طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 26 بؤونة [ تذكار تكريس كنيسة رئيس الملائكة غبريال بجبل النقلون بالفيوم ]

 

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 34 : 7 ، 8

مت 16 : 24 - 28

مز 97 : 7 ، 8

مت 18 : 10 - 20

عب 2

5 – 18

1 بط 1

3 - 12

أع 10

21 – 33

مز 138 : 1 ، 2

لو 1 : 26 – 38

 

البولس من عبرانيين 2 : 5 – 18

تواضع المسيح عن الملائكة

إن كان اليهود يفتخرون بأن ناموسهم قد سُلم إليهم بيد ملائكة، فإن شريعة العهد الجديد قد أُعلنت خلال تجسد الابن وآلامه حتى الموت موت الصليب، الأمر الذي به ظهر كأنه أقل من الملائكة. لكن هذا ليس ضعفًا بل في أعماقه يمثل الطريق الوحيد للتقديس، أي إعادة الإنسان الساقط إلى المجد السماوي. كأن تواضع السيد عن الملائكة هو طريق خضوع العالم لله، خضع كنائبٍ عنا ورأسنا، فيرتفع المؤمنون به وفيه إلى المستوى السماوي. لهذا يقول الرسول: "فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ الْعَالَمَ الْعَتِيدَ الَّذِي نَتَكَلَّمُ عَنْهُ" [٥].

 ماذا يعني بالعالم العتيد إلاَّ البشرية المتجددة في المسيح يسوع، هذه التي صارت عالمًا جديدًا أو عالمًا على مستوى "العتيد" أي "المقبل". هذا العالم لم يخضع لله في طاعة له خلال الناموس المسلم بيد ملائكة، وإنما خلال المسيح الذي فيه حُسبنا مطيعين للآب. إن كان المسيح قد دُعي بالآتي (رو ٥ : ٤) بمقارنته بآدم الأول، فقد صارت الكنيسة المتحدة به، جسده المقدس، العالم الآتي (العتيد) خاضعة لله أبيها.

إذن، تواضع المسيح عن الملائكة حقق ما لم يكن ممكنًا للملائكة تحقيقه، فقد خضع العالم، من يهود وأمم، لملكوته وصار الكل كنيسة الله المطيعة. ولعل كلمات الرسول هنا جاءت في مقابل الفكر اليهودي الذي كان سائدًا بأن الله قد سلم العالم لملائكته لحفظه، فاختص رئيس الملائكة ميخائيل بالشعب اليهودي، بينما كان لكل أمة ملاكها الخاص. لكن السيد المسيح وقد صار بالتجسد كمن هو أقل من الملائكة حفظ الجميع دون تحيز لأمة معينة، ليس على مستوى الحفظ الجسدي أو نوال بركة أرضية، وإنما أعاد تجديد العالم فجعله "عالمًا عتيدًا"، مقدمًا عملاً إلهيًا فريدًا في نوعه.

يليق بنا نحن أيضًا وقد دخلنا إلى عضوية هذا العالم العتيد باتحادنا مع الابن المتواضع، في مياه المعمودية، أن ندرك أن كل عضوٍ فينا أيضًا قد صار عالمًا عتيدًا، فإذ تتحد الروح والنفس والجسد بكل طاقاتهم وأحاسيسهم وإمكانياتهم الداخلية والظاهرة، يصير الإنسان عالمًا عتيدًا أي عالمًا أخرويًا يعيش على مستوى سماوي، عروسًا للمسيح السماوي!

في أكثر وضوح يتحدث الرسول بولس عن تواضع المسيح كطريقٍ فريدٍ في خضوع العالم لله، سواء على مستوى جميع الأمم أو على مستوى الإنسان في كليته، قائلاً:

"لَكِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعٍ قَائِلاً:

مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ، أَوِ ابْنُ الإِنْسَانِ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟

وَضَعْتَهُ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ,

بِمَجْدٍ وَكَرَامَةٍ كَلَّلْتَهُ، وَأَقَمْتَهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ.

أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.

لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ الْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ,

عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ,

وَلَكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ،

نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ

لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ" [6-ם].

اقتبس الرسول كلمات المرتل النبوية: "من هو الإنسان حتى تذكره، أو ابن آدم حتى تفتقده، وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله، تسلطه على أعمال يديك. جعلت كل شيء تحت قدميه" (مزל :٤-٦)، ويكمل المزمور "الغنم والبقر جميعًا وبهائم البر أيضًا، وطيور السماء وسمك البحر السالك في سبل المياه" (مز ל: ٧-ל).

يرى الرسول بولس أن كلمات المرتل كلمات نبوية تتحدث عن الابن المتجسد الذي تواضع قليلاً عن الملائكة، خلال هذا التواضع تسلط روحيًا على الخليقة التي هي عمل يدي الله، مجددًا إياها. ويرى القديس أغسطينوس أن المزمور هنا يشير إلى خضوع الخليقة كلها على المستوى السماوي والبشري للابن المتجسد. وكأنه في هذا يتفق مع العلامة أوريجينوس الذي يرى أن السيد وقد تواضع وحّد السمائيين مع الأرضيين، الطغمات الملائكية مع بني البشر، ليضم الكل كأعضاء في جسدٍ واحدٍ له. فهو رأس الكنيسة التي جمعت السماء مع الأرض بروح واحد!

يقول المرتل إنه قد خضع له الغنم والبقر جميعًا، فإن كان آدم يمثل الخروف الضال الذي من أجله ترك الله التسعة والتسعين ليبحث عنه، فإن التسعة والتسعين إنما يشيرون إلى الخليقة السماوية التي تملأ السماء، فقد نزل السيد إلينا متجسدًا كمن ترك الأبرار ليبحث عن الخروف الضال ويرده إلى القطيع، فيجتمع بإخوته السمائيين معًا، يشتركون معًا في التسبيح والشكر. لقد تحدث العلامة أوريجينوس كثيرًا عن خلطة السمائيين بالمؤمنين في المسيح يسوع، حتى قال انه إذ يجتمع المؤمنون معًا في كنيسة الله تفرح الملائكة وتتهلل، لأنها تجتمع هي أيضًا، حيث يلتقي الملائكة والمؤمنون معًا. فتكون هناك كنيسة منظورة مجتمعة معًا وكنيسة ملائكية غير منظورة مجتمعة معًا أيضًا! إننا نشاركهم تسابيحهم العلوية، وهم يشاركوننا فرحنا بالخلاص الإلهي!

يقول المرتل أن الغنم والبقر جميعًا وبهائم البر وطيور السماء وأسماك البحر يخضعون لذاك الذي في تواضعه صار كمن هو أقل من الملائكة. ماذا يعني الغنم والبقر إلاَّ رمزًا للقطيع الناطق، الشعب القديم الذي قبل بعضه الخضوع لمملكة المسيح الروحية وسيقبل بقية القطيع هذا الخضوع، بينما بهائم البرية يشير إلى جماعات الأمم التي عاشت كمن في البرية، محرومة من المراعي التي تمتع بها شعب الله مثل الناموس والأنبياء والوعود والعهود الخ.، طيور السماء تشير إلى النفوس المتعجرفة هائمة في الأمور العالية فإنها بروح الحب تخضع للسيد، بينما أسماك البحر تشير إلى النفوس المرتبكة بهموم الحياة كمن يسلك في وسط الأمواج. هكذا جاء كلمة الله متجسدًا لكي يقتنص في شبكة محبته كل إنسان: اليهودي والأممي، المتكبرين والمحطمين!

ما نقوله عن العالم الخارجي يتحقق أيضًا في العالم الداخلي فإن وجدنا في داخلنا قطيعًا من الغنم أو وحوشًا مفترسة، طيورًا تهيم في الجو أو أسماكًا تسبح في المياه، فلنسلمها لذاك الذي وحده له السلطان أن يخضعها لملكوته، مقدسًا أعماقنا الداخلية وتصرفاتنا الخارجية لتصير كلها لحسابه.

على أي الأحوال تواضع السيد حتى موت الصليب هو طريق الملكوت، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [افتقدنا ابن الله حين كنا لا شيء، وإذ حمل ما لنا (ناسوتنا) ووحَّده بنا، صار أعظم من الكل.] هذا هو طريق خضوعنا لملكه، فكنائبٍ عنا خضع بإرادته للآب حاملاً الآلام حتى الموت، فصرنا خاضعين لأبيه، وله أيضًا. خضوعنا الآب إنما خلال خضوع الابن له، ويتحقق خلال خضوعنا نحن أيضًا للابن، غير أنه يوجد فارق بين خضوعنا نحن للآب والابن، وخضوع الابن نفسه لأبيه.

يليق بنا أن نميز بين أنواع مختلفة للخضوع خاصة في عبارة الرسول بولس: "وبعد ذلك متى سلم المُلْك لله الآب، متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة، لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه، آخر عدو يبطل هو الموت، لأنه أخضع كل شيء تحت قدميه ولكن حينما يقول إن كل شيء قد أخضع، فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل، ومتى أخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل" (١ كو ١٥: ٢٤-٢ל).

في هذه العبارة يميز الرسول بين ثلاثة أنواع من الخضوع: خضوع الهزيمة الكاملة التي تتحقق في يوم الرب العظيم حيث يخضع إبليس وجنوده وينهدم الموت تمامًا تحت قدمي السيد، وخضوع طاعة الخليقة لخالقها حيث تنعم بإكليلها الأبدي، أما ما هو أعظم وأسمى فهو خضوع الابن لأبيه على مستوى فريد.

لقد تحدث القديس أمبروسيوس باستفاضة عن خضوع الابن لأبيه مؤكدًا أنه يختلف تمامًا عن خضوعنا للإمبراطور أو الملك، أو خضوعنا لكل ترتيب بشري من أجل الرب (١ بط ٢: ١٣)، أو خضوع الزوجة لرجلها (أف ٥: ٣)، أو خضوعنا نحن للآب في خوف المسيح.

يخضع السيد المسيح للآب من جانبين: الجانب الأول أنه كابن واحد مع الآب في اللاهوت لا يحمل إرادة مخالفة للآب، بل ذات إرادة الآب، يخضع لا كعبد مأمور وإنما كابن وحيد الجنس يحمل إرادة واحدة مع أبيه. ومن الجانب الآخر، إذ حمل طبيعتنا البشرية وصار ممثلاً لنا، خضع في طاعة كاملة لأبيه لنُحسب فيه أبناء طاعة، وتنزع عنا طبيعة العصيان التي ورثناها عن آدم الأول.

وقد لاحظ القديس أمبروسيوس أن خضوع الابن لأبيه يتحقق في المستقبل كقول الرسول: "فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل" (١ كو ١٥: ٢ל)، فهل لا يخضع الابن للآب حاليًا؟ [لم يخضع المسيح (بكل كنيسته) بعد لأن أعضاؤه لم تجلب بعد للخضوع... لكن حينما نصير ليس أعضاء كثيرين بل روحًا واحدًا، عندئذ يخضع هو أيضًا خلال خضوعنا نحن.]

كأن خضوع الكنيسة كلها حين تكتمل بأعضائها في يوم الرب العظيم بروح واحد هو خضوع جسد المسيح للآب خلال الرأس فيحسب المسيح خاضعا لأبيه فينا!

بمعنى آخر، السيد المسيح كرأس خاضع لأبيه منذ الأزل، قبل التجسد، لكنه إذ قبل المؤمنين به جسدًا له يخضع له فينا، أو نخضع نحن للآب باسم ابنه ولحسابه وإمكانياته.

هذا هو غاية التجسد الإلهي، خلاله صار الابن متواضعًا كأقل من الملائكة، لكي يجلب المؤمنين إلى الآب بالخضوع. الأمر الذي تحقق جزئيًا ويبقى عاملاً خلال أعماله الخلاصية. وكما يقول الرسول:

"عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ. وَلَكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلاً بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ".

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة الرسولية السابقة، قائلاً:

[إن كان يجب أن تخضع كل الأشياء له، لكنها لم تخضع بعد، فلا تحزن ولا تضطرب.]

[يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد، وليس لأجل المؤمنين فقط، وإنما من أجل العالم كله. حقًا لقد مات عن الجميع، ولكن ماذا إن كان ليس الجميع قد آمنوا؟ لقد تمم ما هو من جانبه!]

[قال بحق: "يذوق الموت لأجل كل واحدٍ"، ولم يقل "يموت"، كما لو كان بالحقيقة يتذوق الموت حيث قضي فيه زمانًا قصيرًا حتى قام.] أما علة تذوقه الموت لأجل كل واحدٍ منا فهو دخوله إلى الموت قدام كل واحد منا حتى لا نرهب الموت بعد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن الطبيب وهو في غير حاجة إلى تذوق الطعام المعد للمريض، لكنه من أجل اهتمامه بالمريض يتذوقه أولاً ليحثه على التناول منه بثقة، هكذا كان كل الناس يهابون الموت، فلكي يشجعهم ضد الموت تذوقه (السيد) بنفسه، وإن كان ليس في حاجة إليه، إذ يقول: "رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيَّ شيء" (يو ١٤: ٣٠).]

هذا وقد علق القديس نفسه على قول الرسول: "وُضِعَ قَلِيلاً عَنِ الْمَلاَئِكَةِ" قائلاً أن السيد تواضع عن الملائكة قابلاً للموت لكنه تواضع قليلاً، أي لمدة ثلاثة أيام حيث قام معلنًا مجده، أما نحن فقد سقطنا تحت سلطان الموت زمانًا طويلاً بسبب الخطية حتى جاء من أقامنا منه.

بعد أن تحدث عن دور الابن في خلاصنا خلال تجسده وآلامه أوضح دور الآب، قائلاً:

 "لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ" [١٠].

وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق رائع على هذه العبارة، حيث يقول: [إنه يعمل ما يليق بحبه للبشرية، مقدمًا ابنه البكر أكثر مجدًا من الجميع، إذ يعلنه كمثال للآخرين، كمجاهد شريف يفوق الكل. إنه رئيس خلاصهم، أي علة خلاصهم. لاحظ الفارق بينه وبيننا، فهو ابن ونحن أبناء لكن هو يخلِّص (الآخرين) أما نحن فنخلُص... انظر كيف يفصل بينه وبيننا، قائلاً: وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد.]

إن كان الابن الوحيد الجنس قد وُضع قليلاً عن الملائكة لكي يكلل بالمجد والكرامة خلال خلاص كل واحد منا بآلامه المخلصة، فإن هذا العمل لا يخص الابن وحده، بل هو عمل الآب أيضًا الذي قدم لنا ابنه كقائد خلاصنا، باذلاً إياه بالآلام حتى الموت ليحقق خلاصنا ويهبنا في ابنه البنوة له، وكأن الآب يعمل فينا بآلام ابنه لنتمتع بمجد البنوة له.

بمعنى آخر إن كان الآب قد أوجدنا بابنه، إذ "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان"، فإن تجديد خلقتنا وخلاصنا من الإنسان العتيق الفاسد الإيمان حققه بابنه أيضًا خلال آلامه. يقارن القديس يوحنا الذهبي الفم بين العمل الإلهي في الخلقة والعمل الإلهي في تجديدنا، قائلاً: [الآلام هي تكميل Perfecting الخلاص وعلته... لقد قبل الجسد ليحتمل الآلام وهذا أعظم بكثير من خلقته للعالم من العدم. حقًا إن عمل الخلقة هو من قبيل حبه المترفق، لكن العمل الآخر (الخلاص بآلامه) لهو أعظم من ذلك بكثير، هذا ما أشار إليه الرسول بقوله: "ليظهر في الدهور الآتية غني نعمته الفائق لصلاحه، أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أف ٢: ٧، ٦).]

نعود إلى تواضع الابن بقبوله التجسد، ودخوله إلى الآلام من أجل خلاصنا، والدخول بنا إلى ملكوته، ليتمجد فينا وننعم نحن بشركة أمجاده، أما السبب الثاني لتجسده أو تواضعه قليلاً عن الملائكة فهو صيرورته أخًا بكرًا لنا، يحل في وسطنا بكوننا إخوته الأصاغر، فنلتحم به بكونه القدوس لنصير فيه مقدسين. لهذا يكمل الرسول، قائلاً:

"لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ،

فَلِهَذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً،

قَائِلاً: أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ" [١١-١٢].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر أيضًا كيف جلبهم معًا (المؤمنين والسيد المسيح)، مكرمًا إياهم واهبًا إياهم راحة، إذ يجعلهم إخوة المسيح... لكن هو يقدس وهم يتقدسون، عظيم هو الفارق بينهم.]

إنه لا يستحي أن يدعوهم إخوة، فإنه إذ التحف بالجسد إنما التحف بالأخوّة لهم، واهبًا إياهم إمكانياته الإلهية ليمارسوا الحياة المقدسة فيه. وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [بالتجسد الإلهي صرنا مشابهين إياه من جهة الجسد، صرنا أغصانًا في الكرمة، متحدين به، متمتعين بملئها (يو ١: ١٦). بهذا تقدس جسدنا الذي كان قبلاً ميتًا وفاسدًا، إذ صار له حق القيامة والخلاص خلال إخوتنا بالسيد المسيح الحامل لجسدنا!]

في شيء من التفصيل نقول أن الابن الكلمة إذ صار جسدًا، صار أخًا بكرًا لنا، لا يستحي أن يدعونا إخوة له، لأنه فيما هو نزل إلينا إذ به يرفعنا إليه. هو أخد جسدنا الذي على شبه جسد الخطية، لكن لم يكن ممكنًا للخطية أن تقترب إليه، إنما رفعنا نحن الخطاة إلى قداسته: "لأن المقدس والمقدسين جميعهم من واحد". صرنا أعضاء في جسده فنحمل العضوية في جسده المقدس، لنا شركة سماته الفائقة.

بمعنى آخر، تواضع السيد عن الملائكة، أي تجسده فتح لنا باب الأخوّة له، وصار لنا بآلامه وقيامته حق التمتع بروحه القدوس ساكنًا فينا، هذا الذي يأخذ مما للمسيح ويخبرنا، أي يأخذ سماته المقدسة ليسكبها فينا، لنصير مقدسين فيه. بهذا العمل الإلهي نتعرف على الآب القدوس بكونه أبانا السماوي وندرك أسراره الإلهية غير المدركة. فينطلق لساننا الداخلي بالتسبيح والحمد. بهذا يناجي الابن الوحيد أباه القدوس، قائلاً: "أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ" [١٢].

الإخبار هنا ليس بمجرد الكلام، إنما خلال العمل حيث يدخل بنا الروح القدس إلى الإتحاد مع الآب في ابنه فنتعرف على الاسم القدوس. والتسبيح ليس مجرد ألفاظ ننطق بها وإنما بتمتعنا بالعضوية الكنسية وإتحادنا بالمسيح رأس الكنيسة يصير التسبيح طبيعة داخلية. كل ما في داخلنا يلهج فرحًا ويترنم بالحمد لذاك الذي قدم لنا هذا العمل الخلاصي العجيب!

يكمل الرسول حديث الابن مع الآب القدوس هكذا:

"وَأَيْضًا: أَنَا أَكُونُ مُتَوَكِّلاً عَلَيْهِ,

وَأَيْضًا: هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ" [13].

كنائبٍ عن البشرية وكأخٍ بكر للمؤمنين اتكل الابن في طاعة للآب، فنُحسب نحن جميعًا أبناء طاعة لله بعد أن كنا عبيدًا عصاة. يدخل بنا الابن إلى حضن أبيه خلال طريق طاعة الابن لأبيه، طاعة الحب الفريد، طاعة الإرادة الواحدة مع أبيه، الأمر الذي تعجز كل الخليقة أن تعبر إليه بدون الابن. والعجيب أنه وهو يقدمنا لأبيه أبناء طاعة له، يقدمنا أيضًا كأبناء طاعة للابن نفسه، لأنه ما كان يمكننا أن نطيع الآب ما لم ندخل في الحياة الجديدة التي لنا في الابن مطيعين له. طاعتنا للآب إنما خلال طاعتنا للابن فاتح طريق الطاعة! خلال هذه الطاعة التي صارت لنا نحو الابن، أصبح الابن ليس أخًا بكرًا فحسب وإنما أبًا أيضًا، إذ يقول الرسول على لسان السيد: "ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله"

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [هنا يظهر نفسه أبًا كما أظهر نفسه قبلاً أخًا.]

أخوّته لنا وأبوّته تعلنان شركتنا فيه لكي ننعم بالغلبة على الموت الذي ساد علينا، وذلك بقبوله الموت عنا، فبموته أمات موتنا، يقول الرسول:

"فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ، اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ، ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ" [١٤].

إذن تواضع المسيح عن الملائكة هو طريق تمتعنا بملكوته الإلهي، وهو طريق خلاصنا خلال أخوة السيد المسيح لنا وأبوته أيضًا، أخيرًا فإن هذا التواضع كان الباب للدخول إلى الموت لكي يبيد سلطان الموت أي إبليس محررًا إيانا. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يشير إلى ما هو عجيب، فقد انهزم إبليس بذات الأمر الذي به هزمنا، بالسلاح القوي ضد العالم أي الموت، ضربه به المسيح. بهذا ظهرت عظمة الغالب! أتريد أن ترى أي صلاح عظيم جلبه الموت؟ يقول الرسول: "وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ" [١٥]. لماذا ترتجفون لماذا تخافون من صار كلا شيء! لم يعد بعد (إبليس أو الموت) مرعبًا، إنما صار تحت الأقدام، محتقرًا تمامًا.]

هذا هو غاية التجسد الإلهي، يحمل جسدنا لكي بموته يميت موتنا، واهبًا إيانا قوة الخلاص والقيامة الأبدية. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [صار إنسانًا في جسد خلاصنا، لكي يكون لديه ما يقدمه عنا خلاصًا لجميعنًا.]

يعلق القديس أمبروسيوس على العبارة الرسولية التي بين أيدينا قائلاً:

[من هو هذا الذي يريدنا أن نشاركه في لحمه ودمه؟ إنه بالتأكيد ابن الله! كيف صار شريكًا لنا إلاَّ باللحم، وكيف كسر قيود الموت إلاَّ بموته الجسدي؟ فإن احتمال المسيح للموت أمات الموت.]

كنا جميعًا تحت العبودية، ليس منا من له سلطان أن يدوس على الموت ولا أن يتحرر من أسر إبليس، لذا جاء القادر وحده أن يدخل إلى طريق الموت ويقوم، فيقيمنا معه متحررين من العبودية. حطم حكم الموت علينا ومزقه، وأفسد سلطان إبليس علينا، واهبًا إيانا حرية القيامة المجيدة كحياة نعيشها كل يوم حتى نلتقي معه في يوم القيامة الأخير.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [ليتنا لا ننسى ما قد سلمه بولس... أي قيامة الرب! إنه يقول عنه أنه أباد الذي له سلطان الموت أي إبليس، وأقامنا معه. حل رباطات الموت، ووهبنا البركة عوض اللعنة، منحنا الفرح عوض الحزن، وقدم لنا العيد عوض النوح، أعطانا فرح عيد القيامة المقدس، العيد الدائم في قلوبنا لنفرح به على الدوام.] كما يقول في موضع آخر: [وضع نهاية للناموس (الحكم) الذي كان ضدنا وذلك بذبيحة جسده، واهبًا إيانا بداية جديدة للحياة على رجاء القيامة التي منحها لنا.] كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أظهر أيضًا أنه ليس فقط أبطل الموت وإنما صار إبليس بهذا كلا شيء، هذا الذي كان في حرب بلا هوادة ضدنا. فمن لا يخاف الموت يصير خارج دائرة طغيان إبليس... من لا يخاف أحدًا ولا يرتعب يكون فوق الكل، أكثر حرية من الجميع. لا يبالي بحياته (الزمنية) فبالأولى لا يهاب شيئًا. متى وجد إبليس نفسًا كهذه لا يقدر أن يقيم فيها عملاً من أعماله... هكذا، فإنه بنزع طغيان الموت عنا تكون لنا النصرة على قوة إبليس.]

مرة أخرى بالتجسد الإلهي، إذ تواضع الابن عن الملائكة صار من نسل إبراهيم حسب الجسد، صار أخًا بكرًا مشابهًا لنا في كل شيء، حتى فيما هو مجرب يقدر أن يعين المجربين، وكأنه صار كواحدٍ منا يشعر بإحساساتنا ويشفع فينا لدى أبيه. يقول الرسول:

"لأَنَّهُ حَقًّا لَيْسَ يُمْسِكُ الْمَلاَئِكَةَ،

بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ.

مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ،

لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا،

وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا لِلَّهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ.

لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ" [١٦-18].

يفسر القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العبارة، قائلاً: [لم يأخذ طبيعة الملاك بل طبيعة الإنسان.]

لماذا قال الرسول "يمسك"؟ لأن طبيعة الإنسان كانت هاربة منه بعيدًا لا تريد الالتقاء به، فاقتفى أثرها وأمسك بها بتجسده! في محبته ورعايته أمسك بطبيعتنا إذ حمل ناسوتنا فيه ليعطيه إمكانيات جديدة. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من جهتي فإني إذ أفكر في هذا أدهش، وأتخيل أمورًا عظيمة بخصوص الجنس البشري. إنني أرى عطايا عظيمة وسامية، وأن لله غيرة عظيمة لحساب طبيعتنا.]

تقدم إلينا كرئيس كهنة أمين قادر أن يحررنا من خطايانا بذبيحة الصليب. دخل إلى الآلام مجربًا لكي يقدر أن يعين المجربين. عالج آلامنا وتجاربنا لا بانتزاعها عنا وإنما بحمله إياها ومشاركتنا وسط آلامنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لا يجهل آلامنا، بل يعرفها ليس فقط بكونه الله، وإنما بكونه إنسانًا قد جُرب. تألم كثيرًا، لذا يعرف كيف يحنو... يعرف ما هي الآلام، وما هي التجربة، ليس بأقل منا نحن المتألمين، إذ تألم هو أيضًا... لهذا يبسط يده بغيرة عظيمة ويحنو.] وأيضًا يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [حقًا إنه لم يأخذ طبيعة الملائكة بل طبيعة نسل إبراهيم، لذلك لاق به أن يشبه إخوته في كل شيء، لكي يكون رحيمًا ورئيس كهنة أمينًا فيما يخص الله، محققًا مصالحة عن خطايا الشعب. فإنه في هذا تألم بكونه مجربًا يقدر أن يعين المجربين، لهذا فلتلاحظوا أيها الإخوة القديسين، شركاء الدعوة الإلهية رسول اعترافنا ورئيس كهنته يسوع، الذي كان أمينًا للذي أقامه.]

في إيجاز يمكننا أن نقول بأن التجسد الإلهي، حيث به تواضع الابن قليلاً عن الملائكة، حقق ما لم يكن ممكنًا للخليقة السماوية تحقيقه، ألا وهو:

أ. فتح باب الملكوت، فخضع الكل للآب في ابنه.

ب. وهب البشرية إتحادًا مع القدوس، فصاروا فيه قديسين.

ج. حسبنا إخوة له، يخبرنا عن اسم أبيه، ونمارس حياة التسبيح وسط الكنيسة المقدسة.

د. صار أبًا يقدمنا أبناء للطاعة لدى أبيه.

ه. حطم بموته موتنا، وحررنا من سلطان إبليس.

و. فيما هو مُجرب يقدر أن يشفع في المجربين، فيتقدم عنا كرئيس كهنة وذبيحة في نفس الوقت.

 

+       +         +

الأبركسيس من أعمال 10 : 21 – 33

"فنزل بطرس إلى الرجال الذين أُرسلوا إليه من قبل كرنيليوس،

وقال: ها أنا الذي تطلبونه،

ما هو السبب الذي حضرتم لأجله؟" [21]

لم يسمع أحد طرقات الرجال، ولعلهم لم يطرقوا الباب نهائيًا فقد نزل إليهم القديس بطرس بناء علي أمر الروح القدس. ربما نزل من السلم الخارجي من السطح إلى الباب، وإذ أخبروه بقصدهم انكشف له لغز الرؤيا، وأدرك أن الله يدعوه لرسالة يتممها خارج دائرة اليهود، أسمى من البحث في طعام طاهر أو غير طاهر.

استقبلهم القديس بطرس هم ورسالتهم، واستفسر منهم عن سبب مجيئهم الذي أخفاه عنه الروح القدس لسمعه منهم.

+ لم يقل الروح: "لهذا السبب أظهرت لك الرؤيا" بل قال: "أنا قد أرسلتهم، فنزل بطرس". هذه هي الطريقة التي بها يجب أن يُطاع الروح دون طلب المسببات. يكفي أن يتأكد تمامًا بأن الأمر صادر من الروح، وعليه أن يؤمن بهذا، ليس إلاَّ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقالوا أن كرنيليوس قائد مئة،

رجلاً بارًا وخائف اللَّه،

ومشهودًا له من كل أمة اليهود،

أُوحى إليه بملاك مقدس أن يستدعيك إلى بيته،

ويسمع منك كلامًا". [22]

قدموا له شخصية قائد المئة كرجلٍ بارٍ يخاف الله، ومع كونه ليس يهوديًا تشهد له كل أمة اليهود عن تقواه، بل وتشهد له السماء حيث بعثت إليه ملاكًا مقدسًا لكي يستدعي القديس بطرس، وأنه الآن مستعد أن يسمع للقديس ويتعلم منه.

"فدعاهم إلى داخل وأضافهم،

ثم في الغد خرج بطرس معهم،

وأناس من الإخوة الذين من يافا رافقوه". [23]

استضافهم القديس بطرس كمن هو صاحب البيت، وقضوا معه اليوم بعد سفر دام حوالي ٦ ساعات، لكي ما يذهب معهم في اليوم التالي. استضافهم مع أنهم أمميون ولم يستنكف من أن يأكل معهم، وكان من بينهم خادمان وكان الثالث جنديًا. لقد بدأ يدرك ما وراء الرؤيا التي شاهدها.

لم نسمع عن معارضة أبداها رب البيت، ولا الجماعة التي كانت تجتمع معًا هناك بكونها كنيسة يافا. لكن بلا شك وقف الكل في دهشةٍ يسمعون ما يقوله الرجال عن كرنيليوس ورؤياه ولا يفهمون ماذا يحدث. كان الله يعد الأذهان مع القلوب لقبول انفتاح باب الإيمان للأمم تدريجيًا.

انطلق في اليوم التالي، بعد أن قضى معهم ليلة، إلى قيصرية وكان في رفقتهم 6 مسيحيين من يافا (أع 11: 12)، فقد كان من عادة الرسل أن يكون معهم رفقاء في رحلاتهم. وإذ كان لهذه الرحلة أهميتها الخاصة أمام التاريخ كان لا بد من أن يشهد هذا الحدث بعض المؤمنين ليعلنوا الأحداث كشهود عيانٍ.

لقاء مع كرنيليوس

"وفي الغد دخلوا قيصرية،

وأمّا كرنيليوس فكان ينتظرهم،

وقد دعا أنسباءه وأصدقاءه الأقربين". [24]

إذ قطع هذه الرحلة غالبًا على قدميه دخل بيت كرنيليوس ليجده هو وأسرته وأقرباءه يترقبون مجيئه. فقد دعاهم كرنيليوس ليتمتعوا معه بالبركات الإلهية التي كان يتوقعها بناء على حديث الملاك معه.

+ هذا هو دور الصديق، دور التقي، فإنه حيث توجد البركات، يهتم بأصدقائه المقربين ليكونوا شركاء معه فيها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولما دخل بطرس استقبله كرنيليوس،

وسجد واقعًا على قدميه". [25]

تطلع إليه كرنيليوس كسفير لله، لذلك سجد عند قدميه، فقد اعتادوا في الشرق قديمًا السجود عند أقدام الملوك وأصحاب الكرامة العظيمة. ولعله ظن في بطرس أن اللاهوت قد تجسد أو أنه المسيا الذي يترقبه اليهود.

+ فعل هذا ليعلم الآخرين، ويعبر عن شكره لله، ويظهر تواضعه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فأقامه بطرس قائلاً:

قم أنا أيضًا إنسان". [26]

أقصى ما يقدمه قائد الجيش هو انحناء رأسه وإلا يُحسب كمن أهان إمبراطوره الحامل لواء كرامته. لكن كرنيليوس انحنى حتى السجود إلى الأرض، وإن كان قد اختلط في ذهنه، فلم يميز بين الراسل والمرسل. فأسرع القديس، وأقامه ليسجد الكل بالروح والحق لمن له حق السجود والعبادة. رفض القديس بطرس مثل هذه التكريم، لذلك احتضنه بيديه، ورفعه كصديقٍ له. لا يحتمل الإنسان المقدس ولا الملاك أن يتقبل سجودًا للعبادة (رؤ 19: 10؛ 22: 9). لقد أوضح لقائد المئة أنه أيضًا إنسان. إنه إناء خزفي يحمل في داخله الكنز السماوي. كأنه يقول له: أنا في ذاتي لست بشيء، إني مثلك إنسان مجرد، لا يليق بي قبول تكريمٍ كهذا.

+ ألا ترون أنه قبل كل شيء يعلمنا الرسل هذا الدرس ألاَّ نظن فيهم أنهم شيء عظيم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لا يعبد المخلوق مخلوقًا آخر، بل يعبد العبد الرب، والمخلوق اللََّه.

لذا عندما أراد كرنيليوس أن يسجد لبطرس منعه الرسول بطرس قائلاً: "أنا أيضًا إنسان" [26].

وعندما أراد يوحنا أن يسجد للملك في الرؤيا منعه الملاك، قائلاً: "أنظر لا تفعل فإني عبد معك، ومع إخوتك الأنبياء، ومع الذين يحفظون أقوال هذا الكتاب. اسجد للَّه" (رؤ 22: 9).

لذلك فالسجود يكون للَّه وحده. وقد عرف الملائكة أنفسهم هذا بالرغم من أنهم يفوقون غيرهم في المجد. فهم جميعًا مخلوقات، وليسوا من الذين يُسجدون لهم، بل هم من بين الذين يسجدون للرب.

البابا أثناسيوس الرسولي

"ثم دخل وهو يتكلم معه،

ووجد كثيرين مجتمعين". [27]

لعله التقى به عند الباب، فقد خرج إليه يعَبر عن فرحه الشديد بحضوره، واستعداده للاستماع إليه. وإذ رآه القديس بطرس وقفا لحظات يتحدثان، ثم انطلقا معًا إلى الداخل. فوجئ القديس بكثرة عدد الحاضرين، الأمر الذي لم يكن يتوقعه، فقد عمل الروح القدس في قلب كرنيليوس حتى قبل قبوله الإيمان لكي يجتذب الكثيرين، ليسمعوا معه، ويتمتعوا بما دعته السماء إليه.

"فقال لهم:

أنتم تعلمون كيف هو محرَّم على رجل يهودي،

أن يلتصق بأحد أجنبي، أو يأتي إليه،

وأمّا أنا فقد أراني اللَّه أن لا أقول عن إنسانٍ ما أنه دنس أو نجس". [28]

لقد منعت الشريعة اليهودية من الدخول في علاقات زوجية أو معاهدات مع الأمم المحيطة بهم (لا 18: 24- 30؛ تث 7: 3-12؛ عز 9: 11-12)، وقد فسرها اليهود بالامتناع حتى عن علاقات الصداقة معهم أو العلاقات التجارية.

حدثهم الرسول عن الرؤيا التي شاهدها كيف أراد الله أن يزيل الحجاب الحاجز بين اليهود والأمميين بالكرازة بإنجيل الخلاص للعالم كله. حسب القديس بطرس أنه يلزم ان يكشف لهم أن تغيير نظرته لهذا الأمر لم يكن من فكره الخاص بل بدعوة إلهية.

بدأ حديثه بالكشف عن مراحم الله الغنية لكل البشرية، وأن ما حدث من غنى نعمة الله، لا فضل لبطرس فيه. هكذا تحدث بروح التواضع، ما يفعله إنما بكونه أداة في يد الله.

تعلم القديس بطرس مبدأ إلهي كان يصعب جدًا عليه قبوله، وهو "أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس". هكذا يعترف القديس بطرس أنه قد جاء بناء على إعلان إلهي، حاسبًا تلك اللحظات هي بدء افتتاح طريق الإيمان للأمم، كي يتمتعوا على قدم المساواة مع اليهود بالوعود الإلهية.

+ كان الذين مع القديس بطرس يشكون إن كان يمكنه أن يعمد الغرل.

القديس أغسطينوس

"فلذلك جئت من دون مناقضة إذ استدعيتموني،

فاستخبركم لأي سبب استدعيتموني". [29]

جاء إليهم دون مقاومة أو تردد، وأنه مستعد لتقديم كل مساعدةٍ. حتمًا كان قلب القديس بطرس كغيره من الرسل يشتهي خلاص العالم كله، لكن كان يصعب عليه الالتصاق بالأمم، حتى قدمت له السماء تصريحًا بالعمل بلا تخوف ولا تردد. ولعل الرسل في البداية ظنوا أن تحقيق ما أمرهم به السيد المسيح أن يكرزوا للخليقة كلها يتحقق بعدما يدخل الأمم إلى اليهودية، ويرتبطوا بحرف الناموس، لكن الآن أدرك القديس أن الباب مفتوح دون حاجة إلى ذلك. الآن فمن جانب الرسول صار من حقه أن يعلن الحق، فماذا من جانبهم هم، لماذا استدعوه؟

حقًا لقد ضيقت الشريعة على اليهودي في تعامله مع الأممي، لأن عبادة الأمم للأوثان وممارستهم للرجاسات والأمور المخلة بالأخلاقيات، كانت تمثل خطرًا على المؤمنين. أما الآن وقد حلّ الروح القدس على الكنيسة، فصار واجبها الشهادة للسيد المسيح أمام الأمم حتى ينضم الكل إلى الرأس، كأعضاء في جسده الواحد، لم تعد الكنيسة تخشى النجاسات والرجاسات، لأن دم المسيح قادر أن يطهر من كل خطية، وذراعاه مبسوطتان لتضم كل الأمم معًا بروح الحب والوحدة في حياة مقدسة طاهرة.

"فقال كرنيليوس:

منذ أربعة أيام إلى هذه الساعة كنت صائمًا،

وفي الساعة التاسعة كنت أُصلّي في بيتي،

وإذا رجل قد وقف أمامي بلباس لامع". [30]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن النص هو "منذ اليوم الرابع" من الأسبوع، وليس منذ أربعة أيام.

"وقال: يا كرنيليوس،

سُمعت صلاتك،

وذُكرت صدقاتك أمام اللَّه". [31]

+ انظروا عظمة فضيلة العطاء في المقال السابق (أصحاح ם) وهنا. هناك أنقذ العطاء من الموت المؤقت، وهنا من الموت الأبدي، وفتح أبواب السماء.

+ هكذا هو العطاء، بجانب هذا الينبوع لا تجد شجر السنديان والصنوبر والسرو، بل نباتات أخرى تختلف عن هذه، أفضل منها بكثير لها مكانتها الفاضلة، وهي: الصداقة مع الله، مديح الناس، مجد لله، مسرة للجميع، محو للخطايا، دالة عظيمة واستخفاف بالثروة. هذا هو الينبوع الذي يروي نبات الحب. فإنه ليس شيء اعتاد أن يرتوي به الحب مثل أن يكون الشخص رحيمًا، يجعل فروع شجرة الحب ترتفع إلى العلا. هذا الينبوع أفضل من ذاك الذي كان في الفردوس (تك ٢: ١٠)، فإنه ليس بالينبوع الذي ينقسم إلى أربعة رؤوس، بل يصعد إلى السماء عينها. إنه يلد ذلك النهر الذي ينبع إلى حياة أبدية (يو ٤: ١٤).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ كرنيليوس الأممي الذي لم يتهوّد قبل عطيَّة اللَّه، وواضح من الكتاب المقدّس أنّه قد تبرّر.

أمبروسياستر

"فأرسل إلى يافا، واستدعي سمعان الملقّب بطرس،

إنه نازل في بيت سمعان رجل دبّاغ عند البحر،

فهو متى جاء يكلمك". [32]

"فأرسلت إليك حالاً،

وأنت فعلت حسنًا إذ جئت،

والآن نحن جميعًا حاضرون أمام اللَّه

لنسمع جميع ما أمرك به اللَّه". [33]

بدأ أول اجتماع لكنيسة الأمم في قيصرية بقيادة قائد مئة روماني مع كل بيته وأصدقائه ليسمع الكل ما أمر به الرب على لسان القديس بطرس، ويتمتعوا بالإيمان ونوال المعمودية.

والعجيب لم يقتحم الرسل الأمم ليكرزوا لهم، بل اقتحم الأمم الرسل، وطلبوا أحدهم ليأتي إليهم ويبشرهم.

لقد سبق فطلب السيد المسيح أن يشهدوا له بين الأمم، إذ تأخر الرسل عاتبهم الأمم على تأخيرهم، وحثوهم على إتمام رسالتهم، إذ يقول قائد المئة باسم جميع الأمم: "الآن نحن جميعًا حاضرون أمام الله لنسمع جميع ما أمرك به الله"، وكأنه يعاتب الرسل بطريقة مهذبة عن تأخيرهم في الكرازة لهم، وإغفالهم حقهم في التمتع بالوعود الإلهية.

+       +        +

إنجيل القداس من لوقا 1 : 26 – 38

26 و في الشهر السادس ارسل جبرائيل الملاك من الله الى مدينة من الجليل اسمها ناصرة
27 الى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف و اسم العذراء مريم
28 فدخل اليها الملاك و قال سلام لك ايتها المنعم عليها الرب معك مباركة انت في النساء
29 فلما راته اضطربت من كلامه و فكرت ما عسى ان تكون هذه التحية
30 فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لانك قد وجدت نعمة عند الله
31 و ها انت ستحبلين و تلدين ابنا و تسمينه يسوع
32 هذا يكون عظيما و ابن العلي يدعى و يعطيه الرب الاله كرسي داود ابيه
33 و يملك على بيت يعقوب الى الابد و لا يكون لملكه نهاية
34 فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا و انا لست اعرف رجلا
35 فاجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله
36 و هوذا اليصابات نسيبتك هي ايضا حبلى بابن في شيخوختها و هذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرا
37 لانه ليس شيء غير ممكن لدى الله
38 فقالت مريم هوذا انا امة الرب ليكن لي كقولك فمضى من عندها الملاك

 

 

 

البشارة بالتجسّد الإلهي

"وفي الشهر السادس أٌرسل جبرائيل الملاك من الله

إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة،

إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف

واسم العذراء مريم..." [26-27].

أولاً: منذ خمسة أشهر سبق فبشَّر الملاك زكريَّا الكاهن، والآن مع بداية الشهر السادس جاء يبشِّر القدّيسة مريم، لكن شتَّان بين البشارتين. حقًا إن البشارة الأولى تمَّت داخل الهيكل أثناء العبادة الجماعيّة، رافقها زكريَّا أمام الجميع وتحدَّث عنها الكهنة، إذ تمَّت مع زميلهم الكاهن، لكن كانت بشارة بميلاد أعظم مواليد النساء يوحنا السابق خادم الكلمة؛ أما البشارة الثانية فتمَّت في بيت مجهول في قريّة فقيرة بطريقة سريّة لم يلمسها حتى صاحب البيت نفسه "يوسف النجار"، وقد كانت بشارة بتجسّد الكلمة ذاته! لقد أخلى الابن ذاته، حتى في البشارة به لم تتم به بين كهنة، ولا في داخل الهيكل، ولا على مستوى الجماعة، إنما تمَّت مع فتاة فقيرة في مكان بسيط.

ثانيًا: أٌرسل الملاك إلى "عذراء مخطوبة لرجل"، لماذا لم يُرسل إلى عذراء غير مخطوبة؟

أ. يجيب العلامة أوريجينوس بأن وجود الخاطب أو رجل مريم ينزع كل شكٍ من جهتها عندما تظهر علامات الحمل عليها، ويقول القدّيس أمبروسيوس: [ربَّما لكي لا يُظن أنها زانية. ولقد وصفها الكتاب بصفتين في آن واحد، أنها زوجة وعذراء. فهي عذراء لأنها لم تعرف رجلاً، وزوجة حتى تُحفظ ممَّا قد يشوب سمعتها، فانتفاخ بطنها يشير إلى فقدان البتوليّة (في نظر الناس). هذا وقد اِختار الرب أن يشك البعض في نسبه الحقيقي عن أن يشكُّوا في طهارة والدته... لم يجد داعيًا للكشف عن شخصه على حساب سمعة والدته.]

كانت الخطبة تعادل الزواج حاليًا في كل شيء ماخلا العلاقات الجسديّة، لهذا دعيت القدّيسة مريم "امرأة يوسف".

ب. يرى العلامة أوريجينوس نقلاً عن القدّيس أغناطيوس أن وجود يوسف يشكِّك الشيطان في أمر المولود ويُربكه من جهة التجسّد الإلهي. وقد قدَّم لنا القدّيس أمبروسيوس ذات الفكر حين قال: [هناك سبب آخر لا يمكن إغفاله وهو أن رئيس هذا العالم لم يكتشف بتوليّة العذراء، فهو إذ رآها مع رجلها لم يشك في المولود منها، وقد شاء الرب أن ينزع عن رئيس هذا العالم معرفته. هذا ظهر عندما أوصى السيِّد تلاميذه ألا يقولوا لأحد أنه المسيح (مت 16: 22)، كما منع الذين شفاهم من إظهار اسمه (مت 5: 4) وأمر الشيَّاطين ألا تتكلَّم عن ابن الله (لو 4: 35). يؤيِّد ما ذكره الرسول أيضًا: "بل نتكلَّم بحكمة الله في سّر، الحكمة المكتومة التي سبق الله فعيَّنها قبل الدهور لمجدنا، التي لم يعملها أحد من عظماء هذا الدهر، لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 7-8)... إذن لقد توارى الرب عن إبليس لأجل خلاصنا. توارى لكي ينتصر عليه، توارى عنه في التجربة، وحين كان يصرخ إليه ويلقبِّه "ابن الله" لم يؤكِّد له حقيقة لاهوته. توارى الرب أيضًا عن رؤساء البشر. وبالرغم من تردّد إبليس حين قال: "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل" (مت 4: 6) إلا أن الأمر قد انتهى بمعرفته إيَّاه، فقد عرفتْهُ الشيَّاطين حين صرخت: "ما لنا ولك يا يسوع ابن الله أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذِّبنا؟!" (مت 8: 29). لقد عرفتْه الشيَّاطين إذ كانت تترقَّب مجيئه، أما رؤساء العالم فلم يعرفوه... استطاع الشيطان بمكر أن يكشف الأمور المكتوبة أما الذين اقتنصتهم كرامات هذا العالم فلم يستطيعوا أن يعرفوا أعمال الله.]

ثالثًا: كرَّر الإنجيلي كلمة "عذراء" وكأنه أراد تأكيد عذراويَّتها ليعلن أن السيِّد المسيح ليس من زرع بشر. هذا ما أعلنه حزقيال النبي بقوله عن الباب الشرقي: "هذا الباب يكون مغلقًا لا يُفتح، ولا يدخل منه إنسان، لأن الرب إله إسرائيل دخل منه فيكون مغلقًا، الرئيس، الرئيس هو يجلس فيه" (حز 44: 2-3). ولذلك جاء في الطقس البيزنطي عن السيِّدة العذراء: [السلام لكَ، أيها الباب الفريد الذي عبر منه الكلمة وحده.]

إنها عذراء وزوجة (عروس) في نفس الوقت، إذ تمثِّل العضو الأول في الكنيسة العذراء عروس المسيح، وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [كانت مريم الزوجة العذراء تمثِّل في آن واحد الكنيسة العروس التي بلا عيب. فالكنيسة عروس المسيح البتول، حبلت بنا بالروح القدس وولدتنا بغير ألم، ومريم حبلت بالروح لا بالزواج، وهكذا صارت تمثِّل كل الكنائس التي تثمر بالروح والنعمة، وإن كانت تتَّحد ظاهريًا تحت لواء راعٍ بشري.]

يقول القدّيس أغسطينوس: [كما ولدت مريم ذاك الذي هو رأسكم، هكذا ولدتكم الكنيسة، لأن الكنيسة هي أيضًا أم وعذارء، أم في أحشاء حبنا، وعذراء في إيمانها غير المزعزع. هي أم لأمم كثيرة الذين يمثِّلون جسدًا واحدًا، وذلك على مثال العذراء أُم الكثيرين وفي نفس الوقت هي أُم للواحد.]

يقول القدّيس كيرلس الكبير: [لنُطوِّب مريم دائمة البتوليّة بتسابيح الفرح، التي هي نفسها الكنيسة المقدَّسة.]

رابعًا: يحدّد الإنجيل اسم المدينة التي جاء إليها الملاك ليلتقي بالقدّيسة العذراء مريم، وهى "ناصرة". مدينة في الجليل بشمال فلسطين، تبعد 88 ميلاً شمال أورشليم، و15 ميلاً جنوب غربي طبريّة. عاش فيها القدّيس يوسف والقدّيسة العذراء مريم، وقد قضى السيِّد المسيح القسط الأوفر من الثلاثين عامًا الأولى في حياته فيها (لو 3: 23؛ مر 1: 9)، فدُعيَ بالناصري (مت 12: 11؛ مر 1: 24). إذ بَدَأ رسالته رفضَهُ أهلها مرّّتيْن (لو 4: 28-31؛ مت 4: 13؛ 13: 54-58؛ مر 6: 1-6). تقع على تل (لو 4: 29)، ولم يكن لها أهميّة تُذكر، فلم ترد في العهد القديم، ولا في وثائق الدول العظمى قبل مجيء المسيح، ولا في كتابات المؤرِّخ اليهودي يوسيفوس. لعلَّ كلمة "ناصرة" تعني "قضيب" أو "غصن"... ولهذا السبب كثيرًا ما دُعي السيِّد المسيح بالغُصن.

خامسًا: جاءت تحيّة الملاك: "سلامٌ لكِ أيَّتها الممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة أنت في النساء" [28].

لم تكن بالتحيّة العاديّة وإنما جاءت تحيَّة فريدة، حملت كل معنى الفرح، فالكلمة اليُّونانيّة "شيريه" التي تُرجمت هنا "سلام" ورد فعلها حوالي 80 مرة في الترجمة السبعينيّة للعهد القديم، تُرجم نصفها "يفرح" والنصف الآخر استخدم للتعبير عن فرح شعب الله بعمل مثير يمس خلاصهم. وكأن القدّيسة مريم قد نالت باسم الكنيسة كلها التي هي عضو فيها فرحًا فائقًا خلال تجسّد الله الكلمة وحلوله فيها.

فيما يلي بعض التعليقات للآباء على هذه التحيّة الفريدة:

+ انفردت بدعوتها "الممتلئة نعمة"، إذ وحدها نالت النعمة التي لم يقتنيها أحد آخر غيرها، إذ امتلأت بمواهب النعمة.

القدّيس أمبروسيوس

+ هذا الميلاد مطلقًا هو نعمة، فيه تمَّ الاتِّحاد، اتِّحاد الإنسان بالله، والجسد بالكلمة... لم تكن الأعمال الصالحة هي الاستحقاق لتحقيقه.

القدّيس أغسطينوس

+ التحفت بالنعمة الإلهيّة كثوب،

امتلأت نفسها بالحكمة الإلهيّة،

في القلب تنعَّمت بالزيجة مع الله،

وتسلَّمت الله في أحشائها!

الأب ثيؤدسيوس أسقف أنقرة

سمعت القدّيسة مريم الملاك يقول لها: "الرب معكِ"، وكان لهذا التعبير مفهومه الخاص بالنسبة لها، فقد ذاقت معيّة الله على مستوى فريد، إذ حملت كلمة الله في أحشائها، وقدَّمت له من جسدها ودمها!

"مباركة أنت في النساء"... وكما يقول العلامة أوريجينوس: [الفرح الذي بوَّق به جبرائيل لمريم نزع حكم الحزن الصادر من الله ضد حواء]، [كما بدأت الخطيّة بالمرأة وبعد ذلك عبرت إلى الرجل، هكذا بدأت البشارة بالنسوة (مريم واليصابات).]

سادسًا: "فلما رأتهُ اضطربت من كلامه وفكَّرت ما عسى أن تكون هذه التحيّة. فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله" [29-30].

يقول القدّيس جيروم: [لقد اضطربت ولم تستطع أن تجاوبه، إذ لم يسبق لها أن قدَمت تحيّة لرجلٍ من قبل، لكنها إذ عرفته من هو أجابته، هذه هي التي كانت تخاف الحديث مع رجل، صارت تتحدَّث مع ملاك بلا خوف.]

هكذا يرى كثير من الآباء أن السيِّدة العذراء كنموذج حيّ للعذارى اللواتي تكرَّسن للعبادة يسلُكن بحياءٍ شديدٍ، ولا يلتقين برجالٍ، بل يقضين حياتهنَّ في بيوتهنَّ أو في بيوت العذارى، لا يتعاملْن مع الرجال. لكننا لا نستطيع أن ننكر أن مع ما اتَّسَمت به العذراء من حياء شديد وتكريس كامل لحساب الرب، وعدم رغبتها في الزواج، كما يظهر من قولها للملاك: "كيف يكون لي هذا وأنا لست أعرف رجلاً" لكنها كانت الإنسانة الفعّالة في الجماعة المقدَّسة. فعّالة بصلواتها وتقواها، وفعّالة أيضًا بقبولها عطيّة الله الفائقة (تجسّد الكلمة في أحشائها)، وفعّالة في الخدمة، ففي أول معجزة للسيِّد المسيح طلبت منه "ليس لهم خمر" (يو 2: 3)، ورافقت السيِّد حتى الصليب، وبعد الصعود كانت مع التلاميذ تسندهم. فالبتوليّة لا تعني السلبيّة، إنما إيجابيّة الحّب الباذل المُعلن خلال العبادة والعمل، في حدود مواهب الإنسان التي يتسلّمها من الرب نفسه. لذلك يقول القدّيس أغسطينوس: [لا تكرم البتوليّة من أجل ذاتها، وإنما لانتسابها لله.]

سابعًا: جاء الوعد الإلهي للقدّيسة مريم على لسان الملاك:

"وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمِّينه يسوع.

هذا يكون عظيمًا وابن العلي يُدعى،

ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه،

ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد،

ولا يكون لمُلكه نهاية" [31-33].

تمتَّعت القدّيسة مريم بهذا الحبل الإلهي، إذ تجسّد ابن العلي فيها، هذا الذي ترقبه رجال العهد القديم كملكٍ يجلس على كرسي داود ويملك أبديًا، وكمخلِّصٍ لذا يدعى "يسوع" الذي يعني "يهوه خلاصي".

+ ليس من يشبه والدة الإله، فإنَّك وأنت تسكنين الأرض صرِت أُمًا للخالق.

(بارالكس) لحن البركة

+ إن كان ابن الله قد صار ابنًا لداود، فلا تشك يا ابن آدم أنك تصير ابنًا لله.

إن كان الله قد نزل أعماقًا كهذه، فإنَّه لم يفعل هذا باطلاً، إنما ليرفعنا للأعالي!

وُلد بالجسد، لكي تولد أنت ثانية حسب الروح.

وُلد من امرأة، لكي تصير أنت ابنًا لله.

القدّيس يوحنا ذهبي الفم

ثامنًا: إذ سمعت القدّيسة مريم الوعد الإلهي بروح التواضع وفي إيمان، دُهشت إذ كان الوعد فريدًا لم يُسمع في الكتب المقدَّسة إنسانًا ناله، لهذا تساءلت:

"كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟!.

فأجاب الملاك، وقال لها:

الروح القدس يحلُّ عليكِ، وقوّة العليّ تظلِّلك،

فلذلك أيضًا القدِّوس المولود منك يُدعى ابن الله" [34-35].

أ. يظهر من حديث العذراء أنها قد نذرت البتوليّة، فلو أنها كانت تود الزواج لما قالت هكذا، بل تقول: "متى يكون هذا؟!" منتظرة تحقيق الوعد خلال الزواج. لقد وضعت في قلبها أن تكون بتولاً للرب، فحلّ البتول فيها، ليُقدِّس فيها بتوليّة الكنيسة الروحيّة. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [اليوم تحتفل الكنيسة البتول بالميلاد البتولي... فقد أكّد السيِّد المسيح بتوليّة القلب التي يريدها للكنيسة أولاً خلال بتوليّة جسد مريم. فالكنيسة وحدها هي التي تستطيع أن تكون بتولاً فقط حين ترتبط بعريس، ألا وهو ابن البتول، إذ تقدِّم له ذاتها تمامًا.]

ب. يقول القدّيس أمبروسيوس: [لم ترفض مريم الإيمان بكلام الملاك، ولا اعتذرت عن قبوله، بل أبدت استعدادها له، أما عبارة: "كيف يكون هذا؟" فلن تنم عن الشك في الأمر قط، إنما هو تساؤل عن كيفيّة إتمام الأمر... إنها تحاول أن تجد حلاً للقضيّة... فمن حقِّها أن تعرف كيف تتم الولادة الإعجازيّة العجيبة.] لذلك جاءت إجابة الملاك لها تكشف عن سرّ عمل الله فيها لتحقيق هذه الولادة: "الروح القدس يحلُّ عليك، وقوّة العليِّ تظلِّلك، فلذلك أيضًا القدِّوس المولود منك يُدعى ابن الله".

الروح القدس يحلُّ عليها لتقديسها، روحًا وجسدًا، فتتهيَّأ لعمل الآب الذي يُرسل ابنه في أحشائها يتجسّد منها. حقًا يا له من سرّ إلهي فائق فيه يًعلن الله حبُّه العجيب للإنسان وتكريمه له!

أما هذا الإعلان أحنت رأسها بالطاعة لتقول: "هوذا أنا أَمَة الرب ليكن لي كقولك" [38].

شك زكريَّا الكاهن في إنجاب زوجته، والبتول آمنت، وفي طاعتها قبِلت عمل الله، وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [لقد سَمت بإيمانها على الكاهن؛ فالكاهن أخطأ وتوارى، والعذراء قامت بإصلاح الخطأ.] هكذا صمت زكريَّا بسبب شكِّه وحملت العذراء بالكلمة المتجسّد أو النطق الإلهي الذي لن يصمت.

يرى القدّيس إيريناؤس أن طاعة القدّيسة مريم قد حلَّت موضع عِصيان أُمِّها حواء؛ الأخيرة بعِصيانها عقَّدت الأمر، وجاءت ابنتها تحِل العقدة بالطاعة.

ويرى اللاهوتيون أنه في هذه اللحظات التي قدَّمت الطاعة لله والخضوع قبلت التجسُّد، إذ لم يكن ممكنًا أن يتم التجسّد بغير إرادتها وقبولها للعمل، إذ يقدِّس الله الحريّة الإنسانيّة.

يقول القدّيس أمبروسيوس: [إنها تصف نفسها أَمََة للرب مع أنها اُختيرت أُمًا له، فإنَّ الوعد الذي تحقّق لم يُسقطها في الكبرياء.]

ويقول القدّيس أغسطينوس أن السيِّد المسيح المتواضع لا يُعلِّم أُمة - في الحبل به- الكبرياء بل التواضع!

+             +                +

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt