طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 24 أبيب

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 68 : 35 ، 3

مت 10 : 16 - 23

مز 97 : 11 ، 12

مر 13 : 9 - 13

عب 12

3 - 14

1 بط 4

12 - 19

أع 7 : 44

- 8 : 1

مز 34 : 19 – 20

لو 11 : 53 – 12 : 12

 

البولس من عبرانيين 12 : 3 – 14

الجهاد

لما كان "كهنوت المسيح" هو الموضوع الرئيسي لهذه الرسالة، حيث يقدم لنا الرسول السيد المسيح بكونه رئيس الكهنة الأعظم، جالسًا عن يمين الآب في السماء بكونها قدس الأقداس، يشفع فينا بدمه، ليدخل بنا إلى حضن أبيه، فقد ختم حديثه مؤكدًا أن هذه الشفاعة العجيبة لا توهب للمتكاسلين والمتراخين. لهذا بعد أن حدثنا عن الإيمان مقدمًا لنا أمثلة حية لرجال الإيمان، صار يحدثنا حديثًا مباشرًا عن التزامنا الحيّ، الذي بدونه لن ننعم بعمل السيد المسيح الكفاري.

1. الجهاد وسحابة الشهود ١.

2. الجهاد والتأمل في آلام المسيح ٢ - ٣.

3. الجهاد حتى النهاية ٤.

4. قبول التأديب الإلهي ٥ - ١١.

5. مساندة الآخرين ٢ - ١٧.

6. الناموس القديم والملكوت الجديد ١٨ - ٢٩.

1. الجهاد وسحابة الشهود

"لِذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا،

لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ" [١].

إذ يحيط بنا الضعف فيمثل ثقلاً على النفس، تهاجمنا الخطية من كل جانب، لهذا يليق بنا أن نجاهد بغير انقطاع متطلعين إلى سحابة الشهود المحيطة بنا فنتمثل بهم في شهادتهم للحق. هذه السحابة هي "لنا" ليس فقط كمثالٍ نقتدي به لكنها "لنا" تسندنا بالصلاة لحسابنا.

يشبه الرسول القديسين بالسحابة لأنها مرتفعة إلى فوق، تتحول إلى مطرٍ لتروي الأرض. هكذا المؤمن الحقيقي يحيا في السماويات لكنه لا يتجاهل النفوس الضعيفة الملتصقة بالأرض والتي لها طبيعة التراب، إنما يصلي من أجلها لكي يستخدمه الله كمطر يروي الأرض بالبركات العلوية، فتأتي بثمر روحي كثير.

حينما يتحدث السيد المسيح عن مجيئه الأخير يؤكد أنه سيأتي على السحاب، وكأنه يأتي الرب جالسًا في قديسيه، السحاب الروحي المحيط به والحامل إياه. لنحيا كسحاب يطلب السماويات، دون تجاهل للأرض فنحمل ربنا يسوع فينا ونعلنه من يومٍ إلى يوم حتى يتجلى فينا بالكمال يوم مجيئه الأخير!

لكي تكون لنا شركة مع "السحابة من الشهود" التي لم يستطع الرسول أن يحدد قياسها، قائلاً: "مقدار هذه"، ولكي نصير نحن أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من هذه السحابة الإلهية يلزمنا أن "ِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا"، الأمور التي تفسد طبيعتنا وتحرمنا من التمتع بالخلقة الجديدة التي صارت لنا في المعمودية. ففي سفر إشعياء يتحدث النبي عن السيد المسيح القادم من مصر على سحابة خفيفة وسريعة (١٩: ١ - الترجمة السبعينية)، هذه التي تشير إلى السيدة العذراء عند هروبها إلى مصر حاملة السيد المسيح في حضنها، كما يقول القديس كيرلس الكبير، وفي نفس الوقت تشير إلى كل نفسٍ نقية وورعة تحمل يسوعها في داخلها وتسير به كسحابة سريعة خفيفة، لا يهدم ثقل الخطية طبيعتها ويعوق مسيرتها.

نشتهي أن نلتصق بالسحابة العظيمة من الشهود، الخفيفة والسريعة التي تحمل مخلصها مسرعة به، لا بالكلام والعاطفة فحسب، وإنما بالجهاد في الرب، إذ يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" [١]، أي لنسرع بالصبر إلى السباق الذي وُضع أمامنا لننال المكافأة. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [مع وجود ضيقات مستمرة فإن "الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاءً، والرجاء لا يخزي" (رو ٥: ٤). فإذ كان النبي إشعياء يتوقع مثل هذا الضيق صرخ بصوت عالِ وحثنا: "هلم يا شعبي ادخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك، اختبئ نحو لحيظة حتى يعبر الغضب" (إش ٢٦: ٣٠).]

يقول القديس چيروم: [في الوقت الحاضر نحن في وادي الدموع! هذا العالم هو موضع البكاء لا البهجة؛ يليق بنا ألاَّ نضحك. هذا هو العالم، إنه زمن الدموع، أما العالم العتيد فهو عالم الفرح... لقد دخل بنا الله كمصارعين في حلبة سباق حيث يكون نصيبنا على الدوام هو الصراع... إذن هذا الموضوع إنما هو وادي الدموع فلا نكون في أمانٍ (تراخٍ) بل كمن في حلبة صراع واحتمال للآلام.]

2. الجهاد والتأمل في آلام المسيح

"َلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا،

نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ،

الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ

احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ،

فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ.

فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هَذِهِ،

لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ" [١-٣].

إن كانت شهادة القديسين هي عون لنا في جهادنا، نمتثل بهم وننتفع بصلواتهم، مقاومين كمن في حلبة صراع لنلقي عنا كل ثقل أرضي وخطية محيطة بنا لنرتفع مع السحابة الإلهية إلى فوق، ويكون لنا شرف حمل الرب في داخلنا. فإن آلام السيد المسيح من أجلنا حتى الموت موت الصليب هي ينبوع نعم إلهية تسندنا في هذا الجهاد؛ أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كانت آلام من هم قريبين منا تثيرنا للجهاد فأية غيرة لا يقدمها لنا سيدنا! أي عمل لا يحققه فينا!... حقًا إن آلام المسيح وآلام الرسل هي تعزية عظيمة حقيقية!... أيها الأحباء، الألم هو أمر عظيم يحقق أمرين عظيمين: يمسح خطايانا ويعطي قوة للرجال (الروحيين).]

دعا الرسول السيد المسيح "رئيس الإيمان ومكمله"، فهو قائد المؤمنين في طريق الكمال الوعر، يدخل بهم إلى نفسه، لكي يعبر بهم من مجدٍ إلى مجد، فينعمون بالكمال أمام الآب خلال إتحادهم به.

آلام الصليب لا تُحتمل، وخزيه مرّ، لكنه في عيني السيد المسيح هو موضوع سرور وفرح، إذ يراه الطريق الذي به يحملنا إلى قيامته، ليجلسنا معه وفيه عن يمين العرش الإلهي. بالمسيح يسوع ربنا نفرح بالألم - بالرغم من مرارته القاسية - إذ نرى طريق الأقداس مفتوحًا أمامنا. احتمل السيد آلامه من أجلنا نحن الخطاة وليس من أجل نفسه، فكم بالحري يليق بنا أن نقبلها من أجل نفوسنا، خاصة وأننا نتقبلها في المسيح المتألم!

3. الجهاد حتى النهاية

"لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" [٤].

لم يقدم لنا الرسول هذه الوصية الخاصة بالجهاد الروحي حتى النهاية إلاَّ بعد أن قدم لنا أمثلة عملية وحية لمؤمنين مجاهدين من آباء بطاركة وأنبياء وقضاه وملوك، وأوضح لنا إمكانية الجهاد، إذ نحن محاطون بسحابة الشهود العاملين معنا، وفوق الكل أوضح عمل السيد المسيح المصلوب في حياتنا. لقد قبل الآلام بسرور مستهينًا بخزي الصليب، الأمر الذي يجعل جهادنا الروحي حتى الموت مقبولاً ومفرحًا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إلى الآن لم تحتملوا الموت، إنما امتدت خسارتكم عند المال والكرامة والطرد من موضع إلى آخر. على أي الأحوال، لقد بذل المسيح دمه من أجلنا، أما أنتم فلم تفعلوا هذا لأجل أنفسكم. لقد صارع من أجل الحق حتى الموت من أجلكم، أما أنتم فلم تدخلوا بعد في المخاطر التي تهدد بالموت.]

4. قبول التأديب الإلهي

مادمنا أولاد الله، فإن الله يسمح لنا بالتجارب والضيقات أثناء الجهاد على الأرض، لا للانتقام ولا للدينونة وإنما لمساندتنا. فهو يعيننا لا بلطفه بنا فحسب خلال الترفق، وإنما أيضًا بتأديبنا لأجل نفعنا الروحي. فالضيقة بالنسبة للمؤمن الحقيقي المجاهد قانونيًا هي علامة حية لاهتمام الله به من أجل بنيانه.

"وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ:

يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ،

وَلاَ تَخُزْ إِذَا وَبَّخَكَ.

لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ" [٤-٦].

كثيرًا ما علق آباء الكنيسة على هذه العبارة الرسولية نقتطف منها:

+ مغبوط هو الإنسان الذي يؤدَب في هذه الحياة، فإن الرب لا يعاقب عن الشيء مرتين (نا ١: ٩ - الترجمة السبعينية).

القديس چيروم

+ عندما يوبخ الله، وإنما لكي يصلح، ويصلح لكي يحفظنا (له) .

القديس كبريانوس

+ لا ترجع النفس إلى الله إلاَّ إذا انتزعت عن العالم، وليس شيء ينتزعها عنه بحق إلاَّ التعب والألم؛ حين تكون النفس ملتحمة بملذات العالم التافهة الضارة والمهلكة... نتحول بسبب هذه التأديبات عن ضعفنا، إذ يليق بالإنسان أن يدرك أنه يتألم بسبب الخطية. ليته يرجع إلى نفسه ويقول: "أنا قلت في قلبي: ارحمني يا رب، اشفِ نفسي، فإني أخطأت إليك" (مز ٤١: ٤). بالضيق يا رب دربني، إذ تجلد كل ابن تقبله، ما عدا الابن الوحيد الذي وحده بلا خطية... أما أنا فأقول لك: "يا رب أخطأت".

القديس أغسطينوس

+ الأب لا يهذب ابنه لو لم يحبه، والمعلم الصالح لا يصلح من شأن تلميذه ما لم يرَ فيه علامات نوال الوعد. عندما يرفع الطبيب عنايته عن مريض، يكون هذا علامة يأسه من شفائه.

+ أيهما أفضل أن ندخل معركة (التأديب) إلى حين ونحمل أوتاد الحسكة (أسياخ من الخوازيق)، وتكون معنا أسلحة، ونرهق من حمل التروس الثقيلة، لكي نفرح بعد ذلك خلال الغلبة، أم نبقى عبيدًا إلى الأبد، لأننا لم نقدر أن نحتمل ساعة واحدة.

القديس چيروم

+ لا تستطيع القول بأن إنسانًا بارًا يعيش بلا ضيق، حتى وإن لم يظهر عليه الضيق... إذ يلزم بالضرورة لكل بار أن يجتاز الطريق. هذا هو إعلان المسيح، أن الطريق الواسع العريض يؤدي إلى الهلاك، أما الضيق الكرب فيؤدي إلى الحياة (مت ٧: ١٣ - ١٤)... هل لأنك تعاني من أتعاب كثير تظن أن الله تركك، وأنه يبغضك؟! إن كنت لا تتألم يكون بحق قد تركك، لأنه إن كان الله يؤدب كل ابن يقبله، فمن لا يسقط تحت التأديب لا يكون ابنًا... ماذا نقول؟ ألا يسقط الأشرار تحت الضيق؟ حقًا يسقطون... هم ينالون عقاب شرهم ولا يؤدبون كأبناء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

التأديب هو علامة البنوة، فالآب يهتم ببنيان ابنه الشرعي، ولا يبالي بالنغول:

 "وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ" [٨].

 وكما قال القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان عدم التأديب علامة خاصة بالنغول، إذن يليق بنا أن نفرح بالتأديب كعلامة شرعية بنوتنا.]

يقارن الرسول بين التأديب الذي نخضع له من آبائنا في الجسد والتأديب الذي يقع علينا من أبينا السماوي موضحًا النقاط التالية:

أولاً: أن التأديب يُعطي للآباء الجسديين مهابتهم، فالطفل يهاب والده بكونه المربي الحازم؛ "ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟" [٩].

هنا يؤكد الرسول عنصرًا هامًا وهو "المخافة الأبوية" فإننا وإن كنا أبناء الله، بذل الله أبونا ابنه الوحيد فدية عنا، وارتفع الابن عن يمينه ليشفع فينا، هذا يبعث فينا الدالة القوية لدى الله، فإن التأديب يهب الابن مخافة نحو أبيه تمتزج بالدالة، حتى لا تتحول الدالة إلى استهتار. لكن شتان بين المخافة التي تنطلق في قلب الابن والمخافة الممتزجة بالرعب في قلب الأجير أو العبد. الابن يخاف أباه لئلا يجرح مشاعره ويسيء إلى أبوته، أما الأجير فيخاف لئلا يُحرم من الأجرة، والعبد يخاف من العقاب.

ثانيًا: آباؤنا الجسديون يؤدبوننا أيامًا قليلة حسب استحسانهم [١٠]، مشتاقين أن يروننا ناجحين في هذا الزمان الحاضر، نحقق أمنياتهم الزمنية فينا، أما الله فيؤدب لهدف أعظم: لأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته. هذه هي غاية تأديبه لنا، إذ يود أن يرانا شركاء في حياته المجيدة، نحمل سماته فينا، نتشبه به. هذه هي غاية الله من الإنسان، أن يراه كابن يحمل صورة أبيه.

ثالثًا: " كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ" [١١]. فالابن يئن تحت ألم التأديب، لكن متى بلغ النضوج أدرك أن التأديب هو سرّ نجاحه وبهجة قلبه الأكيدة. هكذا تأديب الله لنا يقدم لنا في البداية نوعًا من الحزن، لكنه في نفس الوقت يهب ثمر برّ السلام. به ندخل إلى برّ المسيح المجاني فيمتلئ قلبنا سلامًا فائقًا.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الذين يتناولون الدواء المرّ يخضعون أولاً لشيء من الامتعاض لكنهم يشعرون بالراحة بعد ذلك... هذا أنتم تتألمون، هكذا هو التأديب في بدايته... فإنه كل تأديب يبدو للحزن مع أنه في حقيقته غير ذلك.]

5. مساندة الآخرين

أحد العناصر الهامة في الجهاد الروحي هو مساندة الأعضاء بعضها لبعض، فالحياة مع الله وإن كانت تمثل علاقة شخصية خفية بين الله والمؤمن لكن ليس في فردية منعزلة، إنما هي حياة شركة بين الله وكنيسته الواحدة. كل عضو يسند أخاه في الرب، لكي يتشدد الكل معًا كعروسٍ واحدة. يقول الرسول: "لِذَلِكَ قَّوِمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ" [١٢].

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [ليس شيء يجعل البشر ينهزمون سريعًا في التجارب وينهارون مثل العزلة. اخبرني، بعثر فرقة في حرب، فإن العدو لا يقلق في سبيهم وأسرهم كفرادى.]

الآخرون بالنسبة لك كما يشبههم الرسول هم الأيدي والركب، فإنك لا تستطيع أن تقاوم العدو الشرير إبليس إن كان الأيدي مسترخية والركب مخلعة، فكل مساندة من جانبك لأخيك إنما هي مساندة لك أنت شخصيًا لأنه يمثل يديك وركبك! لهذا لا عجب إن ضعف الرسول بولس مع كل ضعيف، والتهب قلبه محترقًا مع عثرة كل إنسان، ويفرح ويتهلل مع توبة الغير!

تقويم الأيادي المسترخية والركب المخلعة لا يكون بمساندة الآخرين بالكلمات النظرية وإنما بالحياة العملية الداخلية والسلوك الروحي الحيّ، إذ يكمل الرسول قائلاً:

 "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ. مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ. لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ انْزِعَاجًا، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ" [١٤-١٥].

هنا يركز الرسول على سمتين هامتين في الجهاد، تسندان النفس وتعينا الآخرين، هما إتباع السلام مع الجميع والتمتع بالحياة المقدسة. فمن جهة إتباع السلام، فالمؤمن إذ يدرك مركزه كعضوِ في الجسد المقدس بل وفي البشرية كلها يعمل بروحٍ متناسقٍ مع الجميع خلال الرأس المدبر، يحتمل ضعف الآخرين من أجل بنيان الجماعة وسلامه الداخلي ولدفع الضعيف بالحب نحو التوبة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [احتمال الشر هو أعظم سلاح في التجارب. به يجعل المسيح تلاميذه أقوياء، إذ يقول: "هذا أنا أرسلكم كغنم وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات، وبسطاء كالحمام" (مت ١٠: ١٦)... فإنه ليس من شيء يُخجل من يصنع معنا شرًا مثل احتمالنا ما يجلبه علينا بلطف وعدم النقمة بكلمةٍ أو فعلٍ. هذا يجعل منا فلاسفة (حكماء)، ويجلب لنا مكافأة عظيمة، وفي نفس الوقت ينفع من صنع معنا شرًا.] أما من جهة الحياة المقدسة، فهي ترتبط بإتباع السلام وتلازمه. الحب الحقيقي الذي يعمل فينا لإتباع السلام هو بعينه يعمل فينا للتقديس بالرب يسوع القدوس. من يحب إخوته بصدقٍ في المسيح يسوع مشتهيًا خلاصه، لا يمكن أن يقبل الحياة الشريرة، بل يحب القداسة ويتفاعل معها. حبنا لإخوتنا أيضًا يفتح أبواب النعمة أمامنا لننهل منها شركة الحياة المقدسة في الرب.

ما هو إتباع السلام إلاَّ دخول في شركة عملية مع السيد المسيح محب البشر وملك السلام! هذه الشركة هي بعينها الحياة المقدسة. يقول القديس چيروم: [المسيح هو القداسة التي بدونها لا يقدر أحد أن يعاين وجه الله. المسيح هو خلاصنا، إذ هو المخلص والفدية في نفس الوقت. المسيح هو كل شيء بالنسبة لنا، فمن يترك شيئًا من أجله يجده مقابل ما قد تركه، فيستطيع في حرية أن يقول "نصيبي هو الرب" (مز ١٢٣: ٦).]

أما علة السقوط في الحياة الروحية والعجز عن الجهاد فهو الاستباحة والاستهتار، فيكون مصير الإنسان هو مصير عيسو الذي طلب أن يرث البركة بدموع، لكن لم تجد التوبة لها مكانًا في قلبه الذي تدرب على الاستباحة، فقد تبلدت حواسه ولم يجد للندامة موضعًا فيه، يقول الرسول:

 "لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِيًا أَوْ مُسْتَبِيحًا كَعِيسُو، الَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ. فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ الْبَرَكَةَ رُفِضَ، إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَانًا، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ" [١٦-١٧].

كما أن كل حب يوّلد حبًا وكل جهاد روحي يلهب القلب إلى جهاد أعظم في الرب، فإنه كل استباحة تود استباحة، وكل تهاون يخلق تهاونًا... حتى تفسد حياة المؤمن تمامًا وتفتر أحاسيسه الداخلية، ويشتهي الحياة المقدسة السابقة، لكن في تراخِ بلا توبة صادقة. هذه الخبرة حدثنا عنها الآباء فحذرونا من الثعالب الصغيرة والخطايا التي تبدو تافهة، فإن عدو الخير لا يحارب الإنسان المؤمن بخطايا واضحة إلاَّ بعد أن يتسلل إلى قلبه خلال التهاون في الصغائر، حتى متى أفسد القلب الداخلي يهاجمه بكل أنواع الخطايا، فيسقط فيما كان يظن أنه يستحيل ارتكابه. فداود النبي العظيم صاحب القلب النقي والمرتل لله على الدوام استهان قليلاً، فخرج على السطح عوض أن يشترك مع جيشه في الحرب بالصلاة والتذلل؛ هذا التهاون البسيط فتح المجال للنظر إلى امرأة أخيه في الرب وقائد جيشه، وهكذا انخرط من ضعفٍ إلى ضعف حتى سقط تمامًا في فخ إبليس... لكن الرب لم يتركه!

كما يتسلل العدو إلى قلبك خلال الصغائر، اسحب قلبك إلى الجهاد الروحي خلال الصغائر... فمن التداريب الجميلة الروحية حينما يشعر المؤمن بالتراخي أنه يقول في نفسه لأجاهد اليوم وأستريح غدًا، وإذ يقضي يومه يلتهب قلبه بالأكثر نحو الله، فيعود يكرر نفس القول وهكذا يسحب قلبه إلى الحياة السماوية العالية خلال جهاد بسيط في اللحظة الحاضرة، ولا يضع أمام نفسه خططًا لفترة طويلة، كما لا يؤجل للغد عمل الرب.

6. الناموس القديم والملكوت الجديد

إذ أراد الرسول تأكيد فاعلية وصية العهد الجديد وبركات الملكوت الجديد قارن بين طريق استلام الناموس في العهد القديم على يديّ موسى النبي على جبل سيناء وتقبل الكلمة الإلهي ذاته في العهد الجديد.

أولاً: عندما تسلم موسى الناموس اضطرم الجبل الملموس بالنار بطريقة مادية واضحة وظلام وحدثت زوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات، الأمر الذي جعل الشعب يستعفي من السماع لله مباشرة، ولم يكن ممكنًا حتى للحيوانات أن تقترب من الجبل وإلا رُجمت أو رُميت بالسهام دون أن يلمسها أحد! هكذا كانت العلاقة بين الله والإنسان مرعبة وغامضة، أما في العهد الجديد فلا نرى شيئًا من هذا إذ التحم كلمة الله بنا خلال تجسده فلم يعد هناك رعب ولا غموض.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [لم يُعط العهد الجديد ومعه هذه الأمور (النار والضباب والعاصف وأصوات البوق) وإنما قُدم إلينا حديثًا بسيطًا من قبل الله... كانت هذه الأمور مرعبة حتى لم يحتملوا سماعها، ولا تتجاسر حتى أية بهيمة أن تصعد؛ أما ما جاء بعد ذلك فلم يكن هكذا، لأنه ماذا تكون سيناء بالنسبة للسماء؟ والنار الملموسة بالنسبة لله الذي لا يُقترب إليه، إذ هو نار آكلة؟]

هذه الأمور التي ظهرت مع استلام الناموس تكشف عن سماته؛ فالنار تشير إلى عقاب العصاة الرهيب، والضباب والظلام علامة الغموض وعدم الكشف عن الحق في كماله وإنما خلال الظل والرمز. وأصوات الأبواق تشير إلى طبيعته كإعداد لمجيء الملك السماوي كما في اليوم الأخير (١ كو ١٥: ٥٢). ويشير العاصف إلى الشعب المستكين المحتاج إلى عاصف ليوقظه من سباته الروحي وتراخيه.

في دراستنا لسفر الخروج تحدثنا في أكثر من تفصيل عن رموز هذه الأمور الروحية لحالة النفس الداخلية حين تتقبل كلمة الله فيها. تصير كالجبل الراسخ الملتهب بالنار الإلهية المتقدة، تحيط بها الأسرار الإلهية كضباب، ويُسمع فيها أصوات البوق معلنة الحق بحياتها الداخلية وسلوكها الَظاهر، تهب فيها عواصف الروح التي تحطم كل شرٍ تسلل إليها؛ هذا وكل بهيمة، أي كل فكر حيواني يقترب إليها يُرجم بحجارة الحق ويُضرب بسهم الصليب فلا يكون له موضع في داخلها.

ثانيًا: لم تقف حالة الرعب عند الشعب وإنما مست موسى النبي نفسه، إذ "قَالَ مُوسَى: أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ!" [٢١].

 أما الآن فالكلمة قريبة منا، في داخل القلب، إذ دخل "الكلمة الإلهي" في حياتنا، وصار له مسكنًا فينا.

ثالثًا: عند استلام الشريعة الموسوية كان الشعب في البرية عند سفح الجبل، وكأن الناموس قد عجز عن أن يقدم للشعب الحياة السماوية المرتفعة، ويدخل بهم إلى أورشليم العليا، أرض الموعد. أما في العهد الجديد، فدخل بنا كلمة الله إلى السماوات عينها، وجعل منا محفل ملائكة: "بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ: أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ" [٢٢-24].

يرى العلامة أوريجينوس في السماء التي ننعم بها أربع رتب هي: جبل صهيون، مدينة الله أورشليم السمائية، ربوات هم محفل ملائكة، كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات. أعلى هذه الدرجات هي العضوية في كنيسة الأبكار حيث ينعمون بالشركة مع المسيح البكر. إذ يقول: [اجتهد بكل قوتك أن تنمو وتتقدم في أعمالك وحياتك وعاداتك وإيمانك وطريقة تصرفاتك حتى تبلغ كنيسة الأبكار المكتوبين في السماوات، فإن لم تستطع فلتبلغ إلى درجة أقل... وإن كنت لا تقدر أن تقترب من الربوات الذين هم محفل ملائكة وتصعد إلى هذه الدرجة فعلى الأقل تبلغ مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية، وإن كنت غير قادر على بلوغ هذه فحاول على الأقل أن تتجه نحو جبل صهيون لكي تخلص على الجبل (تك ١٩: ١٧). يكفي أنك لا تبقى على الأرض ولا تسكن الوديان ولا تبطئ في المناطق المطمورة.]

على أي الأحوال في العهد الجديد دخلنا إلى ملكوت الله المجيد، حيث يرتفع بنا إلى جبل صهيون الحق، وننعم بأورشليم العليا ونُحسب محفل ملائكة وأبكار للرب. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [من لا يرغب في التمتع بالصحبة العلوية مع هؤلاء! من لا يرغب في تسجيل اسمه معهم، لكي يسمع معهم: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت ٢٥: ٣٤).]

ويلاحظ أن الملكوت الذي بلغناه في المسيح يسوع يقدم لنا ثمانية أمور: جبل صهيون، مدينة الله، محفل ملائكة، كنيسة أبكار، الله ديان الجميع، أرواح أبرار مكملين، وسيط العهد الجديد يسوع، دم رش يتكلم أفضل من هابيل. نحن نعلم أن رقم ٨ يشير إلى ما وراء الزمن (٧ أيام الأسبوع)، أو إلى الحياة الانقضائية الأخروية، فالملكوت الجديد هو ملكوت سماوي يرفع الإنسان إلى الحياة الفائقة السماوية.

ركز كثير من الآباء على "كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات"، إذ صرنا في المسيح يسوع البكر أبكارًا. بكورية السيد المسيح ليست كالبكورية الجسدية، صاحبها يحرم الآخرين من التمتع بها، إنما بالعكس تهب الآخرين شركة فيها.

هذه البكورية التي صارت لنا ليست جسدية، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [الذين اعتبروا أبكارًا أمام الله ليس هم الأبكار حسب الميلاد الجسدي، إنما اختارهم الله بسبب حسب استعدادهم. هذا ما حدَث بالنسبة ليعقوب الرجل الثاني إذ حسبه الله بكرًا ونال بركة البكورية (تك ٢٧: ١١). بفضل إصابة أبيه بالعمى بسماح إلهي، وذلك لحسب استعداد قلبه الذي رآه الله فيه، إذ قيل : "وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا... مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" (رو ٩: ١١، ١٢؛ ملا ١: ٢، ٣). هكذا لم يكن اللاويون أبكارًا حسب الجسد لكنهم ثبتوا كأبكار.]

مرة أخرى إذ أدرك الرسول كيف تمررت نفوس المسيحيين الذين هم من أصل عبراني لأنهم حُرموا من جبل صهيون ومدينة أورشليم والناموس المُسلَم بيد ملائكة، لهذا كشف لهم عن الملكوت الجديد الذي صار فيهم، بكونه مشبعًا لاحتياجاتهم ويعوضهم بأكثر مما فقدوا، فقد دعاه:

أ. جبل صهيون، فإن كانوا قد صاروا مضطهدين يُحرمون من السكنى في جبل صهيون الذي اعتز به اليهود، فإن رب المجد يرتفع بهم إلى جبل صهيون الحقيقي الداخلي، يرفع النفس إلى الجبل العالي لتنعم بالحياة السماوية.

ب. مدينة الله الحيّ أورشليم السماوية، عوض أورشليم الأرضية حيث الهيكل الذي يعتز به اليهود صارت النفس عينها مدينة الله، أورشليم الجديدة، لا يُقام فيها هيكل الله بل هي بعينها الهيكل المقدس، كقول الرسول بطرس: "الذي إذ تأتون إليه حجرًا حيًا مرفوضًا من الناس، ولكن مختار من الله كريم، كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية بيتًا روحيًا كهنوتًا مقدسًا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (١ بط ٢ : ٤، ٥).

ج. ربوات هم محفل ملائكة، إن كان اليهود قد فقدوا حرفية الناموس الذي سلم بيد ملائكة، فقد صاروا هم أنفسهم محفل ملائكة! وكما يقول القديس إكليمنضس السكندري إن المؤمنين الحقيقيين أصحاب المعرفة الروحية (الغنوسيين) ليس فقط يكونون في صحبة الملائكة، بل يصيرون هم أنفسهم كالملائكة. هذا أيضًا ما تحدث عنه كثير من الآباء بشيء من الإفاضة مثل العلامة أوريجينوس القديس يوحنا الذهبي الفم.

د. كنيسة أبكار، كان لليهود أبكارهم الروحيين أي سبط لاوي، يتقبلهم الله عن كل الجماعة المقدسة عوض الأبكار حسب الجسد. والآن صاروا كنيسة أبكار، خلال إتحادهم مع الابن البكر الحقيقي.

هـ. الله ديان الجميع، كان اليهود في حرفيتهم يتطلعون إلى الله كإله اليهود وحدهم، أما وقد قبلوا الإيمان بمخلص العالم فقد أدركوا الله كديان البشرية كلها.

و. إلى أرواح أبرار مكملين، صار لهم في المسيح أن يتبرروا ويصيروا كاملين في عيني الآب.

ز. وسيط العهد الجديد يسوع، إن كان رجال العهد القديم يطلبون المسيا وينتظرونه، فإن رجال العهد الجديد تمتعوا به، هذا الذي وهبهم "العهد الجديد" يدخل بهم إلى ملكوته السماوي.

ح. إلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل، هكذا يختم حديثه عن بركات العهد الجديد بمقارنته مع العهد القديم بالدم المرشوش في القلب، الذي يصرخ فينا شاهدًا للحق ومقدسًا إيانا... لا يمكن للزمن أن يخفته!

بعد المقارنة بين العهدين دخل إلى جانب عملي، وهو التزامنا لا بالافتخار بما نلناه، وإنما بالتجاوب معه عمليًا: "اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولَئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ اسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الأَرْضِ، فَبِالأَوْلَى جِدًّا لاَ نَنْجُو نَحْنُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي صَوْتُهُ زَعْزَعَ الأَرْضَ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَعَدَ قَائِلاً: إِنِّي مَرَّةً أَيْضًا أُزَلْزِلُ لاَ الأَرْضَ فَقَطْ بَلِ السَّمَاءَ أَيْضًا. فَقَوْلُهُ مَرَّةً أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الأَشْيَاءِ الْمُتَزَعْزِعَةِ كَمَصْنُوعَةٍ، لِكَيْ تَبْقَى الَّتِي لاَ تَتَزَعْزَعُ. لِذَلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لاَ يَتَزَعْزَعُ، لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ اللهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى. لأَنَّ إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" [٢٥-٢٩].

بمقدار ما تزداد العطية وتعظم تزداد المسئولية أيضًا. فإن كان الذين استهانوا بالناموس الذي عند تسلمه تزعزعت الأرض (إذ حدثت نار وأصوات رعود وزلزلة) لم ينجوا، فكيف ينجو من يستهين بالكلمة الإلهي السماوي، الذي قال أنه يزلزل الأرض والسماء أيضًا؟ في العهد القديم كانت الأرض تتزلزل إذ كان الناموس يمس الجسد الترابي، لكن العهد الجديد يمس الأرض والسماء، أي الجسد والروح معًا؛ لذا فعقوبة كاسر الناموس كانت بالأكثر تمس حياتنا الأرضية، لكن كاسر الوصية ومحتقر العهد الجديد فيسقط تحت العقوبة هنا على الأرض وفي الحياة الأخرى. من ناحية أخرى إن كنا قد قبلنا ملكوتًا لا يتزعزع يهب الجسد والنفس خلودًا، فلنشكر الرب ونخدمه بخشوعٍ وتقوى، مدركين أن إلهنا نار آكلة، قادر أن يلهب الجسد والنفس معًا بالروح الناري، فنصير بحق خدام الله الناريين! وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [لأنه يليق بخادم الرب أن يكون يقظًا وحريصًا، نعم بل وكلهيب نار، حتى أنه إذ بالروح الملتهب يبدد كل خطية جسدانية يقدر أن يقترب إلى الله الذي يُدعى نارًا آكلة كما يعبِّر القديسون.]

+            +             +

الأبركسيس .. أعمال 7 : 44 – 8 : 1

خيمة الشهادة في البرية

بعد هذا العرض التاريخي المؤلم الذي يكشف عن إصرار آبائهم على التمرد على الله، مع وجود قلة أمينة مقدسة للرب لا ترتبط بالحرف القاتل، بل بالإيمان الحي العملي، مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وموسى النبي والأنبياء، الآن يتحدث عن الخيمة والهيكل.

تسلل هذا الاتجاه لعبادة الأصنام إلى العبرانيين عبر كل تاريخهم، وبلغ القمة أثناء السبي البابلي. اعتادوا الإقتداء بجيرانهم المحيطين بهم، فكانوا يؤلهون كواكب السماء ويعبدونها (تث 4: 19؛ 17: 3؛ 2 مل 21: 3، 5؛23: 4-5؛ إر 8: 2؛ 19: 13؛ صف 1: 5)

"وأمّا خيمة الشهادة، فكانت مع آبائنا في البرية،

كما أمر الذي كلم موسى أن يعملها،

على المثال الذي كان قد رآه". [44]

كان من عادة الوثنيين أن يأخذوا آلهتهم معهم أينما ذهبوا، فيضعون التمثال الصغير في هيكل صغير أو خيمة صغيرة. ولكي يحفظ الله شعبه من عبادة الأوثان أظهر لموسى المثال السماوي الذي بناء عليه يصنع خيمة الاجتماع التي كان فيها تابوت العهد، تُحمل الخيمة في مسيرة الشعب في البرية، وتُنصب أينما حلوا، علامة الحضرة الإلهية (خر 25: 9، 40؛ 26: 30؛ 27: 8).

"التي أدخلها أيضًا آباؤنا،

إذ تخلفوا عليها مع يشوع في مُلكِ الأمم،

الذين طردهم اللَّه من وجه آبائنا إلى أيام داود". [45]

أحضر الآباء خيمة الاجتماع معهم في أرض الموعد تحت قيادة يشوع بن نون، حتى متى طرد أمامهم الأمم الوثنية، وجب تطهير كنعان من كل أثرٍ وثنيٍ لتبقى الحضرة الإلهية وحدها علامة اتحادهم بالله، وقبوله ملكًا يشبع أعماقهم ويدير أمورهم.

حقًا، لقد صنع موسى خيمة الاجتماع، سرّ قوتها إنها "على المثال الذي كان قد رآه"، أي تحمل ظل السماويات. رأى موسى ما هو غير مصنوع بأيدٍ بشرية، وقدم ظلاً لذلك على الأرض، لكي يختبر المؤمنون ظل السماويات.

كان القديس استفانوس يحدثهم عن خيمة الاجتماع لكي يسحب قلوب الرؤساء المجتمعين إلى الفكر السماوي، أما هم فأقاموا خيمة مولوك في قلوبهم.

لا يسكن الله في مصنوعات الأيادي

"الذي وجد نعمة أمام اللَّه،

والتمس أن يجد مسكنًا لإله يعقوب". [46]

وجد داود النبي نعمة لدى الله الذي أغدق عليه بالبركات، ووهبه نصرة على الأعداء، أما رد فعل داود النبي فهو التهاب قلبه بأن يقيم هيكلاً دائمًا يُوضع فيه تابوت العهد، رمز الحضرة الإلهية (2 صم 7: 1، أي 22: 7).

"ولكن سليمان بنى له بيتًا". [47]

كان داود الملك يشتهي أن يبني لله بيتًا (2 صم 3:2-7)، وإذ وجد نعمة في عيني الله، سمح لابنه سليمان أن يبني الهيكل.

+ لقد ظنوا أن سليمان كان عظيمًا (لأنه بني الهيكل)، لكنه لم يكن أفضل من أبيه، ولا حتى على مستوى أبيه، هذا أمر واضح... فإن حتى (هذه الأبنية) لا تليق بالله، إذ هي أمور مصنوعة، متطلعًا إلى أن هذه مخلوقات هي من صنع يديه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لكن العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي،

كما يقول النبي". [48]

أزال القديس استفانوس الاتهام الموجه ضده أنه يتحدث ضد الهيكل، فقد أظهر أن هذا الهيكل كان موضوع شهوة قلب الملك البار داود، وأنه بُني بأمرٍ إلهيٍ. وفي نفس الوقت يؤكد أن الله لا يحد نفسه بهذا الهيكل المصنوع بالأيادي. إنه ليس في حاجة إليه، فعرشه هو السماء، فمع تقدير القديس استفانوس للهيكل في أورشليم، لكن ما يشغل قلب الله أن يقبل جميع الأمم الإيمان الحي، فلا يحد العبادة بمدينة أورشليم وبهيكل سليمان.

+ [بمناسبة الاحتفال بعيد لتدشين كنيسة:]

كلنا أيها الأحباء كنا هياكل للشيطان قبل العماد، وتأهلنا بعد العماد أن نصير هياكل المسيح. إن تأملنا إلى حدٍ ما بدقة في خلاص نفوسنا، ندرك أننا هيكل الله الحي. الله ليس فقط يسكن في مبانٍ مصنوعة بأيدٍ بشرية، أو منشأة من خشب وحجارة، وإنما فوق الكل يسكن في النفس التي خُلقت على صورة الله، وتشكّلت بيد الخالق نفسه. لذلك يقول الرسول الطوباوي بولس: "هيكل الله مقدس، الذي أنتم هو" (كو 3: 17).

+ هذه الهياكل مصنوعة من خشب وحجارة لكي ما تجتمع هياكل الله الحية فيه، وتصير معًا هيكل الله. المسيحي المنفرد هو هيكل الله، والمسيحيون الكثيرون هم هياكل الله.

لاحظوا أيضًا أيها الإخوة، يا لجمال الهيكل الذي تتشكل من الهياكل؛ وذلك مثل أعضاء كثيرة تكَّون جسدًا واحدًا، هكذا هياكل كثيرة تكَّون هيكلاً واحدًا.

الآن تلك الهياكل التي للمسيح، نفوس المسيحيين التقية مبعثرة في العالم، ولكن إذ يحل يوم الدينونة، يجتمعون معًا، ويكَّونون هيكلاً واحدًا في حياة أبدية...

لنفرح أننا تأهلنا أن نكون هيكل الله، لكن لنخشى لئلا نفسد هيكل الله بأعمال شريرة. لنخشى ما يقوله الرسول: "إن كان أحد يفسد هيكل الله، فسيفسده الله" (1 كو 3: 17).

الله الذي استطاع دون صعوبة أن يشَّكل السماء والأرض بقوة كلمته، رسم أن يسكن فيكم، لذا وجب أن تعملوا بطريقة بها لا تضادون مثل هذا الساكن.

ليت الله لا يجد فيكم، أي في هيكله، شيئًا دنسًا أو مظلمًا أو متشامخًا. فإن عانى هناك من مضايقة ينسحب سريعًا، وإذ يفارقه المخلص للحال يقترب الشيطان، كم تكون حالة النفس التعيسة حينما يفارقها الله ويمتلكها الشيطان؟ مثل هذه النفس تُحرم من النور، وتمتلئ ظلمة، تفقد العذوبة، وتمتلئ مرارة. إنها تحطم الحياة، وتجد الموت. إنها تنال عقوبة، وتفقد الفردوس.

الأب قيصريوس أسقف آرل

"السماء كرسي لي،

والأرض موطئ لقدمي،

أي بيت تبنون لي؟ يقول الرب،

وأي هو مكان راحتي؟" [49]

"أليست يدي صنعت هذه الأشياء كلها؟" [50]

إن كان الله في تنازله سمح بإقامة خيمة الاجتماع، ثم ببناء الهيكل، فإن راحته ليس في موضع معين، بل في حضوره وسط شعبه، الذي يحمل شعبه إلى العلى، ويرتفع بهم إلى ما فوق الحرف والمادة ليتمتعوا بالروح والسماء!

اضطهد آباؤهم الأنبياء ولم يحفظوا الناموس

"يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان،

أنتم دائمًا تقاومون الروح القدس،

كما كان آباؤكم كذلك أنتم". [51]

إن كان الهيكل كمبنى ليس موضوع سرور الله، ولا كل المتعبدين فيه هم أبرار في عيني الله، فإن القديس استفانوس من هذا المنطلق يتهم المتعبدين في الهيكل في حرفيةٍ بغير روحٍ أنهم قساة الرقاب وغير مختوني القلوب والآذان؛ إذ يقاومون الروح القدس، ويضطهدون القدوس، متشبهين بآبائهم المتمردين.

اتهموا القديس استفانوس بأنه يجدف على ناموس موسى. وقد جاءت إجابته أنه ليس هو المرتكب هذه الخطية، بل اليهود الذين لم يؤمنوا بما هيأ لهم الناموس، هؤلاء الذين منذ أيام موسى وهم يعصون كلمة الله. أُتهم بالتجديف على الله بتجاهله للهيكل، وجاءت إجابته أن تاريخ إسرائيل نفسه يؤكد أن الهيكل مؤسسة وقتية ليست جوهرية في العبادة الصادقة لله.

"يا قساة الرقاب"، اتسم هذا الشعب بهذا اللقب منذ البداية، وقد وجهه الله نفسه لهم خلال موسى النبي مرارًا وتكرارًا (خر 32: 9؛ 33: 3، 5؛ 34: 9؛ تث 9: 6، 13)، أُستخدم عن الشعب اليهودي في تمردهم على الله، وعدم رغبتهم في الالتزام بحدود الوصية الإلهية، وهو تعبير رمزي يشير إلى الثيران التي تقاوم ولا تريد الانصياع للنير الموضوع على أعناقها.

"وغير المختونين بالقلوب والآذان"، كان الختان هو العلامة التي تميز اليهودي الذي يخضع لسلطان الناموس من أجل تمتعه بالوعد الإلهي. كان إشارة إلى النقاوة الداخلية ورفض كل دنس أو رجاسة. عدم ختان القلب يشير إلى رفض الإنسان الخضوع الداخلي للناموس وعدم اكتراثه بالتمتع بالوعود الإلهية. طالبهم الرب بختان القلب والأذن (تث 10: 16؛ إر 4: 4؛ 9: 26). فأغلف القلب أو الأذنين هو ذاك الذي لا يتمتع بالعهد مع الله، فيكون كمن ينتسب للأمم، ولم يصر إسرائيليًا بالروح.

"غير المختونين بالآذان" يعني عدم رغبة الإنسان إلى الاستماع لصوت الله (لا 26: 41؛ إر 9: 26).

"وأنتم دائما تقاومون الروح القدس": يقابلون حب الله ومراحمه بالمقاومة. "في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم"، بمحبته ورأفته هو حلهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة، ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم كأنه عدو يحاربهم (إش 63: 9-10).

إنّهم كآبائهم يهتمّون بختان الجسد، ولا يهتمّون بختان القلب والأذن الروحي، لهذا تمتلئ قلوبهم كراهيّة وبغضة للروح القدس، تتحوّل إلى سلوك خطير، حيث قتل آباؤهم الأنبياء العامل فيهم الروح، وها هم يكملون مكيال آبائهم فيقاومون الروح القدس العامل في رسل المسيح وخدّامه. لا، بل ازدادوا شرًا عن آبائهم إذ خانوا البار وقتلوه! هنا يقدّم ضدّهم أخطر جريمة وأبشع ما فعله الإنسان منذ خلقته إلى انقضاء الدهر، وهي جريمة ثابتة لا يستطيعون إنكارها.

إذ لمس القديس استفانوس عدم اكتراث الرؤساء بالحقائق الكتابية، وانحصار فكرهم في أمرٍ واحدٍ، وهو الخلاص من اسم يسوع، وتبرئة أنفسهم في قرارهم بصلب يسوع، تحول من الدفاع إلى الهجوم، فكشف لهم أن السنهدرين الذي حكم على السيد المسيح بالصلب يحمل نفس روح التمرد اذي كان في الشعب منذ خروجه من مصر.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنهم كآبائهم دائمًا يقاومون الروح. فعندما كان يًطلب منهم تقديم ذبائح حيوانية لم يقدموا، وحين يريدهم ألاَّ يقدموا ذبائح دموية لأن ذبيحة المسيح قد حققت الهدف يريدون أن يقدموا ذبائح. وحينما طالبهم بعبادته في الهيكل عبدوا الأوثان مع الأمم، وحين طالبهم ألاَّ ينشغلوا بالهيكل بل أن يعبدوا بالروح والحق انشغلوا بالهيكل.

+ هكذا كانت جسارة إنسان حاملٍ للصليب في الحديث. ليتنا نحن أيضًا نتمثل به، فإنه وإن كان الوقت ليس زمن حرب (اضطهاد)، إلاَّ أنه دائمًا وقت للجسارة في الحديث (شهادة عن المسيح). يقول أحدهم: "أنطق بشهاداتك أمام الملوك ولا أخجل" (مز ١١٩: ٤٦). إن كانت لنا فرصة أن نكون بين وثنيين فلنُبكم أفواههم، لا بالسخط ولا بالعنف... فإن الجسارة هي نجاح، وأما الغضب فهو فشل. فإن كانت لنا جسارة يلزمنا أن نتطهر من الغضب. فلا ينسب أحد كلماتنا للغضب.

ليس من المهم الكلمات التي تنطقون بها عندما تغضبون، فإنكم بالغضب تحطمون كل شيء... انظروا إلى هذا الإنسان، كيف كان متحررًا من الأهواء وهو يخاطبهم. فإنه لم يتهمهم، إنما ذكَّرهم بكلمات الأنبياء.

ولكي أظهر لكم أنه لم يكن في غضبٍ في اللحظات التي فيها قاسى شرورًا على أيديهم، صلى لأجلهم: "لا تقم لهم هذه الخطية" [٦٠]. كان أبعد من أن ينطق هذه الكلمات بغضبٍ، لا بل كان يتكلم في حزنٍ وأسى عليهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لقد أظهر (بولس) أن اليهود أيضًا مذنبون. بينما يظهرون أنّهم يعيشون تحت ناموس اللَّه، ويدافعون عن امتيازهم الذي باستحقاق أسلافهم، بالحقيقة أساءوا سمعة نعمة اللَّه إذ استخفّوا بالوعد الذي قُدّم لأسلافهم.

أمبروسياستر

+ إن كنّا جميعًا نخلص بالنعمة، قد يحتجّ البعض: لماذا لا يخلص كل أحدٍ؟ لأنّهم لا يريدون أن يتجاوبوا. فإن النعمة، مع أنّها نعمة لكنّها تخلّص الذين يريدونها وليس الذين يرفضونها ويهربون منها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ تُعطى النعمة ليس لأنّنا نصنع أمورًا صالحة، وإنّما لكي ننال قوّة لصنعها، وليس لأنّنا نتمّم الناموس، وإنّما لكي تكون لنا القدرة على تحقيقه.

القديس أغسطينوس

"أيّ الأنبياء لم يضطهده آباؤكم؟

وقد قتلوا الذين سبقوا فأنبأوا بمجيء البار،

الذي أنتم الآن صرتم مسلِّميه وقاتليه؟" [52]

جاء التعبير حازمًا وقاطعًا، أنه لم يوجد نبي واحد لم يضطهده اليهود، وكأن اضطهاد الأنبياء قد صار في طبيعة الشعب عبر الأجيال، يسري في دمهم.

لقد قتل آباؤهم الأنبياء الذين كانت رسالتهم الرئيسية هي الإعلان عن مجيء المسيا مخلص العالم. لقد تفاقمت معاصيهم للغاية، إذ قتلوا رسل الله الذين تنبأوا عن أعظم البركات التي تتمتع بها الأمة، بل وتعم على العالم.

إن كان هذا ما فعله آباؤهم، فإن أبناءهم تعدوا جرائم آبائهم، إذ قتلوا المسيا نفسه.

تكلم هنا معهم بكلمات جريئة وصريحة، إذ يتهمهم بأنهم أبناء قتلة الأنبياء الذين سبقوا فتنبأوا عن يسوع البار، وها هم قد شاركوا آباءهم في سفك دم الأنبياء، بل وأكملوا الكيل، إذ سلموا ذاك الذي هو موضوع شهوة الأنبياء. لقد وجه إليهم ذات الاتهام الذي وجهه إليهم السيد المسيح نفسه (مت 23: 29-34).

لم يخشاهم القديس استفانوس، إذ حسب ذلك تكريمًا له أن يفعلوا به ما فعله آباؤهم بالأنبياء، وأن يشارك السيد المسيح البار آلامه.

+ قتلوا الأنبياء القدّيسين، وهم مذنبون بدم كثير من الأبرار، لذلك قيل لهم بوضوح: "أي الأنبياء لم يقتله آباؤكم؟!" وأيضًا: "يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرّة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا، هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا" (لو 13: 34-35). لكن أعمالهم الشرّيرة لم تمتد فقط إلى الأنبياء القدّيسين، بل تصاعدت حتى إلى ذاك الذي هو رب الأنبياء، أي المسيح. وإذ هم متغطرسون، كما لو كانوا يتشامخون برقابهم المتعجرفة، لم يعطوا أي اهتمام للالتزام بالإيمان به، بل قاوموا تعليمه الجهاري بخبثٍ، ووبّخوا الذين أرادوا أن يكونوا معه على الدوام، الذين تعطّشوا لتعليمه....

+ لم تمتد أعمالهم الشرّيرة فقط إلى الأنبياء القدّيسين، بل تصاعدت حتى إلى ذاك الذي هو رب الأنبياء، أي المسيح... لذلك لم يُعطَ لهم أن يعرفوا أسرار ملكوت السموات، بل بالأحرى أُعطي لنا نحن الذين أكثر استعدادًا لقبول الإيمان.

القديس كيرلس الكبير

"الذين أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه". [53]

تُستخدم كلمة diatages "ترتيب" في التنظيم العسكري في الجيش، يعرف كل شخصٍ رتبته بما لها من سلطة ومدى حدودها. وكأن الملائكة، كل في رتبته، وقفوا في دهشة أمام حب الله للإنسان وهو يسلمهم الشريعة التي هي كلمته الحية. إنهم شهود لهذا العمل الإلهي الممتع. يرى البعض أن الملائكة في خدمتهم لله محب البشر تسلموا الشريعة، وقدموها للإنسان ليشاركهم تسابيحهم، ويشاركونه عبادته الروحية.

ولما كانت كلمة "ملائكة" معناها "رسل"، لهذا يرى البعض أنه يعنى هنا الذين أرسلهم الله وعهد إليهم كلمته ليعلونها لشعبه عبر الأجيال. ويرى آخرون أن استلام الشريعة صاحبه بروق ورعود ودخان وزلازل... هذه كلها أرسلها الله لكي يتلامس الشعب مع مهابة الوصية. هذه تسمى ملائكة أو رسل لله.

أخيرًا إذ يملأون مكيال آبائهم بسفك الدماء البريئة، يكسرون الناموس الذي تسلموه بترتيب ملائكة. ولعل تسليم الناموس بترتيب ملائكة هو تقليد يهودي يعتمد على ما ورد في تث 33: 1-4 (الترجمة السبعينية). وقد أخذ القديس بولس بهذا التقليد (غل 3: 19؛ عب 2:2).

+ أعطي كل تدبير العهد القديم خلال ملائكة... يعملون أحيانًا شخصيًا، وأحيانًا بشخص اللَّه.

القديس أغسطينوس

+ يقصد بالملائكة رسل اللَّه، أي موسى، وابن نون، وغيرهما من الأنبياء حتى يوحنا المعمدان. خلال هؤلاء أُقيم ورُتّب الناموس والأنبياء بواسطة اللَّه بيد المخلّص أي بقوّته. فإنّه هو الوسيط، ومصالح اللَّه مع البشريَّة، لكي يخلّص من يريد من الذين تسلّموا الناموس من الملائكة.

أمبروسياستر

+ في كل موضع يقول إن كلمة الله أعطيت بواسطة ملائكة (عب 2: 2؛ غل 3: 19؛ أع 7: 53). حقًا يقول البعض أنه يعني هنا بهم موسى، لكن دون سبب مقبول. فإنه يذكر الملائكة بصيغة الجمع، والملائكة الذين يتحدث عنهم هنا هم الذين في السماء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

السماء المفتوحة

"فلما سمعوا هذا حنقوا بقلوبهم،

وصروا بأسنانهم عليه". [54]

إذ أتهمهم القديس استفانوس بالتجديف لم يستطيعوا أن يجيبوه، لأن حديثه كله كتابي. لم يستطيعوا أن يضبطوا حقدهم وثورتهم، فأصروا بأسنانهم عليه، حملوا له كل مرارة.

جاءت الكلمة اليونانيّة المترجمة "حنقوا" deprionto هي بعينها المترجمة نشروا في عب11: 37. فإن الشرّ الذي فيهم ليس فقط بعث روح العداوة وألهب فيهم الغضب، إنّما مزّق قلوبهم وقتلها كما بمنشار. فعدم الإيمان مع الحسد يهلك القلب، بينما الإيمان العامل بالمحبّة يشفي القلب ويهبه سلامًا في الرب.

"وصرّوا بأسنانهم عليه" علامة عجزهم تمامًا عن الاستماع إليه. صاروا يصرّون بأسنانهم كوحوش مفترسة تود أن تفتك بمن هم أمامها، متعطّشة لسفك الدم.

لم يشغلهم وجهه المشرق كوجه ملاكٍ، لكنهم حسبوا خطابه هجومًا على الديانة اليهودية منذ بدء نشأتها، إذ حسب آباءهم قتلة الأنبياء، وتحدث عن الهيكل أن الله لا يسكن في بيت مصنوع بأيدٍ بشريةٍ، حسبوا هذا أقسى أنواع الإهانات، إذ يسيء إلى الهيكل أعظم فخر للأمة كلها، لذا سدوا آذانهم، وحنقوا بقلوبهم، وصروا بأسنانهم، حيث وجب رجمه قبل أن تصدر المحكمة بالحكم. فقد اندفع الكل في غيرة بشرية للتنفيذ، وانقضوا عليه، حاسبين أنه لا يوجد وقت لإصدار الحكم عليه.

"وأمّا هو فشخص إلى السماء،

وهو ممتلئ من الروح القدس،

فرأى مجد اللَّه،

ويسوع قائمًا عن يمين اللَّه". [55]

بينما كانت قلوبهم قد امتلأت بالبغضة ارتفع قلبه بالحب للناس وللبشرية حتى لمضطهديه. تطلع أيضًا بعينيه نحو السماء ليرى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين العظمة.

لماذا رفع عينيه نحو السماء؟ حتمًا إذ أصروا بأسنانهم، وظهرت عليهم نية القتل، سحب الرب قلبه كما نظره نحو المجد السماوي. الضيق هو المجال الخصب الذي فيه يطمئن الله على المؤمن ليعاين رؤى وأمجاد سماوية دون أن يسقط في كبرياء أو اعتداد بالذات.

"يمين الآب": لا يعنى أن للآب يمين أو يسار، إنما يشير تعبير "اليمين" إلى القوة والمجد، لهذا يُصور السيد المسيح أنه عن يمين الآب (مز110: 1؛ عب1: 13).

إذ كان القديس استفانوس ممتلئًا من الروح القدس تركزت أنظاره لا على مقاومة الرؤساء له، ولا على ملامحهم المملوءة شراسة، ولا على الحجارة التي حملوها ليرجموه بها، وإنما على السماء المفتوحة، ليرى مجد الله وقد أشرق عليه، ويسوع قائمًا عن يمين الله، كمن يقدم قوته الإلهية للشهيد حتى يعبر به إلى الفردوس.

في دراستنا لسير الشهداء ندرك حقيقة هامة وهي أنه في عصور الاستشهاد، خاصة في الليالي السابقة لتنفيذ الأحكام كثيرًا ما يشرق نور الله علانية في السجون، ويتمتع المُقدمون للاستشهاد برؤى وأحلام إلهية، ويظهر أحيانًا السيد المسيح نفسه لهم. لهذا يقال إنه يُوهب للشهيد أن يرى السيد المسيح قادمًا إليه عند انتقاله، ولهذا يُدعى شهيدًا، فهو يشهد للحق، ويشاهد المسيح الحق، كما يشهد له المسيح أمام الآب، وأمام كل السمائيين.

+ باقتفاء الشهيد استفانوس أثر معلمه في أفعاله وأقواله لم ينقصه شيء، فقد أبان تسليم أمره لله ونضوج صبره أهّله للمعاينة الإلهية. لقد كتب: "شخص إلى السماء، فرأى مجد الله، ويسوع قائمًا عن يمين الله" (أع 7 :55).

هذا هو المجد الذي قدمه المخلص للشهيد: أنه يُكرم فوق الملائكة أنفسهم... فإنه رأى "موضوع" حبه عينه، حيث تخشى الملائكة أن تطلع عليه (1 بط 1: 12). فقد شخص الشهيد إلى حيث "يستر الشاروبيم وجوههم" (إش 6 :2). إنه يعاين ما لا يجسر السيرافيم على التطلع إليه. لقد ارتقى بعينيه إلى علو لا حد له. وبدا هكذا أعلى من الملائكة، وأسمى من الرئاسات، متخطيًا العروش. لأن صوت المعلم هو الذي استماله، بوعده إياه: "حيث أكون، هناك أيضًا يكون خادمي" (يو 12 : 26 ).

لقد كان أول خادم... لذا هتف قبل بولس: "كونوا متمثلين بي، كما أنا أيضًا بالمسيح" (1 كو 11 : 1 )... أنا أول من جاهد مع المعلم، وأول من رأى الخفيات في السماء. لأني رأيت، نعم رأيت الابن قائمًا عن يمين الآب. عاينت حقيقة ما قيل: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني، حتى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك" (مز 109 : ؛ مت 22 : 44، مر 12 : 36؛ لو 20 : 42-44؛ أع 2 : 34 - 35؛عب 1 : 13).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ على ما أظن أن القيام والجلوس يدلان على الثبات في الطبيعة والاستمرار المطلق كما قال باروخ، دالاً على عدم الحركة (التغيير) والتنقل في تصرف الله: "إنك أنت تجلس إلى الأبد، أما نحن فنهلك إلى الأبد" (باروخ 3: 3). فمن الواضح إذن أن الجهة "اليمنى" تعني أن الرتبة متساوية في الكرامة.

القديس باسيليوس الكبير

عادة كان الأنبياء متى رأوا مجد الرب ارتبط المنظر برؤية ملائكة أو إحدى الطغمات السماويّة مثل الشاروبيم أو السيرافيم، أمّا هنا فلم يرَ القدّيس استفانوس الملائكة ولا أيّة طغمة سماويّة، ربّما لأن تطلّعه إلى بهاء السيّد المسيح ونوره الفائق جعل كل كيانه منشغلاً به دون المحيطين به. أو لأن ربّنا يسوع المسيح أراد أن يؤكّد لاستفانوس أن لحظات رجمه هي لحظات مجدٍ عظيمٍ، شغلت السيّد المسيح الذي قام لمساندته والترحيب به دون أن ينشغل بخدّامه السمائيّين.

"فقال: ها أنا انظر السماوات مفتوحة،

وابن الإنسان قائمًا عن يمين اللَّه". [56]

رفع استفانوس عينيه إلى السماء لينظر السموات مفتوحة، وابن الإنسان قائمًًا عن يمين الله. فمن يفتح قلبه بالحب العملي الباذل من أجل إيمانه بمسيحه المحبوب، يجد أبواب السماء مفتوحة له، وابن الإنسان مشغولاً به.

من أخبر الإنجيلي لوقا بما رآه الشهيد استفانوس في لحظاته الأخيرة؟ بلاشك أن صوته الهادئ الوديع اخترق قلوب كثير من الواقفين، خاصة شاول الطرسوسي الذي كان راضيًا بقتله. ولعل بعض الحاضرين الأتقياء قد هالهم منظر وجه استفانوس الملائكي، واشتركوا معه في الرؤيا، فشاهدوا ما شاهده. وكأن القديس استفانوس شهد لقيامة السيد المسيح حتى اللحظات الأخيرة من عبوره من العالم إلى الفردوس.

ما رآه دانيال النبي في القرن السادس ق.م (دا 7: 13-14) شاهده استفانوس في النصف الأول من القرن الأول الميلادي. فالقرون الطويلة لن تفصل قديسي الله، ولا تغير الحق الإلهي العجيب.

كما وهب الروح القدس القديس استفانوس قوة للشهادة بالكلمة، واستنارة للحديث عما تنبأ به الأنبياء، قدم له البصيرة المفتوحة ليرى الحق السماوي بعينيه، ليشهد أمام راجميه أن المسيح المرفوض هو قائم في السماء، موضوع تهليل الأنبياء والسمائيين!

اتهمه الرؤساء بأنه مستحق للرجم، لأنه أهان الهيكل، وإذا بهم يسمعونوه أنه يرى الله إله آبائهم قد فتح له هيكل السماء ليرى المسيا واقفًا عن يمين العظمة، ينتظر اللقاء معه وجهًا لوجه. إنها شهادة سماوية حية وجرئية بأن مجد الله قد فارق الهيكل، وها هو يملأ نفوس المؤمنين ببهائه، ويقيم بروحه القدوس هيكله داخلهم.

+ يجلس (السيد المسيح) كديان للأحياء والأموات، ويقوم كمحامٍ عن شعبه. لقد وقف إذن ككاهن بينما كان يقدم لأبيه ذبيحة شماس صالح. لقد وقف كمن يفصل في الأمر لكي يهب جائزة. كما لو كان للمصارع الصالح جائزة على صراعه القدير.

+ ليته يقوم في وسطكم لكي ما تعلن السماوات مجد الله (مز 19: 1)، تُفتح لكم فتتممون إرادته، وتمارسون عمله.

+ كان يسوع قائمًا كمدافعٍ عنه. كان وافقًا كمن هو متحفز، لكي يعين مصارعه استفانوس في جهاده. كان قائمًا كمن يستعد ليكلل شهيده.

+ ليكن قائمًا من أجلكم، كي لا تخافوا من جلوسه، إذ يجلس لكي يدين كقول دانيال (دا 7: 9-11).

القديس أمبروسيوس

+ [في تعزية أوستوخيوم لنياحة والدتها]

إذ صوب الألم سهمه إليها فاحتملته بصبرٍ عجيبٍ، هكذا كمن قد رأت السماوات مفتوحة وهى تقول: "آه يا ليت لي جناحين كحمامة فأطير، وأصير في راحة" (مز 55: 6).

القديس جيروم

استشهاد استفانوس

"فصاحوا بصوت عظيم،

وسدوا آذانهم،

وهجموا عليه بنفسٍ واحدةٍ". [57]

صاحوا بصوتٍ عظيم لكي يطغوا على صوته، وسدّوا آذانهم لئلاّ تتنجّس بتجاديفه.

ظهرت علامات الغضب على أعضاء المجمع، فأثاروا الشعب ليصرخوا ويتحركوا للقتل دون إصدار قرار من مجمع السنهدرين، فقد أخذ الشعب النور الأخضر للتحرك. فما فعله الشعب، إنما هو تحقيق لما في قلوب أعضاء المجمع.

لقد اتهمه المجمع بالتجديف، وأشاروا بطريق أو آخر أن ما ينطق به استفانوس هو تأكيد وشهادة حية لصدق الاتهام.

"سدوا آذانهم": كمن لا يريدون أن يسمعوا تجديفًا أكثر حتى لا تتدنس آذانهم.

"وأخرجوه خارج المدينة ورجموه،

والشهود خلعوا ثيابهم عند رجليّ شاب يقال له شاول". [58]

تحول المجمع إلى حالة هياجٍ شديدٍ وصياحٍ، وحسبوا ما نطق به القديس استفانوس تجديفًا لن يسمحوا له بالدخول إلى آذانهم لئلا تتنجس. تحوّل المجمع من محكمة عليا للعدالة تصدر الحكم بعد المداولة إلى هيئة تنفيذية للرجم دون صدور حكم رسمي به.

كان الرجم هو عقوبة التجديف (لا 24: 16). بحسب الشريعة يقوم الشهود بالبدء في الرجم. أما سحْبِه خارج المدينة فهو أمر طبيعي، إذ جاء في لاويين 24: 14، أن يسحب من كان تحت اللعنة خارج المحلة.

كان شاول يتطلع إلى رجم استفانوس بكونه حلم حياته، فهو يود الخلاص من ذاك الذى كان يجادله ويفحمه، حاسبًا في هذا العمل خدمة لله، وتطهيرًا للشعب من روح التجديف على الله وعلى الشريعة وموسى والهيكل!

لكن كيف رجموه دون الالتجاء إلى الحاكم الروماني، إذ قالوا لبيلاطس أثناء محاكمة يسوع المسيح: "لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا" (يو 8: 31)؟ قيل أن رجم استفانوس تم في غيبة بيلاطس عن البلاد.

خلع الشهود ثيابهم، ووضعوها عند رجلي شاول الطرسوسى لكي يلقوا بأول حجرٍ على الشخص إثباتا أنهم مسئولون عن صدق شهادتهم. وقد تم ذلك عند رجلي شاول الذي دخل في حوار مع القديس استفانوس مرات ومرات بكونه أحد أعضاء مجمع الكيليكيين (أع 6: 9).

ولعله كانت شهوة قلب شاول أن يختفي استفانوس عن الوجود، لأنه أفحم الكثيرين في المجامع. ويرى البعض أن قرار شاول كان له اليد الأولى لرجم استفانوس، لهذا سمع الصوت الإلهي: " لماذا تضطهدني؟" (أع 9: 6) وقد بقيت صورة وجه استفانوس الملائكي لا تفارق عيني شاول الطرسوسى أو بولس الرسول، وصارت أحاديثه منهجًا لاهوتيًا له. إنه يعترف "وحين سُفك دم استفانوس شهيدك كنت أنا واقفًا وراضيًا بقتله، وحافظًا ثياب الذين قتلوه" (أع 22: 20)، أي كان مشتركًا في الحكم عليه ومسرورًا بقتله.

"فكانوا يرجمون إستفانوس وهو يدعو ويقول:

أيها الرب يسوع اقبل روحي". [59]

القديس استفانوس الممتلئ بالروح القدس حياته صلاة دائمة، فإنه وإن كان لم يخدم لسنوات، وإنما لأشهر قليلة أو أسابيع معدودة، لكنه عاش رجل صلاة حتى في لحظات رجمه، فجاء ثمر الروح فيه متكاثرا، ويكفي انه باستشهاده سحب قلب شاول الطرسوسى للبحث عن الحق.

+ لقد سمعتم كيف كان استفانوس قاسيًا [51-52]، الآن اسمعوا كيف قد أحب! لقد قاوم الذين كان ينتهرهم ورُجم بواسطتهم... كان آخر صلاته هي من أجل أعدائه. علّموا هنا أن يكون لكم ثوب العرس (الحب حتى للأعداء).

القديس أغسطينوس

+ يا لسعادة ذاك الذي يواجه عنف الشيطان بالاجتهاد بكل أنواع أطايب الاحتمال!

العلامة ترتليان

"ثم جثا على ركبتيه،

وصرخ بصوت عظيم:

يا رب لا تُقم لهم هذه الخطية.

وإذ قال هذا رقد". [60]

ختم القديس استفانوس حياته بصلاة وداعية فائقة، إذ قدم شفاعة لدي الله من أجل مضطهديه.

إذ واجه القديس استفانوس الموت شهد للسيد المسيح أنه واحد مع الآب في يديه، يستودعه روحه. لقد تشَّبه بسيده في لحظات صلبه. "ونادي يسوع بصوتٍ عظيمٍ وقال: يا أبتاه في يديك استودع روحي" (لو 23: 46). لقد سبق فصرخ المرتل: "أخرجني من الشبكة التي خبأوها لي، لأنك أنت حصني، في يدك استودع روحي" (مز 31: 5)

تحت قيادة الروح القدس جثا بركبتيه لكي يستشهد وهو في حالة صلاة. وقد وهبه الروح قوة ليصرخ بصوت عظيم، بينما كان الجسد ضعيفًا للغاية تحت ضربات الحجارة القاسية. كما كشف الروح عن قلبه المتسع بالحب، فتشَّبه بسيده على الصليب: "لا تقم لهم هذه الخطية".

أخيرًا: "لما قال هذا رقد"، إنه لم يمت، لكنه رقد في ليل هذا العالم ليستيقظ على نور نهار الله الذي يمسح كل دمعةٍ، ويدخل به إلى فرح سيده ويشارك السمائيين تهليلهم وبهجتهم!

+ إذ قال هذا رقد في موته. يا له من نومٍ طوباوي، وراحة حقيقية! انظروا ماذا يعني أنه يستريح سعيدًا: أن يصلي من أجل أعدائه.

+ بحبك لإنسان هو عدوك تصير صديقًا لله؛ في الحقيقة ليس صديقه فقط بل وابنه، كما يقول الرب نفسه: "أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، هذا يبرهن أنكم أبناء أبيكم السماوي" (راجع مت 5: 44-45) .

+ لنجاهد أن نعمل كأطباء نحو كل الأشرار. لنكره أعمالهم الشريرة، لا الناس أنفسهم. لنصلي من أجل كل الصالحين لكي ما يرتفعون دومًا إلى حياة أفضل، ومن أجل الأشرار لكي ما يتمتعون سريعًا بحياة صالحة خلال أدوية التوبة. عندما نصلي من أجل هذا، فإنه يهبنا نحن ذلك.

+ حزن (استفانوس) بالأكثر على خطاياهم أكثر من حزنه على جراحاته. حزن على شرورهم أكثر من حزنه على موته. تصرف بحقٍ؛ بالتأكيد يوجد في تصرفهم الشرير ما يلزم النوح عليه، بينما لم يوجد شيء في موته ليحزن عليه. الموت الأبدي تبع شرهم بينما الحياة التي بلا نهاية تبعت موته... ليتنا نحب اخوتنا في الكنيسة بذات الروح التي بها أحب استفانوس أعداءه.

+ إن كان القديس استفانوس قد سيم شماسًا بواسطة الرسل، فقد سبق الرسل أنفسهم بموته المنتصر المبارك. الذي كان أقل في الرتبة صار الأول في الألم؛ والذي كان تلميذًا صار معلمًا باستشهاده متممًا ما قاله النبي الطوباوي في المزمور: "ماذا أرد للرب من أجل كل إحساناته عليَّ؟" (مز 116: 2) .

الأب قيصريوس أسقف آرل

+ كان سلوك المسيح نفسه فوق كل الآخرين، وذلك كمثالٍ لنا. لأنّه بينما كان لايزال معلّقًا على الصليب الثمين، وجموع اليهود يهزأون به، قدّم للَّه الآب صلوات لحسابهم، قائلاً: "اغفر لهم، لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو23: 34). وأيضًا الطوباوي استفانوس بينما كان يُرجم بالحجارة، جثا على ركبتيه، قائلاً: "يا رب لا تقم لهم هذه الخطية". وبولس الطوباوي أيضًا يقول: "نُشتم فنبارك، يُفترى علينا فنعظ" (1 كو 4: 12).

القديس كيرلس الكبير

+ إن كان ربّكم مثالاً عاليًا جدًا عليكم أن تحوّلوا أفكاركم نحو زميلكم الخادم. فقد كان القّديس استفانوس يُرجم، وإذ كانوا يرجمونه كان يصلّي بركبٍ منحنية لأجل أعدائه، قائلاً: "يا رب لا تقم لهم هذه الخطية" [60]. لقد كانوا يقذفونه بالحجارة ولم يكونوا طالبين العفو، ومع ذلك صلّى لأجلهم. أريد أن تكونوا مثله. فلتتقدّموا إلى الأمام بالنسبة لأعدائكم. إن لم تستطيعوا أن تحبّونهم أثناء قسوتهم، فلتحبّونهم على الأقل عندما يسألونكم العفو.

القديس أغسطينوس

+ أنه لم يقف عند عدم قذف جالديه باللعنات، بل وصلى من أجلهم، وأنتم لا تكتفون بعدم الصلاة من أجل أعدائكم، بل تلعنوهم. بقدر ما كان استفانوس جديرًا بالإعجاب، بنفس القدر أنت بائس... أية عقوبة نحن لا نستحقها؟ قد تظنون أنكم تجرحون عدوكم، في الحقيقة أنتم تصوبون السلاح ضد أنفسكم. إذ لا تعطون فرصة للديان أن يكون رحيمًا من جهة خطاياكم، وذلك بإثارته ضد خطايا الغير. "لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يًكال لكم" (مت 7: 2). لنكن رحماء، فننال الرحمة من قبل الرب.

+ لن يسكن الروح القدس حيث يوجد الغضب، بل ملعونون هم الغضبى. لا يمكن أن يحل الأمان قط حيث يوجد الغضب. إنما كعاصفة في البحر، اضطراب عظيم، صخب شديد، لا مجال قط لتعلم دروس الحكمة، هكذا عندما يوجد السخط.

+ عندما صمت صوت استفانوس، صار صوت بولس المبوًق يدوي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ هكذا كان سلوك المسيح نفسه فوق كل الآخرين، وذلك كمثالٍ لنا، لأنه بينما كان لايزال معلقًا على الصليب الثمين، وبينما كان الشعب اليهودي يهزأون به، قدّم للَّه الآب صلوات من أجلهم، قائلاً: "اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34).

وأيضًا استفانوس الطوباوي بينما كان يُرجم بالحجارة، جثا على ركبتيه، قائلاً: "يا رب الذي تُقم لهم هذه الخطية" (أع 7: 60).

وبولس الطوباوي أيضًا يقول: "نُشتم فنبارِك، يُفترى علينا فنعظ" (1 كو 4: 12)...

لكن ربّما تعترضون قائلين في داخلكم: المسيح هو اللََّه، أمّا أنا فإنسان ضعيف، وليس لي إلا عقل ضعيف عاجز عن أن يُقاوم هجمات الشهوة والألم. إنك تتكلّم بالصواب، لأن عقل الإنسان ينزلق بسهولة إلى الخطأ، ومع ذلك أقول أن الرب لم يتركك محرومًا من رحمته، فأنت مقتنيه في داخلك بواسطة الروح القدس، لأننا نحن مسكنه، وهو يسكن في نفوس الذين يحبّونه. إنه يعطيك قوّة لكي تحتمل بنبلٍ كل ما يحلّ بك، وأن تقاوم برجولة هجمات التجارب. لذلك "لا يغلبنّك الشر، بل اغلب الشرّ بالخير" (رو 12: 21).

القديس كيرلس الكبير

+ إذ تمثل التلاميذ أيضًا بالسيد المسيح، عندما كانوا يسقطون تحت الآلام بنفس الطريقة، صلوا من أجل قاتليهم.

+ يليق بشهيد المسيح الأول أن يكون هكذا، هذا الذي هو سابق للشهداء يتبع المسيح في موته المجيد، لا يكرز فقط بآلام المسيح، بل ويقتدي أيضًا بصبره الفائق المملوء لطفًا.

الشهيد كبريانوس

+ تفوق شريعة الرب ناموس الطبيعة والناموس الذي أعلنه موسى. لأن غير المستطاع عند البشر مُستطاع عند اللَّه (لو18: 27). لكن المسيح لم يشترع المستحيلات، فإن استفانوس أظهر ذلك في وقت آلامه، عندما أحنى ركبتيه وصلّى من أجل الذين كانوا يرجمونه. بنفس الطريقة، فإن بولس الذي عانى الكثير من أيدي اليهود صلّى أيضًا لأجلهم. فإن ندرة حدوث هذه الأمور لا يُظهر أنّها مستحيلة. لأن أغلب الشعب يظنّون أنّها أمور يصعب تنفيذها، وذلك بسبب عدم الرغبة في الصراع للبلوغ إلى قمّة الفضيلة.

ثيؤدور أسقف هيراقليا

اختار القديس استفانوس حتى في لحظات رجمه أن يركع ليصلي. لذا جثا على ركبتيه غير متطلع إلى الحجارة التي تنهال عليه بل إلى خلاص مضطهديه.

رقد القديس استفانوس بقلبٍ مملوءٍ حبًا ونفسٍ مملوءةٍ سلامًا فائقًا. لم يشغله خروج نفسه من جسده، ولم يفكر فيما يعانيه جسده من الآم أثناء الرجم، لكن وقد اختبر الحياة السماوية، لم يكن ممكنًا للموت ولا لقوةٍ ما، أن تفقده سلامه حتى تسليم النفس الأخير.

شتان ما بين موت الأشرار ورقاد القديسين! فالأشرار يرتعبون في لحظات الموت لدخولهم إلى ما هو مجهول، أما القديسون فيتهللون عند رقادهم لأنهم طالما اشتاقت نفوسهم إلى تلك اللحظات السعيدة!

من وحي أعمال الرسل ٧

أينما حللت أراك في داخلي،

تسكب بهاءك عليَّ!

+ لقبك مفرح يا إله المجد.

أعلنت مجدك لأبي إبراهيم،

لا ليمجدك، بل لكي يتمتع ببهاء مجدك!

لم يرك في أورشليم، ولا في الهيكل،

لكنه تمتع بك في كور الكلدانيين الوثنيين!

+ وعدته بأرض الموعد، لكنك لم تعطه وطأة قدم فيها.

لكي يطلب الأرض الجديدة والسماء الجديدة!

وعدته أن ينعم نسله بأرض الموعد،

لكنه لن يدخلها ما لم يُستعبد أبعمائة عام.

هل لي أن أحتمل كل ألم وتجربة،

فأدخل لا أرض الموعد، بل كنعان السماوية؟

+ هب لي مع يوسف البار القلب المتسع لمبغضيَّ.

مؤمنًا أنهم وإن باعوني عبدًا،

فذلك لمجدي ولخلاصهم!

ليغلقوا أبواب قلوبهم،

أما قلبي فدومًا متسع لهم.

ليدبروا الشر،

فأنت تقيم من شرهم خيرًا لي ولهم.

لترسلني إلى مصر عبدًا،

هناك أراك يا خالق الكل، قد صرت عبدًا لأجلي!

+ ما كان لوالديّ موسى أن يحتفظا به سوى ثلاثة شهور.

عجزت أياديهما البشرية، فامتدت يدك لخلاصه.

كنت ترعاه في قصر فرعون،

ولم تفارقه قوتك!

قدمت له لبن كنيستك المقدسة غير الغاش،

إذ رعته أمه وسط الجو الوثني.

تدرب على حكمة العالم وفلسفته،

لكنه استهان بكل مجدٍ وعلمٍ ملوكي،

من أجل عار صليبك.

+ رفضه شعبه، فهرب إلى البرية،

هناك نسي العالم ومباهجه وحكمته،

هناك اختلى بك يا أيها القدوس،

هناك رعى حواسه ومشاعره وكل طاقاته كقطيعك المقدس.

في سكون برية نفسه،

رآك في العليقة الملتهبة نارًا.

ما لم يره نبي أو رئيس كهنة في الهيكل،

رآه نبيك في سكون البرية.

خلع حذائه لأنه صار واقفًا فيما هو أعظم من قدس الأقداس!

هب لي بروحك القدوس أن أخلع كل ما هو ميت فيّ،

فيؤهلني للتمتع بنور أسرارك.

+ قاومه الشعب وحاولوا قتله،

حتى في لحظات إحساناته عليهم كقائدٍ يعمل بقوتك!

بقي قلبه مفتوحًا لمقاوميه حتى آخر نسمة في حياته!

أقام لك سليمان هيكلاً،

مع كل المجد الذي ناله، هل صار في مرتبة داود أبيه؟

بنى لك هيكلاً، أما قلب داود فكان على مثال قلبك!

+ هب لي أن أراك في داخلي،

تسكب بهاء حبك ومجدك في أعماقي!

أتمتع بالأرض الجديدة مع أبي إبراهيم،

والقلب المتسع مع يوسف البار،

وإدراك أسرارك مع موسى النبي،

ونقاوة القلب مع داود الملك!

+           +              +

إنجيل القداس ... لوقا 11 : 53 – 12 : 12

53 و فيما هو يكلمهم بهذا ابتدا الكتبة و الفريسيون يحنقون جدا و يصادرونه على امور كثيرة
54 و هم يراقبونه طالبين ان يصطادوا شيئا من فمه لكي يشتكوا عليه

 

لوقا 12 : 1 – 12

1 و في اثناء ذلك اذ اجتمع ربوات الشعب حتى كان بعضهم يدوس بعضا ابتدا يقول لتلاميذه اولا تحرزوا لانفسكم من خمير الفريسيين الذي هو الرياء
2 فليس مكتوم لن يستعلن و لا خفي لن يعرف
3 لذلك كل ما قلتموه في الظلمة يسمع في النور و ما كلمتم به الاذن في المخادع ينادى به على السطوح
4 و لكن اقول لكم يا احبائي لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد و بعد ذلك ليس لهم ما يفعلون اكثر
5 بل اريكم ممن تخافون خافوا من الذي بعدما يقتل له سلطان ان يلقي في جهنم نعم اقول لكم من هذا خافوا
6 اليست خمسة عصافير تباع بفلسين و واحد منها ليس منسيا امام الله
7 بل شعور رؤوسكم ايضا جميعها محصاة فلا تخافوا انتم افضل من عصافير كثيرة
8 و اقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله
9 و من انكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله
10 و كل من قال كلمة على ابن الانسان يغفر له و اما من جدف على الروح القدس فلا يغفر له
11 و متى قدموكم الى المجامع و الرؤساء و السلاطين فلا تهتموا كيف او بما تحتجون او بما تقولون
12 لان الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب ان تقولوه

 

 

الصديق السماوي والقطيع الصغير

في الأصحاح السابق كشف الرب ضعفات بعض القيادات الدينيَّة لما حملته من شكليَّات في العبادة بلا أعماق، وحرفيَّة في فهم الناموس والوصيَّة بلا روح، مع ارتباط مرّ بمحبَّة العالم والكرامات الزمنيَّة> والآن إذ جاء هذا الصديق ليقيم لنفسه قطيعًا جديدًا ليكون جسده الواحد، أبرز سمات هذا القطيع الجديد الصغير ليكون منسجمًا ومتناغمًا مع راعيه السماوي الذي هو عريسه ومخلِّصه ورأسه العامل في الجسد.

القطيع الصغير وخمير الفرِّيسيِّين

إذ أراد صديقنا السماوي أن يقيم مؤمنيه قطيعًا جديدًا يحمل سماته السماويَّة، أول وصيَّة قدَّمها لكنيسته خلال تلاميذه هي عزل "الخميرة القديمة"، خميرة الفرِّيسيِّين، أي الرياء، حتى لا تقوم الكنيسة على أساس خاطئ. لقد أراد تحطيم الخميرة القديمة الفاسدة لكي تُقدَّم كفطير الفصح الجديد، وكما يقول الرسول بولس: "ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمِّر العجين كله؟ إذا نقُوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير، لأن فصحنا أيضًا قد ذُبح لأجلنا، إذًا لنعيِّد ليس بخميرة الشرّ والخبث، بل فطير الإخلاص والحق" (1 كو 5: 6-8).

"وفي أثناء ذلك إذ اجتمع ربوات الشعب

حتى كان بعضهم يدوس بعضًا

ابتدأ يقول لتلاميذه:

أولاً تحرَّزوا لأنفسكم من خمير الفرِّيسيِّين الذي هو الرياء." [1].

بالرياء أراد الفرِّسيُّون أن يصطادوا السيِّد المسيح بكلمة من فيه لكي يحجبوا الناس عنه، فلا تنهار شعبيَّتهم، ولا يفقدون كرامتهم وسلطانهم، لكن تصرُفهم جاء بنتيجة عكسيَّة، فقد جاء عشرات الألوف يزحمون السيِّد مشتاقين إلى الالتقاء معه. وهكذا قبل أن يحذِّر السيِّد المسيح قطيعه من الرياء الذي للفرِّيسيِّين أوضح الإنجيلي لوقا وبدرس عملي كيف يفشل الرياء في تحقيق غاية السالكين به، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [هكذا الحق قوي، وكل خداع ضعيف.]

بالرياء يود الإنسان أن يجتذب الكل حوله ويحرمهم من الحق، لكن الرياء ينكشف، وينفر الناس من المرائين ليلتصقوا بالحق. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد شبَّهه السيِّد المسيح بالخميرة التي تعمل بالرغم من صغر حجمها في العجين كله، معلنًا أنه مفسد للإنسان بكليته، يفقده كل نقاوة وفضيلة روحيَّة في القلب والفكر والأحاسيس، حتى وإن ارتدى ثوبًا من التقوى الظاهرة والقدرة على التعليم والغيرة على المقدَّسات.

+ الرياء يكرهه الله، ويمقته الإنسان. لا يجلب مكافأة، وبلا منفعة تمامًا في خلاص النفس، بل بالحري يكون علَّة هلاكها.

إن كان الرياء لا ينفضح أحيانًا، لكن إلى حين، إذ لا يدوم كثيرًا، بل ينكشف كل شيء، فيجلب على صاحبه وبالاً، وهكذا يكون أشبه بامرأة قبيحة المنظر تُنزَع عنها زينتها الخارجيَّة التي وُضعت لها بطرق صناعيَّة.

+ الرياء غريب عن سمات القدِّيسين، إذ يستحيل أن يفلت شيء مما نفعله أو نقوله من عيني اللاهوت، إذ "ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لن يُعرف" [2]. كل كلماتنا وأعمالنا ستُعلن في يوم الدين. لذلك فالرياء مُتعب وبلا منفعة. يليق بنا أن نتزكَّى كعباد حقيقيِّين نخدم الله بملامح صريحة وواضحة.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ تُمدح الخميرة بكونها مرتبطة بخبز الحياة، وتُلام حين تعني المكر المستمر المُر.

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

+ يُسمى الرياء خميرة، إذ هو يخدع نيَّات من يمارسه ويضلِّلها. ليس شيء يُفسد شخصيَّة الإنسان مثل الرياء.

+ وجَّه حديثه للفرِّيسيِّين، وكأنه يقول لهم: أيها الفريِّسيُّون، ما تتكلَّمون به في الظلمة، أي كل مساعيكم لتجرِّبونني في مخابىء قلوبكم، يُسمع به في النور، لأني أنا هو النور، فبنوري تنفضح خداعات ظلمتكم. وما تنطقون به في الأذن والمخادع، أي ما تتهامسون به في آذان بعضكم البعض سوف يُعلن على السطح، إذ هو مسموع لي كمن يصرخ بصوتٍ عالٍ من فوق السطح.

هنا أيضًا يمكن أن يُفهم بالنور "الإنجيل"، وبالسطح نفوس التلاميذ المرتفعة. فما قد دبَّره الفريِّسيُّون معًا، سيُنادى به ويُكشف خلال نور الإنجيل، بالمبشِّر العظيم، الروح القدس، الذي يسيطر على نفوس التلاميذ (العالية).

الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا

القطيع الجديد والخوف

إذ يطلب مِن كنيسته، القطيع الجديد، ألاَّ تحمل خمير الفرِّيسيِّين الذي هو الرياء، فلا يكون خارجها غير داخلها، يسألها أن تسلك بمخافة الرب وحده، دون خوف الناس. فمن يخاف الرب لا يهتم بحكم الناس، الأمر الذي ينزع عنه كل رياء لأنه لا يطلب مدحهم ولا يضطرب لذمهم، لا يسألهم المكافأة ولا يرهب بطشهم.

"ولكن أقول لكم يا أحبائي،

لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد

وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر.

بل أريكم ممن تخافون:

خافوا من الذي بعد ما يقتل له سلطان أن يلقى في جهنم.

نعم أقول لكم من هذا تخافوا" [4-5].

+ يلزمنا أن نخاف عذاب النفس لا قتل الجسد، فالموت يمثل نهاية طبيعيَّة للعذاب الجسدي لكن ليس نهاية للعقاب. فهو يضع نهاية لآلام الجسد (الزمنيَّة)، أما عقاب النفس فأبدي. يلزمنا أن نخاف الله وحده!

القدِّيس أمبروسيوس

+ هذه الوصيَّة تخص الذين يحبُّونه. ولكن من هم الذين يحبُّونه؟ نقول أولئك الذين لهم فكر مشابه له، غيورون في التبعيَّة على أثر خطواته. هذا ما يحثُّنا عليه الرسول بقوله: "فإذا قد تألَّم المسيح لأجلنا بالجسد تسلَّحوا أنتم أيضًا بهذه النيَّة" (1 بط 4: 1). لقد بذل حياته لأجلنا وكان بين الأموات كمن هو حرّ (مز 88: 5). فالموت لم يهاجمه بسبب الخطيَّة مثلنا، إذ كان ولا يزال بلا خطيَّة، غير قادر على صنع شرٍ، إنما احتمل الآلام بإرادته لأجلنا من أجل محبَّته لنا غير المحدودة. لنصغ إليه، إذ قال بوضوح: "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبَّائه" (يو 15: 13). أفلا تحسب دناءة مُرة ألا نرُد للمسيح دينه الضروري جدًا، الذي اِقترضناه منه؟

بطريقة أخرى، نقول إننا كأحبَّاء له يلزمنا ألا نخاف الموت بل بالحري نتمثَّل بالآباء القدِّيسين. فعندما جُرِّب الأب إبراهيم قدَّم ابنه الوحيد اسحق، حاسبًا أن الله قادر أن يقيمه من الأموات (عب 11: 19). أي رعب من الخوف يمكن أن يهاجمنا وقد أبطل "الحياة (المسيح)" الموت، لأن المسيح هو القيامة والحياة (يو 11: 25).

ولنضع أيضًا في ذهننا أن الأكاليل تُقتنى بالجهاد. فإن المصارعين الأقوياء في الحلقات ينالون الكمال بالجهاد العنيف مع الخبرة. الشجاعة والذهن الشهم هما اللذان يخدمان أصحاب المهارة في المعارك. أما من يلقي عنه دِرعه يحتقره العدو، وإن عاش الهارب من المعركة، يحيا كذليلٍ. أما الذي ثبُت في المعركة، ووقف ببسالة وشهامة بكل قوَّته ضد العدو، فيُكرم بنواله النصرة، وإن سقط (جريحًا) فيكون موضع إعجابٍ. هكذا يليق بنا أن نسلك، محتملين بصبر، وثابتين في الصراع بشجاعة، فننال المكافأة العظيمة، ونكون موضع إعجاب، ونقتني لأنفسنا بركات الله، أما رفض احتمال موت الجسد من أجل محبَّة المسيح فيجلب علينا عقابًا أبديًا لا ينقطع. لأن غضب الإنسان يبلغ نهايته عند حدود الجسد، ويكون موت الجسد هو نهاية صراعهم ضدَّنا، وأما إن عاقب الله فالخسارة لا تمس الجسد وحده... بل تمس النفس البائسة أيضًا فتسقط تحت العذابات.

ليته يكون نصيبنا هو الموت المكرَّم، الذي يُصعدنا إلى بداية الحياة الأبديَّة، والذي بالضرورة يلتصق بالبركات النابعة عن الفيض الإلهي. لنهرب من الحياة المخجلة ولنحتقرها، الحياة الكريهة المؤقَّتة التي تقود إلى عذاب أبدي مرّ.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ اُنظر كيف جعل ربَّنا تلاميذه فوق الكل، إذ حثَّهم أن يستخفُّوا بالموت الذي يرعب الكل! وفي نفس الوقت قدَّم تأكيدات لخلود النفس.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ قال أحد القدِّيسين: أن الجسد بخوفه من التجارب - كي لا يتضايق أو يخسر حياته - يصبح صديقًا للخطيَّة، ولهذا يُجبره الروح القدس على الموت لأنه إن لم يمت فلا يتغلَّب على الخطيَّة.

إذ شاء أحد أن يكون مسكنًا للرب عليه أن يقهر جسده، ويخدم الرب، ويعمل وصايا الروح، ويحفظ نفسه من أعمال الجسد التي كتب عنها الرسول. الجسم الممزوج بالخطيَّة يرتاح بأعمال الجسد، أما ثماره فلا تريح روح الله...

أموت هنا حتى لا أري موت النفس الحقيقي أي الانفصال عن الله. خير لي أن أموت هنا من أجل الطهارة عن أن أعيش حياة شرِّيرة لقد اخترت هذا الموت بحرِّيتي من أجل خطاياي.

الأب مار اسحق السرياني

3. القطيع الجديد والاتِّكال على الله

إذ أراد السيِّد المسيح أن يشجِّعنا في جهادنا الروحي فلا نخاف موت الجسد، أكد لنا رعايته حتى لأجسادنا، بل ولشعور رؤوسنا التي تبدو في أعيننا أحيانًا بلا ثمن. إنه رب النفس والجسد معًا، يهتم بحياتنا في كلِّيتها، إذ يقول:

"أليست خمسة عصافير تباع بفلسين،

وواحد منها ليس منسيًا أمام الله؟

بل شعور رؤوسكم أيضًا جميعها محصاه،

فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة" [6-7].

+ تأمَّل عظم رعايته بالذين يحبُّونه. فإن كان حافظ المسكونة يهتم هكذا حتى بالأمور التي بلا قيمة ويتنازل ليتحدَّث عن طيور صغيرة (لو 12: 6-7)، فكيف يمكنه أن ينسى الذين يحبُّونه والذين يتأهَّلون لافتقاده لهم، إذ يعرف كل دقائق حياتهم حتى عدد شعور رؤوسهم؟...

ليتنا لا نشك أن يده الغنيَّة تهب نعمته للذين يحبُّونه. فإما أنه لا يسمح لنا أن نسقط في تجربة، أو إن كان بحكمته يسمح لنا أن نسقط في الفخ إنما ليتمجَّد خلال الآلام، واهبًا إيَّانا بكل تأكيد قوَّة الاحتمال. الطوباوي بولس هو شاهدنا في ذلك إذ يقول: "الله أمين (قوي)، الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13).

القدِّيس كيرلس الكبير

+ إن كان الله لا ينسى العصافير، فكيف ينسى الإنسان؟ وإن كانت عظيمة هكذا وأبديَّة حتى أن العصفور وعدد شعور رؤوسنا ليس مخفيًا أمام علمه فكم يُحسب بالأكثر جاهلاً من يظن أن الرب يجهل القلوب الأمينة أو يتجاهلها؟...

العصافير الخمسة على ما يبدو لي هي حواس الجسد الخمس: اللمس والشم والتذوق والنظر والسمع. العصافير كالجسدانيين تنقر قذارة الأرض لتطلب غذائها في الأراضي البور ذات الرائحة النتنة، وتخطىء فتسقط في الشباك فلا تقدر على الارتفاع نحو الثمار العالية والوليمة الروحيَّة. فإغراءات الشباك تسبي في ثناياها تحركات أرواحنا. والتهاب طبيعتنا ونشاطنا وطهارتنا هذه كلها تتبدد خلال الاهتمام بالأرضيات والماديات واقتنائنا ترف هذا العالم. والآن بعد سبينا صار أمامنا نوعان من الملذّات، إما العبوديَّة للخطيَّة أو التحرَّر منها، فالمسيح يحرَّرنا والعدو يبيعنا. يعرضنا للبيع ليميتنا بينما يفدينا المسيح ليخلصنا. وقد ذكر متى عصفورين (مت 10: 29) إشارة إلى الجسد والروح...

لقد أُعطينا بالنعمة أن نطير، لكن اللذة تسبينا، فتصير الروح ثقيلة بفخاخ الشر وتنحدّر إلي مستوى طبيعة الجسد الثقيلة.

قيل أنه لا يسقط واحد منها بدون إذن الله، فالساقط ينحدر نحو الأرض، أما الذي يطير فتحمله النعمة الالهيَّة... فلا تخشى إذن سطوة الشيطان بل خف غضب الله.

النفس أيضًا شُبهت بعصفورٍ، إذ قيل: "نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصياد" (مز 123: 7)، وفي موضع آخر: "كيف تقولون لنفسي: اهربوا إلي جبالكم كعصفورٍ" (مز 11: 1)، كما شُبه الإنسان بالعصفور: "أما أنا فكعصفورٍ منفرد علي السطح" (مز 102: 7)، إذ الإنسان مكون من عصفورين في واحدٍ، كإتحاد الجناحين اللذين يتعاونا في خفة ليرتفع فيغلب الطبع الروحي علي المادي.

يوجد عصفور صالح يقدر بالطبيعة (الروحيَّة) أن يطير، وعصفور شرِّير لا يقدر أن يطير بسبب النجاسات الأرضية، وهذا الأخير يُباع بفلسين... ما أبخس ثمن الخطايا؟ فالموت يشمل الجميع، أما الفضيلة فثمينة! يعرضنا العدو للبيع كالعبيد الأسرى ويّقيمنا بثمن بخس، أما الرب فيعاملنا كعبيد صالحين خلقهم علي صورته ومثاله، يّقيمنا بثمنٍ عظيمٍ، إذ يقول الرسول: "قد اُشتريتم بثمن" (1 كو 6: 20). نعم أنه ثمن غالٍ لا يحُسب بفضة بل بالدم الثمين. لأن المسيح مات لأجلنا وحرَّرنا بدمه الثمين، كما يشير القدِّيس بطرس في رسالته: "عالمين أنكم أفتديتم، لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدمٍ كريمٍ كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 18-19)، نعم هو دم ثمين لأنه دم جسد بلا دنس، دم ابن الله الذي فدانا ليس فقط من لعنة الناموس (غل 3: 13) بل ومن موت الخطيَّة الأبدي.

القدِّيس أمبروسيوس

+ العصافير الخمس تُفهم بطريقة سريَّة الحواس الخمس التي لها إدراكات علويَّة للأمور السماويَّة: ترى الله، وتسمع الصوت الإلهي، وتتذوق خبز الحياة، وتشتم رائحة المسيح، وتمسك كلمة الحياة. هذه الحواس تُباع بفلسين، إذ تُحسب رخيصة بواسطة الذين يُهلكون ما هو من الروح وهم غير منسيين أمام الله.

العلامة أوريجينوس

+ هذه الحواس تُباع بفلسين أي بالعهدين الجديد والقديم، ولذلك فهم غير منسيين من الله.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ رأس الإنسان - سريًا - هو فمه، وشعره هي أفكاره المكشوفة في عيني الله.

القدِّيس كيرلس الكبير

القطيع الجديد والشهادة

"وأقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس

يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله.

ومن أنكرنى قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله.

وكل من قال كلمة علي ابن الإنسان يُغفر له، وأما من جدف علي الروح القدس فلا يغُفر له.

ومتى قدَّموكم إلي المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون.

لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" [8-12].

إن كانت الخطيَّة قد أفسدت العصافير الخمسة أي حواسنا الداخليَّة، فعوض انطلاقها بالروح القدس نحو الإلهيات لترى وتسمع وتتذوق وتلمس وتشتم ما هو أبدى وإلهي، إذا بها تسقط في فخاخ الملذّات وترتبط بحبال العالم، وتصير عاجزة عن الطيران أسيرة فخاخ العدو تحت سلطانه العنيف المهلك. لهذا فإن الإنسان حتى في تدينه لم يقدر أن يرتفع إلي فوق بل صار في عبادته وكرازته أسير المجد الباطل والرياء وأحيانا الطمع المادي الأمور التي وهبته فكرًا فرِّيسيا ناموسيًا، يهتم بالحرف القاتل عوض الروح العميق الذي يبنى. وقد افتدانا الرب ليطلقنا من هذه الفخاخ لنحيا في هذا العالم شهود حق للمخلِّص خلال حياتنا السماويَّة وفكرنا الجديد وإنساننا الروحي الذي هو من عمل إلهنا... نشهد له هنا فيشهد لنا ابن الإنسان في المقادس السماويَّة عينها.

لقد دفع دمه ثمنًا لانتزاعنا من فخ الرياء، مؤكدًا لنا أن ما نقوله في الظلمة يُستعلن في النور، وما ننادى به الأذن يعلن علي السطوح... والآن هاهو يؤكد أن ما نفعله هنا كما في الظلمة أو في الأذن يعلنه ربَّنا يسوع نفسه أمام ملائكته وقدِّيسيه في الرب العظيم.

إن كان المراؤون يفعلون الشر خفيَّة فينفضحون، فعلم الكنيسة الظاهر والخفي هو الاعتراف بالمخلِّص لكي تتمجد حقيقة!

+ الرب غير مقتنع بالإيمان الداخلي وحده، إنما يسألنا الاعتراف الظاهر، حاثًا إيَّانا علي الثقة والحب العظيم. ولما كان هذا نافعًا للجميع قال: "كل من اعترف بي..."

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ "لأنك أن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خلصت" (رو 10: 9). لقد وضح سّر المسيح في هذه الكلمات بطريقة رائعة.

أول كل شيء من واجبنا أن نعترف بأن الابن المولود من الله الآب، الابن الوحيد الذي من جوهره، الله الكلمة، هو رب الكل، ليس كمن نال الربوبية من الخارج بل تُنسب له بكونه الرب بالحق بالطبيعة، كما الآب أيضا. ثانيًا يليق بنا أن نؤمن بأن الله أقامه من الأموات، بمعنى أنه إذ صار إنسانًا تألَّم في الجسد من أجلنا وقام من الأموات، لذلك كما قلت الابن هو الرب... هو وحده الرب بالطبيعة بكونه الله الكلمة فوق كل خليقة. هذا ما يعلمنا إيَّاه الحكيم بولس، قائلاً: " لأنه وإن وُجد ما يُسمى آلهة سواء كان في السماء أو علي الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرة، لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1 كو 8: 5-6)...

من يعترف بالمسيح أمام الناس أنه الله الرب، يعترف به أمام ملائكة الله ولكن أين؟ وكيف؟ واضح أنه في ذلك الوقت عندما ينزل من السماء في مجد أبيه مع الملائكة القدِّيسين في نهاية هذا العالم، حيث يكلل المعترفين به الحقيقيين الذين لهم الإيمان الأصيل غير المتردد... هناك تتلألأ جماعة الشهداء القدِّيسين الذين احتملوا الجهاد حتى بذل الدم، وقد كرموّا المسيح بصبرهم، ولم ينكروا المخلِّص، ولم يكن مجده غير معروف لديهم، بل وقدَّموا ولاءهم له. مثل هؤلاء يمدحهم الملائكة القدِّيسون الذين يمجدون المسيح مخلِّص الكل من أجل الكرامات التي يهبها لقدِّيسيه والتي يستحقونها. هذا ما يعلنه المرتل: "تخبر السماوات بعدله (ببره)، لأن الله هو الديان" (مز 50: 6). هذا هو نصيب المعترفين به.

أما البقيَّة التي جحدته واستهانت به فستنكر، عندما يقول لهم كما سبق فقيل بأحد الأنبياء قديمًا: "كما فعلت يُفعل بَك، عملك يرتد علي رأسك" (عو 15). وينكرهم بهذه الكلمات: "لا أعرفكم... تباعدوا عنى يا جميع فاعلي الظلم" (لو 13: 27).

من هم هؤلاء الذين يُنكرون؟

أولاً، الذين عندما يسقطون تحت ضغط الاضطهاد وتحل بهم ضيقة ينكرون الإيمان، هؤلاء يفقدون الرجاء كلية من جذوره، فلا توجد كلمات بشريَّة يمكن أن تعبر عن ذلك إذ ينالون غضبًا ودينونة ونارًا لا تُطفأ.

بنفس الطريقة الذين يتبعون هرطقة والذين يعلّمون بها، هذه الهرطقة تنكره كأن يتجاسر البعض فيقول أن كلمة الله، الابن الوحيد، ليس هو الله بالطبيعة والحق.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ [إنكار المسيح خلال الحياة الفاسدة التي لا تليق بنا].

توجد أيضًا وسائل أخرى للإنكار يصفها القدِّيس بولس، قائلاً: "يعترفون بأنهم يعرفون الله، ولكنهم بالأعمال ينكرونه" (تى 1: 16)، وأيضا: "وإن كان أحد لا يعتني بخاصته ولاسيما أهل بيته فقد أنكر الإيمان، وهو أشر من غير المؤمن" (1 تي 5: 8)، وأيضا: "(هربوا من) الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كو 3: 5).

وكما توجد أنواع مختلفة من الإنكار، فمن الواضح أيضًا توجد أنواع مختلفة من الاعتراف به، لاحظوا الاهتمام بالتحذير من الأعمال.

في اليونانية يقول: "من يعترف فيّ in me" مظهرًا أن الاعتراف (بالمسيح) لا يتحقَّق بقوَّة الإنسان الذاتيَّة إنما بعون النعمة العلويَّة، فالإنسان يعترف بالمسيح. أما عن الإنكار فيقول "ينكرني"، فإن حُرم من النعمة ينكر، ومع هذا فهو يُدان لأن الحرمان تحقَّق بواسطته (إذ رفض النعمة) فالخطأ يُنسب له.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ليتنا إذن نشهد للرب ونعترف به بفمنا وقلبنا وبإيماننا الحق وسلوكنا اللائق خلال عمل نعمته الواهب قوَّة الشهادة والعمل، ليظهر مسيحنا القائم من الأموات متجليًا في أعماقنا واضحًا في حياتنا اليومية خلال الحياة الجديدة التي لنا فيه. بهذه الشهادة وهذا الاعتراف اليومي نتأهل أن يعترف ربَّنا نفسه بنا أمام ملائكته، إذ يحسبنا ورثة الله، ووارثون مع المسيح، وشركاء في المجد الأبدي، لنا موضع في حضن الآب!

ولما كان الاعتراف بالسيِّد المسيح مكافأته العلنية الأبديَّة بلا رجعة، وأيضا للانكار جزاءه الأبدي بلا رجعة لهذا خشى لئلاَّ ينهار أحد بروح اليأس أن ضعف مرة وسقط في الجحود، فيظن أنه لايقدر أن يرجع ويتوب بل يسقط تحت هلاك ابدى لهذا يؤكد: "وكل من قال كلمة علي ابن الإنسان يُغفر له" [10]، فاتحًا أبواب الرجاء علي مصراعيه خلال التوبة. وقد جاءت تكملة حديثه تؤكد ذلك، بقوله: "وأما من جدف علي الروح القدس فلا يُغفر له" [10]. بمعنى أن من يرفض عمل الروح القدس واهب التوبة والمغفرة يفقد غفرانه. وقد سبق لنا الحديث في شيء من الاستفاضة عن "التجديف علي الروح القدس"، مؤكدين أن التجديف الذي لا يُغفر هو الإصرار علي عدم التوبة.

لقد أساء البعض فهم هذه العبارة الإلهية حاسبين أن من يقول كلمة على ابن الإنسان تُغفر له بينما من يقول كلمة على الروح القدس لا تُغفر، بمعنى أن من يخطئ ضد السيِّد المسيح بكونه قد تجسد مختفيًا يغفر له حين يكتشف الحق ويتوب، بينما من يخطئ ضد الروح القدس فلا توبة له. هذا التفسير لا يمكن قبوله، إذ أكّد الكتاب المقدَّس أن كل خطيَّة نقدَّم عنها توبة تُغفر، هذا أيضًا ما أعلنه آباء الكنيسة فاتحين أبواب الرجاء حتى أمام الهراطقة الذين جدفوا ضد الروح القدس وأتباعهم أن رجعوا عن خطأهم، وقد قبلتهم الكنيسة فعلاً عند توبتهم.

يؤكد القدِّيس أمبروسيوس أن التمايز هنا يقوم علي أساس تمايز أعمال الثالوث القدُّوس، وأن الإنكار للروح القدس أو التجديف عليه إنما يعنى رفض عمله تمامًا، أي رفض عمل التوبة الذي يبعثه الروح فينا. هذا ما يوضحه نفس حديث السيِّد، إذ يكمل قائلاً: ["لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" [12]. فمن يرفض عمله الخفي في القلب لا ينال غفرانًا حتى يرجع ويقبله من جديد.]

ولما كانت الشهادة للسيد المسيح تضع تلاميذه أمام المجامع والرؤساء والسلاطين، فقد وهبهم إمكانية لهذا العمل، إذ عهد بهم في يدّي روحه القدُّوس، قائلاً: "لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب لأن تقولوه" [12].

+ يقول أن ما ننطق به ونجيب به (وقت الضيق) يوهب لنا في تلك الساعة من السماء التي تمدنا، فلا نتكلم نحن بل روح الله الذي لا يفارق من يعترفون به، ولا ينفصل عنهم، بل يتكلَّم فيهم ويتّوج فيهم.

+ إن عمله هو أن نغلب وننال النصرة بإخضاع العدو في الصراع العظيم.

القدِّيس كبريانوس

+ عندما تثور خلافات أو صراعات بين الأصدقاء يأمرنا الرب أن نفكر جيدًا في الأمر، لكن حينما يصير رعب محاكم العدالة وتثور المخاوف من كل جانب، فإنه يعطينا قوَّته واهبة الشجاعة وما ننطق به وعدم ثبط الهمة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

 

+           +              +

 

 

 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt