طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 17 بؤونة

عشية

باكر

القــــداس

مز 32 : 11 ، 33 : 1 ، 32 : 6 

مت 25 : 14 - 23

مز 33 : 1 ، 12

لو 19 : 11 - 19

فى 3 : 20

- 4 : 9

يع 5

9 - 20

أع 11

19 - 26

مز 34 : 19 ، 68 : 3

لو 12 : 32 – 44

 

إنجيل القداس .. لو 12 : 32 – 44

 

32 لا تخف ايها القطيع الصغير لان اباكم قد سر ان يعطيكم الملكوت
33 بيعوا ما لكم و اعطوا صدقة اعملوا لكم اكياسا لا تفنى و كنزا لا ينفد في السماوات حيث لا يقرب سارق و لا يبلي سوس
34 لانه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم ايضا
35 لتكن احقاؤكم ممنطقة و سرجكم موقدة
36 و انتم مثل اناس ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى اذا جاء و قرع يفتحون له للوقت
37 طوبى لاولئك العبيد الذين اذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين الحق اقول لكم انه يتمنطق و يتكئهم و يتقدم و يخدمهم
38 و ان اتى في الهزيع الثاني او اتى في الهزيع الثالث و وجدهم هكذا فطوبى لاولئك العبيد
39 و انما اعلموا هذا انه لو عرف رب البيت في اية ساعة ياتي السارق لسهر و لم يدع بيته ينقب
40 فكونوا انتم اذا مستعدين لانه في ساعة لا تظنون ياتي ابن الانسان
41 فقال له بطرس يا رب النا تقول هذا المثل ام للجميع ايضا
42 فقال الرب فمن هو الوكيل الامين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم العلوفة في حينها
43 طوبى لذلك العبد الذي اذا جاء سيده يجده يفعل هكذا
44 بالحق اقول لكم انه يقيمه على جميع امواله


 

 

القطيع الجديد ومسرة الآب

"لا تخف أيها القطيع الصغير، لأن أباكم قد سّر أن يعطيكم الملكوت" [32].

يا لها من عبارة معزية فإنه يدعو الله "أبانا"، فنطمئن من جهة رعايته واهتمامه وتدابيره لحسابنا. حقًا تبقى الكنيسة على الدوام "القطيع الصغير" لأن كثيرين يُدعون وقليلين ينتخبون. تختفي هذه القلة في العالم، لكنها محصاة في عيني الله، إذ يقول الرب لإيليا الذي ظن أن القطيع قد فني تمامًا: "قد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجثُ للبعل، وكل فم لم يقبله" (ا مل 19: 18).

إنه قطيع ليس فقط من جهة العدد، ولكن من جهة الإمكانيات البشريَّة، لا حول له ولا قوَّة زمنيَّة، لكنه موضع سرور الآب، ووارث الملكوت الأبدي! إنه القطيع الصغير في عيني العالم لكنه علي صدر الله يتمتع بنعمته الإِلهيَّة، ويغتصب بالحب ملكوت السماوات!

+ هذه بالحقيقة هي تعزية روحيَّة، والطريق الذي يقودنا إلي الإيمان الأكيد... بقوله: "لا تخف" يقصد أنه يجب أن يؤمنوا بهذا الأمر المؤكد الذي لا يحمل شكًا وهو أن أباهم السماوي يهب طريق الحياة للذين يحبُّونه. أنه لن يتجاهل خاصته، بل يفتح يده التي تشبع المسكونة بالصلاح...

الذي يهب هذه الأمور العظيمة والثمينة، ويمنح ملكوت السماوات هل يمتنع من جانبه عن أن يترفق بنا؟ أو هل لا يمدنا بالطعام والملبس؟ أي خير أرضي يعادل ملكوت السماوات؟ ماذا يمكن أن يُقارن بما سيمنحه الله من أمور لا يمكن إدراكها ولا أن ينطق بها؟ "ما لم تر عين، ولم تسمع أذن ولم يخطر علي بال إنسان ما أعده الله للذين يحبُّونه" (1 كو 2: 9). عندما تمتدح الغنى الأرضي وتعجب بالسلطان الزمني فإن هذه لا تقارن بالنسبة لما قد أُعد، إذ قيل: "لأن كل جسد كعشب وكل مجد إنسان كزهر عشب" (1 بط 1: 24). فإن كنت تتحدَّث عن الغنى والترف والولائم، فقد قيل: "العالم يمضي وشهوته" (1 يو 2: 17). الأمور الإلهيَّة لا تقارن بما للعالم. فإن كان الله يهب ملكوته لمحبيه أفلا يريد أن يقدَّم لهم طعامًا وثيابًا؟

لقد دعاهم "قطيعًا صغيرًا"، لأننا أقل من جموع الملائكة غير المحصيَّة، التي تفوق في القدرة أمورنا المائتة بما لا يقاس. هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص بنفسه في المثل المذكور في الأناجيل، إذ يقول: "أي إنسان منكم له مئه خروف وأضاع واحدًا منها ألا يترك التسعة والتسعين في البريَّة (علي الجبال) ويذهب من أجل الضال حتى يجده؟ وإذا وجده فالحق أقول لكم يفرح به أكثر من التسعة والتسعين الذين لم يضلوا (لو 15: 4 الخ). لاحظوا إن كان عدد الكائنات العاقلة يمتد إلي عشرة مضروبة في عشرة، فإن القطيع الذي علي الأرض ليس إلا واحدًا من مئة.

مع أنه صغير من جهة الطبيعة والعدد والكرامة أن قورن بطغمات الأرواح العلويَّة التي بلا عدد لكنه بصلاح الآب الذي يفوق كل وصف ويُعطى له نصيب مع الأرواح الفائقة، أقصد ملكوت السماوات.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ يعني ربَّنا بالقطيع الصغير أولئك الذين يريدون أن يصيروا تلاميذه (القليلي العدد)، أو ليظهر أن القدِّيسين في العالم يبدون صغارًا بسبب مقرهم الإختياري، أو لأنهم يُضمون إلي جموع الملائكة الذين يفوقوننا في كل ما نعتز به بما لا يقارن.

لقب "الصغير" أعطاه ربَّنا لمختاريه بمقارنتهم بالأعداد الضخمة من الأشرار، أو ربَّما من أجل تواضعهم الورع.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ انظر أن تنتمي إلي القلة المختارة، ولا تسلك ببرود متمثلاً بتراخي الكثيرين. عش كالقلة حتى تتأهل معهم للتمتع بالله "لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" (مت 20: 16).

القدِّيس يوحنا كاسيان

+ لكل واحد منا قطيع يقوده إلي المراعي الخضراء.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

القطيع الجديد والصدقة

إن كان السيِّد المسيح قد دعا قطيعه بالصغير ليُحسب أهلاً لمسرة الآب الذي يهبهم الملكوت، فإنه يليق بهذا القطيع أن يعلن شوقه لهذا الملكوت المجاني بتخليه عن كنوز العالم وتقديمها للفقراء كمن يحفظونها لهم في البيت الجديد أي في السماء. بهذا يقدَّم لنا السيِّد المسيح مفهومًا جديدًا للعطاء أو الصدقة، ألا وهو الكشف عن تفريغ القلب من حب الزمنيات بقصد الشبع السماوي.

"بيعوا مالكم وأعطوا صدقة.

أعملوا لكم أكياسًا لا تفنى، وكنزًا لا ينفذ في السماوات،

حيث لا يقرب سارق، ولا يبلى سوس.

لأنه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضًا" [33- 34].

يقول القدِّيس أغسطينوس: ]ليت أعماله تعلن صوته [، بمعنى أن كان المؤمن يتحدَّث عن الملكوت، فليعلن حديثه هذا عمليًا بالعطاء.

+ ليكن شغفنا نحو الأمور المقبلة ثابتًا، لنخزن الرجاء في الأمور العتيدة ككنزٍ لنا. لنجمع أمامنا لأنفسنا كل هذه الأمور التي بها نتأهل لعطايا الله.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ الصدقة دواء لكل جرح. لكن الصدقة لا تُمارس بالعطاء المالي وحده، بل بكل ما يمكن للإنسان أن يريح به آخر، فالطبيب يعالج والحكيم يقدَّم مشورة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ قد يسأل أحد: على أي أساس يلزمنا أن نبيع مالنا؟ هل لأنها أمور ضارة بطبعها؟ أو لأنها تمثل تجربة لنفوسنا؟

نجيب علي ذلك أولا بأن لو كان كل ما في العالم شرِّيرا في ذاته لما حُسبت خليقة الله، لأن خليقة الله صالحة (1تى 4: 4). ثانيًا أن وصيَّة ربَّنا تعلمنا أن ننزع الشر الذي فينا لا أن نقدَّمه للغير، قائلاً "اعطوا صدقة".

القدِّيس باسيليوس الكبير

القطيع الجديد ومجيء الصديق

إذ يرفع السيِّد قلب قطيعه الصغير نحو السماء، ويسأله أن يقدَّم كل كنوزه إلي المخازن السماويَّة حيث لا ينفذ إليها سوس، ولا يقترب منها سارق، يلهب القلب بمجيء العريس السماوي، راعي القطيع الجديد، فيبقى الجسد متمنطقًا كمن هو مستعد للرحيل معه، والنفس كسراج متقد بحب العريس القادم، وكل ما في كيان الإنسان في حالة سهر ويقظة ليرحل الكل إلي حيث يوجد العريس.

لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة.

وأنتم مثل أناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العريس

حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت" [35-36].

ما هي الأحقاء الممنطقة إلا الجسد العفيف الذي يسلك كما في حالة انضباط وتأدب؟ وما هي السرج الموقدة إلا النفوس الملتهبة بروح الله واهب الإنارة؟ ومن هم الأناس الذين ينتظرون سيِّدهم إلا طاقات الإنسان ودوافعه بكل عواطفه وأحاسيسه ومواهبه؟... الكل يعمل كما في يقظة من أجل العريس القادم ليملك.

+ تمنطق الأحقاء وربطها بجلد ميت (حزام جلدي يسمى المنطقة) من حولها يعني أن الإنسان يمارس إماتة هذه الأعضاء التي تضم بذار الشهوة والدنس، فيعرف علي الدوام وصيَّة الإنجيل: "لتكن أحقاؤكم ممنطقة"، مطبقًا ذلك كتفسير الرسول: "فأميتوا أعضاءكم التي علي الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الرديَّة" (كو 3: 5). نجد في الكتاب المقدَّس الذين يمنطقون أحقاءهم هم وحدهم الذين يهلكون بذار الشهوة الجسديَّة، مترنمين بقوَّة، مرددين كلمات الطوباوي داود: "قد صرت كزقٍ في الدخان" (مز 119: 83).

القدِّيس يوحنا كاسيان

+ ماذا يعني: "أحقاؤكم ممنطقة"؟ اترك الشر (مز 34: 14).

ماذا يعنى "سرجكم موقدة"؟ اصنع الخير.

القدِّيس أغسطينوس

+ الأحقاء الممنطقة تعني البتولية (أو العفة)، والسرج الموقدة الأعمال الصالحة.

القدِّيس أغسطينوس

+ ماذا يعني أن نمنطق أحقاءنا؟ أن نضبط شهواتنا، الذي هو عمل العفة. أما إبقاء سرجنا يعني أن نشعلها ونوهجها بالأعمال الصالحة، أي بعمل البر.

القدِّيس أغسطينوس

+ "لتكن أحقاؤكم ممنطقة"، أي تكونون دائمًا علي استعداد لتمارسوا عمل ربكم. "وسرجكم موقدة" أي لا تسلكون الحياة في ظلمة، إذ يكون لكم نور التعقل الذي يكشف ما يجب أن تفعلوه وما تمتنعوا عنه. فإن هذا العالم هو ليل، فمن لهم الأحقاء ممنطقة يمارسون حياة عملية نشطة. لأن هذا هو حال الخدم الذين يجب أن تكون لهم المصابيح الموقدة أي عطيَّة التمييز، فيكون الإنسان العامل قادرًا علي تمييز ليس فقط ما يجب أن يفعله، وإنما كيفيَّة ممارسته حتى لا يسقط مندفعًا في هوة الكبرياء.

لنجاهد ممارسين الفضائل، فيكون لنا سراجان منيران هما الفهم العقلي الذي يشرق في النفس فنستنير، والتعليم الذي به ننير للآخرين.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ يليق بالرسل أن يتمنطقوا ليحملوا سرج الإنجيل.

القدِّيس جيروم

+ لا يقل أحد أن السيِّد يريدنا أن نمنطق جسدنا، ونمسك بسرج في أيدينا (بالمعنى الحرفي)، فإن هذا التفسير يناسب غباوة اليهود وحدهم، أما بالنسبة لنا فالأحقاء الممنطقة تعنى استعداد الذهن للعمل بقوَّة في كل ما هو ممدوح... والسراج يمثل يقظة الذهن والفرح العقلى.

القدِّيس كيرلس الكبير

يمكننا أيضًا أن نقول أن هذين الأمرين يشيران إلي شركة الجسد مع النفس في الحياة المقدَّسة، فمنطقة الأحقاء تشير إلي الجسد الذي قمعه الرسول، واستعبده لا ليحطمه، وإنما ليربيه بالروح القدس فيحيا مقدَّسا للرب، والسرج المنيرة هي النفس بكل طاقاتها تضيء داخل الجسد ليعيش الإنسان في وحدة وتناسق تحت قيادة الروح لحساب مملكة النور.

إن كان هذان العملان يمارسهما الإنسان بالعمل الروحي، فإن وصيَّة الرب جاءت تعلن الالتزام بالعمل خلال اليقظة والسهر المستمر حتى يأتي السيِّد ويحلّ في الوسط عريسًا للنفس، إذ يقول: "وأنتم مثل أناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العرس حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت" [36].

+ يليق بنا أن نتطلع إلى مجيء المسيح الثاني من السماء، فإنه سيأتي في مجد الآب مع الملائكة القدِّيسين... سيأتي المسيح كما من وليمة، لهذا يظهر بوضوح أن الله سكن كما في أعياد (عرس)، الأمر الذي يليق به. فإنه لا يوجد حزن قط في الأعالي، إذ لا يوجد قط شيء يحزن الطبيعة التي فوق الأهواء والتي لا تتأثر بها قط.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ عندما صعد ربَّنا إلي السماوات ذهب إلي العرس، كعريس التصق بجموع الملائكة السمائيين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إنه يأتي كما من فرح ٍكعريس يطلب عروسه البشريَّة؛ إه يقرع فيفتحون له للوقت [36]. ماذا يعني قرعه علي الباب إلا إصداره الأمر بالقيامة! وفتح الباب للوقت إلا استعدادهم السريع لملاقاته، إذ رقدوا على هذا الرجاء منتظرين يوم العرس الأبدي. يفتح المؤمنون الحقيقيون الباب ليدخل العريس كما في مملكته، ويفتح هو لهم لينعموا بأحضان الآب، أما الأشرار فيقومون لكن كما في موتٍ أبديٍ، لا يحملون بهجة القيامة، ولا يتمتعون برؤية الأمجاد الإلهيَّة... وهكذا تبقى أبوابهم مغلقة لا يدخلها العريس، وأبواب العريس الدهريَّة مغلقة لا يقدرون العبور فيها.

يكمل السيِّد المسيح حديثه، قائلاً: "الحق أقول لكم أنه يتمنطق ويتكئهم، ويتقدَّم ويخدمهم" [37]. يا للعجب العريس يتمنطق مكرمًا عروسه التي يتكئها، ويقوم فيخدمها بنفسه. إنه يخدم الذين سبقوا فتمنطقوا في العالم وقاموا يخدمون الآخرين لحساب العريس السماوي فتأهلوا لأن يخدمهم هو...

يشعل هذا المنظر قلب القدِّيس يوحنا الذهبي الفم، فيقول: [إذ نسمع عن هذه الأمور يليق بنا ألا نهتم بأهل الإيمان وحدهم (غل 6: 10) مهملين الآخرين. أن رأيت أحدًا في ضيق فلا تكن محبًا للاستطلاع فتكثر الأسئلة، بل مادام في ضيق فاحسب هذا فيه كفاية لينعم بعونك. أنه إنسان الله سواء كان وثنيًا أو يهوديًا، حتى أن كان كافرًا فهو محتاج إلي عونك. ]

+ إننا ننال مكافأة مشابهة، إذ يتمنطق هو بالنسبة للذين منطقوا أحقاءهم.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ يمنطق حقويه بالبرّ.

العلامة أوريجينوس

+ يمنطق حقويَّة بمعنى أنه يستعد للدينونة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إنه يتمنطق ويتقدَّم للخدمة بعد أن يتكئهم أو يجلسهم [37].

+ يتكؤهم كمن يلطف من تعبهم، مقدَّمًا أمامهم الملذّات الروحيَّة، ويعد لهم مائدة عطاياه الفاخرة.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ الاتكاء هنا يعني الراحة من أتعاب كثيرة، والحياة بلا قلق، والتغير لطبيعة الذين يقطنون في النور فتغتنى بكل المشاعر المقدَّسة وتفيض عليها كل العطايا، فيمتلئون فرحًا. فيسوع يتكئهم ليهبهم راحة أبديَّة ويوزع عليهم بركات بلا عدد.

القدِّيس ديونسيوس الأريوباغى

إذ كشف عن حال القطيع الصغير المترقب مجيء صديقه الفريد وراعيه الواحد وعريسه السماوي، بدأ يؤكد الالتزام بالسهر وترقب هذا المجيء، بقوله:

"وإن أتى في الهزيع الثاني أو أتى في الهزيع الثالث

ووجدهم هكذا فطوبى لأولئك العبيد.

وإنما اعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أية ساعة يأتي السارق

لسهر ولم يدع بيته يُنقب.

فكونوا أنتم إذًا مستعدين

لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان" [38-40].

يرى الأب ميثوديوس أن السيِّد المسيح قد يأتي في الهزيع الأول عندما يكون الإنسان في طفولته، وربما ينتظرنا حتى الهزيع الثاني، أي عندما نبلغ النضوج (الرجولة) أو في الهزيع الثالث أي في الشيخوخة. إذن لنستعد لملاقاته إن كنا أطفالاً أو كبارًا أو شيوخًا. وقد قدَّم لنا القدِّيس كيرلس الكبير ذات التفسير.

القطيع الجديد والأمانة علي الوكالة

سحب السيِّد قلب قطيعه إليه ليترقب مجيئه الأخير، فيتمتع القطيع الجديد بملكوت الله. الآن يعلن السيِّد المسيح لقطيعه الإلتزام بالأمانة حتى يكون له نصيب في هذا الملكوت.

"فقال له بطرس: يا رب ألنا تقول هذا المثل أم للجميع أيضًا؟

فقال الرب: فمن هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيِّده علي خدمه

ليعطيهم العلوفة في حينها؟" [41-42].

إذ سمع القدِّيس بطرس المثل الخاص بيوم مجيء الرب والذي فيه يعلن السيِّد مجيئه فجأة، سائلاً إياهم السهر واليقظة والترقب لهذا المجيء، سأل القدِّيس بطرس سيِّده أن كان هذا المثل خاص بالتلاميذ وحدهم أم عام للكل؟

لعل القدِّيس بطرس تساءل في أعماق نفسه: ماذا يقصد السيِّد بقوله "أولئك العبيد"؟ ألعله يقصد التلاميذ الذين يؤتمنون علي "بيت الله" كخدام ورعاة حتى يأتي "رب البيت"، أم يقصد بهم كل مؤمن بكونه قد أؤتمن علي حياته كبيت الله كخادم وراعٍ للجسد والنفس والطاقات والمواهب وكل الإمكانيات لتعمل معًا لحساب رب البيت، السيِّد المسيح نفسه؟

جاءت إجابة السيِّد: "فمن هو الوكيل الأمين الحكيم، الذي يقيمه سيِّده علي خدمه، ليعطيهم العلوفة في حينها؟" [42].

وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم لم يقدَّم ربَّنا هذا السؤال لأنه يجهل من هم مؤمنين ووكلاء حكماء، إنما أراد أن يكشف عن ندرة وجودهم خاصة لكي يؤتمنوا علي خدمة الكنيسة.

+ من يُوجد أمينًا ووكيلاً حكيمًا فليتسلم تدبير بيت الرب ليعطي العلوفة (نصيبهم في الطعام) في حينها، الذي هو كلمة التعليم المغذي لنفوسهم، أو القدرة العملية التي تشكّل حياتهم.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ لقد سام المخلِّص الرسل كوكلاء علي خدمه، أي على أولئك الذين رُبحوا بالإيمان لمعرفة مجده - أناس أمناء وذو فهم عظيم، مثقفون حسنًا بالتعليم المقدَّس.

لقد سامهم، آمرًا إياهم أن يقدَّموا الطعام المسموح به، ليس بدون تمييز، وإنما في حينه. أقصد الطعام الروحي الذي يقدَّم بما يليق بكل فرد وما يشبعه. فإنه لا يليق تقديم التعليمات في كل النقاط بطريقة واحدة لكل الذين يؤمنون بالمسيح، إذ كُتب: "معرفة اعرف نفوس غنمك" (أم 27: 23). فعندما نقدَّم طرق الحق لإنسان صار تلميذًا حديثًا نستخدم معه التعليم البسيط الذي لا يحمل أمرًا يصعب فهمه أو إدراكه... الأمر الذي يختلف تمامًا عن الطريق الذي نستخدمه في تهذيب الذين ثبتوا بالأكثر في الفكر والقادرون علي إدراك العلو والعمق والطول والعرض لمفاهيم اللاهوت السامي، وكما سبق فقلنا: "الطعام القوي فللبالغين" (عب 5: 14).

القدِّيس كيرلس الكبير

مجىء السيِّد يفرز الوكلاء الأمناء والحكماء من الوكلاء المتهاونين العنفاء والعاملين لحساب بطولتهم لا لحساب موكلهم، إذ يقول:

"طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيِّده يفعل هكذا.

بالحق أقول لكم أنه يقيمه علي جميع أمواله.

ولكن أن قال ذلك العبد في قلبه سيدي يبطىء قدومه،

فيبتدىء يضرب الغلمان والجواري ويأكل ويشرب ويسكر.

يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره،

وفي ساعة لا يعرفها، فيقطعه ويجعل نصيبه مع الخائنين" [43-46].

+ من يعطي الخدم رفقاءه نصيبهم من الطعام بحكمة في حينه حسب احتياجهم يكون مطوّبًا جدّا كقول المخلِّص، إذ يُحسب أهلاٍ لأمور أعظم، ويتقبل مكافأة تليق بأمانته... هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص في موضع آخر حين مدح العبد العامل والأمين، قائلاً: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا في القليل فأقيمك علي الكثير، أدخل إلي فرح سيدك" (مت 25: 21).

أما أن أهمل واجبه فلم يكن مجتهدًا ولا أمينًا، مستخفًا بالسهر علي هذه الأمور كأنها تافهة، يترك ذهنه يرتبك بالاهتمامات الأرضية، ويفسده بأمور غير لائقة، فيستخدم العنف والقسوة مع الخاضعين تحته، ولا يقدَّم لهم نصيبهم، فسيكون في بؤس مطبق. فإن هذا هو معنى أنه "يقطعه"، كما أظن، "ويجعل نصيبه مع الخائنين". فإن من يسيء إلي مجد المسيح أو يتجاسر فيستهين بالقطيع الموكل إليه لا يختلف عن الذين لا يعرفون المسيح، ويُحسب هؤلاء مع الذين لا يحبُّونه. فإن المسيح قال للطوباوي بطرس: "يا سمعان بن يونا أتحبني؟ ارع خرافي، ارع غنم" (يو 21: 15-16). فمن يرعى غنمه إنما يحبها، ومن يهملها ويترك رعاية الخراف الموكل بها إليه يبغضها. وإن كان يبغضها فسيُعاقب ويحسب مع غير المؤمنين.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ "يقيمه علي جميع أمواله" [44]، ليس فقط علي بيته، وإنما علي الأمور الأرضية كما السماويَّة فتطيعه. وذلك كما حدث مع يشوع بن نون وإيليا، واحد أمر الشمس، والآخر أمر السحب؛ وكل القدِّيسين كأصدقاء لله استخدموا ما لله. من يعبر حياته بطريقة فاضلة ويخضع خدمه بطريقة لائقة مثل الغضب والشهوة، ويمدهم بالطعام في حينه؛ فبالنسبة للغضب يستخدمه ضد مبغضي الله (لتوبتهم)، وبالنسبة للشهوة يمارسها في حدود الضرورة اللازمة للجسد، مخضعًا إيَّاها لله؛ مثل هذا أقول يقيمه الله علي جميع أمواله إذ يُحسب أهلاً أن يتمتع بنظر كل الأمور (الإلهيَّة) خلال نور التأمَّل.

الأب ثيؤفلاكتيوس

ليتنا إذن نكون وكلاء أمناء ليس فقط كخدام نقدَّم الطعام الروحي اللائق بكل نفس في حينه، وإنما حتى بالنسبة لنا، فنكون أمناء علي الخدام الذين تحت أيدينا، كالجسد بكل أعضائه وأحاسيسه، والفكر بكل طاقاته، والقلب بكل عواطفه والغرائز. ليكن كل ما هو بين أيدينا أمانة تسلمناها من قبل الرب، يلزمنا أن نخدمها بالروح القدس، فنعطيها شبعًا لا بأمور هذه الحياة الباطلة، وإنما بطعام الروح، كلمة الله التي تُشبع كل كياننا. عندئذ يقيمنا الله علي جميع أمواله، إذ تخضع السماء والأرض لإشتياقاتنا في الرب، ويعمل الكل لبنياننا، ويصير كل منا أشبه بملكٍ صاحب سلطان في الرب، ملك الملوك ورب الأرباب.

إنه لا يليق بنا أن نضرب "الغلمان والجواري"، فإن كانت الغلمان تشير إلى طاقات النفس فإن الجواري تشير إلي طاقات الجسد، لأننا كما سبق في دراساتنا السابقة رأينا أن النفس يُرمز لها بالذكر والجسد بالأنثى، فالغلمان هم أبناء النفس، والجواري هن بنات الجسد؛ ونحن مطالبون ألا نحطم هؤلاء ولا أولئك، بل نقوَّتهم ونربيهم، ليكون الكل مقدَّسًا للرب، عاملاً بروحٍ منسجمٍ لحساب ملكوت الله.

يقدَّم لنا السد مبدأ هامًا في المكافأة أو الجزاء وهو أنه كلما زادت المعرفة صارت المسئولية أعظم وبالتالي تكون المكافأة أو يكون الجزاء أكثر.

+        +        +

 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt