طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات  يوم  3 بؤونة

 

عشية

باكر

القــــداس

مز 89 : 19 – 21

مت 10 : 34 – 42

مز 132 : 9 ، 10 ، 17 ، 18

لو 6 : 17 – 23

عب 7 : 18

- 8 : 13

3 يو 1

1 - 15

أع 15 :  36

- 16 : 5

 

مز 99 : 6 – 7

يو 16 : 20 – 33

 

إنجيل القداس ... يوحنا 16 : 20 – 33

 

20 الحق الحق اقول لكم انكم ستبكون و تنوحون و العالم يفرح انتم ستحزنون و لكن حزنكم يتحول الى فرح
21 المراة و هي تلد تحزن لان ساعتها قد جاءت و لكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لانه قد ولد انسان في العالم
22 فانتم كذلك عندكم الان حزن و لكني ساراكم ايضا فتفرح قلوبكم و لا ينزع احد فرحكم منكم
23 و في ذلك اليوم لا تسالونني شيئا الحق الحق اقول لكم ان كل ما طلبتم من الاب باسمي يعطيكم
24 الى الان لم تطلبوا شيئا باسمي اطلبوا تاخذوا ليكون فرحكم كاملا
25 قد كلمتكم بهذا بامثال و لكن تاتي ساعة حين لا اكلمكم ايضا بامثال بل اخبركم عن الاب علانية
26 في ذلك اليوم تطلبون باسمي و لست اقول لكم اني انا اسال الاب من اجلكم
27 لان الاب نفسه يحبكم لانكم قد احببتموني و امنتم اني من عند الله خرجت
28 خرجت من عند الاب و قد اتيت الى العالم و ايضا اترك العالم و اذهب الى الاب
29 قال له تلاميذه هوذا الان تتكلم علانية و لست تقول مثلا واحدا
30 الان نعلم انك عالم بكل شيء و لست تحتاج ان يسالك احد لهذا نؤمن انك من الله خرجت
31 اجابهم يسوع الان تؤمنون
32 هوذا تاتي ساعة و قد اتت الان تتفرقون فيها كل واحد الى خاصته و تتركونني وحدي و انا لست وحدي لان الاب معي
33 قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام في العالم سيكون لكم ضيق و لكن ثقوا انا قد غلبت العالم

 

 

 

"الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون، والعالم يفرح.

أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلى فرحٍ". (20)

إذ لم يستطع التلاميذ أن يدركوا ما يقوله حدثهم بصراحة أنهم سيحزنون بسبب آلامه وصلبه وموته. لقد عرف أنهم مشتاقون إلى المعرفة لذلك شرح لهم الأمر. لم يخبرهم في تفاصيل، إنما أخبرهم بما سيحل بهم، ويمس مشاعرهم من حزن ثم فرح. لم يحدثهم بأكثر من هذا حتى لا يزداد ارتباكهم، إنما أكد أن ذلك يؤول إلى فرحهم وإلى تمتعهم بميلاد جديد.

يجد الأشرار فرحهم ومسرتهم في حزن القديسين وآلامهم، بينما يجد المؤمن مسرته في مشاركة المتألمين، حاسبًا آلام كل إنسان كأنها آلامه الشخصية.

+ أراهم أن بعد الحزن يكون الفرح، وأن الحزن يولد السرور، وأنه لمدة قصيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يُفهم من ذلك بأن التلاميذ قد أُلقوا في حزن على موت الرب، وفي الحال امتلأوا فرحًا بقيامته. أما العالم الذي يعني به الأعداء الذين قتلوا المسيح، فكانوا حتمًا في نشوة من الفرح بقتل المسيح في الوقت نفسه الذي كان فيه التلاميذ في حزنٍ.

القديس أغسطينوس

"المرأة وهي تلد تحزن،لأن ساعتها قد جاءت.

ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح،

لأنه قد وُلد إنسان في العالم". (21)

لم يعدهم بنزع الضيقات، لكنه وعدهم بتقديم فهم جديد للألم، إذ يجعله كألم المخاض، الذي يليه ولادة طفلٍ، فيحتل الفرح موضع الألم.

+ ما يقوله هو من هذا النوع: "ستحل بكم آلام الطلق، ولكن أوجاع الولادة المفاجئة تسبب لكم فرحًا". كلاهما يثبتان كلماته بخصوص القيامة، ويظهر أن الرحيل هو أشبه بعبور من الرحم إلى نور النهار. حتى الأم لكي تصير أمًا تعبر كما في حزن. هنا أيضًا يطبق أمرًا باطنيًا، إذ تحل أوجاع طلقات الموت التالي لتأتي بإنسانٍ جديد ناتج عنها. إنه لم يقل فقط أن الحزن يعبر، بل ولا تعود تذكره. يا لعظم الفرح الذي يتبعه! هذا ما سيكون مع القديسين... هنا لا يقول إن طفلاً يولد بل "إنسان". بالنسبة له إنه يلتصق هنا بقيامته، وأنه لا يًلد بطلقات الموت بل يُولد للملكوت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

"فأنتم كذلك عندكم الآن حزن،

ولكني سأراكم أيضًا، فتفرح قلوبكم،

ولا ينزع أحد فرحكم منكم". (22)

إن كنا نتمتع بكمال الفرح في الأبدية غير أننا ننال عربونه هنا، فنحيا في فرحٍ داخليٍ لا ينقطع (٢ كو ٦: ١٠). سرعان ما يتحول فرح العالم بمسراته ومباهجه إلى حزنٍ، لأنه عالم متقلب على الدوام. وسرعان ما يتحول الحزن الروحي إلى فرحٍ دائمٍ، لأنه فرح المسيح غير متغير. يقدم السبب لفرحنا الذي لا يُنزع منا، وهو رؤيته لنا أو ظهوره لنا، يرانا أعضاء جسمه ونراه رأسنا. فإنه يبدو كمن قد تركنا لحيظة ليعود فيجمعنا بمراحمه العظيمة وغنى نعمته (إش ٥٤: ٧).

عودته هي عودة للفرح إلى القلب، يعود كمصدر حقيقي للفرح الداخلي الدائم، وشبع للنفس. هذا الفرح لا يستطيع أحد ولا تستطيع الأحداث أن تنزعه عنا، إذ لا تقدر أن تغتصب النفس من مخلصها، ولا أن تسحبها من محبة المسيح لها.

+ "لا ينزع أحد فرحكم منكم" (٢٢)، لأن فرحهم هو يسوع نفسه.

القديس أغسطينوس

+ ذكر هذا المثل ليوضح أن الحزن وقتي، وأن السرور دائم ثابت، وأن الفائدة من المخاض عظيمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

استجابة صلواتهم

أما السبب الثاني لفرحهم الدائم أنه إذ يُظهر المسيح نفسه لهم ويراهم، يرتبطون بالآب فيطلبون باسم المسيح فينالوا مهما كانت طلبتهم.

يعاتبهم أنهم لم يطلبوا شيئًا بعد باسمه لكي يكون فرحهم كاملاً. وماذا يطلبون إلاَّ سكنى الثالوث القدوس فيهم؟!

"وفي ذلك اليوم لا تسألونني شيئًا.

الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم". (23)

لا يحتاجون بعد أن يطلبوا شيئًا بعد ظهور السيد المسيح لهم، إذ فيه كل الكفاية. هكذا يتجلى السيد المسيح القائم من الأموات في القلب فيشبع كل احتياجاته، ولا يدعه معوزًا شيئًا. لا يطلبون شيئًا، لأن الروح القدس يهبهم كل الحق، ويقودهم فيه، فيتمتعون بملكوت المسيح.

+ فإن قلت: وما معني قول السيد المسيح: "إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم"؟ أجبتك: أي أنهم لا يحتاجون وسيطًا، لكن إذا ذكروا اسمه فقط يجازيهم بأن يأخذوا جميع مطالبهم، وبذلك أراهم قوة اسمه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ الكنيسة في الوقت الحاضر في حالة مخاض تشتهي تلك الثمرة التي لتعبها، لكنها عندئذ ستلد تأملاً واقعيًا. الآن تتمخض لتلد في أنين، عندئذ تلد في فرح. الآن تلد خلال صلواتها، عندئذ تلد بتسابيحها.

+ الرب غير متوانٍ بخصوص وعده، بعد قليل سنراه، حيث لا نعود نسأل شيئًا... إذ لا يوجد شيء نشتهيه، ولا يوجد شيء مخفي نسأل عنه. هذا القليل يبدو لنا طويلاً، لأنه لا يزال مستمرًا وسينتهي، عندئذ نشعر كم كان هذا الوقت قليلاً.

+ في العالم المقبل إذ نبلغ الملكوت حيث نصير مثله، إذ نراه كما هو (١ يو ٣: ٢)، ماذا عندئذ نطلب، إذ ستتحقق كل رغبتنا بالصالحات (مز ١٠٣: ٥)؟ وكما يُقال في مزمورٍ آخر: "سأشبع عندما يُعلن مجدك" (مز ١٧: ١٥). فإن الطلبة تُمارس بسبب نوع من الاحتياج، الأمر الذي لا موضع له حيث يسود الفيض.

القديس أغسطينوس

"إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي.

أطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملاً". (24)

إلى تلك اللحظات لم يطلبوا شيئًا، لكن متى جاء ذاك فهو يعلمهم الصلاة فيطلبوا الاتحاد مع الله الآب بالابن الوحيد الجنس في الروح القدس.

v يعرف الرب يسوع كيف أن نفس الإنسان، أي الذهن العاقل الذي خُلق على صورته، لا تقدر أن تشبع إلاَّ به وحده...

يعرف أنه قد أُظهر وأنه مخفي. يعرف أن فيه قد أُعلن ما هو مخفي. يعرف هذا كله. يقول المزمور: "يا لعظم فيض عذوبتك يا رب، التي أخفيتها للذين يخافونك، التي تصنعها للذين يترجونك" (مز ٣٠ : ٢٠).

عذوبتك عظيمة ومتعددة أخفيتها للذين يخافونك...

فلمن تفتحها؟ للذين يترجونك.

سؤال بجانبين قد أُثير، لكن كل جانب يحل الآخر...

هل الذين يخافون والذين يترجون مختلفون؟

أليس الذين يخافون الله هم يترجونه؟...

للناموس الخوف، وللنعمة الرجاء... الناموس ينذر من يتكل على ذاته، والنعمة تعين من يثق في الله... نحن نسمع الناموس. فإن لم توجد نعمة، تسمع العقوبة التي تحل بك... لتصرخ: "ويحي أنا الإنسان الشقي!" (رو ٧: ٢٤). لتعرف نفسك أنك منهزم، لتكن قوتك في خزي ولتقل: "ويحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من هذا الجسد المائت؟"... هكذا ينذر الناموس من يعتمد على ذاته.

أنظر هوذا إنسان يعتمد على ذاته، يحاول أن يجاهد، إنه منبطح ومُستعبد وأُخذ أسيرًا. من تعلم أن يعتمد على الله، وقد بقي الناموس ينذره ألا يعتمد على ذاته، الآن تسنده النعمة. إذ يعتمد على الله. في هذه الثقة يقول: "من ينقذني من جسد هذا الموت؟ نعمة الله بيسوع المسيح ربنا" (رو ٧ : ٢٤ - ٢٥ Vulgate).

الآن أنظر إلى العذوبة، تذوقها، تلذذ بها. اسمع المزمور: "ذوقوا وانظروا ما أعذب الرب" (مز ٣٤ : ל Vulgate). يصير عذبًا لك، إذ ينقذك.

كنت في مرارة ذاتك، عندما اعتمدت عليها. لتشرب العذوبة، ولتتقبل غيرة الفيض العظيم هكذا.

+ ما تسألونه يُحسب كلا شيء بالنسبة لما أريد أن أعطيكم. لأنه ماذا سألتم باسمي؟ أن تخضع الشياطين لكم. لا تفرحوا بهذا، فإن ما قد سألتموه هو لا شيء، فلو كان ذلك شيئًا لكان يسألهم أن يفرحوا...

"لكي يكون فرحكم كاملاً"، أي اسألوا ما يشبعكم.

عندما تسألون أمورًا زمنية لا تسألون شيئًا. "من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا" (يو ٤: ١٣)...

اسألوا ما يشبعكم!

تحدثوا بلغة فيلبس: "يا رب أرنا الآب وكفانا" (يو ١٤: ל). قال له الرب: أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني؟ من رآني يا فيلبس، فقد رأى الآب أيضًا" (يو ١٤: 9 Vulgate).

قدم تشكرات للمسيح الذي صار ضعيفًا لأجلكم لأنكم ضعفاء، ولتكن رغباتكم معدة للاهوت المسيح لكي تشبع بها.

+ قوله: "كل ما طلبتم" يجب ألا يُفهم أنه أي طلب كان، بل أي شيء يكون بالحقيقة له علاقة بالحياة المطوَّبة.

وما جاء بعد ذلك: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي" (٢٤) يُفهم بطريقتين: إما أنكم لم تطلبوا باسمي، إذ لم تعرفوا اسمي بعد كما يجب، أو أنكم لم تطلبوا شيئًا، إن قورن بما يجب أن تطلبوه، فما تطلبونه يُحسب كلا شيء.

القديس أغسطينوس

"قد كلمتكم بهذا بأمثالٍ،

ولكن تأتي ساعة حين لا أكلمكم أيضًا بأمثالٍ،

بل أخبركم عن الآب علانية". (25)

إنه يقدم لنا معرفة عظيمة عن الآب، لنلتمس فيه أبوته، وندخل إلى أسراره، ونتأمل مجده الفائق. لن يكون الآب غريبًا عنا، وهذا ما يجعل فرحنا كاملاً.

مع كل ما شرحه لهم يحسب أنه لم يكشف لهم كل الأسرار الإلهية، لأنهم لم يكونوا بعد يحتملونها. إنه يكلمهم بأمثالٍ وليس علانية. أما بعد قيامته وصعوده وحلول الروح القدس عليهم فأخبرهم عن الأسرار علانية.

+ كأن السيد المسيح يقول لهم: عند قيامتي ستعرفون أقوالي كلها معرفة واضحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس أغسطينوس أن "الساعة" هنا تعني المستقبل، حين نرى الله وجهًا لوجه. وكما يقول القديس بولس: "فإننا ننظر الآن في مرآة في لغزٍ، لكن حينئذ وجهًا لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عُرفتُ" (١ كو ١٣: ١٢).

 

"في ذلك اليوم تطلبون باسمي،

ولست أقول لكم إني أنا أسأل الآب من أجلكم". (26)

كأنه يقول لا توجد حاجة أن أخبركم إنني لن أكف عن أن أقدمكم خلال دمي المسفوك عنكم لدى الآب، فإن حبي لكم لن يتوقف، وحب الآب لكم لن ينتهي.

+ كيف لا يسأل الابن الآب، بل الآب والابن ينصتان إلى من يسألهما! هذا الأمر عالٍ لا يقدر أحد أن يبلغه إلا بعين الذهن الروحية.

القديس أغسطينوس

 

"لأن الآب نفسه يحبكم،

لأنكم قد أحببتموني،

وآمنتم إني من عند الله خرجت". (27)

سرّ حب الآب للمؤمنين هو أن إيمانهم عامل بالمحبة (غلا ٥: ٦). بحبهم للابن يتمتعون بحب الآب لهم. بهذا يتمتع المؤمنون بالدالة لدى الآب، فيطلبون لا في خوف، وإنما بدالة الحب التي لهم لدى أبيهم السماوي المحب لأبنائه.

+ علة حبنا أننا محبوبون (من الله). بالتأكيد أن نحب الله، فهذه عطية إلهية. إنه هو الذي أعطانا النعمة أن نحبه، أحبنا بينما كنا نحن لا نحبه. حتى عندما كنا لا نسره كنا محبوبين منه، لعلنا نصير موضوع سروره في عينيه. فإننا ما كنا نقدر أن نحب الابن ما لم نحب الآب أيضًا. الآب يحبنا، لأننا نحب الابن، متطلعين إلى أن نتسلم من الآب والابن القدرة أن نحب كلاً من الآب والابن، لأن المحبة تنسكب في قلوبنا بروح الاثنين (رو ٥: ٥). بالروح نحب كلاً من الآب والابن الذي نحبه مع الآب والابن. إذن الله هو الذي يعمل هذا الحب التقوي الذي لنا، وبه نعبد الله. وقد رأى أنه صالح، وعلى هذا الأساس هو نفسه أحب ما قد عمله فينا. لكنه ما كان يعمل فينا لو لم يحبنا أن يعمل فينا.

القديس أغسطينوس

 

صعوده إلى السماء

خرجت من عند الآب،

وقد أتيت إلى العالم،

وأيضًا أترك العالم،

وأذهب إلى الآب". (28)

هنا يحدثهم علانية عن تجسده الذي انتهى به إلى صعوده لكي يحمل البشرية المؤمنة معه. هذا هو سرّ حبه، أنه ظهر في الجسد، وحملنا إلى المجد.

لقد جاء من عند الآب الذي كرسه لهذا العالم وختمه، ونزل إلى عالمنا في تواضعٍ عجيبٍ وحبٍ إلهيٍ فائقٍ. ثم عاد فترك العالم بالجسد، وعاد بصعوده إلى الآب. هذا هو سرّ الإنجيل كله (التجسد الإلهي، وموته بالجسد ثم قيامته وصعوده إلى السماء). هذا هو مفتاح السماء!

+ "يقول من عند الله خرجت"، مبلغًا أن طبيعته هي ذاتها كما هي التي أعطيت له بميلاده.

+ "خرجت من عند الآب، وأتيت إلى العالم" العبارة الأخيرة تشير إلى تجسده، والأولى إلى طبيعته.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

 

+ عندما يقول أن المسيح "خرج" من عند الآب، لا تتخيل تغيرًا في المكان كما يحدث مع الناس. لا تُفهم "أنا أتيت" بلغة الحركة، وإنما بخصوص التجسد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

+ كان يتحدث عن آلام جسده وقيامته، وبهذه القيامة يؤمن أولئك الذين تشككوا قبلاً. لأنه بالحق اللَّه الحاضر في كل مكان، لا يعبر من موضع إلى آخر. وإنما كإنسان يذهب كما هو بنفسه قد ذهب. لذلك يقول في موضع آخر: "قوموا ننطلق من ههنا" (يو31:14). بهذا يذهب ويأتي، الأمر المشترك بينه وبيننا.

القديس أمبروسيوس

 

+ لقد جاء من عند الآب لأنه من الآب، وجاء إلى العالم ليظهر للعالم الشكل الجسدي الذي أخذه من العذراء. لقد ترك العالم بانسحابه جسديًا، وانطلق إلى الآب بصعوده كإنسان، لكنه لم يترك العالم بحضوره الفعال المدبر له.

القديس أغسطينوس

 

تركه عند آلامه

"قال له تلاميذه:

هوذا الآن تتكلم علانية،

ولست تقول مثلاً واحدًا". (29)

توبيخ السيد المسيح للتلاميذ برقةٍ ولطفٍ ومحبةٍ أعطاهم الثقة والشعور بأنه يتحدث معهم علانية، ويرد على أسئلتهم التي في داخل أفكارهم ولم يستطيعوا أن يعَّبروا عنها أو يفصحوا بها. شعر التلاميذ أنه يتحدث معهم بكل وضوح وصراحة، خاصة وأنهم يؤمنون بأنه المسيا العالم بكل شيء، ولا يخفي عنه شيء ما. إنه العارف القلوب وفاحص الكلى، ولا يحتاج أن يسأله أحد، بل يعرف أسرارهم وأفكارهم واحتياجاتهم الداخلية.

يرى القديس أغسطينوس أن التلاميذ ظنوا أنه يتكلم علانية ولا يقول مثلاً واحدًا بينما لم تكن بعد قد جاءت الساعة التي يتحقق فيها ذلك حسب وعده الإلهي. إنما جاءت عندما أكمل حديثه قائلاً: "هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن، تتفرقون كل واحد إلى خاصته..." (٣٢).

"الآن نعلم أنك عالم بكل شيء،

ولست تحتاج أن يسألك أحد،

لهذا نؤمن أنك من الله خرجت". (30)

+ كأنهم قالوا: إنك قد عرفت الظنون التي شككتنا قبل أن نظهرها وأرحتنا منها، إذ قلت: "لأن الآب نفسه يحبكم، لأنكم قد أحببتموني" ( 27 )

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

"أجابهم يسوع: الآن تؤمنون". (31)

يجيبهم السيد المسيح: "أتؤمنون؟ هل سيبقى إيمانكم ثابتًا؟ إنه قد اقتربت الساعة التي فيها تتفرقون وتتركونني!"

+ ليت البشر لا يستبعدون التفكير في الابن عندما يقرأون عن اللَّه فقط، ولا يستبعدون التفكير في الآب عندما يقرأون عن "الابن" وحده.

الابن على الأرض ليس بدون الآب (يو30:10)، فكيف تظن أن الآب في السماء بدون الابن؟...

الابن في الجسد، وهو ليس وحده، كما هو مكتوب: "وأنا لست وحدي لأن الآب معي"، فهل تظن أن الآب يسكن وحده في النور؟

القديس أمبروسيوس

 

"هوذا تأتي ساعة وقد أتت،

الآن تتفرقون فيها كل واحدٍ إلى خاصته،

وتتركونني وحدي، وأنا لست وحدي،

لأن الآب معي". (32)

جاء السيد المسيح ليحتل مكاننا حتى ننعم بشركة مجده. فنحن جميعًا كثيرا ما نعاني من الشعور بالعزلة. قد يحيط بنا الوالدان لكننا من الأعماق نصرخ مع داود النبي: "أبي وأمي قد تركاني..." وقد يحوط بنا الأحباء والأصدقاء، لكننا نئن: "ليس من يشاركني مشاعري، ولا من يدرك أعماقي، ويشعر بأحاسيسي". هذه صرخات النفس التي تحطمها الخطية وتعزلها عن إلهها مشبعها الحقيقي. ليس من يقدر بعد أن يملأ الفراغ الداخلي. أما وقد جاء السيد المسيح بلا خطية فإنه لن يعاني قط من شعور داخلي بالعزلة، لأنه لن ينفصل قط عن الآب وعن روحه القدوس. لكنه صار وحيدًا وسط البشر، حيث جاء إلي خاصته، وخاصته لم تقبله، وفي ساعة ضيقه تركه تلاميذه وصار وحيدًا، لكنه يعلن: "وأنا لست وحدي، لأن الآب معي" [32]. هذه صيحة النصرة التي تهتف بها كل نفس اتحدت مع مسيحها المتألم، فإنها لن تعاني من العزلة، ولن تشعر أنها وحدها! لأن الله ساكن فيها لا يفارقها.

غلبته لحسابهم

"قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام.

في العالم سيكون لكم ضيق،

ولكن ثقوا (افرحوا) أنا قد غلبت العالم". (33)

بالإيمان يحل المسيح في قلوبنا، فنتمتع بنصرته نصرة لنا. "وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم: إيماننا. من هو الذي يغلب العالم إلاَّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله؟!" (١ يو ٥: ٤-٥).

السلام الذي يقدمه السيد المسيح لهم يحمل الحياة المطوَّبة المشرقة، ليتمتعوا بروح القوة والنصرة مع التعزية السماوية والسند الإلهي.

لم يخفِ عنهم أنه سيكون لهم في العالم ضيق، لكنه يطالبهم بالبهجة والسرور وسط الضيق، لأنه يتجلى في حياتهم كغالبٍ للعالم الشرير.

قيل أن فنانًا أراد أن يقدم لوحة عن السلام فاختار يومًا عاصفًا جدًا وصوَّر صخرة عظيمة تخبطها الأمواج من كل جانب، وقد ظهرت في اللوحة سفينة حطمتها الأمواج وجثث بعض النوتية والمسافرين تطفو على المياه وسط دوامات الأمواج. في وسط هذه الصخرة أقامت حمامة عشًا في نقرة وقد رقدت في النقرة مطمئنة جدًا، وسجل الفنان كلمة "سلام" على الصخرة تحت النقرة مباشرة. هكذا سلامنا هو في المسيح يسوع صخر الدهور. فيه نستقر ونستريح وسط كل دوامات الحياة وتجاربها.

+ قول السيد المسيح لتلاميذه في العالم سيكون لكم ضيق، أي مادمتم موجودين في العالم تقاسون ضغوطًا ولا تقاسون ذلك الآن فقط لكنكم تقاسونه فيما بعد أيضًا.

+ يسمح لنا نحن أيضًا أن نغلب، متطلعين إلى رئيس إيماننا، ونسير في ذات الطريق الذي قطعه من أجلنا... أننا لسنا مائتين بسبب صراعنا مع الموت، بل نحن خالدون بسبب نصرتنا... هل يفسد الموت أجسامنا؟ ما هذا؟ أنها لن تبقى في الفساد، بل تصير إلى حال أفضل...

إذن لنغلب العالم، لنركض نحو الخلود، لنتبع الملك، لنُعِد النصب التذكاري للغلبة، لنستخف بملذات العالم. لسنا نحتاج إلى تعب لإتمام ذلك.

لنحول نفوسنا إلى السماء، فينهزم كل العالم! عندما لا تشتهيه تغلبه؛ إن سخرت به يُقهر.

غرباء نحن ورُحَّل، فليتنا لا نحزن على أي أمورٍ محزنة خاصة به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

+ إننا نثق في ذاك الذي قال: "افرحوا، أنا قد غلبت العالم" (33)، لأننا ننال النصرة على عدونا إبليس، بمعونته وحمايته.

+ لماذا يقول لنا: "افرحوا" إلاَّ لأنه قد غلب لأجلنا، وحارب لأجلنا؟

فإنه أين حارب؟ لقد حارب بأن أخذ طبيعتنا له...

لقد غلب من أجلنا نحن الذين أظهر لنا قيامته...

التصق يا إنسان بالله، هذا الذي خلقك إنسانًا. التصق به جدًا، ضع ثقتك فيه.

أدعه، ليكن هو قوتك. قل له: "فيك يا رب قوتي".

عندئذ تتغنى عندما يهددك الناس، وأما ما تتغنى به يخبرك الرب نفسه: "إني أترجى الله، لا أخشى ماذا يفعل بي الإنسان" (مز ٥٦: ١١).

+ في التجربة التي يواجهونها بعد تمجيده قبلوا الروح القدس، ولم يتركوا (السيد المسيح).

إن كانوا قد هربوا من مدينة إلى مدينة لكنهم لم يهربوا منه هو.

بينما تلحق بهم التجربة في العالم يجدون فيه سلامًا.

عوض كونهم شاردين منه بالأحرى يجدون فيه ملجأ. فإنهم بعمل الروح القدس فيهم يتحقق فيهم ما قيل الآن: "كونوا متهللين، أنا قد غلبت العالم" (٣٣).

كانوا متهللين وغالبين، ولكن في من؟ فيه. فإنه ما يُحسب غالبًا للعالم إلا لكي تغلب أعضاؤه العالم. لهذا يقول الرسول: "شكرًا لله الذي يهبنا الغلبة" مضيفًا في الحال: "بربنا يسوع المسيح" (١ كو ١٥: ٧٥).

القديس أغسطينوس

+          +           +

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt