طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 25 أبيب

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 18 : 34 ، 39

مت 8 : 5 - 13

مز 68 : 35 ، 5

لو 12 : 4 - 12

2 كو 10

1 - 18

1 بط 4

1 - 11

أع 12 : 25

- 13 : 12

مز 45 : 3 ، 4

مت 12 : 9 - 23

البولس من 2 كو 10 : 1 – 18 

دفاعه عن مذلة حضرته

لم يوجد موضع ما عانى فيه الرسول بولس من مقاومة المعلمين الكذبة مثل كورنثوس، فقد أخذوا منه موقفًا عدائيًا. كان من الهين عليه أن يضطهده اليهود والأمم، أما أن يقاومه اخوة كذبة تحت اسم المسيح، فهذا مرّ للغاية.

أُتهم القديس بولس أنه رقيق للغاية في معاملاته مع شعبه متى كان حاضرًا في وسطهم كمن هو ذليل، أما في رسائله فكان حازمًا جدًا.

اضطر أن يكتب الرسول دفاعًا عن تصرفاته هذه حتى لا يتعثر أحد:

1. في الحضرة يلتزم بالمذلة ولا يبرز سلطانه ولا مواهبه ولا إمكانياته لكي يفتخر الكل بالرب (17:10، 18).

2 - إنه كصديق للعريس لا يهتم بما لنفسه بما للعروس. "فإني أغار عليكم غيرة اللَّه لأني خطبتكم لرجلٍ واحدٍ لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (2:11).

 إنه ليس كالمخادعين الذين يطلبون ما لمجدهم على حساب العروس وعلى حساب إنجيل الحق.

3 - لا ينقص شيئًا عن فائقي الرسل (5:11)، لكنه تذلل لخدمتهم؛ كما لم يستخدم سلطانه لنوال حقوقه الشرعية حتى لا يعثر أحدًا منهم (12:11).

4 - تحذيره لهم من الرسل الكذبة الماكرين، فإن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور (14:11).

5 - التزامه أن يتحدث كغبي عن نفسه مع أنه عبراني، وإسرائيلي، من نسل إبراهيم، وهو من أفضل خدام المسيح، وأكثر احتمالاً للأتعاب. وقد أورد في ايجاز مدى ما عاناه من ضيقات واضطهادات.

6 - تمتع الرسول بإعلانات الرب له (1:12-10).

7 - وُهب صنع آيات وعجائب (11:12-12). تكمن قوته في الروح لا في الجسد (1:10-6).

8. لا يستخدم السلطان للَّهدم (7:12-18).

9. لم يثقل على أحدٍ (13:12-18).

الإصحاح العاشر

سلطان الرسول الروحي

مع ما اتسم به الرسول من حياة تكاد تكون بلا لوم، مع قلب ناري متقد في خدمته، واهتمامه بكل أحدٍ هوجم الرسول من المعلمين الكذبة.

١. سلطان الرسول الروحي ١-٧.

٢. سلطانه للبنيان لا للَّهدم ٨.

٣. سلطانه في الحضرة والغيبة ٩-١١.

٤. سلطان بلا افتخار ١٢-١٦

٥. افتخار بالرب ١٧-١٨.

١. سلطان الرسول الروحي

إذ يبدأ دفاعه عن رسوليته وسلطانه الروحي يكتب بروح التواضع والوداعة، مؤكدًا أنه لا يُمكن أن يستخدم سلطانه لحساب كرامته الشخصية.

"ثم أطلب إليكم بوداعة المسيح وحلمه،

أنا نفسي بولس الذي في الحضرة ذليل بينكم،

وأما في الغيبة فمتجاسر عليكم" [ 1 ]

في بدء الرسالة ضم تيموثاوس إليه، أما هنا إذ يتحدث عن رسوليته يتكلم عن نفسه وحده ضد الرسل الكذبة.

بقوله "الآن" أو "ثم" أي بعد أن تحدث عن الحب المشترك بينه وبينهم، وعن الحب بينهم وبين الإنسان التائب، وعن الالتزام بالحنو على المحتاجين بسخاءٍ وفرحٍ يود أن يدافع عن رسوليته، لا لتمكين كرامة بشرية له، وإنما من أجل بنيان الكنيسة ونمو الخدمة. وقد أجِّل الحديث حتى يضع الأمور الأخرى في نصابها.

يتساءل البعض: لماذا أُتهم القديس بولس الرسول أنه ذليل في الحضرة ومتجاسر في الغيبة؟

أولاً: يرى ثيؤدورت أسقف قورش أن بعض المسيحيين من أصل يهودي طالبوا الذين من أصل أممي بحفظ الناموس الموسوي حرفيًا مثل الختان وحفظ السبت والتطهيرات الجسدية. وقد نادوا بأن بولس كان يحفظ هذا الناموس سرًا بالنسبة لنفسه، وفي نفس الوقت كان يعفي الأمم من حفظه، خاصة في رسائله، وهو في الغيبة.

ثانيًا: يرى البعض أن بولس كان قصير القامة، لا يهتم بثيابه، ولم يكن لديه ما يشتري به مثل هذه الالتزامات الضرورية، كما كان يتحدث بلغة بسيطة أمام الجماهير، بينما جاءت رسائله تحمل فصاحة وبلاغة، وكأنه يحمل في رسائله شخصية مختلفة عما تظهر في حضرته.

ثالثًا: إذ بدأ الخدمة في كورنثوس واجه الفساد والمشاكل الكنيسة بروح هادئ، أما رسالته السابقة فأبرز فيها حزمه ضد القائد الذي ارتكب الشر مع زوجة أبيه، وأيضًا ضد مسببي الإنشقاقات، والمعلمين الكذبة وأصحاب البدع والهرطقات.

يردد الرسول ما يقوله المقاومون له لكي يرد على اتهامهم.

"ولكن أطلب أن لا أتجاسر وأنا حاضر،

بالثقة التي بها أرى إني سأجترئ على قوم يحسبوننا كأننا نسلك حسب الجسد" [ 2 ]

أُتهم الرسول أنه يسلك حسب الجسد حيث يظهر كذليلٍ في حضوره، ويستخدم الحزم والتأديب في غيابه عنهم.

إنه كرسول من حقه أن يمارس سلطانه الروحي للحفاظ على قدسية الكنيسة وسلامة إيمانها وعقائدها والالتزام بالسلوك اللائق في العبادة الكنسية. الآن يطلب ألا يتجاسر ويستخدم هذا السلطان في حضوره وسطهم. إنه يتوسل إليهم ألا يتركوا مجالاً لكي يستخدم هذا السلطان ضدهم كما استخدمه في رسالته الأولى وهو في الغيبة، خاصة ضد مرتكب الشر مع زوجة أبيه ومفسدي الإيمان بصورة أو أخرى.

"لأننا وإن كنا نسلك في الجسد،

لسنا حسب الجسد نحارب" [ 3 ]

هذا معناه أننا وإن كان نعيش في الجسد إلا أننا إذ نطلب مسرة اللَّه نعمل بطريقٍ روحيٍ.

+ وإن كنا محاطين بالعالم لا نُسلم له.

ثيؤدورت أسقف قورش

قلنا أن البعض يتهمونه بأنه يسلك حسب الجسد، خاصة حين يؤدب وهو متغيب عنهم، لكنه يؤكد أنه أبعد من هذا بكثير. إنه ليس جسدانيًا، إذ لا يستخدم أسلحة جسدية أو زمنية، بل أسلحة اللَّه الروحية القوية غير الفاسدة. فإن معركته من أجل خلاص العالم وبنيان الكنيسة روحية وليست جسدية.

"إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية

بل قادرة باللَّه على هدم حصون" [ 4 ]

في رقته في الحضرة أو في حزمه في الغيبة لا يسلك حسب الجسد، أو بطريقة بشرية كإنسان له الجسد، بل حسب الروح. إنه كقائد روحي يحمل روح القوة، ويعمل بالروح لحساب ملكوت اللَّه. فهو لا يداهن أحدًا، ولا يخشى أحدًا، ولا يحمل ضغينة ضد أحدٍ بصورة شخصية. معركته ضد قوات الظلمة، وليست ضد إنسانٍ ما.

+ لم يقل هنا "لا نعيش حسب الجسد"، وإنما "لسنا حسب الجسد نحارب". إننا نتعهد حربًا ومعركة، لكننا لسنا نحارب بأسلحة جسدية ولا بمساندة أي عون بشري. أي نوع من الأسلحة التي للجسد؟ الثروة والمجد والقوة والفصاحة والمهارة والمراوغات والمداهنة والرياء وما أشبه ذلك. ليس لنا نحن هذا. فمن أي نوع نحن؟ إننا قادرون باللَّه.

لم يقل: "اننا لسنا جسديين" بل "اسلحتنا ليست جسدية". لأنه يتحدث في الحاضر عن الكرازة، ويشير إلى قوة اللَّه الكلية. ولم يقل "روحية" مع أن هذا هو المضاد للجسدية، إنما يقول "قادرة" كتطبيق للروحية، ومظهرًا أن أسلحتهم هم (المعلمون الكذبة) ضعيفة وبلا قوة.

لاحظ غياب الكبرياء عنه، إذ لم يقل: "نحن قادرون" وإنما "أسلحتنا قادرة باللَّه". لسنا نحن جعلناها هكذا، بل باللَّه نفسه.

فانهم إذ جلدوا واضطهدوا وعانوا من أمور لا يمكن الشفاء منها وبلا عدد، الأمور التي هي برهان على الضعف، أراد أن يظهر قوة اللَّه فقال "لكنها قادرة باللَّه". فإن هذا على وجه الخصوص يظهر قوته، إنه بهذه الأمور يقتني النصرة. فإنه حتى ونحن مرتبطون بهم فإن اللَّه هو الذي يحارب وهو الذي يعمل بهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كثيرًا ما يستخدم الرسول بولس تشبيه "المعركة" بالنسبة لخدمة الخلاص (أف ٦: ١٠-١٧؛ ١تي ١٨؛ ٢تي ٢: ٣-٥).

"هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة اللَّه،

ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" [ 5 ]

أسلحة محاربته ليست جسدية كتلك التي يستخدمها الرسل الكذبة، إنما هي روحية تقوم على الحق الإنجيلي الصادق. بها يدخل إلى القلوب محطمًا حصون البطلان وجيوش الأعداء الروحيين.

+ لئلا عندما تسمع عن الحصون تظن أنها مادية يقول: "هادمين ظنونًا" [ 5 ]. أولاً يعطي تأكيدًا بالرمز وبعد ذلك بهذا التعبير الاضافي يعلن عن طبيعة الحرب الروحية. لأن هذه الحصون تأسر النفوس لا الأجساد. لهذا فهي أقوى من الحصون الأخرى، ولهذا أيضًا فإنها تحتاج إلى أسلحة أقدر. لكنه يقصد بالحصون الكبرياء اليوناني وقوة السفسطة والمنطق. يقول: "لأن هذه الأسلحة تدحض كل شيء يقف ضدها، إذ تنزع الظنون وكل علو يرتفع ضد معرفة اللَّه". إنه يستمر في الرمز ليقدم تأكيدًا أعظم. إذ يقول وإن وجدت حصون وقلاع وأي شيء آخر فانها ستستسلم وتنهار أمام هذه الأسلحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يتم النمو تدريجيًا من الطفولة حتى النضوج والكمال في المسيح. لأن الإيمان يزداد بواسطة عمل الروح القدس الإلهي وينمو. وتبعًا لذلك تتحطم حصون الأفكار الشريرة تدريجيًا إلى أن تنهدم بالكلية.

القديس مقاريوس الكبير

الحرب روحية والأسلحة روحية والنصرات أيضًا روحية، إذ يتمتع الرسول بالآتي:

أولاً: "هدم الظنون" logismous أو الأفكار والآراء الخاطئة. فقد ظن بعض الفلاسفة اليونانيين أن آراءهم هي حق وصادقة وحاسمة بلا انحراف. وإذ انتشر الحق الإنجيلي ظهر فساد هذه الآراء، وانحنى الكثيرون أمام رب المجد يسوع، وقبلوا صليبه مصدر خلاصهم وآمنوا بالقيامة من الأموات التي كانوا يحسبون من يبشر بها نوعًا من الهذيان.

ثانيًا: هدم "كل علوٍ"، فقد تشامخ الفلاسفة اليونانيون مثل افلاطون وأرسطو وأتباعهما الخ.، لكن هذا التشامخ انهار أمام تواضع الرسل أتباع المصلوب وبساطة الإنجيل الذي يكرزون به. وأيضًا ارتكاب الخطية وعصيان الوصية الإلهية هو تشامخ على اللَّه.

+ كل خطية هي تعبير عن الاستخفاف بالناموس الإلهي، وتُدعى "علوًا يرتفع ضد معرفة اللَّه".

القديس باسيليوس الكبير

ثالثًا: لا يقف الأمر عند الجانب السلبي وهو هدم الشر سواء في شكل ظنون وآراء أو في شكل تشامخ ضد الحق والمعرفة الإلهية أو ضد الوصية الإلهية، وإنما يمتد إلى الجانب الإيجابي، وهو سحب كل فكر ليشتهي الطاعة للسيد المسيح. يصير الكل أعضاء في جسد المسيح يحركهم الرأس نفسه (السيد المسيح)، ويتجاوبون معه. هذا ما عبر عنه الرسول بالقول: " ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح"[ 5 ]

+ لكلمة "أسر" رنينها الرديء لأنها تحمل تحطيمًا للحرية، فلماذا استخدمها؟...

كلمة أسر" تقدم فكرتين: فقدان الحرية، واستخدام القوة العنيفة لكي لا يقوم الشخص ثانية. استخدمها الرسول لتحمل المعنى الثاني... لأن الحرب لم تنتهٍ بتعادل الطرفين، إنما غلب الرسول بطريقة سهلة جدًا...

إذ يقول: "مستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح"، فلأن كلمة "أسر" مؤلمة لذا وضع في النهاية الرمز قائلاً: "إلى طاعة المسيح". (تنتهي الحرب الروحية بأسر الفكر) من العبودية إلى الحرية، ومن الموت إلى الحياة، ومن الهلاك إلى الخلاص.

لقد أتينا ليس للتدمير، بل لنأتي بالمقاومين لنا إلى الحق.

+ أليس هذا من قوة رسائله التي انتفع بها ليس المؤمنون المعاصرون له فحسب، بل وكافة المؤمنين منذ زمانه حتى الآن، بل وإلى مجيء المسيح. لأن رسائله هي بمثابة سور شُيّد من الصخر وأحاط كنائس العالم...

إنه كبطلٍ شجاع يسبي كل عقلٍ لطاعة المسيح، نابذًا الخيالات ..  وكل علوٍ يرتفع ضد معرفة اللَّه [5]. يتحقق هذا كله بواسطة الرسائل التي خلفها لنا، المملوءة بالحكمة الإلهية. فإن كتاباته نافعة لنا في دحض الآراء الفاسدة، وتثبيت الإيمان الصحيح، وبلوغ حياة أفضل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ العقل الذي لا يهمل تفتيش ذاته، ولا يهمل طلب الرب، يستطيع أن يقتني نفسه. النفس التي كانت في هلاك الشهوات، يقتنيها بتقديم نفسه كأسير لمحبة الرب بكل غيرة وقوة، وبالالتصاق به وحده.

القديس مقاريوس الكبير

"ومستعدين لأن ننتقم على كل عصيان

متى كملت طاعتكم" [ 6 ]

كيف ينتقم الرسول بولس من العصيان، ليس بالعنف والقسوة، بل بجذب النفوس العاصية للطاعة للسيد المسيح فيدمر العصيان بالطاعة، ويجتذب المقاومين إلى الإيمان، فيُدان عدم الإيمان بذات الاشخاص الذين كانوا يقاومون الإيمان وآمنوا.

كذلك يؤكد الرسول سلطانه الرسولي الخاص بتأديب المقاومين للحق والعاصين للسيد المسيح لا للانتقام، وإنما لكي يسحب الكل إلى خبرة الطاعة للسيد المسيح. إنه لا يحمل عداوة شخصية لإنسانٍ ما، لكنه ملتزم بالتأديب متى كان ذلك لبنيان ملكوت اللَّه.

إن كان الرسول قد فاض بالحب على شعبه، واتسم بالوداعة والرقة، فإنه يخشى أن يتحول ذلك إلى تهاونٍ في الحق الإنجيلي.

جاءت التعبيرات في هاتين العبارتين [ 5 – 6 ]  عسكرية، تناسب جيشًا يرى العدو على أبواب مدينته المحصنة فلا يتهاون في حق الدفاع عنها. إنه قائد في جيش الخلاص مستعد دائمًا أن يرد بسلاح اللَّه المقاومين إلى الحق.

إنه يؤدب بحكمة، فينتظر حتى تكمل طاعة المؤمنين، وعندئذ يِؤدب العصاة، خشية أن يقتلع الحنطة مع الزوان.

+ يوضح بولس لماذا هو صبور؟ إنه يود أن يجتذب أكبر عدد ممكن لكي يصلحوا طرقهم. بعد ذلك سيعاقب الذين يستمرون في مقاومة تعليماته.

ثيؤدورت أسقف قورش

+ هنا أيضًا يسبب لهم (لأهل كورنثوس) خوفًا... إنه يقول: "اننا ننتظر عندما نجعلكم بمشورتنا وتهديداتنا تسلكون باستقامة، وتتفقون معًا على نزع شركتكم(مع الرسل الكذبة). عندئذ إذ تتركون هؤلاء المصابين بأمراض مستعصية نعاقبهم، إذ نرى أنكم بالحقيقة أنكم اعتزلتموهم. فإنكم حتى الآن تطيعون، لكن ليس بطريقة كاملة. فإن عاقبتهم الآن سترتبكون. لكن بالضرورة سيُعاقبون حقًا بينما أنتم تعفون... فإن كلمات بولس اخرجت شياطين... ودعت الذين يمارسون السحر أن يحرقوا كتبهم التي تقدر بخمسة آلاف من الفضة (أع ١٩:١٩)... وأعمت آخر (سيمون، أع ١٣: ٨-١١).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أتنظرون إلى ما هو حسب الحضرة؟

إن وثق أحد بنفسه إنه للمسيح،

فليحسب هذا أيضًا من نفسه إنه كما هو للمسيح،

كذلك نحن أيضًا للمسيح" [ 7 ]

يسألهم ألا ينحرفوا وراء المظاهر الخارجية "الحضرة"، فلا يكفيه مجرد الاستعراضات العسكرية.

يسألهم أن يضعوا مقاييس سليمة في المقارنة بينه وبين الرسل الكذبة، فبحسب المظهر الخارجي ربما يبدو بعضهم أعظم منه وأفضل منه. لكن إن صارت مقاييسهم روحية صادقة ليس من وجه للمقارنة بين الرسول والرسل الكذبة.

بقوله: "إن وثق أحد بنفسه أنه للمسيح" يشير إلى الرسل الكذبة الذين يسببون ارتباكات ومتاعب في الكنيسة بدعوى أنهم للمسيح، رسل المسيح، يعملون لحسابه. ليدرك كل منهم أنهم وإن ادعوا ذلك لأنفسهم باطلاً، فإن الرسول هو بحق للمسيح، هو رسوله، وعامل لحساب مملكته، مدعو منه شخصيًا.

+ ينتقد بولس أولئك الذين ينتفخون بالكبرياء بنظرتهم الدنيئة نحو بولس على غير ما هو عليه ويظنون انهم ليسوا في حاجة إلى تعليمه.

+ الذين يمتدحون أنفسهم هم أولئك الذين يرغبون فى السيطرة، ويطلبون السلطة باسمهم. من يُبعث في إرسالية ينال سلطة لا لحسابه بل لحساب مرسله. هنا يقول بولس الرسول انه اختير كوكيل للرب. فلا يدعي لنفسه شيئًا فوق ما وُهب له، إنه لا يربط نفسه بالذين يكرزون دون إرسالية (من اللَّه).

الأب امبروسياستر

+ الاتهام الموجه ضده ليس بالأمر الهين بل هو خطير للغاية. كيف؟ إنه من السهل لجنس الإنسان أن يخدع.

ماذا يعني: حسب الظاهر (الحضرة)؟ إن كان أحد غنيًا، إن كان أحد منتفخًا، إن كان أحد محاطًا بمتملقين كثيرين، إن تحدث عن نفسه بأمور عظيمة، إن كان أحد له مجد باطل، إن كان أحد فاضلاً في رياء دون أن تكون له فضيلة، هذا ما يعنيه بالقول: "أتنظرون إلى حسب ما هو ظاهر".

القديس يوحنا الذهبي الفم

٢. سلطانه للبنيان لا للَّهدم

"فإني وإن افتخرت شيئًا أكثر بسلطاننا،

الذي أعطانا ايّاه الرب لبنيانكم لا لهدمكم،

لا أخجل" [ 8 ]

للرسول سلطان أعظم بكثير مما يظهر لهم، سواء في التعليم أو التأديب، لكنه يستخدم السطان بالقدر الذي فيه بنيانهم الروحي ونموهم في برّ المسيح، وليس ما فيه تدميرهم. هذه هي غاية السلطان الرسولي أو الكنسي، أنه ليس بالحرف القاتل، وإنما هو عمل روحي لبناء النفوس.

v انتفع بولس بسلطانه فقط بالقدر الذى به يتمجد في تقدم المؤمنين، فيقود سلطانه إلى الخلاص وليس إلى الاعتداد بذاته. إنه لم ينتفخ متعديًا السلطة المعطاة له، ولا ادعى سلطة في مواضع لم تبلغ إليها كرازته.

أمبروسياستر

٣. سلطانه في الحضرة والغيبة

"لئلا أظهر كأني أُخيفكم بالرسائل" [ 9 ]

لم يكن في ذهنه وهو يكتب رسائله أن يخيفهم برسائله، مظهرًا غضبه عليهم.

"لأنه يقول الرسائل ثقيلة وقوية،

وأما حضور الجسد فضعيف،

والكلام حقير" [ 10 ]

أُتهم بأنه عنيف في رسائله، يُظهر سلطانًا ليس له، بينما في الحضرة ضعيف في جسمه كما في كلماته، يستخف به الفلاسفة والحكماء المتعلمون.

جاء عنه في نيسيفورس Nicephorus أنه كان قليل الجسم، محني الظهر، يكاد يكون كالقوس، وجهه شاحب، طويل ومجعد، أصلع، عيناه متقدتان نارًا، لحيته طويلة كثيفة يتخللَّها شعر رمادي.

قال كاتب يوناني قديم: كان بولس قليل الجسم طوله حوالي ثلاثة أذرع ومع هذا فقد لمس السماء!

"مثل هذا فليحسب هذا،

أننا كما نحن في الكلام بالرسائل،

ونحن غائبون هكذا نكون،

أيضًا بالفعل ونحن حاضرون" [ 11 ]

يحذر الرسول الرسل الكذبة ويهددهم بالرسائل بالسلطان الرسولي على فساد تعليمهم فإنه هكذا يفعل عند حضوره.

+ لم يتردد (الرسول بولس) عن أن يؤكد بوضوح معرفته، لأنه بدونها لم يكن ممكنًا أن يكون معلمًا للأمم. وبالتأكيد إن قدمنا شيئًا كمثالٍ عن بلاغته نقتبسها من هذه الرسائل التي اعترف حتى الذين انتقصوا من قدره هم أنفسهم أن حضور الجسد بالنسبة له ضعيف وحديثه تافه اعترفوا بأن له وزنه وقوته.

القديس أغسطينوس

٤. سلطان بلا افتخار

"لأننا لا نجترئ أن نُعد أنفسنا بين قوم من الذين يمدحون أنفسهم،

ولا أن نقابل أنفسنا بهم،

بل هم إذ يقيسون أنفسهم على أنفسهم،

ويقابلون أنفسهم بأنفسهم،

لا يفهمون" [ 12 ]

يرفض الرسول أن يبرر نفسه متى قورن بالمعلمين الكذبة، فإن حكمه على نفسه لا يقوم على مقارنته بالناس، إنما يطلب أن يتشبه بمسيحه ويبلغ إلى قياس ملء قامته (اف 4 :13). أما هم فيجدون مسرتهم في مقارنتهم بعضهم ببعض فتكون مقاييسهم على مستوى بشري، مما يولد فيهم الحسد والغيرة والكبرياء، عوض تقديم الشكر للَّه وطلب غنى نعمته الفائقة للنمو المستمر في الرب.

من جانب آخر إذ يثق في صدق دعوته الرسولية ويِؤمن بإمكانية الروح القدس العامل فيه لا يريد الشركة مع الرسل الكذبة ولا حتى المقارنة بهم. أما هم فلأنهم ليسوا مدعوين من اللَّه، ولا يعمل الروح القدس فيهم، يخدعون أنفسهم بمقارنتهم بعضهم لبعض، كأنه لا يوجد أمامهم قياس كامل، ولا يدركون الحكمة الحقيقية التي توجههم إلى العمل الإلهي.

+ واضح أن الفخر المبالغ فيه كان من سمات الرسل الكذبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن نحن لا نفتخر إلى ما لا يقاس،

بل حسب قياس القانون الذي قسمه لنا اللَّه،

قياسًا للبلوغ إليكم أيضًا" [ 13 ]

إنه لا يسلك دون قانون يحكمه أو قياس يلتزمه به، فإن قياسه إلهي. إنه يعمل خلال ما وهبه اللَّه من نعم وهباتٍ ومواهب، طالبًا من الروح أن يضرمها فيه حتى يكرز بين الأمم، ويبلغ إلى كورنثوس، فلا يقف عند آسيا الصغرى ولا في بلاد أخرى في اليونان بل يبلغ إليهم.

هذا تعبير رياضي خاص بالسباق في الألعاب الأولمبية والإسثمانية Isthmian games. وكأن العالم كله في عينيه أشبه بساحة سباق يود ألا يقف عند حد حتى يعبر الساحة، ويحمل الكل إلى الاحضان الإلهية، فينعم باكليل النصرة.

"القانون": في الأصل كان عصا قياس أو مسطرة أو خط للقياس. من الجانب الرمزي إنه يقيس أو يقرر أي شيءٍ، في الأخلاقيات أو الفن أو اللغة. في الأدب المسيحي صار يعني مقياسًا للإيمان بالتعليم المسيحي، قانون النظام الكنسي، ومجموعة كتابات مقدسة معترف بها. لكي نفهم قصد القديس بولس نضع في ذهننا أنه يعتبر خدمته الرسولية خاصة بالأمم وقد اعتاد أن يرفض أن يقيم دومًا في موضع كرز فيه رسول آخر. لكن المعلمون بالتهود في كورنثوس انتهكوا موضع نشاطه وإيبارشيته، أي انتهكوا القانون Kanown أو القياس الذي يحدد الخط الذي وضعه له اللَّه.

+ إنه كمن يَُّقسم الكرم بين الفلاحين، هكذا بنفس الطريقة وضع اللَّه حدودًا لنا. وما نناله كمنحة نفتخر به.

+ حسنًا دعا هنا إيبارشيته قانونًا Kanoua) province) ومقياسًا metrou كميراثٍ ممتاز، وأظهر أن العمل كله هو عمل اللَّه... لقد نسب الكل للَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ قدم هذا التوضيح لكى يعرف الكورنثيون أن اللَّه أرسله اليهم، ويليق بهم أن يطيعوا تحذيراته، لئلا يظهروا مقاومين للَّه الذى ارسل اليهم بولس.

امبروسياستر

"لأننا لا نمدد أنفسنا،

كأننا لسنا نبلغ إليكم،

إذ قد وصلنا إليكم أيضًا في إنجيل المسيح" [ 14 ]

إذ بلغ إليهم في كورنثوس، وكرز لهم بالإنجيل، لا يحسب نفسه أنه قد تعدى حدوده أو السلطان المُعطى له من قبل اللَّه. فقد جاء بناء على دعوة إلهية، واستخدم السلطان المُقدم له في الكرازة كما في التأديب ليس من الناس بل من اللَّه.

"غير مفتخرين إلى ما لا يقاس في أتعاب آخرين،

بل راجين إذا نما إيمانكم أن نتعظّم بينكم حسب قانوننا بزيادة" [ 15 ]

ما يشغل قلب الرسول والعاملين معه لا أن يفتخروا بأعمالهم متى قورنت بأعمال الآخرين، بل بنجاحهم في نمو إيمان الشعب بعمل الروح القدس؛ بهذا يكون سباقهم قانونيًا. بهذا يتعظمون megaluntheenai، أي يُمدحون كرسلٍ حقيقيين من قبل اللَّه بلغوا بهم إلى تحقيق هدف اللَّه من نحوهم.

+ هنا يتهم بولس المعلمين الكذبة ليس فقط انهم يفتخرون بمبالغة، بل ويدعون أن لهم الفضل خلال أتعاب الآخرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ من يثق في قوة الإنجيل يثق في اللَّه الذى يجعله ممكنًا. من لم يتسلم قوة من اللَّه لا يقدر أن يفتخر بالرب، إذا يطلب مجد ذاته.

أمبروسياستر

"لنبشر إلى ما وراءكم،

لا لنفتخر بالأمور المعدة في قانون غيرنا" [ 16 ]

نجاح خدمته في كورنثوس ليس موضوع فخر الرسول، إنما هي أداة في يد اللَّه للامتداد إلى بلاد أخرى وثنية حتى يبلغ إليها إنجيل المسيح.

ما يشغل ذهن الرسول هو تمتع العالم كله بالخلاص، لذلك لا يقف عمله عند حدود، كما لا يود أن يكرز حيث يعمل آخرون بل أن يذهب إلى أممٍ لم تبلغ إليها الرسالة بعد.

٥. افتخار بالرب

"وأما من افتخر فليفتخر بالرب" [ 17 ]

لا مجال للمقارنات ولا للانشغال حتى بالنجاح، إنما ما يشغل ذهن الرسول هو الكرازة على مستوى العالم. ما يعتز به الرسول هو عمل اللَّه سواء من خلاله أو خلال آخرين.

"لأنه ليس من مدحَ نفسه هو المزكي،

بل من يمدحه الرب" [ 18 ]

إذ يكرز الرسول بالسيد المسيح لا بنفسه، فإن فخره ومجده هو الشهادة لمخلصه، أما عن تزكيته، فهي من الرب المخلص، وليست من إنسانٍ حتى ولا من نفسه. الذين لم يرسلهم الرب لا يمدحهم الرب.

+ لم يدَّعي بولس هذا لنفسه بل الرب هو الذي يمدحه. بولس متواضع لكن ليس للدرجة التي فيها يتجاهل الإعلان عن الحق بخصوص نفسه. فمن الممكن أن يتأذى الشخص بالتواضع غير المضبوط، أو ينتفع بقوله شيء عجيبٍ خاصًا به وفي الوقت المناسب. فقد كان يحدق خطر حقيقي لو أن التلاميذ أخذوا فكرة سيئة عن بولس خلال تواضعه. بولس لم يطلب مديحًا بشريًا، بل دافع عن نفسه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

من وحى 2 كو 10

بالحب أقبل المذلة،

لكي أدخل معهم إلى الغلبة!

+ اتهموا الرسول بولس بالمذلة في الحضرة.

هذا الذي أخرجت كلماته الشياطين،

ودفعت السحرة لحرق كتبهم،

وجذبت العصاة إلى الطاعة،

والمقاومين للحق إلي الإيمان الحي.

+ هب لي يا رب أسلحة روحية،

فأدخل معركة الروح بقوتك.

أدرك إني بك أصير بطلاً!

أتمتع بنصرتك على العدو،

وأسند بنعمتك الكثيرين.

+ بالحب أقبل المذلة،

وبنعمتك أحطم كل ظنون العدو،

أهدم حصونه ومتاريسه.

لأعلن عن نصرتك العجيبة!

في المظهر الخارجي (الحضرة) أنا ضعيف.

كمن لا يملك شيئًا، وبلا سلطان أو كرامة.

لكن بك أغلب قوات الظلمة!

+ أطال الرسول أناته على الساقطين،

وانتظر علي التأديب حتى يرجع الكثيرين.

هب لي رقة ولطفًا بالساقطين،

مع بكاءٍ بدموع على كل نفسٍ مُصرةٍ علي عصيانها!

+ هب لي يا رب روح التواضع.

أفتخر بكل نجاح تقدمه لي.

وأترقب مديحك لا مديح الناس.

+            +              +

الأبركسيس أعمال 12 : 25 – 13 : 12

"ورجع برنابا وشاول من أورشليم،

بعدما كملا الخدمة،

وأخذا معهما يوحنا الملقّب مرقس". [25]

"يوحنا الملقب مرقس": القديس مرقس الرسول هو ابن أخت القديس برنابا (١ كو ٤: ١٠). يبدو أن الصديقين الحميمين بولس وبرنابا كانا قد أقاما في أورشليم في بيت يوحنا مرقس، حيث كان التلاميذ يجتمعون.

 

من وحي أعمال الرسل 12

يا لبؤس هيرودس كل عصر!

+ يا لغباوتك يا هيرودس الكبير،

ظننت أنك تلحق بيسوع بقتلك أطفال لحم.

حطمت ذاتك، وخسرت كل شيء.

يا لبؤس ابنك قاتل القديس يوحنا المعمدان،

ظن أنه يحقق السعادة بالخلاص منه.

فصارت حياته جحيمًا ورعبًا.

ويا لغباوة حفيدك، فقد ظن أنه يقتل كل الرسل.

أراد إرضاء صالبي يسوع بالخلاص من رسله.

ها هو هيرودس كل عصر يقاوم مملكة النور،

ظانًا أنه قادر أن يحبسها،

فيحل به الفساد ويفقد مملكته!

+ ماذا فعل هيرودس؟

ظن أنه قتل يعقوب، هذا الذي تهللت نفسه بانطلاقها.

ظن أنه يرعب بطرس، فتزكى بطرس أمام الله والناس.

السجن بكل حصونه يشهد لانهياره أمام الله.

فلت بطرس من أيدي الحراس بكل جبروتهم!

السماء تحركت، فجاء ملاك الرب نائبًا عنها يخدم بطرس!

الكنيسة في ضيقتها تحولت إلى جماعة صلاة بلجاجة وقوة!

+ صدَّق هيرودس تملق الجمهور.

ظن في نفسه أنه إله، فصار وليمة للدود.

مات هيرودس، وانطلقت الكنيسة تكمل رسالتها!

تكملة الأبركسيس

أعمال 13 : 1 – 12

رحلة بولس الرسول التبشيريّة الأولى

إذ نمت الكنيسة في أنطاكية صارت مركزًا لخدمة القدّيسين بولس وبرنابا ومن معهما، حيث بدأت الكنيسة تنطلق إلى العالم تشهد للسيّد المسيح. في ذلك الحين صارت أنطاكية أشبه بأمٍ لخدمة كنيسة الأمم في دولٍ كثيرة، إن صح التعبير.

 

1. أنطاكية مركز للعمل

"وكان في إنطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلّمون،

برنابا وسمعان الذي يدعى نيجر ولوكيوس القيرواني

ومناين الذي تربّى مع هيرودس رئيس الربع وشاول". [1]

من بركات الاضطهاد الذي أثاره اليهود على الكنيسة في أورشليم بعد رجم القدّيس استفانوس أن انطلق كثيرون إلى أنطاكية. وكان الذين من أصل يهودي لا يكرزون بالكلمة هناك إلا اليهود وحدهم (أع 11: 19). غير أن الذين لهم ثقافة هيلينيّة أو الذين كانوا قبروسيّين أو قيروانيّين فصاروا يركزون بين اليونانيّين هناك. "وكانت يد الرب معهم، فآمن عدد كثير ورجعوا إلى الرب" (أع 11: 21). واستمرت خدمة الرسولين برنابا وشاول الطرسوسي هناك لمدة عام وقد ألهبت قلوب الكثيرين للخدمة. صارت الكنيسة هناك ملتهبة بالروح، لهذا استراحت نفس بولس (شاول الطرسوسي) أن يجعل أنطاكية مركز خدمته، يبدأ منها رحلاته، وإليها يرجع.

يذكر القديس لوقا البشير أنّه "دُعي التلاميذ مسيحيّين في أنطاكية أولاً" (أع 11: 26). فمع أن الكنيسة قد ضمّت من هم من أهل الختان وأيضًا من هم من أهل الغُرلة، لكن لنموّها أدرك غير المؤمنين أنّه لم تعد الكنيسة شيعة من شيع اليهود، ولا فرقة، بل هي ديانة مستقلّة، حتى وإن اعتمدت على نبوّات العهد القديم وتمسّكت بأسفار التوراة، وحسبت آباء اليهود ووعود الله وعهوده أنّهم آباؤهم وأنبياؤهم والوعود الإلهية هي لهم وعهود الله معهم؛ أنُهم مسيحيّون! من هنا بدأ العالم يدرك ذلك، لذا يقول أغريباس الملك للقدّيس بولس: "بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًّا" (أع 26: 28).

يقدّم لنا الإنجيلي لوقا صورة حيّة لنشاط الكنيسة وازدهارها في أنطاكية. وُجد أنبياء ومعلّمون يقومون بخدمة الكنيسة هناك، وذكر قائمة بخمسة أسماء، وجاء برنابا على رأس القائمة، ربّما لأنّه كان أقدمهم عهدًا بالإيمان، وكان له غيرة متّقدة حتى جذب شاول الطرسوسي للعمل معه الذي كان إلى ذلك الحين مرافقًا لبرنابا وشريكًا معه في الخدمة.

كان الأنبياء الذين انحدروا من أورشليم إلى أنطاكية (أع ١١: ٢٧) بمثابة زائرين يجولون لخدمة اسم الرب، أما المذكورون هنا فهم أعضاء ثابتون في الكنيسة. كان دور النبي في العهد الجديد هو النطق بالروح القدس، أما المعلم فكان يفسر ما قيل بالروح القدس في الكتاب المقدس، وما ينطق به النبي بالروح. وكان غاية الاثنين هو تمتع المؤمنين بحضرة السيد المسيح المعلم، الحال في كنيسته على الدوام لتعيش به، وهو يحيا فيها.

سمعان الذي يُدعى نيجر: "سمعان" اسم يهودي، واللقب "نيجر" لاتيني، ربما لأنه كان أسمر اللون. غالبًا ما كان هو سمعان القيرواني والد ألكسندر وروفس (مر ١٥: ٢١).

لوكيوس القيرواني، وقد سبق لنا الحديث عنه (أع ١١: ٢٠)، وهو بخلاف الوارد في رومية ١٦: ٢١. كان أحد اليونانيين المتنصرين الذين لهم دور فعّال في الكنيسة بأنطاكية مع الرجال القادمين من قبرص. ظن البعض أن لوكيوس ولوقا شخص واحد، لأن الصيغة اللاتينيّة لكلمة لوقا اليونانيّة هي لوكيوس، لكن رفض كثير من الباحثين هذا الافتراض، خاصة وأن اسم لوقا كان شائعًا، فلم يكن ما يدعو الإنجيلي إلى عدم ذكره بالصيغة اليونانيّة.

"مناين الذي تربى مع هيرودس رئيس الربع". مناين هو النطق المخفف للاسم العبري مناحم Menahem، ومعناه "المعزي". أما هيرودس فهو أنتيباس بن هيرودس الكبير الذي أرسل بيلاطس إليه السيد المسيح لمحاكمته، والذي تولى على الجليل وبيريه كرئيس ربع سنة ٤ ق.م. حتى سنة ٣٩ م.

مناين نبي أنطاكية التقِى على ما يُظن أنه كان من الأسينيين العارفين بالروح. تربى مناين في قصر هيرودس الكبير مع ابنه انتيباس. وقد تنبأ لهيرودس الكبير بأنه سيصير ملكًا كما كتب يوسيفوس، وكان هيرودس الكبير يوقره. وإليه تُعزى معرفة القديس لوقا بهيرودس وعائلته، وبهذه الجماعة من الأنبياء والمعلمين وأحبار الكنيسة في أنطاكية. والعجيب أن ابن هيرودس وهو قاتل القديس يوحنا المعمدان، كان زميل تربية وتعليم ونشأة مع مناحم النبي التقِي والمعلم.

يذكر شاول في آخر جماعة الأنبياء والمعلمين، لأنه لم يكن بعد قد بلغ قامة هؤلاء الأنبياء ودرجتهم، وذلك حسب الأقدمية في الكنيسة.

2. فرز برنابا وشاول للكرازة

"وبينما هم يخدمون الرب ويصومون،

قال الروح القدس:

افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه". [2]

بدأت رحلات بولس الرسول التبشيرية بإعلان الروح القدس لا لشاول ولا لبرنابا، بل للكنيسة المجتمعة بروح الصلاة والصوم. وقد جاءت كلمة "يخدمون" في اليونانية بمعنى يحتفلون بالليتورجيا (ليتورجوتون)، أي يمارسون ليتورجيا الإفخارستيا.

الكلمة اليونانية المترجمة "يخدمون" (ليتورجونتون) تفيد الخدمة العامة غير المدفوعة الأجر كرامة للملك؛ هنا تشير إلى خدمة الصلاة في الكنيسة بتقديم الشكر والتسبيح في الاحتفال بالذبيحة الإلهية.

"قال الروح"، غالبًا على لسان أحد الأنبياء المجتمعين للصلاة والصوم، وقد كرسوا قلوبهم في جدية للخدمة والشهادة.

"افرزوا"، تعني التخصص لعمل الروح القدس، قائد حركة الشهادة ليسوع المسيح. والعجيب أن الروح قال: "افرزوا لي" وليس "للرب يسوع"، لأنه هو والابن الوحيد الجنس واحد في الجوهر، لهما ذات السلطان والقوة، والكرازة هي لحساب الثالوث القدوس.

جاءت الدعوة بالاسم شخصيًا لفتح أول طريق نحو الكرازة في العالم الأممي.

+ أما الروح القدس فلا ينطق بلسان، إنما هو روح حي يهب الحكمة في الكلام، متحدثًا وواعظًا بنفسه... أنظروا كيف يفرز الروح الحي ويدعو ويرسل بسلطان.

القديس كيرلس الأورشليمي

في عظة للقديس يوحنا الذهبي الفم على 1 تي1: 1 يوضح أن الروح القدس هو الذي قال: "افرزوا لي برنابا وشاول" (أع 13: 1)، وفي نفس الوقت فإن السيد المسيح هو الذي دعاه وأرسله "اذهب فإني سأرسلك إلى الأمم بعيدًا " (أع 22: 21)، كما يقول في موضع آخر: "ينبغي لك أن تقف أمام قيصر" (أع 27: 24). وفي نفس الوقت يحسب الرسول ان كل الأوامر صادرة من عند الآب... هنا يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم وحدة العمل للثالوث القدوس.

لاحظنا في المقدّمة دور الروح القدس في حياة الكنيسة، بكونه القائد الحقيقي، الذي يقدّم لها ذاته، ويهبها الإمكانيّات الإلهية لتصير أيقونة عريسها السماوي، السيّد المسيح.

+ إنّه الروح الذي يعرف كل شيء (1 كو 2: 10)، الذي يعلّم (يو 14: 26)، الذي يهِّب حيث يريد وبقدر ما يريد (يو 3: 8)، يرشد (مز 142: 10)، ويتكلّم (أع 13: 2) ويُرسل (أع 13: 4)، ويفرز (أع 13: 2)... ويوحي (يو 16: 3)، وينير (يو 14: 26)، ويحيي (يو 6: 63)، أو بالأحرى الذي هو نفسه نور وحياة، ويجعلنا هيكله (1 كو 3: 16)، ويؤلّهنا (1 كو 3: 16)، ويقودنا إلى الكمال (يو 16: 13)، بحيث إنّه يسبق المعموديّة (أع 10: 47)، ويُطلب بعد المعموديّة... يوزّع المواهب الروحيّة (1 كو 12: 11)، يصنع الرسل والأنبياء والمبشّرين والرعاة والمعلّمين (أف 4: 11).

القديس غريغوريوس النزينزي

"فصاموا حينئذ وصلّوا،

ووضعوا عليهما الأيادي، ثم أطلقوهما". [3]

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن شاول سيم في إنطاكية حيث كان يخدم.

يقدم لنا القديس لوقا أول طقس سيامة كنسية، فقد جاءت الدعوة أولاً من الروح القدس بعد صوم وصلاة وشوق حقيقي لنمو الخدمة والشهادة للسيد المسيح. قام الروح القدس بتعيين الأسماء لأنه هو العارف القلوب، وجاء وضع الأيادي يتناغم مع إرادة الروح القدس، فدور الكنيسة هو تحقيق هذه الإرادة ليعيش الكل في شركة الروح ووحدتها. هنا صورة حية للسيامة بوضع الأيدي بعد دعوة الروح القدس الأشخاص للعمل الكرازي خلال ليتورجيا الإفخارستيا وممارسة صوم خاص.

تمت السيامة وهم صائمون، فقد احتل الصوم مركزًا خاصًا في حياة الكنيسة الأولى بكونه علامة حية تشير إلى انشغال الكنيسة بالمائدة السماوية، وأنها في ممارستها للحياة اليومية من أكلٍ وشربٍ ونومٍ، إنما من أجل الضرورة، وليس لأية لذة أو متعة جسدية.

+ لنطلب الطعام لكي نقتات به لا ليحطمنا. نطلب الطعام كقوتٍ لنا، لا كمجال للأمراض، أمراض النفس والجسد. نطلب الطعام الذي يعطي راحة لا ترفًا حيث يكون مملوء إزعاجًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. بدء الرحلة الأولى

"فهذان إذ أُرسلا من الروح القدس،

انحدرا إلى سلوكية،

ومن هناك سافرا في البحر إلى قبرس". [4]

هنا تبدأ أول رحلة كرازية للقديس بولس الرسول:

سلوكية: على شاطيء فينيقية مقابل قبرص، وهي ميناء أنطاكية المشهور وتُدعى أيضًا بيرية Pieria الواقعة على بعد ١٦ ميلاً شرق أنطاكية وخمسة أميال شمال مصب نهر الأورنتس. أسسها سلوكيوس نيكاتور أول ملوك السلوقيين سنة ٣٠١ ق.م. ولما نزلوا في قبرص نزلوا في المدينة المقابلة على الساحل الشرقي، وهي مدينة سلاميس.

يا للعجب كان شاول الفرّيسي حتمًا يتحاشى الذهاب إلى قبرص، الذي تغنّى الشعراء بفسادها وانحلالها، بكونها الجزيرة العزيزة على الإلهة فينوس. وها هو الآن شاول المسيحي قد دُعي للانطلاق إليها ليُقاوم كل انحلال فيها، ويُقيم مع شعبها هيكلاً لروح الله القدّوس.

+ كمن يطير سافر (القديس بولس) على البر وفي البحر، في اليونان وكل مناطق البرابرة، وباختصار سافر في كل الدول تحت السماء. لم تكن رحلاته باطلة، فإنه حيثما سافر كان ينزع أشواك الخطية، ويزرع بذور التقوى في كل موضع، يزيل الخطأ، ويقدم الحق للشعب، يحول البشر إلى كائنات سماوية، وما هو بالأكثر، أقامهم من شياطين إلى ملائكة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ انحدرا إلى سلوكية لم يبقيا فيها لأنها يعلمان أن أهل سلوكية قد انتفعوا كثيرا من الخدمة في إنطاكية حيث بقي القديسين بولس وبرنابا سنة كاملة.

"ولما صارا في سلاميس

ناديا بكلمة الله في مجامع اليهود

وكان معهما يوحنا خادمًا". [5]

سلاميس: مدينة يونانية على الساحل الشرقي القبرصي، كانت العاصمة ومركز التجارة الأول في قبرص الشرق وقاعدة الحكم لنصفها الشرقي. بينما باغوس هي عاصمة الغرب وأكثر منها أهمية. كانت سلاميس مقصد اليهود بها أكثر من مجمع. وكانت مجامع اليهود هي المقصد الأول للقديس بولس في كرازته ورحلاته حيث وضع في قلبه أن يبدأ بهم دومًا في الكرازة بإنجيل المسيح، لكن عينيه كانت دائمًا مركزة على المترددين من الأمم داخل المجامع، وكانوا معروفين بخائفي الرب أو الأتقياء.

"وكان يوحنا معهما خادمًا": يرى البعض أن تعبير "خادم" هنا بحسب التقليد الكنسي تعني قيامة بعماد المؤمنين، ويرى آخرون أنها تشير إلى خدمة تعليم الموعوظين.

مرافقة القديس مرقس يوحنا لهما كانت مصدرًا خصبًا للمعلومات الدقيقة التي وردت في سفر أعمال الرسل، إذ كانت اجتماعات الكنيسة الأولى في أورشليم تتم في العلية التي لبيت والدته (أع ١٢: ١٢).

4. مقاومة باربشوع للكرازة

"ولما اجتازا الجزيرة إلى بافوس،

وجدا رجلاً ساحرا نبيًّا كذابًا يهوديًا اسمه باريشوع". [6]

بافوس: كانت عاصمة قبرص الغرب، وهي مركز تجمع اليونانيين. كانت بافوس القديمة تبعد سبعة أميال جنوب شرقي بافوس الحديثة. وفي كلتا المدينتين كانت العبادة مقصورة على الإلهة اليونانية بافيان Paphian، والتي عرفها اليونان باسم افروديت Aphrodite وفينوس Venus إلهة الجمال والحب.

باريشوع: اسمه معناه "عليم الساحر"، يدَّعي علم الغيب، غالبًا ما كان يهوديًا عربيًا يحتفظ بصفته كاسمٍ له كعليم بالغيب، وكعالم بقدرته وسلطانه.

"كان مع الوالي سرجيوس بولس وهو رجل فهيم،

فهذا دعا برنابا وشاول والتمس أن يسمع كلمة الله". [7]

سرجيوس الوالي: بالرجوع إلى سجلات الشيوخ بروما وُجد أنه مذكور كأحد الأمناء باسم "حارس التيبر" (نهر في إيطاليا)، لذلك يرى البعض أنه بعد أن قضى ولايته في التيبر نُقل إلى ولاية قبرص، وأنه روماني أصيل.

كان متعلمًا دائم البحث كما اتسم فلاسفة روما. وإذ وُجد في عاصمة قبرص المزدحمة بمجامع اليهود التي كانت تطمح في التقرب من الرؤساء، لذا كان يتداول معهم في شأن الدين اليهودي ومعرفة الله. ومن هنا صارت الصداقة بينه وبين عليم الساحر الذي خدعه بأعماله السحرية الشيطانية.

سمع الوالي عن مجيء بولس وبرنابا وكيف قدما تعاليم سامية، فاستدعاهما، الأمر الذي أثار عليم الساحر وبذل كل الجهد للتشويش عليهما.

إذ كان الوالي حكيمًا ومهتمًا بخلاص نفسه لم يحتج إلى أحاديث طويلة، إنما إذ سمع كلمة الله دعا الرسولين إليه ليحدثاه بالكلمة. كان قلبه ملتهبًا بالمعرفة الصادقة البناءة. لم يكن بعد قد رأى الوالي أية معجزة أو آية صنعها الرسولان لكنه سمع الكلمة فاجتذبته. إذ كان عليم الساحر يقاوم الكلمة اضطر الرسول فيما بعد أن يأسره بالعمى حتى تنفتح بصيرته وبصيرة الوالي لرؤية أسرار الله، ويتلامسا مع النور الحقيقي عوض الظلمة التي كان يعيش فيها الساحر ويجتذب الوالي معه إلى أسرها!

"فقاومهما عليم الساحر،

لأن هكذا يترجم اسمه،

طالبًا أن يُفسد الوالي عن الإيمان". [8]

دًعي هنا "ماجوس"، لكنه لم يكن منتميًا إلى فئة المجوس، علماء الفلك والنجوم، وإنما كان ساحرًا مخادعًا ومشعوذًا، ونبيًا كاذبًا، لا علاقة له بالله.

"وأمّا شاول الذي هو بولس أيضًا،

فامتلأ من الروح القدس،

وشخص إليه". [9]

في القديم كان الشخص يحمل ثلاثة أسماء ليكَّون اسمه الكامل: الأول يسمى Praenomen والثاني Nomen والثالث Logomen أي اللقب أو الكنية أو ما يدعى بالإنجليزية Surname أو Nickname، وهو الذي يميز الشخص.

اسم شاول كان الأصل وأُضيف إليه البديل بولس، ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه أُعطي له بوضع اليد، وإن كنا نرى أنه لم يُدعى بولس إلاَّ بعد الالتقاء بالوالي لوسيوس سرجيوس بولس. لهذا يرى القديس چيروم أن اسم بولس أُعطي لشاول تذكارًا لقبول الوالي الإيمان. ويرى لايتفوت Lightfoot أن شاول أخذ هذا الاسم أثناء الختان كعادة اليهود حيث يحتفظ باسمه الأصلي بين العبرانيين، ويستخدم اسمه الأممي بين الأمم. فقد اشتهر اليهود باستخدام أسماء معروفة لدى المناطق التي يعيشون فيها مع احتفاظهم بأسمائهم العبريّة في الوسط اليهودي.

يرى القديس أغسطينوس أن شاول أخذ اسمه عن شاول الملك المتكبر علامة الاعتداد بذاته، لكنه اختار أن يُدعي "بولس" الذي يعني "الأقل" معطيًا إيانا درسًا في التواضع. "أنا أقل الرسل" ( 1 كو 15: 9).

+ لماذا ذاك الذي كان يُدعى شاول في سفر الأعمال الآن يُدعى بولس؟ في الكتاب المقدّس نجد بين القدامى قد تغيّرت أسماء كثيرة، مثال ذلك أبرام دُعي إبراهيم (تك 17: 5)، وساراي دُعيت سارة (تك 17: 15)، ويعقوب دُعي إسرائيل (تك 32: 28؛ 35: 10). وفي الأناجيل أيضًا سمعان قد تغيّر إلى بطرس (مر 3: 16)، وابنا زبدي صارا معروفين بابنيّ الرعد (مر 3: 17). لكن هذا حدث بأمرٍ إلهيٍّ، إلا أن هذا لم يحدث في حالة بولس. لهذا ظن البعض أن الرسول أخذ اسم بولس من والي قبرص الذي تحوّل إلى الإيمان المسيحي (أع 3: 4-12)، بنفس الطريقة التي كان بها اعتاد الحكّام أن يضيفوا إلى أسمائهم أسماء من غلبوهم. مثال ذلك برثيكوس Parthicus يشير الاسم إلى هزيمة البارثينيّين Parthians، وأيضًا غوثيكوس Gothicus تشير إلى النصرة على الغوصيّين وهكذا. بنفس الطريقة دعا الرسول نفسه بولس إشارة إلى نصرته على الوالي بولس.

لا يمكننا استبعاد هذا السبب تمامًا، لكن لا نجد مثل هذه العادة في الكتاب المقدّس، لذا يجب أن نبحث عن حلٍ آخر من الأمثلة التي لدينا. بالحقيقة نجد في الأسفار المقدّسة أشخاصًا لكل منهم اسمان مختلفان أو أكثر. سليمان دُعي يديديا (2 صم 12: 25)، وصدقيا يُدعى متانيا (2 مل 24: 17)، وعزّيا يُدعى عزاريا (2 مل 15: 32)، وكثيرون هكذا في أسفار القضاة وصموئيل والملوك. بل والأناجيل لم تهجر هذه العادة، كمثال متّى يُدعى "لاوي" (لو5: 27)... وتدّاوس يظهر أحيانًا بلبّاوس (مت 10: 3). واضح أن كتَّاب الأناجيل لم يذكروا أسماء الرسل خطأ، وإنّما كان من عادة العبرانيّين أن يكون للشخص اسمان أو ثلاثة أسماء مختلفة لنفس الإنسان. يبدو لنا أن بولس - بحسب هذه العادة - كان له اسم ثان. مادام يكرز وسط شعبه كان يُدعى شاول، الاسم الذي أعطاه له والداه بلياقة، ولكن حين يكتب نواميس ووصايا لليونانيّين وغيرهم من الأمم كان يُدعى بولس.

العلامة أوريجينوس

"وقال أيها الممتلئ كل غش وكل خبث،

يا ابن إبليس،

يا عدو كل برّ،

ألا تزال تُفسد سُبل الله المستقيمة". [10]

يا ابن إبليس: إنه ليس "باريشوع" أي ابن يسوع بل هو ابن إبليس، لأنه يمارس عمل أبيه، إذ كلمة إبليس تعني المضلل، والشيطان يعني الخصم أو المقاوم. هكذا يدعوه بالاسم الذي اختاره الساحر خلال تصرفاته. وإذ قاوم برّ الله أي النور، وسلك بروح الظلمة صدر الحكم بالعمى حتى يدرك عماه الداخلي ويتلمس ظلمته، لعله يعترف ويتوب مشتاقًا إلى النور الحقيقي والمعرفة الصادقة بلا خداع. لقد رفض أن يتمتع بأشعة شمس البرّ فحُرم من رؤية الشمس العادية.

يصف القديس لوقا كطبيب كيف غشت عيناه ضباب، فيتوقف جهاز العين عن استقبال النور تمامًا.

"فالآن هوذا يد الرب عليك،

فتكون أعمى، لا تبصر الشمس إلى حين،

ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة،

فجعل يدور، ملتمسًا من يقوده بيده". [11]

+ "فهوذا يد الرب عليك" لم يكن ذلك انتقامًا بل كان شفاءً. وكأنه يقول له: "لست أنا أفعل ذلك بل يد الرب". لاحظوا تواضعه! لم يشرق نور على الساحر كما في حالة بولس حيث أشرق نور حوله. يقول: "فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين"، مقدمًا له فرصة للتوبة. فإننا لا نجدهم في أي موضع يرغبون في الظهور كبارزين بالعنف، مستخدمين سلطانهم. فإنهم حتى إن استخدموا ذلك ضد الأعداء يكونوا قساة على الجسد بقصد صالح. إنهم لم يستخدموا هذا مع الذين في الخارج حتى لا يكون الإيمان كرهًا وبالرعب.

+ كانت علامة لكي ما هو نفسه يتحول إلى الإيمان. بهذا أراد بسرورٍ أن يحوله إلى الإيمان. فإن تعبير "إلى حين" يجعل من هذا العمل ليس عقوبة بل لإيمانه. لو كان ذلك للعقوبة لجعله أعمى على الدوام لكن الأمر بخلاف هذا؛ إنه إلى حين، وأيضًا لكي يربح الوالي.

+ يا لحب السيطرة! يا لشهوة المجد الباطل، كيف أنها تسقط وتهلك كل شيء، تجعل البشر يقفون ضد خلاصهم وخلاص الآخرين. تجعلهم بالحق عميان وفي ظلمة ويحتاجون إلى من يقودهم بيديه.

+ كيف يمكننا أن نتخلص من المجد الباطل؟ فكروا في أولئك الذين من أجل المجد أنفقوا أموالاً كثيرة، ولم ينالوا شيئًا منه. فكروا فى الأموات، أي مجد قد نالوه، وكيف أن هذا المجد لا وجود له، بل يبدو أنه صار كلا شيء. لتفكروا أنه يحمل مجرد الاسم "المجد" ولا يحوي فيه شيئًا حقيقيًا... لنهرب من هذا الهوة، ولنطلب أمرًا واحدًا: المجد الذي من الله، وأن نكون مقبولين لديه، وممدوحين من سيدنا جميعًا، فإذ نعبر حياتنا الحاضرة في الفضيلة ننال البركات الموعود بها مع أولئك الذين يحبونه بنعمة ورحمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة والكرامة مع الآب والروح القدس إلى أبد الأبد وإلى انقضاء العالم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ "ماذا تريدون؟ أبعصا آتي إليكم أم بالمحبّة وروح الوداعة؟" (1 كو 4: 21). قصد بولس بالعصا قوّة الروح الرادعة التي استخدمها ضد عليم، هذه التي استخدمها الله ضدّه.

سفيريان أسقف جبالة

"فالوالي حينئذ لمّا رأى ما جرى،

آمن مندهشًا من تعليم الرب". [12]

جاء في السجلات التاريخية أن الوالي سرجيوس بولس اعتمد هو وعائلته، وفي الجيل التالي صار بعض أفراد أسرته مسيحيين مثل ابنته وابنها كايوس كاريستانيوس فرونتو وكان عضوًا في عائلة مشهورة تقيم في أنطاكية بسيدية.

+           +               +   

إنجيل القداس متى 12 : 9 – 23

9 ثم انصرف من هناك و جاء الى مجمعهم
10 و اذا انسان يده يابسة فسالوه قائلين هل يحل الابراء في السبوت لكي يشتكوا عليه
11 فقال لهم اي انسان منكم يكون له خروف واحد فان سقط هذا في السبت في حفرة افما يمسكه و يقيمه
12 فالانسان كم هو افضل من الخروف اذا يحل فعل الخير في السبوت
13 ثم قال للانسان مد يدك فمدها فعادت صحيحة كالاخرى
14 فلما خرج الفريسيون تشاوروا عليه لكي يهلكوه
15 فعلم يسوع و انصرف من هناك و تبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعا
16 و اوصاهم ان لا يظهروه
17 لكي يتم ما قيل باشعياء النبي القائل
18 هوذا فتاي الذي اخترته حبيبي الذي سرت به نفسي اضع روحي عليه فيخبر الامم بالحق
19 لا يخاصم و لا يصيح و لا يسمع احد في الشوارع صوته
20 قصبة مرضوضة لا يقصف و فتيلة مدخنة لا يطفئ حتى يخرج الحق الى النصرة
21 و على اسمه يكون رجاء الامم
22 حينئذ احضر اليه مجنون اعمى و اخرس فشفاه حتى ان الاعمى الاخرس تكلم و ابصر
23 فبهت كل الجموع و قالوا العل هذا هو ابن داود

 

مفَاهيم الملكوت الجَديد

بعد أن تحدّث عن رفض البعض للملكوت الجديد وقبول البسطاء له بدأ يحدّثنا عن مفاهيم هذا الملكوت من جهة العبادة (السبت)، والسلوك (الوداعة)، والجهاد ضدّ الشيّاطين، والخلاص.

 

1. مفهوم السبت الجديد

لما كان للسبت أهميته الخاصة عند اليهود، وقد فهموه بمفهوم حرفي قاتل لهذا قدّم السيّد المفهوم الروحي الجديد للسبت. قد سبق لنا معالجة موضوع السبت في أكثر من موضع.

سمح السيّد لتلاميذه أن يقطفوا سنابل ويأكلون، الأمر الذي أثار الفرّيسيّين، إذ يقول الإنجيلي: "في ذلك الوقت ذهب يسوع في السبت بين الزروع، فجاع تلاميذه، وابتدأوا يقطفون سنابل ويأكلون. فالفرّيسيّون لما نظروا قالوا له: هوذا تلاميذك يفعلون مالا يحلّ فعله في السبت" [1-2].

لقد سمحت الشريعة بقطف سنابل الغير "إذا دخلت زرع صاحبك فأقطف سنابل بيدك، ولكن منجلاً لا ترفع على زرع صاحبك" (تث 23: 25). فمن أجل المحبّة سمح الله للإنسان في جوعه أن يقطف سنابل ليأكل، لكنّه لا يستغل المحبّة فيستخدم المنجل. لهذا لم يعترض الفرّيسيّون على قطف السنابل في حد ذاته، وإنما لأجل عمل ذلك يوم السبت، إذ اعتبروا هذا نوعًا من الحصاد والتذرية وهما أمران ممنوعان يوم السبت.

أراد السيّد أن يرتفع بهم إلى ما فوق المفهوم الحرفي للسبت كاشفًا لهم أنه حتى في السبت كان الله يسمح بأمور تبدو في حرفيّتها محرَّمة؛ من ذلك:

أولاً: تصرّف داود النبي والملك: "أمّا قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه. كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدّمة الذي لم يحلّ أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط" [3-4]. إن كان أكل خبز التقدّمة خاص بالكهنة وحدهم (لا 24: 5-9)، فإن داود النبي يحسب من الجانب الحرفي كاسرًا للوصيّة (1 صم 21: 1-6)، لكن الله لا ينظر للعمل في مظهره الخارجيّة، وإنما في الغاية الداخليّة للقلب. لم يكن داود متهاونًا بالوصيّة ولا متراخيًا، ولكن لم يكن أمامه طريق آخر فلم يُحسب بأكلِه هو ومن معه من هذا الخبز كاسرين للوصيّة.

ثانيًا: تصرّف الكهنة: "أمّا قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنِّسون السبت وهم أبرياء. ولكن أقول لكم أن ههنا أعظم من الهيكل" [5]. إن كان الكهنة في العهد القديم لم يتوقّفوا عن العمل يوم السبت، بل كان العمل يتزايد، إذ تُكثر بالتقدمات والذبائح في ذلك اليوم ويكثر المتعبّدون، كانوا يقومون بأعمال لو قام بها إنسان خارج الهيكل لحُسبت تدنيسًا للسبت، فمن أجل كرامة الهيكل وتحقيق رسالته لم يتوقّف هؤلاء عن العمل، بل يُحسب توقّفهم إهمالاً في حق الهيكل. هذا بخصوص الهيكل القديم فماذا إن كان السيّد نفسه الساكن في الهيكل قد حلّ على الأرض، ألا يصير سبتنا الحقيقي هو العمل الدائم لحساب رب الهيكل؟ إذن فالسبت ليس راحة جسديّة تنبع عن توقُّف عن العمل، إنّما هو راحة تصدر عن عملنا المستمر بالمسيح يسوع ربّنا رب الهيكل وسرّ راحتنا.

ثالثًا: ما جاء في هوشع النبي (6: 6) "فلو علمتم ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة، لما حكمتم على الأبرياء. فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا" [7-8]. لقد وضع الرب جذور الفكر الروحي لمفهوم العبادة والطقس في العهد القديم بالقول: "إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات" (هو 6: 6). فمع ما للذبيحة من أهمّية يلتزم بها شعب الله، لكن الله لا يريد الشكل الخارجي، إنّما ما تحمله الذبيحة من سرّ المحبّة والرحمة. هكذا إن كان تنفيذ وصيّة حفظ السبت هي ذبيحة طاعة لله، فإن الله يريد جوهر الطاعة ألا وهو الحب والرحمة.

إذن لم يكسر السيّد المسيح السبت بل قدّسه بقوله عن نفسه أنه "رب السبت"، وذلك كما يلذ أن يقول الله عن نفسه: "إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب"، هكذا يلقب السيّد نفسه "رب السبت"، وهو بهذا لا يحطّم وصيّة السبت بل يكشف أعماقها. حقًا لقد ركّز العهد القديم على حفظ السبت بدقّة بالغة، فحين وجد الشعب رجلاً يحتطب حطبًا في البرّيّة يوم السبت صدر الأمر الإلهي لموسى: "قتلاً يُقتل الرجل، يرجمه بحجارة كل الجماعة خارج المحلّة" (عد 15: 35).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا لقد حقّق السبت منافع كثيرة وعظيمة، فجعلهم على سبيل المثال مترفّقين بالعاملين في بيوتهم يحملون لهم الروح الإنسانيّة، وعلّمهم عن عناية الله بخليقته كما جاء في حزقيال (20: 12)، وأيضًا درَّبهم بالتدريج على الامتناع عن الشرّ، مقنعًا إيّاهم أن يهتمّوا بالروحيّات.]

كان السبت هو العيد الأسبوعي يحتفلون به ليعبر بهم إلى الراحة الروحيّة الحقيقيّة، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لنحفظ العيد على الدوام ولا نفعل شرًا، فإن هذا هو العيد. لتكن أمورنا الروحيّة قويّة، تاركين (الاهتمام) بالأمور الأرضيّة لننعم بالراحة الروحيّة، محجمين عن أعمال الطمع، منسحبين بجسدنا عن الأتعاب الزائدة غير النافعة كما فعل الشعب اليهودي بانسحابهم عن المعاناة التي سقطوا تحتها في مصر.] فالسبت القديم في ذهن القدّيس يوحنا الذهبي الفم هو امتناع عن العمل وكأنه تحرّر من عمل العبوديّة الذي عاناه الشعب قديمًا في مصر، أي انسحاب من عمل اللبن، أو هو خروج مستمر، أمّا السبت الجديد فهو دخول إلى أرض الموعد وتنعم بالمواعيد الإلهيّة. إنه ليس توقُّفًا عن عمل العبوديّة فحسب، وإنما هو ممارسة العمل الروحي في أرض كنعان. لهذا يقول: [يلزمنا ليس فقط أن نُخلِّص من مصر (رمزيًا)، وإنما أن ندخل أرض الموعد.]

نعود إلى تصرّف التلاميذ، فإنهم عبروا إلى الزرع السماوي في السبت الجديد، واقتطفوا "المسيح" السنبلة الحقيقيّة كطعام سماوي يشبع النفس ويعولها. ما فعلوه كان باسم الكنيسة كلها، حيث تدخل بالروح القدس إلى المذبح الإلهي، لتتقبّل سنبلة "الإفخارستيا" كعطيّة إلهيّة تقتات بها، لكي تبلغ إلى الكمال فتتهيّأ للمسيح يسوع عريسها الأبدي.

أراد السيّد تأكيد هذا المفهوم الروحي للسبت بشفائه اليد اليابسة في يوم السبت. ليس فقط التلاميذ هم الذين قاموا بالعمل في السبت بقطفهم السنابل وينعموا بالراحة خلال التناول من السنبلة الإفخارستية، وإنما قام السيّد نفسه بالعمل، فيجد راحته في تقديم محبّته الإلهيّة لنا، لتحويل الطبيعة البشريّة اليابسة إلى مصدر عمل دائم. وكأنه في السبت يستريح الإنسان في الرب، ويستريح الرب فينا. الله هو واهب الشفاء، يُقيم من اليبوسة حيوِيّة، فيتقبّل الإنسان ذلك ليعمل بالإمكانيّة الجديدة بلا توقف.

كان اليهود في حرفيّتهم يمتنعون عن العمل في يوم السبت، حتى في الدفاع عن أنفسهم وعن بلدهم وعائلاتهم، الأمر الذي استغلّه أنتيخوس فقاتلهم وأهلك الكثيرين منهم (1 مك 2: 31-38). فلا نعجب إن رأينا بعض المتزمّتين يسألونه: "هل يحلّ الإبراء في السبوت؟" [10] لم يكن هذا التساؤل من أجل المعرفة، وإنما استنكارًا لتصرفاته واتّهامًا له. أمّا هو فأجابهم ليس دفاعًا عن نفسه، وإنما بقصد الدخول بهم إلى معرفة ملكوته، محدِّثًا إيّاهم برقةٍ ليُثير فيهم روح الشفقة والحنان، إذ قال: "أيّ إنسان منكم يكون له خروف واحد، فإن سقط هذا في السبت في حفرة أفما يمسكه ويقيمه؟ فالإنسان كم هو أفضل من الخروف. إذًا يحلّ فعل الخير في السبوت" [11-12]. يُقال أن رئيس المجمع قد سقط له خروف في حفرة في نفس اليوم وأقامه، وكأن السيّد قد أراد أن يوبّخه معلنًا له أن الإنسان أفضل من الخروف.

2. الوداعة الغالبة

"فلما خرج الفرّيسيّون تشاوروا عليه لكي يهلكوه. فعلم يسوع وانصرف من هناك وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعًا، وأوصاهم أن لا يظهروه" [ 14-16].

أرادوا بحسدهم أن يهلكوه، فإذا بهم يُهلكون أنفسهم، إذ حرِّموا أنفسهم بأنفسهم منه بانصرافه من هناك، فحرموا من "الحياة". هكذا حينما يمتلئ القلب حسدًا لا يطيق السيّد أن يبقى فيه، يتركه لهلاكه الذاتي. ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تصرفهم هذا بقوله: [إنك لا تضر من تحسده وإنما تضرب داخلك بالسيف.] لما حسد إخوة يوسف أخاهم تمجّد هو، أمّا هم ففقدوا سلامهم.

يتحدّث الأب أفراهات عن الحسد قائلاً: [يقوم الحسد بين الأزواج والزوجات فينشأ الأطفال عصاة لوالديهم!...بالحسد يقتل الإنسان أخاه بلسانه، ويسحب آخر إلى الهلاك بغير رحمة.] هذا القتل وذاك الهلاك في الواقع يرتدّ إلى الحاسد نفسه، إذ يفقد نعمة الله وسلامه السماوي. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: [ليس شيء ينبع من النفس أكثر تدميرًا مثل ألم الحسد، فبينما لا يضر الآخرين تكون سطوته الشرّيرة على وجه الخصوص على النفس التي تتقبّله. كما يفسد الصدأ الحديد، هكذا يبدّد الحسد النفس التي يسكنها ويهلكها تمامًا. كما أن الأفاعي يقال عنها أنها تولد بالتهامها أحشاء أمِّها، هكذا يلتهم الحسد النفس التي تلده. الحسد هو ألم ينبع عن نجاح الغير، لهذا فإن الحاسد لن يعيش بغير ألم ولا تفارقه كآبة الذهن.]

إذ التهبت نيران الحسد في قلوب الفرّيسيّين أرادوا قتل السيّد المسيح، وكعادته لم يقف أمام الشرّ ليقاومه بل "انصرف من هناك"، مقدّمًا لنا دستورًا حيًا لمواجهة مضايقات الآخرين لنا وهو الهروب من الشرّ ما أمكن، كما رأينا في الهروب إلى أرض مصر وفي حديثه مع تلاميذه (مت 10: 23).

لقد طالب السيّد تلاميذه أن يهربوا من المدينة التي يُطردون منها ولا يقفوا أمام المضايقين، وقد دافع البابا أثناسيوس الرسولي عن هروبه من أمام وجه الأريوسيّين، وجاء في قوانين القدّيس بطرس خاتم الشهداء لأنه لا يليق إثارة المقاومين حتى لا تلتهب نار الضيق، فيقول... [لعلّهم لم يعرفوا أن رب البيت ومعلّمنا الأعظم كثيرًا ما كان ينسحب بعيدًا عن الذين ألقوا له الشباك، بل وأحيانًا لا يسير علانيّة بسببهم. وفي وقت آلامه انسحب، ولم يسلّم نفسه لهم منتظرًا مجيئهم إليه بسيوف وعصيّ، قائلاً لهم: "كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصيّ لتأخذونني" (مت 26: 55)، وهم "أسلموه" إلى بيلاطس (مت 27: 2). وما حدث معه تكرّر مع تلاميذه المتمثلين به، متذكِّرين كلماته الإلهيّة التي نطق بها ليثبِّتنا وقت الاضطهاد، قائلاً: "اِحذروا من الناس، لأنهم سيسلّمونكم إلى مجالس وفي مجامع يجلدونكم" (مت 10: 17). يقول إنهم يسلّموننا لا أن نسلِّم نحن أنفسنا. إنكم تقدَّمون أمام ولاة وملوك من أجلي، لا أنتم الذين تقدِّمون أنفسكم. إنه يريدنا أن نعبر من موضع إلى موضع حيث يوجد المضطهِّدون وذلك من أجل اسمه.]

قابل السيّد المسيح ثورة الأشرار وطلبهم هلاكه بالانصراف عن موضع الشرّ، لا ليستكين وإنما ليقدّم الحب للجميع خلال العمل بلا انقطاع؛ يسكب عطفه وحنوُّه على كل أحد، عاملاً بوداعة، مهتمّا بكل نفس مهما كانت محطّمة وأيا كانت جنسيتها. يقول الإنجيلي: "وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعًا. وأوصاهم أن لا يظهروه. لكي يتمّ ما قيل بإشعياء النبي القائل. هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سُرَّت به نفسي. أضع روحي عليه، فيخبِر الأمم بالحق. لا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يُطفئ، حتى يخرج الحق إلى النصرة. وعلى اسمه يكون رجاء الأمم" [15-21].

هكذا يركّز الإنجيلي على نبوّة إشعياء النبي التي تتحقّق في شخص المسيّا، مؤكدًا لنا أنه:

أ. المختار لتتميم الخلاص.

ب. فيه يسرّ الآب بنا.

ج. مشتهى الأمم ورجائهم.

د. بالوداعة يهب النصرة.

ه. يترفّق بكل ضعيف.

يقول الآب عن المسيّا المخلّص "هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سُرَّت به نفسي"، فإن كان الآب قد اختار ابنه الوحيد ليتمّم الخلاص، معلنًا كمال الحب الإلهي فإنّنا إذ ندخل فيه وننعم بالعضويّة في جسده نصير نحن أيضًا مختارين من الآب موضع حبّه وسروره! يقول الرسول بولس "مبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحيّة في السماويّات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قدّيسين وبلا لوم قدّامه في المحبّة، إذ سبق فعيَّننا للتبنّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته" (أف 1: 3-5).

بمعنى آخر إن كان السيّد المسيح لا يقاوم الشرّ بل يغلبه بالخير، مقدّمًا الحب عِوض كراهيتّهم وحسدهم، فإنّنا نحن أيضًا إذ نقبل الاتّحاد مع أبيه فيه، نظهر كمختاري الله، ونقف أمام الآب بلا لوم حاملين قداسة المسيح، بكوننا أعضاء جسده الذي بلا لوم والمقدّس، فيدعونا الآب أبناء له خلال ثبوتنا في ابنه الوحيد، ويُسرّ بنا كأحبًاء له تحقّقت فينا مشيئته الصالحة.

إن كان الآب يدعو ابنه الوحيد: "حبيبي الذي سُرَّت به نفسي". فإن كل من يجد له موضعًا في الابن يسمع هذه الكلمات الإلهيّة موجّهة إليه شخصيًا، ويُحسب حبيب الله.

يقول: "أضع روحي عليه فيُخبر الأمم بالحق". من هو روح الآب إلا روح الابن؟ لقد أرسل الآب روحه القدّوس على القدّيسة مريم ليهيّئ عمليّة التجسّد الإلهي، وأرسل روحه القدوس ليصعد به إلى الجبل، ليدخل في المعركة الحاسمة مع إبليس على جبل التجربة. إنه روح الابن الذي لن ينفصل قط عنه، هذا الذي منذ الأزل ينبثق من عند الآب ويستقر فيه! وها هو يقدّم لنا روحه القدّوس بعد أن تمّم الفداء وارتفع إلى يمين العظمة، حتى نحمل نحن رسالة المسيح نفسه "نُخبر الأمم بالحق". بالصليب أعلن السيّد بالحق، مقدّمًا كمال الحب الإلهي للبشريّة، دافعًا ثمن خطايانا حتى الفلس الأخير. بقيَ لنا أن نعمل بروحه لنشهد للحق الذي قدّمه الابن الوحيد لنا!

لا يقدر أحد أن يخبر بالحق في كماله إلا الابن المصلوب، لذا فإن عمل الكنيسة في كرازتها هو تقديم المسيح نفسه - بالروح القدس - لإعلان الحق! لهذا لا نعجب إن سمعنا السيّد يقول: "أنا هو الحق". وكأنه لا عمل لنا إلا أن نقبله فينا ونشهد له، أي نقدّمه للآخرين بحياتنا فيه، فننعم بالحق وينعم الآخرون به!

لقد ظنّ اليهود أن الحق لا يُعلن إلا بالقوّة الزمنيّة أو استخدام العنف، فتوقّعوا في المسيّا ملكًا أرضيًا وقائدًا محنكًا يقدر أن يغتصب الدول لحساب إسرائيل، مقيمًا مملكة داود لتسود العالم كله! هذا الفكر المادي تسلّل إلى فكر القادة والشعب، لذا أراد السيّد تصحيح مفهومهم بكل وسيلة وفي أكثر من مناسبة. هنا يؤكّد السيّد أن سرّ غلبته ونصرته هو إعلان الحق خلال الوداعة المملوءة حبًا: "لا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصِف، وفتيلة مدخّنة لا يُطفئ، حتى يخرج الحق إلى النصرة، وعلى اسمه يكون رجاء الأمم".

إن كانت الخطيّة قد جرحت البشريّة وحطّمتها فلا يكون خلاصها بالعنف والقوّة الزمنيّة، بل بروح الوداعة الهادئ المملوء حبًا وترفُّقًا. تحتاج البشريّة إلى مخلّص لا ليدينها، وإنما يترفّق بها ويسند كل قصبة مرضوضة حتى تستقيم، ويعين كل فتيلة مدخِّنة حتى تلتهب، يتأنّى على الجميع حتى يقبلوا الحق خلال الحب، ويمتلئوا رجاءً عِوض اليأس الذي حطّمهم!

لقد حمل الرسول بولس روح سيّده حين كتب: "شجّعوا صغار النفوس، اِسندوا الضعفاء، تأنّوا على الجميع" (1 تس 5: 14). يقول أيضًا القدّيس أمبروسيوس: [يا رب هب لي أن تكون سقطات كل إنسان أمامي، حتى احتملها معه، ولا انتهره في كبرياء، بل أحزن وأبكي. ففي بكائي من أجل الآخرين أبكي على نفسي، قائلاً: "هي (ثامار) أبرّ مني" (تك28: 26).] ويقول القدّيس يوحنا الدرجي: [أيها الراعي النشيط، أطلب الضال، واحمله على منكبيك بفرح، فتقدر على شفاء الأمراض المميتة المؤلمة، فالمحبّة تعظِّم الجبابرة وهى موهبة الطبيب.]

3. الغلبة على الشيطان

بعد أن قدّم مفهومًا جديدًا للعبادة والسلوك الروحي الحق أعلن مفهوم الغلبة على الشيطان بشفائه مجنون أعمى وأخرس، إذ يقول الإنجيلي: "حينئذ أُحضِر إليه مجنون أعمى وأخرس، فشفاه حتى أن الأعمى الأخرس تكلَّم وأبصر. فبهت كل الجموع وقالوا: ألعلّ هذا هو ابن داود؟!" [22-23].

 لقد أدركت الجموع أنه "ابن داود" المسيّا الملك، القادر أن يُخرج الروح الشرّير الذي حرَم هذا الرجل من عقله وبصره ونطقه. فبقيام مملكة المسيّا يُعلن انهيار مملكة الشيطان، التي تُفقد الإنسان فكره السليم وتعمي بصيرته الروحيّة عن رؤية السماويات وتُخرس لسانه فلا ينطق بالتسبيح.

+        +         +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt