طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات  20 أبيب

عشية

باكر

القــــداس

مز 18 : 34 ، 39

مت 10 : 16 - 23

مز 45 : 3 ، 4 ، 6

لو 7 : 11 - 17

2 تى 2

3 - 15

1 بط 3

8 - 15

أع 27 : 42

- 28 : 6

مز 91 : 13 ، 11

لو 10 : 21 - 24

 

البولس 2 تى 2 : 3 – 15

 

3 فاشترك انت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح
4 ليس احد و هو يتجند يرتبك باعمال الحياة لكي يرضي من جنده
5 و ايضا ان كان احد يجاهد لا يكلل ان لم يجاهد قانونيا
6 يجب ان الحراث الذي يتعب يشترك هو اولا في الاثمار
7 افهم ما اقول فليعطك الرب فهما في كل شيء
8 اذكر يسوع المسيح المقام من الاموات من نسل داود بحسب انجيلي
9 الذي فيه احتمل المشقات حتى القيود كمذنب لكن كلمة الله لا تقيد
10 لاجل ذلك انا اصبر على كل شيء لاجل المختارين لكي يحصلوا هم ايضا على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجد ابدي
11 صادقة هي الكلمة انه ان كنا قد متنا معه فسنحيا ايضا معه
12 ان كنا نصبر فسنملك ايضا معه ان كنا ننكره فهو ايضا سينكرنا
13 ان كنا غير امناء فهو يبقى امينا لن يقدر ان ينكر نفسه
14 فكر بهذه الامور مناشدا قدام الرب ان لا يتماحكوا بالكلام الامر غير النافع لشيء لهدم السامعين
15 اجتهد ان تقيم نفسك لله مزكى عاملا لا يخزى مفصلا كلمة الحق بالاستقامة

 

تلمذة خدام جدد

"وما سمعته مني بشهود كثيرين،

أُودعه أُناسًا أُمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا" [٣].

لا تقف أمانة الرسول عند جهاده واهتمامه بخلاص الآخرين ولا أن يتلمذ آخرين يهتمون بذات العمل، وإنما يود أيضًا في هؤلاء التلاميذ أن يتلمذوا جيلاً قادرًا على التعليم. هذا هو الجهاد الحقيقي، أو القيادة الروحيّة السليمة، وهو أن يقيم الراعي تلاميذ قادرين بدورهم أن يتلمذوا أناسًا أكفاء قادرين على التلمذة.

هذا هو مفهومنا للتسليم أو التقليد المقدس، إنه تلمذة غير منقطعة خلال الأجيال لقبول وديعة الإيمان الحيّ العملي بلا انحراف.

الجُنديّة الروحيّة

"فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح.

ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنده.

وأيضًا إن كان أحد يجاهد لا يُكلَّل إن لم يجاهد قانونيًا.

يجب أن الحَرَّاث الذي يتعب يشترك هو أولاً في الأثمار.

افهم ما أقول: فليعطك الرب فهمًا في كل شيء" [٣-٧].

يُقدِّم الرسول بولس ثلاثة أمثلة للجهاد الروحي: الجندي الأمين لحساب ملكه [٣-٤] والمشترك في الألعاب الرياضيّة [٥] والحراث [٦].

أ. الجندي الصالح الذي يعتز بأمانته لبلده ورئيس دولته يحارب لحساب وطنه، هكذا المسيحي في جهاده الروحي يحارب كضد إبليس والخطية تحت قيادة رب المجد نفسه الذي جنده. يدعوه الرسول "رئيس (قائد) خلاصنا" (عب ٢: ١٠)، القائد الذي غلب إبليس على الصليب ولا يزال يغلبه خلالنا (رؤ ٨: ٣٧).

إنها كرامة عظيمة لا نستحقها أن نُحسب جنود روحيين للرب، من أجله تهون كل المشقات والآلام. إذ قَبِلنا هذه الجنديّة الروحيّة يلزمنا ألاَّ نرتبك بأعمال الحياة اليومية، لا لأنها دنسة وإنما لأنها لا تليق بالمُتجنِّدين الذين كرسوا كل حياتهم لخدمة الكلمة.

ب. يناضل المتسابقون في الألعاب الرياضية من أجل نوال الإكليل، فيحتملون تداريب يومية ويمتنعون عن بعض الأطعمة والملذات حتى ينعموا بالفوز. ونحن يلزمنا أن نجاهد قانونيًا، أي حسب شريعة مدربنا يسوع المسيح، لكي ننعم بالنصرة الروحيّة. حقًا إن كثيرين يجاهدون، لكن ليس قانونيًا، وذلك كالذين يتدربون على الألعاب الرياضية بغير مدرب حكيم. هؤلاء غالبًا ما يفشلون بل وقد يتطرفون في إتجاه آخر مما يسبب لهم ضررًا صحيًا وفشلاً في المسابقات ونوال الإكليل. هكذا يليق بالمؤمن أن يجاهد، لكن ليس بذاته، وإنما تحت قيادة سيده "المدرب الحقيقي" بروح كنيسته وفكرها الإنجيلي الآبائي حتى لا ينحرف يمينًا أو يسارًا في تطرف أو مبالغة مما يفقده حياته على الأرض وإكليله السماوي. حقًا إن الجهاد والمشقة أو الألم أمور صعبة لكنها متى كانت قانونية تصير مُفرحة ومُبهجة. يقول القديس چيروم في حديثه عن مزامير المصاعد حيث يترنم اللاويون وهم يصعدون الخمسة عشر درجة للهيكل: [لا تفقد الثقة يا إنسان، فإن الرب واقف على الدرجة الخامسة عشر؛ إنه يراقبك ويعينك! فإن كنت على الدرجة الأولى وتبدو لك المسافة بين الدرجة الأولى والخامسة عشر لا يمكن تسلقها فلا تتطلع إلى الدرجات بل تطلع إلى الرب".] فالجهاد القانوني مؤلم مفرح، مملوء أتعابًا، لكنه يقدم للنفس سلامًا خلال تطلعها للمدرب الحقيقي وعضويتها في كنيسته.

ويرى القديس أمبروسيوس أن الجهاد القانوني أو ما دعاه الرسول أيضًا بالجهاد الحسن (٥: 7) إنما يعني تكريس القلب بالكُلية لهذا العمل دون ارتباك بأمورٍ أخرى، ذلك كمن يعمل لدى إمبراطور لا يليق به أن يرتبك بأعمال أخرى كالتجارة التي وإن كانت ليست محرمة لكنها تعني استهانة بخدمة إمبراطوره.

ج. الحَرَّاث الذي يتعب من أجل الثمر، فإن كان الحراث هو أول من يجاهد في الزراعة إذ يحرث الأرض، فإنه يستحق نصيبه في الثمر، حتى وإن كان غيره قد بذر وآخر حصد. هكذا في جهادنا نعمل ويكون لنا مكافأة حتى وإن كان الثمر لا يُحصد إلاَّ بعد رحيلنا. لنحرث وغيرنا يبذر أو يسقي أو يحصد فإن نصيبنا في الإثمار محفوظ في الرب.

هذه هي الأمثلة الثلاثة التي قدمها الرسول ليشجع تلميذه على الجهاد، ففي المثل الأول يؤكد التزامنا بالجهاد من أجل الملك المسيح نفسه، وفي المثل الثاني لنجاهد قانونيًا حسب شريعة الرب، وفي الثالث نجاهد من أجل الثمر حتى وإن كان متأخرًا.

أخيرًا يوصيه: "افهم ما أقول"، لكنه لا يقدر أن يفهم الوصية كما ينبغي ما لم يفتح الروح القدس بصيرته، لهذا يصلي الرسول من أجله: "فليعطك الرب فهمًا في كل شيء". وكأن الرب هو المعين بنعمته ليس فقط في الجهاد، وإنما أيضًا في الفهم.

بعدما حثه على الجهاد الروحي في الرب، مصليًا من أجله لكي يهبه الرب فهمًا، قدم له السيد المسيح نفسه قائد الإيمان ومكمله (عب ١٢: ٢) غالب إبليس ومحطم الموت، إذ يقول:

 "اذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي، الذي فيه أحتمل المشقات حتى القيود كمذنب، لكن كلمة الله لا تُقَيِّد" [٨-٩].

قاد السيد المسيح المعركة الروحية بنفسه ضد الموت، فدخل إليه لكي يكسر شوكته في عقر داره. فقد تجسد كلمة الله لكي يدخل بالجسد إلى الموت، وإذ لا يستطيع الموت أن يحبسه ولا للفساد أن يقترب إليه يقوم بسلطانه لكي يقيمنا معه، ويدخل بنا إلى الحياة الجديدة المقامة. يقول الرسول: "فدُفِنَّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا في جِدَّة الحياة" (رو ٦: ٤). لقد صار ابنًا لداود وخضع للآب عوضًا عنا وقَبِل الموت بإرادته، حتى نُحسب نحن طائعين لأبيه فننعم بقوة القيامة التي له.

هذا هو موضوع كرازته، إذ يقول الرسول: "بحسب إنجيلي" أن ننعم بحياته المُقامة الغالبة للموت. لقد احتمل السيد المشقات حتى القيود كمذنبٍ، أي كفاعل شرٍ (يو ١٨: ٣٠) مع أنه البار الذي لا يعرف خطية. قيدوه حسب الجسد كمن هو تحت الحكم، لكنه هو واهب الحرية الذي لا يُقَيِّد داخليًا... "لكن كلمة الله لا تُقَيِّد"، إذ لا يمكن للكلمة الإلهي الخالق أن يُقَيِّد! هكذا في المسيح يسوع قد يُقيد الخادم حسب الجسد، لكن لا يقدر أحد أن يُقيد كلمة الله التي تُعلن بالأكثر خلال قيود الجسد. يمكن تقييد أجسادهم، أما شهادتهم للرب فلا تتوقف. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أيدينا مقيدة وليس لساننا، إذ لا يوجد ما يُقيد اللسان إلاَّ الجبن وعدم الإيمان. فإذ لا يوجد هذان الأمران فينا فإنه حتى وإن قُيدنا بالسلاسل فإن الكرازة بالإنجيل لا تقيد... إنها كلمة الله وليس كلمتنا! القيود البشرية لا تقدر أن تقيد كلمة الله.]

بعد أن قدم الرسول السيد المسيح مثالاً أعظم لاحتمال الآلام والقيود من أجل خلاصنا عاد ليقدم نفسه مثلاً يقتدي أثر سيده، إذ يقول: "لأجل ذلك أنا أصبر على كل شيء لأجل المختارين، لكي يحصلوا هم أيضًا على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجدٍ أبديٍ" [١٠].

لقد احتمل سيدي المشقات من أجل خلاصي، ولم يكن ممكنًا للقيود أن تعطل عمله، وها أنا أحتمل بصبر أيضًا من أجل إخوتي المختارين لكي ينعموا معي بالخلاص وتكون لهم معي شركة في المجد الأبدي.

 يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر أيضًا هناك باعث آخر، إذ يقول إني لا أحتمل هذه الأمور لأجل نفسي، وإنما لأجل خلاص الآخرين. في قدرتي أن أعيش متحررًا من المخاطر ولا أعاني شيئًا من هذه المشقات، لو كنت أهتم بما هو لي وحدي. إذن لماذا أحتمل هذه الأمور؟ من أجل نفع الآخرين كي ينالوا الحياة الأبدية... إنه لم يقل لأجل أشخاص معينين وإنما "لأجل المختارين". إن كان الله اختارهم فإنه يليق بنا أن نحتمل كل شيء من أجلهم "لكي يحصلوا هم أيضًا على الخلاص". بقوله "هم أيضًا" يعني أنهم يحصلون على ما نحصل نحن أيضًا عليه، لأن الله اختارنا نحن أيضًا. وكما تألم الله لأجلنا يليق بنا نحن أيضًا أن نتألم لأجلهم.] لقد تألم السيد عنا مقدمًا آلامه هبة مجانيّة أو نعمة نتمتع بها، أما نحن فنتألم من أجلهم مقابل آلامه عنا، فنرد الحب بالحب، كمن يشتاق أن يفي شيئًا من الدين. لكننا مهما قدمنا من أجل إخوتنا نبقى مدينين لمخلصنا بكل حياتنا.

إذ ننعم بعمل الله الخلاصي ونقبل آلامه من أجلنا نتذوق عربون المجد الأبدي، فتهون كل الآلام والمشقات من أجل تمتع إخوتنا بذات المجد الأبدي.

أخيرًا يختم الرسول حديثه عن الجنديّة الروحيّة بنشيد الغلبة والنصرة، قائلاً: "صادقة هي الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه، فسنحيا أيضًا معه. إن كنا نصبر، فسنملك أيضًا معه. إن كنا ننكره، فهو أيضًا سينكرنا. إن كنا غير أمناء، فهو يبقى أمينًا لن يقدر أن ينكر نفسه" [١١-13].

هذا هو النشيد الذي يليق بكل جندي روحي ليسوع المسيح أن يتغنى به أثناء معركته ضد إبليس أو ضد الموت. إنها تسبحة الإيمان بالمسيح المصلوب القائم من الأموات، فيها نعلن قبولنا الموت معه لأجل التمتع بالحياة فيه، نحتمل الآلام بصبر لكي نملك معه، إن اعترفنا به قدام الناس خلال قبولنا الآلام والموت من أجله يعترف هو بنا أمام أبيه، وإن أنكرناه ينكرنا (مت ١٠: ٣٢-٣٣). إن جاهدنا بأمانة ننال الإكليل، وإن لم نكن أمناء يرسل رعاة أمناء يهتمون بشعبه دون أن نُعفَى نحن من المسئولية. بأسلوب آخر نعلن في هذه التسبحة سمات الجندي الروحي للرب: الموت عن الخطية، الصبر وسط الآلام، الشهادة للسيد المسيح، والأمانة حتى الموت!

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارات، قائلاً: [كيف نموت معه؟ إنه يقصد الموت الذي يتم في الجرن وفي الآلام، إذ يقول: "حاملين في الجسد كُلَّ حينٍ إماتة الرب يسوع" (٢ كو ٤، ١٠)، "دُفِنَّا معه بالمعمودية للموت" (رو ٦: ٤)، "إنساننا العتيق قد صلب معه"، "متحدين معه بشبه موته" (رو ٦: ٦، ٥). لكنه هنا أيضًا يتحدث عن الموت بواسطة المحاكمات، خاصة وأنه يعاني منها أثناء كتابته هذه. هذا هو ما يقصده بقوله هنا: "إن كنا قد متنا معه فسنحيا معه".] كما يقول أيضًا: ["إن كنا ننكره فهو أيضًا سينكرنا"، هكذا يكون الجزاء لا في الأمور الصالحة فقط، وإنما أيضًا فيما هو ليس بصالحٍ... لكن الجزاء لا يكون مساويًا للفعل، لأننا نحن الذين ننكره بَشر أما هو الذي ينكرنا فإله. وما أعظم الفارق بين البشر والله!... هذا ومن ناحية أخرى نحن نضر أنفسنا، أما هو فلا يصيبه ضررًا، وقد أوضح هذا بقوله: "إن كنا غير أمناء فهو يبقى أمينًا لن يقدر أن ينكر نفسه" بمعنى أنه إن كنا لا نؤمن أنه قام من الأموات فعدم إيماننا لن يضره... وإن كان الله لن يصيبه ضررًا نهائيًا بإنكارنا إياه، فإنه لا يرغب في اعترافنا به إلاَّ لنفعنا نحن.]

تجنب المماحكات الباطلة

الخادم الذي يسلك بروح القوة لا يقبل الدخول في مماحكات الباطلة، بل ويطلب من المؤمنين أن يتجنبوها حتى لا تهدمهم روحيًا. يقول الرسول: "فَكِّرهم (ذكرهم) بهذه الأمور، مناشدًا (إياهم) قدام الرب أن لا يتماحكوا بالكلام، الأمر غير النافع لشيء لهدم السامعين" [١٤]. يطالبه الرسول أن يُذَكِّر الشعب ويوصيهم قدام الرب أن يتركوا كثرة الكلام الذي يهدم النفس، كما يطالبه أن يهتم هو أيضًا بالحياة العملية المجاهدة عوض المماحكات الباطلة، إذ يقول له: "اجتهد أن تقيم نفسك لله مُزَكَّى عاملاً لا يُخزَى، مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة" [١٥]. ليكن كل فكره متجهًا إلى التزكية قدام الله لا النصرة بالكلام مع الناس، ويبذل كل جهده أن يكون كالعامل الذي لا يخجل من احتمال المشقات لأجل الإنجيل، أي التمتع بكلمة الحق.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن قوله ["مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة" يعني تركيز الجهاد على إعلان الحق واقتلاع كل ما هو لغو زائد. وكأن الراعي الصالح ينزع بسيف الروح من كرازته كل ما هو غريب عن الحق. بهذا يحصن الرسول تلميذه من الغنوسيين الذين يفسدون وقتهم بما يلقبونه خطأ "المعرفة"، وهي فلسفة  كلام لغو لا يحمل روح التقوى، بعيدًا عن الإيمان.]

+        +           +

 

إنجيل القداس من لوقا 10 : 21 – 24

 

21 و في تلك الساعة تهلل يسوع بالروح و قال احمدك ايها الاب رب السماء و الارض لانك اخفيت هذه عن الحكماء و الفهماء و اعلنتها للاطفال نعم ايها الاب لان هكذا صارت المسرة امامك
22 و التفت الى تلاميذه و قال كل شيء قد دفع الي من ابي و ليس احد يعرف من هو الابن الا الاب و لا من هو الاب الا الابن و من اراد الابن ان يعلن له
23 و التفت الى تلاميذه على انفراد و قال طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه
24 لاني اقول لكم ان انبياء كثيرين و ملوكا ارادوا ان ينظروا ما انتم تنظرون و لم ينظروا و ان يسمعوا ما انتم تسمعون و لم يسمعوا

 

+ تهلَّل السيِّد المسيح بالروح

في النص المشابه للنص الذي بين أيدينا (مت 11: 25-30) رأينا السيِّد المسيح وهو يشتاق أن يقدِّم المعرفة الحقيقية لكل نفس، لا يتمتَّع بهذه المعرفة السماويَّة إلا البسطاء كالأطفال خلال ربَّنا يسوع المسيح الابن الوحيد الجنس البسيط. إنه يوَد ألاَّ يُحرم أحدًا من المعرفة، لكن الذين حسبوا في أنفسهم أنهم غنوسِيُّون (أصحاب معرِفة) وحكماء لا يستطيعوا اللقاء معه للتعرف على الأسرار الإلهيَّة.

25 في ذلك الوقت اجاب يسوع و قال احمدك ايها الاب رب السماء و الارض لانك اخفيت هذه عن الحكماء و الفهماء و اعلنتها للاطفال
26 نعم ايها الاب لان هكذا صارت المسرة امامك
27 كل شيء قد دفع الي من ابي و ليس احد يعرف الابن الا الاب و لا احد يعرف الاب الا الابن و من اراد الابن ان يعلن له
28 تعالوا الي يا جميع المتعبين و الثقيلي الاحمال و انا اريحكم
29 احملوا نيري عليكم و تعلموا مني لاني وديع و متواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم
30 لان نيري هين و حملي خفيف

[ متى 11 : 25 – 30 ]


+ أخيرًا يكشف ابن الله السرّ السماوي، معلنًا نعمته للأطفال وليس لحكماء هذا الدهر (مت 11: 25). يذكر الرسول بولس ذلك بالتفصيل: "لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يُعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يُخلِّص المؤمنين بجهالة الكرازة" (1 كو 1: 21).

من يعرف أن ينتفخ أو يعطي كلماته رنين الحكمة فهو حكيم (هذا الدهر)، أما الطفل فيقول: "يا رب لم يرتفع قلبي، ولم تستَعْلِ عيناي، ولم أنظر في العجائب والعظائم التي هي أعلى مني" (مز 1:131)، هذا يظهر صغيرًا لا في السن ولا في الفكر وإنما بِتواضعه، خلال ابتعاده عن المديح، لذا يضيف: "لكن رفعتُ عينيَّ مثل الفطيم من اللبن من أُمِّه". تأمَّل عظمة مثل هذا الإنسان في كلمات الرسول: "إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فلْيصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا، لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله" (1 كو 3: 18-19).

القدِّيس أمبروسيوس

"كل شيء قد دُفع إلىّ من أبي،

وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب،

ولا من هو الآب إلا الابن، ومن أراد أن يُعلِن له" [لوقا 10 : 22].

+ يتحدَّث هنا عن نوع معين من المعرفة (معرفة خلال وحدة الجوهر) لا يملكه آخر.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ لم يقل "يعلن" بخصوص الإعلان في المستقبل فقط، إنما بدأ الابن يعلن عن الآب عندما وُلد من مريم، وأُعلن عنه بطرق متنوِّعة عبر الزمن. الابن حاضر... يعلن عن الآب للكل، لمن يريد، وحينما يريد الآب.

القدِّيس إيريناؤس

+ لم يتعلَّم بولس الإيمان بالكلمات فحسب (معرفة كلاميَّة) وإنما تمتَّع بغنى الروح، حتى ينير الإعلان كل نفسه ويتكلَّم المسيح فيه.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ صارت الأذهان الجديدة حكيمة بحكمة جديدة، جاءت هذه الأذهان إلى الوجود خلال العهد الجديد حيث نزعت الغباوة القديمة.

القدِّيس إكليمنضس السكندري

من هذا نُدرك أن الحكمة الجديدة التي من أجلها تهلَّل يسوع توهب لنا في المسيح يسوع بخلع إنساننا القديم، وتمتُّعنا بالإنسان الجديد الذي على صورة خالقنا، صورة المسيح. خلال هذا الإنسان الجديد، أي اتحادنا مع الله في المسيح يسوع، نصير أولاد الله أو أطفاله نتعرَّف على أسراره الإلهيَّة. لهذا السبب يُعلِّق القدِّيس إكليمنضس السكندري على تمتَّع الأطفال بالحكمة بقوله: [بالحق هل نحن أطفال الله، تركنا الإنسان القديم، وخلعنا ثوب الشر، ولبسنا خلود المسيح، فنصير شعبًا جديدًا مقدَّسًا خلال الميلاد الجديد، ونحفظ إنساننا غير دنس، وكأطفال لله نغتسل من الزنا؟]

إذن لنكن أطفالاً حقيقيِّين، بخلع لباس الشرّ والسلوك كأبناء الله، فيكشف لنا الرب أسراره، ويتهلَّل من أجل الحكمة التي يهبنا إياها.

+ الذين ظنّوا في أنفسهم أنهم حكماء رفضوه، بينما قبله البسطاء، فأعلن لهم أسراره الإلهيّة، مقدّمًا تسبحة فرح وتهليل لأبيه من أجلهم:

"في ذلك الوقت أجاب يسوع وقال:

أحمدك (اعترف لك) أيها الآب رب السماء والأرض،

لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال" [متى 11 :25].

حقًا إن الله يشتهي أن يقدّم أسراره للبشريّة بلا محاباة، ولا يمنع أحدًا من معرفته، لكن الذين يظنّون في أنفسهم أنهم حكماء وفهماء كالفرّيسيّين المتعجرفين أو الغنوسيّين الذين نادوا أنهم أصحاب معرفة gnosis عقليّة قادرة على خلاصهم، هؤلاء يتثقّلون بالأنا فلا يقدرون أن يدخلوا طريق المعرفة الإلهيّة الحقّة، أمّا من يقبل المسيّا الملك في بساطة قلب ويحمل صليبه في تواضعٍ، يكون كطفل قد ارتمى في حضن أبيه، فيدخل به السيّد إلى معرفته، إذ يقول السيّد المسيح: "نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرّة أمامك. كل شيء قد دُفع إليّ من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له" [ متى 11 : 26 – 27 ].

+ "اعترف لك (أحمدك) أيها الآب..." [متى 11 : 25].

 تبصَّروا الآن إن كان المسيح البعيد عن كل الخطايا يقول: "اعترف"، فإن الاعتراف لا يخصّ الخطاة فحسب بل يخصّ أحيانًا الذين يسبّحون الله أيضًا. لذلك فإنّنا نعترف بتسبيحنا لله أو باستذناب أنفسنا. وكِلا الأمرين هو اعتراف حسن، سواء في لوْمكم أنفسكم يا من لستم بلا خطيّة، أو في تسبيحكم الله الذي بلا خطيّة.

+ استمع إلى اعتراف الرب! "اعترف لك أيها الآب رب السماء والأرض". هذا الاعتراف كما سبق أن قلت يعني "الحمد". لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال". ما هذا يا إخوتي؟ لتفهموا (ماذا يقصد بالحكماء والفهماء) ممّا جاء بعكسهم (الأطفال)، إذ لم يقل أعلنتها للأغبياء والجهلاء، بل "أعلنتها للأطفال"... أخفاها عن هؤلاء الحكماء، الذين هم بالحق مثار سخرية ومتكبّرون، الذين يتظاهرون باطلاً أنهم عظماء، ولكنهم بالحق ليسوا إلا متكبّرين... من هم الأطفال؟ إنهم المتّواضعون... بقوله "أعلنتها للأطفال" أوضح أنه يقصد "الكبرياء" تحت اسم الحكمة والفهم...

"بينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء" (رو 1: 22). هنا تجد علاجًا تعرفه من الضدّ. فإذ تزْعم أنك حكيم تصير جاهلاً! فلتعترف في نفسك أنك بذاتك جاهل فتصير حكيمًا، ولكن لتشهد بذلك بالحق. اعترف بهذا في القلب، لأن هذه هي الحقيقة. فإن شهدت بذلك لا تشهد به أمام الناس دون أن تعترف به أمام الله، معلنًا أن كل ما يخصّك بكلّيتك مظلم... لتعترف أنك لست نورًا لنفسك بل بالحقيقة أنك عين لا نور، وما فائدة العين حتى المفتوحة والسليمة دون وجود نور؟ لتعترف أنك لست نورًا لنفسك، ولتصرخ كما هو مكتوب: "لأنك أنت تضيء سراجي. الرب إلهي ينير ظلمتي" (مز 18: 28). لأني كنت بكلّيتي ظلمة ولكنك أنت هو النور الذي يبدّد ظلمتي وينير لي. أنا لست نورًا لنفسي، ليس لي نصيب في النور إلاّ بك!

+ "اعترف لك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء". أخفيتها عن هؤلاء الذين ظنّوا في أنفسهم أنهم نور مع أنهم ظلمة... فلم يستطيعوا أن يستضيئوا. وأما الذين هم ظلمة واعترفوا بذلك، فقد كانوا أطفالاً صغارًا وليسوا بعظماء، كانوا متواضعين وليسوا متكبّرين. لقد حقّ لهم أن يقولوا: "أنت تضيء سراجي". إنهم يعرفون أنفسهم ويمدحون الله فلم يضلّوا عن طريق الخلاص.

القدّيس أغسطينوس

حقًا إنه لم يمنع أحدًا عن معرفته، لكن الطريق إليه بالنسبة لنا كرب والباب ضيق، لا يقدر أحد أن يدخله سوى البسطاء المتواضعون. ما هو الطريق إلا شخص المسيح نفسه، الذي يقول: "أنا هو الطريق والحق والحياة"، يحملنا فيه بكوننا نحمل سماته من بساطة وتواضع وحب الخ. كأعضاء في جسده المقدّس، ليدخل بنا إلى حضن أبيه ونتعرّف على أسراره، فيفرح بنا الآب. لهذا يكمّل السيّد حديثه، قائلاً: "نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك. كل شيء قد دُفع إليّ من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له. تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم، وتعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيري هيّن وحملي خفيف"[ متى 11 :  26-30].

لقد أوضح السيّد في حديثه الآتي:

أ. الابن هو الطريق لمعرفة الآب.

ب. يدعو الابن المتعبين للدخول إلى راحة المعرفة الحقيقيّة.

ج. يدعونا الابن لحمل نيره خلال سمتيّ الوداعة وتواضع القلب.

د. نيره الذي نحمله حلو، وحمله خفيف.

أ. الابن هو طريق معرفة الآب

لا يستطيع أحد أن يدرك من هو الآب في جوهره إلا الابن الوحيد الجنس، الواحد معه في الجوهر، ولا يقدر أحد أن يدرك من هو الابن غير الآب وحده. ولما كانت مشيئة الله أن نتعرّف عليه فنحبّه ونقبل الاتّحاد معه، لهذا جاءنا الابن يحمل طبيعتنا لكي يدخل بنا إلى المعرفة الإلهيّة، حملنا فيه حتى نقدر أن نُعاين ما لا يُرى وندرك ما لا يُدرك. ليس طريق آخر به تقدر النفس أن تتعرَّف على إلهها إلا باتّحادها بالابن الوحيد. يخاطب القدّيس أغسطينوس الآب، قائلاً: [إننا نقول أنه بالمسيح قد صار لنا باب الدخول إليك.]

في دراستنا لسّر الإفخارستيا، أدركنا أن ذبيحة المسيح تحملنا إلى الثبوت في المسيح يسوع الذبيح بكونه رأسنا، خلالها نتعرّف على الآب الذي يعرفه الابن. وقد ركَّزت الليتورجيّات الأولى على تأكيد سرّ الإفخارستيا كسرّ معرفة الله خلال ابنه. ففي قداس الأسقف سرابيون يُقال: لتتبارك نفوسهم بالفهم والمعرفة والأسرار لكي يشتركوا فيها، ليتبارك الكل معًا خلال الابن الوحيد يسوع المسيح.]

ب. يدعو الابن المتعبين للدخول إلى راحة المعرفة الحقيقيّة

ينادي السيّد جميع المتعبين، قائلاً: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" [ متى 11 : 28 ]

ليس عجيبًا أن يدعو السيّد المتعبين جميعًا لنوال الراحة فيه بعد أن أعلن أنه وحده العارف للآب وواهب المعرفة. ففيه نكتشف محبّة الآب الفائقة ونتعرّف على حنوّه نحونا، إذ يقول الرسول بولس: "الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟! من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرّر! من الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات بل بالأحرى قام أيضًا الذي هو أيضًا عن يمين الله الذي أيضًا يشفع فينا!" (رو 8: 32-35). ففي المسيح يسوع عرفنا الآب كمحب البشر لم يبخل علينا بشيء بل قدّم ابنه فِدية عنّا. فماذا نطلب بعد؟! وفي المسيح رأيناه الديّان الشفيع في نفس الوقت. فممن نخاف؟! هذا هو سرّ راحة الجميع!

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على دعوة السيّد المسيح للمتعبين من أجل راحتهم قائلاً: [إذ يحمل الرب نحونا حنانًا يدعونا إليه ولا يرهبنا. جاء في وداعة، أتى في تواضع... إنه يلاطفنا ولا يطردنا أو يلقينا خارجًا. هكذا اختار أيضًا تلاميذ مناسبين يفسِّرون إرادة الرب إذ يجمعون شعب الله (بالحب) ولا يشتّتونه (بالقسوة).]

يناجي القدّيس يوحنا سابا ربنا يسوع كسرّ راحته، قائلاً: [طوبى للحامل في قلبه ذِكرك في كل وقت، لأن نفسه تسكر دائمًا بحلاوتك!... طوبى لذاك الذي يطلبك في داخله كل ساعة، منه تجري له الحياة ليتنعّم!...] كما يقول: [إن كنت تحزن في طلبه فستبتهج بوجوده! إن كنت تتألّم لكي تنظره بالدموع والضيق، فإنه يظهر لك حسنة (جماله) داخلك فتنسى أحزانك.]

ج. يدعونا الابن لحمل سمتيّ الوداعة وتواضع القلب

لا نستطيع أن ندخل طريق المعرفة الحقيقيّة إلا بالمسيح يسوع نفسه الوديع المتواضع القلب، نحمله فينا فنحمل سماته ونتأهّل لإدراك الأسرار الإلهيّة:

+ "احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني" [29]، لا في خلقه العالم، ولا في خلقه الأمور المنظورة وغير المنظورة، ولا في صنع المعجزات وإقامة الموتى في العالم الذي خلقه هكذا، وإنما "لأني وديع ومتواضع القلب".

أتريد أن تكون عظيمًا؟ ابتدئ من الآخر!

أتريد أن تقيم بناءً غالبًا قويًا؟ فكِّر أولاً في أساس التواضع!...

ما هي قمّة تشييد هذا البناء الذي نؤسّسه؟ إلى أين تبلغ قمّة هذا البناء العالي؟ أقول حالاً إلى رؤية الله! ألا ترى كم هو عظيم أن تُعاين الله؟! إن من ارتفع إلى هذا الأمر يقدر أن يفهم ما أقوله وما يسمعه!... وإذ القمّة مرتفعة فكّر في الأساس. أي أساس؟ ماذا تقول؟ تعلّموا منه لأنه وديع ومتواضع القلب. لتحفر فيك أساس التواضع هذا عميقًا، فتحصل على قمّة المحبّة!

القدّيس أغسطينوس

د. النير العذب

إذ يدخل البسطاء باب المعرفة الحقيقيّة خلال اتّحادهم بالسيّد المسيح نفسه. يحملونه فيهم، فيجدون نيره هيّن وحمله خفيف، فتستريح نفوسهم في داخله. حقًا لقد دعانا لحمل الصليب والإماتة معه كل، لكن مادام الصليب خاص به والموت هو شركة معه تتحوّل الآلام إلى عذوبة والموت إلى حياة والصلب إلى قيامة، بهذا يصير النير هيّنًا، لأنه نير المسيح، والحمل خفيفًا لأنه حمله هو.

+ إن كنت لا تصدّق أقوالنا اسمع من رأوا ملامح الشهداء وقت صراعاتهم، عندما كانوا يُجلدون ويُسلخون، إذ كانوا في فرحٍ زائد وسرور. حينما كانوا يُقصون على حديد محمّى بالنار يتهلّلون وتبتهج قلوبهم كمن هم ملقون على سرير من الورود. لهذا يقول بولس وهو يرحل خاتمًا حياته بموت عنيف: "أُسرّ وأفرح معكم أجمعين، وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضًا وافرحوا معي" (في2: 17-18). انظروا بأي لغة قويّة يدعو العالم كلّه ليشترك معه في بهجته؟

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

+ "احمل نيري عليك، لأن نيري طيّب وحملي خفيف". حين أقول بأن تكفر بنفسك إذا أردت أن تتبعني، فهل تجد وصيّتي هذه قاسية وصعبة؟ ليست قاسية عليك ولا ثقيلة لأني معين لك. المحبّة تخفّف من قسوة الوصيّة!

القدّيس أغسطينوس

+ أي شيء يكون ثقيلاً وصعبًا على من احتضن بكل قلبه نير المسيح، متأسّسًا على التواضع الحقيقي، مثبِّتًا أنظاره على آلام الرب على الدوام، فرحًا بكل ما يصيبه، قائلاً: "لذلك أُسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات لأجل المسيح، لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (2 كو 12: 10)... كيف تصير حلاوة نير المسيح العجيبة مرّة؟ إلا بسبب مرارة شرّنا! كيف يصير الحمل الإلهي الخفيف للغاية ثقيلاً؟ إلا لأنه في وقاحتنا العنيدة نستهين بالرب الذي به نحمل حمله!، خاصة وأن الكتاب المقدّس بنفسه يشهد بذلك بوضوح، قائلاً: "الشرّير تأخذه آثامه وبحبال خطيّته يُمسك" (أم 5: 22)؟أقول أنه من الواضح أننا نحن الذين نجعل من طرق الرب السهلة السليمة طرقًا متعبة، وذلك بسبب حجارة شهواتنا الرديئة الثقيلة، إذ بغباوة نجعل الطريق الملوكي محجرًا، وبترك الطريق الذي وطأته أقدام كل القدّيسين بل وسار فيه الرب نفسه، باحثين عن طريق ليس فيه آثار لمن سبقونا، طالبين أماكن مملوءة أشواكًا، فتعمينا إغراءات المباهج الحاضرة، وبتمزّق ثوب العرس بالأشواك في الظلام... وقد تغطى الطريق بقضبان الخطايا، حتى أننا ليس فقط نتمزّق بأشواك العوسج الحادة، وإنما ننطرح بلدغات الحيّات المميّتة والأفاعي المتوارية هناك، "لأنه شوك وفخوخ في طريق الملتوي" (أم 22: 5).    

الأب إبراهيم

+ نسمع الرسول وهو تحت هذا النير الهيّن والحمل الخفيف يقول: "بل في كل شيء نُظهر أنفسنا كخُدّام الله في صبرٍ كثيرٍ في شدائدٍ في ضروراتٍ في ضيقاتٍ في ضرباتٍ الخ..." (2 كو 6: 4). وقي موضع آخر من نفس الرسالة يقول: "من اليهود خمس مرّات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرّات ضُربت بالعصى، مرّة رجمت، ثلاث مرّات انكسرت في السفينة ليلاً ونهارًا قضيت في العمق" (2 كو 11: 24، 25) الخ، وبقيّة المخاطر التي حقًا يمكن إحصاءها، ولكن لا يمكن احتمالها إلا بمعونة الروح القدس. لقد كان يعاني على الدوام وبكثرة من كل هذه التجارب الثقيلة والخطيرة التي أشرّنا إليها، ولكن في نفس الوقت كان الروح القدس يعمل فيه لإبطال الإنسان الخارجي وتجديد إنسانه الداخلي دومًا فيومًا. فبتذوّقه الراحة الروحيّة في مباهج الرب الغزيرة تهون المتاعب الحاضرة، على رجاء البركة المستقبلة وتخِفّ التجارب الثقيلة. هوذا ما أحلى نير المسيح الذي حمله! وما أخف ذلك الحمل!...

+ كم يسهل احتمال الضيقات الزمنيّة من أجل تجنُّب العقاب الأبدي وإدراك الراحة الأبديّة. لم يقل الإناء المختار اعتباطًا بفرح زائد: "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستُعلن فينا" (رو 8: 18). انظر كيف أن ذلك "النير الهيّن والحمل الخفيف"، إن كان عسيرًا على القليلين الذين اختاروه لكنّه سهل للذين يحبّونه.

القدّيس أغسطينوس

+ كل شيء يقلقنا ويفسد القلب في أساسه ويضغط علينا هو من الشيطان، الذي هو نفسه الاضطراب والضيق الأبدي، أمّا الرب فهو سلام القلب وراحته.

الأب يوحنا من كرونستادت

يمكننا في إيجاز أن نقول أن البسطاء يقبلون الملك المسيّا ويحملون صليبه كنيرٍ عذبٍ، سرّ عذوبته أنهم فيما هم يحملونه يكتشفون ملكهم الحامل للصليب معهم وعنهم وفيهم أيضًا.

مرحِّبًا بالنير إن كان هو نير المسيح، فإنّنا لن نقدر أن نلتقي بمسيحنا خارجًا عن نيره، ولا أن نتعرّف على أبيه بدون صليبه!

+        +        + 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt