طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات  يوم  4 بؤونة

 

عشية

باكر

القــــداس

مز 68 : 35 ، 3

مت 10 : 16 - 23

مز 97 : 11 ، 12

مر 13 : 9 - 13

عب 12

3 - 14

1 بط 4

12 - 19

أع 7 : 44

- 8 : 1

مز 34 : 19 ، 20

لو 11 : 53 – 12 : 12

 

إنجيل القداس  لو 11 : 53 – 12 : 12

 

 

53 و فيما هو يكلمهم بهذا ابتدا الكتبة و الفريسيون يحنقون جدا و يصادرونه على امور كثيرة
54 و هم يراقبونه طالبين ان يصطادوا شيئا من فمه لكي يشتكوا عليه

 

+ أخيرًا إذ فضح الرب جراحات الكتبة والفرِّيسيِّين ابتدءوا "يحنِقون جدًا ويصادرونه على أمور كثيرة. وهم يراقبونه طالبين أن يصطادوا شيئًا من فمه ليشتكوا عليه" [53-54].

لقد أراد لهم الشفاء من جراحات النفس الداخليَّة، لكنهم في جهالة اِزدادوا مقاومة خلال قسوة القلب إذ حنقوا جدًا، وفساد الإرادة، إذ صاروا "يصادرونه"، وخلل العقل إذ صاروا يراقبونه بكل فكرهم ليقتنصوا له خطأ من فمه. يهذا أعلنوا بالأكثر فسادهم الداخلي عاطفيًا وإراديًا وفكريًا.

لوقا 12 : 1 – 12

 

 

1 و في اثناء ذلك اذ اجتمع ربوات الشعب حتى كان بعضهم يدوس بعضا ابتدا يقول لتلاميذه اولا تحرزوا لانفسكم من خمير الفريسيين الذي هو الرياء
2 فليس مكتوم لن يستعلن و لا خفي لن يعرف
3 لذلك كل ما قلتموه في الظلمة يسمع في النور و ما كلمتم به الاذن في المخادع ينادى به على السطوح
4 و لكن اقول لكم يا احبائي لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد و بعد ذلك ليس لهم ما يفعلون اكثر
5 بل اريكم ممن تخافون خافوا من الذي بعدما يقتل له سلطان ان يلقي في جهنم نعم اقول لكم من هذا خافوا
6 اليست خمسة عصافير تباع بفلسين و واحد منها ليس منسيا امام الله
7 بل شعور رؤوسكم ايضا جميعها محصاة فلا تخافوا انتم افضل من عصافير كثيرة
8 و اقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله
9 و من انكرني قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله
10 و كل من قال كلمة على ابن الانسان يغفر له و اما من جدف على الروح القدس فلا يغفر له
11 و متى قدموكم الى المجامع و الرؤساء و السلاطين فلا تهتموا كيف او بما تحتجون او بما تقولون
12 لان الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب ان تقولوه

 

 

الصديق السماوي والقطيع الصغير

في الأصحاح السابق كشف الرب ضعفات بعض القيادات الدينيَّة لما حملته من شكليَّات في العبادة بلا أعماق، وحرفيَّة في فهم الناموس والوصيَّة بلا روح، مع ارتباط مرّ بمحبَّة العالم والكرامات الزمنيَّة، والآن إذ جاء هذا الصديق ليقيم لنفسه قطيعًا جديدًا ليكون جسده الواحد، أبرز سمات هذا القطيع الجديد الصغير ليكون منسجمًا ومتناغمًا مع راعيه السماوي الذي هو عريسه ومخلِّصه ورأسه العامل في الجسد.

 

1. القطيع الصغير وخمير الفرِّيسيِّين

إذ أراد صديقنا السماوي أن يقيم مؤمنيه قطيعًا جديدًا يحمل سماته السماويَّة، أول وصيَّة قدَّمها لكنيسته خلال تلاميذه هي عزل "الخميرة القديمة"، خميرة الفرِّيسيِّين، أي الرياء، حتى لا تقوم الكنيسة على أساس خاطئ. لقد أراد تحطيم الخميرة القديمة الفاسدة لكي تُقدَّم كفطير الفصح الجديد، وكما يقول الرسول بولس: "ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمِّر العجين كله؟ إذا نقُوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينًا جديدًا كما أنتم فطير، لأن فصحنا أيضًا قد ذُبح لأجلنا، إذًا لنعيِّد ليس بخميرة الشرّ والخبث، بل فطير الإخلاص والحق" (1 كو 5: 6-8).

"وفي أثناء ذلك إذ اجتمع ربوات الشعب

حتى كان بعضهم يدوس بعضًا

ابتدأ يقول لتلاميذه:

أولاً تحرَّزوا لأنفسكم من خمير الفرِّيسيِّين الذي هو الرياء." [1].

بالرياء أراد الفرِّسيُّون أن يصطادوا السيِّد المسيح بكلمة من فيه لكي يحجبوا الناس عنه، فلا تنهار شعبيَّتهم، ولا يفقدون كرامتهم وسلطانهم، لكن تصرُفهم جاء بنتيجة عكسيَّة، فقد جاء عشرات الألوف يزحمون السيِّد مشتاقين إلى الالتقاء معه. وهكذا قبل أن يحذِّر السيِّد المسيح قطيعه من الرياء الذي للفرِّيسيِّين أوضح الإنجيلي لوقا وبدرس عملي كيف يفشل الرياء في تحقيق غاية السالكين به، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [هكذا الحق قوي، وكل خداع ضعيف.]

بالرياء يود الإنسان أن يجتذب الكل حوله ويحرمهم من الحق، لكن الرياء ينكشف، وينفر الناس من المرائين ليلتصقوا بالحق. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد شبَّهه السيِّد المسيح بالخميرة التي تعمل بالرغم من صغر حجمها في العجين كله، معلنًا أنه مفسد للإنسان بكليته، يفقده كل نقاوة وفضيلة روحيَّة في القلب والفكر والأحاسيس، حتى وإن ارتدى ثوبًا من التقوى الظاهرة والقدرة على التعليم والغيرة على المقدَّسات.

+ الرياء يكرهه الله، ويمقته الإنسان. لا يجلب مكافأة، وبلا منفعة تمامًا في خلاص النفس، بل بالحري يكون علَّة هلاكها.

إن كان الرياء لا ينفضح أحيانًا، لكن إلى حين، إذ لا يدوم كثيرًا، بل ينكشف كل شيء، فيجلب على صاحبه وبالاً، وهكذا يكون أشبه بامرأة قبيحة المنظر تُنزَع عنها زينتها الخارجيَّة التي وُضعت لها بطرق صناعيَّة.

+ الرياء غريب عن سمات القدِّيسين، إذ يستحيل أن يفلت شيء مما نفعله أو نقوله من عيني اللاهوت، إذ "ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لن يُعرف" [2]. كل كلماتنا وأعمالنا ستُعلن في يوم الدين. لذلك فالرياء مُتعب وبلا منفعة. يليق بنا أن نتزكَّى كعباد حقيقيِّين نخدم الله بملامح صريحة وواضحة.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ تُمدح الخميرة بكونها مرتبطة بخبز الحياة، وتُلام حين تعني المكر المستمر المُر.

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

+ يُسمى الرياء خميرة، إذ هو يخدع نيَّات من يمارسه ويضلِّلها. ليس شيء يُفسد شخصيَّة الإنسان مثل الرياء.

+ وجَّه حديثه للفرِّيسيِّين، وكأنه يقول لهم: أيها الفريِّسيُّون، ما تتكلَّمون به في الظلمة، أي كل مساعيكم لتجرِّبونني في مخابىء قلوبكم، يُسمع به في النور، لأني أنا هو النور، فبنوري تنفضح خداعات ظلمتكم. وما تنطقون به في الأذن والمخادع، أي ما تتهامسون به في آذان بعضكم البعض سوف يُعلن على السطح، إذ هو مسموع لي كمن يصرخ بصوتٍ عالٍ من فوق السطح.

هنا أيضًا يمكن أن يُفهم بالنور "الإنجيل"، وبالسطح نفوس التلاميذ المرتفعة. فما قد دبَّره الفريِّسيُّون معًا، سيُنادى به ويُكشف خلال نور الإنجيل، بالمبشِّر العظيم، الروح القدس، الذي يسيطر على نفوس التلاميذ (العالية).

الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا

2. القطيع الجديد والخوف

إذ يطلب مِن كنيسته، القطيع الجديد، ألاَّ تحمل خمير الفرِّيسيِّين الذي هو الرياء، فلا يكون خارجها غير داخلها، يسألها أن تسلك بمخافة الرب وحده، دون خوف الناس. فمن يخاف الرب لا يهتم بحكم الناس، الأمر الذي ينزع عنه كل رياء لأنه لا يطلب مدحهم ولا يضطرب لذمهم، لا يسألهم المكافأة ولا يرهب بطشهم.

"ولكن أقول لكم يا أحبائي،

لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد

وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر.

بل أريكم ممن تخافون:

خافوا من الذي بعد ما يقتل له سلطان أن يلقى في جهنم.

نعم أقول لكم من هذا تخافوا" [4-5].

+ يلزمنا أن نخاف عذاب النفس لا قتل الجسد، فالموت يمثل نهاية طبيعيَّة للعذاب الجسدي لكن ليس نهاية للعقاب. فهو يضع نهاية لآلام الجسد (الزمنيَّة)، أما عقاب النفس فأبدي. يلزمنا أن نخاف الله وحده!

القدِّيس أمبروسيوس

+ هذه الوصيَّة تخص الذين يحبُّونه. ولكن من هم الذين يحبُّونه؟ نقول أولئك الذين لهم فكر مشابه له، غيورون في التبعيَّة على أثر خطواته. هذا ما يحثُّنا عليه الرسول بقوله: "فإذا قد تألَّم المسيح لأجلنا بالجسد تسلَّحوا أنتم أيضًا بهذه النيَّة" (1 بط 4: 1). لقد بذل حياته لأجلنا وكان بين الأموات كمن هو حرّ (مز 88: 5). فالموت لم يهاجمه بسبب الخطيَّة مثلنا، إذ كان ولا يزال بلا خطيَّة، غير قادر على صنع شرٍ، إنما احتمل الآلام بإرادته لأجلنا من أجل محبَّته لنا غير المحدودة. لنصغ إليه، إذ قال بوضوح: "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبَّائه" (يو 15: 13). أفلا تحسب دناءة مُرة ألا نرُد للمسيح دينه الضروري جدًا، الذي اِقترضناه منه؟

بطريقة أخرى، نقول إننا كأحبَّاء له يلزمنا ألا نخاف الموت بل بالحري نتمثَّل بالآباء القدِّيسين. فعندما جُرِّب الأب إبراهيم قدَّم ابنه الوحيد اسحق، حاسبًا أن الله قادر أن يقيمه من الأموات (عب 11: 19). أي رعب من الخوف يمكن أن يهاجمنا وقد أبطل "الحياة (المسيح)" الموت، لأن المسيح هو القيامة والحياة (يو 11: 25).

ولنضع أيضًا في ذهننا أن الأكاليل تُقتنى بالجهاد. فإن المصارعين الأقوياء في الحلقات ينالون الكمال بالجهاد العنيف مع الخبرة. الشجاعة والذهن الشهم هما اللذان يخدمان أصحاب المهارة في المعارك. أما من يلقي عنه دِرعه يحتقره العدو، وإن عاش الهارب من المعركة، يحيا كذليلٍ. أما الذي ثبُت في المعركة، ووقف ببسالة وشهامة بكل قوَّته ضد العدو، فيُكرم بنواله النصرة، وإن سقط (جريحًا) فيكون موضع إعجابٍ. هكذا يليق بنا أن نسلك، محتملين بصبر، وثابتين في الصراع بشجاعة، فننال المكافأة العظيمة، ونكون موضع إعجاب، ونقتني لأنفسنا بركات الله، أما رفض احتمال موت الجسد من أجل محبَّة المسيح فيجلب علينا عقابًا أبديًا لا ينقطع. لأن غضب الإنسان يبلغ نهايته عند حدود الجسد، ويكون موت الجسد هو نهاية صراعهم ضدَّنا، وأما إن عاقب الله فالخسارة لا تمس الجسد وحده... بل تمس النفس البائسة أيضًا فتسقط تحت العذابات.

ليته يكون نصيبنا هو الموت المكرَّم، الذي يُصعدنا إلى بداية الحياة الأبديَّة، والذي بالضرورة يلتصق بالبركات النابعة عن الفيض الإلهي. لنهرب من الحياة المخجلة ولنحتقرها، الحياة الكريهة المؤقَّتة التي تقود إلى عذاب أبدي مرّ.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ اُنظر كيف جعل ربَّنا تلاميذه فوق الكل، إذ حثَّهم أن يستخفُّوا بالموت الذي يرعب الكل! وفي نفس الوقت قدَّم تأكيدات لخلود النفس.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ قال أحد القدِّيسين: أن الجسد بخوفه من التجارب - كي لا يتضايق أو يخسر حياته - يصبح صديقًا للخطيَّة، ولهذا يُجبره الروح القدس على الموت لأنه إن لم يمت فلا يتغلَّب على الخطيَّة.

إذ شاء أحد أن يكون مسكنًا للرب عليه أن يقهر جسده، ويخدم الرب، ويعمل وصايا الروح، ويحفظ نفسه من أعمال الجسد التي كتب عنها الرسول. الجسم الممزوج بالخطيَّة يرتاح بأعمال الجسد، أما ثماره فلا تريح روح الله...

أموت هنا حتى لا أري موت النفس الحقيقي أي الانفصال عن الله. خير لي أن أموت هنا من أجل الطهارة عن أن أعيش حياة شرِّيرة لقد اخترت هذا الموت بحرِّيتي من أجل خطاياي.

الأب مار اسحق السرياني

3. القطيع الجديد والاتِّكال على الله

إذ أراد السيِّد المسيح أن يشجِّعنا في جهادنا الروحي فلا نخاف موت الجسد، أكد لنا رعايته حتى لأجسادنا، بل ولشعور رؤوسنا التي تبدو في أعيننا أحيانًا بلا ثمن. إنه رب النفس والجسد معًا، يهتم بحياتنا في كلِّيتها، إذ يقول:

"أليست خمسة عصافير تباع بفلسين،

وواحد منها ليس منسيًا أمام الله؟

بل شعور رؤوسكم أيضًا جميعها محصاه،

فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة" [6-7].

+ تأمَّل عظم رعايته بالذين يحبُّونه. فإن كان حافظ المسكونة يهتم هكذا حتى بالأمور التي بلا قيمة ويتنازل ليتحدَّث عن طيور صغيرة (لو 12: 6-7)، فكيف يمكنه أن ينسى الذين يحبُّونه والذين يتأهَّلون لافتقاده لهم، إذ يعرف كل دقائق حياتهم حتى عدد شعور رؤوسهم؟...

ليتنا لا نشك أن يده الغنيَّة تهب نعمته للذين يحبُّونه. فإما أنه لا يسمح لنا أن نسقط في تجربة، أو إن كان بحكمته يسمح لنا أن نسقط في الفخ إنما ليتمجَّد خلال الآلام، واهبًا إيَّانا بكل تأكيد قوَّة الاحتمال. الطوباوي بولس هو شاهدنا في ذلك إذ يقول: "الله أمين (قوي)، الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13).

القدِّيس كيرلس الكبير

+ إن كان الله لا ينسى العصافير، فكيف ينسى الإنسان؟ وإن كانت عظيمة هكذا وأبديَّة حتى أن العصفور وعدد شعور رؤوسنا ليس مخفيًا أمام علمه فكم يُحسب بالأكثر جاهلاً من يظن أن الرب يجهل القلوب الأمينة أو يتجاهلها؟...

العصافير الخمسة على ما يبدو لي هي حواس الجسد الخمس: اللمس والشم والتذوق والنظر والسمع. العصافير كالجسدانيين تنقر قذارة الأرض لتطلب غذائها في الأراضي البور ذات الرائحة النتنة، وتخطىء فتسقط في الشباك فلا تقدر على الارتفاع نحو الثمار العالية والوليمة الروحيَّة. فإغراءات الشباك تسبي في ثناياها تحركات أرواحنا. والتهاب طبيعتنا ونشاطنا وطهارتنا هذه كلها تتبدد خلال الاهتمام بالأرضيات والماديات واقتنائنا ترف هذا العالم. والآن بعد سبينا صار أمامنا نوعان من الملذّات، إما العبوديَّة للخطيَّة أو التحرَّر منها، فالمسيح يحرَّرنا والعدو يبيعنا. يعرضنا للبيع ليميتنا بينما يفدينا المسيح ليخلصنا. وقد ذكر متى عصفورين (مت 10: 29) إشارة إلى الجسد والروح...

لقد أُعطينا بالنعمة أن نطير، لكن اللذة تسبينا، فتصير الروح ثقيلة بفخاخ الشر وتنحدّر إلي مستوى طبيعة الجسد الثقيلة.

قيل أنه لا يسقط واحد منها بدون إذن الله، فالساقط ينحدر نحو الأرض، أما الذي يطير فتحمله النعمة الالهيَّة... فلا تخشى إذن سطوة الشيطان بل خف غضب الله.

النفس أيضًا شُبهت بعصفورٍ، إذ قيل: "نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصياد" (مز 123: 7)، وفي موضع آخر: "كيف تقولون لنفسي: اهربوا إلي جبالكم كعصفورٍ" (مز 11: 1)، كما شُبه الإنسان بالعصفور: "أما أنا فكعصفورٍ منفرد علي السطح" (مز 102: 7)، إذ الإنسان مكون من عصفورين في واحدٍ، كإتحاد الجناحين اللذين يتعاونا في خفة ليرتفع فيغلب الطبع الروحي علي المادي.

يوجد عصفور صالح يقدر بالطبيعة (الروحيَّة) أن يطير، وعصفور شرِّير لا يقدر أن يطير بسبب النجاسات الأرضية، وهذا الأخير يُباع بفلسين... ما أبخس ثمن الخطايا؟ فالموت يشمل الجميع، أما الفضيلة فثمينة! يعرضنا العدو للبيع كالعبيد الأسرى ويّقيمنا بثمن بخس، أما الرب فيعاملنا كعبيد صالحين خلقهم علي صورته ومثاله، يّقيمنا بثمنٍ عظيمٍ، إذ يقول الرسول: "قد اُشتريتم بثمن" (1 كو 6: 20). نعم أنه ثمن غالٍ لا يحُسب بفضة بل بالدم الثمين. لأن المسيح مات لأجلنا وحرَّرنا بدمه الثمين، كما يشير القدِّيس بطرس في رسالته: "عالمين أنكم أفتديتم، لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدمٍ كريمٍ كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 18-19)، نعم هو دم ثمين لأنه دم جسد بلا دنس، دم ابن الله الذي فدانا ليس فقط من لعنة الناموس (غل 3: 13) بل ومن موت الخطيَّة الأبدي.

القدِّيس أمبروسيوس

+ العصافير الخمس تُفهم بطريقة سريَّة الحواس الخمس التي لها إدراكات علويَّة للأمور السماويَّة: ترى الله، وتسمع الصوت الإلهي، وتتذوق خبز الحياة، وتشتم رائحة المسيح، وتمسك كلمة الحياة. هذه الحواس تُباع بفلسين، إذ تُحسب رخيصة بواسطة الذين يُهلكون ما هو من الروح وهم غير منسيين أمام الله.

العلامة أوريجينوس

+ هذه الحواس تُباع بفلسين أي بالعهدين الجديد والقديم، ولذلك فهم غير منسيين من الله.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ رأس الإنسان - سريًا - هو فمه، وشعره هي أفكاره المكشوفة في عيني الله.

القدِّيس كيرلس الكبير

4. القطيع الجديد والشهادة

"وأقول لكم كل من اعترف بي قدام الناس

يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله.

ومن أنكرنى قدام الناس ينكر قدام ملائكة الله.

وكل من قال كلمة علي ابن الإنسان يُغفر له، وأما من جدف علي الروح القدس فلا يغُفر له.

ومتى قدَّموكم إلي المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون.

لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" [8-12].

إن كانت الخطيَّة قد أفسدت العصافير الخمسة أي حواسنا الداخليَّة، فعوض انطلاقها بالروح القدس نحو الإلهيات لترى وتسمع وتتذوق وتلمس وتشتم ما هو أبدى وإلهي، إذا بها تسقط في فخاخ الملذّات وترتبط بحبال العالم، وتصير عاجزة عن الطيران أسيرة فخاخ العدو تحت سلطانه العنيف المهلك. لهذا فإن الإنسان حتى في تدينه لم يقدر أن يرتفع إلي فوق بل صار في عبادته وكرازته أسير المجد الباطل والرياء وأحيانا الطمع المادي الأمور التي وهبته فكرًا فرِّيسيا ناموسيًا، يهتم بالحرف القاتل عوض الروح العميق الذي يبنى. وقد افتدانا الرب ليطلقنا من هذه الفخاخ لنحيا في هذا العالم شهود حق للمخلِّص خلال حياتنا السماويَّة وفكرنا الجديد وإنساننا الروحي الذي هو من عمل إلهنا... نشهد له هنا فيشهد لنا ابن الإنسان في المقادس السماويَّة عينها.

لقد دفع دمه ثمنًا لانتزاعنا من فخ الرياء، مؤكدًا لنا أن ما نقوله في الظلمة يُستعلن في النور، وما ننادى به الأذن يعلن علي السطوح... والآن هاهو يؤكد أن ما نفعله هنا كما في الظلمة أو في الأذن يعلنه ربَّنا يسوع نفسه أمام ملائكته وقدِّيسيه في الرب العظيم.

إن كان المراؤون يفعلون الشر خفيَّة فينفضحون، فعلم الكنيسة الظاهر والخفي هو الاعتراف بالمخلِّص لكي تتمجد حقيقة!

+ الرب غير مقتنع بالإيمان الداخلي وحده، إنما يسألنا الاعتراف الظاهر، حاثًا إيَّانا علي الثقة والحب العظيم. ولما كان هذا نافعًا للجميع قال: "كل من اعترف بي..."

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ "لأنك أن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خلصت" (رو 10: 9). لقد وضح سّر المسيح في هذه الكلمات بطريقة رائعة.

أول كل شيء من واجبنا أن نعترف بأن الابن المولود من الله الآب، الابن الوحيد الذي من جوهره، الله الكلمة، هو رب الكل، ليس كمن نال الربوبية من الخارج بل تُنسب له بكونه الرب بالحق بالطبيعة، كما الآب أيضا. ثانيًا يليق بنا أن نؤمن بأن الله أقامه من الأموات، بمعنى أنه إذ صار إنسانًا تألَّم في الجسد من أجلنا وقام من الأموات، لذلك كما قلت الابن هو الرب... هو وحده الرب بالطبيعة بكونه الله الكلمة فوق كل خليقة. هذا ما يعلمنا إيَّاه الحكيم بولس، قائلاً: " لأنه وإن وُجد ما يُسمى آلهة سواء كان في السماء أو علي الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرة، لكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1 كو 8: 5-6)...

من يعترف بالمسيح أمام الناس أنه الله الرب، يعترف به أمام ملائكة الله ولكن أين؟ وكيف؟ واضح أنه في ذلك الوقت عندما ينزل من السماء في مجد أبيه مع الملائكة القدِّيسين في نهاية هذا العالم، حيث يكلل المعترفين به الحقيقيين الذين لهم الإيمان الأصيل غير المتردد... هناك تتلألأ جماعة الشهداء القدِّيسين الذين احتملوا الجهاد حتى بذل الدم، وقد كرموّا المسيح بصبرهم، ولم ينكروا المخلِّص، ولم يكن مجده غير معروف لديهم، بل وقدَّموا ولاءهم له. مثل هؤلاء يمدحهم الملائكة القدِّيسون الذين يمجدون المسيح مخلِّص الكل من أجل الكرامات التي يهبها لقدِّيسيه والتي يستحقونها. هذا ما يعلنه المرتل: "تخبر السماوات بعدله (ببره)، لأن الله هو الديان" (مز 50: 6). هذا هو نصيب المعترفين به.

أما البقيَّة التي جحدته واستهانت به فستنكر، عندما يقول لهم كما سبق فقيل بأحد الأنبياء قديمًا: "كما فعلت يُفعل بَك، عملك يرتد علي رأسك" (عو 15). وينكرهم بهذه الكلمات: "لا أعرفكم... تباعدوا عنى يا جميع فاعلي الظلم" (لو 13: 27).

من هم هؤلاء الذين يُنكرون؟

+ الذين عندما يسقطون تحت ضغط الاضطهاد وتحل بهم ضيقة ينكرون الإيمان، هؤلاء يفقدون الرجاء كلية من جذوره، فلا توجد كلمات بشريَّة يمكن أن تعبر عن ذلك إذ ينالون غضبًا ودينونة ونارًا لا تُطفأ.

بنفس الطريقة الذين يتبعون هرطقة والذين يعلّمون بها، هذه الهرطقة تنكره كأن يتجاسر البعض فيقول أن كلمة الله، الابن الوحيد، ليس هو الله بالطبيعة والحق.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ [إنكار المسيح خلال الحياة الفاسدة التي لا تليق بنا].

توجد أيضًا وسائل أخرى للإنكار يصفها القدِّيس بولس، قائلاً: "يعترفون بأنهم يعرفون الله، ولكنهم بالأعمال ينكرونه" (تى 1: 16)، وأيضا: "وإن كان أحد لا يعتني بخاصته ولاسيما أهل بيته فقد أنكر الإيمان، وهو أشر من غير المؤمن" (1 تي 5: 8)، وأيضا: "(هربوا من) الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كو 3: 5).

وكما توجد أنواع مختلفة من الإنكار، فمن الواضح أيضًا توجد أنواع مختلفة من الاعتراف به، لاحظوا الاهتمام بالتحذير من الأعمال.

في اليونانية يقول: "من يعترف فيّ in me" مظهرًا أن الاعتراف (بالمسيح) لا يتحقَّق بقوَّة الإنسان الذاتيَّة إنما بعون النعمة العلويَّة، فالإنسان يعترف بالمسيح. أما عن الإنكار فيقول "ينكرني"، فإن حُرم من النعمة ينكر، ومع هذا فهو يُدان لأن الحرمان تحقَّق بواسطته (إذ رفض النعمة) فالخطأ يُنسب له.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ليتنا إذن نشهد للرب ونعترف به بفمنا وقلبنا وبإيماننا الحق وسلوكنا اللائق خلال عمل نعمته الواهب قوَّة الشهادة والعمل، ليظهر مسيحنا القائم من الأموات متجليًا في أعماقنا واضحًا في حياتنا اليومية خلال الحياة الجديدة التي لنا فيه. بهذه الشهادة وهذا الاعتراف اليومي نتأهل أن يعترف ربَّنا نفسه بنا أمام ملائكته، إذ يحسبنا ورثة الله، ووارثون مع المسيح، وشركاء في المجد الأبدي، لنا موضع في حضن الآب!

ولما كان الاعتراف بالسيِّد المسيح مكافأته العلنية الأبديَّة بلا رجعة، وأيضا للانكار جزاءه الأبدي بلا رجعة لهذا خشى لئلاَّ ينهار أحد بروح اليأس أن ضعف مرة وسقط في الجحود، فيظن أنه لايقدر أن يرجع ويتوب بل يسقط تحت هلاك ابدى لهذا يؤكد: "وكل من قال كلمة علي ابن الإنسان يُغفر له" [10]، فاتحًا أبواب الرجاء علي مصراعيه خلال التوبة. وقد جاءت تكملة حديثه تؤكد ذلك، بقوله: "وأما من جدف علي الروح القدس فلا يُغفر له" [10]. بمعنى أن من يرفض عمل الروح القدس واهب التوبة والمغفرة يفقد غفرانه. وقد سبق لنا الحديث في شيء من الاستفاضة عن "التجديف علي الروح القدس"، مؤكدين أن التجديف الذي لا يُغفر هو الإصرار علي عدم التوبة.

لقد أساء البعض فهم هذه العبارة الإلهية حاسبين أن من يقول كلمة على ابن الإنسان تُغفر له بينما من يقول كلمة على الروح القدس لا تُغفر، بمعنى أن من يخطئ ضد السيِّد المسيح بكونه قد تجسد مختفيًا يغفر له حين يكتشف الحق ويتوب، بينما من يخطئ ضد الروح القدس فلا توبة له. هذا التفسير لا يمكن قبوله، إذ أكّد الكتاب المقدَّس أن كل خطيَّة نقدَّم عنها توبة تُغفر، هذا أيضًا ما أعلنه آباء الكنيسة فاتحين أبواب الرجاء حتى أمام الهراطقة الذين جدفوا ضد الروح القدس وأتباعهم أن رجعوا عن خطأهم، وقد قبلتهم الكنيسة فعلاً عند توبتهم.

يؤكد القدِّيس أمبروسيوس أن التمايز هنا يقوم علي أساس تمايز أعمال الثالوث القدُّوس، وأن الإنكار للروح القدس أو التجديف عليه إنما يعنى رفض عمله تمامًا، أي رفض عمل التوبة الذي يبعثه الروح فينا. هذا ما يوضحه نفس حديث السيِّد، إذ يكمل قائلاً: ["لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوه" [12]. فمن يرفض عمله الخفي في القلب لا ينال غفرانًا حتى يرجع ويقبله من جديد.]

ولما كانت الشهادة للسيد المسيح تضع تلاميذه أمام المجامع والرؤساء والسلاطين، فقد وهبهم إمكانية لهذا العمل، إذ عهد بهم في يدّي روحه القدُّوس، قائلاً: "لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب لأن تقولوه" [12].

+ يقول أن ما ننطق به ونجيب به (وقت الضيق) يوهب لنا في تلك الساعة من السماء التي تمدنا، فلا نتكلم نحن بل روح الله الذي لا يفارق من يعترفون به، ولا ينفصل عنهم، بل يتكلَّم فيهم ويتّوج فيهم.

+ إن عمله هو أن نغلب وننال النصرة بإخضاع العدو في الصراع العظيم.

القدِّيس كبريانوس

+ عندما تثور خلافات أو صراعات بين الأصدقاء يأمرنا الرب أن نفكر جيدًا في الأمر، لكن حينما يصير رعب محاكم العدالة وتثور المخاوف من كل جانب، فإنه يعطينا قوَّته واهبة الشجاعة وما ننطق به وعدم ثبط الهمة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+        +         +

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt