طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات  يوم 6 بؤونة

عشية

باكر

القــــداس

مز 18 : 34 ، 39

مت 10 : 16 - 23

مز 45 : 3 ، 4 ، 6

لو 7 : 11 – 17

2تى 2

3 - 15

بط 3

8 - 15

أع 27 : 42

- 28 : 6

مز 91 : 13 ، 11

لو 10 : 21- 24

 

إنجيل القداس .. لوقا 10 : 21 – 24

 

 21 و في تلك الساعة تهلل يسوع بالروح و قال احمدك ايها الاب رب السماء و الارض لانك اخفيت هذه عن الحكماء و الفهماء و اعلنتها للاطفال نعم ايها الاب لان هكذا صارت المسرة امامك
22 و التفت الى تلاميذه و قال كل شيء قد دفع الي من ابي و ليس احد يعرف من هو الابن الا الاب و لا من هو الاب الا الابن و من اراد الابن ان يعلن له
23 و التفت الى تلاميذه على انفراد و قال طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه
24 لاني اقول لكم ان انبياء كثيرين و ملوكا ارادوا ان ينظروا ما انتم تنظرون و لم ينظروا و ان يسمعوا ما انتم تسمعون و لم يسمعوا

 

 

+  تهلَّل السيِّد المسيح بالروح

في النص المشابه للنص الذي بين أيدينا (مت 11: 25-30) رأينا السيِّد المسيح وهو يشتاق أن يقدِّم المعرفة الحقيقية لكل نفس، لا يتمتَّع بهذه المعرفة السماويَّة إلا البسطاء كالأطفال خلال ربَّنا يسوع المسيح الابن الوحيد الجنس البسيط. إنه يوَد ألاَّ يُحرم أحدًا من المعرفة، لكن الذين حسبوا في أنفسهم أنهم غنوسِيُّون (أصحاب معرِفة) وحكماء لا يستطيعوا اللقاء معه للتعرف على الأسرار الإلهيَّة.

+ أخيرًا يكشف ابن الله السرّ السماوي، معلنًا نعمته للأطفال وليس لحكماء هذا الدهر (مت 11: 25). يذكر الرسول بولس ذلك بالتفصيل: "لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يُعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يُخلِّص المؤمنين بجهالة الكرازة" (1 كو 1: 21).

من يعرف أن ينتفخ أو يعطي كلماته رنين الحكمة فهو حكيم (هذا الدهر)، أما الطفل فيقول: "يا رب لم يرتفع قلبي، ولم تستَعْلِ عيناي، ولم أنظر في العجائب والعظائم التي هي أعلى مني" (مز 1:131)، هذا يظهر صغيرًا لا في السن ولا في الفكر وإنما بِتواضعه، خلال ابتعاده عن المديح، لذا يضيف: "لكن رفعتُ عينيَّ مثل الفطيم من اللبن من أُمِّه". تأمَّل عظمة مثل هذا الإنسان في كلمات الرسول: "إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فلْيصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا، لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله" (1 كو 3: 18-19).

القدِّيس أمبروسيوس

"كل شيء قد دُفع إلىّ من أبي،

وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب،

ولا من هو الآب إلا الابن، ومن أراد أن يُعلِن له" [22].

+ يتحدَّث هنا عن نوع معين من المعرفة (معرفة خلال وحدة الجوهر) لا يملكه آخر.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ لم يقل "يعلن" بخصوص الإعلان في المستقبل فقط، إنما بدأ الابن يعلن عن الآب عندما وُلد من مريم، وأُعلن عنه بطرق متنوِّعة عبر الزمن. الابن حاضر... يعلن عن الآب للكل، لمن يريد، وحينما يريد الآب.

القدِّيس إيريناؤس

+ لم يتعلَّم بولس الإيمان بالكلمات فحسب (معرفة كلاميَّة) وإنما تمتَّع بغنى الروح، حتى ينير الإعلان كل نفسه ويتكلَّم المسيح فيه.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ صارت الأذهان الجديدة حكيمة بحكمة جديدة، جاءت هذه الأذهان إلى الوجود خلال العهد الجديد حيث نزعت الغباوة القديمة.

القدِّيس إكليمنضس السكندري

من هذا نُدرك أن الحكمة الجديدة التي من أجلها تهلَّل يسوع توهب لنا في المسيح يسوع بخلع إنساننا القديم، وتمتُّعنا بالإنسان الجديد الذي على صورة خالقنا، صورة المسيح. خلال هذا الإنسان الجديد، أي اتحادنا مع الله في المسيح يسوع، نصير أولاد الله أو أطفاله نتعرَّف على أسراره الإلهيَّة. لهذا السبب يُعلِّق القدِّيس إكليمنضس السكندري على تمتَّع الأطفال بالحكمة بقوله: [بالحق هل نحن أطفال الله، تركنا الإنسان القديم، وخلعنا ثوب الشر، ولبسنا خلود المسيح، فنصير شعبًا جديدًا مقدَّسًا خلال الميلاد الجديد، ونحفظ إنساننا غير دنس، وكأطفال لله نغتسل من الزنا؟]

إذن لنكن أطفالاً حقيقيِّين، بخلع لباس الشرّ والسلوك كأبناء الله، فيكشف لنا الرب أسراره، ويتهلَّل من أجل الحكمة التي يهبنا إياها.


مت 11 : 25 – 30

 

25 في ذلك الوقت اجاب يسوع و قال احمدك ايها الاب رب السماء و الارض لانك اخفيت هذه عن الحكماء و الفهماء و اعلنتها للاطفال
26 نعم ايها الاب لان هكذا صارت المسرة امامك
27 كل شيء قد دفع الي من ابي و ليس احد يعرف الابن الا الاب و لا احد يعرف الاب الا الابن و من اراد الابن ان يعلن له
28 تعالوا الي يا جميع المتعبين و الثقيلي الاحمال و انا اريحكم
29 احملوا نيري عليكم و تعلموا مني لاني وديع و متواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم
30 لان نيري هين و حملي خفيف

 

قبول البسطاء له

الذين ظنّوا في أنفسهم أنهم حكماء رفضوه، بينما قبله البسطاء، فأعلن لهم أسراره الإلهيّة، مقدّمًا تسبحة فرح وتهليل لأبيه من أجلهم:

"في ذلك الوقت أجاب يسوع وقال:

أحمدك (اعترف لك) أيها الآب رب السماء والأرض،

لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال" [25].

حقًا إن الله يشتهي أن يقدّم أسراره للبشريّة بلا محاباة، ولا يمنع أحدًا من معرفته، لكن الذين يظنّون في أنفسهم أنهم حكماء وفهماء كالفرّيسيّين المتعجرفين أو الغنوسيّين الذين نادوا أنهم أصحاب معرفة gnosis عقليّة قادرة على خلاصهم، هؤلاء يتثقّلون بالأنا فلا يقدرون أن يدخلوا طريق المعرفة الإلهيّة الحقّة، أمّا من يقبل المسيّا الملك في بساطة قلب ويحمل صليبه في تواضعٍ، يكون كطفل قد ارتمى في حضن أبيه، فيدخل به السيّد إلى معرفته، إذ يقول السيّد المسيح: "نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرّة أمامك. كل شيء قد دُفع إليّ من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له" [26-27].

+ "اعترف لك (أحمدك) أيها الآب..." [25].

 تبصَّروا الآن إن كان المسيح البعيد عن كل الخطايا يقول: "اعترف"، فإن الاعتراف لا يخصّ الخطاة فحسب بل يخصّ أحيانًا الذين يسبّحون الله أيضًا. لذلك فإنّنا نعترف بتسبيحنا لله أو باستذناب أنفسنا. وكِلا الأمرين هو اعتراف حسن، سواء في لوْمكم أنفسكم يا من لستم بلا خطيّة، أو في تسبيحكم الله الذي بلا خطيّة.

+ استمع إلى اعتراف الرب! "اعترف لك أيها الآب رب السماء والأرض". هذا الاعتراف كما سبق أن قلت يعني "الحمد". لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال". ما هذا يا إخوتي؟ لتفهموا (ماذا يقصد بالحكماء والفهماء) ممّا جاء بعكسهم (الأطفال)، إذ لم يقل أعلنتها للأغبياء والجهلاء، بل "أعلنتها للأطفال"... أخفاها عن هؤلاء الحكماء، الذين هم بالحق مثار سخرية ومتكبّرون، الذين يتظاهرون باطلاً أنهم عظماء، ولكنهم بالحق ليسوا إلا متكبّرين... من هم الأطفال؟ إنهم المتّواضعون... بقوله "أعلنتها للأطفال" أوضح أنه يقصد "الكبرياء" تحت اسم الحكمة والفهم...

"بينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء" (رو 1: 22). هنا تجد علاجًا تعرفه من الضدّ. فإذ تزْعم أنك حكيم تصير جاهلاً! فلتعترف في نفسك أنك بذاتك جاهل فتصير حكيمًا، ولكن لتشهد بذلك بالحق. اعترف بهذا في القلب، لأن هذه هي الحقيقة. فإن شهدت بذلك لا تشهد به أمام الناس دون أن تعترف به أمام الله، معلنًا أن كل ما يخصّك بكلّيتك مظلم... لتعترف أنك لست نورًا لنفسك بل بالحقيقة أنك عين لا نور، وما فائدة العين حتى المفتوحة والسليمة دون وجود نور؟ لتعترف أنك لست نورًا لنفسك، ولتصرخ كما هو مكتوب: "لأنك أنت تضيء سراجي. الرب إلهي ينير ظلمتي" (مز 18: 28). لأني كنت بكلّيتي ظلمة ولكنك أنت هو النور الذي يبدّد ظلمتي وينير لي. أنا لست نورًا لنفسي، ليس لي نصيب في النور إلاّ بك!

+ "اعترف لك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء". أخفيتها عن هؤلاء الذين ظنّوا في أنفسهم أنهم نور مع أنهم ظلمة... فلم يستطيعوا أن يستضيئوا. وأما الذين هم ظلمة واعترفوا بذلك، فقد كانوا أطفالاً صغارًا وليسوا بعظماء، كانوا متواضعين وليسوا متكبّرين. لقد حقّ لهم أن يقولوا: "أنت تضيء سراجي". إنهم يعرفون أنفسهم ويمدحون الله فلم يضلّوا عن طريق الخلاص.

القدّيس أغسطينوس

حقًا إنه لم يمنع أحدًا عن معرفته، لكن الطريق إليه بالنسبة لنا كرب والباب ضيق، لا يقدر أحد أن يدخله سوى البسطاء المتواضعون. ما هو الطريق إلا شخص المسيح نفسه، الذي يقول: "أنا هو الطريق والحق والحياة"، يحملنا فيه بكوننا نحمل سماته من بساطة وتواضع وحب الخ. كأعضاء في جسده المقدّس، ليدخل بنا إلى حضن أبيه ونتعرّف على أسراره، فيفرح بنا الآب. لهذا يكمّل السيّد حديثه، قائلاً: "نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك. كل شيء قد دُفع إليّ من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له. تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم، وتعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيري هيّن وحملي خفيف" [26-30].

لقد أوضح السيّد في حديثه الآتي:

أ. الابن هو الطريق لمعرفة الآب.

ب. يدعو الابن المتعبين للدخول إلى راحة المعرفة الحقيقيّة.

ج. يدعونا الابن لحمل نيره خلال سمتيّ الوداعة وتواضع القلب.

د. نيره الذي نحمله حلو، وحمله خفيف.

أ. الابن هو طريق معرفة الآب

لا يستطيع أحد أن يدرك من هو الآب في جوهره إلا الابن الوحيد الجنس، الواحد معه في الجوهر، ولا يقدر أحد أن يدرك من هو الابن غير الآب وحده. ولما كانت مشيئة الله أن نتعرّف عليه فنحبّه ونقبل الاتّحاد معه، لهذا جاءنا الابن يحمل طبيعتنا لكي يدخل بنا إلى المعرفة الإلهيّة، حملنا فيه حتى نقدر أن نُعاين ما لا يُرى وندرك ما لا يُدرك. ليس طريق آخر به تقدر النفس أن تتعرَّف على إلهها إلا باتّحادها بالابن الوحيد. يخاطب القدّيس أغسطينوس الآب، قائلاً: [إننا نقول أنه بالمسيح قد صار لنا باب الدخول إليك.]

في دراستنا لسّر الإفخارستيا، أدركنا أن ذبيحة المسيح تحملنا إلى الثبوت في المسيح يسوع الذبيح بكونه رأسنا، خلالها نتعرّف على الآب الذي يعرفه الابن. وقد ركَّزت الليتورجيّات الأولى على تأكيد سرّ الإفخارستيا كسرّ معرفة الله خلال ابنه. ففي قداس الأسقف سرابيون يُقال: لتتبارك نفوسهم بالفهم والمعرفة والأسرار لكي يشتركوا فيها، ليتبارك الكل معًا خلال الابن الوحيد يسوع المسيح.]

ب. يدعو الابن المتعبين للدخول إلى راحة المعرفة الحقيقيّة

ينادي السيّد جميع المتعبين، قائلاً: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" [28].

ليس عجيبًا أن يدعو السيّد المتعبين جميعًا لنوال الراحة فيه بعد أن أعلن أنه وحده العارف للآب وواهب المعرفة. ففيه نكتشف محبّة الآب الفائقة ونتعرّف على حنوّه نحونا، إذ يقول الرسول بولس: "الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟! من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرّر! من الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات بل بالأحرى قام أيضًا الذي هو أيضًا عن يمين الله الذي أيضًا يشفع فينا!" (رو 8: 32-35). ففي المسيح يسوع عرفنا الآب كمحب البشر لم يبخل علينا بشيء بل قدّم ابنه فِدية عنّا. فماذا نطلب بعد؟! وفي المسيح رأيناه الديّان الشفيع في نفس الوقت. فممن نخاف؟! هذا هو سرّ راحة الجميع!

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على دعوة السيّد المسيح للمتعبين من أجل راحتهم قائلاً: [إذ يحمل الرب نحونا حنانًا يدعونا إليه ولا يرهبنا. جاء في وداعة، أتى في تواضع... إنه يلاطفنا ولا يطردنا أو يلقينا خارجًا. هكذا اختار أيضًا تلاميذ مناسبين يفسِّرون إرادة الرب إذ يجمعون شعب الله (بالحب) ولا يشتّتونه (بالقسوة).]

يناجي القدّيس يوحنا سابا ربنا يسوع كسرّ راحته، قائلاً: [طوبى للحامل في قلبه ذِكرك في كل وقت، لأن نفسه تسكر دائمًا بحلاوتك!... طوبى لذاك الذي يطلبك في داخله كل ساعة، منه تجري له الحياة ليتنعّم!...] كما يقول: [إن كنت تحزن في طلبه فستبتهج بوجوده! إن كنت تتألّم لكي تنظره بالدموع والضيق، فإنه يظهر لك حسنة (جماله) داخلك فتنسى أحزانك.]

ج. يدعونا الابن لحمل سمتيّ الوداعة وتواضع القلب

لا نستطيع أن ندخل طريق المعرفة الحقيقيّة إلا بالمسيح يسوع نفسه الوديع المتواضع القلب، نحمله فينا فنحمل سماته ونتأهّل لإدراك الأسرار الإلهيّة:

+ "احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني" [29]، لا في خلقه العالم، ولا في خلقه الأمور المنظورة وغير المنظورة، ولا في صنع المعجزات وإقامة الموتى في العالم الذي خلقه هكذا، وإنما "لأني وديع ومتواضع القلب".

أتريد أن تكون عظيمًا؟ ابتدئ من الآخر!

أتريد أن تقيم بناءً غالبًا قويًا؟ فكِّر أولاً في أساس التواضع!...

ما هي قمّة تشييد هذا البناء الذي نؤسّسه؟ إلى أين تبلغ قمّة هذا البناء العالي؟ أقول حالاً إلى رؤية الله! ألا ترى كم هو عظيم أن تُعاين الله؟! إن من ارتفع إلى هذا الأمر يقدر أن يفهم ما أقوله وما يسمعه!... وإذ القمّة مرتفعة فكّر في الأساس. أي أساس؟ ماذا تقول؟ تعلّموا منه لأنه وديع ومتواضع القلب. لتحفر فيك أساس التواضع هذا عميقًا، فتحصل على قمّة المحبّة!

القدّيس أغسطينوس

د. النير العذب

إذ يدخل البسطاء باب المعرفة الحقيقيّة خلال اتّحادهم بالسيّد المسيح نفسه. يحملونه فيهم، فيجدون نيره هيّن وحمله خفيف، فتستريح نفوسهم في داخله. حقًا لقد دعانا لحمل الصليب والإماتة معه كل، لكن مادام الصليب خاص به والموت هو شركة معه تتحوّل الآلام إلى عذوبة والموت إلى حياة والصلب إلى قيامة، بهذا يصير النير هيّنًا، لأنه نير المسيح، والحمل خفيفًا لأنه حمله هو.

+ إن كنت لا تصدّق أقوالنا اسمع من رأوا ملامح الشهداء وقت صراعاتهم، عندما كانوا يُجلدون ويُسلخون، إذ كانوا في فرحٍ زائد وسرور. حينما كانوا يُقصون على حديد محمّى بالنار يتهلّلون وتبتهج قلوبهم كمن هم ملقون على سرير من الورود. لهذا يقول بولس وهو يرحل خاتمًا حياته بموت عنيف: "أُسرّ وأفرح معكم أجمعين، وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضًا وافرحوا معي" (في2: 17-18). انظروا بأي لغة قويّة يدعو العالم كلّه ليشترك معه في بهجته؟

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

+ "احمل نيري عليك، لأن نيري طيّب وحملي خفيف". حين أقول بأن تكفر بنفسك إذا أردت أن تتبعني، فهل تجد وصيّتي هذه قاسية وصعبة؟ ليست قاسية عليك ولا ثقيلة لأني معين لك. المحبّة تخفّف من قسوة الوصيّة!

القدّيس أغسطينوس

+ أي شيء يكون ثقيلاً وصعبًا على من احتضن بكل قلبه نير المسيح، متأسّسًا على التواضع الحقيقي، مثبِّتًا أنظاره على آلام الرب على الدوام، فرحًا بكل ما يصيبه، قائلاً: "لذلك أُسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات لأجل المسيح، لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (2 كو 12: 10)... كيف تصير حلاوة نير المسيح العجيبة مرّة؟ إلا بسبب مرارة شرّنا! كيف يصير الحمل الإلهي الخفيف للغاية ثقيلاً؟ إلا لأنه في وقاحتنا العنيدة نستهين بالرب الذي به نحمل حمله!، خاصة وأن الكتاب المقدّس بنفسه يشهد بذلك بوضوح، قائلاً: "الشرّير تأخذه آثامه وبحبال خطيّته يُمسك" (أم 5: 22)؟أقول أنه من الواضح أننا نحن الذين نجعل من طرق الرب السهلة السليمة طرقًا متعبة، وذلك بسبب حجارة شهواتنا الرديئة الثقيلة، إذ بغباوة نجعل الطريق الملوكي محجرًا، وبترك الطريق الذي وطأته أقدام كل القدّيسين بل وسار فيه الرب نفسه، باحثين عن طريق ليس فيه آثار لمن سبقونا، طالبين أماكن مملوءة أشواكًا، فتعمينا إغراءات المباهج الحاضرة، وبتمزّق ثوب العرس بالأشواك في الظلام... وقد تغطى الطريق بقضبان الخطايا، حتى أننا ليس فقط نتمزّق بأشواك العوسج الحادة، وإنما ننطرح بلدغات الحيّات المميّتة والأفاعي المتوارية هناك، "لأنه شوك وفخوخ في طريق الملتوي" (أم 22: 5).

الأب إبراهيم

+ نسمع الرسول وهو تحت هذا النير الهيّن والحمل الخفيف يقول: "بل في كل شيء نُظهر أنفسنا كخُدّام الله في صبرٍ كثيرٍ في شدائدٍ في ضروراتٍ في ضيقاتٍ في ضرباتٍ الخ..." (2 كو 6: 4). وقي موضع آخر من نفس الرسالة يقول: "من اليهود خمس مرّات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرّات ضُربت بالعصى، مرّة رجمت، ثلاث مرّات انكسرت في السفينة ليلاً ونهارًا قضيت في العمق" (2 كو 11: 24، 25) الخ، وبقيّة المخاطر التي حقًا يمكن إحصاءها، ولكن لا يمكن احتمالها إلا بمعونة الروح القدس. لقد كان يعاني على الدوام وبكثرة من كل هذه التجارب الثقيلة والخطيرة التي أشرّنا إليها، ولكن في نفس الوقت كان الروح القدس يعمل فيه لإبطال الإنسان الخارجي وتجديد إنسانه الداخلي دومًا فيومًا. فبتذوّقه الراحة الروحيّة في مباهج الرب الغزيرة تهون المتاعب الحاضرة، على رجاء البركة المستقبلة وتخِفّ التجارب الثقيلة. هوذا ما أحلى نير المسيح الذي حمله! وما أخف ذلك الحمل!...

+ كم يسهل احتمال الضيقات الزمنيّة من أجل تجنُّب العقاب الأبدي وإدراك الراحة الأبديّة. لم يقل الإناء المختار اعتباطًا بفرح زائد: "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستُعلن فينا" (رو 8: 18). انظر كيف أن ذلك "النير الهيّن والحمل الخفيف"، إن كان عسيرًا على القليلين الذين اختاروه لكنّه سهل للذين يحبّونه.

القدّيس أغسطينوس

+ كل شيء يقلقنا ويفسد القلب في أساسه ويضغط علينا هو من الشيطان، الذي هو نفسه الاضطراب والضيق الأبدي، أمّا الرب فهو سلام القلب وراحته.

الأب يوحنا من كرونستادت

يمكننا في إيجاز أن نقول أن البسطاء يقبلون الملك المسيّا ويحملون صليبه كنيرٍ عذبٍ، سرّ عذوبته أنهم فيما هم يحملونه يكتشفون ملكهم الحامل للصليب معهم وعنهم وفيهم أيضًا.

مرحِّبًا بالنير إن كان هو نير المسيح، فإنّنا لن نقدر أن نلتقي بمسيحنا خارجًا عن نيره، ولا أن نتعرّف على أبيه بدون صليبه!

+         +          +

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt