طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 11 أبيب

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 4 : 6 – 8

مت 16 : 24 - 28

مز 5 : 11 ، 12

مت 10 : 34 - 42

رومية 8

18 - 30

1 بط 3

8 - 15

أع 19

23 - 41

مز 68 : 35 ، 3

لو 12 : 4 - 12

 

البولس من رومية 8 : 18 – 30

تجديد الخليقة وعمل الروح

سبق فحدثنا عن "ناموس الروح" مبرزًا عمل الله فينا، أنه يعتقنا من الدينونة إن سلكنا بالروح القدس وليس حسب شهوات جسدنا، ويهبنا اهتمام الروح الذي هو الحياة والسلام، وننعم بسكنى السيد المسيح فينا فيهبنا برّه، وننعم بعربون القيامة عاملاً فينا، ونشعر بالدين نحو الروح الذي يهبنا البنوة لله والميراث مع المسيح والشركة معه. الآن يحدثنا عن عمل الروح فينا وأثره حتى على الخليقة غير العاقلة، مبرزًا ترقب العالم المخلوق من أجلنا لعودتنا إلي الأحضان الإلهية كأبناء لله بعد أن تركناه زمانًا فسببنا للأرض اللعنة وللخليقة فسادًا. هذا من جانب، ومن جانب آخر إذ نعود الآن لنختبر عربون الروح بقيامة نفوسنا من موت الخطية تتمتع أيضا أجسادنا بهذه القيامة مترقبة يوم الرب العظيم بصبرٍ ليعيش الإنسان بكليته، نفسًا وجسدًا، في كمال قوة القيامة أبديًا. ولئلا يستصعب المؤمن هذا أكدّ دور الروح القدس نفسه، واهتمامه بنا، لتحقيق هذا العمل فينا.

أولاً: بدأ الرسول حديثه بالقول: "فإني أحسب أن الآم الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18].

وضع هذه العبارة كخاتمة للحديث السابق وافتتاحية للحديث الجديد، فإنه إذ كان يتحدث عن "برّ المسيح" وارتباطه بناموس الروح، كاشفًا عن عمل الروح فينا، خاصة البنوة لله والتمتع بالميراث أراد أن يوضح أن حياتنا مع الله ليست هروبًا من الضيق والألم الحاضر، وإنما هي ارتفاع على الآلام الحاضرة خلال انفتاح القلب علي المجد الأبدي. وكأن الرسول بعد أن عرّفنا علي عطايا الله غير المدركة إذا به يقودنا بثقة وسط آلام هذا الزمان وأخطاره، معلنًا أن اتحادنا مع الله بروحه القدوس في ابنه لا يغير الظروف المحيطة بنا بل يهبنا اتساعًا في القلب والفكر وقوة للنفس لتجتاز كل الظروف بنبلٍ من أجل الأمجاد الأبدية.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذه العبارة قائلاً: [لاحظ كيف يهدئ روح المصارعين ويرفعها في نفس الوقت، فإنه بعد ما أظهر أن المكافآت أعظم من الأتعاب، يحثهم لاحتمال متاعب أكثر دون أن يستكبروا، إذ لا يزالوا يغلبون لنوال الأكاليل كمكافأة لهم. في موضع آخر يقول: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجًد أبديًا"(2 كو 4: 17). هنا لم يقل إن الآلام خفيفة، لكنه يربط الآلام بالراحة خلال إعلان المكافأة بالصالحات العتيدة. "فإني أحسب أن الآلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18]... لم يقل "المجد الذي سيكون لنا" وإنما "يُستعلن فينا"، كما لو كان المجد فينا فعلاً لكنه لم يستعلن بعد... هذا أوضحه أكثر في موضع آخر: "حياتنا مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 3)... هذه الآلام ـ أيًا كانت ـ مرتبطة بحياتنا الحاضرة، أما البركات القادمة فتبلغ عصورًا بلا حدود.]

هذا الحديث الرسولي عن المجد الأبدي الذي يُستعلن فينا خلال الآلام الزمنية المؤقتة ألهب قلب المؤمنين للانطلاق بالحب الإلهي على مستوى سماوي يرفع نفوسهم فوق كل ألم وضيق أو طلب خير زمني أو بركة مؤقتة:

+ المحبة لا تجد شيئا ثقيلاً؛ الغيور لا يعرف عملا صعبًا. تأمل ما احتمله يعقوب من أجل راحيل المرأة التى وُعد بها، إذ يقول الكتاب المقدس: "فخدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها" (تك 29: 20). لقد أخبرنا بنفسه بعد ذلك عما احتمله: "كنت في النهار يأكلني الحرّ في الليل الجليد" (تك 31: 40). هكذا يليق بنا أن نحب المسيح ونطلب على الدوام قبلاته، وعندئذ يبدو كل صعب سهلاً لنا، وما هو طويل يصير قصيرًا.

لنُضرب بسهام حبه (مز 120: 5) فنقول في كل لحظة: "الويل لي فإن غربتي قد طالت عليّ" (مز 120: 5).

+ إن تطلعت أن ترث خيرات العالم لا تقدر أن تكون شريكًا مع المسيح في الميراث.

+ إنك طماع للغاية يا أخي، إذ تود أن تبتهج بالعالم هنا وتملك مع المسيح هناك.

القديس جيروم

+ [إلى المُقدمين للاستشهاد]  

إنكم تنتظرون كل يومٍ بفرحٍ يوم رحيلكم المنقذ.

ها أنتم قد تركتم العالم بالفعل، وتسرعون نحو مكافاءات الاستشهاد، نحو المنازل الإلهية، لكي تروا

بعد ظلمة العالم هذه النور اللائق، وتتقبلون مجدًا أعظم من كل الآلام والأحزان.

الشهيد كبريانوس

+ "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" [18]. أنظر فإن النير هين والحمل خفيف (مت 11: 29). فإنه وإن كان عسيرًا علي القليلين الذين اختاروه، لكنه سهل بالنسبة للذين يحبونه. يقول المرتل: "علي حسب كلامك شفتيك لزمت طرقًا وعرة" (مز 26: 4).

القديس أغسطينوس

ثانيًا: إذ يعلن الرسول أن الروح لا ينزع عن المؤمن الآلام والضيقات إنما يهبه مجدًا خفيًا في الداخل وسط الآلام الخارجية، يُستعلن هذا المجد في يوم الرب العظيم، ينتقل من حياة المؤمن الداخلية إلي الخليقة عينها، قائلا:"لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله" [19].

ماذا يقصد بالخليقة التي تترقب في شوقٍ إعلان بنوتنا لله؟

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يقصد بالخليقة هنا العالم كله بما فيه من جمادات. فإن كان الله قد خلق العالم كله من أجل الإنسان ليحيا سيدًا فيه يحمل صورته الإلهية ومثاله، فإن فساد الإنسان انعكست آثاره حتى علي الخليقة، فعندما سقط آدم جاء الحكم: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكًا وحسكًا تنبت لك" (تك 3: 17-18). قاوم الإنسان إلهه، فأثمرت مقاومته مقاومة الخليقة له، لكنها حتى في هذه المقاومة كأنها تترجى عودته إلى حضن الله كابن له فتعود هي متهللة من أجل الإنسان الذي خلقت لأجله.

صوّر الرسول بولس الخليقة كشخصٍ يئن ويتمخض معًا يترجى صلاح الحياة كلها. غير أن هذا لا يُفهم بصورة حرفية مادية وإلا توقعنا أن تعود البشرية كما مع آدم في الفردوس الأول الأرضي المادي ويبقى الفردوس خالدًا، الأمر الذي يتنافى مع فكر المسيح وروح الإنجيل، إنما أراد الرسول أن يبرز فاعلية عمل السيد المسيح في حياة الإنسان، حتى تكاد الخليقة غير العاقلة أن تنطق متهللة من أجل المصالحة مع الله وعودته إلى الأحضان الأبوية.

في أوضاع استثنائية سمح الله للطبيعة العنيفة أن تخضع للمؤمن، كملاطفة الحيوانات المفترسة الجائعة للشهداء في الساحات الرومانية، وعدم فاعلية السم علي بعضهم، وسكنى بعض المتوحدين والسواح مع الحيوانات البرية، وإعالة البعض في الصحراء بواسطة غربان الخ. هذا كله لم يكن قاعدة عامة إنما تحققت بفيض خاصة في عصور الضيق الشديد لمساندة الإيمان بطريقة ملموسة، ولتأكيد العطايا الإلهية الداخلية غير المنظورة والأمجاد السماوية المترقبة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[يجعل (الرسول بولس) من العالم كله أشبه بشخصٍ، كما سبق ففعل الأنبياء عندما قدموا الأنهار تصفق بالأيادي (مز 98: 8)، والتلال تقفز، والجبال تتحرك، لا لنتخيل هذه الكائنات الجامدة أشخاصًا حية، فننسب لها قوة العقل، وإنما لكي ندرك عظمة البركات وكأنها قد أثارت الخليقة غير الحسية أيضًا. يستخدمون ذات الأسلوب أيضا في الظروف المؤلمة حيث يصورون الكرمة تنتحب والخمر يبكي والجبال وعوارض الهيكل تصرخ، لندرك مدي بشاعة الشر. هكذا امتثل الرسول بالأنبياء فجعل من الخليقة هنا أشبه بكائن حي يئن ويتمخض، لتظهر عظمة الأمور المقبلة…

ما معنى أن الخليقة أخضعت للباطل [20]؟ لماذا صارت فاسدة؟ وما هو السبب؟ بسببك أنت أيها الإنسان، فإنك إذ حملت جسدًا ميتًا قابلا للآلام تقبلت الأرض لعنة وأنبتت شوكا وحسكًا.

حتى السماء إذ تبلى مع الأرض ستتحول إلي حالة أفضل، اسمع ما ينطق به النبي: "من قدم أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك؛ هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، كرداء تغيرهن فتتغير" (مز 102: 25ـ26).

ويعلن إشعياء ذات الأمر، بقوله: "ارفعوا إلى السماوات عيونكم وانظروا إلى الأرض من تحت، فإن السماوات كالدخان يضمحل، والأرض كالثوب تبلى، وسكانها يموتون (مثلها)" (إش 51: 6).

ها أنت ترى بأي معنى سقطت الخليقة في عبودية الباطل، وكيف تتحرر من حالة الفساد؟...

لقد حاصرها الشر لأجلك وصار مفسدًا، مع أن (الخليقة) لم ترتكب خطأ من جانبها، ولأجلك أيضًا سيحدث عدم الفساد. هذا هو معنى "علي الرجاء" [20].

عندما يقول أنها أخضعت "ليس طوعًا" لا ليظهر أن ما قد حدث لها وإنما لكي نتعلم عناية المسيح للكل، فإن إصلاح الخليقة لا يكون من ذاتها.]

الآن، ما هو رجاء الخليقة؟

"لأن الخليقة نفسها أيضا ستعتق من عبودية الفساد إلي حرية مجد أولاد الله" [21].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[الآن، ما هي هذه الخليقة؟ إنها لا تعنيك أنت وحدك، وإنما معك أيضًا الخليقة الأدنى، التي لا تشترك معك في العقل أو الحس، هذه تشاركك بركاتك.

يقول "ستعتق من عبودية الفساد"، بمعنى أنها لا تعود تصير فاسدة، وإنما تتمشى جنبًا إلي جنب مع الجمال الذي يُوهب لجسدك. فكما أنه عندما صار جسدك فاسدًا فسدت هي أيضًا، هكذا الآن إذ صار جسدك غير فاسد تتبعه هي أيضًا. وإذ يعلن الرسول هذا يبلغ إلي النتيجة: "إلى حرية مجد أولاد الله"، فتتحقق حريتها.

إنه يشبه مربية تربي ابن ملك، عندما ينال الابن سلطان أبيه تتمتع هي معه بالخيرات، هكذا أيضًا بالنسبة للخليقة معنا.

ها أنت ترى في كل الأمور أن الإنسان يحتل مركز القيادة، فمن أجله خُلقت كل الأشياء.

انظر كيف يلطف (الرسول) المصارع، مظهرًا محبة الله غير المنطوق بها من نحو الإنسان، إذ يود أن يقول: لماذا أنت مرتبك عند تجاربك؟ فإن كنت تتألم من أجل نفسك فإنه حتى الخليقة تتألم بسببك. وليس فقط يلطف، وإنما يظهر أيضًا أن ما ينطق به أمر ذو أهمية. لأنه إن كانت الخليقة التي أوجدت بكاملها لأجلك هي "علي رجاء" فكم بالأولى يليق بك أنت أن تكون علي رجاء، يا من مِنْ خلالك ستتمتع الخليقة بتلك الخيرات؟

كما أن الآباء إذ يرون الأبناء في طريقهم لنوال كرامة يُلبسون الخدم ثيابًا بهية من أجل مجد الابن، هكذا يلبس الله الخليقة عدم الفساد من أجل مجد حرية الأبناء.]

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الخليقة التي تئن علي رجاء هي جماعة السمائيين الذين كمن هم يئنون من أجل الإنسان ليفرحوا بتمتعه بالبنوة، وكما قال السيد المسيح إن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو 15).

ويرى القديس إيريناؤس أن "الخليقة" هنا تعني "الجسد"، إذ يقول: "[من العدل أنه في ذات الخليقة التي فيها تعبوا وتألموا متزكين بكل طرق الاحتمال أن يتقبلوا مكافأة أتعابهم، وأنه في الخليقة التي فيها ذُبحوا من أجل محبتهم لله، فيها ذاتها ينتعشون مرة أخرى. الخليقة التي احتملوا فيها العبودية يملكون. فإن الله غنى في كل شيء، وكل شيء هو له. يليق إذن أن تُعاد الخليقة عينها إلي حالتها الأولى فتصير بلا مقاومة تحت سلطان البرّ كما أوضح الرسول في الرسالة إلى أهل رومية.]

ثالثا: الخليقة توبخنا برجائها كما بأنينها: إن كانت الخليقة التي تتمتع بالخيرات من أجلنا إذ سقطت تحت الفساد بسببنا تترجى مجدنا كأولاد لله لتلبس عدم الفساد، فإنها في هذا الانتظار كمن في حالة ولادة مستمرة تنتظر "جديدًا"، إذ يقول الرسول: "فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن" [22]. هذا هو حال الخليقة التي أُوجدت من أجلنا فكم بالحري يليق بنا أن نئن نحن أيضا ونتمخض بالآلام من أجل تمتعنا بكمال مجد البنوة لله ؟

رابعا: إن كانت الخليقة التي لم تنل شيئا قد امتلأت رجاءً وصارت كما في حالة ولادة تئن وتتمخض، فكم بالحري يليق بنا نحن الذين تمتعنا فعلاً بعمل الروح القدس في نفوسنا، فنلنا باكورة المجد في داخلنا لنترجى كمال عمله حين تخلص أجسادنا أيضا بقيامتها في يوم الرب العظيم، فتنعم مع النفوس بذات المجد، إذ يقول الرسول: "وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا نئن في أنفسنا، متوقعين التبني فداء أجسادنا" [23]؟

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن باكورة الروح الذي نلناه يدفعنا لهذا الأنين الداخلي المملوء رجاءً. هذه الباكورة عظيمة للغاية لا تقف عند غفران الروح لخطايانا، وإنما أيضا تهبنا البرّ والتقديس، وقد ظهرت هذه الباكورة في عصر الرسول بإخراج الرسل للشياطين وإقامة الموتى خلال ظلهم (أع 5: 15) وثيابهم (أع 19: 12). هذه هي الباكورة، فماذا يكون كمال الروح؟

إذن لنتوقع التبني كقول الرسول. كيف يكون هذا ونحن قد نلنا البنوة لله فعلاً؟ إننا نتوقع كمال مجد البنوة بقيامة الجسد من الأموات، كقول الرسول: "الذي سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون علي صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته، أن يخضع لنفسه كل شيء" (في 3: 21)، "لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت" (1 كو 15: 53).

إذًا ما نلناه كباكورة الروح إنما يفتح باب الرجاء للإنسان ليجاهد بالصبر حتى يبلغ كمال الروح الذي يمجّد الإنسان بكليته نفسًا وجسدًا، علي مستوى أبدي، لذلك يكمل الرسول حديثه عن الرجاء لنوال كمال الروح قائلاً:

"لأننا بالرجاء خلصنا،

ولكن الرجاء المنظور ليس رجاءً،

لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟

وإن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر" [24ـ25].

أ. ماذا يعنى: "بالرجاء خلصنا"؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[هذا يعنى أننا لا نطلب كل شيء لنا في هذه الحياة، وأن يكون لنا رجاء أيضًا، مؤمنين أن ما وعدنا به الله يحققه لنا، بهذا نحن خلصنا؛ فإن فقدنا الرجاء نفقد كل ما نلناه...

يود أن يقول: أتساءل، ألم تكن أنت خاضعًا لخطايا بلا حصر؟ ألم تكن يائسًا؟ ألم تكن تحت الحكم؟... ما الذي خلّصك إذن؟ الرجاء في الله وحده، وثقتك من جهة مواعيده وعطاياه، فإنه ليس لك شيء آخر تقدمه له. إن كان هذا هو الذي خلصك، فلنتمسك به الآن أيضًا. فمن قدم لك بركات عظيمة هكذا لا يمكن أن يخدعك في البركات المقبلة. لقد وجدك ميتًا ومحطمًا وسجينًا وعدوًا، فجعلك صديقًا وابنًا وحُرًا وبارًا ووارثًا معه، مقدمًا لك أمورًا عظيمة هكذا لم يكن يتوقعها أحد. هل بعد التمتع بمثل هذه العطايا بسخاءٍ وحبٍ يخونك في الأمور المقبلة؟...

هذا الطريق (الرجاء) خلصك من البداية؛ إنه العربون الذي أحضرته وحده إلى العريس. فلنتمسك به ولنحتفظ به، فإنك إن طلبت شيئًا في هذا العالم تفقد صلاحك الذي به صرت بهيًا، لهذا يكمل الرسول: قائلا: "ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضا؟"]

يقول القديس أغسطينوس: [وإذ ننتظر خلود الجسد وخلاص نفوسنا في المستقبل نتسلم العربون فيُقال إننا قد خلصنا.]

يشبه القديس أغسطينوس هذا الرجاء بالبيضة التي تحمل في داخلها حياة تقدمها خلال دفء الضيقات والآلام، إذ يقول: [إنها بيضة، وليس بعد (كتكوت). إنها مغلفة بقشرة، لكن لا تنظر إليها هكذا بل انتظر في صبر، ولتجعلها في دفء فستقدم حياة. اضغط عليها.]

ب. إن كانت باكورة الروح تدفعنا للتمسك بالرجاء لنوال كمال المجد الذي يهبه الروح للأبناء، فإن هذا الرجاء ليس بالعمل السلبي، بمعنى آخر يلتزم المؤمن أن يمارس دورًا إيجابيًا باحتماله الأتعاب الكثيرة والآلام من أجل رجائه في غير المنظورات، إذ يقول الرسول "نتوقعه بالصبر" [25]. هذا ما يؤكده الرسول علي الدوام: إبراز عمل النعمة الإلهية المجانية، لكن دون سلبية من جهة المؤمن!

ج. إن كان المؤمن في رجائه بالتمتع بكمال عمل الروح ليُعلن مجد أبناء الله أبديًا وذلك خلال الصبر، فإن هذا الصبر عينه هو عطية إلهية نقتنيها بالله نفسه، إذ يسندنا الروح القدس نفسه في جهادنا، حتى في الأمور البسيطة والضعفات، وكما يقول الرسول: "وكذلك الروح أيضا يعين ضعفاتنا" [26].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لكي تعرف أنه ليس بأتعابك وحدها والمخاطر التي تواجهها إنما تقف النعمة بجانبك، حتى في الأمور التي تبدو هينة للغاية، إذ يعمل معك، وفي كل الأحوال يقوم بدوره في الاتحاد.]

د. إذ يتعرض الرسول بولس لعون الروح القدس لنا في جهادنا حتى في الضعفات البسيطة كي نلتهب بالرجاء ونثابر بالصبر، يبرز عملاً رئيسيًا للروح القدس في حياتنا، بقوله: "لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها، ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين" [26ـ27].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن "الروح" هنا الذي يشفع فينا إنما يعنى القلوب الملتهبة بالروح القدس خلال "موهبة الصلاة "، إذ يعطى الروح القدس للبعض موهبة الصلاة عن الآخرين... فالروح يقترح علي النفوس المقدسة ما تصلي به من أجل إخوتها، لأنها لا تعلم ما تصلي لأجله كما ينبغي، فقد صلى بولس طالبًا أن يرى روما، وصلى موسى مشتهيًا رؤية فلسطين (تث 3: 26)، وطلب إرميا عن اليهود (إر 15: 1) وتشفع إبراهيم عن أهل سدوم (تك 18: 23)، ومع ما لهذه الصلوات من قيمة كبرى تكشف عن قلوب مقدسة محبة للآخرين، لكنها في رأي القديس يوحنا الذهبي الفم لم يكن هؤلاء يعرفون ما يصلون لأجله كما ينبغي، فالإنسان مهما بلغت قداسته يحتاج إلى عون الروح ليرشده حتى في الصلاة عن الآخرين.

الروح يسند ليس فقط في الصلاة عن الآخرين وإنما حتى من أجل الإنسان نفسه، لأنه كما يقول الأب إسحق تلميذ القديس أنبا أنطونيوس: [أحيانًا نسأل أمورًا تضاد خلاصنا، وبواسطة عنايته الإلهية يرفض طلباتنا، لأنه يرى ما هو لصالحنا بحق أعظم مما نستطيع نحن. وهذا ما حدث مع معلم الأمم عندما صلى أن ينزع منه ملاك الشيطان الذي سمح به الرب لأجل نفعه. "من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني، فقال لي: تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 8-9) .]

يعلق القديس أغسطينوس علي أنّات الروح القدس فينا، قائلاً: [لا يئن الروح القدس في ذاته مع نفسه في الثالوث القدوس، في جوهره الأبدي... إنما يئن فينا، أي يجعلنا نئن. فإنه ليس بالأمر الهين أن الروح القدس يجعلنا نئن، إذ يهبنا أن ندرك أننا غرباء نسلك في أرض غربتنا، ويعلمنا أن ننظر نحو وطننا، فنئن بشوق شديد.]

المسيح المبرر

إدراك تدبير الله لمحبيه

أبرز الرسول بولس حاجة المؤمن لإدراك خطة الله الخلاصية في حياته هو شخصيًا، إذ يقول: "ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده" [28].

خطة الله بالنسبة لنا فائقة، فهو لا يغير مجرى الأحداث والظروف حسب أهوائنا الشخصية، إنما يحّول كل الأمور بلا استثناء لبنيان نفس المؤمن الحقيقي، فتعمل حتى الظروف المضادة لمجده.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذه العبارة، قائلاً بأنه يليق بالمؤمنين ألا يختاروا لأنفسهم الحياة حسب فكرهم حاسبين أن هذا نافع لهم، إنما يقبلون ما يقترحه الروح القدس، لأن أمورًا كثيرة تبدو للإنسان نافعة تسبب له مضارًا كثيرة. كمثال قد يظن الإنسان أن الحياة الهادئة التي بلا مخاطر ولا متاعب نافعة له، لذلك طلب الرسول ثلاث مرات أن يرفع الله عنه التجربة، فجاءته الإجابة: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 8-9). بمعنى آخر لنترك كل الأمور في يديّ الروح ليحولها لبنيان نفوسنا.

مرة أخرى يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم إن كل الأمور التي تبدو مؤلمة تعمل لخير الذين يحبون الله، أما الذين لا يحبونه فحتى الأمور التي تبدو صالحة ومقدسة تعمل ضدهم إن لم يرجعوا إليه بالحب. ضرب أمثلة منها لم ينتفع اليهود بالناموس الصالح بل وتعثروا حتى في السيد المسيح.

+ حتى الضيقات أو الفقر أو السجن أو المجاعات أو الميتات أو أي شيء آخر يحلّ بنا يستطيع الله أن يحول كل الأمور إلي نقيضها.

+ كما أن الأمور تبدو ضارة تكون نافعة للذين يحبون الله، فإنه حتى الأمور النافعة تصير ضارة للذين لا يحبونه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+للضعفاء الأغبياء فقد قيل أن كل شيء ضد الشخص الغبي (أم 14: 7)، فلا ينتفع من النجاح ولا ينصلح شأنه من المصائب … إذ ينهزم الإنسان بأكثر سهولة بالنجاح أكثر من الفشل، لأن الفشل يجعل الإنسان أحيانًا يقف ضد إرادته، وينال تواضعًا، خلال حزنه المفيد يقلل من خطيته وينصلح شأنه، أما النجاح فقد يدفع بالإنسان إلي الكبرياء العقلي والعظمة الكاذبة.

الأب تادرس

+ ماذا يعنى بـ "كل الأشياء" إلا تلك الآلام المرعبة القاسية التي تحل بنا؟ فإنه بالحق يصير حمل المسيح الثقيل خفيفا بالرغم من ضعف محبتنا.

القديس أغسطينوس

يقدم لنا القديس جيروم أيوب مثلاً حيًا لمن تتحول الأضرار بالنسبة إلى خيره، فلم يترك العدو شيئا في أيوب غير مضروبٍ سوى لسانه لعله يجدف به على الله، لكن هذه كلها آلت إلى خيره، فقد جاء إليه الله وتحدث معه علي مستوى الصديق مع صديقه.

يعلق كثير من الآباء على تسمية الذين يحبون الله هكذا: "الذين هم مدعوون حسب قصده" [28]، نقتطف الآتي:

+ لو أن الدعوة وحدها كانت كافية فلماذا لم يخلص الكل؟... ليست الدعوة وحدها تحقق الخلاص، وإنما نِيَّة المدعوين. فالدعوة ليست ملزمة لهم ولا هي قهرية، إذ الكل مدعوون لكن لا يطيع الكل الدعوة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يقول المخلص نفسه:"إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي" (يو 8: 31).

هل يحسب يهوذا من بين تلاميذه مادام لم يثبت في كلامه؟

هل يحسب من تلاميذه الذين قيل عنهم: "فعلم يسوع إن تلاميذه يتذمرون علي هذا، فقال لهم: أهذا يعثركم؟…" (يو 6: 59-66)؟

ألم يلقبهم الإنجيل "تلاميذ"؟ ومع هذا لم يكونوا تلاميذ حقيقيين، لأنهم لم يثبتوا في كلمته، كقوله: "إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي" (يو 8: 31). فإذ ليس لهم المثابرة بكونهم ليسوا تلاميذ حقيقيين، ليسوا أبناء حقيقيين حتى وإن ظهروا هكذا أو دُعوا هكذا.

إذن نحن ندعو الناس مختارين وتلاميذ المسيح وأولاد الله، لأنهم هكذا يدعون إذ يتجددون (بالمعمودية) ونراهم يعيشون بالتقوى، ولكن هذا يصير حقيقة إن ثبتوا فيما دعوا فيه.

القديس أغسطينوس

اهتمام الله بمجدنا

إن كان الروح الإلهي يحول حتى الأمور التي تبدو لضررنا لخيرنا، لأنا مدعوون حسب قصده، فما هو هذا القصد الإلهي؟ قصد الله من جهة الإنسان أن يرفعه إلى المجد؛ فالله ليس في حاجة إلى تعبده أو خدمته إنما يحبه كابن، يوده شريكًا في المجد. هذا هو الأمر الذي في ذهن الله من جهة مختاريه الذين سبق فعرفهم لذلك عينهم، "ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين"[29].

+ انظر سمو هذه الكرامة! فما هو للابن الوحيد بالطبيعة ينالونه بالنعمة.

إنه لم يكتف بهذه الدعوة أن يكونوا مشابهين له، بل يضيف نقطة أخرى: "ليكونوا بكرًا بين إخوة كثيرين" [29]... هكذا يستخدم كل وسيلة ليقيم العلاقة بوضوح شديد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ استخدم الرسول الملهم هذا التعبير "بكرًا" في أربع مناسبات: مرة يدعوه "بكر كل خليقة" (كو 1: 15)، وأخرى: "بكرًا بين إخوة كثيرين" (رو 8: 29)، وأيضًا "بكر من الأموات" (كو1: 18). وفي مناسبة أخرى يستخدم التعبير بطريقة مطلقة دون ربطه بكلمة أخرى، قائلاً: "وأيضًا متى أُدخل البكر إلى العالم يقول: ولتسجد له كل ملائكة الله" (عب 1: 6) فبأي معنى صار بكرًا بين إخوة كثيرين؟ بالتأكيد هذا واضح أنه من أجلنا نحن الذين بالميلاد جسد ودم وُلد بيننا واشترك هو أيضًا في اللحم والدم (عب 2: 14)، لكي يغيّرنا من الفساد إلى عدم الفساد بميلادنا نحن من فوق بالماء والروح. لقد قاد بنفسه طريق هذا الميلاد منزلاً الروح القدس على المياه بعماده، حتى يصير في كل شيء بكرًا للذين يولدون روحيًا معطيًا اسم "إخوة" للذين يشتركون معه في الميلاد ويتشبّهون به بعمادهم بالماء والروح.

القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص

+ لنفهم هذه الكلمات "مشابهين صورة ابنه" [29] عن الإنسان الداخلي، لذلك يقول في موضع آخر: "ولا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو 12: 2). قدر ما نتغير عن شكل هذا الدهر نتشكل كأبناء لله.

يمكننا أيضًا أن نفهم هذه الكلمات هكذا، أنه كما تشكّل بنا فظهر كمن هو مائت هكذا نتشكّل نحن به بعدم الموت، وهذه الحقيقة ترتبط بقيامة الجسد.

القدّيس أغسطينوس

+ في الجسد يصير الرب قائدنا (بكرنا) إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه، قائلاً: أنا هو الطريق، والباب، ومن خلالي ينبغي أن يدخل الكل (يو 14: 6، 10: 9).

البابا أثناسيوس الرسولي

يعالج الرسول بولس موضوع اختيار الله لنا أو تعيينه لمختاريه، مؤكّدًا أنه لا يوجد قهر ولا إجبار في قبول نعمة الله، إنما يعين الله الذين يعرف أنهم يقبلون نعمته في كمال حريتهم، إذ يقول: "الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم... والذين سبق فعيّنهم فهؤلاء دعاهم، والذين دعاهم فهؤلاء برّرهم أيضًا، والذين برّرهم فهؤلاء مجّدهم أيضًا" [29-30].

ويلاحظ في هذا النص أن الله. "سبق فعرف الذين له"، فاختياره وتعيينه لهم، لا على أساس محاباة، وإنما على أساس معرفته السابقة لهم، لا بمعنى أن لهم الفضل في شيء إلا قبولهم لدعوته وتجاوبهم لعمله فيهم بالمثابرة والجهاد. الله هو الذي يدعو وهو الذي يُبرّر وهو الذي يمجّد، لكن ليس في سلبيّة من جهتنا!

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تبرير الله وتمجيده لنا بالقول: [لقد برّرهم بتجديد جرن المعموديّة، والذين برّرهم مجّدهم بالعطيّة أي بالتبنّي.]

+ كثيرون دُعوا فعلاً وتبرروا (بالمعموديّة خلال الإيمان)، ومن يبقى إلى النهاية فهؤلاء "مجّدهم أيضًا"، وهذا لم يتم بعد.

بالرغم من أن هذين الأمرين، أي دعاهم وبرّرهم، لم يتحقّقا بعد في كل من قيل عنهم، إلا أنه لايزال يوجد كثيرون إلى نهاية العالم سيدعون وسيتبرّرون. وقد استخدم صيغة الماضي - حتى بالنسبة للأمور المستقبلة - كما لو كان الله قد سبق فأعدّها منذ الأزل.

القدّيس أغسطينوس

+          +           +

الأبركسيس من أعمال 19 : 23 – 41

 

"وحدث في ذلك الوقت شغب ليس بقليل بسبب هذا الطريق". [23]

قرار بولس الرسول بترك أفسس نفذ بأكثر سرعة، حيث حدث شغب ليس بقليل بسبب الإيمان المسيحي والتعاليم المسيحية التي كان يكرز بها الرسول بولس. فقد كانت أفسس مركز عبادة الآلهة العظيمة أرطاميس (وتدعى باللاتينية ديانا). يحسبونها الإلهة الأم لآسيا الصغرى، تعرف سبلة Cybele، وكان البعض يعتبر هيكل أرطاميس أحد عجائب الدنيا السبع.

"لأن إنسانًا اسمه ديمتريوس صائغ صانع هياكل فضة لأرطاميس،

كان يكسب الصناع مكسبًا ليس بقليل". [24]

كانت هذه الهياكل الصغيرة على شكل الهيكل، وتوضع فيها الآلهة ديانا. تُصنع من الخشب أو المعادن النفيسة ويضعها المتعبّدون في رقابهم كتعويذة لحمايتهم. كان الهيكل به باب واحد من الجنب يُغلق لحفظ الآلهة في الداخل.

كان صناعة هياكل صغيرة من الفضة أو تماثيل للإلهة أرطاميس تجارة مربحة للغاية. وإذ نجحت خدمة الرسول بولس انهارت هذه التجارة، لذلك عقد شخص يدعى ديمتريوس اجتماعًا لصانعي التماثيل الفضية، وأوضح لهم الخطر الذي يحدق بهم. لقد عرف الوثنيون بحمل تماثيل صغيرة، تمثل آلهتهم أينما ذهبوا، كما اشتهر الرومانيون بوضع تماثيل الآلهة في بيوتهم. أشير إلى هذه العادة في أيام لابان (تك 31: 19) حيث سرقت راحيل ابنته تماثيله. وجاء في سفر القضاة عن ميخا الذي كان له بيت آلهة (قض 17: 5). وذكر مثل هذا في 1 صم 19: 13 ؛ هو 3: 4. هذه التماثيل كانت غالبًا ما توضع في صندوق صغير من الخشب أو الحديد أو الفضة.

أرطاميس: أحد أشهر اثني عشر إلهًا تدعى في السماء لونا Luna أو ميو Meui وتعني القمر، وعلى الأرض أرطاميس أو ديانا، وفي جهنمHecate . أحيانا كانت تُمثل بهلال يوضع على يدها، وترتدى ثياب صيد، وأحيانا تصور بثلاثة وجوه، معها أدوات تعذيب. ينظر إليها بأنها إلهة الصيد. تُعبد خلال أسماء متنوعة مثل بروسيربين Proserpine وتريافا Triavia الخ. تصور بعديد من الثدي إشارة إلى أنها مصدر البركات، توزعها لكل واحد حسب حالته. كانت تعبد في مصر وأثينا وكيليكية وفي وسط أمم كثيرة، لكن مركزها الرئيسي هو أفسس.

"فجمعهم والفعلة في مثل ذلك العمل، وقال:

أيها الرجال،

أنتم تعلمون أن سعتنا إنما هي من هذه الصناعة". [25]

لم يلجأ ديمتريوس إلى الحكام أو القضاة، بل إلى أصحاب المصالح المادية والعمال الذين كل ما يشغلهم في هذه العبادة مكسبهم المادي. إنه الطريق السهل للكسب وأحيانا للغنى أن يسيء الإنسان استغلال الدين، فيصير مصدر غنى وسعة.

"وأنتم تنظرون وتسمعون أنه ليس من أفسس فقط،

بل من جميع آسيا تقريبًا،

استمال وأزاغ بولس هذا جمعًا كثيرًا قائلاً:

أن التي تصنع بالأيادي ليست آلهة". [26]

قيل أنه كان يوجد 33 مركزًا لعبادة الإلهة أرطاميس. يقولون: أنتم تنظرون في أفسس وتسمعون عن بلاد كثيرة في آسيا الصغرى كيف اجتذب جمعًا كثيرًا لرفض العبادة الوثنية. هذه شهادة من الوثنيين أنفسهم عن نجاح خدمته، ليس فقط في أسيا، وإنما في بلاد كثيرة في آسيا الصغرى.

"فليس نصيبنا هذا وحده في خطر من أن يحصل في إهانة،

بل أيضًا هيكل أرطاميس الآلهة العظيمة أن يُحسب لا شيء،

وأن سوف تهدم عظمتها،

هي التي يعبدها جميع آسيا والمسكونة". [27]

يكشف ديمتريوس عن مدى الخطورة التي تحل بهم، حيث أن انتشار الإيمان حتمًا يسبب غلق متاجر هؤلاء الصناع، وتبطل صياغة هياكل أرطاميس الفضية. لا يقف الأمر عند فقدان مصدر رزقهم، وإنما تحصل له إهانة بكونهم يعبدون آلهة باطلة. ولكي يثيرهم دينيًا يعلن لهم أن ما هو أخطر أنه يهين الإلهة التي تتعبد لها جميع آسيا والمسكونة.

كأن كرازة الرسول بولس تسبب لهم ثلاثة خسائر خطيرة:

أولاً: حرمانهم من المكسب المادي، فيصبهم الفقر والعوز.

ثانيًا: فقدانهم كرامتهم بكونهم يعملون لحساب آلهة باطلة، وهذا أخطر من الخسارة المادية.

ثالثًا: تشويه صورة الإلهة العظيمة أرطاميس التي تتعبد لها المسكونة، وهذا ما لا يحتمله أحد!

"فلما سمعوا امتلأوا غضبًا،

وطفقوا يصرخون قائلين:

عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين". [28]

إذ سمع الصناع أن مهنتهم وإلهتهم في خطر امتلئوا غضبًا ضد الإنجيل والكارزين به. وإذ لم يجدوا علة حقيقية لقتل الرسول بولس ليشتكوا بها عليه هو ورفقائه، أثاروا ضجيجًا وصخبًا شعبيًا.

"فامتلأت المدينة كلها اضطرابًا،

واندفعوا بنفس واحدة إلى المشهد،

خاطفين معهم غايوس وأرسترخس المكدونيين،

رفيقي بولس في السفر". [29]

خطفت الجماهير غايس وارسترخس، الأول من دربة (أع 20: 4)، والثاني أشير إليه في أع 20: 4؛ كو 4: 10. الجريمة الموجهة إليهما أنهما في صحبة الرسول بولس ومرافقان له في سفره. ولعل الجماهير أرادت تقديمهما للوحوش المفترسة في المشهد "المسرح". كان المسرح اليوناني هو مكان التجمعات الشعبية، وأيضًا للانتخابات والمحاكمات، وفيه أيضًا يُقدم المجرمون للوحوش المفترسة.

"ولمّا كان بولس يريد أن يدخل بين الشعب،

لم يدعه التلاميذ". [30]

إذ رأى الرسول بولس هذه الصخب الشعبي هرب، لكنه إذ وجدهم قد اختطفوا رفيقيه أراد تسليم نفسه للجمهور، لينقذ حياتهما من خلال محبته لهما، لكن التلاميذ أمسكوه ولم يسمحوا له بهذا. وكأنهم قالوا له ما قاله خدام داود للملك بأنه هو أفضل من ربوة منهم (2 صم 18: 3).

لعل بولس الرسول أراد بدخوله وسط الجماهير أن يتحدث معهم مدافعًا عن نفسه وعن صديقيه، أو ليشهد لهم بطريق أو آخر عن الإنجيل.

"وأُناس من وجوه آسيا كانوا أصدقاءه،

أرسلوا يطلبون إليه أن لا يسلّم نفسه إلى المشهد". [31]

لقد سمع بعض الأشخاص من القادة (وجوه) في آسيا وكانوا أصدقاء له فأرسلوا إليه ألا يسلم نفسه، إذ أدركوا خطورة الموقف. "وجوه أسياAsiarchae هم قادة مسئولون عن حفظ الخدمات الدينية المناسبة، يُختارون للإشراف على المقدسات والألعاب العامة التي تُقام تكريمًا للآلهة وللإمبراطور الروماني في الأعياد الشعبية. كان دورهم شبه ديني، كان بعض السلطان يدعونهم كهنة، ويحسبون عملهم كهنوتيًّا. في كل عام كان يُختار عشرة من المواطنين ذوي الشخصيّات السامية للمدن الكُبرى لهذا المركز. هؤلاء يُختارون سنويًا، ويلزم موافقة روما عليهم، ويُمكن إعادة تعيين الشخص. وكانوا يعقدون مجلسًا في المدينة الرئيسية للولايات مثل أفسس وسميرنا وساردس الخ. لتدبير هذه الأمور والتشاور معًا. كانوا بالضرورة أغنياء جدًا لأن هذه الألعاب تكلفتها باهظة، وكان الوجهاء ملتزمين بالانفاق عليها. عند ممارستهم للعمل يرتدون ثيابًا أرجوانيّة، ويحملون أكاليل . أما إن كان العشرة يشرفون معًا على الألعاب أو يقوم أحدهم بالعمل ويساعده الآخرون، فهو أمر غير مؤكّد.

في هذه اللحظات التي كانت الجماهير ثائرة كان المجلس منعقدًا، وكانوا قد سمعوا الرسول بولس وأحبوه وصاروا له أصدقاء. لكن ليس بالضرورة أن يكونوا قد صاروا بعد مسيحيين، إنما كانوا يكنون الحب والتقدير لشخصية الرسول بولس، وكانوا يودون الدفاع عنه. وكان يلزم امتصاص غضب الجماهير حتى يمكن السيطرة على الموقف دون أن يهلك الرسول ورفقاؤه.

يرى البعض أن شخصًا واحدًا كان هو الرئيس الذي يهتم بعبادة الإمبراطور في الاحتفالات الشعبية، لكن البقية كانوا رؤساء سابقين، ربما كان الرئيس في ذلك الحين مجتمعًا معهم للتشاور في بعض الأمور والانتفاع بخبرتهم السابقة.

لعل تلاميذ الرسول وهؤلاء الوجوه رأوا أن تسليم بولس نفسه للجماهير يلهب الموقف بالأكثر، فستعامله الجماهير بعنفٍ شديدٍ وقد تقتله، وليس بذات المعاملة التي يعاملون بها رفيقيه. فالأفضل أن ينتظر حتى يتهيأ الجو للقاء مع الجماهير بعد إقامة محفل للقضاء.

"وكان البعض يصرخون بشيء،

والبعض بشيء آخر،

لأن المحفل كان مضطربًا،

وأكثرهم لا يدرون لأي شيء كانوا قد اجتمعوا". [32]

كان البعض يصرخ مطالبًا بقتل اليهود بوجه عام، وآخرون بقتل بولس ومن معه، والغالبية العظمى لا تعرف لماذا اجتمعت، ولماذا هذه الثورة.

"فاجتذبوا إسكندر من الجمع،

وكان اليهود يدفعونه،

فأشار إسكندر بيده يريد أن يحتج للشعب". [33]

إذ شعر اليهود أنهم في خطر، لأن كثير من المجتمعين لا يميزون بين بولس وبين اليهود، لهذا دفعوا الكسندر للحديث معهم لتهدئتهم. يرى جروتس Grotius أنه الكسندر الحداد الذي صنع شرورًا لبولس الرسول (2 تي 4: 14)، وإن كان بعض الدارسين يرفضون ذلك. لقد وقف بين الجماهير، فعرفت أنه يهودي. وقف لا ليدافع عن نفسه، وإنما عن اليهود ككل.

"فلما عرفوا أنه يهودي صار صوت واحد من الجميع،

صارخين نحو مدة ساعتين:

عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين". [34]

إذ عرفت الجماهير أنه يهودي ثارت بالأكثر وهي تصرخ لمدة ساعتين، لأنهم كانوا يتطلعون إلى المسيحيين أنهم شيعة يهودية. لقد أرادوا أن يبكموا اسكندر فلا يتكلم.

"ثم سكن الكاتب الجمع، وقال:

أيها الرجال الأفسسيون،

من هو الإنسان الذي لا يعلم أن مدينة الأفسسيين متعبدة لأرطاميس الإلهة العظيمة،

والتمثال الذي هبط من زفس". [35]

ظهر كاتب المدينة أو سكرتير مجلس المدينة، كان يقوم بنساخة الكتب، ويلزم أن يكون ضليعًا في القانون وذا ثقافة عالية (2 صم 8: 17؛ عز 7: 6،11-12؛ مت 5: 20؛ 12: 38؛ 13: 52؛ 15: 1؛ 23: 34؛ 1 كو 1: 20).

تحدث معهم باللغة التي تهدئهم من ثورتهم، مؤكدًا لهم أن هذه الإلهة العظيمة النازلة من السماء لا يمكن أن يدمرها قلة قليلة جدًا من اليهود. لقد وبخهم على مخاوفهم غير اللائقة بعظمة أرطاميس.

"فإذ كانت هذه الأشياء لا تُقاوم،

ينبغي أن تكونوا هادئين،

ولا تفعلوا شيئًا اقتحامًا". [36]

يؤكد لهم أنه إن كان لا يستطيع أحد أن يطفئ غيرة الأفسسين على عبادتهم لأرطاميس، وإخلاصهم لها، وبالتالي فليس من خطر على هذه العبادة بسبب قلة شريرة من اليهود، فلا مجال لهذا الهياج. وكأنه يقول لهم هذا الهياج يهين العبادة فتظهرون كأنها ضعيفة ومعرضة للخطر بلا سبب.

"لأنكم أتيتم بهذين الرجلين،

وهما ليسا سارقي هياكل،

ولا مجدّفين على آلهتكم". [37]

يقول أن هذين الرجلين ليسا منجسين للهيكل، ولا سارقين لهيكل ديانا أو غيرها. لقد كرزا ضد العبادة للتماثيل، لكنهما لم يلزما أحد باستخدام العنف ضد الهياكل ولا حاولا تعطيل العبادة. ما فعلاه إنما بالحوار السلمي.

"فإن كان ديمتريوس والصنّاع الذين معه لهم دعوى على أحد،

فإنه تُقام أيام للقضاء،

ويوجد ولاة فليُرافعوا بعضهم بعضًا". [38]

إن كان ديمتريوس والصناع قد أصابهم أذى، فأبواب القضاء مفتوحة، ويمكن تحديد أيام للمحاكمة في هدوء وبحكمة، والولاة أو القضاة الرومانيون مستعدون أن يسمعوا كل الأطراف.

"وإن كنتم تطلبون شيئًا من جهة أمور أخرى،

فإنه يُقضى في محفل شرعي". [39]

يؤكد لهم الكاتب أنه إن كانت هناك أية شكاوي أخرى، فالقضاء مستعد للاستماع بمحفلٍ شرعيٍ وليس بالهياج والثورة، حتى يمكن تحقيق العدالة وتنفيذ القانون.

"لأننا في خطر أن نحاكم من أجل فتنة هذا اليوم،

وليس علّة يمكننا من أجلها أن نقدم حسابًا عن هذا التجمع". [40]

يوضح الكاتب أن هذا الهياج يسيء إلى سمعة المدينة لدى روما، لأنه بلا ترتيب ولا نظام، ويتجاهل الإجراءات القانونية السليمة. يلزمهم أن يتذكروا أن من يشترك في هياج هكذا يحسب جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالإعدام.

"ولمّا قال هذا صرف المحفل". [41]

إذ خشي الكثيرون لئلا يُقبض عليهم، ويُحاكموا بجريمة التظاهر والشغب، انسحبوا، فانصرف المحفل كله.

+         +           +

إنجيل القداس لوقا 12 : 4 – 12

 

4 و لكن اقول لكم يا احبائي لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد و بعد ذلك ليس لهم ما يفعلون اكثر
5 بل اريكم ممن تخافون خافوا من الذي بعدما يقتل له سلطان ان يلقي في جهنم نعم اقول لكم من هذا خافوا
6 اليست خمسة عصافير تباع بفلسين و واحد منها ليس منسيا امام الله
7 بل شعور رؤوسكم ايضا جميعها محصاة فلا تخافوا انتم افضل من عصافير كثيرة
8 و اقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله
9 و من انكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله
10 و كل من قال كلمة على ابن الانسان يغفر له و اما من جدف على الروح القدس فلا يغفر له
11 و متى قدموكم الى المجامع و الرؤساء و السلاطين فلا تهتموا كيف او بما تحتجون او بما تقولون
12 لان الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب ان تقولوه

 

القطيع الجديد والخوف

إذ يطلب مِن كنيسته، القطيع الجديد، ألاَّ تحمل خمير الفرِّيسيِّين الذي هو الرياء، فلا يكون خارجها غير داخلها، يسألها أن تسلك بمخافة الرب وحده، دون خوف الناس. فمن يخاف الرب لا يهتم بحكم الناس، الأمر الذي ينزع عنه كل رياء لأنه لا يطلب مدحهم ولا يضطرب لذمهم، لا يسألهم المكافأة ولا يرهب بطشهم.

"ولكن أقول لكم يا أحبائي،

لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد

وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر.

بل أريكم ممن تخافون:

خافوا من الذي بعد ما يقتل له سلطان أن يلقى في جهنم.

نعم أقول لكم من هذا تخافوا" [4-5].

+ يلزمنا أن نخاف عذاب النفس لا قتل الجسد، فالموت يمثل نهاية طبيعيَّة للعذاب الجسدي لكن ليس نهاية للعقاب. فهو يضع نهاية لآلام الجسد (الزمنيَّة)، أما عقاب النفس فأبدي. يلزمنا أن نخاف الله وحده!

القدِّيس أمبروسيوس

+ هذه الوصيَّة تخص الذين يحبُّونه. ولكن من هم الذين يحبُّونه؟ نقول أولئك الذين لهم فكر مشابه له، غيورون في التبعيَّة على أثر خطواته. هذا ما يحثُّنا عليه الرسول بقوله: "فإذا قد تألَّم المسيح لأجلنا بالجسد تسلَّحوا أنتم أيضًا بهذه النيَّة" (1 بط 4: 1). لقد بذل حياته لأجلنا وكان بين الأموات كمن هو حرّ (مز 88: 5). فالموت لم يهاجمه بسبب الخطيَّة مثلنا، إذ كان ولا يزال بلا خطيَّة، غير قادر على صنع شرٍ، إنما احتمل الآلام بإرادته لأجلنا من أجل محبَّته لنا غير المحدودة. لنصغ إليه، إذ قال بوضوح: "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبَّائه" (يو 15: 13). أفلا تحسب دناءة مُرة ألا نرُد للمسيح دينه الضروري جدًا، الذي اِقترضناه منه؟

بطريقة أخرى، نقول إننا كأحبَّاء له يلزمنا ألا نخاف الموت بل بالحري نتمثَّل بالآباء القدِّيسين. فعندما جُرِّب الأب إبراهيم قدَّم ابنه الوحيد اسحق، حاسبًا أن الله قادر أن يقيمه من الأموات (عب 11: 19). أي رعب من الخوف يمكن أن يهاجمنا وقد أبطل "الحياة (المسيح)" الموت، لأن المسيح هو القيامة والحياة (يو 11: 25).

ولنضع أيضًا في ذهننا أن الأكاليل تُقتنى بالجهاد. فإن المصارعين الأقوياء في الحلقات ينالون الكمال بالجهاد العنيف مع الخبرة. الشجاعة والذهن الشهم هما اللذان يخدمان أصحاب المهارة في المعارك. أما من يلقي عنه دِرعه يحتقره العدو، وإن عاش الهارب من المعركة، يحيا كذليلٍ. أما الذي ثبُت في المعركة، ووقف ببسالة وشهامة بكل قوَّته ضد العدو، فيُكرم بنواله النصرة، وإن سقط (جريحًا) فيكون موضع إعجابٍ. هكذا يليق بنا أن نسلك، محتملين بصبر، وثابتين في الصراع بشجاعة، فننال المكافأة العظيمة، ونكون موضع إعجاب، ونقتني لأنفسنا بركات الله، أما رفض احتمال موت الجسد من أجل محبَّة المسيح فيجلب علينا عقابًا أبديًا لا ينقطع. لأن غضب الإنسان يبلغ نهايته عند حدود الجسد، ويكون موت الجسد هو نهاية صراعهم ضدَّنا، وأما إن عاقب الله فالخسارة لا تمس الجسد وحده... بل تمس النفس البائسة أيضًا فتسقط تحت العذابات.

ليته يكون نصيبنا هو الموت المكرَّم، الذي يُصعدنا إلى بداية الحياة الأبديَّة، والذي بالضرورة يلتصق بالبركات النابعة عن الفيض الإلهي. لنهرب من الحياة المخجلة ولنحتقرها، الحياة الكريهة المؤقَّتة التي تقود إلى عذاب أبدي مرّ.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ اُنظر كيف جعل ربَّنا تلاميذه فوق الكل، إذ حثَّهم أن يستخفُّوا بالموت الذي يرعب الكل! وفي نفس الوقت قدَّم تأكيدات لخلود النفس.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ قال أحد القدِّيسين: أن الجسد بخوفه من التجارب - كي لا يتضايق أو يخسر حياته - يصبح صديقًا للخطيَّة، ولهذا يُجبره الروح القدس على الموت لأنه إن لم يمت فلا يتغلَّب على الخطيَّة.

إذ شاء أحد أن يكون مسكنًا للرب عليه أن يقهر جسده، ويخدم الرب، ويعمل وصايا الروح، ويحفظ نفسه من أعمال الجسد التي كتب عنها الرسول. الجسم الممزوج بالخطيَّة يرتاح بأعمال الجسد، أما ثماره فلا تريح روح الله...

أموت هنا حتى لا أري موت النفس الحقيقي أي الانفصال عن الله. خير لي أن أموت هنا من أجل الطهارة عن أن أعيش حياة شرِّيرة لقد اخترت هذا الموت بحرِّيتي من أجل خطاياي.

الأب مار اسحق السرياني

القطيع الجديد والاتِّكال على الله

إذ أراد السيِّد المسيح أن يشجِّعنا في جهادنا الروحي فلا نخاف موت الجسد، أكد لنا رعايته حتى لأجسادنا، بل ولشعور رؤوسنا التي تبدو في أعيننا أحيانًا بلا ثمن. إنه رب النفس والجسد معًا، يهتم بحياتنا في كلِّيتها، إذ يقول:

"أليست خمسة عصافير تباع بفلسين،

وواحد منها ليس منسيًا أمام الله؟

بل شعور رؤوسكم أيضًا جميعها محصاه،

فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة" [6-7].

+ تأمَّل عظم رعايته بالذين يحبُّونه. فإن كان حافظ المسكونة يهتم هكذا حتى بالأمور التي بلا قيمة ويتنازل ليتحدَّث عن طيور صغيرة (لو 12: 6-7)، فكيف يمكنه أن ينسى الذين يحبُّونه والذين يتأهَّلون لافتقاده لهم، إذ يعرف كل دقائق حياتهم حتى عدد شعور رؤوسهم؟...

ليتنا لا نشك أن يده الغنيَّة تهب نعمته للذين يحبُّونه. فإما أنه لا يسمح لنا أن نسقط في تجربة، أو إن كان بحكمته يسمح لنا أن نسقط في الفخ إنما ليتمجَّد خلال الآلام، واهبًا إيَّانا بكل تأكيد قوَّة الاحتمال. الطوباوي بولس هو شاهدنا في ذلك إذ يقول: "الله أمين (قوي)، الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13).

القدِّيس كيرلس الكبير

+ إن كان الله لا ينسى العصافير، فكيف ينسى الإنسان؟ وإن كانت عظيمة هكذا وأبديَّة حتى أن العصفور وعدد شعور رؤوسنا ليس مخفيًا أمام علمه فكم يُحسب بالأكثر جاهلاً من يظن أن الرب يجهل القلوب الأمينة أو يتجاهلها؟...

العصافير الخمسة على ما يبدو لي هي حواس الجسد الخمس: اللمس والشم والتذوق والنظر والسمع. العصافير كالجسدانيين تنقر قذارة الأرض لتطلب غذائها في الأراضي البور ذات الرائحة النتنة، وتخطىء فتسقط في الشباك فلا تقدر على الارتفاع نحو الثمار العالية والوليمة الروحيَّة. فإغراءات الشباك تسبي في ثناياها تحركات أرواحنا. والتهاب طبيعتنا ونشاطنا وطهارتنا هذه كلها تتبدد خلال الاهتمام بالأرضيات والماديات واقتنائنا ترف هذا العالم. والآن بعد سبينا صار أمامنا نوعان من الملذّات، إما العبوديَّة للخطيَّة أو التحرَّر منها، فالمسيح يحرَّرنا والعدو يبيعنا. يعرضنا للبيع ليميتنا بينما يفدينا المسيح ليخلصنا. وقد ذكر متى عصفورين (مت 10: 29) إشارة إلى الجسد والروح...

لقد أُعطينا بالنعمة أن نطير، لكن اللذة تسبينا، فتصير الروح ثقيلة بفخاخ الشر وتنحدّر إلي مستوى طبيعة الجسد الثقيلة.

قيل أنه لا يسقط واحد منها بدون إذن الله، فالساقط ينحدر نحو الأرض، أما الذي يطير فتحمله النعمة الالهيَّة... فلا تخشى إذن سطوة الشيطان بل خف غضب الله.

النفس أيضًا شُبهت بعصفورٍ، إذ قيل: "نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصياد" (مز 123: 7)، وفي موضع آخر: "كيف تقولون لنفسي: اهربوا إلي جبالكم كعصفورٍ" (مز 11: 1)، كما شُبه الإنسان بالعصفور: "أما أنا فكعصفورٍ منفرد علي السطح" (مز 102: 7)، إذ الإنسان مكون من عصفورين في واحدٍ، كإتحاد الجناحين اللذين يتعاونا في خفة ليرتفع فيغلب الطبع الروحي علي المادي.

يوجد عصفور صالح يقدر بالطبيعة (الروحيَّة) أن يطير، وعصفور شرِّير لا يقدر أن يطير بسبب النجاسات الأرضية، وهذا الأخير يُباع بفلسين... ما أبخس ثمن الخطايا؟ فالموت يشمل الجميع، أما الفضيلة فثمينة! يعرضنا العدو للبيع كالعبيد الأسرى ويّقيمنا بثمن بخس، أما الرب فيعاملنا كعبيد صالحين خلقهم علي صورته ومثاله، يّقيمنا بثمنٍ عظيمٍ، إذ يقول الرسول: "قد اُشتريتم بثمن" (1 كو 6: 20). نعم أنه ثمن غالٍ لا يحُسب بفضة بل بالدم الثمين. لأن المسيح مات لأجلنا وحرَّرنا بدمه الثمين، كما يشير القدِّيس بطرس في رسالته: "عالمين أنكم أفتديتم، لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدمٍ كريمٍ كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 18-19)، نعم هو دم ثمين لأنه دم جسد بلا دنس، دم ابن الله الذي فدانا ليس فقط من لعنة الناموس (غل 3: 13) بل ومن موت الخطيَّة الأبدي.

القدِّيس أمبروسيوس

+ العصافير الخمس تُفهم بطريقة سريَّة الحواس الخمس التي لها إدراكات علويَّة للأمور السماويَّة: ترى الله، وتسمع الصوت الإلهي، وتتذوق خبز الحياة، وتشتم رائحة المسيح، وتمسك كلمة الحياة. هذه الحواس تُباع بفلسين، إذ تُحسب رخيصة بواسطة الذين يُهلكون ما هو من الروح وهم غير منسيين أمام الله.

العلامة أوريجينوس

+ هذه الحواس تُباع بفلسين أي بالعهدين الجديد والقديم، ولذلك فهم غير منسيين من الله.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ رأس الإنسان - سريًا - هو فمه، وشعره هي أفكاره المكشوفة في عيني الله.

القدِّيس كيرلس الكبير

القطيع الجديد والشهادة

"وأقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس

يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله.

ومن أنكرنى قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله.

وكل من قال كلمة علي ابن الإنسان يُغفر له، وأما من جدف علي الروح القدس فلا يغُفر له.

ومتى قدَّموكم إلي المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون.

لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" [8-12].

إن كانت الخطيَّة قد أفسدت العصافير الخمسة أي حواسنا الداخليَّة، فعوض انطلاقها بالروح القدس نحو الإلهيات لترى وتسمع وتتذوق وتلمس وتشتم ما هو أبدى وإلهي، إذا بها تسقط في فخاخ الملذّات وترتبط بحبال العالم، وتصير عاجزة عن الطيران أسيرة فخاخ العدو تحت سلطانه العنيف المهلك. لهذا فإن الإنسان حتى في تدينه لم يقدر أن يرتفع إلي فوق بل صار في عبادته وكرازته أسير المجد الباطل والرياء وأحيانا الطمع المادي الأمور التي وهبته فكرًا فرِّيسيا ناموسيًا، يهتم بالحرف القاتل عوض الروح العميق الذي يبنى. وقد افتدانا الرب ليطلقنا من هذه الفخاخ لنحيا في هذا العالم شهود حق للمخلِّص خلال حياتنا السماويَّة وفكرنا الجديد وإنساننا الروحي الذي هو من عمل إلهنا... نشهد له هنا فيشهد لنا ابن الإنسان في المقادس السماويَّة عينها.

لقد دفع دمه ثمنًا لانتزاعنا من فخ الرياء، مؤكدًا لنا أن ما نقوله في الظلمة يُستعلن في النور، وما ننادى به الأذن يعلن علي السطوح... والآن هاهو يؤكد أن ما نفعله هنا كما في الظلمة أو في الأذن يعلنه ربَّنا يسوع نفسه أمام ملائكته وقدِّيسيه في الرب العظيم.

إن كان المراؤون يفعلون الشر خفيَّة فينفضحون، فعلم الكنيسة الظاهر والخفي هو الاعتراف بالمخلِّص لكي تتمجد حقيقة!

+ الرب غير مقتنع بالإيمان الداخلي وحده، إنما يسألنا الاعتراف الظاهر، حاثًا إيَّانا علي الثقة والحب العظيم. ولما كان هذا نافعًا للجميع قال: "كل من اعترف بي..."

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ "لأنك أن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خلصت" (رو 10: 9). لقد وضح سّر المسيح في هذه الكلمات بطريقة رائعة.

أول كل شيء من واجبنا أن نعترف بأن الابن المولود من الله الآب، الابن الوحيد الذي من جوهره، الله الكلمة، هو رب الكل، ليس كمن نال الربوبية من الخارج بل تُنسب له بكونه الرب بالحق بالطبيعة، كما الآب أيضا. ثانيًا يليق بنا أن نؤمن بأن الله أقامه من الأموات، بمعنى أنه إذ صار إنسانًا تألَّم في الجسد من أجلنا وقام من الأموات، لذلك كما قلت الابن هو الرب... هو وحده الرب بالطبيعة بكونه الله الكلمة فوق كل خليقة. هذا ما يعلمنا إيَّاه الحكيم بولس، قائلاً: " لأنه وإن وُجد ما يُسمى آلهة سواء كان في السماء أو علي الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرة، لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1 كو 8: 5-6)...

من يعترف بالمسيح أمام الناس أنه الله الرب، يعترف به أمام ملائكة الله ولكن أين؟ وكيف؟ واضح أنه في ذلك الوقت عندما ينزل من السماء في مجد أبيه مع الملائكة القدِّيسين في نهاية هذا العالم، حيث يكلل المعترفين به الحقيقيين الذين لهم الإيمان الأصيل غير المتردد... هناك تتلألأ جماعة الشهداء القدِّيسين الذين احتملوا الجهاد حتى بذل الدم، وقد كرموّا المسيح بصبرهم، ولم ينكروا المخلِّص، ولم يكن مجده غير معروف لديهم، بل وقدَّموا ولاءهم له. مثل هؤلاء يمدحهم الملائكة القدِّيسون الذين يمجدون المسيح مخلِّص الكل من أجل الكرامات التي يهبها لقدِّيسيه والتي يستحقونها. هذا ما يعلنه المرتل: "تخبر السماوات بعدله (ببره)، لأن الله هو الديان" (مز 50: 6). هذا هو نصيب المعترفين به.

أما البقيَّة التي جحدته واستهانت به فستنكر، عندما يقول لهم كما سبق فقيل بأحد الأنبياء قديمًا: "كما فعلت يُفعل بَك، عملك يرتد علي رأسك" (عو 15). وينكرهم بهذه الكلمات: "لا أعرفكم... تباعدوا عنى يا جميع فاعلي الظلم" (لو 13: 27).

من هم هؤلاء الذين يُنكرون؟

أولاً، الذين عندما يسقطون تحت ضغط الاضطهاد وتحل بهم ضيقة ينكرون الإيمان، هؤلاء يفقدون الرجاء كلية من جذوره، فلا توجد كلمات بشريَّة يمكن أن تعبر عن ذلك إذ ينالون غضبًا ودينونة ونارًا لا تُطفأ.

بنفس الطريقة الذين يتبعون هرطقة والذين يعلّمون بها، هذه الهرطقة تنكره كأن يتجاسر البعض فيقول أن كلمة الله، الابن الوحيد، ليس هو الله بالطبيعة والحق.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ [إنكار المسيح خلال الحياة الفاسدة التي لا تليق بنا].

توجد أيضًا وسائل أخرى للإنكار يصفها القدِّيس بولس، قائلاً: "يعترفون بأنهم يعرفون الله، ولكنهم بالأعمال ينكرونه" (تى 1: 16)، وأيضا: "وإن كان أحد لا يعتني بخاصته ولاسيما أهل بيته فقد أنكر الإيمان، وهو أشر من غير المؤمن" (1 تي 5: 8)، وأيضا: "(هربوا من) الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كو 3: 5).

وكما توجد أنواع مختلفة من الإنكار، فمن الواضح أيضًا توجد أنواع مختلفة من الاعتراف به، لاحظوا الاهتمام بالتحذير من الأعمال.

في اليونانية يقول: "من يعترف فيّ in me" مظهرًا أن الاعتراف (بالمسيح) لا يتحقَّق بقوَّة الإنسان الذاتيَّة إنما بعون النعمة العلويَّة، فالإنسان يعترف بالمسيح. أما عن الإنكار فيقول "ينكرني"، فإن حُرم من النعمة ينكر، ومع هذا فهو يُدان لأن الحرمان تحقَّق بواسطته (إذ رفض النعمة) فالخطأ يُنسب له.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ليتنا إذن نشهد للرب ونعترف به بفمنا وقلبنا وبإيماننا الحق وسلوكنا اللائق خلال عمل نعمته الواهب قوَّة الشهادة والعمل، ليظهر مسيحنا القائم من الأموات متجليًا في أعماقنا واضحًا في حياتنا اليومية خلال الحياة الجديدة التي لنا فيه. بهذه الشهادة وهذا الاعتراف اليومي نتأهل أن يعترف ربَّنا نفسه بنا أمام ملائكته، إذ يحسبنا ورثة الله، ووارثون مع المسيح، وشركاء في المجد الأبدي، لنا موضع في حضن الآب!

ولما كان الاعتراف بالسيِّد المسيح مكافأته العلنية الأبديَّة بلا رجعة، وأيضا للانكار جزاءه الأبدي بلا رجعة لهذا خشى لئلاَّ ينهار أحد بروح اليأس أن ضعف مرة وسقط في الجحود، فيظن أنه لايقدر أن يرجع ويتوب بل يسقط تحت هلاك ابدى لهذا يؤكد: "وكل من قال كلمة علي ابن الإنسان يُغفر له" [10]، فاتحًا أبواب الرجاء علي مصراعيه خلال التوبة. وقد جاءت تكملة حديثه تؤكد ذلك، بقوله: "وأما من جدف علي الروح القدس فلا يُغفر له" [10]. بمعنى أن من يرفض عمل الروح القدس واهب التوبة والمغفرة يفقد غفرانه. وقد سبق لنا الحديث في شيء من الاستفاضة عن "التجديف علي الروح القدس"، مؤكدين أن التجديف الذي لا يُغفر هو الإصرار علي عدم التوبة.

لقد أساء البعض فهم هذه العبارة الإلهية حاسبين أن من يقول كلمة على ابن الإنسان تُغفر له بينما من يقول كلمة على الروح القدس لا تُغفر، بمعنى أن من يخطئ ضد السيِّد المسيح بكونه قد تجسد مختفيًا يغفر له حين يكتشف الحق ويتوب، بينما من يخطئ ضد الروح القدس فلا توبة له. هذا التفسير لا يمكن قبوله، إذ أكّد الكتاب المقدَّس أن كل خطيَّة نقدَّم عنها توبة تُغفر، هذا أيضًا ما أعلنه آباء الكنيسة فاتحين أبواب الرجاء حتى أمام الهراطقة الذين جدفوا ضد الروح القدس وأتباعهم أن رجعوا عن خطأهم، وقد قبلتهم الكنيسة فعلاً عند توبتهم.

يؤكد القدِّيس أمبروسيوس أن التمايز هنا يقوم علي أساس تمايز أعمال الثالوث القدُّوس، وأن الإنكار للروح القدس أو التجديف عليه إنما يعنى رفض عمله تمامًا، أي رفض عمل التوبة الذي يبعثه الروح فينا. هذا ما يوضحه نفس حديث السيِّد، إذ يكمل قائلاً: ["لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" [12]. فمن يرفض عمله الخفي في القلب لا ينال غفرانًا حتى يرجع ويقبله من جديد.]

ولما كانت الشهادة للسيد المسيح تضع تلاميذه أمام المجامع والرؤساء والسلاطين، فقد وهبهم إمكانية لهذا العمل، إذ عهد بهم في يدّي روحه القدُّوس، قائلاً: "لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب لأن تقولوه" [12].

+ يقول أن ما ننطق به ونجيب به (وقت الضيق) يوهب لنا في تلك الساعة من السماء التي تمدنا، فلا نتكلم نحن بل روح الله الذي لا يفارق من يعترفون به، ولا ينفصل عنهم، بل يتكلَّم فيهم ويتّوج فيهم.

+ إن عمله هو أن نغلب وننال النصرة بإخضاع العدو في الصراع العظيم.

القدِّيس كبريانوس

+ عندما تثور خلافات أو صراعات بين الأصدقاء يأمرنا الرب أن نفكر جيدًا في الأمر، لكن حينما يصير رعب محاكم العدالة وتثور المخاوف من كل جانب، فإنه يعطينا قوَّته واهبة الشجاعة وما ننطق به وعدم ثبط الهمة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+          +          +

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt