طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 16  أبيب

عشية

باكر

القــــداس

مز 19 : 1 ، 4

يو 15 : 7 – 16

مز 45 : 1 ، 2

يو 1 : 1 - 17

رومية 10

4 - 18

1 يو 1 : 1

- 2 : 6

أع 3

1 – 16

مز 139 : 17 ، 18

يو 21 : 15 - 25

 

البولس رومية 10 : 4 – 18

جهلهم غاية الناموس

إن كانت "الأنا" قد حجبت عنهم الالتقاء مع الله بعمله فيهم، فصار برّهم الذاتي المزعوم عائقًا عن تمتّعهم ببرّ الله، فإن تمسكهم بحرفيّة الناموس وشكليّاته أفقدهم المتعة بغاية الناموس الحقيقية، ألا وهو الالتقاء بالمخلّص. يقول الرسول: "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ، لكل من يؤمن، لأن موسى يكتب في البرّ الذي بالناموس، أن الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها" [4-5].

اقتبس الرسول بولس من موسى العبارة: "تحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها إنسان يحيا بها" (لا 18: 5). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الإنسان لا يمكن أن يحيا ولا أن يتبرّر ما لم يتمّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذي يعتبر مستحيلاً. لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسان أن يحقّق البرّ والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذي وحده غير كاسرٍ للناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذرًا يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلن عن المسيح بكونه وحده يتركّز فيه البرّ؛ من ينعم بالبرّ الذي قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنّ في نفسه أنه بالناموس يتبرّر.

+ المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذي أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن.

القدّيس إكليمنضس السكندري

رفضهم بساطة الإيمان

ربّما يتساءل البعض: إن كان اليهود قد عجزوا عن تحقيق البرّ بالناموس بتنفيذ وصاياه، فماذا يكون حالنا أمام الوصايا الإنجيليّة وهي أصعب من وصايا الناموس؟ لذلك أسرع الرسول ليوضّح الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال السيد المسيح والتي يمكن تركيزها في نقطتين جوهريتين:

أ. أن الإيمان بالمسيح بسيط وقريب منّا للغاية [6-8 ].

ب. أن الأب أقام المسيح، ليهبنا قوّة القيامة عاملة فينا [9-11].

بهذا لم يحطم الرسول الأعذار اليهوديّة فحسب، وإنما فتح لنا باب الإيمان لنعيشه بكونه سهل المنال، خلال الحياة المُقامة لنا في المسيح ربنا.

أولاً: رفضهم الإيمان البسيط القريب

"وأما البرّ الذي بالإيمان فيقول هكذا:

لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح،

أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح من الأموات،

ولكن ماذا يقول؟

الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك،

أي كلمة الإيمان التي نكرز بها" [6-8].

اقتبس الرسول عبارات لموسى النبي بعد أن أعطاها مسحة إنجيلية، إذ جاء في سفر التثنية: "أن هذه الوصيّة أوصيك بها اليوم ليست عسرة عليك، ولا بعيدة منك، ليست هي في السماء حتى تقول من يصعد لأجلنا إلى السماء ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ ولا هي في عبر البحر حتى تقول: من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ بل الكلمة قريبة منك جدًا في فمك وفي قلبك لتعمل بها" (تث 30: 11-14).

كان موسى يُحدّث شعبه عن الشريعة أو الوصيّة الإلهية أو الكلمة الإلهية، كيف صارت بين أيديهم ليست ببعيدة عنهم، ليست بالشريعة المرتفعة في السماء يصعب بلوغها والتعرف عليها، ولا هي في الأعماق ليس من ينزل إليها ليجلبها. إنما صارت في وسطهم تبكّتهم وتحثهم على الرجوع إلى الله. إن كان هذا ينطبق على كلمة الله المُعلنة خلال الحروف والمُسلمة بين يديّ موسى النبي لتُوضع في الهيكل وسط الشعب، فبالأحرى تنطبق على كلمة الله المتجسّد، الذي صار إنسانًا وحلّ بيننا كواحد منّا. فلم يعد غريبًا عنّا ولا ببعيدٍ عن حياتنا، بل هو قريب إلينا. يسكن فينا ويحلّ بروحه في داخلنا، لنحيا به في كلماتنا وتصرّفاتنا وكل مشاعرنا وأحاسيسنا.

في القديم كان اليهود يعتزون بأنهم شعب الله الذي تسلم الشريعة الإلهية بواسطة موسى بيد ملائكة (عب 2: 2)، أمّا الآن فقد جاءنا الكلمة نفسه متجسدًا، يهبنا ذاته، ويجعلنا فيه أبناء الآب في مياه المعموديّة بالروح القدس. يقول القدّيس أغسطينوس: [أرسل الناموس بواسطة خادم، أمّا النعمة فجاء بنفسه من أجلها.]

إن كان برّ الناموس صعبًا بل ومستحيلاً، فقد جاء السيد المسيح لا ليقدّم وصايا سهلة، ولا ليتهاون مع مؤمنيه، وإنما قدّم ذاته قريبًا من مؤمنيه، بل ساكنًا فيهم، لا ليتمّموا أعمال الناموس إنما به يزيد برّهم عن الكتبة والفرّيسيّين، كقوله: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20).

حدّثنا القدّيس أغسطينوس عن طريق لقائه مع الله قائلاً بأنه في غباوة كان يبحث عن الله في الطبيعة وكتب الفلاسفة، خرج خارجًا عن نفسه يطلبه، بينما كان الله في داخله عميقًا أعمق من نفسه وعاليًا أعلى من علوّه. إذن لنطلبه في داخلنا، فنجده يملك على القلب، ويُقيم عرسه فيه!

ثانيًا: التمتّع بقيامة المسيح فينا

"لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع،

وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت،

لأن القلب يؤمن به للبرّ،

والفم يعترف به للخلاص،

لأن الكتاب يقول: كل من يؤمن به لا يخزى" [9-11]

إن كان الإيمان ليس بالأمر الصعب، لكنه كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم يطلب نفسًا متيقظة ساهرة تقبل المسيح الذي قام من الأموات. فكما سبق فقال الرسول أن إبراهيم "على خلاف الرجاء آمن على الرجاء" (رو 4: 18)، هكذا المسيحي يقبل على خلاف الرجاء الطبيعي الحياة المُقامة في المسيح. هذا هو مركز إيماننا!

يلاحظ في هذه العبارة الرسولية الآتي:

أ. اشتراك الفم مع القلب في الإيمان: "إن اعترفت بالرب يسوع، وآمنت بقلبك... خلصت" [9]. فإن كان القلب هنا يُشير إلى الإنسان الداخلي، فإن الفم يُشير إلى الحياة الظاهرة؛ إيماننا في جوهره لقاء النفس الداخليّة مع عريسها لكن دون تجاهل للجسد بكل أعضائه! بمعنى آخر إيماننا يمس أعماقنا الداخليّة وتصرفاتنا الظاهرة. بدون القلب يصير اعترافنا الظاهري لغوًا وتعصبًا وشكليّات، وبدون الحياة العاملة والاعتراف الظاهر لا ننعم بهذه المكافأة: "كل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات" (مت 10: 32).

+ ينبع هذا الاعتراف عن جذور القلب. أحيانًا تسمع إنسانًا يعترف (بالمسيح) لكنك لا تدرك إن كان مؤمنًا أو غير مؤمن يجب ألا تدعو أحدًا أنه يعترف (بالمسيح) أن كان غير مؤمنٍ (بقلبه)، لأن من يعترف هكذا إنما ينطق بغير ما في قلبه.

القدّيس أغسطينوس

ليتنا نؤمن بربنا يسوع بكل قلبنا، فيملك كربٍ، ويخلص أعماقنا من كل ظلمة، متجاوبين مع مخلصنا بحياتنا المقدّسة فيه، فنعترف به بشفاهنا.

يرى القدّيس أمبروسيوس الاعتراف بالفم يمثل إحدى القبلات التي يقدّمها المؤمن لعريسه السيد المسيح حين يناجيه، قائلاً: "ليقبلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر" (نش 1: 2). فإن كان عريسنا لا يكف عن أن يقبّلنا بقبلات الحب العملي الباذل، يليق بنا أن نرد القبلات بالقبلات، والحب بالحب، لنوجد فيه محبوبين ومقدّسين.

ويرى القدّيس أمبروسيوس أيضًا في الاعتراف بالفم والإيمان بالقلب أشبه بالبوقين الذين من الفضة (عد 10: 2): [بهذين البوقين يبلغ الإنسان الأرض المقدّسة، أي نعمة القيامة. دعهما يصوتان لك كي تسمع صوت الله، فتحثك منطوقات الأنبياء والملائكة على الدوام وتسرع بك إلى العلويات].

ب. الاعتراف بالفم بربنا يسوع المسيح لا يعني مجرّد شهادة الشفتين له، وإنما تعني إبراز الحياة المقدّسة لا لمجد الإنسان، وإنما لمجد الله نفسه، إذ يقول السيد المسيح: "فليضيء نوركم قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 16).

 وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [الذين يرغبون في إظهار أعمالهم الحسنة للناس ليمجدوا ذاك الذي أخذوا منه هذه الأعمال الظاهرة فيهم فيتمثلون بهم بالإيمان، بالحق يضيء نورهم أمام الناس، لأن منهم تنبعث أشعة نور المحبّة... لاحظوا الرسول أيضًا عندما يقول: "كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء" (1 كو 10: 33)، فإنه لم يقف عند هذا كما لو كان إرضاءه للناس هو هدفه النهائي، وإلا فباطلاً يقول: "لو كنت بعد أرضى الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل 1: 10)، بل أردف في الحال مظهرًا سبب إرضائه الناس، قائلاً: "غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 33). فهو لا يرضي الناس لنفعه الخاص وإلا فلا يكون عبدًا للمسيح، بل يرضي الناس لأجل خلاصهم حتى يكون رسولاً أمينًا للمسيح].

ج. "لأن الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى" [11]. اقتطف الرسول بولس ذلك عن سفر إشعياء (28: 16 الترجمة السبعينية)، ليؤكّد أمرين، الأول أنه بأعمال الناموس يمكن للإنسان أن يخزى، إذ يعجز عن التمتّع بالبرّ، أمّا بالإيمان الحيّ فلن يخزى. الأمر الثاني أنه لم يحدد فئة معيّنة بل قال: "كل من يؤمن به"، مؤكدًا عمومية الخلاص بلا تمييز بين يهودي وأممي.

رفضهم حب الله الشامل

إذ سبق أن كشف الرسول عن سرّ جحود اليهود: رفضهم الإيمان البسيط القريب، جاء بعبارة نبوية مقتبسة من إشعياء النبي (28: 16) نعلن أن "كل" من يؤمن به لا يخزى. كما يقتبس من يوئيل العبارة "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (يوئيل 2: 28-29). العبارة التي اقتبسها الرسول بطرس في عظة يوم الخمسين (أع 2: 21).

هكذا لا يتوقف الرسول بولس عن تأكيد انفتاح باب الإيمان لجميع الأمم، "لأن الله، هو رب الكل" (أع10: 36) كما قال القدّيس بطرس في بيت كرنيليوس.

"لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني،

لأن ربًا واحدًا للجميع،

غنيًا لجميع الذين يدعون به،

لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص" [12-13].

رفضهم الالتزام بالكرازة

يدخل القدّيس بولس الرسول بهم إلى اتهام جديد، ألا وهو تجاهلهم الدور الرئيسي الذي كان يجب أن يقوموا به كشعب الله المختار: الكرازة بالمسيّا الذي شهد له العهد القديم برموزه ونبوّاته. بمعنى آخر كان يليق بهم عِوض الدخول في مناقشات غبيّة بتشامخٍ وكبرياءٍ ضد الأمم أن يكونوا هم الكارزين لهم بالإيمان. هذا ما قصده الرسول بقوله: "فكيف يدعون بمن لا يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟ وكيف يكرزون أن لم يُرسلوا؟ كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات..." [14-15].

يقدّم لنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم تحليلاً رائعًا لهذا النص الرسولي، إذ يقول بأن الرسول يجرّدهم من كل عذر، فبعدما قال أن لهم غيرة لله لكن ليس حسب المعرفة، بدأ عن طريق الأسئلة يوضّح أنه كان يحب أن يكونوا أول المؤمنين بالسيد المسيح، لأنه قد أُرسل لهم الأنبياء ككارزين لهم به خلال النبوّات، لكنهم سدوا آذانهم ورفضوا الإيمان. فإن كان الخلاص يتطلب الدعوة باسمه كقول يوئيل النبي: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (رو 10: 13؛ يوئيل 2: 28-29)، فالدعوة باسمه تستلزم الإيمان به، والإيمان يتطلب السماع عنه، والسماع لا يتحقّق إلا بالكارزين، والكارزون لا يبشِّروا ما لم يُرسلوا. وقد أُرسل لهم الكارزون فعلاً وكرزّوا قبل مجيئه بأجيال كثيرة كقول إشعياء الذي أعلن عن رسالة الكارزين المبشرين بالسلام (إش 52: 7)، ومع هذا فقد رفض اليهود الإيمان، فهم بلا عذر.

كان يليق باليهود أن يسبقوا الأمم في قبول الإيمان بالمسيّا المخلص ليقوموا بدور الكارزين، مكمِّلين رسالة أنبيائهم، عِوض مقاومتهم للإيمان. هكذا يظهر الرسول أن دينونتهم مضاعفة.

على أي الأحوال حتى هذا الرفض للإيمان تنبأ عنه إشعياء، إذ يقول الرسول: "لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل، لأن إشعياء يقول: يا رب من صدّق خبّرنا؟ إذًا الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله، لكنني أقول: ألعلّهم لم يسمعوا؟ بلى إلى جميع الأرض خرج صوتهم، وإلى أقاصي المسكونة أقوالهم" [16-18].

لقد سبق فأنبأ إشعياء أنه ليس الجميع يطيعون الإنجيل، إذ يرفض كثير من اليهود خبر التبشير الذي سبق فأعلنه النبي نفسه (إش 53: 1). هو قدّم الخبر ليؤمنوا بالإنجيل، لكنهم لم يسمعوا، مع أن الأمم الذين في أقاصي المسكونة سمعوا وآمنوا، وهكذا صاروا شهودًا على اليهود.

اقتبس الرسول جزءًا من المزمور 19 حيث ينشد المرتّل: "السماوات تحدّث بمجد الله، والفَلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يذيع كلامًا، وليل إلى ليل يبدي علمًا، لا قول ولا كلام لا يسمع صوتهم، في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم". يُعلن المرتّل في هذا المزمور أن الشهادة عن الله عامة والكرازة بأعماله مقدّمة لكل البشريّة خلال الطبيعة عينها (السماوات والفلك) وخلال كرازة الكارزين التي تبلغ أقصى المسكونة، وكأن المرتّل قد شاهد بروح النبوّة خدمة الرسل التي اتّسعت لتضم الشعوب والأمم من مشارق الشمس إلى مغاربها.

+         +           +     

إنجيل القداس يوحنا 21 : 15 – 25

15 فبعدما تغدوا قال يسوع لسمعان بطرس يا سمعان بن يونا اتحبني اكثر من هؤلاء قال نعم يا رب انت تعلم اني احبك قال له ارع خرافي
16 قال له ايضا ثانية يا سمعان بن يونا اتحبني قال له نعم يا رب انت تعلم اني احبك قال له ارع غنمي
17 قال له ثالثة يا سمعان بن يونا اتحبني فحزن بطرس لانه قال له ثالثة اتحبني فقال له يا رب انت تعلم كل شيء انت تعرف اني احبك قال له يسوع ارع غنمي
18 الحق الحق اقول لك لما كنت اكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك و تمشي حيث تشاء و لكن متى شخت فانك تمد يديك و اخر يمنطقك و يحملك حيث لا تشاء
19 قال هذا مشيرا الى اية ميتة كان مزمعا ان يمجد الله بها و لما قال هذا قال له اتبعني
20 فالتفت بطرس و نظر التلميذ الذي كان يسوع يحبه يتبعه و هو ايضا الذي اتكا على صدره وقت العشاء و قال يا سيد من هو الذي يسلمك
21 فلما راى بطرس هذا قال ليسوع يا رب و هذا ما له
22 قال له يسوع ان كنت اشاء انه يبقى حتى اجيء فماذا لك اتبعني انت
23 فذاع هذا القول بين الاخوة ان ذلك التلميذ لا يموت و لكن لم يقل له يسوع انه لا يموت بل ان كنت اشاء انه يبقى حتى اجيء فماذا لك
24 هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا و كتب هذا و نعلم ان شهادته حق
25 و اشياء اخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست اظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة امين
 

 

حديثه مع بطرس

أكد لهم السيد المسيح أنه خالق الجسد والروح. اهتم أن يقدم لهم إفطارًا من صنع يديه لإشباع احتياجاتهم الجسدية، والآن يهتم بالطعام الروحي لإشباع احتياجاتهم الروحية.

تم هذا الحوار بين السيد المسيح والقديس بطرس بعدما تغدّ التلاميذ وشبعوا. وربما تم أثناء الأكل حيث مال السيد نحو سمعان بطرس يتحدث معه. لقد سبق أن التقى السيد المسيح بتلميذه بعد القيامة على الأقل مرتين أو ثلاثة، ولم يفتح معه هذا الحديث، ربما لأن السيد المسيح أراد أن يعطي سمعان بطرس نوعًا من الطمأنينة أن توبته قد قُبلت، وأن ما حدث لن يؤثر على علاقة السيد به. وبعد أن اطمأن سمعان بطرس فاتحه السيد في الأمر. ويرى البعض أن سمعان بطرس لم يشر إلى هذا الأمر خشية أن يعلن له السيد عن ضعفات أو سقطات أخرى ستحدث معه، إذ أدرك أن السيد المسيح يعرف أعماقه أكثر مما يعرفها هو عن نفسه. كان بطرس الرسول محتاجًا إلى هذه الجلسة لترجع إليه الثقة في عمل اللَّه فيه.

"فبعدما تغدوا، قال يسوع لسمعان بطرس:

يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟

قال: نعم يا رب أنت تعلم إني أحبك.

قال له: ارعَ خرافي". (15)

في مبادرة الحنان الشخصية هذه نحو سمعان بطرس العزيز عليه لاستعادته إلى الشركة الكاملة، شركة الذين أصبحوا الآن مختومين بختم القيامة، لم يشر السيد المسيح إلى اسم سمعان الجديد "بطرس" الذي وهبه إيّاه، وكأنه يعيد تجديد العهد معه.

"أتحبني أكثر من هؤلاء؟" يرى البعض أنه يقصد: هل تحبني أكثر من حبك لهؤلاء جميعًا، لكن الواضح أنه يسأله إن كان يظن أن حبه للسيد المسيح أكثر من حب بقية التلاميذ له كما كان يظن قبلاً، حين أعلن أنه مستعد أن يسير حتى إلى الموت، حتى إن أنكره الجميع. لم يجسر سمعان بن يونا في إجابته أن ينطق ويقول: "أكثر من هؤلاء" لأنه خشي أن يحمل في داخله ضعفًا هو يجهله، ولأنه يقدم توبة عما سبق فأعلنه أنه لن ينكره حتى إن أنكره الجميع. تحدث في أسلوب مملوء حياءً وخشوعًا! إذ تعلم القديس بطرس ألا يتكل على ذاته، بل يسلم الأمر بين يدي مخلصه، قائلاً: "أنت تعلم". إنه لم يعد يثق في شهادته الخاصة، ولم يكن ممكنًا أن يطلب شهادة بقية التلاميذ، إنما طلب شهادة السيد المسيح نفسه العارف القلوب والقادر أن يسند الضعفاء.

لم يسأله السيد عن توبته بخصوص جحده له ثلاث مرات، لكنه اكتفى بالسؤال عن حبه له، فالتوبة في جوهرها هي ممارسة حب للَّه. هذا ما يطلبه السيد المسيح من كل تائبٍ حقيقيٍ. لذلك عندما مدح المرأة الزانية التائبة قال لسمعان الفريسي: "لأنها أحبت كثيرًا مغفورة لها خطاياها الكثيرة" (لو 7: 47).

لكي يرد السيد المسيح سمعان بطرس إلى خدمة النفوس سأله: "أتحبني؟"، فإنه لا يأتمن إنسانًا على هذه الخدمة ما لم يكن قلبه مملوء حبًا لشخص المسيح. لأن ما يقدمه للبشرية لأجل خلاصها، إنما يقدمه للسيد المسيح نفسه. من لا يحب السيد المسيح لن يقدر أن يخدم النفوس ويهتم بخلاصها، لأنه لا يعرف قيمتها، هذه التي مات المسيح عنها، وقدم دمه ثمنًا لخلاصها. استخدم السيد المسيح كلمة "أغاباس"، وهو أسمى أنواع الحب وأكرمه، أما بطرس فخجل من استخدام ذات الفعل لكن بروح التواضع استخدم كلمة "فيليو" وهي تستخدم لمحبة الأصدقاء.

 

"قال له أيضًا ثانية:

يا سمعان بن يونا أتحبني؟

قال له: نعم يا رب أنت تعلم إني أحبك.

قال له: ارعَ غنمي". (16)

في المرة الأولى قدم السيد السؤال ليقارن بين نفسه واخوته إن كان يحب السيد أكثر منهم، وإذ تعلم سمعان بطرس روح التواضع ولم يجب في اعتزاز بذاته لم يعد في المرتين الثانية والثالثة يقارنه باخوته.

+ إن كنا نرعى بخوف، ونخاف على القطيع، فكم يليق بالقطيع أن يخشى على نفسه؟ نصيبنا نحن هو الاهتمام بالرعاية، ونصيبكم هو الطاعة. نصيبنا هو السهر الرعوي، نصيبكم هو تواضع القطيع. إن كنا نحن نبدو كمن نتحدث من مكان مرتفع نضع أنفسنا بخوفٍ عند أقدامكم، إذ نعرف مدى خطورة هذا الكرسي السامي.

القديس أغسطينوس

+ إن كان إيمان الرسول بطرس قد اهتز بآلام ربه، فبالدموع المرّة سمع الكلمات الرقيقة "ارعَ غنمي".

القديس جيروم

"قال له ثالثة: يا سمعان بن يونا أتحبني؟

فحزن بطرس، لأنه قال له ثالثة أتحبني،

فقال له: يا رب أنت تعلم كل شيء،

أنت تعرف إني أحبك.

قال له يسوع: ارع غنمي". (17)

في المرتين الأولى والثانية استخدم السيد المسيح كلمة agapas واستخدم سمعان بطرس كلمة philo في الإجابة وهي تحمل الحب الذي فيه دالة بين الأعزاء. وجاء سؤال السيد للمرة الثالثة مستخدمًا كلمة philo. وكأنه في المرة الثالثة يقول له: "أتحبني أيها الصديق العزيز؟"

شغل التمييز بين التعبيرين كتابات الكثير من دارسي السفر، ورأى الكثيرون إن تعبير agapao عامة يشير إلى الحب القائم على تفكير عقلي متزن مع تكريس عملي للحياة من أجل المحبوب، أما Phileo فيشير إلى الحب العاطفي الحامل حنوًا شخصيًا نحو المحبوب. وكأن السيد يسأل تلميذه: هل تكرس حياتك لي؟ فيجيب التلميذ: بكل عاطفتي أحبك.

 

حزن القديس بطرس إذ تذكر بالسؤال الثالث جحوده ثلاث مرات، لأن تذكار الخطايا حتى التي نلنا عنها الغفران مؤلم للنفس. ولعله حزن خشية أن يكون سيده يرى في داخله ضعفًا لم يعلم هو به، كما سبق فحدث قبلاً حين أعلن أنه مستعد حتى إلى الموت معه.

دعاه لسيد المسيح ثلاث مرات أن يرعى غنمه، ويهتم بهم خلال حبه لصاحب القطيع. وقد شبه السيد الرب نفسه بالراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11). كما يقول عنه إشعياء النبي: "كراعٍ يرعى قطيعه، بذراعه يجمع الحملان، وفي حضنه يحملها، ويقود المرضعات" (إش 40: 21).

+ ليكن دور الحب هو الذي يطعم خراف الرب... من كان لهم هذا الهدف في رعاية خراف المسيح أن تصير الخراف كما لو كانت ملكًا لهم وليست ملك المسيح، فإنهم يُدانون على محبتهم لذواتهم لا للمسيح، والرغبة في الافتخار أو نوال سلطانٍ أو مالٍ وليس عن حب للطاعة والخدمة وإرضاء الله... ماذا يعني هذا إلا إن كنت تحبني فلا تفكر في أن تطعم ذاتك بل غنمي بكونها خاصة بي، وليست خاصة بك؛ أطلب مجدي فيهم وليس مجدك أنت؛ أطلب سلطاني لا سلطانك؛ أطلب ربحي وليس مكسبك أنت، لئلا تجد نفسك تتبع الذين ينتمون إلى الأيام الخطيرة المحبين لذواتهم، وكل ما يتبع ذلك في بداية الشرور هذه؟

القديس أغسطينوس

+ بالتأكيد إذ أنكره ثلاث مرات، اعترف به ثلاث مرات. لقد أنكر وكان الوقت ليلاً والآن يعترف والوقت نهار.

القديس أمبروسيوس

+ أية خطايا يمكن للندامة أن تفشل في غسلها؟ أيّة وصمات راسخة لا يمكن لمثل هذه الدموع أن تغسلها؟ باعتراف بطرس الثلاثي مسح إنكاره الثلاثي.

القديس جيروم

"الحق الحق أقول لك لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك،

وتمشي حيث تشاء،

ولكن متى شخت فإنك تمد يديك وآخر يمنطقك،

ويحملك حيث لا تشاء". (18)

بعد أن رد السيد المسيح القديس بطرس إلى رسوليته عاد يخبره عن استشهاده، وبقوله: "الحق الحق" ليؤكد أن ما ينطق به أمر خطير وهام، له وقاره، وأنه بالتأكيد سيتحقق.

إذ كان في حداثته يتمتع بالحرية حيث يمنطق نفسه متى شاء، ويسير كيفما أراد، خلال هذه الحرية يسلم نفسه في يدي مخلصه، ليمنطقه السيد ويحمله حسب مشيئته الإلهية وليس حسب فكر سمعان أو غيره من المؤمنين. إنه يخضع بإرادته لإرادة اللَّه لكي يتمجد اللَّه حتى في موته. إنه بهذا يُسر بالآلام حتى الموت إذ يمجد اللَّه، شاهدًا للحق الإلهي.

يرى Wetstein في تعبير "تمد يديك" إشارة إلى ما كان معتادًا في روما عند صلب شخص أن توضع رأس الشخص في النير وتُبسط يداه وتشدّان حتى النهاية، ويسيرون به في شوارع المدينة التي يصلب فيها.

إنه يمنطقه آخر بالسلاسل الحديدية ويحملونه إلى حيث لا يشاء، ليس لأنه لا يريد أن يُصلب من أجل حبه للسيد المسيح، وإنما لأنه يود أن يعيش ليكرز ويخدم.

+ أوضح السيد المسيح لبطرس الرسول حال موته، لأنه إذ كان بطرس الرسول يريد دومًا أن يوجد في الأخطار والمصاعب من أجله، قال له: أطمئن فإنني من هذه الجهة أتمم شهوتك، حتى حين تصير شيخًا تقاسي المصاعب التي لم تقاسيها لما كنت شابًا.

+ ماذا إذن "حيث لا تشاء؟" يتحدث عن المشاعر الطبيعية، وضرورة الجسد، وأن النفس تفارق الجسد لا إراديا. حتى وإن كانت الإرادة ثابتة، إلا أنه توجد الطبيعة في ضعف... فتعبير "حيث لا تشاء" يشير إلى الشعور الطبيعي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ هكذا كانت النهاية التي بلغ إليها ذاك الجاحد (لسيده) ألا وهو الحب. لقد صار في تيه بجسارته، وانطرح بجحوده لسيده. اغتسل ببكائه، وتزكى باعترافه، وكُلل باحتماله الآلام.

هذه هي النهاية التي بلغها أن يموت بحبٍ كاملٍ من أجل اسم ذاك الذي وعده أن يموت وذلك في جسارة. لقد فعل ذلك عندما تقوى بقيامته (قيامة المسيح)، الأمر الذي وعد أن يفعله ولم يكن بعد ناضجًا. فإن الترتيب اللازم هو أن يموت المسيح أولاً من أجل خلاص بطرس، وبعد ذلك يموت بطرس من أجل الكرازة بالمسيح.

القديس أغسطينوس

"قال هذا مشيرا إلى أية ميتة كان مزمعًا أن يمجد الله بها،

ولما قال هذا قال له: اتبعني". (19)

إنكار بطرس للسيد المسيح ثلاث مرات هزه في أعماقه، لذلك أراد السيد أن يهبه روح الرجاء المفرح، فأكد له أنه سيمجد الله، ليس فقط في سلوكه كما في كرازته، وإنما حتى آخر نسمة من نسمات حياته، إذ يمجد الله في موته. حتى يستطيع أن يترنم: "إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت؛ إن عشنا وإن متنا فللرب نحن" (رو 14: 8).

تحقق استشهاده بعد 34 عامًا من هذا الحوار، وكان ذلك لمجد اللَّه، إذ حسب الرسول نفسه غير أهلٍ أن يُصلب كسيده، لذا طلب أن يُصلب منكس الرأس كما جاء في يوسابيوس وبرودنتيوس Prudentius والقديسين يوحنا الذهبي الفم وأغسطينوس.

+ الآن لا حاجة لنا أن نخاف بعد من العبور من الحياة الحاضرة، لأنه في قيامة الرب صار لنا مثلاً قويًا للحياة القادمة. الآن ليس لك يا بطرس أن تخاف الموت بعد، فإنه يعيش ذاك الذي حزنت عليه حين مات، والذي في حبك الجسدي حاولت أن تمنعه عن الموت من أجلنا (مت ١٦: ٢١-٢٢).

القديس أغسطينوس

+ لم يقل: "مزمعا أن تموت"، بل قال: "أن يمجد الله بها"، حتى تتعلموا أن التألم من أجل المسيح هو مجد وكرامة للمتألم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ قال السيد المسيح لبطرس "اتبعني" يبدو أن السيد بدأ يتحرك فتحرك وراءه بطرس، لكنه التفت حوله فوجد يوحنا أيضًا يتبعه. غالبًا ما حورب بنوعٍ من حب الاستطلاع، إذ أراد أن يعرف إن كان يوحنا أيضًا سيستشهد أيضًا معه.

حديثه عن يوحنا

"فالتفت بطرس ونظر التلميذ الذي كان يسوع يحبه يتبعه،

وهو أيضًا الذي اتكأ على صدره وقت العشاء،

وقال يا سيد من هو الذي يسلمك؟" (20)

لم يذكر القديس يوحنا اسمه، ربما لأنه حسب نفسه ليس أهلاً أن يُذكر اسمه في الإنجيل المقدس. وفي نفس الوقت لم يكن ممكنًا أن يتجاهل حب السيد المسيح الخاص نحوه.

يرى القديس أغسطينوس أن يوحنا أكثر التلاميذ تمتعًا بحب المسيح له لأنه كان بتولاً، وعاش في طهارة منذ صبوته.

"فلما رأى بطرس هذا قال ليسوع:

يا رب وهذا ما له". (21)

يرى البعض أن بطرس الرسول كان محبًا للاستطلاع، اهتم في ذلك الوقت بالأحداث حتى التي تخص الآخرين، أكثر من تركيزه على التزاماته كتلميذ للسيد المسيح. ولعله شعر بشيء من الغيرة من نحو القديس يوحنا، فهو وإن لم يقل أنه لن ينكر المسيح لكنه عمليًا وضع رأسه على صدر المسيح، ورافقه الطريق حتى الصليب. لم تُجرح العلاقة التي بينه وبين السيد المسيح كما حدث مع بطرس الرسول.

+ إنه لسرّ عظيم للحب الإلهي أنه حتى في المسيح لم يكن يوجد استثناء من جهة موت الجسد. ومع أنه رب الطبيعة لم يرفض قانون الجسد الذي أخذه. إنه من الضروري لي أن أموت، ولكن ليس بالمهم له ذلك.

القديس أمبروسيوس

+ قدم فيما بعد إلى معلمه سؤالاً من أجل غيره، وكان يوحنا الرسول صامتًا وبطرس الرسول يتكلم، فأوضح هنا الحب الذي أخلصه له. لأن بطرس الرسول كان يحب يوحنا الرسول حبًا شديدًا، وهذا واضح من أفعاله فيما بعد، ويتبين في الأناجيل وفي أعمال الرسل ائتلافهما وارتباطهما. وإذ أراد بطرس الرسول أن يأخذ يوحنا الرسول شريكًا قال للسيد المسيح: "يا رب وهذا ما له"، أي أما يسلك الطريق التي لي بعينها؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال له يسوع:

إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجيء، فماذا لك؟

اتبعني أنت". ( 22 )

يرى البعض أن السيد المسيح أراد توضيح أن القديس يوحنا سوف لا يموت شهيدًا مثل القديس بطرس. يقول المؤرخون القدامى أنه التلميذ الوحيد من بين الاثني عشر الذي لم يستشهد.

بقوله: "حتى أجيء"، لا تعني أنه لن يموت حتى مجيء السيد المسيح الثاني، وإنما هو نوع من التوبيخ للقديس بطرس على حبه للاستطلاع وانشغاله بأحداث المستقبل عوض الاهتمام بالعمل الكرازي. يرى آخرون أنه يعني بطريقة خفية أنه لن يموت حتى يتم تدمير أورشليم على يد تيطس الروماني. كثيرون ظنّوا أن كلمات السيد المسيح هنا تشير إلى أن يوحنا يعيش حتى يأتي السيد ليدين أورشليم ويحكم بخرابها. فالقديس بطرس استشهد عام 67م، أي سبع سنوات قبل خراب أورشليم، بينما بقي القديس يوحنا حوالي 30عامًا بعد خرابها.

يرى القديس أغسطينوس وغيره أن هذه العبارة تعني: إن أردت أن يبقى يوحنا إلى يوم مجيئي وآخذه معي خلال موت طبيعي، فماذا لك؟ اتبعني لتحمل أنت صليبك. وقد جاء التاريخ يؤكد أنه التلميذ الوحيد الذي تنيح بموتٍ طبيعيٍ وليس بالاستشهاد، وأنه بقي حيًا حتى استشهد الكل.

ظن البعض أن بطرس الرسول كان منفردًا مع السيد المسيح وهما يتحدثان معًا، وإذ كان يعلم مدى دالة القديس يوحنا عند السيد المسيح ظن أنه سيلحق بهما وهما يسيران ويتحدثان، لكن السيد أوضح له أن يترك الأمر في يديه، فقد يترك يوحنا حتى يعود إليه بعد نهاية حديثه مع بطرس.

+ قال بطرس الرسول هذا القول مهتمًا بيوحنا الرسول جدًا، ولم يرغب أن ينفصل عنه، فأراه السيد المسيح أنه مهما أحبه لا يصل إلى حبه هو له، وقال: "إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجئ فماذا لك؟ اتبعني أنت". ولما كان بطرس الرسول دائمًا حارًا في مثل هذه المسائل، مندفعًا فيها، قطع السيد المسيح حرارته أيضًا، وعلمه ألا يبحث خارج الحد، وقال له: "إن كنت أشاء أن يبقى حتى أجئ فماذا لك؟"

v إنه يعلمنا ألا نحزن ولا نتضايق ولا نكون فضوليين نسأل خارج ما يبدو صالحًا بالنسبة لنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فذاع هذا القول بين الاخوة أن ذلك التلميذ لا يموت،

ولكن لم يقل له يسوع انه لا يموت،

بل إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجيء فماذا لك؟" (23)

إذ طال عمر القديس يوحنا فعاش حتى استشهد كل التلاميذ ظن المؤمنون أنه لن يموت حتى مجيء السيد المسيح الثاني، إذ فسّروا كلمات السيد بتأويلها على غير ما تحتمله الكلمات، لكن القديس يوحنا صحح مفهومهم وأكد أن السيد لم يقل هذا.

يرى البعض أن الرسولين بطرس ويوحنا هنا يشيران إلى الحياة العاملة والحياة المتأملة في الكنيسة. فمن يمارس التأمل لن يلحق به الموت كالحياة العاملة، إنما يدخل به الموت إلى الكمال، خاصة عند مجيء الرب حيث لا توجد أعمال كرازية أو صدقة بل حياة تسبيح وتأمل في الرب.

 

يرى القديس أغسطينوس أن ما ورد هنا بخصوص الرسولين بطرس ويوحنا يحمل معنى رمزيًا. فالقديس بطرس يمثل المؤمن في جهاده على الأرض وشهادته للسيد المسيح خلال محبته له. لهذا كان بطرس أكثر التلاميذ حبًا للسيد، وقد سأله السيد: "يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟"، أما القديس يوحنا فيمثل المؤمن وقد تمتع بالمجد الأبدي في الحياة الأخرى، فلا يسأل: أتحبني؟ وإنما يُمتص كل كيانه في حب المسيح له، فبينما كان بطرس أكثر التلاميذ حبًا للسيد، كان يوحنا أكثر التلاميذ محبوبًا من المسيح، فدعا نفسه: "التلميذ الذي كان يسوع يحبه". دُعي بطرس من السيد: "اتبعني" حيث يلتزم المؤمن المحب للسيد المسيح أن يترجم حبه إلى شركة آلام مع المسيح، فيتبعه حتى الصليب. وقال السيد المسيح عن يوحنا: "إن كنت أشاء أن يبقى إلى أن أجئ" حيث لا يستطيع الموت أن يتسلل إلى المؤمن في مجده الأبدي. الأول يتبع المسيح بالإيمان، والثاني يتمتع بمجد القيامة عيانًا.

ختام السفر

"هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا،

وكتب هذا،

ونعلم أن شهادته حق". (24)

يسجل الكاتب بوحي الروح القدس إنه تلميذ للرب يكتب بشهادة صادقة عما رآه بنفسه وسمعه من السيد المسيح، وجاءت شهادته تعلن عن الحق.

"وأشياء آخر كثيرة صنعها يسوع،

إن كتبت واحدة واحدة،

فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة. آمين". (25)

يرى البعض أن هاتين العبارتين (24-25) سجلهما من استلموا السفر من يد الإنجيلي يوحنا ليؤكدا أن السفر هو من شهادة هذا التلميذ الموثوق فيه.

كما لاحظنا في المقدمة أن هذا السفر كثيرًا ما يكرر كلمة "العالم" لتأكيد أن المسيح مخلص العالم كله وليس اليهود وحدهم.

المعجزات والآيات التي صنعها السيد المسيح أكثر من أن تُحصى، ومع كثرة عددها أيضًا تنوعّها. لهذا يرى بعض الدارسين أنه يمكن تفسير العبارة حرفيًا، فإن إلهنا غير المحدود يقوم بأعمال ظاهرة وخفية غير محدودة، لن يستطيع العالم أن يسجلها بأكملها.

ليس غاية الكتاب المقدس حصر أعمال السيد المسيح وكلماته، وإنما الكشف عن شخصه وسماته وأعماله في حياة المؤمن. وقد سجّل الإنجيليون الآخرون عبارات تكشف عن كثرة أعمال السيد المسيح المعجزية (مت 4: 23-24؛ 9: 35؛ 11: 1؛ 14: 14، 36؛ 15: 30؛ 19: 2 الخ). كمثال القديس بولس اقتبس عبارة من أقوال السيد المسيح لم ترد في الأناجيل الأربعة (أع 20: 35). فما سجله العهد الجديد عن شخص السيد المسيح وأعماله وكلماته كان كافيًا لتمتع الكنيسة بشخصه وفكره وأعماله.

أساء بعض النقاد فهم هذه العبارة، غير أن كثير من الدارسين سجّلوا لنا أن مثل هذه التعبيرات هي تعبيرات شرقية وُجدت في كتابات كثيرة ولم تُنتقد، واستخدمها أيضًا كتّاب غربيون. مثل هذا العبارة التي تحمل نوعًا من المبالغة هي تعبير سائد استخدمته أيضًا الأسفار المقدسة. مثال ذلك ما قاله الجواسيس "رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة، فكنا في أعيننا كالجراد، وهكذا كنا في أعينهم" (عد 13: 13). "كبرت الشجرة وقويت فبلغ علوّها إلى السماء، ومنظرها إلى أقصى كل الأرض" (دا 4: 11). "شعب أعظم منا وأطول منا، مدن عظيمة محصنّة إلى السماء" (تث 1: 28). وجاء في يوسيفوس المؤرخ عن يعقوب أنه نال وعدًا بأن أرض كنعان تكون له ولنسله الذين يملأون الأرض كلها التي تشرق عليها الشمس، سواء على الأرض أو في البحر.وفي الغرب جاء عن شيشرون أن طاقات الشعب الروماني بالكاد يضاهيها المجد الذي في السماء، وأنه بالكاد كوكب الأرض يحتويها.

+ لسنا نفترض أنه يتحدث بخصوص المساحة المحلية للعالم أنها لا تستطيع أن تحويها، لأن كيف يمكن كتابتها إن كان العالم لا يقدر أن يحويها أثناء الكتابة؟ لكن ربما أن هذه الكتابات لا يمكن فهمها حسب طاقات القراء.

القديس أغسطينوس

آمين: هذه الكلمة خاتمة كل البشائر، ومعناها "ليكن ذلك" ويصح أن نقولها بمعنى ليكن لنا إيمان بما كُتب هنا وطاعة لما أُمرنا به وتمتع بما وُعدنا به.

 

+           +           +

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt