طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 6 أبيب

عشية

باكر

القــــداس

مز 5 : 11 – 12

مت 10 : 24 - 33

مز 34 : 19 ، 20

يو 12 : 20 - 26

2 كو 11 : 16

- 12 : 12

1 بط 1 : 25

- 2 : 10

أع 6 : 1

- 7 : 2

مز 21 : 3 ، 5

لو 10 : 1 – 20

 

الأبركسيس ... أع 6 : 1 – 7 : 2

 

 

1 و في تلك الايام اذ تكاثر التلاميذ حدث تذمر من اليونانيين على العبرانيين ان اراملهم كن يغفل عنهن في الخدمة اليومية
2 فدعا الاثنا عشر جمهور التلاميذ و قالوا لا يرضي ان نترك نحن كلمة الله و نخدم موائد
3 فانتخبوا ايها الاخوة سبعة رجال منكم مشهودا لهم و مملوين من الروح القدس و حكمة فنقيمهم على هذه الحاجة
4 و اما نحن فنواظب على الصلاة و خدمة الكلمة
5 فحسن هذا القول امام كل الجمهور فاختاروا استفانوس رجلا مملوا من الايمان و الروح القدس و فيلبس و بروخورس و نيكانور و تيمون و برميناس و نيقولاوس دخيلا انطاكيا
6 الذين اقاموهم امام الرسل فصلوا و وضعوا عليهم الايادي
7 و كانت كلمة الله تنمو و عدد التلاميذ يتكاثر جدا في اورشليم و جمهور كثير من الكهنة يطيعون الايمان
8 و اما استفانوس فاذ كان مملوا ايمانا و قوة كان يصنع عجائب و ايات عظيمة في الشعب
9 فنهض قوم من المجمع الذي يقال له مجمع الليبرتينيين و القيروانيين و الاسكندريين و من الذين من كيليكيا و اسيا يحاورون استفانوس
10 و لم يقدروا ان يقاوموا الحكمة و الروح الذي كان يتكلم به
11 حينئذ دسوا لرجال يقولون اننا سمعناه يتكلم بكلام تجديف على موسى و على الله
12 و هيجوا الشعب و الشيوخ و الكتبة فقاموا و خطفوه و اتوا به الى المجمع
13 و اقاموا شهودا كذبة يقولون هذا الرجل لا يفتر عن ان يتكلم كلاما تجديفا ضد هذا الموضع المقدس و الناموس
14 لاننا سمعناه يقول ان يسوع الناصري هذا سينقض هذا الموضع و يغير العوائد التي سلمنا اياها موسى
15 فشخص اليه جميع الجالسين في المجمع و راوا وجهه كانه وجه ملاك 

 

 

انتخاب سبعة شمامسة

قدمت لنا الإصحاحات الخمسة الأولى صورة حية عن كنيسة العهد الجديد في بدء انطلاقها، كيف قادها روح الله القدوس في أورشليم وسط ضيقات واضطهادات مستمرة، لتنمو وتتوسع بلا توقف. الآن وقد ازداد عدد المؤمنين جدًا وُجد فريقين، فريق من أصل يهودي يحمل في داخله تقديرًا خاصُا بالناموس والهيكل والطقوس اليهودية، وفريق آخر ناطق باليونانية يميل إلي التحرر من حرفية الناموس وعدم الخضوع للطقوس اليهودية. لكن لا يعني هذا انفصال الفريقين في العبادة، ولا وجود انشقاق، إذ كان الكل علي اتصال ببعضهم البعض، لهم الروح الواحد حتى وإن تعبّد كل منهم بلغته.

مع تزايد العدد واتساع الخدمة ظهرت مشاكل داخلية والتزامات يصعب أن يقوم بها الرسل الذين كان يشغلهم أولاً وقبل كل شيء خدمة الكرازة. من هنا ظهرت الحاجة إلي سيامة أول مجموعة من الشمامسة. ربما يتساءل البعض. لماذا لم تتم سيامة الشمامسة بعد يوم الخمسين مباشرة؟ نجيب على ذلك بأن تعداد المؤمنين كان قليلاً، وكان من السهل على الرسل والتلاميذ أن يسدوا احتياجات الشعب المادية من التقدمات التي جاء بها المؤمنون. أما وقد تكاثر العدد فصارت الحاجة ملحة أن يتفرغ الرسل لخدمة الكلمة. تزايد العدد فدخلت الكنيسة في التزامات الرعاية ومسئولياتها. ولم يكن ممكنًا للتلاميذ أن يلتزموا بهذه المسئوليات على حساب الكرازة والشهادة للسيد المسيح.

1. تذمر اليونانيين على العبرانيين

"وفي تلك الأيام إذ تكاثر التلاميذ،

حدث تذمر من اليونانيين على العبرانيين،

أن أراملهم كنّ يغفل عنهن في الخدمة اليومية". [1]

ازداد عدد التلاميذ جدًا، وهنا يقصد الإنجيلي لوقا بالتلاميذ المؤمنين، وليس الاثني عشر تلميذًا أو السبعين رسولاً.

من هم هؤلاء اليونانيين؟ اختلفت الآراء في تحديد هذه الفئة، هل هم اليهود الذين عاشوا بين الأمم زمانًا طويلاً ثم عادوا وقد نسوا لغتهم عبر الأجيال؛ أم هم من أصل أممي وقد قبلوا الإيمان اليهودي (الدخلاء)، ثم آمنوا فيما بعد بالسيد المسيح؛ أم هم أمميون قبلوا الإيمان المسيحي مباشرة دون دخولهم في اليهودية. أغلب الدارسين يرون أنهم الفئة الأولى، أو على الأقل غالبيتهم من الفئة الأولي. هم اليهود الذين عاشوا في بلاد تتحدث باليونانية، ومع طول بقائهم لأجيال كثيرة كانوا يتكلمون باليونانية. وربما كان من بينهم أيضا أمميون قبلوا الإيمان المسيحي مباشرة، أو تهودوا أولاً، ثم آمنوا بالسيد المسيح فيما بعد، مثل نيقولاوس الدخيل الأنطاكي (أع 6: 5).

يُفهم من ذلك أن الكنيسة في أورشليم كانت تضم مسيحيين من أصل يهودي يتكلمون العبرانية أو الآرامية، كما وُجد أعضاء كانوا قادمين من بلاد ثقافتها يونانية ويتحدثون اليونانية، وغالبًا ما كانوا يجهلون الآرامية. لكل فريق ثقافته الخاصة وفكره وعاداته وطباعه وسلوكه. الأولون يتميزون بالتفوق الديني الوطني، والآخرون بالتفوق الثقافي. الأولون أغلبهم أصحاب أعمال ومهن ولهم ممتلكات وعقارات، أي أغنياء إلى حد ما، أما اليونانيون فغالبًا ما كانوا نازحين من الشتات، ويعيشون في أورشليم كغرباء. ولعله إذ كان القائمون بخدمة الأرامل والمحتاجين عبرانيين، حدث تمييز في التعامل بين العائلات العبرانية واليونانية، مما تسبب في تذمر اليونانيين على العبرانيين. لم يكن لدى الرسل الوقت لبحث هذه الأمور المادية، من هنا ظهرت الحاجة إلى سيامة الشمامسة (الدياكونية).

حتمًا لم يكن لدي الرسل محاباة، وغالبًا حتى العاملون في الخدمة، لكن ربما كان العبرانيون وهم سكان أورشليم في غيرتهم علي إخوتهم الفقراء يبذلون جهدًا أعظم واهتمامًا خاصً بإخواتهم الفقراء. ويرى بعض الدارسين أنه لم يكن يوجد تمييز بين فقراء الفريقين؛ وإنما هو شعور داخلي خاطئ ظهر خلال غيرة اليونانيين من اليهود المسيحيين، لأن الآخرين كانوا يشعرون بامتياز خاص بهم حتى بعد قبولهم الإيمان المسيحي، بسبب نسبهم للآباء والأنبياء، وإمكانية دخولهم الهيكل للعبادة.

واضح أن التوزيع على العائلات كان يوميًا، لذلك دعي هذا العمل بالخدمة اليومية. وكانت خدمة الأرامل تحتل مركزًا خاصًا منذ بداية الكنيسة.

"فدعا الإثنا عشر جمهور التلاميذ وقالوا:

لا يرضى أن نترك نحن كلمة اللَّه ونخدم موائد". [2]

شعر التلاميذ أنه ليس حسنًا لهم أن يرتبكوا بالأمور المادية، حتى وإن كانت لخدمة الأرامل والفقراء، فإن مسرتهم هي في نشر الكلمة والصلاة.

إن كانت الجلدات والمحاكمات والسجون لا تستطيع أن تحرمهم من التكريس لخدمة كلمة الله والشهادة لإنجيل المسيح، إلا أنهم خشوا أن تحرمهم خدمة الموائد من ذلك. فالكرازة هي العمل الأساسي للرسل، لن يسمحوا لتدبير شئون الكنيسة الإدارية أو المالية أن تسحب قلوبهم أو وقتهم عن هذا العمل.

لقد حسب التلاميذ كل المهام المالية الخاصة بالكنيسة خدمة موائد، مع ما لها من أهمية فهي ليست من اختصاص الرسل.

 

الكرازة وخدمة الموائد

هنا يلزمنا أن نوضح العلاقة بين خدمة الكلمة (والصلاة) بخدمة الموائد. فالرسل وأن كانوا قد خشوا من أن تسحب هذه الخدمة أوقاتهم وفكرهم عن خدمة الكلمة، لكن لا يعني هذا استخفافهم بخدمة الموائد، فالرسولان بطرس ويوحنا اهتما بشفاء الأعرج من بطن أمه، وقدما له اسم يسوع لشفائه، إذ لم يحملا شيئًا من الأموال التي وضعها المؤمنون عن أقدامهم (أع 3). والرسول بولس كان مهتمًا بالجمع للفقراء القديسين في أورشليم في كنائس كثيرة، بل وحمل هذه الصدقات بنفسه إلي أورشليم وفي نفس الوقت نجد رئيس الشمامسة استفانوس أحد السبعة المختارين لخدمة الموائد كان يكرز بالكلمة ويحاور في مجامع اليهود [9-10]، ولم يكف عن الكرازة بالكلمة حتى لحظات رجمه.

ليس فقط الشمامسة بل والشعب نفسه، إذ تشتتوا بسبب الضيق "جالوا مبشرين بالكلمة" (8: 4).

بمعني أخر لا تنفصل خدمة الكلمة والكرازة عن خدمة الموائد؛ فالكرازة تحمل حب الإنسان لله المخلص كما العالم موضوع الخلاص، وهكذا في خدمة الموائد يحمل الإنسان حبًا لأخيه المتألم أو المحتاج مع شهادة حية لحب خلاصه ومجده الأبدي.

المؤمن، كاهنًا أو أحد أفراد الشعب، يتسع قلبه بالحب للشهادة والكرازة بأسلوب أو آخر مع اتساعه بالحب نحو إخوته المحتاجين.

في مقال عن رسالة المسيحي وجه القديس يوحنا الذهبي الفم حديثه للشعب:

[يا لها من خسارة عظيمة في الإخوة! إن قليلين هم الذين يهتمون بالأمور الخاصة بالخلاص.

يا له من جزء كبير من جسد الكنيسة يشبه الميت الذي بلا حراك!!

تقولون: وماذا يخصنا نحن في هذا؟

إن لديكم إمكانية عظمى بخصوص إخوتكم. فإنكم مسئولون إن كنتم لا تنصحوهم، وتصدون عنهم الشر، وتجذبونهم إلى هنا بقوة، وتسحبونهم من تراخيهم الشديد. لأنه هل يليق بالإنسان أن يكون نافعًا لنفسه وحده، بل ولكثيرين أيضًا.

ولقد أوضح السيد المسيح ذلك عندما دعانا "ملحًا" (مت 13:5)، و"خميرة" (مت 33:13)، و"نورًا" (مت 14:5)، لأن هذه الأشياء مفيدة للغير ونافعة لهم.

فالمصباح لا يضيء لذاته بل للجالسين في الظلمة. وأنت مصباح، لا لتتمتع وحدك، إنما لترد إنسانًا ضل، لأنه أي نفع لمسيحي لا يفيد غيره؟! ولا يرد أحدًا إلي الفضيلة؟!

مرة أخرى الملح لا يُصلح نفسه بل يُصلح الطعام لئلا يفسد ويهلك... هكذا جعلك الله ملحًا روحيًا، لتربط الأعضاء الفاسدة أي الإخوة المتكاسلين المتراخين، وتشددهم وتنقذهم من الكسل كما من الفساد، وتربطهم مع بقية جسد الكنيسة.

وهذا هو السبب الذي لأجله دعانا الرب "خميرًا"، لأن الخميرة أيضًا لا تخمر ذاتها، لكن بالرغم من صغرها فإنها تخمر العجين كله مهما بلغ حجمه. هكذا افعلوا أنتم أيضًا. فإنكم وإن كنتم قليلين من جهة العدد، لكن كونوا كثيرين وأقوياء في الإيمان والغيرة نحو الله. وكما أن الخميرة ليست ضعيفة بالنسبة لصغرها، إذ لها قوة وإمكانية من جهة طبيعتها... هكذا يمكنكم إن أردتم أن تجتذبوا أعدادًا أكثر منكم ويكون لهم نفس المستوى من جهة الغيرة.]

"فانتخبوا أيها الاخوة سبعة رجال منكم:

مشهودًا لهم،

ومملوءين من الروح القدس وحكمة،

فنقيمهم على هذه الحاجة". [3]

أعطى التلاميذ الشعب كله "جمهور التلاميذ" حق الانتخاب دون تدخل من جانبهم، فالشعب ينتخب بكامل حريته على أن يكونوا من المشهود لهم ومملوءين من الروح القدس وحكمة، وعلى التلاميذ أن يقيموهم أو يقوموا بسيامتهم.

شروط السيامة:

1- تقوم الجماعة كلها بالانتخاب [2]. يرى بعض الدارسين أنه غالبًا ما يُقصد بالجمهور الرجال والنساء معًا، فكان الكل على مستوى المسئولية، وإدراك كل ما يدور في الكنيسة. فإن تحديد فئة معينة للانتخاب، علامة نقص في الرعاية بسبب عجز الشعب عن اختيار الخدام على مستوى الشمامسة أو الكهنة أو الأساقفة، فاللوم يقع على الرعاة أكثر منه على الشعب.

كما يقصد بجمهور التلاميذ أن يكون الاختيار بلا تحيز لليهود أو لليونانيين، بل من الشعب ككلٍ بلا تفرقة. هنا يؤكد الرسل أنهم يريدون أن يكونوا فوق أية شبهه، فإنهم لم يتدخلوا في الانتخاب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

2- عددهم سبعة، ليخدم الشمامسة على الأرض كل أيام الزمن (7 أيام الأسبوع) حتى يأتي السيد المسيح في اليوم الثامن لينطلق بكنيسته إلى الأبدية.

3- مشهود لهم من الجماعة كلها، لأنهم يعملون وسط العائلات والأرامل. شهادة الشعب للمرشح للعمل الكهنوتي غلبًا ما تكون أدق من شهادة رجال الكهنوت أنفسهم، لأن البعض يحملون وجهين واحد أمام رجال الكهنوت فيه صورة التقوى والورع وتكريس القلب للعبادة والخدمة، والوجه الآخر وسط الشعب حيث تظهر أعماقه في سلوكه اليومي خارج الكنيسة، أو في المناسبات كالإفراج أو الأحزان، أو في معاملاته المادية. لهذا قدم الرسل هذا المبدأ الكنسي الهام، وهو اختيار الشعب للخدام أو الراعي أيا كانت درجته أو رتبته الكنسية.

4- مملؤون من الروح القدس، ليعمل بهم، فيحّول خدمة الموائد إلى خدمة روحية، إذ يليق أن تكون كل أعمالهم مقدسة.

5- مملؤون من الحكمة، فيسلكون بحكمة، يتجنبون التبذير، وفي نفس الوقت لا يكونوا مقطرين في العطاء.

لا يعني الملء من الروح القدس أن يكونوا أصحاب موهبة صنع معجزات أو التكلم بألسنة، لأن خدمتهم وسط المؤمنين لا تستوجب مثل هذه المواهب، إنما تحتاج إلى أناسٍ أتقياءٍ يسلكون بروح الرب.

"الحكمة" سمة لازمة لكل مسيحي لتدبير أموره الروحية والمادية، ولازمة للشمامسة ليدبروا احتياجات العائلات بحكمة دون مبالغة سواء في العطاء أو في الاقتصاد.

وضع الاثنا عشر شرطًا هامًا للشعب في اختيار السبعة شمامسة، وهو أن يكونوا "مملوءين من الروح القدس وحكمة"، ليقوم هؤلاء بخدمة الموائد اليوميّة، أي خدمة الأرامل والمحتاجين. هنا نعود إلى عصر موسى النبي الذي أمره الرب أن يقيم له خيمة اجتماع على شبه المثال الذي يظهره له على الجبل (خر 25: 40)، أي تكون ظلاً للمسكن السماوي. وقد دعا الرب بصلئيل بن أوري من سبط يهوذا باسمه وملأه من روح اللَّه بالحكمة والفهم والمعرفة (خر 31: 1-2).

ما فعله الرب في القديم كان رمزًا لما يلزم أن يتحقق في كنيسة العهد الجديد، فيليق بالشمامسة كما بالكهنة والأساقفة وكل الخدّام أن يقبلوا الدعوة من اللَّه شخصيًّا وأن ينحنوا أمامه ليملأهم بالحكمة والفهم والمعرفة، لكي يقيموا خيمة اجتماع، لا بل هيكلاً سماويًا، مقام لا من ذهب وفضّة ونحاس وأرجوان الخ.، وإنّما من نفوس المؤمنين. وكما يقول الرسول: "كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية بيتًا روحيًا كهنوتًا مقدسًا، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1 بط 2: 5).

عمل الشمّاس المؤتمن على خدمة الموائد في الكنيسة، لا أن يقف عند إشباع احتياجاتهم الماديّة والنفسيّة والاجتماعيّة، بل أن يقيم من الفقراء والمحتاجين هيكل الرب السماوي الذي يسكنه الثالوث القدّوس. لا يقف عمله أن يأخذ من عند أدام الرسل المال ويقدمه للمحتاجين، بل أن يغرف من غنى نعمة الله فيه ويسكب في القلوب بروح الله الساكن فيه، وبالسيد المسيح نفسه، حكمة الله.

إن كان هذا هو عمل الشمّاس في خدمة الدياكونيّة، فماذا يكون عمل الكاهن أو الأسقف. فإنّه يليق به كملاك الرب، يحمل شركة في الطبيعة الإلهية، ويجلس مع الرسول بولس في السماويّات، أن يرتفع بقلوب المخدومين إلى السماء عينها، لتصير الكنيسة بحق "بيت الملائكة" كما نترنّم في التسبحة، قائلين: "السلام للكنيسة بيت الملائكة".

هذا هو العمل الجوهري ليس فقط لكل قائدٍ روحيٍ كنسيٍ، بل ولكل عضو في جسد المسيح، أن يحمل السمات السماويّة، لكي يجتذب كل نفس إلى السماء عينها.

لقد خدم الشمامسة الأرامل، وها هو العالم مليء بأرامل، نفوس فقدت عريسها السماوي، فصارت في حالة ترمّل روحي، من يقدر أن يخدمها إلا من يمتلئ بروح الله القدّوس، القادر وحده أن ينزع حالة الترمّل بتجلّي العريس، حكمة الله، وسكناه في النفس واتّحادها معه على مستوى أبديّ.

"وأمّا نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة". [4]

يود الرسل ألا ينحرفوا عن غايتهم وهي تكريس كل حياتهم للعبادة والكرازة معًا، سواء العبادة الخاصة أو الكنسية (العامة). وقد وضع الرسل الصلاة أولاً، لأن بدونها لن تتم كرازة ما.

 

إذ يكرس الإنسان حياته للسيد المسيح يصير بكليته مطّوبًا، تصير نفسه وكل أعضاء جسمه مع قلبه وفكره وكل طاقاته مقدسة، تعمل لحساب ملكوت الله. هذا بالنسبة لكل مؤمن، فكم بالأكثر رسله وتلاميذه الذين ينالون مواهب خاصة بالخدمة، لهذا لا نعجب إن استخدم الرب أيادي الرسل في سيامة الشمامسة.

+ الآن العيون مطوَّبة (لو 10: 23-24). لكنني أظن أنه بالتبعية منطقيًا بقية الأعضاء الجسدية التي للقديسين مطوَّبة أيضًا، كما جاء: "طوبى للبطن الذي حملك، وللثديين اللتين أرضعتاك" (لو 11: 27).

وكيف أن الأقدام... يُرحب بها هذه التي للذين يبشرون بالأخبار السارة (إش 52: 7؛ رو 10: 72).

وطوبى للأيادي المرتفعة كذبيحة مسائية (مز 141: 2)، والتي ارتفاعها يعني نصرة إسرائيل وهزيمة عماليق (خر 17: 11).

وطوبى للقلب الذي منه تفيض أنهار مياه تنبع لحياة أبدية (يو 7: 38).

وطوبى للركب المنحنية لاسم يسوع (في 2: 10).

أيضًا طوبى للسان الذي يعترف أن يسوع المسيح رب المجد الله الآب (في 2: 11).

وطوبى للفم الذي يخدم كلمة الله (أع 6: 4).

وطوبى للأنف التي من أجلها يقال: نجرى وراءك لنشتم أطيابك.

العلامة أوريجينوس

2. انتخاب سبعة شمامسة

"فحسن هذا القول أمام كل الجمهور،

فاختاروا استفانوس رجلاً مملوءًا من الإيمان والروح القدس،

وفيلبس وبروخورس ونيكانور وتيمون وبرميناس

ونيقولاوس دخيلاً أنطاكيا". [5]

قدم لنا الإنجيلي لوقا قائمة بأسماء الشمامسة، فبدأ بالقديس استفانوس الذي بحسب التقليد الكنسي رئيس الشمامسة وأول الشهداء، وقد قدم لنا القديس لوقا صورة حية، لا عن خدمته للموائد، بل عن شهادته النارية لإنجيل المسيح أمام المجامع وأمام مجمع السنهدرين.

اسم "استفانوس" يوناني معناه "إكليل من زهور"، ويرجح أنه يهودي ثقافته يونانية. نترك الحديث عنه إلي تكملة هذا الأصحاح والأصحاح التالي.

والثاني في القائمة فيلبس، وهو اسم يوناني معناه "محب للخيل"، وهو غير فيلبس أحد الرسل الاثني عشر (مت 10: 3). دُعي القديس فيلبس الشمامسة بالمبشر، كرز بالإنجيل في السامرة بنجاح عظيم (أع 8: 1-8؛ 21: 8). آمن علي يديه سيمون الساحر (أع 8: 9-25). وقاده الروح إلي الطريق المنحدرة من أورشليم نحو غزة فالتقي بالخصي الأثيوبي وزير لكنداكة، بشره وعمده (أع 8: 26-39). ثم خطفه الروح وانطلق به إلي أشدود، وكان في طريقه يبشر جميع المدن حتى جاء إلي قيصرية (أع 8: 39-40). وبعد سنوات استضاف القديس بولس وهو في طريقه إلي روما. وكان له أربع بنات عذارى يتنبأن (أع 21: 8-9). سيم أسقفًا علي تراليس.

أما الأخير في قائمة الرسل فهو نيقولاوس. اسم يوناني معناه "المنتصر علي الشعب".

يرى البعض مثل القديسين ايريناؤس وأبيفانيوس أن بدعة النيقولاويين (رؤ 2: 6، 15) تُنسب إلى الشماس نيقولاوس:

1. يقول القديس ايريناؤس [النيقولاويون هم أتباع نيقولا أحد الشمامسة السبع (أع 5:6)، وهؤلاء يسلكون في الملذات بلا ضابط ويعلمون بأمور مختلفة كإباحة الزنا وأكل المذبوح للأوثان.]

2. يبرئ القديسان إكليمنضس الإسكندرى وأغسطينوس نيقولاوس من البدعة وينسبانها لأتباعه. ويعلل البعض نسبة هذه الهرطقة إليه ترجع إلي تأويل كلماته، فقد قال بأن الذين لهم زوجات كأنه ليس لهم، أي يحيا مع زوجته بالروح ينشغلان بالأكثر بخلاصهما ونموهما الروحي والشهادة لإنجيل الخلاص. لكن بعض أتباعه قاموا بتأويل كلمته، ظانين أنه نادى بأن من له زوجة فليهجرها ويصير كمن بلا زوجة، ويسمح إن تكون مشاعًا.

3. يرى العلامة ترتليان والقديس جيروم أنه لما أختير للشموسية امتنع عن الاتصال بزوجته، وبسبب جمالها عاد إليها. ولما وبَّخوه على ذلك انحرف في البدعة إذ أباح الزنا. جاء رد الفعل في كتابات العلامة ترتليان حيث قال: "كل الأشياء مشترك بيننا فيما عدا زوجتنا" Omnia indiscreta apud nos praeter upores.

4. يرى آخرون أنه كان يغير على زوجته جدًا بسبب جمالها، فلما ذمَّه البعض بسبب شدة تعلقه بها أراد أن يظهر العكس فأباح لمن يريد أن يأخذها، فسقط في هذه البدعة.

لا تسقط مسؤليته انحراف نيقولاوس على الرسل القديسين. في رسالة وجهها القديس جيروم إلى الشماس سابينيانوس Sabinianus يدعوه إلى التوبة وألا يتكل على أن الذي سامه أنه أسقف قديس:

يلاحظ أن السبعة يحملون أسماء يونانية، ولعلهم أقيموا لخدمة المتذمرين من اليونانيين بشيء من التعاطف معهم، ولم يكن من بينهم شخص واحد يهودي بالمولد.

لقد كان الاثنا عشر تلميذًا عبرانيين، لذلك اُختير السبعة من اليونانيين لتحقيق شيء من المساواة والشعور بالتزام الكل بالعمل.

واضح أن عمل السبعة لم يدم كثيرًا، فقد استشهد استفانوس ثم حدث ضيق شديد على الكنيسة، وتشتت الشعب خارج أورشليم يكرزون بالكلمة، بينما بقي الرسل في أورشليم.

"الذين أقاموهم أمام الرسل،

فصلوا ووضعوا عليهم الأيادي". [6]

صلى الرسل من أجل هؤلاء المختارين لكي يتأهلوا بالروح القدس للعمل المنوط إليهم، ويكونوا ناجحين فيه حسب فكر الله، وليس حسب الفكر البشري. وإذ صلوا وضعوا الأيادي عليهم، أي تحققت السيامة بالصلاة مع وضع اليد.

"وضع اليد (الشرطونية)": يدعى "سميخا Semukhah"، ربما تعنى "المختار" من أصل عبري. في طقس الذبائح كان الخاطي يضع يده على رأس الذبيحة قبل أن تُذبح لتنتقل خطاياه إلى الذبيحة. وفي سرّ الاعتراف يضع الكاهن يده على رأس الخاطئ ليقدم له البركة وعمل الروح القدس خلال يد المسيح نفسه. وعندما التقي القديس بولس بوالد بوبليوس المُصاب بالحمى "صلى ووضع يديه عليه فشفاه". (أع 28: 8)

يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أن وضع اليد هنا لكي يعمل رأس الكنيسة المجيد فيهم، ويفيض عليهم بمواهب الروح القدس لتحقيق رسالتهم.

 

"وكانت كلمة اللَّه تنمو،

وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا في أورشليم،

وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان". [7]

يا لها من صورة رائعة لصلاح الفائق الذي يحول الضيقات الخارجية والمتاعب الداخلية لنمو الكنيسة وبنيانها المستمر. فتذمر اليونانيين علي العبرانيين لم يحطم نفسية الرسل ولا دفعهم للانشغال بحل المشكلة علي حساب التفرغ للصلاة وكلمة الله، بل دفعهم لسيامة الشمامسة السبعة وهذا بدوره أعطى الفرصة لنمو الكنيسة.

هذا هو صلاح الله العامل في حياتنا ليحول المرارة إلي عذوبة والجفاء إلي حلاوة.

أما من جانبنا فإذ يملك الحب والحكمة مع الإخلاص والهدف الواضح علي حياتنا لا تستطيع المشاكل والعقبات أن تعثر طريقنا، ولا أن تؤذينا، بل تتحول إلي تمتع بخيراتٍ رائعةٍ، وتلامس مع عمل الله الفائق.

هذا ولا نقدر أن نتجاهل هذا المجتمع الكنسي الروحي الذي حوًّل تذمر اليونانيين علي العبرانيين، لا إلي تمسك كل فريق بوجهة نظره، بل إلي العمل الروحي الجاد والحكيم فاختار المسيحيون اليهود الشمامسة من فريق اليونانيين لأجل راحتهم، ولكن ليس علي حساب الخدمة إذ اختاروا قامات روحية عالية. هكذا تبقي هذه المشكلة الواردة في هذا الأصحاح وطريق علاجها مثلاً حيًا لكيفية علاج المشاكل الكنسية بروح الحب والحكمة والحق.

قدم القديس لوقا هذه الوقفة بعد سيامة السبعة، ليوضح أن هذه السيامة أعطت فرصة للإثني عشر للعمل الكرازي المرتبط بالصلاة، دون الانشغال بالأمور المالية والإدارية مما أعطي الكنيسة نموًا متزايدًا. وقد انجذبت جماعات عظيمة من كهنة اليهود للإيمان المسيحي بروح الخضوع والطاعة.

هكذا خلال عمل الروح القدس نجح التلاميذ في غزو قلب الهيكل نفسه حيث دخلوا إلى قلوب الكهنة ليقيم الروح مملكة المسيح فيها. قبول كثير من الكهنة الإيمان المسيحي يكشف عن قوة الإنجيل وقدرته على جذب النفوس حتى المقاومة له. فهو قادر أن يخضع النفوس لطاعة الإيمان. لم يشغل الكهنة الجادون في البحث عن خلاصهم مراكزهم ككهنة لهم تقديرهم في الأوساط اليهودية، مفضلين أن يكونوا من عامة الشعب المسيحي البسيط مع تمتعهم بغنى نعمة الله عن ممارستهم للأعمال الكهنوتية وتمتعهم بالكرامة الزمنية.

يحذر القديس إكليمنضس السكندري رجال الكهنوت، أساقفة أو كهنة أو شمامسة من الاتكال على سيامتهم ونوالهم درجات كهنوتية كمصدرٍ لتبرير أنفسهم.

لا يفوتنا هنا أن انتشار الكلمة وتكاثر عدد المؤمنين جدًا لم يقم علي صنع الآيات والعجائب، وإنما علي تمتع الكنيسة بروح الحب والحكمة والتقدير المتبادل، ليس فقط بين العبرانيين واليونانيين، بل وبين الرسل والشعب أيضًا. فليس من مجالٍ لعمل نعمة الله في حياة المؤمن كما في حياة الكنيسة مثل مجال الحب المتبادل والمشترك بين كل الأعضاء.

"وأمّا استفانوس، فإذ كان مملوءًا إيمانًا وقوة،

كان يصنع عجائب وآيات عظيمة في الشعب". [8]

"كان مملوء إيمانًا"، أي كان مملوء بالثقة في وعود الله الصادقة. وإذ كان مملوءًّ إيمانًا، كان أيضًا مملوءً قوةً، لأن الإيمان هو تمتعنا بقوة الله العاملة فينا. فبالإيمان نبذل ذواتنا أو نخلي أنفسنا، ويحل المسيح فينا.

إذ استراح الروح القدس في استفانوس استخدمه بكل وسيلة لجذب النفوس للإيمان. لقد اُختير هذا العظيم في الشمامسة لخدمة الموائد، لكن بقي دوره الرئيسي في هذه الخدمة هو خلاص النفوس. وهبه الروح إيمانًا وقوة ليصنع آيات وعجائب عظيمة، فيصطاد النفوس إلى المائدة السماوية. وكما سنرى أن القديس فيلبس الشماس والمبشر شارك القديس استفانوس ذات الروح، حيث كان مهتمًا بخلاص الكثيرين.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن استفانوس تخصّص في خدمة الكلمة بينما خصّص بعض زملائه في خدمة الأرامل والمحتاجين، وذلك لتنوّع المواهب.

3. خدمة رئيس الشمامسة

"نهض قوم من المجمع الذي يقال له مجمع الليبرتينيّين،

والقيراوانيّين والإسكندريين ومن الذين من كيليكية وآسيا،

يحاورون استفانوس". [9]

لا نعجب أن الذين بدأوا بالثورة ضد استفانوس هم اليهود اليونانيين أو الذين لهم ثقافة يونانية، قاموا بعد ذلك بإثارة مجمع السنهدرين عليه. فقد كان استفانوس عضوًا في إحدى هذه المجامع، والآن لم يصر الآن مؤمنًا فحسب، بل وقائدًا عاملاً لحساب كنيسة المسيح، فلم يحتملوا هذا. ولعل القديس استفانوس كصاحب ثقافة يونانية قد بدأ يلتقي ببعض الأشخاص من هذه المجامع، بحكم ثقافته وصداقته القديمة وعضويته، مما أثار المجامع فالتقي قوم من كل مجمع معًا واتحدوا لمحاورة القديسز

مجمع هنا بالعبرية beth-keneseth أي بيت الكنيسة أو بيت الاجتماع، وبالآرامية kenishta أو الكنيسة بكونها موضع الاجتماع للعبادة المحلية ماعدا تقديم الذبائح، إذ تقتصر العبادة فيه على قراءة التوارة وشرحه والتعليم، وقد صار هذا نواة لكنيسة العهد الجديد التي ورثت عنه حتى الاسم.

توجد أراء متباينة عن كلمة الليبرتيين، أهمها:

1. كلمة لاتينية ربما تعني "إنسان نال حرية Freedman، أي عُتق من العبودية. يرى كثيرون أنهم كانوا مُستعبدين من أصل روماني وتحرروا، وصاروا دخلاء في الدين اليهودي، صار لهم مجمع في أورشليم. يذكر تاكيتوس Tacitus أنه وُجد كثيرون في روما حالهم هكذا. يقول أن 4000 دخيلاً يهوديًا هم عبيد رومانيون تحرروا وأرسلوا دفعة واحدة إلى ساردينيا Sardinia .

2. كانوا يهودًا بالميلاد، أسرهم الرومان، وبعد ذلك حرروهم، ولهذا دعوا الليبرتينين، وبلاشك كان كثير من اليهود هذا حالهم. فعندما اخضع بومباي اليهودية أرسل أعدادًا ضخمة من اليهود إلى روما. هؤلاء نالوا حرية واختاروا مكانًا وراء التيبر ليقيموا معًا فيه. أيضا كثير من اليهود أرسلهم بطليموس الأول Ptolemy I إلى مصر وأقاموا هناك.

3. أن هذا الاسم أُخذ عن موضعٍ معين له هذا الاسم، ويبرر أصحاب هذا الرأي أن بقية المجامع المذكورة في نفس العبارة تُنسب لأسماء مدن معينة مثل قيروان والإسكندرية وكيليكية الخ. وقد جاء في إحدى كتابات الآباء: "فيكتور أسقف الكنيسة الجامعة في ليبرتينا Libertina ، وهي مدينة ليست ببعيدة عن قرطاجنة القديمة بشمال غرب أفريقيا.

بدأ ظهور هذه المجامع منذ السبي البابلي حتى لا يُحرم الشعب من قراءة التوارة والاستماع إليه، وإلى تفسيره، كما إلى التعليم. انتشرت المجامع في البلاد، وقد جاء في التلمود أن عدد هده المجامع في أورشليم وحدها بلغ 480 مجمعًا وذلك قبيل هدم الهيكل وإخلاء أورشليم. كانت المجامع تُدعى حسب أسماء البلاد التي كون فيها اليهود رابطة، وكانوا يعبدون باللغة التي يتكلمون بها.

كان مجمع الليبرتينيين من أكبر المجامع وأهمها، وكانت العبادة فيه باللغة اللاتينية. أما مجمع القيراوانيين فيضم القادمين من قيروان بليبيا.

يرى البعض أن استفانوس كان عضوًا في مجمع الإسكندريين بسبب الحكمة التي وُصف بها، مثله مثل أبلوس اليهودي السكندري الجنس. يقول يوسيفوس أن الاسكندر الأكبر نفسه خصص حيًا بالإسكندرية لليهود، ووهبهم ذات الامتيازات التي لليونانيين. ويؤكد فيلون أنه من بين خمسة أحياء بالإسكندرية كان اثنان منهما مخصصان لليهود، بهذا يكون عدد اليهود في مصر لا يقل عن مليون نسمة.

كانت كيليكية مقاطعة بآسيا الصغرى على ساحل البحر، شمال قبرص، عاصمتها طرسوس. وكان شاول عضوًا في المجمع الخاص بالقادمين من كيليكيا، إذ جاء من طرسوس عاصمة كيليكيا. وربما كان شاول المحاور الأول لاستفانوس (أع 7: 58).

كلمة " يحاور" هنا لا تشير إلى جدالٍ مثيرٍ بغضبٍن إنما إلى حوار وبحث عن الحقيقة. كان موضوع الحوار: هل يسوع هو المسيح المنتظر؟ ربما تحول هذا الحوار الودي إلى عنف من جانب المجامع حيث أفحمهم استفانوس.

استثار استفانوس بحواره المملوء قوة وحكمة هذه المجامع جميعها، وأفحمهم إذ أراد لهم أن يستنيروا بالروح، ويدركوا حقيقة الإيمان بالسيد المسيح.

"ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به". [10]

كان حديثه مملوء نعمة وحكمة بالروح القدس، لذا لم يكونوا قادرين علي المقاومة. إن سأل ليس لديهم إجابة، وإن سألوا وجدوا في إجابته روح الحق الذي لا يُقاوم. فمع رفضهم للإيمان شعروا بالضعف والهزيمة. كانوا يظنون بتحالفهم معًا وقدراتهم ومواهبهم ومعرفتهم أنهم قادرون علي الغلبة عليه، ولم يدركوا أنهم لا يحاورون استفانوس بشخصه، بل روح الله فيه، فليس من تعادل بين الكفتين أو الطرفين.

كلمة "الروح" هنا تشير إلى القوة أو الطاقة أو الغيرة والحماس الذي اتسم به استفانوس.

إذ كان استفانوس يهوديًا تربي خارج اليهودية، وتثقف باليونانية فكان فيلسوفًا مملوء حكمة. تقدست هذه الحكمة بقوة الروح القدس، فصار قوي الحجة ومملوء نعمة، مع هدوء الروح وصنع العجائب والآيات العظيمة. لهذا لم تستطع هذه المجامع أن تقاوم الحكمة والروح الذي كان يتكلم به.

4. استفانوس أمام المجمع

"حينئذ دسّوا رجال يقولون:

إننا سمعناه يتكلم بكلام تجديف على موسى وعلى اللَّه". [11]

أدركوا ما لكرازة القديس استفانوس من خطورة علي الناموس، حيث كان يهيئ المؤمنين للتحرر من حرف الناموس وممارسته روحيًا. هذا في نظرهم يُحسب تجديفًا علي الناموس، متطلعين أنه حتمًا ستنتهي الطقوس الناموسية في حرفيتها.

أما اتهامهم له بالتجديف علي الله، فيقوم علي كرازته بشخص يسوع المصلوب أنه كلمة الله الواحد والمساوي مع الله الآب. هذا في نظرهم تجديف.

"وهيّجوا الشعب والشيوخ والكتبة،

فقاموا وخطفوه،

وأتوا به إلى المجمع". [12]

عندما كان اليهود يشعرون بالعجز عن مقاومة الحق يلجأون إلى دس شهود زور يدعون أن المتكلم يجدف على موسى أو الناموس وعلى الله والهيكل لكي يُحكم عليه بالقطع من شعب الله (عد 15: 30-1)، ويستوجب الرجم.

أُتهم السيد المسيح نفسه بالتجديف، وها هو استفانوس، وأيضًا بولس الرسول (أع 1: 27-28).

لماذا ثاروا على استفانوس دون الرسل؟

1. يظن البعض إنهم استخفوا بالرسل كجليليين أميين، فكانوا يحسبون أنهم أعظم من أن يدخلوا في حوار معهم، أما استفانوس فكان شخصًا متعلمًا.

2. يرى آخرون أنهم كانوا يخشون الرسل خاصة بعدما حدث مع حنانيا وسفيرة، وأيضًا أخرجهم ملاك الرب من السجن.

3. يرى فريق ثالث أن الرسل اهتموا بنشر كلمة الخلاص في بساطة، وانتدبوا استفانوس كرجلٍ متعلمٍ للدخول في الحوار مع المقاومة، فهو يجيد ذلك، خاصة وأن البعض يدعى بأنه تتلمذ عند قدمي غمالائيل مثل شاول الطرسوسي، له القدرة على الجدال بنفس أسلوبهم.

4. كان الرسل يتحدثون عن موسى والناموس والهيكل بكل وقارٍ، وكانوا يشتركون مع اليهود في عبادتهم داخل الهيكل وفي أعيادهم، دون تقديم ذبائح دموية. لهذا كان الشعب يكرمهم، ووجدوا "نعمة لدي جميع الشعب" (أع 2: 47). كان لا بد من ظهور استفانوس في أورشليم ليعلن بقوة الروح الانطلاق من الحرف القاتل والمفاهيم اليهودية الضيقة حتى تجتاز كنيسة العهد الجديد الانطلاق تدريجيًا إلى الحرية التي لأولاد الله، ولكي ينفتح باب الإيمان أمام الأمم، فلا يلتزموا بنير الناموس. وكما قال رسول الختان في مجمع أورشليم الأول: "فالآن لماذا تجربون الله بوضع نيرٍ على عنق التلاميذ، لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحمله؟ (أع 15: 10)

لعل الرسول بطرس كان يصارع بين التزامه بالخضوع لنير الناموس حتى يكسب اليهود للإيمان وبين رغبته في التحرر منه ليكسب الأمم. وكما كتب الرسول بولس: "ولكن لما أتى بطرس إلى إنطاكية قاومته مواجهة، لأنه كان ملومًا. لأنه قبلما أتى قوم من عند يعقوب (كنيسة أورشليم) كان يأكل مع الأمم، ولكن لما أتوا كان يؤخر نفسه خائفًا من الذين هم من أهل الختان ورأى معه باقي اليهود أيضًا". (غل 2: 11-13)

"وأقاموا شهودًا كذبة يقولون:

هذا الرجل لا يفتر عن أن يتكلم كلامًا تجديفًا،

ضد هذا الموضع المقدس والناموس". [13]

ليس من وسيلة لرجم استفانوس سوى إثارة الشعب بأنه يهدد بدمار الهيكل، رمز الأمة كلها ومجدها والمعبر عن تراث الشعب منذ خروجهم من مصر. إنه إحدى عجائب الدنيا، وهو في نظرهم أقدس موضع في العالم كله، يمثل السماء عينها.

جاء خطاب استفانوس يشهد لمجد الله وعمله في حياة أب الآباء إبراهيم وموسي النبي، وفيه تكريم للهيكل الذي التمس داود النبي والملك أن يبنيه، فبناه ابنه سليمان، هذا احتالوا ضده بشهود زور للخلاص منه.

ثار الشعب على هيكلهم ومعهم الشيوخ كرؤساء والكتبة كمسئولين عن حفظ التراث في حرفية جامدة. شعر الكل أن وجود استفانوس يمثل دمارًا للأمة بهيكلها وتراثها.

لم يدرك هؤلاء الحرفيون الحق، ولا تلامسوا مع قوة الروح، ليروا أن ما يكرز به استفانوس هو غاية موسى والناموس، وأن ما يُقام في داخل النفس هو هيكل الروح القدس، وأن الصليب قد تمم ما كانت تهدف إليه الذبائح الحيوانية في رمزٍ مؤقتٍ، وأن العماد هو ختان الروح والقلب لا الجسد، وأن حضور المسيح وسط كنيسته هو العيد غير المنقطع.

"لأننا سمعناه يقول:

إن يسوع الناصري هذا سينقض هذا الموضع،

ويغيّر العوائد التي سلمنا إيّاها موسى". [14]

جاء الاتهام خطيرًا، لأنه يحمل جزءً من الصحة وجزء من المغالطة، بهذا يكون الدفاع صعبًا. سبق أن وُجه ذات الاتهام للسيد المسيح أثناء محاكمته فلم يجب (مر 14: 56-60)، ليس عجزًا عن الرد، ولكن لأنه اتهام مزيف، إذ لم يقل السيد أنه ينقض الهيكل، بل قال: "انقضوا (أنتم)". فإنه ما جاء لينقض الناموس بل ليكمله، وما جاء لينقض الهيكل، بل إذ ينقضوه بالحكم عليه بالموت (ينقضوا هيكل جسده) يقيمه بسلطانه الإلهي.

حقًا، لقد أعلن حتى عن خراب الهيكل، وأنه لا يبقى حجر على حجر، لكنه لم يقل أنه هو الذي يقوم بتدميره، إنما إذ يرفضوا الإيمان به يصير بيتهم خرابًا.

 

"فشخص إليه جميع الجالسين في المجمع،

ورأوا وجهه كأنه وجه ملاك". [15]

إذ ركز استفانوس على شخص السيد المسيح، ولم يعطِ بالاً لمقاومة الأشرار، انعكس بهاء السيد عليه، فصار وجهه كأنه وجه ملاك. عندما نزل موسى من جبل سيناء صار وجهه يلمع حتى خشي بنو إسرائيل من الاقتراب منه (خر 34: 29-30؛ 2 كو 3: 7، 13). فالمؤمن الجاد في حياته الروحية، إذ يتمتع بنعمةٍ فوق نعمةٍ، وإذ يحمل ثمر الروح من محبة وفرح وسلام الخ. تحمل ملامحه صورة حية لهدوء الروح فيه، فيترنم مع الرسول: "أجلسنا مع في السماوات في المسيح يسوع" (أف 2: 6).

شهد استفانوس بسيرته كما بكلماته، وأخيرًا بإشراق مجد الرب عليه. وكما يقول القديس بولس: "ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها" (2 كو 3: 18).

لقد شاهد كل الحاضرين بما فيهم رئيس الكهنة ومن معه هذا المنظر الرائع، لكن انطمست عيون قلوبهم عن رؤية الحق، وأفسدت محبة المجد الباطل والمال بصيرتهم، فصار وجه استفانوس المشرق شاهدًا عليهم!

يرى القديس جيروم أن بهاء وجه استفانوس هو نوع من عربون المجد الأبدي الذي ينمو فيه المؤمن هنا فيتمتع بمجد فمجدٍ (2 كو 3: 18).

إذ وُجه إليه الاتهام أنه يجدف على الناموس والعوائد التي استلموها من موسى، وهم يعتزون بموسى الذي كان جلد وجهه يلمع كما جاء في سفر الخروج (خر ٣٤: ٣٥) علامة نعمة الله الحالة عليه، فإن الله نفسه الذي وهب موسى هذه النعمة قدمها لاستفانوس إذ تطلعوا إلى وجهه فرأوه مشرقًا كوجه ملاك، لو أنه يجدف على موسى لما وهبه الله ذات العطية.

في حديثه عن الجسد المُقام يقول العلامة ترتليان أن تغيير الشيء لا يعني هلاك كيانه، وذلك مثل وجه موسى الذي كان يضيء (خر 34: 29، 35)، فقد بقي وجه موسى كما هو بالرغم من بهائه وعدم قدرة أحد على رؤيته. هكذا صار أيضًا مظهر استفانوس كملاكٍ بالرغم من كونه هو كما هو، فقد سقط استفانوس تحت الرجم.

هكذا قدم القديس استفانوس بملامحه السماوية فكرًا أنجيليًا كنسيًا لشاول، إذ كرز له بالحق إن الإيمان بالسيد المسيح دعوة صادقة للتمتع بالحياة الملوكية السماوية. هذا الدرس صار خطًا رئيسيًا في حياة الرسول بولس وكتاباته، تلمسه من وراء السطور.

تكملة .. أعمال 7 : 1 – 2

خطاب استفانوس

جاء خطاب القديس استفانوس ليس دفاعًا عن نفسه، ولا عن الإيمان المسيحي، وإنما وجد الفرصة سانحة أن يقف أمام رئيس الكهنة وبعض الرؤساء والقيادات اليهودية ليقدم لهم دعوة كتابية صادقة للتمتع بالإيمان الحي. كان يتحدث معهم كتابيًا كما لو كان الكتاب المقدس مفتوحًا أمامه، ينطق بالروح القدس، ليعطي مفاهيم كتابية جديدة تخص شعب الله. بكونه يهوديًا هيلينيًا، اقتبس عبارات الكتاب المقدس من الترجمة السبعينية. خطابه كرازي من الدرجة الأولى.

وضع القديس استفانوس الأساس الروحي اللاهوتي الحي للمدافعين الكنسيين فيما بعد. فإن ما يشغل المدافع ليس الدفاع عن السيد المسيح وكنيسته، فالسيد قادر أن يدافع عن نفسه وعن كنيسته، لكنه يحمل قلبًا متسعًا ليكشف عن الحق الإنجيلي للمقاومين، فيقتنعوا معه بعمل الخلاص المجيد.

قدم القديس استفانوس عرضًا رائعًا للعهد القديم ككلٍ، ليبرز أن الإيمان بالسيد المسيح هو غاية الناموس والأنبياء وكل أسفار العهد القديم.

كان القديس يتكلم لا كمتهمٍ يدافع عن نفسه، بل كمن في مركز القوة، ليراجع الحاضرون أنفسهم ومفاهيمهم وقسوة قلوبهم وغرلة آذانهم، حتى لا يوجدوا بعد مقاومين للروح القدس كآبائهم (أع 7: 51).

دعاهم أن يرتفعوا معه كما إلى السماء ليروا بمنظارٍ روحي الناموس والأنبياء والهيكل وكل طقوس العبادة، يرون في يسوع المسيح أصل التاريخ ومصدر الخلاص، فلا يكملوا مكيال آبائهم المقاومين للحق الإلهي.

إن كان هذا الخطاب موجه إلى القيادات اليهودية المملوءة حقدًا ضد رب المجد يسوع وكنيسته، فإنه كان أيضًا موجهًا بطريقة غير مباشرة للمؤمنين الذين من أصلٍ يهودي، وكانوا لا يزالوا عاجزين عن التحرر من حرف الناموس والطقوس اليهودية. إنه خطاب ألقاه في آخر لحظات وجوده على الأرض ليصحح مسار كنيسة أهل الختان، إن صح التعبير، فلا تنشغل بحرف الناموس، ولا ترتبط بهيكل أورشليم.

1. ظهور إله المجد لإبراهيم في أرضٍ وثنية

"فقال رئيس الكهنة:

أترى هذه الأمور هكذا هي؟" [1]

أظهر رئيس الكهنة نوعًا من استخدام العدالة إذ أعطى الفرصة للقدّيس استفانوس أن يدافع عن نفسه ويردّ على الاتّهامات الموجّهة ضدّه، ولعلّ رئيس الكهنة كان يتوقّع أن القدّيس يستغل الفرصة للرجوع عن أفكاره حتى لا يتعرّض للموت رجمًا.

سأل قيافا رئيس الكهنة كرئيس للمجمع بخصوص الاتهامات الموجهة إلى استفانوس، الخاصة بنقض الهيكل ومقاومة الناموس. ولعله كان يود أن يقتنص من فمه كلمة تبرر مجمع السنهدرين في محاكمته ليسوع وصدور الحكم بضرورة قتله. أراد أن يعطي للشعب فرصة ألا يثوروا على صلب يسوع ورجم استفانوس.

جاء سؤال رئيس الكهنة يعني: لقد سمعت الاتهامات الموجّهة ضدّك، فماذا تقول: مذنب أم غير مذنب؟ وقد قدّم القدّيس استفانوس دفاعًا مطوّلاً يتّسم بالآتي:

أولاً: جاءت إجابته موجّهة مباشرة إلى نقاط الاتّهامات بطريقة واضحة.

ثانيًا: كشف دفاعه عن استعداده الكتابي العميق وقدرته في الأسفار المقدّسة والتقليد اليهودي.

ثالثًا: أن ما يؤمن به ويكرز به إنّما هو امتداد حيّ وروحي لطريق الآباء، بل ولتاريخ الخلاص الذي يسير حسب خطّة اللَّه المعلنة بواسطة الآباء والأنبياء.

رابعًا: إذ أراد الردّ على الاتّهامات استعرض القدّيس تاريخهم منذ البداية، مظهرًا عظمة حنوّ اللَّه الفائق في علاقته بشعبه، وكيف قابل الشعب هذه المحبّة الإلهيَّة بجحودٍ وتذمّرٍ مستمرٍ عبر الأجيال، وأنّه قد امتلأ كأس شرّهم وفاض، فأسقطوا أنفسهم تحت ثمر عصيانهم وحرموا أنفسهم من مراحم اللَّه.

خامسًا: أوضح خلال الأسفار المقدّسة أن كنيسة اللَّه أو شعب اللَّه لم يبدأ بالعبرانيّين ولا بأرض كنعان، بل كان له مؤمنون أمناء في مناطق أخرى، قبل بناء الهيكل، فليس بالأمر الغريب أن يطلب له شعبًا في العالم كلّه.

"فقال أيها الرجال الإخوة والآباء، اسمعوا:

ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو في ما بين النهرين،

قبلما سكن في حاران". [2]

مع ما حملوه من كراهية وبغضة أظهر لهم استفانوس كل مودة، فتحدث معهم بأسلوبٍ فيه توقير واحترامٍ دون مداهنة، تحدث إليهم بكونه واحدًا منهم، فدعاهم "إخوة وآباء".

جاء خطاب القديس استفانوس سردًا تاريخيًا بمفهوم لاهوتي عميق يحمل شهادة للسيد المسيح ولإنجيله، وليس دفاعًا عن نفسه. وقد قسم خطابه إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولي: زمن الآباء البطاركة [2-16].

المرحلة الثانية: زمن موسى والأنبياء [17: 43].

المرحلة الثالثة: بين الخيمة والهيكل [44-50].

أظهر في هذا العرض الحقائق التالية:

أولاً: بارك الله آباءهم وهم لم يكونوا في فلسطين أو كنعان، وعلى رأسهم إبراهيم واسحق ويعقوب.

ثانيًا: لم يرتبط شعب إسرائيل خلال التاريخ بالعبادة في الهيكل حتى عصر سليمان.

ثالثًا: حتى عندما بُني الهيكل، فإن الهيكل لم يحفظ إسرائيل من عصيانه وتمرده على الله.

كأن استفانوس أراد تأكيد أنه يوجد ما هو أعظم من كنعان الأرضية، والهيكل في أورشليم، وهو التمتع بالمصالحة مع الله خلال المسيا الموعود به.

"أيها الرجال الإخوة والآباء": وجه حديثه إلى شيوخ الشعب كإخوة، والكهنة ورئيس الكهنة كآباء.

"اسمعوا": يتكلم بروح القوة، بكونه يعلن كلمة الله التي يجب الاستماع لها.

"إله المجد" دعا الله "إله المجد" ليؤكد أنه لن يجدف على الله كما ادعوا عليه.

بدأ بدعوة إبراهيم للخروج من أور الكلدانيين لكي يتكرس لله، ويتأهل لنوال الوعود الإلهية، ويصير أبا لرجال العهد القديم. "وهو في ما بين النهرين، قبلما سكن في حاران" وكأن الله يود أن يلتقي بالمؤمنين أينما وجدوا، فلم يظهر لإبراهيم في أورشليم ولا في خيمة الاجتماع أو الهيكل، وإنما في ما بين النهرين، في أور الكلدانيين (تك 15: 7؛ نح 9: 7، تك 11: 31-32).

هنا يدعو الله "إله المجد"، فإن كان وجه موسى قد صار لامعًا بانعكاس مجد الله عليه، فإن إله المجد أشرق على إبراهيم أب الآباء، قبل استلام الناموس، في أرض وثنية، "ما بين النهرين"، إن صح التعبير. أشرق بمجده على إبراهيم، كما على وجه موسى مستلم الناموس، وها هو مشرق على استفانوس نفسه في عهد النعمة. الله هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، يشتهي أن يُشرق بمجده في كل العصور على كل البشر، ولا يحدْ نفسه بمكانٍ معينٍ وشعبٍ معينٍ.

جاءت دعوة الله لإبراهيم وهو بين الوثنيين في أور الكلدانيين، ولم يكن بعد ذهب إلى أرض الموعد. وجاءت الدعوة أن يذهب أولاً إلى حاران، حيث قطن فيها بعض الوقت، وبعد ذلك ذهب إلى كنعان أو فلسطين.

لم يقل: "وقد جاء إلى الأرض التي أنتم ساكون فيها"، وإنما قال: "هناك نقله"، وكأن الله قد حمله على ذراعيه، وانطلق به من حاران إلى أرض الموضع. مجيئه إلى أرض الموعد هو عطية إلهية ووعد إلهي، قام الرب نفسه بتنفيذه.

الله الذي حمل إبراهيم إلى هذه الأرض بسبب إيمانه العملي وطاعته، هو الذي يطرد بنيه خلال عدم الإيمان والتمرد. استفانوس كابن إبراهيم، بالإيمان يتمتع بكنعان السماوية، أما المقاومون للإيمان فسيُطردون من كنعان الأرضية كما السماوية، حتى وإن ظنوا أنهم ذرية إبراهيم.   

+         +           + 

إنجيل القداس ... لوقا 10 : 1 – 20

 

1 و بعد ذلك عين الرب سبعين اخرين ايضا و ارسلهم اثنين اثنين امام وجهه الى كل مدينة و موضع حيث كان هو مزمعا ان ياتي
2 فقال لهم ان الحصاد كثير و لكن الفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد ان يرسل فعلة الى حصاده
3 اذهبوا ها انا ارسلكم مثل حملان بين ذئاب
4 لا تحملوا كيسا و لا مزودا و لا احذية و لا تسلموا على احد في الطريق
5 و اي بيت دخلتموه فقولوا اولا سلام لهذا البيت
6 فان كان هناك ابن السلام يحل سلامكم عليه و الا فيرجع اليكم
7 و اقيموا في ذلك البيت اكلين و شاربين مما عندهم لان الفاعل مستحق اجرته لا تنتقلوا من بيت الى بيت
8 و اية مدينة دخلتموها و قبلوكم فكلوا مما يقدم لكم
9 و اشفوا المرضى الذين فيها و قولوا لهم قد اقترب منكم ملكوت الله
10 و اية مدينة دخلتموها و لم يقبلوكم فاخرجوا الى شوارعها و قولوا
11 حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم و لكن اعلموا هذا انه قد اقترب منكم ملكوت الله
12 و اقول لكم انه يكون لسدوم في ذلك اليوم حالة اكثر احتمالا مما لتلك المدينة
13 ويل لك يا كورزين ويل لك يا بيت صيدا لانه لو صنعت في صور و صيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديما جالستين في المسوح و الرماد
14 و لكن صور و صيدا يكون لهما في الدين حالة اكثر احتمالا مما لكما
15 و انت يا كفرناحوم المرتفعة الى السماء ستهبطين الى الهاوية
16 الذي يسمع منكم يسمع مني و الذي يرذلكم يرذلني و الذي يرذلني يرذل الذي ارسلني
17 فرجع السبعون بفرح قائلين يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك
18 فقال لهم رايت الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء
19 ها انا اعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات و العقارب و كل قوة العدو و لا يضركم شيء
20 و لكن لا تفرحوا بهذا ان الارواح تخضع لكم بل افرحوا بالحري ان اسماءكم كتبت في السماوات

 

الإرساليَّة الثانية

إن كانت الإرساليَّة الأولى الخاصة بالإثنى عشر تلميذًا تمثِّل خدمة اليهود فإن الإرساليَّة الثانية الخاصة بالسبعين رسولاً تمثِّل خدمة الأمم. فإن ربَّنا يسوع المسيح يرسل لليهود كما للأمم طالبًا صداقتهم بلا تمييز. ولهذا السبب نرى السيِّد المسيح متهلِّلاً بالروح من أجل تمتَّع البسطاء بنعمة المعرفة، أيَّا كان جنس هؤلاء البسطاء، كما يقدِّم لنا مثَل السامري الصالح ليعلن عن مفهوم الأخوة للبشريَّة كلها، كما يقدِّم لنا قصَّة مرثا ومريم ليكشف لنا عن قبوله كل خدمةٍ وعبادةٍ!

 

1. تعيين السبعين رسولاً وكرازتهم

في الإرساليَّة الأولى كانت وصيَّة السيِّد المسيح للاثنى عشر: "إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريِّين لا تدخلوا، بل اذهبوا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (مت 10: 5)، أما للسبعين فجاءت الوصيَّة بالكرازة غير محصورة في شعب معيَّن أو أُمَّة خاصة، إذ قال: "وأيَّة مدينة دخلتموها وقبلوكم فكُلوا ممَّا يقدَّم لكم، واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد اِقترب منكم ملكوت الله" (لو 9: 8). وقد جاءت الكلمات: "كُلوا مما يقدَّم لكم" تعني أنهم لا يستنكفون من الطعام الذي يقدِّمه الأمميُّون ولا يخشون من التنجُّس حسب ما جاء في الشريعة الموسويَّة، ليأكُلوا ما يقدِّمه هؤلاء الأمم حتى يستطيعوا باتساع فكرهم أن يقدِّموا لهم كلمة الكرازة بالملكوت بلا عائق، فإنه ليس وقت للأطعمة المحلَّلة والمُحرَّمة، إنما لسحب النفوس من الهلاك الأبدي.

كانت الإرساليَّة الثانية في الغالب تمثِّل الكرازة للأمم، فمن المعروف أن سكان بيريَّة التي ذهب إليها السيِّد المسيح بعد الجليل هم أمميُّون، ولعلَّ الإنجيلي لوقا نفسه كان من بين هؤلاء السبعين رسولاً.

على أي الأحوال إذ كتب متَّى البشير - وهو من الاثنى عشر- لليهود لم يَشِر إلى هذه الإرساليَّة، بينما لوقا البشير وهو يكتب للأمم يُشير إليها.

إن كان الاثنا عشر يمثِّلون الاثنى عشر نبعًا، فإن السبعين يمثِّلون السبعين نخلة في إيليم الجديدة (خر 15: 27). إن كان الاثنا عشر يقابلون الأسباط الاثنى عشر فإن السبعين يقابلون السبعين شيخًا الذين اِختارهم موسى (عد 11: 16-25) أو السبعين عضوًا في مجمع السنهدرين.

لعلَّه اِختار السبعين رسولاً قُبيل عيد المظال حيث كان اليهود يقدِّمون 70 ذبيحة... كأنه أراد أن يقدِّم للعالم عيدًا جديدًا، فيه يقدِّم الرسل كذبائح حيَّة مقدَّسة مرضيَّة عند الله (رو 12: 1)، على مذبح الحب خلال الكرازة في العالم كله.

ويلاحظ في هذه الإرساليَّة الآتي:

أولاً: "وبعد ذلك عيَّن الرب سبعين آخرين أيضًا وأرسلهم اثنين اثنين أمام وجهِه إلى كل مدينة وموضوع حيث كان هو مزمعًا أن يأتي" [1].

يرى بعض الآباء مثل القدِّيس أمبروسيوس أن عدد الرسل اثنان وسبعون وأن الإنجيلي ذكر الرقم الدائري. وقد أرسلهم اثنين اثنين كما سبق فأرسل الإثنى عشر (مر 6: 7)، إذ "اثنان خيْر من واحد، لأن لهما أجرة لتعبهما صالحة، لأنه إن وقع أحدهما يقيمه رفيقه، وويل لمن هو وحده، إن وقع إذ ليس ثانٍ ليُقيمه" (جا 4: 9-10). وكما قال القدِّيس أغسطينوس إن رقم 2 يشير إلى الحب لله والناس، وكأن إرساليَّته لم تكن كرازة كلام ووعظ فحسب بل كرازة حب وشركة مع الله والناس.

أرسلهم أمام وجهُه، ليكونوا ممهَّدين له في الطريق، ولكي يعملوا أمامه، فيكونوا تحت رعايته فيما هم يرعون الآخرين!

ثانيًا: أكَّد لهم أن الكرازة هي من صميم عمله هو. فهو الذي عينهم، وهو الذي يسندهم بإرسال فعله يعملون معه لحساب حصاده، إذ يقول:

 "الحصاد كثير والفَعَلة قليلون، فاُطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فَعَلة إلى حصاده" [2]...

 وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [الرب نفسه هو الذي يبذر، إذ كان (قاطنًا) في الرسل، وهو أيضًا الذي يحصد، فبدونه يحسبون كلا شيء... إذ يقول: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5).]

ثالثًا: جاءت وصيَّته لهم: "ها أنا أُرسلكم مثْل حِملان بين ذئاب" [3]،

 تكشف عن أنه هو المرسل "أنا أرسلكم". لذا فهو العامل فيهم والمسئول عنهم، وأن إرساليَّته ليست بالمهمَّة السهلة طريقها مفروش بالورود، إنما هي إرساليَّة قلَّة من الحملان تُلقي بين ذئاب. وكما يقول القدِّيس أغسطينوس إن الذئاب تلتهم الحملان فتتحوَّل الذئاب إلى حملان. إنها ليست إرساليَّة لافتراس رُسله، وإنما لتحويل الذئاب إلى حملان، خلال وداعة حملانه أي رسله. وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [أنه فوق كل شيء يعرف طبيعة الأشياء: أن الشراسة لا تُطفأ بالشراسة وإنما باللطف.]

يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على هذه الوصيَّة، قائلاً: [لا يخشى الراعي الصالح على رعيَّته من الذئاب، لذا أرسل تلاميذه لا ليكونوا فريسة وإنما ليكرزوا بالنعمة. عناية الراعي الصالح لا تسمح للذئاب القيام بأي عمل ضد خرافه، إنما يرسل الخراف وسط الذئاب لتتم هذه الكلمة: "ويرعى الذئب مع الحمل" (إش 65: 27).]

إن كان كلمة الله صار حَملاً لأجلنا، فقد قيل عنه بلسان القدِّيس يوحنا المعمدان: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيَّة العالم" (يو 1: 29)، ووصفه القدِّيس يوحنا اللاهوتي: "لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حيَّة، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" (رؤ 7: 17)، فلا عجب أن يجعل من كنيسته قطيعًا صغيرًا يُسر الآب أن يعطيهم الملكوت (لو 12: 32). فإن كان حَمَل الله أقامنا حِملان لنحمل سماته فينا، فإنه هو مرسل الحِملان، والآب يُسر أن يهبهم ملكوته الأبدي.

رابعًا: "لا تحملوا كيسًا ولا مزودًا ولا أحذية" [4].

 سبق فقدَّم مثْل هذه الوصيَّة للاثنى عشر تلميذًا، وقد قدَّمنا لبعض الآباء تعليقات عليها (لو 9: 3؛ مت 10: 9؛ مر 6: 8)، موضِّحًا أنها لا تحمل حرمانًا، إذ قدَّم نفسه مصدر شبع لهم قبل أن يسألهم التخلِّي عن هذه الأمور الزمنيَّة، نضيف إليها التعليقات التالية:

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لكي نتجنَّب الذئاب يوصينا الرب: لا تحملوا مزودًا ولا أحذية، ويعني بالمزود ألا نحمل فضَّة ولا مالاً (مت 10: 9). إن كان الرب يمنعك عن حمل الذهب فماذا يكون إن كنت تسلبه وتسرقه؟ إن كان قد أوصاك أن تُعطي مالك، فكيف تُكدِّس ما هو ليس لك؟ أنت الذي تكرز ألا يُسرق أتسرق؟ الذي تقول أن لا يزني أتزني؟ الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل؟ الذي تفتخر بالناموس أبِتعدِّي الناموس تهين الله؟ لأن اسم الله يُجدَّف عليه بسببكم (رو 2: 21-24). كان الرسول بطرس أول من نفَّذ وصيَّة الرب موضحًا أن وصيَّة الرب لم تُعط باطلاً، فعندما طلب منه الفقير صدقة، قال: "ليس لي فضَّة أو ذهب" (أع 3: 6)؛ أنه يفتخر بأنه ليس له فضة أو ذهب، وأنت تخجل لأنك لا تملك ما تشتهيه ؟... كأنه يقول للفقير: أنك تراني تلميذًا للرب وتطلب منِّي ذهبًا، لقد وهبني أشياء أخرى أثْمَن من الذهب إيَّاك أُعطي: "باِسم يسوع الناصري قم وامش.]

يكمل القدِّيس حديثه: [لا كيسًا ولا مزودًا"؛ عادة يُصنع الاثنان من جلد الحيوانات الميِّتة، والرب يسوع لا يريد لنا شيئًا ميِّتًا، لهذا يقول لموسى: "اِخلع نعْليْك لأن الموضع الذي أنت فيه مقدَّس" (خر 3: 5)، أمَرَه أن يخلع عنه نعليّ الموت والأمور الأرضيَّة في اللحظة التي أرسله فيها ليُنقذ الشعب. فالخادم الذي وضع على عاتقه هذا العمل ينبغي ألاَّ يخشى شيئًا (الموت أو الأرضيَّات)، فلا يتراجع عن رسالته التي استلمها خوفًا من الموت... فقد سبق فهرب موسى من رسالته خوفًا من الموت وهرب إلى أرض مِديان، وقد عرف الرب نيَّته، ورأى ضعفه، لذا رأى أن يحرَّر روحه ونفسه من الارتباطات المائتة.]

يقول القدِّيس أغسطينوس: [ماذا يعني: لا تحملوا كيسًا؟ أي لا تكونوا حكماء بذواتكم بل اقبلوا الروح القدس، فيكون فيكم ينبوعًا لا كيسًا، منه تُنفقون على الآخرين دون أن ينضب، وهكذا أيضًا بالنسبة للمزود.] [ما هي الأحذية؟ نستخدم الأحذية من جلد الحيوانات الميِّتة فتغطِّي أقدامنا. لهذا يأمرنا أن نجحد الأعمال الميِّتة. هذا هو ما أوُصى به موسى كما في رمز، عندما تحدَّث مع الرب: "اخلع حذاءك من رجليْك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدَّسة" (خر 3: 5). ما هو الموضع المقدَّس مثل كنيسة الله؟! لنقف فيها، لنخلع أحذيتنا، لنمجِّد أعمالنا الميِّتة.]

يرى العلامة أوريجينوس أن خلع الأحذية يُشير إلى ترك الجلود الميِّتة التي منها تصنع الأحذية والطبول، فلا نطلب الأمور الميِّتة ولا نهتم بالمظاهر الخارجيَّة كالطبول التي تعطي صوتًا عاليًا بلا عمل.

ويرى القدِّيس إكليمنضس السكندري أن الأحذية هنا تُشير إلى الارتباك بكثرة الخيل والعبيد الحاملين لمَتاع الغني في رحلاته المستمرَّة، وكأنها في عينيه أشبه بأحذية تحمل جسده وممتلكاته.

خامسًا: "ولا تسلِّموا على أحد في الطريق" [4]. يقصد بذلك ألا يرتبك الكارز بالمجاملات الكثيرة التي بلا هدف روحي.

يقول القدِّيس أغسطينوس: [لا يؤخذ هذا بالمعنى الجسدي؛ وبذلك فهو لا يقصد كيسًا ولا أحذية ولا مزودًا، وفوق هذا كله لو أننا مارسنا ببساطة في غير فحص ألا نقول لأحد سلام في الطريق نسقط في الكبرياء.] [يمكننا ببساطة أن نفهم ذلك بمعنى أن نتمِّم ما أمَرَنا به بسرعة... وكأنه يقول: "اترك كل الأمور الأخرى حتى تتمِّم ما قد أُمِرت به".]

يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على هذه الوصيَّة بأن السيِّد لم يمنعنا من تحيَّة السلام، إنما من تقديمها في الطريق، بمعنى ألا تكون معطَّلة للعمل، وذلك كما أمر إليشع النبي خادمه (2 مل 4: 29) لكي يُسرع ويتمِّم الأمر، [المراد بهذا الأمر لا منع السلام بل إزالة العقبات. السلام عادة جميلة، لكن إتمام الأعمال الإلهيَّة أجمل، وهي تستلزم السرعة، تأخيرها غالبًا ما يجلب عدم الرضا.]

سادسًا: "عدم الانتقال من بيت إلى بيت" [5-7]،

 فقد أراد أن ينزع عنهم مظاهر الكتبة والفرِّيسيِّين في ذلك الحين حيث كانوا يقضون جل وقتهم في الولائم لتكريمهم، ومن جانب آخر أراد لهم أن يشعروا في البيت الذي يقيمون فيه أنهم أعضاء في ذات الأسرة. (راجع تفسير لو 9: 4).

سابعًا: بقيَّة الحديث سبق لنا تفسيره... يمكن الرجوع إليه، فمن جهة نفض الغبار الذي لصق بأرجلهم بالنسبة لرافضيهم يشير إلى رفض كل ما التصق بهم منهم كترابٍ لا يستحق إلا نفضِه تحت الأقدام (راجع تفسير مر 6: 11). وأيضًا من جهة سدوم، فإنها لن تُعاقب بذات العقاب المُر الذي يسقط تحته كورزين وبيت صيدا.. لأن الغرباء لا يعاقبون مثل المقرَّبين، والذين يعرفون أقل تكون دينونتهم أقل.

يُعلِّق القدِّيس أغسطينوس على كلمات السيِّد هنا: "الذي يسمع منكم يسمع منِّي، والذي يرذُلكم يُرذِلني، والذي يُرذلُني يُرذل الذي أرسلني" [16]،

قائلاً: [جاء (السيِّد) في أشخاص تلاميذه، فيتكلَّم معنا بواسطتهم. أنه حاضر فيهم. بواسطة كنيسته يأتي، وبواسطتها يتحدَّث مع الأمم. في هذا نشير إلى الكلمات التي نطق بها: "من يقبلكم يقبلُني" (مت 10: 40)... ويقول الرسول بولس: "برهان المسيح المتكلِّم فيّ" (2 كو 13: 3) .]

ثامنًا: "فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب حتى الشيَّاطين تخضع لنا باسمك.

فقال لهم: رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء.

ها أنا أُعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدُو ولا يضرُّكم شيء.

ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم،

بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كتبت في السماوات" [17-20].

فرح الرسل إذ رأوا الشيطان ينهار أمام الإنسان خلال الكرازة بالملكوت، وقد أكَّد السيِّد المسيح اِنهيار الشيطان الذي صار بالصليب ساقطًا من السماء كالبرق، كما أكَّد سلطان الإنسان بالصليب. لكن ما يفرحنا ليس اِنهيار العدو ولا القدرة على صنع المعجزات بل تمتُعنا بالملكوت السماوي خلال الحياة الفاضلة التي ننالها بنعمة الله. وكما يقول القدِّيس أنطونيوس: إننا نفرح بكتابة أسمائنا في ملكوت السماوات إشارة إلى الحياة الفاضلة (في الرب)، أما إخراج الشيَّاطين فهي موهبة من الرب يمكن أن يتمتَّع بها إنسان منحرف فيهلك.

+ الآن يا أحبائي قد ذبح الشيطان، ذاك الطاغية الذي هو ضد العالم كله... لا يعود يملك الموت بل تتسلَّط الحياة عوض الموت، إذ يقول الرب: "أنا هو الحياة" (يو 14: 6)، حتى امتلأ كل شيء بالفرح والسعادة، كما هو مكتوب: "الرب قد ملك فلتفرح الأرض"... الآن إذ بطل الموت، وتهدَّمت مملكة الشيطان، امتلأ الكل فرحًا وسعادة!

القدِّيس أثناسيوس الرسولي

+ نال الشيطان سلطانًا على الإنسان خلال الارتداد، هذا السلطان يُفقد برجوع الإنسان مرَّة أخرى إلى الله.

+ خلال الآلام صعد الرب إلى العُلى وسبى سبيًا، وأعطى الناس عطايا (مز 68: 18؛ أف 4: 8)، ووهب الذين يؤمنون به سلطانًا أن يدوسوا على الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدو، أي سلطان على قائد الارتداد.

القدِّيس إيريناؤس

+ أيّ انحطاط أكثر من الشيطان الذي انتفخ؟ وأيّ علو للإنسان الذي يريد أن يتواضع؟ صار الأول يزحف على الأرض تحت أقدامنا، وارتفع الثاني مع الملائكة في العُلى.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ [يُعلِّق على ضرورة فرحنا كأعضاء في ملكوت السماوات، أو أعضاء في الجسد، وليس لأنه قد صار لنا السلطان على العدو.]

خير لك أن تكون إصبعًا في الجسد عن أن تكون عينًا خارج الجسد!

القدِّيس أغسطينوس

+ مجيئه (المسيح) قد سكب على البشريَّة عطيَّة عظمى للنعمة الأبويَّة.

القدِّيس ايريناؤس

+ لما كان من الضروري تحطيم رؤوس التنِّين نزل السيِّد في المياه وربط القوي (مت 12: 29)، لكي يولينا سلطانًا ندوس به على الحيَّات والعقارب (لو 10: 19).

إنه ليس وحشًا صغيرًا، فمنظره كافٍ لإثارة الرعب، ولا يستطيع أي قارب صيد أن يقاوم ضربة واحدة من ذيله، وأمامه يعدو الهول، وهو يسحق كل الذين يقتربون منه (أي 41: 13).

لقد أقبلت الحياة لتُكَمِّم الموت، حتى نستطيع نحن المخلَّصون جميعًا أن نقول: "أين شوكَتَك يا موت؟ وأين ظفْرك يا جحيم؟" (1 كو 15: 55)، فبالعماد سُحِقت شوكة الموت.

القدِّيس كيرلس الأورشليمي

+ [تحذير السيِّد المسيح من فرح التلاميذ بسلطانهم على الشيطان وعمل الآيات وتوجيههم للفرح بالتمتُّع بملكوت السماوات.]

يحذِّرهم ذلك الذي وهبهم بنفسه هذا السلطان لصُنع المعجزات والأعمال العجيبة لئلاَّ ينتفخوا...

لا نطلب أن تخضع لنا الشيَّاطين بل بالحري أن نَملك ملامح الحب التي يصفها الرسول...

+ لا يتحقَّق هذا بقوَّتهم وإنما بقوَّة الاسم الذي يستخدمونه، لهذا حذَّرهم من أن ينسبوا لأنفسهم أي تطويبٍ أو مجدٍ من هذه الجهة، إذ يتحقَّق هذا بسلطان الله وقدرته، أما النقاوة الداخليَّة التي تخص حياتهم وقلوبهم، فبسببها تُكتب أسمائهم في السماء.

الأب نسطوريوس

+           +              +

 

 

 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt