طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 5 أبيب – الأحد الأول من أبيب

عشية

باكر

القــــداس

مز 20 : 6 ، 9

لو 9 : 1 - 6

مز 31 : 23 ، 19

 مت 28 : 1 - 20

1 كو 9

1 - 27

1 بط 1

1 - 12

أع 5

12 - 21

مز 89 : 7

لو 10 : 1 – 20

 

البولس ... 1 كو 9 : 1 – 27

 

1 الست انا رسولا الست انا حرا اما رايت يسوع المسيح ربنا الستم انتم عملي في الرب
2 ان كنت لست رسولا الى اخرين فانما انا اليكم رسول لانكم انتم ختم رسالتي في الرب
3 هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني
4 العلنا ليس لنا سلطان ان ناكل و نشرب
5 العلنا ليس لنا سلطان ان نجول باخت زوجة كباقي الرسل و اخوة الرب و صفا
6 ام انا و برنابا وحدنا ليس لنا سلطان ان لا نشتغل
7 من تجند قط بنفقة نفسه و من يغرس كرما و من ثمره لا ياكل او من يرعى رعية و من لبن الرعية لا ياكل
8 العلي اتكلم بهذا كانسان ام ليس الناموس ايضا يقول هذا
9 فانه مكتوب في ناموس موسى لا تكم ثورا دارسا العل الله تهمه الثيران
10 ام يقول مطلقا من اجلنا انه من اجلنا مكتوب لانه ينبغي للحراث ان يحرث على رجاء و للدارس على الرجاء ان يكون شريكا في رجائه
11 ان كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات افعظيم ان حصدنا منكم الجسديات
12 ان كان اخرون شركاء في السلطان عليكم افلسنا نحن بالاولى لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شيء لئلا نجعل عائقا لانجيل المسيح
13 الستم تعلمون ان الذين يعملون في الاشياء المقدسة من الهيكل ياكلون الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح
14 هكذا ايضا امر الرب ان الذين ينادون بالانجيل من الانجيل يعيشون
15 اما انا فلم استعمل شيئا من هذا و لا كتبت هذا لكي يصير في هكذا لانه خير لي ان اموت من ان يعطل احد فخري
16 لانه ان كنت ابشر فليس لي فخر اذ الضرورة موضوعة علي فويل لي ان كنت لا ابشر
17 فانه ان كنت افعل هذا طوعا فلي اجر و لكن ان كان كرها فقد استؤمنت على وكالة
18 فما هو اجري اذ و انا ابشر اجعل انجيل المسيح بلا نفقة حتى لم استعمل سلطاني في الانجيل
19 فاني اذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لاربح الاكثرين
20 فصرت لليهود كيهودي لاربح اليهود و للذين تحت الناموس كاني تحت الناموس لاربح الذين تحت الناموس
21 و للذين بلا ناموس كاني بلا ناموس مع اني لست بلا ناموس لله بل تحت ناموس للمسيح لاربح الذين بلا ناموس
22 صرت للضعفاء كضعيف لاربح الضعفاء صرت للكل كل شيء لاخلص على كل حال قوما
23 و هذا انا افعله لاجل الانجيل لاكون شريكا فيه
24 الستم تعلمون ان الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون و لكن واحدا ياخذ الجعالة هكذا اركضوا لكي تنالوا
25 و كل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء اما اولئك فلكي ياخذوا اكليلا يفنى و اما نحن فاكليلا لا يفنى
26 اذا انا اركض هكذا كانه ليس عن غير يقين هكذا اضارب كاني لا اضرب الهواء
27 بل اقمع جسدي و استعبده حتى بعدما كرزت للاخرين لا اصير انا نفسي مرفوضا

 

تنازلات الرسول

يطالب القديس بولس المؤمنين الأقوياء أن يحتملوا من أجل الضعفاء حتى يتأسسوا في نعمة اللَّه. هذا هو عمل الحب الإلهي في قلوبهم، إذ يهبهم أن يقدموا تنازلات من أجل خلاص اخوتهم.

في هذا الأصحاح يؤكد الرسول بولس حقيقيتين تمسان خدمته:

الأولى: يؤكد صدق رسوليته ضد الذين ينكرونها، وذلك ليس طلبًا للمجد، بل من أجل بنيان الشعب، موضحًا أن ما يشغله هو خلاص الغير حتى في دفاعه عن نفسه. إذ هاجمت بعض الفرق الرسول بولس في رسوليته بحجة أنه لم يَرَ السيد المسيح حين كان على الأرض، ولم يختره بين الإثني عشر تلميذًا أو السبعين رسولاً، لذلك أكد رسوليته وحريته في قبول الخدمة الرسولية [1]. يجيب عليهم انه قد رأى الرب وهو في طريقه إلى دمشق؛ وأنه قد خدم، وهم ختم رسالته في الرب [2]. وأنهم هم مخدوميه الأخصاء بالنسبة له.

والثانية: اعتاد الرسول ألا يقدم وصايا ما لم يختبرها في حياته. إنه كارز عملي، يقدم نفسه مثالاً حيًا لمخدوميه من جهة تنازلاته عن حقوقه الرسولية لأجل خلاص اخوته. فمع صدق رسوليته تنازل عن كثير من حقوقه.

1. صدق رسوليته

أعلن السيد المسيح أنه ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه (مت 13: 57). ووجد الرسول بولس مقاومة من الكنيسة التي أنشأها في كورنثوس، لا من الذين في الخارج، بل من الذين قبلوا الإيمان بواسطته. لذا يليق بالخادم الحقيقي ألا ينتظر كرامة أو مديحًا ممن يخدمهم ويبذل نفسه من أجلهم بل يتوقع أن يجد مقاومة ورفضًا.

"ألست أنا رسولاً؟

ألست أنا حرًا؟

أما رأيت يسوع المسيح ربنا؟

ألستم أنتم عملي في الرب؟" [1]

بقوله: "أما رأيت يسوع المسيح ربنا؟" يؤكد صدق رسوليته. فإنه وإن كان لم ينعم ببركة التلمذة للسيد المسيح أثناء حياته علي الأرض، ولا سمع تعاليمه، ولا رآه في صلبه وبعد قيامته مباشرة حتى صعوده، لكن القائم من الأموات ظهر له، فصار شاهدًا لقيامته. هذه الشهادة أساسية في العمل الرسولي (أع 1: 22).

هنا يؤكد بولس الرسول صدق رسوليته بالآتي:

1. "ألست أنا رسولاً؟"، إذ اختاره السيد المسيح ودعاه للعمل الرسولي بعد صعوده إلى السماء.

2. "ألست أنا حرا؟" فمن جانب السيد المسيح هو دعاه، ومن جانب بولس فبكامل حريته قبل هذا العمل الفائق.

3. "أما رأيت يسوع المسيح ربنا؟"، صار شاهدًا للقيامة، إذ ظهر له وهو في طريقه إلي دمشق (أع 9: 7، 17 ؛ 22: 17)

4. "ألستم أنتم عملي في الرب؟" عمل اللَّه فيهم خلال خدمته شهادة عملية حية لصدق رسوليته. فإن قبولهم للإيمان وتوبتهم الصادقة وحياتهم الجديدة، هذه كلها لم يكن ممكنًا أن تتحقق إلا باللَّه الذي أرسل بولس للكرازة.

 

يبدو أن الشك قد تسرب إلي بعض الاخوة بخصوص رسوليته للأسباب التالية:

1. انه لم يرَ السيد المسيح فلا يقدر أن يكون تلميذا

2. لم يطلب هو وبرنابا من الكنائس أن تمدهما باحتياجاتهما الضرورية كسائر الرسل.

3. التزم مع برنابا بالعمل حتى يعيشا.

 

"إن كنت لست رسولاً إلى آخرين فإنما أنا إليكم رسول،

لأنكم أنتم ختم رسالتي في الرب" [2].

كأنه يقول: "كنت أتوقع أن يتشكك آخرون في رسوليتي، أما وقد أنشأت كنيسة المسيح في كورنثوس، وصرتم ختم رسالتي في الرب، فما يليق بكم أن تجحدوا رسوليتي. لو لم أكن رسولاً ما كان يمكنني أن أكسبكم لحساب ملكوت اللَّه".

إن كان "الختم" هو شكل معين يُنحت علي حجر أو علي خاتم تُختم به الرسائل لتأكيد صدق مصدرها ( يو 3: 33)، فإنهم ختمه الخاص الذي به يؤكد صدق رسالته. كلما أشار إليهم تأكد السامعون عمل الرسولية الواضح.

وبقوله: "في الرب" يؤكد أنه نال رسوليتة كهبة أو نعمة من قبل الرب، وأيضًا قبولهم الإيمان علي يديه هو بفضل نعمة اللَّه.

2. حقه أن يأكل من الإنجيل

بعد أن أكد رسوليته أوضح حقوقه كرسول، وكيف تنازل عنها بإرادته من أجل محبته لخلاص البشرية.

"هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني" [3].

يتحدث الرسول بولس كمتهمٍ في محكمة يسمع الاتهامات الموجهة ضده ويجيب عليها بكل صراحةٍ وفي حبٍ، وقد أقامهم قضاة ليحكموا بصدق رسوليته.

 

"ألعلنا ليس لنا سلطان أن نأكل ونشرب؟" [4]

كلمة "سلطان" هنا معناها "حق"، فانه حق رسولي له أن يأكل ويشرب من خلال خدمته علي حساب الكنائس التي يكرز فيها. لم يطلب الكماليات ولا الغنى، إنما يطلب حد الكفاف وهو الأكل والشرب لكي يعيش ويخدم.

"ألعلنا ليس لنا سلطان أن نجول بأخت زوجة كباقي الرسل واخوة الرب وصفا؟" [5]

يري القديس إكليمنضس السكندري أن الرسل كانوا يجولون ومعهم نساؤهم اللواتي كن يشاركونهم الإيمان، ليس كزوجات بل كأخوات، حتى يخدمن ربات البيوت، حتى يدخل تعليم الرب إلي حياة النساء دون أية تشكك.

 

"أم أنا وبرنابا وحدنا ليس لنا سلطان أن لا نشتغل؟" [6]

كان كلا من الرسولين بولس وبرنابا يعملان بإرادتهما لكي لا يعتازا إلي أحد. كان يمارسان حرفة مثل صنع الخيام (أع 18: 3؛ 20: 34؛ 2 تس 3: 8).

"من تجند قط بنفقة نفسه؟

ومن يغرس كرمًا ومن ثمره لا يأكل؟

أو من يرعى رعية ومن لبن الرعية لا يأكل؟" [7]

أكمل الرسول حديثه مقدمًا أمثلة من الواقع العملي ليدافع فيها عن نفسه, فالجندي الروماني يتوقع أن ينال أجرة ومئونة من الطعام مقابل خدمته للوطن لكي يعيش، والزارع والراعي للغنم يتوقعان عائدًا يعيشا به مقابل أتعابهما.

يشبه الرسول نفسه كجندي لا يتوقف عن الجهاد كما في معركة الخدمة، وكغارس كرم يُسر بالثمر، وكراعٍ يترفق بالقطيع العاقل. ومع هذا لم يأخذ أجرة كجندي، ولا انتظر ثمر الكرم، ولا طلب لبن القطيع! انه لم يطلب حتى الضروريات "نفقة نفسه"! لقد تعدي ما هو طبيعي ومعقول من أجل محبته للخدمة.

تشبه الكنيسة كجيش بألوية (نش 6: 4) وككرمة (نش 5)، وأيضا كقطيعٍ عاقل ( يو 21: 15 - 17).

غالبًا ما تكون أجرة رعاة الغنم في الشرق ليست مبلغًا من المال بل نسبة من اللبن الذي من القطيع. يقوم الألبانيون برعاية القطيع ملك الأتراك، فيعيشون في أكواخ فقيرة للغاية وينالون عُشر الناتج من اللبن كأجرة لهم يعيشون به. والرعاة أيضا في أثيوبيا لا يأخذون أجرة مادية بل نصيبًا من اللبن والزبدة الناتجة عن البقر.

الخادم الحقيقي هو جندي روحي (2 تي 2:3) وكرام ( 1كو 3: 6-8) وراع (1 بط 5:2،4).

 

"ألعلي أتكلم بهذا كإنسان؟

أم ليس الناموس أيضًا يقول هذا؟" [8]

"أتكلم بهذا كإنسانٍ" تحدث أولاً بالمنطق البشري، ثم أكمل بالمنطق الإلهي أو ناموس اللَّه [15].

كأنه يقول: "العلي انطق بهذا من عندي دون اللجوء إلي القانون الإلهي؟ أليس ما يبدو عدلاً ومقبولاً يسنده السلطان الإلهي نفسه؟"

إذ كانت الاعتراضات صادرة بالأكثر من الذين هم من أصل يهودي في الكنيسة بكورنثوس لجأ إلي ناموس موسي نفسه، فقد اعتاد الرسول أن يلجأ إلي العهد القديم حينما يتحدث مع اليهود.

"فإنه مكتوب في ناموس موسى: لا تكم ثورًا دارسًا.

ألعل اللَّه تهمه الثيران؟" [9]

بعد أن لجأ إلي أمثلة من الواقع العملي اليومي، والقوانين العامة المقبولة علي مستوي كل البشر، التجأ إلي الناموس، فالشريعة تطالب بأن يتمتع خادم اللَّه بما يكفل له حياته.

"العل اللَّه تهمه الثيران؟" لقد اهتمت الشريعة بتقديم ما فيه راحة الثيران (تث 25: 4)، أفلا تهتم بالأولى بالإنسان الذي من أجله خُلقت الثيران، والذي تُقدم كذبائح من أجل تطهيره؟!

لقد أعطاه الناموس حق التمتع بالبركات الزمنية بقوله: "لا تكم ثورًا دارسًا"، فشبه نفسه بالثور الذي يدرس، ومع ذلك لم يذق شيئًا مما يدرسه!

لا يعني هذا أن الرسول ينكر اهتمام اللَّه بالثيران، لكنه إذ وضع هذا المبدأ اهتمامًا بالحيوانات أفليس بالأولى تطبيقه علي الإنسان، خاصة في خدمته للَّه؟

 

"أم يقول مطلقا من أجلنا

أنه من أجلنا مكتوب

لأنه ينبغي للحراث أن يحرث على رجاء،

وللدارس على الرجاء،

أن يكون شريكًا في رجائه" [10].

ما جاء في الناموس لم يكن من أجل إنسانٍ معين، فلم يكن في ذهن موسى شخص الرسول بولس أو غيره إنما ما سجله هو من قبل اللَّه لأجل كل بشر، لكي يعمل الكل بروح الرجاء حتى يحصدوا ثمر تعبهم ويفرحوا بنجاح تعبهم.

"إن كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات

أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات؟" [11]

لقد بذل الرسول حياته كل يوم لكي يزرع لهم الروحيات ويتمتعوا بالخلاص الإلهي، فهل كثير عليه أن ينال قوت جسده؟ زرع الرسول فيهم بذار الإنجيل ووهبهم فرح الرجاء في السماويات. زرع فيهم ما هو أعظم من كل ما في العالم، إذ قدم لهم الحياة المقامة عوض الموت، وعمل في حياتهم كطبيب وكرام وراع ومحام... لأجل مجدهم الأبدي، فكيف لا يتفرغ لهذا العمل العظيم تاركًا الاهتمام بالاحتياجات الضرورية لحياته اليومية للكنيسة؟ إنه يعمل لحساب كل فرد كما لبنيان الجماعة كلها لذا لاق به التفرغ الكامل لهذه الرسالة البناءة.

 

"إن كان آخرون شركاء في السلطان عليكم،

أفلسنا نحن بالأولى؟

لكننا لم نستعمل هذا السلطان،

بل نتحمل كل شيء لئلا نجعل عائقا لإنجيل المسيح" [12].

يقصد بالآخرين هنا الرسل الحقيقيين، وريما يقصد الرسل الكذبة (2 كو 11: 13). لقد نال شركاؤه في الرسولية هذا الحق، وكان هو أولى منهم، لأنه هو الذي أسس الكنيسة في كورنثوس، لكنه خشي أن يأخذ شيئًا فيعيق إنجيل المسيح.

يتحدث عن المعلمين في كورنثوس "الآخرين"، فإنهم إذ يعيشون في وسطهم تلتزم الكنيسة بكل احتياجاتهم. هؤلاء دخلوا علي تعب الرسول بولس الذي احتمل الميتات كل النهار لأجلهم، وقبل الفقر والجوع والعطش والعري بل والاتهامات الباطلة لأجل إقامة هذه الكنيسة. فهو أولى منهم في تمتعه بحقه هذا، ومع ذلك فمن أجل إنجيل المسيح يتنازل عن حقه، حتى يستطيع أن يجتذب قلوب وأفكار الكل إلي الإنجيل.

وضوح الهدف لدي معلمنا بولس الرسول جعله يقبل الآلام ليس فقط بدون شكوى أو تذمر، بل بفرحٍ وسرورٍ كعلامة حب حقيقي لتحقيق رسالة السيد المسيح به.

 

"ألستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون؟

الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح؟" [13].

"هكذا أيضًا أمر الرب:

أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون" [14].

لئلا يظنوا انه يعتمد علي شريعة موسى في العهد القديم التي يظن البعض إنها قد أبطلت قدم أيضًا وصية إلهية علي فم الرب نفسه فقال: "هكذا أيضا أمر الرب" [14]

ولئلا يظنوا أنه يهين شركاءه في الخدمة لأنهم ينالون الضروريات خلال خدمتهم أكد أن التقليدين القديم والجديد يعطياهم هذا الحق بقوله: "ألستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون؟! الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح، هكذا أيضًا أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون".

 

3- تنازلاته من أجل الإنجيل

"أما أنا فلم استعمل شيئًا من هذا،

ولا كتبت هذا لكي يصير فيّ هكذا،

لأنه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري" [15].

لقد قدم أمثلة كثيرة لتأكيد حقه في إعالة الكنيسة له: الجندي والكرام والراعي والحارث والكاهن مقدم الذبيحة في العهد القديم.

فضل الرسول بولس خلاص اخوته عن حياته، فإنه يشتهي أن يموت ولا تتعطل خدمة الكرازة. بذله لذاته متشبهًا بالسيد المسيح يهبه سعادة داخلية أفضل من نوال حتى ضروريات الحياة. بالحب الحقيقي لا يطلب ما لنفسه بل ما هو للَّه وما هو للآخرين. هذه هي الضرورة الموضوعة علي أعماقه الداخلية والتي لا يقف أمامها أي معطل.

إذن الطبيعة نفسها والشريعة والإنجيل يعطونه حق الإعالة، لكن حبه للكرازة منعه، "لأنه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري".

لم يرد أن ينل شيئا لئلا يفهم البعض أنه يخدم كأجير، يعمل في كرم الرب لكي يأكل ويعيش، الأمر الذي قد يشكك البعض فلا يهتموا بخلاص نفوسهم.

لم يستخدم هذا الحق في الماضي، ولا كتب ذلك لكي يطالب بحقه في المستقبل حين يعود إليهم ليفتقدهم.

 

"لأنه إن كنت أبشر فليس لي فخر،

إذ الضرورة موضوعة عليّ،

فويل لي أن كنت لا أبشر" [16].

أنه يكرز بإرادته الحرة من أجل المجد الأبدي، هذا هو موضوع افتخاره. لهذا فهو لا يطلب حقه بل ومستعد لقبول كل تعبٍ وألمٍ وبذلٍ حتى لحياته من اجل الكرازة. من هنا يجد ضرورة تلزمه للعمل، لا ضرورة للحياة الزمنية، ولكن ضرورة الحب الداخلي لخلاص اخوته، وتمتعه بشركة المجد الأبدي.

لعله يقصد بالضرورة موضوعه عليه أنه لم يفرح بالكرازة كعملٍ أو وظيفةٍ، لكن الدعوة العجيبة التي قُدمت له من السماوي، دعوة شخصية ألزمته بالعمل (أع 9: 6). انه يعمل في طاعة لمن دعاه شخصيًا لخدمته. لم يلزمه الرب بل بالعمل لكن الدعوة مع حرية إرادته حملت إلزامًا داخليًا في القلب. إلزام ضميره بالعمل الكرازي واعلان الحق الإنجيلي، فقد دفعته العناية الإلهية لهذا الطريق ليصير سفيرًا للسيد المسيح.

لم يبشر الرسول عن ضرورة، أي عن احتياج مادي، وإنما طوعًا مترقبًا المكافأة السماوية. إن لم يبشر يشعر بالويل أو الحياة البائسة، ليس لأنه لا يجد عونًا ماديًا لحياته اليومية، إنما لأن ضميره يوبخه، وأعماقه تدينه، وقلبه يئن متوجعًا في داخله. كيف لا يكون بائسًا إن رفض دعوى اللَّه له للعمل الفائق المجيد؟!

كان الرسول مضطهدًا للسيد المسيح، والآن اكتشف الحق الإلهي، فتحول قلبه للشهادة له، مشتهيًا أن يشارك مسيحه فقره وعريه وآلامه وأيضًا رفضه من خاصته.

إذ يمارس كرازته طوعًا عن حبٍ، وليس من أجل الأجرة الزمنية، فإنه ينال مكافأة سماوية. إما إن مارسها كرهًا خشية ألا ينال ما يعوله في العالم، أو خشية عقوبة إلهية، فيفقد الأجر السماوي.

إذن الخدمة ضرورية ولازمة لكن هذا الالتزام ينبع من القلب خلال بذل ذاتي، وهذا هو بالحق الحب الحقيقي وسرّ فرحي!

 

"فإنه إن كنت أفعل هذا طوعًا فلي اجر،

ولكن إن كان كرهًا فقد استؤمنت على وكالة" [17].

قلبه في العمل الإنجيلي، فإنه يحبه. تكمن أجرته في حبه للإنجيل، فيكرز دون نفقة علي حساب المخدومين، بل يعمل بيديه حتى لا يحتاج.

 

"فما هو أجري

إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل المسيح بلا نفقة

حتى لم استعمل سلطاني في الإنجيل" [18].

إذ يتخلى الرسول عن حقوقه تتطلع عيناه إلي أجر أعظم، مكافأة علي مستوي أبدي سماوي. ليس هناك وجه مقارنة بين تنازلاته الزمنية ومجده العتيد أن يناله. هذا ما دفعه إلي عدم إفساد عمله الرسولي، لذا لم يطالب بحقوقه ولم يشتهيها، بل يجد سعادته في التخلي عنها. وإذ خشي أن يعامل الشعب كل الرسل والخدام هكذا فيرفضون تقديم احتياجاتهم الزمنية، لذا أكد: "لم استعمل سلطاني (حقي) في الإنجيل". إنه حق يتنازل عليه بصفة شخصية، لكنه ليس مبدأ عامًا يسير عليه الشعب. فمن الأفضل للشعب أن يساهم ومن الأفضل للخدام أن يتنازلوا.

إذًا ما هي مكافآت الخدمة؟

+ نستنير هنا وننير الآخرين بنور الروح القدس فنصير كواكب منيرة في السماء (دا 30:12).

+ في الخدمة نتألم مع مسيحنا المصلوب فنتمجد أيضًا معه (2 تي 12:2).

+ إذ نخدم هنا ننال سلطانًا في مجيئه (لو17:19-19).

+ نربح النفوس هنا فنتهلل في حضرته (1 تس 19:2، 20).

+ نرعى قطيع السيد المسيح فنتزكى أمام رئيس الرعاة في ظهوره (1 بط 4:5).

4. اهتمامه بخلاص الجميع

"فإني إذ كنت حرًا من الجميع

استعبدت نفسي للجميع

لأربح الأكثرين" [19].

يعلن الرسول بولس أنه ليس فقط يتنازل عن حقوقه الخاصة باحتياجاته الزمنية، لكنه وهو حر يتنازل عن حريته بإرادته ليسلك كعبدٍ عند سادته. يخدمهم ويهتم بما فيه نفعهم كعبدٍ لا يعمل لحساب نفسه بل لحساب ممتلكيه، كمن لا حق له في أجرة أو مكافأة. يطيعهم حتى فيما يبدو غير معقولٍ أو مقبولٍ.

لم يكن الرسول بولس ملتزمًا ولا مدينًا لأحد، لكنه حسب نفسه ملكًا لكل أحدٍ، كأنه عبد للجماعة كلها، ملك للجميع.

يؤكد الرسول حريته، فقد ولد حرًا، يحمل الجنسية الرومانية بالمولد، لم يُستعبد لأحد قط. وبكامل حريته يشتاق أن يكون عبدًا لكل أحدٍ لكي يربحه الكل أبناء للَّه يتمتعون بحرية مجد أولاد اللَّه. مسرته كعبدٍ أن يبعث السرور في سادته بأن يقتنيهم أبناء لسيد الكل ومحرر الجميع.

يتشبه الرسول بولس بسيده الذي افتقر لكي بفقره يغنينا، وصار عبدًا مصلوبًا لكي يهبنا بروحه القدوس البنوة للَّه. هكذا كل تنازل حتى عن الحرية فيه لذة الشركة مع المخلص الذي بالحق ترك كل شيء ليهبنا ما له.

 

"فصرت لليهود كيهودي، لأربح اليهود،

وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس،

لأربح الذين تحت الناموس" [20].

يبدأ بفئة اليهود أولاً لأنه يشعر بالالتزام بخدمة بني شعبه في كل بلدٍ مع أنه رسول الأمم، ومن جانب آخر فإن اليهود كانوا يمثلون غالبية في الثورة ضد الرسول بولس إذ يتهمونه بالتحرر من الناموس وتجاهل قوانينه.

صار لكل فئة كواحدٍ منهم يلتزم ببعض عادتهم وسلوكهم بضميرٍ صالحٍ مادامت في الرب، ولا يقاومهم. فحيث لا يوجد خطر علي خلاصهم لا يهاجمهم (راجع أع 16: 3، 18:21:21- 26، 23: 1-6).

بقوله: "تحت الناموس" غالبًا ما يقصد اليهود الذين يعيشون في اليهودية الذين يلتزمون بتنفيذ الناموس أكثر من اليهود الذين يعيشون وسط الأمم.

هل بقوله: "صرت لليهود" وللذين "تحت الناموس" فيه تكرار لأن اليهود هم تحت الناموس؟ بقوله صرت لليهود يتحدث عنهم كأمة ووطن، فقد كان بجنسيته يهوديًا, لكن ليس بالضروري كل يهودي تحت الناموس، كاليهودي الذي يقبل الإيمان بالسيد المسيح فيتحرر من الناموس مع بقائه حسب جنسه يهوديًا.

في سفر الأعمال (16: 3) التزم الرسول بولس أن يختن تيموثاوس تلميذه لكي يربح اليهود الذين لم يؤمنوا بعد، ولا يتعثروا فيه ككاسرٍ للناموس.

 

"وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس،

مع أني لست بلا ناموس للَّه،

بل تحت ناموس للمسيح،

لأربح الذين بلا ناموس" [21].

ربما يقصد هنا فئتين:

أ. جماعة الصدوقيين الذين لا يبالون بالطقوس اليهودية، فظهر بينهم كمن لا يهتم بالطقوس فيقبلوا الإيمان ويصدقوا القيامة الأخيرة.

ب. الأمم الذين لا يلتزمون بناموس موسى مثل الشرائع الخاصة بالتطهيرات والختان الخ. فكان يتحدث معهم بلغتهم كواحدٍ منهم يعرف شعراءهم وعقائدهم.

"ناموس المسيح" لم يشعر قط بأنه يسلك بلا ناموس الحب الملزم. فالحياة في المسيح يسوع لها التزاماته وقوانينها، لكي يحمل المؤمن شركة سمات المسيح من حب وقداسة وطول أناة وطاعة الخ. الحياة في المسيح لها نظامها الدقيق الروحي والمبهج بكونها عربونًا للحياة السماوية الدقيقة. ناموس المسيح الذي نلتزم به هو ناموس الحب، به نكمل الناموس ( رو 13: 8؛ 6: 2).

 

"صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء،

صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوما" [22].

"وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكًا فيه" [23].

يقصد بالضعفاء غير المسيحيين وأيضا المسيحيين ضعفاء الضمائر. فالرسول صاحب الضمير القوي يترفق بالضعفاء من المؤمنين وغير المؤمنين لكي يربحهم للمسيح عوض أن يكون عثرة لهم (1 كو 8: 8، رو 14:1).

يقصد بالضعفاء أولئك الذين يتشككون بسرعة، خاصة في التعامل مع المقدسات.

علامة حبه أنه يتشكل مع كل أحد لا ليخدعه بل ليربحه للإيمان، فصار لليهودي كيهودي، وللذين تحت الناموس كأنه تحت الناموس، حتى الذين بلا ناموس كأنه بلا ناموس، وللضعفاء كضعيف، وللكل كل شيء، ليخلّص على كل حال قومًا. هذا أسلوب أب يتنازل ليعامل أطفاله كطفلٍ وسطهم حتى يحملهم إلى النضوج. "التشكل" هنا لا يعني الرياء أو الكذب أو الخداع، وإنما بدافع الحب يتنازل عن إرادته الخاصة وطريقه ومسراته ومكاسبه لكي يكسب الكل فيحملوا إرادة المسيح ويقبلوه طريقًا لهم وعله مسرتهم ومكسبهم الأبدي.

كان الرسول أبعد ما يكون عن أن ينتقد الذين تحت الناموس أو بلا ناموس أو الضعفاء. إنه لم يحتقرهم، ولا دخل معهم في مجادلات فكرية نظرية، لكنه انحني بالحب لكي يحملهم في قلبه ويقدمهم لمحب كل البشرية ومخلص الجميع.

5. اهتمامه بخلاصه

"ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان،

جميعهم يركضون،

ولكن واحدًا يأخذ الجعالة،

هكذا اركضوا لكي تنالوا" [24].

إذ كان ذهن أهل كورنثوس مشغولاً بالمباريات الرياضية استخدم الرسول بولس من يركض في السباق ومن يلاكم ليوضح حاجة المسيحي أن يكون في ظروف صحية لائقة به من خدمة اللَّه.

يرى بعض الدارسين أن استخدام تشبيه الألعاب الرياضية يتناسب مع تاريخ الرسالة واعتزاز أهل كورنثوس بها، مما يؤكد أن الرسالة أصيلة تعود إلى عصر الرسول وموجهة فعلاً لشعب كورنثوس.

كانت مدارس الرياضة أحد ملامح مدن اليونان الرئيسية, وكان كل طالبٍ يقسم بأنه يتدرب في إحدى هذه المدارس لمدة عشرة شهور علي الأقل، وأنه لن يكسر القوانين التي تعلمها فيها (2 تي 2: 5).

كان المشترك في هذه الألعاب يعيش بنظامٍ دقيقٍ للطعام ويمتنع عن شرب الخمر والأطعمة الشهية، ويتدرب علي احتمال الحر والبرد ويلتزم بنظام صعب.

فالمصارع يدرب نفسه ويضبط جسده لكي يبلغ أعلى مستوى في السباق. وواحد فقط يقدر أن ينال الجائزة، غالبًا ما كانت إكليل من النباتات يوضع على رأس المنتصر. إنه إكليل يفنى. أما المؤمنون فإنهم إذ يدربون أنفسهم في سباق الحياة، فيستطيع كل واحد منهم أن ينال إكليل النصرة الذي لا ينحل.

يدرب الملاكم نفسه حتى متى واجه خصمه في حلقة الملاكمة يستطيع أن يوجه الضربة حسنًا. وإن فشل في التدريب الحسن سيضرب بذراعيه يمُنة ويُسرى كمن يضرب الهواء. عندئذ يصير هدفًا صائبًا من خصمه. هكذا يلزم أن يدرك المؤمن قيمة جسده لهذا لم يرد الرسول أن يكون كمن يضرب الهواء.

كان المشتركون في الألعاب والمسابقات يلتزمون بكامل حريتهم بالامتناع عن بعضهم الأطعمة حتى يتهيئوا للمعركة. فبالأولي من أجل الإكليل السماوي إن يمتنع المؤمن عن أكل ما ذبح للأوثان بكامل حريته واختياره.

أيضُا تنازلات الرسول السابقة ليست بلا هدف، فإن الراكضين في ميدان الرياضة يتعبون جدًا لينال واحد فقط المكافأة؛ أما في ميدان الروح فينزل الكل إلى الميدان ويشتاق اللَّه أن يهب الكل المكافأة [24].

هنا يشير الرسول إلي سباق الجري قصير المدى [24] وحلقة الملاكمة [26، 27]. وكانت السرعة في الجري تحسب أحد الهبات العظمي في حياة الإنسان. عندما رثي داود النبي شاول الملك وابنه ناثان قال عنهم: "أخف من النسور، وأشد من الأسود".

"وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء،

أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاُ يفنى،

وأما نحن فإكليلاً لا يفنى" [25].

يُمنح الفائز في الألعاب الأولمبية إكليلاً من الزيتون، والـ Delphi إكليلاُ من التفاح، والكورنثوسية إكليلاُ من الصنوبر، والـ Nemean إكليلاُ من البقدونس.

ينال الفائزون الإكليل في آخر الدورة في احتفالٍ مهيب مع تهاني الكثيرين وفي جوٍ من الفرح الشديد. وكان الكل يشتاقون أن يروا الفائزين ويهيئونهم. كان الأقرباء والأصدقاء يحملونهم علي أكتافهم لكي يراهم الجميع، ويسكبون دموع الفرح، وكانت الجماهير تهتف وتصفق لهم وتلقي الورود عليهم وكثيرون يزحمون أبواب المدينة وهم قادمون للاشتراك في مواكب النصرة. كما كانت الدولة تقدم لهم هبات مالية وتعفيهم من الضرائب.

يقول سيشترون أن الفائز في الألعاب الأولمبية ليس بأقل من المنتصر في روما.

لاعبوا الرياضة يترقبون إكليلاً زمنيًا، أما العاملون بالروح فينالون إكليلاً أبديًا لا يفنى [25].

 

"إذا أنا اركض هكذا

كأنه ليس عن غير يقين

هكذا أضارب كأني لا اضرب الهواء" [26].

في لعبة Sciamachia يضرب المصارع بيده في الهواء كما لو كان عدوه أمامه. العدو الحقيقي هو إبليس الذي يقاومنا خاصة خلال شهوات الجسد.

اللاعبون يصارعون بلا يقين، فقد يضرب أحد يده كما في الهواء [26] ولا يصيب المصارع معه، أما الروحيون فيصارعون في يقين نعمة اللَّه العاملة فيهم.

من عادة الملاكمين أن يدخلوا الحلبة وقبل بدء الصراع يمارسون الملاكمة في الهواء لتمرين أيديهم أو كنوعٍ من الاستعراض أمام الجماهير. كان هذا يدعي "skiamachia" أو "Sciamachia" أي معركة زائفة أو معركة في الهواء. وقد جاء النص يحمل أيضا معني الضربات التي لا تحقق هدفها إذ يضرب الملاكم في الهواء عندما يفلت منافسه من أمام الضربة. ولعل الرسول بقصد هنا أن صراعه ليس عن تهور ولا بدون خبرة، إنما يعرف كيف يضرب تحت قيادة روح اللَّه القدوس لينال النصرة الأكيدة. روح اللَّه يهب قدرة وحكمة فلا نفشل قط في جهادنا.

"عن غير يقين": لها معان أخرى، فهي تعني الجهالة. فالرسول في سباقه يتحرك ليس في جهالة، إنما عن إدراك لقوانين السباق، ومعرفة للحياة الأبدية والطريق الذي يقود إليها، ويتلمس قوتها.

"بدون مراقبة" تعني أن الرسول يعلم أن كل أعين المشاهدين تتركز علي الذين في السباق تترقب النتيجة, يشتهي الاخوة الكذبة أن يروه قد عرج في الطريق ولم يكمل السباق، ويتمني اليهود والأمم المقاومون للإنجيل أن يروه ساقطًا.

أما الكنيسة الحقيقية فتتطلع إليه في شغف لترى إكليله، وأخيرًا تتطلع إليه عينا اللَّه المترفقتان به، اللتان تسندانه في صراعه.

"بل اقمع جسدي واستعبده

حتى بعدما كرزت للآخرين

لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" [27].

يعرف الرسول بولس عدوه إبليس خير معرفة، وهو قادر بالسيد المسيح أن يضربه لا في الهواء بل بالصليب يحطمه.

المصارعون يبذلون كل الجهد وهم في غير يقين، إذ واحد فقط ينال المكافأة، أما في الجهاد الروحي فإن كل من يجاهد بالرب حتمًا ينال إكليلاً سماويًا في يقين من جهة مواعيد اللَّه الصادقة.

لئلا يظن السامعون أن الرسول يفتخر متكبرًا بسبب تنازلاته لأجل الخدمة وصراعه، يؤكد حرصه الدائم لئلا يهلك بالرغم من نجاح خدمته: "اقمع جسدي وأستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضٍا" [27]... انه لا يدخل معهم في منافسةٍ بل يجاهد حتى مع جسده!

إن كان هكذا يخشى الرسول هلاك نفسه بعد هذا الجهاد الطويل إذ كسب آلاف النفوس للسيد المسيح، فكم بالأكثر يليق بالمؤمنين خاصة الكهنة بكل درجاتهم الكهنوتية والخدام أن يجاهدوا لأجل خلاص أنفسهم وخلاص اخوتهم؟! نجاح الرسول بولس بتأسيسه كنائس جديدة وكسبه للنفوس ونشره للإنجيل ليس شهادة أكيدة لخلاصه، بل يلزمه الجهاد بنعمة اللَّه حتى النفس الأخير. إنه يقدم نفسه مثلاً لنا حتى لا ننخدع ونتهاون معتمدين علي نجاح خدمتنا السابقة أو الحاضرة. فما أخطر أن نقود الآخرين إلي الحياة الأبدية بينما ننحدر نحن نحو الهاوية في موت أبدي!

إن لم تضبط النفس والجسد بروح اللَّه القدوس، حتما يستعبد الجسد النفس. فالجسد خادم صالح للنفس وأن صار سيدًا لها يصير عنيفًا.

كثيرًا ما تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن حرصه الشديد على خلاص نفسه وسط انشغاله بالخدمة وكثيرًا ما حذر الأساقفة من تجاهلهم ذلك.

قبل الالتقاء بالسيد المسيح كان شاول (بولس الرسول) يتكل علي ماضيه كفريسيٍ بارٍ في عيني نفسه وأعين الشعب، بل ويظن أنه بار في عيني اللَّه. أما وقد أختبر الحياة الجديدة المقامة فصار ما يشغله الحاضر، فيسأل نفسه إن كان يسلك الآن كإنسان اللَّه المتمتع بحياة المسيح المقامة، كحياة حاضرة.

في اختصار الأصحاح كله يدور حول "بذل الذات من أجل بنيان النفوس".

+         +            +  

إنجيل القداس ... لوقا 10 : 1 – 20

 

1 و بعد ذلك عين الرب سبعين اخرين ايضا و ارسلهم اثنين اثنين امام وجهه الى كل مدينة و موضع حيث كان هو مزمعا ان ياتي
2 فقال لهم ان الحصاد كثير و لكن الفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد ان يرسل فعلة الى حصاده
3 اذهبوا ها انا ارسلكم مثل حملان بين ذئاب
4 لا تحملوا كيسا و لا مزودا و لا احذية و لا تسلموا على احد في الطريق
5 و اي بيت دخلتموه فقولوا اولا سلام لهذا البيت
6 فان كان هناك ابن السلام يحل سلامكم عليه و الا فيرجع اليكم
7 و اقيموا في ذلك البيت اكلين و شاربين مما عندهم لان الفاعل مستحق اجرته لا تنتقلوا من بيت الى بيت
8 و اية مدينة دخلتموها و قبلوكم فكلوا مما يقدم لكم
9 و اشفوا المرضى الذين فيها و قولوا لهم قد اقترب منكم ملكوت الله
10 و اية مدينة دخلتموها و لم يقبلوكم فاخرجوا الى شوارعها و قولوا
11 حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم و لكن اعلموا هذا انه قد اقترب منكم ملكوت الله
12 و اقول لكم انه يكون لسدوم في ذلك اليوم حالة اكثر احتمالا مما لتلك المدينة
13 ويل لك يا كورزين ويل لك يا بيت صيدا لانه لو صنعت في صور و صيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديما جالستين في المسوح و الرماد
14 و لكن صور و صيدا يكون لهما في الدين حالة اكثر احتمالا مما لكما
15 و انت يا كفرناحوم المرتفعة الى السماء ستهبطين الى الهاوية
16 الذي يسمع منكم يسمع مني و الذي يرذلكم يرذلني و الذي يرذلني يرذل الذي ارسلني
17 فرجع السبعون بفرح قائلين يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك
18 فقال لهم رايت الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء
19 ها انا اعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات و العقارب و كل قوة العدو و لا يضركم شيء
20 و لكن لا تفرحوا بهذا ان الارواح تخضع لكم بل افرحوا بالحري ان اسماءكم كتبت في السماوات

 

الإرساليَّة الثانية

إن كانت الإرساليَّة الأولى الخاصة بالإثنى عشر تلميذًا تمثِّل خدمة اليهود فإن الإرساليَّة الثانية الخاصة بالسبعين رسولاً تمثِّل خدمة الأمم. فإن ربَّنا يسوع المسيح يرسل لليهود كما للأمم طالبًا صداقتهم بلا تمييز. ولهذا السبب نرى السيِّد المسيح متهلِّلاً بالروح من أجل تمتَّع البسطاء بنعمة المعرفة، أيَّا كان جنس هؤلاء البسطاء، كما يقدِّم لنا مثَل السامري الصالح ليعلن عن مفهوم الأخوة للبشريَّة كلها، كما يقدِّم لنا قصَّة مرثا ومريم ليكشف لنا عن قبوله كل خدمةٍ وعبادةٍ!

 

1. تعيين السبعين رسولاً وكرازتهم

في الإرساليَّة الأولى كانت وصيَّة السيِّد المسيح للاثنى عشر: "إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريِّين لا تدخلوا، بل اذهبوا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (مت 10: 5)، أما للسبعين فجاءت الوصيَّة بالكرازة غير محصورة في شعب معيَّن أو أُمَّة خاصة، إذ قال: "وأيَّة مدينة دخلتموها وقبلوكم فكُلوا ممَّا يقدَّم لكم، واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد اِقترب منكم ملكوت الله" (لو 9: 8). وقد جاءت الكلمات: "كُلوا مما يقدَّم لكم" تعني أنهم لا يستنكفون من الطعام الذي يقدِّمه الأمميُّون ولا يخشون من التنجُّس حسب ما جاء في الشريعة الموسويَّة، ليأكُلوا ما يقدِّمه هؤلاء الأمم حتى يستطيعوا باتساع فكرهم أن يقدِّموا لهم كلمة الكرازة بالملكوت بلا عائق، فإنه ليس وقت للأطعمة المحلَّلة والمُحرَّمة، إنما لسحب النفوس من الهلاك الأبدي.

كانت الإرساليَّة الثانية في الغالب تمثِّل الكرازة للأمم، فمن المعروف أن سكان بيريَّة التي ذهب إليها السيِّد المسيح بعد الجليل هم أمميُّون، ولعلَّ الإنجيلي لوقا نفسه كان من بين هؤلاء السبعين رسولاً.

على أي الأحوال إذ كتب متَّى البشير - وهو من الاثنى عشر- لليهود لم يَشِر إلى هذه الإرساليَّة، بينما لوقا البشير وهو يكتب للأمم يُشير إليها.

إن كان الاثنا عشر يمثِّلون الاثنى عشر نبعًا، فإن السبعين يمثِّلون السبعين نخلة في إيليم الجديدة (خر 15: 27). إن كان الاثنا عشر يقابلون الأسباط الاثنى عشر فإن السبعين يقابلون السبعين شيخًا الذين اِختارهم موسى (عد 11: 16-25) أو السبعين عضوًا في مجمع السنهدرين.

لعلَّه اِختار السبعين رسولاً قُبيل عيد المظال حيث كان اليهود يقدِّمون 70 ذبيحة... كأنه أراد أن يقدِّم للعالم عيدًا جديدًا، فيه يقدِّم الرسل كذبائح حيَّة مقدَّسة مرضيَّة عند الله (رو 12: 1)، على مذبح الحب خلال الكرازة في العالم كله.

ويلاحظ في هذه الإرساليَّة الآتي:

أولاً: "وبعد ذلك عيَّن الرب سبعين آخرين أيضًا وأرسلهم اثنين اثنين أمام وجهِه إلى كل مدينة وموضوع حيث كان هو مزمعًا أن يأتي" [1].

يرى بعض الآباء مثل القدِّيس أمبروسيوس أن عدد الرسل اثنان وسبعون وأن الإنجيلي ذكر الرقم الدائري. وقد أرسلهم اثنين اثنين كما سبق فأرسل الإثنى عشر (مر 6: 7)، إذ "اثنان خيْر من واحد، لأن لهما أجرة لتعبهما صالحة، لأنه إن وقع أحدهما يقيمه رفيقه، وويل لمن هو وحده، إن وقع إذ ليس ثانٍ ليُقيمه" (جا 4: 9-10). وكما قال القدِّيس أغسطينوس إن رقم 2 يشير إلى الحب لله والناس، وكأن إرساليَّته لم تكن كرازة كلام ووعظ فحسب بل كرازة حب وشركة مع الله والناس.

أرسلهم أمام وجهُه، ليكونوا ممهَّدين له في الطريق، ولكي يعملوا أمامه، فيكونوا تحت رعايته فيما هم يرعون الآخرين!

ثانيًا: أكَّد لهم أن الكرازة هي من صميم عمله هو. فهو الذي عينهم، وهو الذي يسندهم بإرسال فعله يعملون معه لحساب حصاده، إذ يقول:

 "الحصاد كثير والفَعَلة قليلون، فاُطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فَعَلة إلى حصاده" [2]...

 وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [الرب نفسه هو الذي يبذر، إذ كان (قاطنًا) في الرسل، وهو أيضًا الذي يحصد، فبدونه يحسبون كلا شيء... إذ يقول: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5).]

ثالثًا: جاءت وصيَّته لهم: "ها أنا أُرسلكم مثْل حِملان بين ذئاب" [3]،

 تكشف عن أنه هو المرسل "أنا أرسلكم". لذا فهو العامل فيهم والمسئول عنهم، وأن إرساليَّته ليست بالمهمَّة السهلة طريقها مفروش بالورود، إنما هي إرساليَّة قلَّة من الحملان تُلقي بين ذئاب. وكما يقول القدِّيس أغسطينوس إن الذئاب تلتهم الحملان فتتحوَّل الذئاب إلى حملان. إنها ليست إرساليَّة لافتراس رُسله، وإنما لتحويل الذئاب إلى حملان، خلال وداعة حملانه أي رسله. وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [أنه فوق كل شيء يعرف طبيعة الأشياء: أن الشراسة لا تُطفأ بالشراسة وإنما باللطف.]

يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على هذه الوصيَّة، قائلاً: [لا يخشى الراعي الصالح على رعيَّته من الذئاب، لذا أرسل تلاميذه لا ليكونوا فريسة وإنما ليكرزوا بالنعمة. عناية الراعي الصالح لا تسمح للذئاب القيام بأي عمل ضد خرافه، إنما يرسل الخراف وسط الذئاب لتتم هذه الكلمة: "ويرعى الذئب مع الحمل" (إش 65: 27).]

إن كان كلمة الله صار حَملاً لأجلنا، فقد قيل عنه بلسان القدِّيس يوحنا المعمدان: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيَّة العالم" (يو 1: 29)، ووصفه القدِّيس يوحنا اللاهوتي: "لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حيَّة، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" (رؤ 7: 17)، فلا عجب أن يجعل من كنيسته قطيعًا صغيرًا يُسر الآب أن يعطيهم الملكوت (لو 12: 32). فإن كان حَمَل الله أقامنا حِملان لنحمل سماته فينا، فإنه هو مرسل الحِملان، والآب يُسر أن يهبهم ملكوته الأبدي.

رابعًا: "لا تحملوا كيسًا ولا مزودًا ولا أحذية" [4].

 سبق فقدَّم مثْل هذه الوصيَّة للاثنى عشر تلميذًا، وقد قدَّمنا لبعض الآباء تعليقات عليها (لو 9: 3؛ مت 10: 9؛ مر 6: 8)، موضِّحًا أنها لا تحمل حرمانًا، إذ قدَّم نفسه مصدر شبع لهم قبل أن يسألهم التخلِّي عن هذه الأمور الزمنيَّة، نضيف إليها التعليقات التالية:

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لكي نتجنَّب الذئاب يوصينا الرب: لا تحملوا مزودًا ولا أحذية، ويعني بالمزود ألا نحمل فضَّة ولا مالاً (مت 10: 9). إن كان الرب يمنعك عن حمل الذهب فماذا يكون إن كنت تسلبه وتسرقه؟ إن كان قد أوصاك أن تُعطي مالك، فكيف تُكدِّس ما هو ليس لك؟ أنت الذي تكرز ألا يُسرق أتسرق؟ الذي تقول أن لا يزني أتزني؟ الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل؟ الذي تفتخر بالناموس أبِتعدِّي الناموس تهين الله؟ لأن اسم الله يُجدَّف عليه بسببكم (رو 2: 21-24). كان الرسول بطرس أول من نفَّذ وصيَّة الرب موضحًا أن وصيَّة الرب لم تُعط باطلاً، فعندما طلب منه الفقير صدقة، قال: "ليس لي فضَّة أو ذهب" (أع 3: 6)؛ أنه يفتخر بأنه ليس له فضة أو ذهب، وأنت تخجل لأنك لا تملك ما تشتهيه ؟... كأنه يقول للفقير: أنك تراني تلميذًا للرب وتطلب منِّي ذهبًا، لقد وهبني أشياء أخرى أثْمَن من الذهب إيَّاك أُعطي: "باِسم يسوع الناصري قم وامش.]

يكمل القدِّيس حديثه: [لا كيسًا ولا مزودًا"؛ عادة يُصنع الاثنان من جلد الحيوانات الميِّتة، والرب يسوع لا يريد لنا شيئًا ميِّتًا، لهذا يقول لموسى: "اِخلع نعْليْك لأن الموضع الذي أنت فيه مقدَّس" (خر 3: 5)، أمَرَه أن يخلع عنه نعليّ الموت والأمور الأرضيَّة في اللحظة التي أرسله فيها ليُنقذ الشعب. فالخادم الذي وضع على عاتقه هذا العمل ينبغي ألاَّ يخشى شيئًا (الموت أو الأرضيَّات)، فلا يتراجع عن رسالته التي استلمها خوفًا من الموت... فقد سبق فهرب موسى من رسالته خوفًا من الموت وهرب إلى أرض مِديان، وقد عرف الرب نيَّته، ورأى ضعفه، لذا رأى أن يحرَّر روحه ونفسه من الارتباطات المائتة.]

يقول القدِّيس أغسطينوس: [ماذا يعني: لا تحملوا كيسًا؟ أي لا تكونوا حكماء بذواتكم بل اقبلوا الروح القدس، فيكون فيكم ينبوعًا لا كيسًا، منه تُنفقون على الآخرين دون أن ينضب، وهكذا أيضًا بالنسبة للمزود.] [ما هي الأحذية؟ نستخدم الأحذية من جلد الحيوانات الميِّتة فتغطِّي أقدامنا. لهذا يأمرنا أن نجحد الأعمال الميِّتة. هذا هو ما أوُصى به موسى كما في رمز، عندما تحدَّث مع الرب: "اخلع حذاءك من رجليْك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدَّسة" (خر 3: 5). ما هو الموضع المقدَّس مثل كنيسة الله؟! لنقف فيها، لنخلع أحذيتنا، لنمجِّد أعمالنا الميِّتة.]

يرى العلامة أوريجينوس أن خلع الأحذية يُشير إلى ترك الجلود الميِّتة التي منها تصنع الأحذية والطبول، فلا نطلب الأمور الميِّتة ولا نهتم بالمظاهر الخارجيَّة كالطبول التي تعطي صوتًا عاليًا بلا عمل.

ويرى القدِّيس إكليمنضس السكندري أن الأحذية هنا تُشير إلى الارتباك بكثرة الخيل والعبيد الحاملين لمَتاع الغني في رحلاته المستمرَّة، وكأنها في عينيه أشبه بأحذية تحمل جسده وممتلكاته.

خامسًا: "ولا تسلِّموا على أحد في الطريق" [4]. يقصد بذلك ألا يرتبك الكارز بالمجاملات الكثيرة التي بلا هدف روحي.

يقول القدِّيس أغسطينوس: [لا يؤخذ هذا بالمعنى الجسدي؛ وبذلك فهو لا يقصد كيسًا ولا أحذية ولا مزودًا، وفوق هذا كله لو أننا مارسنا ببساطة في غير فحص ألا نقول لأحد سلام في الطريق نسقط في الكبرياء.] [يمكننا ببساطة أن نفهم ذلك بمعنى أن نتمِّم ما أمَرَنا به بسرعة... وكأنه يقول: "اترك كل الأمور الأخرى حتى تتمِّم ما قد أُمِرت به".]

يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على هذه الوصيَّة بأن السيِّد لم يمنعنا من تحيَّة السلام، إنما من تقديمها في الطريق، بمعنى ألا تكون معطَّلة للعمل، وذلك كما أمر إليشع النبي خادمه (2 مل 4: 29) لكي يُسرع ويتمِّم الأمر، [المراد بهذا الأمر لا منع السلام بل إزالة العقبات. السلام عادة جميلة، لكن إتمام الأعمال الإلهيَّة أجمل، وهي تستلزم السرعة، تأخيرها غالبًا ما يجلب عدم الرضا.]

سادسًا: "عدم الانتقال من بيت إلى بيت" [5-7]،

 فقد أراد أن ينزع عنهم مظاهر الكتبة والفرِّيسيِّين في ذلك الحين حيث كانوا يقضون جل وقتهم في الولائم لتكريمهم، ومن جانب آخر أراد لهم أن يشعروا في البيت الذي يقيمون فيه أنهم أعضاء في ذات الأسرة. (راجع تفسير لو 9: 4).

سابعًا: بقيَّة الحديث سبق لنا تفسيره... يمكن الرجوع إليه، فمن جهة نفض الغبار الذي لصق بأرجلهم بالنسبة لرافضيهم يشير إلى رفض كل ما التصق بهم منهم كترابٍ لا يستحق إلا نفضِه تحت الأقدام (راجع تفسير مر 6: 11). وأيضًا من جهة سدوم، فإنها لن تُعاقب بذات العقاب المُر الذي يسقط تحته كورزين وبيت صيدا.. لأن الغرباء لا يعاقبون مثل المقرَّبين، والذين يعرفون أقل تكون دينونتهم أقل.

يُعلِّق القدِّيس أغسطينوس على كلمات السيِّد هنا: "الذي يسمع منكم يسمع منِّي، والذي يرذُلكم يُرذِلني، والذي يُرذلُني يُرذل الذي أرسلني" [16]،

قائلاً: [جاء (السيِّد) في أشخاص تلاميذه، فيتكلَّم معنا بواسطتهم. أنه حاضر فيهم. بواسطة كنيسته يأتي، وبواسطتها يتحدَّث مع الأمم. في هذا نشير إلى الكلمات التي نطق بها: "من يقبلكم يقبلُني" (مت 10: 40)... ويقول الرسول بولس: "برهان المسيح المتكلِّم فيّ" (2 كو 13: 3) .]

ثامنًا: "فرجع السبعون بفرح قائلين: يا رب حتى الشيَّاطين تخضع لنا باسمك.

فقال لهم: رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء.

ها أنا أُعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدُو ولا يضرُّكم شيء.

ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم،

بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كتبت في السماوات" [17-20].

فرح الرسل إذ رأوا الشيطان ينهار أمام الإنسان خلال الكرازة بالملكوت، وقد أكَّد السيِّد المسيح اِنهيار الشيطان الذي صار بالصليب ساقطًا من السماء كالبرق، كما أكَّد سلطان الإنسان بالصليب. لكن ما يفرحنا ليس اِنهيار العدو ولا القدرة على صنع المعجزات بل تمتُعنا بالملكوت السماوي خلال الحياة الفاضلة التي ننالها بنعمة الله. وكما يقول القدِّيس أنطونيوس: إننا نفرح بكتابة أسمائنا في ملكوت السماوات إشارة إلى الحياة الفاضلة (في الرب)، أما إخراج الشيَّاطين فهي موهبة من الرب يمكن أن يتمتَّع بها إنسان منحرف فيهلك.

+ الآن يا أحبائي قد ذبح الشيطان، ذاك الطاغية الذي هو ضد العالم كله... لا يعود يملك الموت بل تتسلَّط الحياة عوض الموت، إذ يقول الرب: "أنا هو الحياة" (يو 14: 6)، حتى امتلأ كل شيء بالفرح والسعادة، كما هو مكتوب: "الرب قد ملك فلتفرح الأرض"... الآن إذ بطل الموت، وتهدَّمت مملكة الشيطان، امتلأ الكل فرحًا وسعادة!

القدِّيس أثناسيوس الرسولي

+ نال الشيطان سلطانًا على الإنسان خلال الارتداد، هذا السلطان يُفقد برجوع الإنسان مرَّة أخرى إلى الله.

+ خلال الآلام صعد الرب إلى العُلى وسبى سبيًا، وأعطى الناس عطايا (مز 68: 18؛ أف 4: 8)، ووهب الذين يؤمنون به سلطانًا أن يدوسوا على الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدو، أي سلطان على قائد الارتداد.

القدِّيس إيريناؤس

+ أيّ انحطاط أكثر من الشيطان الذي انتفخ؟ وأيّ علو للإنسان الذي يريد أن يتواضع؟ صار الأول يزحف على الأرض تحت أقدامنا، وارتفع الثاني مع الملائكة في العُلى.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ [يُعلِّق على ضرورة فرحنا كأعضاء في ملكوت السماوات، أو أعضاء في الجسد، وليس لأنه قد صار لنا السلطان على العدو.]

خير لك أن تكون إصبعًا في الجسد عن أن تكون عينًا خارج الجسد!

القدِّيس أغسطينوس

+ مجيئه (المسيح) قد سكب على البشريَّة عطيَّة عظمى للنعمة الأبويَّة.

القدِّيس ايريناؤس

+ لما كان من الضروري تحطيم رؤوس التنِّين نزل السيِّد في المياه وربط القوي (مت 12: 29)، لكي يولينا سلطانًا ندوس به على الحيَّات والعقارب (لو 10: 19).

إنه ليس وحشًا صغيرًا، فمنظره كافٍ لإثارة الرعب، ولا يستطيع أي قارب صيد أن يقاوم ضربة واحدة من ذيله، وأمامه يعدو الهول، وهو يسحق كل الذين يقتربون منه (أي 41: 13).

لقد أقبلت الحياة لتُكَمِّم الموت، حتى نستطيع نحن المخلَّصون جميعًا أن نقول: "أين شوكَتَك يا موت؟ وأين ظفْرك يا جحيم؟" (1 كو 15: 55)، فبالعماد سُحِقت شوكة الموت.

القدِّيس كيرلس الأورشليمي

+ [تحذير السيِّد المسيح من فرح التلاميذ بسلطانهم على الشيطان وعمل الآيات وتوجيههم للفرح بالتمتُّع بملكوت السماوات.]

يحذِّرهم ذلك الذي وهبهم بنفسه هذا السلطان لصُنع المعجزات والأعمال العجيبة لئلاَّ ينتفخوا...

لا نطلب أن تخضع لنا الشيَّاطين بل بالحري أن نَملك ملامح الحب التي يصفها الرسول...

+ لا يتحقَّق هذا بقوَّتهم وإنما بقوَّة الاسم الذي يستخدمونه، لهذا حذَّرهم من أن ينسبوا لأنفسهم أي تطويبٍ أو مجدٍ من هذه الجهة، إذ يتحقَّق هذا بسلطان الله وقدرته، أما النقاوة الداخليَّة التي تخص حياتهم وقلوبهم، فبسببها تُكتب أسمائهم في السماء.

الأب نسطوريوس

+           +              +

 

 

 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt