليس عن إيمان بقوة يسوع المسيح للخلاص والتمتع بالملكوت، وإنما بإساءة استخدام هذا الاسم، لهذا وإن اقسموا باسم يسوع لا يحملون قوته. فيقول الروح الشرير: "وأما أنتم فمن أنتم؟" يعنى: أين هي قوتكم؟ فإنكم لا تنتمون ليسوع، ولا تدركون إمكانية بولس الكارز باسم يسوع، فليس من حقكم أن تفعلوا آيات باسمه"

+ واضح أن الأرواح النجسة لا تقدر أن تجد لها طريقًا في أجساد من اغتصبتهم بأي وسيلة ما لم تملك أولاً علي عقولهم وأفكارهم فتسلب منهم مخافة الله وتذكره والتأمل فيه، وبهذا تتجاسر فتتقدم إليهم كمن هم بلا حصانة إلهية، وتقيدهم بسهولة وتجد لها موضعًا فيهم، كما لو كان لها حق الملكية عليهم.

الأب سيرينوس

"فوثب عليهم الإنسان الذي كان فيه الروح الشرير،

وغلبهم وقويَ عليهم،

حتى هربوا من ذلك البيت عراة ومجروحين". [16]

+ تظهر قوة الشياطين عظيمة حينما تكون ضد غير المؤمنين، لأنه لماذا لم يقل: "من هو يسوع؟" كان خائفًا لئلا هو نفسه أيضًا يسقط تحت العقوبة، لكن سمح له أن ينتقم من الذين سخروا به، لقد قال: "أما يسوع فأنا أعرفه". لقد كان خائفًا من بولس. لأنه لماذا هؤلاء البؤساء لم يقولوا له: نحن نؤمن؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وصار هذا معلومًا عند جميع اليهود واليونانيين الساكنين في أفسس،

فوقع خوف على جميعهم،

وكان اسم الرب يسوع يتعظم". [17]

لم يكن يهدف عدو الخير نحو تمجيد الله، لكنه وجد الفرصة متاحة لإيذاء السبعة بنين، أما الله الصالح فحوّل حتى هذا الحدث لبنيان الكنيسة، إذ وقع خوف الرب على جميع اليهود والأمم الساكنين في أورشليم، وتعظم اسم الرب يسوع أمام كثيرين.

+ تولد مخافة الرب الحقيقيّة من الإيمان الحقيقي،

فمن يؤمن حقيقة، حقًا يخاف ذاك الذي يؤمن به...

يولد الإيمان من البساطة الطبيعيّة،

كما يحفظ ويثبت أيضًا بتلك البساطة...

تحافظ البساطة على الإيمان،

وتحافظ مخافة الرب على وصايا اللَّه.

+ "لنتحدّث عن مخافة الرب بفكر يخاف الرب".

فانه لا يريد أن يقترب إلى هذا الموضوع ليستعرض أفكارا فلسفية، أو ليدخل في حوار عقلاني جاف، وإنما تحت قيادة مخافة الرب يدخل كما إلى المقادس عن العلاقة بين الله والإنسان كحياة عاشها الآباء وتسلّمها جيله. وكأنه يقول: "أتريد أن تتعرف على مخافة الرب؟ أطلب من الرب مخافة الرب هذه لتدخل بفكرك المقدس إلى أعماق نفسك، وتكتشف عمل اللَّه العجيب في وفيك!"

إنه لا يريد "مخافة" الجدل والكلام، وإنما مخافة خبرة الروح الحية!

الفكر البشري هو هبة يقدّمها الله للإنسان، تحتاج أن تدخل في دائرة مخافة الرب، تقوده كطفل صغير في رعاية أبيه أو أمه، يسير معها ليتعرّف على أسرار الحياة ويتدرّب وينمو وينضج!

مار فيلوكسينوس أسقف منبج

"وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرين،

ومخبرين بأفعالهم. [18]

لعل بعض الذين آمنوا واعتمدوا أخفوا بعض خطاياهم، ولم يقدموا توبة جادة. هذا الحدث أرعبهم، فإنه لا يكفي التمسك باسم الرب يسوع، بل يلزم التجاوب مع عمل روحه القدوس، والسلوك حسب العهد الجديد الذي التزموا به. هؤلاء جاءوا في مخافة لرب يعترفون بكل ما في أعماقهم! هكذا تحول الحدث إلى توبة الكثيرين واعترافهم لدى الرسل والتلاميذ، كما جذب بعضًا من غير المؤمنين إلى الإيمان الحي.

"وكان كثيرون من الذين يستعملون السحر،

يجمعون الكتب،

ويحرقونها أمام الجميع،

وحسبوا أثمانها، فوجدوها خمسين ألفًا من الفضة". [19]

حرق كتب السحر

أدرك كثير من السحرة وهواة الأعمال السحرية ضعف قوة إبليس وكل جنوده أمام اسم الرب يسوع، إن صدر عن قلب له شركة معه ونفس مقدسة له. في جدية جاء كثيرون بكتب السحر التي كانوا يستعملونها وكانوا يحرقونها علانية، دون أية اعتبار لبهاظة أثمانها.

كما كانوا يمارسون السحر علانية، حرقوا كتب السحر علانية أمام الجميع، معلنين توبتهم ومعترفين بخطأهم. قدموا كل رصيدهم، كتب السحر الثمينة، ليعلنوا عدم الرجوع إلى السحر، ما كانوا يظنونه مصدر رزقهم بل وغناهم لم يعد ذات قيمة بل صار أشبه بوباءٍ يريدون الخلاص منه. ولعل حرق الكتب علانية كان تعبيرًا عن روح الفرح بالنصرة على عدو الخير والبهجة بخلاص السيد المسيح.

"هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة". [20]

بينما كانت أعمال إبليس التي تجلت بالأكثر في أعمال السحر تتحطم، كانت كلمة الرب تنمو وتتشدد، حيث يدرك المؤمنون أعماق جديدة للكلمة وينجذب غير المؤمنين للتمتع بالكلمة.

 

+        +         +

إنجيل القداس من لوقا 21 : 12 – 19

12 و قبل هذا كله يلقون ايديهم عليكم و يطردونكم و يسلمونكم الى مجامع و سجون و تساقون امام ملوك و ولاة لاجل اسمي
13 فيؤول ذلك لكم شهادة
14 فضعوا في قلوبكم ان لا تهتموا من قبل لكي تحتجوا
15 لاني انا اعطيكم فما و حكمة لا يقدر جميع معانديكم ان يقاوموها او يناقضوها
16 و سوف تسلمون من الوالدين و الاخوة و الاقرباء و الاصدقاء و يقتلون منكم
17 و تكونون مبغضين من الجميع من اجل اسمي
18 و لكن شعرة من رؤوسكم لا تهلك


 

اضطهاد المؤمنين

"وقبل هذا كله يلقون أيديهم عليكم ويطردونكم،

ويسلمونكم إلى مجامع وسجون،

وتُساقون أمام ملوك وولاة لأجل اسمي،

فيؤول ذلك لكم شهادة،

فضعوا في قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكي تحتجوا.

لأني أنا أعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها.

وسوف تُسلمون من الوالدين والإخوة والأقرباء والأصدقاء ويقتلون منكم.

وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمي.

ولكن شعرة واحدة من رؤوسكم لا تهلك.

بصبركم اقتنوا أنفسكم" [12-19].

لعل السيد المسيح أراد أن يميز بين ما يحل بالبشرية من متاعب وضيقات لأسباب طبيعية أو بسبب انحرافها وبين الضيق الذي يحل بالمؤمنين لا لسبب سوى إيمانهم بالسيد المسيح، فإن العدو لا يكف عن المقاومة بكل طريقة مستخدمًا من لهم السمة الدينية (المجامع اليهودية) وأيضًا السلطات الزمنية، بل ومن الأقرباء حسب الجسد مثل الوالدين والأخوة والأقرباء. وفي هذا كله يرى الله أن هذه المقاومة هي ضده شخصيًا، فهو الذي يعطي الكلمة والحكمة لمؤمنيه، ومسئول حتى عن كل شعرة من رؤوسهم. لكن ليس بسلبية من جهة المؤمنين، إذ يقول: "بصبركم اقتنوا أنفسكم" [19].

في اختصار نلاحظ في النص السابق الآتي:

أولا: الخط الواضح في هذا الوعد الإلهي، إن الله نفسه هو موضوع مقاومة عدو الخير، لذا فهو الذي يقوم بالمقاومة وبطرقه الإلهية اللائقة به. يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [كما لو أن الرب يقول لتلاميذه: لا تخافوا، أدخلوا المعركة، فإني أنا الذي أحارب، أنتم تنطقون وأنا الذي أتكلم.] ويقول القديس كبريانوس: [عمله أن نغلب... هنا نرى الثقة العظيمة التي للمؤمنين، والخطأ الشنيع الذي يرتكبه غير المؤمنين حين لا يثقون في ذاك الذي وعد بغلبة من يعترفون به ولا يخافون من تهديداته بالعقوبة الأبدية لمن ينكره.]

ثانيًا: إن كان عدو الخير يستخدم كل الوسائل خاصة العنف الجسدي على المؤمنين، فالمؤمنون يتقبلون من مسيحهم فمًا وحكمة حتى يشعر المقاومون بالضعف أمام المُضطهدين.

ثالثًا: يسمح الله للمؤمنين بالضيق، لكنه كأب يعلن اهتمامه بهم فلا تهلك شعرة واحدة منهم، وكما يقول القديس أغسطينوس: [تأكدوا يا إخوة أنه ليس للأعداء سلطان على المؤمنين إلا بالقدر الذي يفيدهم بتجربتهم وامتحانهم.] كما يقول: [عندما حث الرب يسوع شهداءه على الصبر وعدهم أن ينال الجسد نفسه كمالاً تامًا في المستقبل بلا فقدان، لا أقول فقدان عضو منه، وإنما دون فقدان شعرة واحدة.]

رابعًا: يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على قول السيد: "بصبركم اقتنوا أنفسكم" [19]، هكذا: [وضع اقتناء النفس في فضيلة الصبر، لأن الصبر هو أصل كل الفضائل والحامي لها. الصبر هو احتمال الشرور التي تسقط علينا من الآخرين بهدوء، دون أن نحمل مشاعر سخط ضد من يسقطها علينا.]

+        +        +

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt