طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

تفسير قراءات 29 كيهك

قــراءات عيـد الميـلاد المجيـــد

 

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 72 : 10

لو 3 : 23 - 38

مز 72 : 15

يو 1 : 14 - 17

عب 1 : 1

- 2 : 4

2 بط 1

12 - 17

أع 13

26 - 33

مز 2 : 7 ، 8

مت 2 : 1 - 12

إنجيل باكر   يوحنا 1 : 14 – 17

14 و الكلمة صار جسدا و حل بيننا و راينا مجده مجدا كما لوحيد من الاب مملوءا نعمة و حقا
15 يوحنا شهد له و نادى قائلا هذا هو الذي قلت عنه ان الذي ياتي بعدي صار قدامي لانه كان قبلي
16 و من ملئه نحن جميعا اخذنا و نعمة فوق نعمة
17 لان الناموس بموسى اعطي اما النعمة و الحق فبيسوع المسيح صارا

 

الكلمة صار جسدًا

سرّ الدهور كلها أن الكلمة الإلهي الأزلي صار جسدًا، إذ اتحد اللاهوت بالناسوت، وصار واحدًا منا. من رآه وتلامس معه رأى مجد الابن الوحيد لأبيه كما شهد القديس يوحنا المعمدان بذلك (15(، وتمتع بالنعمة والحق (17).

"والكلمة صار جسدًا، وحل بيننا،

ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب،

مملوء نعمة وحقًا" (14).

يا له من تقديم رائع لأقنوم الكلمة بكونه مع الآب كائن معه من الأزل، وواحد معه في الجوهر، الخالق لكل ما في السماء وعلي الأرض، واهب الحياة، والنور الحقيقي المشرق على الجالسين في الظلمة، يرفعهم فيه لينالوا نعمة التبني لله الآب. الآن لآخر مرة يذكر الإنجيلي اسم "الكلمة" إذ صار جسدًا، فدخل إلى عالم البشر، لا خلال رؤية أو حلم أو كضيف غريب، وإنما كإنسانٍ حقيقيٍ كاملٍ يعيش وسط اخوته الأصاغر. تجسد ليخفي عظمة بهاء لاهوته التي لا تقدر عين بشرية أن تحدق فيه، لكنه خلال هذا السرّ يفتح باب المعرفة والرؤية ليتمتع المؤمن بالبنوة لله والتعرف على الأسرار الإلهية. إنه لا يريدنا أن نقف عند حجاب الجسد ونتجاهل حقيقته، لذا يقول: "طوبي لمن لا يعثر فيّ" (مت 11: 6).

يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم البشرية الساقطة بامرأة زانية، وقد نزل العريس السماوي مختفيًا في الجسد لكي لا تخافه فتهرب منه، بل تلتقي معه وتتمتع بالمصالحة مع الآب، وتقبل الاتحاد مع عريسها السماوي إذ تتعرف على أسراره، وتنطلق معه إلى سمواته.

صار الكلمة إنسانًا ليضم البشر فيه فيتمتعوا بالإعلان الإلهي والمعرفة الإلهية عن اتحاد وقرب واختبار.

من أجلنا أخلى نفسه عن مجده الإلهي المنظور، وكما يقول الرسول بولس: "الذي كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، أخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس" (في2: 6-7).. هذا الإخلاء لم يسبب تغييرًا في خصائص لاهوته، لأن لاهوته المتحد بناسوته لم يمتزج معه، إنما بتأنسه صار الكلمة إنسانًا كاملاً حقيقيًا وهو العلي الإله السماوي. بهذا فتح لنا بابًا إلى الأقداس السماوية. "فإذ لنا أيها الاخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقًا كرسه لنا حديثًا حيًا بالحجاب، أي جسده" (عب 10: 19-20).

"ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا".

في العبارات السابقة حلق بنا الإنجيلي يوحنا في جو الإلهيات حيث نشعر بالعجز الكامل عن إدراك أسرار الكلمة الإلهي. لكنه لم يتركنا في عجز لئلا نيأس، إذ عاد فأعلن أن هذا الكلمة صار جسدًا، صار قريبًا إلينا جدًا، في متناول يدنا، نراه ونلمسه ونسمعه ونعيش معه، نشاركه حياته.

نتطلع إلى ابن الإنسان فنراه وهو الكلمة الإلهي حمل الصليب فدان الخطية بالجسد، إذ قدمه ذبيحة خطية من أجل خلاص العالم ومجده. نراه على الصليب في ساعة مجده الخفي، حيث حملنا بصليبه إلى حضن أبيه أبناء مقدسين وممجدين، شركاء في الطبيعة الإلهية.

هذا الجسد العجيب المصلوب القائم من الأموات هو سرّ ثبوتنا فيه ومجدنا وحياتنا أبديًا، يقدمه لنا على الدوام خلال سرّ الافخارستيا، خلاصًا من خطايانا وحياة أبدية لمن يتناول منه.

+ لنصغ أيها المستمعون إلى الأناجيل المقدسة، إلى يوحنا اللاهوتي، إذ يقول: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند اللَّه، وكان الكلمة اللَّه". ويكمل قائلاً: "والكلمة صار جسدًا". لأنه ليس حسنًا أن نتعبد لإنسانٍ عاديٍ، ولا أن نقول إن المسيح إله فقط ناكرين ناسوته. لأنه إن كان المسيح هو اللَّه فهذا حق، لكن إن قلنا إنه لم يأخذ الطبيعة البشرية يصير الخلاص غريبًا عنا.

إذن لنتعبد له بكونه إله مؤمنين بتأنسه، لأنه لا نفع من القول عنه أنه إنسان وليس اللَّه، أو أي خلاص لنا إن رفضنا الاعتراف ببشريته مع ألوهيته؟

لنعترف بحضوره إذ هو ملك وطبيب. لأن يسوع الملك إذ صار طبيبًا اتزر بكتان ناسوتنا، وشفي ما كان مريضًا.

المعلم الكامل للرُضع صار رضيعًا بينهم (رو 20:2) لكي يعطى حكمة للجهلاء. خبز السماء نزل إلى الأرض لكي يطعم الجياع!

القديس كيرلس الأورشليمي

+ إذ أعلن أن الذين يقبلونه يولدون من الله ويصيرون أولاد الله، أضاف العلة والسبب لهذه الكرامة التي لا ينطق بها. ألا وهي: "الكلمة صار جسدًا" (14)، فقد أخذ السيد صورة عبد.

لقد صار ابن الإنسان الذي هو ابن الله، لكي يجعل أبناء البشر أبناء لله.

فانه إذ يجتمع العالي بالأسفل لا تُهان كرامته، بل يرفع المنحط من انحطاطه الدنيء؛ هذا ما حدث مع الرب.

ليس من شيءٍ قد قلل من طبيعته بتنازله، بل رفعنا نحن الذين كنا على الدوام جالسين في الخزي والظلمة، إلى مجد لا ينطق به.

هكذا إن تحدث ملك باهتمامٍ وحنوٍ مع إنسان فقيرٍ وضيعٍ، فإن هذا لا يمثل عارًا على الملك، بل يتطلع الكل إلى الآخر باهتمام وتقدير.

+ وإذا سمعت أن "الكلمة صار جسدًا" لا تضطرب ولا تسقط، لأن المسيح لم ينتقل من جوهره إلى الجسد، لأن هذه الأفكار فيها كفر وإلحاد، لكن جوهره بقي على ما هو، فاتخذ على هذه الجهة صورة عبد.

وإن سألت: ولِم استعمل البشير كلمة "صار"؟ أجبتك استعملها لكي يسد بها أفواه أصحاب البدع، لأنه إذ يوجد أناس يقولون إن أعمال تدبير ربنا كلها إنما كانت خيالاً وتوهمًا، لذلك وضع البشير قوله "والكلمة صار جسدًا"، وبهذا أبطل من بداية كلامه تجديفهم، وبيّن أنه اتخذ جسدًا حقيقيًا...

القديس يوحنا الذهبي الفم

"حلّ" أو "سكن" skeenoso باليونانية، وهي تعني إقامة مسكن مؤقت أو خيمة للإيواء. هذا المعنى يناسب ناسوت السيد المسيح، الذي رُمز له بخيمة الاجتماع أو المسكن في العهد القديم. وهو مسكن قابل للموت، لكنه دون أن ينفصل عن لاهوته. كما يُستخدم هذا التعبير في اليونانية عن إقامة مبنى يستخدم في المناسبات والأعياد. فتجسد السيد المسيح حول حياتنا إلى عيدٍ لا ينقطع.

إذ ارتبط قلب الإنسان بالأرض فظن أن سكناه عليها أبديًا، ولم يعد قادرًا على الانطلاق بقلبه وفكره وأحاسيسه خارج حدود الأرض والزمن، أعلن الرب منذ القديم اشتياقه للسكنى في وسطهم، حتى يذوقوا خالق الأرض والسماء، فيشتهون الانطلاق إليه والسكنى معه. ففي أيام موسى "غطت السحابة خيمة الاجتماع، وملأ بهاء الرب المسكن، فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الاجتماع " (خر 40: 34- 35). وفي عصر الأنبياء يعلن الرب: "ترنمي وافرحي يا بنت صهيون، لأني هأنذا آتي وأسكن في وسطك يقول الرب" (زك 2: 10). وفي أرض السبي حيث فقد الشعب أرض الموعد مسكنًا لهم وعدهم الله، لا أن يردهم فحسب ليسكنوا في كنعان، بل يجعل فيهم مسكنًا مقدسًا له، أفضل من الأرض: "ويكون مسكني فوقهم، وأكون لهم إلهًا، ويكونون لي شعبَا" (حز 37: 27).

يصيرون أشبه بتابوت العهد حيث كان الله يعلن عن حضرته على غطائه بين الشاروبين. أما وقد تجسد الكلمة فصار كمن سكن البشرية باتحاد الكلمة بالناسوت، إذ صارت هيكله الجديد، وحل بيننا لنرى مجده، وننعم بالشركة معه. وهكذا فتح لنا تجسده ينبوعًا من النعم لا ينقطع.

+ "حل بيننا" حتى نتمكن أن ندنو منه وأن نخاطبه ونتصرف معه بمجاهرة كثيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ حلّ الكلمة بإخلائه وتجسده بيننا إنما لنختبر قبسًا من مجده، فنشتهي التمتع برؤية المجد الإلهي. هذا ما اختبره المعمدان في لحظات عماد السيد المسيح، فانفتحت عيناه على معرفته له بصورة أروع.

وهذا ما اختبره بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل طابور حين تجلى السيد المسيح أمامهم. وقد سجل لنا بطرس الرسول تلك الخبرة: "لأننا لم نتبع خرافات مصنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته، لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء، إذ كنا معه في الجبل المقدس" (2 بط 1: 16-18).

بالصليب والقيامة أعلن مجد حب الرب الفائق للبشرية وشوقه لإقامة الكل من الأموات. وقد عبر سفر إشعياء عن ذلك في حديثه عن العصر المسياني: "يصير المعوج مستقيمًا، والعراقيب سهلاً، فيعلن مجد الرب، ويراه كل بشر معًا، لأن فم الرب تكلم" (إش 40: 4- 5).

أعلن هذا المجد الإلهي الذي لابن الله الوحيد، إذ بالتجسد الإلهي تعرفنا على حب الآب الفريد لابنه كمصدر لتمتعنا نحن بالحب الإلهي. إذ "بهذا ظهرت محبة الله فينا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به "(1 يو 4: 9).

أعلن مجده إذ قدم لنا ابنه الوحيد مصدر النعم والبركات، لكنها تقدم بروح الحق. يغفر خطايانا، لكنه هو يدفع الثمن. يفتح باب السماء، وهو الذي يقدسنا بروحه القدوس لندخل المقادس الإلهية السماوية، بهذا يربط النعمة بالحق.

+ ما هذا؟ "رأينا مجده مجدًا كما لوحيدٍ من الآب". ما كان يمكننا أن نراه (المجد) ما لم يُظهر لنا خلال جسد يخفيه ويعيش بيننا...

ولكن ماذا يعني "مجدًا كما لوحيدٍ من الآب"؟ حيث أن كثير من الأنبياء أيضًا قد تمجدوا، مثل موسى وإيليا وإليشع. فإليشع أحاطت به مركبة نارية (2 مل 6: 17)، وإيليا صعد عليها، وبعدهما دانيال والثلاثة فتية وآخرون كثيرون أظهروا عجائب ومُجدوا، وظهرت ملائكة للبشر... بل ظهر لهم حتى الشاروبيم والسيرافيم.

يقودنا الإنجيل بعيدًا عن كل هذه، وعن الخليقة، وبهاء العبيد زملائنا ويضعنا أمام ذروة الأمور الصالحة... السيد نفسه، الملك ذاته، الابن الوحيد الأصيل، رب الكل نفسه، رأينا مجده.

تعبير "كما" لا يعني هنا المشابهة أو المقارنة وإنما لفظة تحقيق وتحديد خالٍ من الشك، كأنه قال: "ورأينا مجده مجدًا كما وجب أن يمتلكه ابن وحيد خالص لإله الخليقة كلها وملكها"1.

القديس يوحنا الذهبي الفم

v كل جسدٍ هو عشب، وكل مجدٍ كزهر العشب. العشب يجف والزهر يسقط... "أما كلمة الله فتبقى إلى الأبد" (إش ٤٠: ٦، ٧ ؛ ١ بط ١: ٢٤، ٢٥).

لكن لكي يعيننا "الكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا" (يو ١: ١٤).

ماذا يعني "الكلمة صار جسدًا؟ الذهب صار عشبًا. صار عشبًا لكي يحترق. احترق العشب لكن بقي الذهب. في العشب لم يحترق (الذهب)، بل غيَّر العشب. كيف غيره؟ أقامه وأحياه ورفعه إلى السماء، وأقامه عن يمين الآب.

+ حتى في كونه قد صار ابن الإنسان يختلف عنا كثيرًا. نحن أبناء البشر بشهوة الجسد، هو ابن الإنسان بإيمان بتول.

والدة أي إنسان آخر مهما يكن تحبل باتحاد جسدي؛ وكل أحد يُولد من والدين بشريين: من أبيه وأمه. أما المسيح فوُلد من الروح القدس والعذراء مريم.

جاء إلينا، لكنه لم يفارق ذاته (لاهوته)، نعم من ذاته بكونه الله لن يفارق ذاته، بل أخذ ما هو لطبيعتنا.

جاء إلى ما لم يكن هو عليه، ولم يفقد ما كان عليه.

صار ابن الإنسان، ولم يكف عن أن يبقى ابن الله...

لم يأتِ إلينا كمن يترك الآب. ومن عندنا ذهب لكنه لم يتركنا. وإلينا سيأتي مرة أخرى، لكنه لا يترك الآب.

+ لكي نقتني (رؤيته) إن كنا لا نقدر بعد أن نرى الله الكلمة، لنسمع "الكلمة صار جسدًا"، ناظرين أننا نحن جسديون، فلنسمع الكلمة المتجسد. فإنه لهذا السبب جاء، ولهذا السبب حمل ضعفنا حتى يمكن أن نقبل كلمات الله القوية الحامل ضعفنا.

بحق قد دُعي "اللبن"، إذ يهب لبنًا للرضع حتى يقدم وجبة الحكمة (اللحم) للناضجين.

لترضع الآن في صبرٍ حتى تُنعش رغبة قلبك المملوءة غيرة...

إذ أن الرضع ليس لهم قوة كافية ليأكلوا لحمًا موضوعًا على المائدة، ماذا تفعل الأم؟ إنها تحول اللحم Incarnat إلى مادة جسمها وتجعل منه لبنًا. إنها تجعل منه ما نستطيع أن نأخذه.

هكذا الكلمة صار جسدًا حتى يمكننا نحن الصغار، الذين بالحق كالرضع بالنسبة للطعام، فننتعش باللبن.

لكن يوجد هنا اختلاف بأن تجعل الأم الطعام يتحول من لحم إلى لبن، والطعام إلى لبن، أما الكلمة الذي سكن بنفسه آخذًا الجسد دون أن يتغير حتى يبدو كنسيجٍ من الاثنين.

+ أولاً لتدركوا تنازل الله. لتتنازلوا فتكونوا متواضعين لأجل أنفسكم، متطلعين إلى الله الذي تنازل متواضعًا لأجلكم أيضًا وليس لأجل نفسه...

اعترفوا بضعفكم؛ ولترقدوا أمام الطبيب في صبرٍ.

عندما تدركوا تنازله ترتفعوا معه، ليس بأن يرفع نفسه بكونه الكلمة، بل بالأحرى يُدرَكْ منكم أكثر فأكثر...

هو لا يزيد، لكنكم أنتم تتقدمون، فيكون كمن ارتفع معكم...

تطلعوا إلى الشجرة فإنها أولا ضربت جذورها إلى أسفل حتى تنمو إلى فوق. تثبت جذرها السفلي في الأرض لكي ما تمتد بقمتها إلى السماء. هل تبذل جهدًا للنمو إلاَّ من خلال التواضع؟ إذن "ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة... لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف ٣: ١٧ - ١٩).

+ لتؤمن أن في هذا الناسوت أخذ ابن اللَّه طبيعتنا كاملة، أي النفس العاقلة والجسد القابل للموت، بدون خطية. لقد شاركنا ضعفنا، لكنه لم يشاركنه شرنا، حتى بالضعف المشترك معنا يحل رباطات شرنا ويُحضرنا إلى برِّه، شاربًا الموت من كأسنا، ساكبًا الحياة من الذي له.

+ كان قبل وجود جسده، لقد خلق أمه واختارها هذه التي منها يُجعل به، خلق هذه التي منها يُخلق (حسب الجسد). فلماذا تتعجبون؟ فإني أتحدث إليكم عن الله: "وكان الكلمة الله".

إني أتحدث عن الكلمة، الذي هو ربنا، يحمل شيِئًا ما من التشابه مع كلمة البشر، وإن كانت غير متساوية إلى أبعد الحدود، وليس من وجه للمقارنة. ولكن يوجد شيء ينقل إليكم تلميحًا عن شيءٍ من التشابه. نعم فإن الكلمة التي أنطق بها إليكم كانت في قلبي. لقد جاءت إليكم لكنها لم تفارقني. إنها تبدأ أن تكون فيكم وهي لم تكن فيكم. إنها مستمرة معي عندما خرجت إليكم.

إذن كما أن كلمتي قد جُلبت إلى أجسامكم ولم تفارق قلبي، هكذا الكلمة جاء إلى حواسنا ومع ذلك لم يفارق الآب.

كانت الكلمة معي وجاءت في صوت. كانت كلمة الله مع الآب وجاءت في جسد. لكن هل أستطيع أن أفعل بصوتي ما يستطيع (الله) أن يفعله بجسده؟ فإني لست سيدًا على صوتي عندما يطير. أما هو فليس فقط سيدًا لجسده ليولد ويعيش ويعمل، بل وأيضًا إذ مات أقامه ومجده لدى الآب فهو المركبة الحاملة له والتي بها جاء إلينا.

القديس أغسطينوس

+ الكلمة صار جسدًا لكي نعبر نحن من الجسد إلى الكلمة. لم يتوقف الكلمة عن أن يبقى على ما كان عليه (الكلمة)، كما لم تُفقد الطبيعة البشرية التي صارت بالميلاد.

القديس جيروم

"يوحنا شهد له ونادى قائلاً:

هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي،

لأنه كان قبلي" (15).

إذ بدأ الإنجيلي يوحنا في الكشف عن عمل كلمة الله المتجسد، قدم شهادة القديس يوحنا المعمدان، الذي جاء متأخرًا عنه، لكنه هو كائن قبله وكما قال السيد المسيح: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (يو8: 58). ولما كانت هذه الشهادة أساسية، ولها أهميتها القصوى، لذا يقول الإنجيلي: "شهد له ونادى" معبرًا بكلمة "نادى" عن الصراخ بصوتٍ عالٍ للفت النظر إلى ما يعلنه، لأنه يمس حياة البشرية وخلاصها ومجدها.

صراخ الشهادة هذا سبق فقدمته اليصابات والدته حين كان جنينًا في أحشائها وقد تعرف على الكلمة المتجسد في أحشاء القديسة مريم عند زيارتها لأمه. يقول الإنجيلي لوقا: "وامتلأت اليصابات من الروح القدس وصرخت بصوت عظيم، وقالت: مباركة أنتِ في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنكِ" (لو 1: 41-42).

دُعي يسوع المسيح ابن العلي (لو ١: ٣٢)، بينما دُعي يوحنا نبي العلي (لو ١: ٦٧). كان يوحنا خادمًا للعهد الجديد، أما يسوع المسيح فهو وسيط العهد الجديد. يوحنا كان رجلاً عظيمًا له اسم عظيم ورسالة عظيمة، وهو الذي هيأ الطريق ليسوع المسيح. يوحنا كسائر الأنبياء يجلس عند قدمي الله ليتعلموا أو ينالوا رؤى. أما المسيح فهو في حضن الآب (أف ٣: ١١).

إنه الصوت الذي يدوي في القفر، ليهيئ الطريق ليسوع المسيح (إش ٤٠: ٣٠).

"لأنه كان قبلي" لأنه هو خالقي وموجدي للحياة. هو الأول، وهو لقب خاص بالله "الأول والآخر" (١ كو ١: ١٧)، إنه أزلي (مي ٥: ٢).

v يقول يوحنا البشير عن يوحنا المعمدان "يوحنا شهد له ونادى قائلاً"، أي أن يوحنا هتف بمجاهرة وبجرأة خلوًا من انقباض.

ولم يقل يوحنا المعمدان عن المسيح إن هذا هو ابن الله الوحيد، الابن الحقيقي، لكنه قال: "هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي، لأنه كان قبلي"، لأنه على مثال أمهات الطيور، إذ أنها لا تعلم أفراخها في الحال ولا في يومٍ واحدٍ الطيران كله، لكنها تخرجها أحيانًا، وأحيانًا تريحها وفي اليوم التالي تطير معها مسافة أكثر من تلك كثيرًا، وعلى هذا المنهج تقتادها إلى العلو الواجب. على هذا المثال كان يوحنا المعمدان، إذ لم يقتد اليهود في الحال إلى الآراء العالية، لكنه علمهم أن يطيروا ويعلوا من الأرض قليلاً قليلاً.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا،

ونعمة فوق نعمة" (16).

يرى كل من القديسين كبرلس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وأغسطينوس أن الحديث هنا ليس تكملة لشهادة القديس يوحنا المعمدان، وإنما المتحدث هنا هو الإنجيلي يوحنا. يعلن الإنجيلي أن الذي هو مملوء نعمة وحقًا (14) هو سرّ الملء للكنيسة كلها، وينبوع نعم لا ينقطع، فيض حب يتفجر على الدوام. فمن كمال ملئه اللانهائي يفيض على كنيسته ليتمتع كل عضو فيها بالشركة في الطبيعة الإلهية.

هو مصدر كل النعم، يملأ مخازننا (أم ٨: ٢١). نتقبل منه النعم كما تتقبل مجاري المياه الماء من الينبوع مصدر الماء. العطايا الإلهية هي نعم grotius أي مجانية (رو ١٢: ٦)، فإذ يسرَّ الآب به لذا يُسر بنا نحن فيه (أف ١: ٦).

"نعمة فوق نعمة" كل نعمة هي وزنة نتقبلها من الله لنتاجر فيها فنربح وزنة أخرى (١بط ١٤: ١٠).

"نعمة فوق نعمة" أي تبقى نعمة الله تفيض علينا بلا توقف. إذ "ليس بكيل يعطي الله الروح" (يو 3: 35). فإن كان المسيح بكونه الكلمة المتجسد قد "سر (الآب) أن يحل كل الملء" (كو 1:19)، إذ هو الوحيد الملء الكلي بلا حدود، فإنه يفيض ليملأ الكل حسب قياس كل أحد. هذا ما عبر عنه الرسول: "فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا، وأنتم مملوؤون فيه" (كو 2:9-10)، وأيضا "الذي يملأ الكل في الكل" (أف1: 23)، "لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف 3: 19). هذا هو غاية ما نبلغه في المسح يسوع: "إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف 4: 13).

+ إن كان هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسانٍ، فهو إذن قد أنار يوحنا أيضًا الذي أقر واعترف بحق "من ملئه أخذنا" (١٦).

+ بعد قوله: "من ملئه أخذنا" أضاف "نعمة فوق نعمة" (يو 16:1). لأنه بالنعمة خلص اليهود. يقول الرب: "اخترتكم ليس لأجل كثرة عددكم، وإنما من أجل آبائكم". إن كانوا لم يختاروا بواسطة اللَّه من أجل أعمالهم الصالحة، فواضح أنه بالنعمة نالوا هذه الكرامة. ونحن أيضًا نخلص بالنعمة، لكن ليس بنفس الطريقة، ولا بذات الأهداف، بل بما هو أعظم وأسمى. إذن فالنعمة التي فينا ليست كالنعمة التي لهم. إذ لم يعطَ لنا فقط غفران الخطايا (إذ نحن شركاء معهم لأن الكل أخطأ)، وإنما نلنا أيضًا البرّ والتقديس والبنوة وعطية الروح بصورة أكثر مجدًا، وبفيضٍ.

القديس أغسطينوس

+ أؤمن أنه موجود قبلي وأكثر كرامة مني مع الآب. وذلك لأني أنا والأنبياء الذين جاءوا قبلي قد قبلوا نعمة إلهية نبوية كبرى وذلك من ملئه، فإن النعمة التي قبلناها منه تخص حرية الإرادة.

العلامة أوريجينوس

+ ماذا يعني: "ومن ملئه نحن أخذنا" (16)؟… يقول إنه لا يملك العطية بالمشاركة، بل هو نفسه ينبوع ذاته وأصل كل صلاح، الحياة ذاتها، النور ذاته، الحق ذاته، يحتجز في داخله غنى صلاحه، بل يفيض بها على الآخرين، ويبقى بعد هذا الفيض في ملئه، لا ينقص وهو يمد الآخرين، بل على الدوام يفيض ويهب الغير ليشاركوه بركاته، ويبقى في كماله كما هو. ما اقتنيه أنا هو بالمشاركة (أي أقبله من الغير)، لدي نصيب قليل من الكل، كنقطة ماء فقيرة إن قورنت بلجة لا تحد أو بحر بلا حدود. وحتى هذا المثل لا يقدر أن يعبر بالكامل عما نحاول أن نقوله… لنفترض وجود مصدر نار، ومن هذا المصدر أشعلت ربوات المصابيح… ألا تبقي النار كما هي في ملئها حتى بعد أن قدمت ما لها لكل مثل هذا العدد؟ واضح لكل إنسانٍ إن الأمر هكذا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لقد أعطى الناموس ذاك الذي أعطى النعمة أيضًا، لكنه أرسل الناموس مع عبيد، ونزل بنفسه ليعطي النعمة.

وبأية وسيلة صار البشر تحت الناموس؟ بعدم تحقيقهم للناموس. لأن من يتمم الناموس لا يسقط تحت الناموس، بل يكون مع الناموس، أما الذي تحت الناموس فلا يقوم، بل يكون تحت ضغط الناموس.

إذ صار كل الناس تحت الناموس صاروا بالناموس مذنبين، لذلك صار الناموس فوق رؤوسهم، يظهر خطاياهم ولا ينزعها.

فالناموس يأمر، وواهب الناموس يظهر حنوًا فيما يأمر به الناموس. وإذ يسعى البشر بقوتهم الذاتية أن يتمموا ما يأمر به الناموس سقطوا بسبب تهورهم وعنادهم الجريء، ليس مع الناموس بل تحت الناموس. صاروا مذنبين، لذلك توسلوا طالبين عون مُسَّلم الناموس، وبسبب الشعور بالذنب الذي جاء بالناموس مرض المتكبرون. وصار مرض المتكبرين اعترافًا للمتواضعين.

الآن يعترف المرضى بالمرض، فليأتِ الطبيب، ليشفي المرضى.

من هو الطبيب؟ ربنا يسوع المسيح.

+ ماذا تعني "نعمة فوق نعمة"؟ بالإيمان عاد اللَّه مدافعًا لصالحنا، وإذ كنا غير أهلٍ لغفران خطايانا، ولأننا كنا غير مستحقين نلنا نفعًا عظيمًا هكذا، فدعي ذلك نعمة. ما هي النعمة؟ ما يُعطى مجانًا... وإذ تنال إحسانًا من اللَّه بالحياة بالإيمان تتقبل الخلود كمكافأة والحياة الأبدية. وهذه نعمة!

القديس أغسطينوس

"لأن الناموس بموسى أعطي،

أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (17).

الناموس في ذاته عطية عظيمة، ونعمة مقدمة من الله، لتهيئ لنعمة الإنجيل. لكن لا وجه للمقارنة بين الظل والحقيقة. يقدم فيضًا من النعم: يغني الفقراء بكنوز السماء، ويعتق العبيد من أسر إبليس، ويحمل المؤمنين على الأيدي الإلهية وسط الضيقات، ويهب معرفة مستمرة للأسرار الإلهية، ويهب قوة عوض الضعف، ويسكب مجده في داخلنا عوض الهوان. قدم لنا الناموس بكل وصاياه وفرائضه ونبواته ظلالاً أو شبه السماويات، أما السيد المسيح فدخل بنا إلى عمق الوصية لنتعرف على خالق السماء نفسه المختفي وراءها. حملنا السيد المسيح فيه لنختبر في عبادتنا بالروح القدس السماويات عينها التي جاء منها، فنحيا بحياته السماوية.

يتساءل العلامة أوريجينوس: إن كان يسوع قد أعلن أنه الحق (يو ١٤: ٦)، فكيف به قد صار الحق؟ ويجيب هكذا: ما وهبه الله من نعم في العهد القديم كانت رموزًا لنعمة العهد الجديد التي هي "الحق". لهذا فإن مجد العهد الجديد أعظم (٢ كو ٣: ١٠). صار اكتشاف النعمة في العهد الجديد أوضح، وتوزيعها بأكثر سخاء. وهكذا نلنا نعمة العهد الجديد عوض نعمة العهد القديم، ليس لأنها تناقضها، بل تحققها في كمالها بسخاء، تنميها إلى الكمال وتثبتها فينا. إذ نتغير إلى الصورة الإلهية من مجدٍ إلى مجدٍ، من درجةٍ إلى درجةٍ أعلى (٢ كو ٣: ١٨). النعمة التي نتقبلها أشبه بختم يشَّكلنا لنحمل أيقونة المسيح التي تزداد فينا وضوحًا (رو ٨: ٢٩) وتجعلنا أيقونة السماويات (١ كو ١٥: ٤٩).

بتمتعنا بالمسيح ننال النعمة والحق، إذ هو مصدر النعم وكنز الحكمة يقدم ذاته لنا نعمة وحقًا نتمتع به.

في العهد القديم نلنا الناموس في جوٍ من الرعب (عب ١٢: ١٨)، أما العهد الجديد فنلناه في جوٍ من النعمة. بالعهد الجديد نتمتع بالوعود الإلهية الواردة في العهد القديم خلال جوٍ من الرحمة والحق، حسب الوعد الإلهي.

هكذا مع تمتعنا بالنعمة وتذوقنا لها نعطش بالأكثر إلى فيضٍ جديدٍ من النعمة، فكل نعمة في داخلنا تنادي نعمة، وتجذبها إلى أعماقنا. فتصير أعماقنا هدفًا لفيضٍ لا ينقطع من النعم الإلهية المتناغمة معًا.

+ أُعطيُ الناموس بواسطة خادم، فجعل الناس مذنبين، وجاء العفو من الإمبراطور، وخلص المذنبين.

القديس أغسطينوس

+ على أي الأحوال، يأتي الحق في البشر بيسوع المسيح، كما جاء أن الحق في بولس وفي الرسل بيسوع المسيح. ليس غريبًا أن نقول أنه بالرغم من وجود الحق الواحد، يفيض منه كما لو كان الكثير من الحقوق. على أي الأحوال يعرف داود النبي كثرة من الحقوق truths إذ يقول: "يطلب الرب الحقوق" (مز ٣٠: ٢٤). فإن أب الحق لا يطلب حقًا واحدًا بل حقوقًا كثيرة لكي يخلص الذين يملكونها.

العلامة أوريجينوس

+ عظيم هو الفارق بينهما، فمن جانب الكلمتان "قد أُعطي" تُنسب إلى شيء يُخدم حينما يستلمه شخص من آخر يُعطي أمرًا بإعطائه إياه، ومن الجانب الآخر فإن "النعمة والحق قد صارا" تناسب ملكًا له سلطان غافر للخطايا ويقوم بنفسه بتقديم الهبة.

+ عندما كانت حرب عماليق في جبل سيناء استعانت يدا موسى بهرون وهور الواقفين بجواره (خر 17: 12)، أما عندما جاء المسيح فبسط يديه على الصليب بنفسه. ألا تلاحظون كيف أن الناموس أعطي، أما الحق فجاء؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

+         +          +  

البولس من عبرانيين 1 : 1 – 2 : 4

أولا : عب 1 : 1 - 14

1 الله بعدما كلم الاباء بالانبياء قديما بانواع و طرق كثيرة
2 كلمنا في هذه الايام الاخيرة في ابنه الذي جعله وارثا لكل شيء الذي به ايضا عمل العالمين
3 الذي و هو بهاء مجده و رسم جوهره و حامل كل الاشياء بكلمة قدرته بعدما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا جلس في يمين العظمة في الاعالي
4 صائرا اعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما افضل منهم
5 لانه لمن من الملائكة قال قط انت ابني انا اليوم ولدتك و ايضا انا اكون له ابا و هو يكون لي ابنا
6 و ايضا متى ادخل البكر الى العالم يقول و لتسجد له كل ملائكة الله
7 و عن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحا و خدامه لهيب نار
8 و اما عن الابن كرسيك يا الله الى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك
9 احببت البر و ابغضت الاثم من اجل ذلك مسحك الله الهك بزيت الابتهاج اكثر من شركائك
10 و انت يا رب في البدء اسست الارض و السماوات هي عمل يديك
11 هي تبيد و لكن انت تبقى و كلها كثوب تبلى
12 و كرداء تطويها فتتغير و لكن انت انت و سنوك لن تفنى
13 ثم لمن من الملائكة قال قط اجلس عن يميني حتى اضع اعداءك موطئا لقدميك
14 اليس جميعهم ارواحا خادمة مرسلة للخدمة لاجل العتيدين ان يرثوا الخلاص

 

 

المسيح والأنبياء

 

الله يكلمنا

"اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ،

كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ،

الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ،

الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ.

الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ،

وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ،

بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا،

جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي" [1-3].

مقدمة

افتتح معلمنا بولس الرسول رسالته بإعلان حديث الله مع الآباء، أي مع رجال العهد القديم بواسطة الأنبياء، مؤكدًا أولاً التزامه بالحب والخضوع لرجال العهد القديم؛ وثانيًا بإعلان وحدة العهدين. فإن الله الذي تحدث قديمًا مع رجال العهد القديم هو بعينه الذي يحدثنا نحن في هذه الأيام الأخيرة في ابنه. يتحدث مع الأولين عن الحق الإلهي خلال الظلال، أما الآن فيعلن الحق في كماله. بهذا لم يقلل الرسول بولس من شأن الأنبياء ولا من عظمة مجد العهد القديم، لكن ما هو أعظم منه هو مجد العهد الجديد، بكونه امتدادًا للعمل القديم، ودخولاً إلى أعماقه، وتحقيقًا لغايته. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا له من أمر عظيم أن يرسل الأنبياء إلى آبائنا، أما بالنسبة لنا فقد أرسل ابنه الوحيد نفسه... لم يرَ أحد منهم (من الأنبياء) الله، أما الابن الوحيد فيراه.] [يا للعجب! لقد تنازل واختار ألاَّ يتحدث (الله) معنا بواسطة عبيده بل بفمه... كان لهم موسى معلمًا، أما نحن فلنا رب موسى؛ إذن فلنظهر الحكمة (الفلسفة) السماوية التي تليق بهذه الكرامة ولا نطلب أمرًا أرضيًا.]

لماذا بدأ الرسول مقارنته بالأنبياء؟ لأنه في بدء انطلاق الأمة اليهودية كان القائد هو موسى النبي وكان أخوه هرون رئيس كهنة. موسى يمثل إعلان الحق الإلهي خاصة خلال الشريعة، وهرون يمثل الجانب العملي الذبيحي والتعبدي الذي يقوم بالمصالحة بين الله والإنسان. العملان متلازمان ومتكاملان، فالإنسان ليحيا كمؤمنٍ حقيقيٍ وعضو في الجماعة المقدسة عليه أن يتقبل الحق ويتعرف عليه ليس فقط خلال الشريعة أو الوصية أو النبوة وإنما أيضًا خلال الحياة التعبدية الحقيقية، أي خلال ذبيحة المصالحة بين الله والمؤمن. هذا التلازم بين النبوة والكهنوت، أو بين الوصية والعبادة لم يدم كثيرًا، فسرعان ما انحرف كهنة اليهود عن رسالتهم، وتحولوا إلى الشكل دون الروح، وضاع الحق من بين أيديهم، فصارت هناك عداوة بين الكهنة الشكليين والأنبياء الحقيقيين، الأمر الذي برز بصورة صارخة في أيام إرميا النبي وحزقيال النبي، حيث لم يكن ممكنًا المصالحة بين الطرفين. أما السيد المسيح فهو وحده "الحق" في كماله، يعلنه لنا خلال ذبيحته الفريدة على الصليب، وفي نفس الوقت هو رئيس الكهنة السماوي القادر أن يصنع تطهيرًا لخطايانا، جالسًا عن يمين الآب في الأعالي. في هذا السفر يقارن بين السيد المسيح والأنبياء، ليعود فيقارن في النهاية بينه وبين الكهنوت اللاوي، لكي يعلن في شخصه التحام الحق مع العمل الذبيحي أو التحام النبوة مع الكهنوت في صورة فريدة فائقة.

لقد أبلغ الأنبياء الصوت الإلهي للآباء بكونهم قنوات، لا فضل لهم سوى تبليغ الرسالة كما هي، إذ "استؤمنوا على أقوال الله" (رو 3: 2)، ويشهد السيد المسيح نفسه أن موسى والأنبياء تحدثوا عنه؛ أما السيد فهو الكلمة عينه، أو هو الحق بذاته، يعلن عن الآب بكونه واحدًا معه في الألوهية، لهذا يقول: "ليس أحد يعرف الابن إلاَّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاَّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت 11: 37).

الله يكلمنا

في القديم كلم الله الآباء بالأنبياء، أما الآن فيكلمنا في ابنه. ماذا يعني الرسول بهذا؟ الله دائم الحديث معنا، يتحرك نحونا بحركة الإعلان عن حبه. يريد أن يتعامل معنا، فهو وإن كان مطلقًا فوق كل إدراك لكنه ليس ببعيدٍ عنا، ولا بمنعزلٍ عن الإنسان، يود إتحاد الإنسان معه لينعم بشركة أمجاده الأبدية.

كلام الله معنا ليس ألفاظًا تقف عند سماع الأذن لها، إنما هو حياة فعّالة، يشبهه الله بالمطر العامل في الأرض: "أنزل عليهم المطر في وقته فتكون أمطار بركة، وتعطي شجرة الحقل ثمرتها، وتعطي الأرض غلتها" (حز 34: 26، 27). ويؤكد الرسول في نفس الرسالة: "لأن كلمة الله حية وفعالة، وأمضى من كل سيف ذي حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزة أفكار القلب ونياته. وليست خليقة غير ظاهرة قدامه" (4: 12, 13). والسيد المسيح نفسه يقول: "كلامي روح وحياة".

يكلمنا بطرق وأنواع كثيرة

منذ بدء الخليقة الإنسان والله في حبه يتحرك نحونا ليتكلم معنا، وكما يقول القديس أغسطينوس: [أليس الله هو الذي تكلم في بدء البشرية مع آدم (تك 3: 17)؟ أليس هو بنفسه الذي تكلم مع قايين ونوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب وكل الأنبياء وموسى؟ انظر فإنه يتحدث حتى مع الشخص الواحد ليس فقط مرة بل مرات كثيرة.]

إنه يتحدث منذ بدء البشرية بأنواعٍ وطرق كثيرة، مستخدمًا كل وسيلة، لعلنا نسمع صوته، ونتقبله فينا، ونتجاوب معه. يقول الوحي الإلهي: "كلمت الأنبياء وكثرت الرؤى وبيد الأنبياء مثلت أمثالاً" (هو 12: 10)، وجاء في المزمور: "إله الآلهة تكلم" (مز 50 (49): 1). ويعلق القديس أغسطينوس قائلاً: [تكلم بطرق كثيرة، فتكلم بنفسه بواسطة ملائكة، ونفسه أيضًا تكلم بواسطة الأنبياء، وتكلم بفمه، وهو يتكلم بنفسه بواسطة مؤمنيه خلال ضعفنا عندما ننطق بشيء من الحق. انظر إذن فإنه يتكلم بطرق متنوعة، وبأوانٍ كثيرة، مستخدمًا آلات كثيرة، لكنه هو بنفسه الذي ينطق في كل موضع بالتلامس أو الصور أو الإيحاء!]

بين الأنبياء والسيد المسيح

إن كان الله الآب تكلم خلال الأنبياء، لكن الأمر يختلف عن حديثه في الأيام الأخيرة معنا في ابنه. وقبل أن نتعرف على الاختلاف نذكر السبب لدعوة العهد الجديد بالأيام الأخيرة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حسنًا قال "الأيام الأخيرة"، فإنه بهذا يثيرهم ويشجعهم على الاهتمام بالمستقبل. في موضع آخر يقول: "الرب قريب لا تهتموا بشيء" (في 4: 5، 6)، وأيضًا: "فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنًا" (رو 13: 11)، هكذا هنا أيضًا. إذن، ما هذا الذي يقوله؟ الذي يعيش في صراع إذ يسمع كلمة "الأخيرة" يسترد أنفاسه قليلاً عالمًا بحق أن الوقت حان لنهاية أتعابه وبداية راحته.] كما يعلق ذات القديس على نفس النص، قائلاً أن الإنسان يتوقع في الأيام الأخيرة أن العقاب يقترب، والعطايا تقل، والخلاص غير متوقع، لكن ما حدث هو على نقيض ذلك إذ جاءت النعم فائقة.

نعود إلى حديث الآب، فإنه يتحدث بالأنبياء كآلات يستخدمها، أما في الأيام الأخيرة فيحدثنا في ابنه، ليس كآلة خارجة عنه تعلن صوته، إنما هو ذات كلمة الله، الواحد مع الآب. تجسد الابن لكي نقبل الالتقاء معه، حمل الصليب ليهبنا حق الدخول فيه، نازعًا العداوة، وبقيامته صرنا كأبرارٍ، فيه نلتقي مع أبيه أبًا لنا، فلا نسمع في الابن صوتًا أو كلمات مجردة، إنما نتقبله فينا ونحن فيه، فنصير واحدًا مع كلمة الله، وأعضاء جسده. لم يعد كلام الله مجرد وصايا نتقبلها لنطيعه، وإنما بالأكثر قبول للكلمة الإلهي وثبوت فيه، الذي وحده موضع سرور أبيه، كامل في طاعته له، فنحسب فيه موضع سرور وصايا مرعبة نخشى نيرها لكنها صارت تمتعًا بالكلمة، الذي يهبنا الحياة السماوية وشركة الأبديات في داخلنا. هذا ما قصده بكلماته: "ملكوت الله في داخلكم".

حين تحدث الأنبياء مع الآباء قدموا رسائل إلهية مجيدة، أما وقد تحدث الآب إلينا في ابنه فإنه قدم لنا ابنه ذاته سرّ حياة وخلاص وقيامة! فمن هو هذا الابن الكلمة الذي يقدمه الآب في هذه الأيام الأخيرة؟

1. الابن

يقول الرسول: "كلمنا في ابنه" ولم يقل "كلمنا في الأنبياء". فالابن إذ هو واحد مع أبيه يحمل فيه الآب على مستوى فريد ويحوينا نحن أيضًا داخله بتقديسنا بدمه، فنلتقي مع الآب فيه، نتعرف عليه وندخل إلى حالة إتحاد معه وشركة فائقة. حقًا لقد كان الروح القدس يهيء الأنبياء لقبول الرسالة الإلهية وتبليغها، لكن لم يكن ممكنًا للآب أن يستقر فيهم على مستوى الإتحاد، ولا أن يدخلوا بالبشر إلى أعماقهم ليلتقوا بالآب. الابن الوحيد الجنس هو القادر وحده أن يصالحنا مع أبيه فينا لنبقى معه وبه إلى الأبد.

في دراستنا لرسائل معلمنا بولس الرسول أدركنا الحقيقة اللاهوتية البارزة للإيمان المسيحي، ملخصها "في المسيح". ففيه يعلن لنا الآب ذاته ويحدثنا، وفيه صرنا مؤمنين (أف 1: 1)، وفيه تمتعنا بالاختيار الإلهي (أف 1: 4)، وفيه نلنا الفداء (أف 1: 7)، وفيه يجمع السمائيين والأرضيين (أف 1: 10)، وفيه نستغنى في كل شيء (1 كو 1: 5) الخ.

2. الذي جعله وارثًا للكل شيء

يتحدث هنا عن دور التجسد الإلهي، والابن خالق كل شيء أخلى ذاته وصار في شكل العبد حاملاً إيانا فيه، حتى إذا ما ورث كل شيء ببره الذاتي نرث نحن معه وفيه. من أجلنا أخلى ذاته عن أمجاده، تاركًا كل شيء حتى تعرى ودُفن في قبر لغريب، لكي يجد كل واحد منا له موضعًا فيه.

هذا هو دور الابن إذ وهبنا الميراث فيه، أما الأنبياء فكانوا مجرد متحدثين عن الميراث الذي يعده الله لنا، يشيرون إليه دون أن يقدموه ولا حتى نالوه، حتى ينعمون معنا بالمسيح ميراثنا الحق.

3. الذي به أيضًا عمل العالمين

هنا يحدثنا الرسول بوحي من الروح القدس عن سمو المسيح عن الأنبياء دون أن يشير إليهم صراحة، فالأنبياء بشر قبلوا الرسالة الإلهية، وكرسوا حياتهم ليحققها الله بواسطتهم. أما السيد المسيح فهو الخالق، صانع السماء والأرض، وكما يقول القديس يوحنا الحبيب: "كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 3). به تمت الخليقة السماوية والأرضية، وبه أيضًا تتحقق الخلقة الجديدة فينا، فيقيم فينا سماءً جديدة وأرضًا جديدة. وكما يرى القديس أغسطينوس أن السماء إنما تشير إلى النفس، والأرض إلى الجسد، فإن السيد المسيح يجدد نفوسنا وأجسادنا، أي يعيد خلقتها، وذلك بروحه القدوس في مياه المعمودية.

4. بهاء مجده ورسم جوهره

يرتفع بهم الرسول إلى درجة أعلى ليروا الابن الكلمة الذي به كان كل شيء هو بعينه بهاء مجد الأب ورسم جوهره، ليقدوهم إلي البهاء الذي لا يُقترب إليه.

هل تعبير " بهاء مجده ورسم جوهره " يقلل من مساواة الابن للآب أو يسيء إلى وحدانيتهما الأزلية؟

يشير تعبير "بهاء مجده" إلى الولادة الأزلية، فلا يمكن أن يقوم النور الأزلي بدون بهائه، فالابن هو النور من النور، أو البهاء الأزلي غير المنفصل عن النور، بل واحد معه. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [من ذا الذي تجرد من العقل حتى يشك في أزلية الابن؟ لأنه من ذا الذي يرى نورًا بغير بهاء أو إشراق!] كما يقول: [إنه غير منفصل عن الآب كما أن البهاء غير منفصل عن النور.] ويقول: [من الذي لا يرى أن البهاء لا يمكن أن يفصل عن النور وإنما بالطبيعة يكون هكذا، شريكًا معه في الوجود، لا يأتي بعده؟!] وأيضًا: [كيف يكون الابن غير مشابه للآب في الجوهر، وهو صورة الآب الكاملة وبهاؤه، والقائل: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9)؟ إن كان الابن هو كلمة الآب وحكمته، فكيف يوجد زمان لم يكن فيه الابن هو كلمة الآب وحكمته، فكيف يوجد زمان لم يكن فيه الابن موجودًا؟!]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ بأي وقار يفهم هذا، وعندئذ نتقبله، فإنه (مولود) منه بلا ألم، ليس بأعظم ولا أقل منه.] كما يقول: [إذ يدعو الآب بهذا الاسم (النور) في العهدين القديم والجديد، استخدم المسيح نفس الاسم أيضًا (يو 12: 46)، لذا دعاه بولس أيضًا "بهاء" مُظهرًا أنه منه، شريكه في السرمدية.] ويقول: [اسمع أيضًا المسيح نفسه يقول: "أنا نور العالم" (يو 8: 12) لهذا استخدم كلمة بهاء بمعنى أنه نور من نور؛ لا يعني هذا فقط، وإنما قصد أيضًا أنه ينير نفوسنا ويعلن لنا الآب والابن معًا (أي وحدتهما كوحدة النور بالبهاء).]

إن عدنا إلى المقارنة بين السيد المسيح والأنبياء، نذكر أن موسى النبي في لقائه مع الله انعكس على وجهه بهاء خارجي ومجد حتى لم يقدر الشعب أن يتفرس فيه، فاضطر إلى وضع برقع على وجهه عند الحديث معهم، يرفعه عندما يدخل إلى الحديث مع الله. وكان ذلك رمزًا للسيد المسيح "بهاء الآب" الذي لا يحمل بهاءً خارجيًا منعكسًا عليه، إنما هو البهاء بعينه غير المنفصل عن الآب، لبس جسدنا كبرقع موسى حتى يمكننا أن نتفرس فيه، فنتعرف على إسرار أبيه، قائلين مع المرتل: "بنورك يا رب نقدر أن نعاين النور"، أي بابنك الوحيد الذي هو بهاؤك نقدر أن نعاين أسرارك وندخل إلي أمجادك السرمدية.

أما دعوته "رسم جوهره"، فكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [تشهد لشخصه أنه منتسب لذات جوهره.]

5. حامل كل الأشياء بكلمة قدرته

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الروح القدس يتدرج بالقارئ ليرتفع به على الجبال الشاهقة، جبال معرفة المسيح غير المدركة، فيحدثهم تارة عن الأمور الخاصة بتجسده، ثم يرتفع بهم إلى معرفته كخالق، ويعلو بهم، ليتعرفوا على طبيعته، بكونه بهاء مجد الآب، ليعود فينزل بهم ليدركوا رعايته لهم بقوله "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته"، وهكذا يعلو ويهبط بهم ليدركوا أسرار المسيح وسماته وأعماله.

هنا يحدثهم الوحي الإلهي عن السيد بكونه حاملاً كل الأشياء، أي ضابط الكل فلا يفلت شيء من تحت رعايته واهتمامه، قريب جدًا إلى خليقته يدبر حتى صغائر أمورها. فإن كان الابن هو البهاء الذي لا يُقترب إليه، فإنه في محبته حملنا إليه لنكون فيه، تحت حمايته.

رأيناه الوارث لكل شيء، يرث الأمم جميعها لا ليسيطر بالأمر والنهي، وإنما ليسكب حبه ويمسك بيد كل أحد، لكي يقدس الجميع بروحه القدوس مهيئًا إيانا للتمتع بشركة ميراثه، هو يورثنا ونحن نملكه فينا يقتنينا ونحن نقتنيه! هذه هي قدرته الفريدة التي بحق تعلن سلطان الحب وقوة الرعاية وإمكانية الخلاص الفائق! وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عنايته لا تُفسَر، وحنانه غير مُدرَك، وصلاحه يا يُحَد، وحبه لا يُستقصى.]

6. صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا

كحامل الأشياء بكلمة قدرته تتجلى إمكانياته الإلهية ليس فقط في خلقته إيانا من العدم وتقديم العالم كله لخدمتنا، لكن ما هو أعظم أنه بعد أن فسدت طبيعتنا وتركنا فردوسنا وهربنا من وجه الآب دخل إلينا واقتنصنا بحبه، مقدمًا ثمن خطايانا على الصليب، ليدخل بنا إلى ملكوت محبته، ويردنا إلى بيت أبيه وأحضانه الإلهية حاملين صورة خالقنا... إنه يجلس الآن عن يمين العظمة كرئيس كهنة عنا، يشفع فينا لا خلال وساطة الكلام والطلبة الشفوية، وإنما خلال ذبيحة نفسه التي قدمها عنا مرة، وحملنا فيه أعضاء جسده. إنه يشفع بالدم المقدس المبذول لتطهيرنا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على رعايته الخلاصية بقوله: [اذكر أن راحته بخلاصك وسروره أعظم من سرورك وأنت هارب من الخطر والموت!]

ويعلق أيضًا على قول الرسول: "صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا"، قائلاً: [يليق بنا أن نستمر طاهرين ولا نتقبل أي دنس، بل نحتفظ بالجمال الذي أوجده فينا وكماله غير الدنس الطاهر، إذ "لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك" (أف ٥: ٢٧). فإن أصغر الخطايا هي دنس أو غضن، أقصد حتى كلمة الانتهار أو الشتيمة أو الكلمة الباطلة.]

7. جلس عن يمين العظمة

لقد جلس في الأعالي عن يمين العظمة، لا ليبقى فوق إدراكنا، وإنما لأنه إذ نزل إلينا كواحد منا وصنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا صار لنا فيه موضع، ومعه شركة إتحاد، حتى إذ يرتفع نرتفع معه وبه وفيه؛ نجلس حيث هو جالس، متمتعين بشركة المجد الأبدي. ارتفع الرأس حتى لا يبقى الجسد على الأرض إنما يبقى بروحه وقلبه هناك إلى يوم الرب العظيم، فيرتفع الجسد أيضًا لينعم بالمجد!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من أجلك يا إنسان هيأ الملكوت! ولأجلك أعد خيرات لا توصف، ونصيبًا معدًا في السماء، وحياة لا مثيل لها، وفرحًا لا يُنطق به.]

 

المسيح والملائكة

بعد أن عرض الرسول في اختصار شديد وبقوة عن حديت الآب مع البشرية في ابنه الوحيد في ملء الزمان، والذي لا يُقارن بحديثه مع الآباء العبرانيين خلال أنبياء العهد القديم، انتقل إلى المقارنة بينه وبين الملائكة. فقد افتخر العبرانيون على الأمم بأنهم تسلموا الناموس بيد ملائكةٍ. هذا ما أعلنه التقليد اليهودي، وأكده العهد الجديد، إذ يقول الشماس اسطفانوس: "أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه" (أع ٧: ٥٣)، ويقول الرسول: "فقد وُعد له مرتبا بالملائكة في يد وسيط" (غل ٣: ٩). أما شريعة بالعهد الجديد فقدمها السيد المسيح للجموع حين تقدم إليه تلاميذه وحدثهم دون أن تظهر ملائكة ولا رافقته علامات فائقة للطبيعة كما حدث عندما تسلم موسى النبي الشريعة على جبل سيناء.

يقارن الرسول بولس بين السيد والملائكة في النقاط التالية:

1.عظمته في البنوة

"صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ.

لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ:

أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ؟

وَأَيْضًا: أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا؟" [٤- ٥].

لا يوجد مجال للمقارنة بين السيد وملائكته الذين هم عمل يديه وخدامه، لكنه إذ قبل التجسد وظهر في تواضعه كواحدٍ منا أقل من الملائكة أراد الرسول توضيح مركزه: إنه الابن الوحيد الجنس له اسم أفضل منهم.

جاء في سفر الرؤيا: "له اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلاَّ هو" (رؤ ١٩: ١٢). هذه العبارة تكشف عن عجز اللغة البشرية، أي حتى اللغة السماوية عن التعبير عن طبيعة الابن أو علاقته بالآب، فإن دعاه الكتاب "الابن"، فذلك لأن هذه الكلمة هي أقرب الكلمات في التعبير، وإن عجزت عن التعبير كما ينبغي.

بالتجسد نزل الابن إلينا كواحد منا، فصار هناك مجال للمقارنة بينه وبين الملائكة، وإن كان في جوهره يبقى فوق كل مقارنة، يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان دائمًا أعظم منهم، وفوق كل مقارنة، إنما قيل هذا عنه من جهة الجسد.] كما يقول: [لو كان ابنًا بالنعمة فقط لما كان أفضل من الملائكة بل بالحري أقل منهم. كيف؟ لأن الأبرار أيضًا يدعون أبناء... ولكي يشير إلى الفارق بين المخلوقات وصانعها اسمع ما يقول: "لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني وأنا اليوم ولدتك"، وأيضًا "أنا أكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا".]

ماذا يعني بكلمة "اليوم" إلاَّ كتعبير عن أزليته حيث لا بداية له، فإنه لم يكن هناك زمان لم يكن فيه الابن، إذ هو مولود من الآب قبل الدهور.

2. خضوعهم له

لا مجال للمقارنة بين الابن الجالس على العرش وخدامه الملائكة الساجدين له، وإن كانوا لهيب نار.

"وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ:

وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ.

وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ.

وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ.

قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِك" [٦ - ٨].

يدعو الرسول تجسد الابن الكلمة "دخولاً Eisodus" إلى العالم، وقد تحقق ذلك خلال خروجه Exodus كقول السيد: "خرجت من عند الأب، وقد أتيت إلي العالم" ( يو 16: 28) كما يقول: "خرج الزارع ليزرع" (مت ١٣: ٣). إنه بحق خروج ودخول، خروج إرادي من أمجاده، ودخول إلى حياتنا لكي يضم إليه طبيعتنا وحياتنا، فيخرج بنا من عالمنا ويدخل بنا إلى حضن أبيه. يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم هذا العمل بالإنسان الهارب من القصر الملوكي وأُلقى القبض عليه واقتيد إلى السجن، فخرج إلينا الابن من قصره ودخل إلى سجن جسدنا ليتحدث معنا في أمر المصالحة مقدمًا ثمن خطايانا، عندئذ ينطلق بنا من السجن ليدخل بنا إلى القصر من جديد.

إذن حركة الدخول والخروج التي قام بها الابن الوحيد الجنس خلال تجسده وصعوده، أي خلال أعماله الخلاصية إنما هي حركة حب متدفقة نحو الإنسان، غايتها خروجه مما تقوقع فيه ودخوله إلى حضن الآب خلال ثبوته في الابن.

إن كان اليهود يفتخرون بالملائكة، لأن الناموس قد أسلم إليهم بيد ملائكة، لكن لم يكن ممكنًا لملاك أن يحقق هذا الدخول إلى العالم ليهب الإنسان دخولاً إلى الأحضان الإلهية. لقد خدم ملائكة مؤمنين وقدموا لهم رسائل إلهية مفرحة، لكنها تعجز عن أن تحقق الخلاص. وكما جاء في القداس الاغريغوري: "لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا كاروبًا ولا نبيًا ائتمنته على خلاصنا، بل أنت وحدك تجسدت وتأنست".

حبه الإلهي الذي أدخله إلينا كواحد منا لم يقلل من كرامته أمام الملائكة، إذ يقول الرسول: " وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ" الملائكة الذين قدموا لرجال العهد القديم إمكانية السجود لله، إذ جاءوا إليهم برسائل إلهية تسندهم هؤلاء أنفسهم يسجدون للابن. وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [بينما كان الآباء البطاركة يسجدون له، فعن الملائكة كُتب: "ولتسجد له كل ملائكة الله".]

دخوله إلى العالم لم يمس لاهوته ولا نزع سجود الملائكة له، وإنما أعطى الإنسان كرامة، إذ لم يقل الرسول "متى أدخل الابن"، بل يقول "متى أدخل البكر". دخل إلى العالم بكرًا لنا، يعمل لحسابنا وباسمنا، يراه الملائكة حاملاً طبيعتنا فيه، بل حاملاً مؤمنيه كأعضاء جسده فيندهشون. يسجدون له بكونه خالقهم ويسبحون متهللين من أجل عمله معنا! يرون في بكوريته بالنسبة لنا إعلان حب فائق نحو خليقته. تجسده وصلبه وقيامته وصعوده فتح مجالاً جديدًا لسجود الملائكة، إذ كشف لهم عن أعماق حب لم تكن بالنسبة لهم مدركة هكذا. أعطاهم معرفة جديدة عن أسراره سحبتهم للسجود والتسبيح!

ولئلا يظن السامعون أن الرسول يقلل من شأن الملائكة أكد: "وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَار"... هذا عن سمو الملائكة، أما عن الابن فلا وجه للمقارنة: "وَأَمَّا عَنْ الاِبْنِ: كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ". هؤلاء خدام لكنهم لهيب نار سماوي، أما هو فملك صاحب سلطان. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [انظر كيف يميز بوضوح عظيم بين الخليقة والخالق، الخدام والرب، الابن حقيقي الوارث والعبيد.]

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لاحظ هنا أن كلمة "الصانع" تخص أمورًا أصيلة (الخلقة). يدعو الملائكة خليقة، أما عن الابن فلا يتحدث عنه كخليقة أو كائن جاء إلى الوجود، وإنما يتحدث عن سرمديته وملوكيته ووظيفته التدبيرية.] كما يقول: [لقد أظهر أنه آخر غير كل ما قد خلق، فإن كان هو آخر ومختلف عنهم تمامًا في الجوهر عن طبيعتهم، فأية مقارنة لجوهره يمكن إقامتها، وأي شبه له فيهم؟!]

3. مسحه للعمل الخلاصي

السيد المسيح الجالس على الكرسي إلى الأبد، والمسجود له من القوات الملائكية، يملك على الشعب بالحب. إنه البار وحده، الذي بلا خطية، قد مُسح منذ الأزل من قبل الآب لتحقيق الخلاص خلال تجسده وحياته بيننا وتقديم نفسه ذبيحة حب عنا. هنا تلتحم إرادته الإلهية مع تقواه الشخصية لتحقيق غايته فينا:

"أَحْبَبْتَ الْبِرَّ، وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ,

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ" [٩].

إذ نادت بعض البدع الغنوسية بقسوة إله العهد القديم خالق الجسد، ولطف إله العهد الجديد الذي أراد تخليص البشرية من يد الأول لهذا أكد الرسول بولس دور الآب في الخلاص بكونه قد مسح ابنه الوحيد لهذا العمل الخلاصي. أكد وحدانية العمل بين الآب والابن، ودورهما الإيجابي في الخلاص. ففي أكثر من موضع يؤكد أن الآب يحبنا كما الابن، وأنه أرسل ابنه الوحيد، وهو الذي بذله عنا، وأقامه ليقيمنا فيه.

ليته لا يتعثر أحد حين يسمع الرسول يؤكد هذا، ظانًا أن في الابن عجزًا في الحب أو في التجسد أو القيامة... إنما أراد الرسول تأكيد دور الآب في عمل الابن الخلاصي.

مسحه بزيت الابتهاج أي تكرس الابن لهذا العمل المبهج للآب والبشرية أيضًا. حقًا لقد صار بتأنسه شريكًا لنا في طبيعتنا، لكنه كان ولا يزال الفريد في برِّه وبغضه للإثم، إذ لم يعرف الخطية، لهذا فهو وحده القادر أن يتمم عمل الخلاص المبهج. في الابن ابتهج الآب إذ رآنا أولادًا له متبررين ومقدسين فيه، وفيه أيضًا نبتهج نحن إذ نرى الآب أبانا القدوس فاتحًا أحضانه الأبوية لنا!

4. أبديته

في مقارنته بين السيد المسيح وملائكته أوضح الرسول أن السيد هو الخالق الأبدي، فالعالم المنظور يزول وينتهي أما هو فيبقى إلى الأبد:

"وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ,

هِيَ تَبِيدُ وَلَكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى",

وكرداء تطويها فتتغير,

ولكن أنت أنت وسنوك لن تفني.

ثم لمن من الملائكة قال: أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك مواطئًا لقدميك؟

أليس جميعهم أرواحًا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص؟!" [10-11].

إنه خالق السماء والأرض، موجد الكائنات السمائية والأرضية، فلا وجه للمقارنة بين الخالق وخليقته حتى الملائكة.

الابن الخالق مولود من الآب قبل الدهور من الأزل، لم يكن هناك زمان ليس فيه الابن، هو موجد الكل فلا يتغير، أما الخليقة إذ وُجدت من العدم قابلة للتغير. يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [صارت (الخليقة) إلى الوجود بعد العدم، لها طبيعة متغيرة؛ أما الابن إذ هو من الآب، فعدم التغير أو التبديل يليق بطبيعته كما الآب نفسه.]

إنه مؤسس الأرض وخالق السماء، الذي لا يتغير، يغير الآخرين ويبقى هو إلى الأبد. طبيعته هذه تسندنا من جانبين: أولاً أنه قادر أن يحقق مواعيده لنا بكونه الوحيد غير المتغير. ومن الجانب الآخر نحن نتغير إن سلمنا حياتنا بين يديه. كإله يجدد ولا يتجدد، لأنه لا يشيخ ولا يقدم، ونحن كبشرٍ نرتمي بين يديه فيجدد طبيعتنا وحياتنا.

إنه الأبدي الغالب لأعدائه، إبليس وجنوده، إذ يقول: "ثمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: اِجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ؟" لا تنعم طغمة سماوية بهذه الغلبة الأبدية، إنما السيد المسيح يُخضع قوات الظلمة تحت قدميه، ويتحقق كمال ذلك بخضوعها تحت قدمي عروسه، فقد أعطانا نحن أيضًا سلطانًا أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو، حتى كل نصرة تتحقق في حياتنا إنما هي لمجد اسمه القدوس. وإذ نملك مع ملكنا تتحطم مملكة إبليس تمامًا! كان هذا الوعد الذي يقدمه الآب لابنه إنما قدمه له كممثل لنا، وكرأس، فيه ينعم الجسد بإمكانيات فائقة.

هذه الغلبة التي لنا في المسيح يسوع، وهذه النصرة الأبدية تثير فرح الملائكة وبهجتهم بنا كعروسٍ مقدسة، لذا يشتهون خدمتنا، ويفرحون بيوم خلاصنا. خدمتهم لنا ليست خدمة من هم أقل منا، إنما هي خدمة الحب، خدمة الخليقة السماوية التي تفرح بالأرضيين حين ينعمون بالشركة معهم في حياتهم السماوية. هذا ما عناه الرسول بقوله: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ؟" [١٤].

هنا لا يتجاهل الرسول تقديرنا لرسالة الملائكة ودورهم كخدام مرسلين للعمل لحسابنا، نحن الذين دُعينا لنرث الخلاص. إن كان السيد المسيح هو مخلصنا، فالملائكة خدامه يخدموننا من أجل مسرته ومسرتهم بنا.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه: [إنهم خدام ابن الله، مرسلون بطرق كثيرة من أجلنا، ويخدمون خلاصنا. هكذا هم شركاء في الخدمة معنا.] كما يقول: [حسنا، لقد أرسل الابن أيضًا، لكنه ليس بكونه عبدًا ولا خادمًا إنما هو الابن الوحيد له ذات مشيئة الآب. لم يُرسل بكونه قد عبر من موضع إلى آخر، إنما بكونه أخذ جسدًا، أما هؤلاء فيغيرون مواضعهم، يتركون المواضع التي كانوا فيها ليرسلوا إلى مواضع أخرى لم يكونوا فيها.]

تحدث العلامة أوريجينوس كثيرًا عن الملائكة وعملهم معنا، فمن كلماته: [خلال فترة عدم الإيمان يكون الإنسان تحت سيطرة ملائكة الشياطين، أما بعد التجديد (في الجرن) فيعيّن لنا ذاك الذي يخلصنا بدمه ملاكًا مقدسًا ينظر وجه الله بطهارته]، كما يقول: [لكل نفس بشرية ملاك يقودها كأخ.]

يقول البابا أثناسيوس الرسولي عن الملائكة: [إنهم ينشرون هبات الله خلال الكلمة للذين يقبلونهم.]

ثانيا : تكملة البولس ..  عب : 2 : 1- 4

 ختم الرسول حديثه السابق بقوله: "لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ" [١].

 وكأنه يؤكد لنا أن حديثه السابق ليس حديثًا نظريًا فيه يعلن أمجاد الابن إن قورن بالملائكة، إنما هي فرصة للنفع الروحي العملي في حياتنا. فإن كان اليهود يفتخرون بكلمة الناموس التي وُهبت لهم خلال إرساليات ملائكية، وهي بحق كلمة الله، وقد صارت ثابتة، من يعصاها يسقط تحت العقاب، فكم بالأكثر من يهمل خلاصًا هذا مقداره، تسلمناه لا بيد ملائكة، إنما في خالق الملائكة نفسه، ربنا يسوع الابن الوحيد؟!

"لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً،

وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً،

فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هَذَا مِقْدَارُهُ،

قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ،

ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا،

شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَّوِعَةٍ

وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ،

حَسَبَ إِرَادَتِهِ؟" [2-٤].

في هذا الحديث لم يقارن الرسول بين كلمة الملائكة والكلمة الإلهية، لأن الكلمة التي تكلم بها ملائكة ما هي إلاَّ كلمة الله مرسلة بواسطتهم، إنما المقارنة هنا بين الكلمة التي أُرسلت بواسطتهم خلال الألفاظ والرؤى والإعلانات، وبين الكلمة ذاته وقد جاء بنفسه متجسدًا ليعلن الخلاص عمليًا في كماله. إن كانت الكلمة الإلهية المسلمة في العهد القديم لها قدسيتها وقوتها إلى اليوم فلا يعصاها أحد، فكم بالأكثر الكلمة الإلهية التي تثبتت بمجيء الكلمة ذاته ليخلصنا بدمه، مؤكدًا لنا حقيقة تأنسه بالآيات والعجائب والقوات المتنوعة ومواهب الروح القدس. وكأن الرسول أراد بمقارنته هذه أن يدفعنا إلى المثابرة في الطاعة لكلمة الله الحيّ.

 

 

+         +           +

الأبركسيس من أعمال 13 : 26 – 32

26 ايها الرجال الاخوة بني جنس ابراهيم و الذين بينكم يتقون الله اليكم ارسلت كلمة هذا الخلاص
27 لان الساكنين في اورشليم و رؤساءهم لم يعرفوا هذا و اقوال الانبياء التي تقرا كل سبت تمموها اذ حكموا عليه
28 و مع انهم لم يجدوا علة واحدة للموت طلبوا من بيلاطس ان يقتل
29 و لما تمموا كل ما كتب عنه انزلوه عن الخشبة و وضعوه في قبر
30 و لكن الله اقامه من الاموات
31 و ظهر اياما كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل الى اورشليم الذين هم شهوده عند الشعب
32 و نحن نبشركم بالموعد الذي صار لابائنا

"أيها الرجال الإخوة بني جنس إبراهيم،

والذين بينكم يتّقون الله،

إليكم أُرسلت كلمة هذا الخلاص". [26]

يثير القديس بولس مشاعر اليهود الأتقياء بقوله: "أيها الإخوة بني جنس إبراهيم"، فيربط بإبداع بين بنوتهم لإبراهيم وتحقيق الوعد له خلالهم. فما يخبرهم به إنما تحقيق الوعد الإلهي لأبيهم الذي طالما ترقبه وتهلل به.

"إليكم أرسلت" جاءت في النسخ الإسكندرانية والسينائية والفاتيكانية: "إلينا"، فيضم نفسه معهم، ليتمتع هو معهم بتحقيق الوعد الإلهي، إنه حق لكل أبناء إبراهيم. لقد جاء الرسول إليهم كحامل لكلمة الخلاص، ليتمتعوا بها.

"لأن الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا،

وأقوال الأنبياء التي تُقرأ كل سبت تمّموها،

إذ حكموا عليه". [27]

"لم يعرفوا هذا"، أو كما يترجمها البعض "أخفقوا في معرفتها". إن كانوا قد فشلوا في معرفة هذا الخلاص فإنهم بلا عذر، لأن كتب الأنبياء بين أيديهم ويقرأونها علانية كل سبت في المجامع، وكان يليق بهم أن يتعرفوا على المخلص. ومن جانب آخر، فإن مقاومتهم له حققت النبوات.

+ في كل المناسبات نجدهم (الرسل) يهتمون جدًا بإبراز هذه النقطة أن البركة خاصة باليهود حتى لا يهربوا (من المسيح)، ظانين أنه ليس لهم بسبب ما فعلوه معه حيث أانهم صلبوه. يقول: "لم يعرفوا هذا"، لهذا فإن خطيتهم كانت عن جهلٍ. لاحظوا كيف أنه بكل حنو يقدم عذرًا حتى لصالبيه. ليس هذا فقط، وإنما يضيف إلى ذلك أن هذا كان يلزم أن يتم. كيف هذا؟ "إذ حكموا عليه، تمموا أصوات الأنبياء".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ومع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت،

طلبوا من بيلاطس أن يُقتل". [28]

لئلا يظنوا أن الذين صلبوه بلا عذر، لأنهم "لم يعرفوه"، أكد الرسول بولس أن الأنبياء يصرخون إليهم بلا انقطاع لكي يتعرفوا عليه، لكنهم لم ينصتوا لهم. ومن جانب آخر فإنهم "مع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت، طلبوا من بيلاطس أن يُقتل". فإن كانت قد تمت فيه النبوات، هذا لن يبرر تصرفاتهم، إنما يعطيهم فرصة لمراجعة أنفسهم والعودة إليه بالتوبة.

بيلاطس الأممي الذي بلا دراية بالنبوات يشهد عليهم إذ لم يجد عليه علة واحدة (يو ١٩: ٤، ٦)، وأما هم الذين كان يليق بهم أن يكرزوا به، فطلبوا قتله (يو ١٩: ٧).

"ولما تمموا كل ما كُتب عنه،

انزلوه عن الخشبة،

ووضعوه في قبر". [29]

الذين طلبوا صلبه انزلوه (يو ١٩: ٣١)؛ وإن ظن أحد أن يوسف الرامي ونيقوديموس هما اللذان انزلاه من الصليب، فهما عضوان في مجمع السنهدرين، وكأنهما يمثلان المجمع.

"ووضعوه في قبر": في هذا دليل قاطع على موته موتًا حقيقيًا، استلزم الدفن. موت السيد المسيح ودفنه يمثلان جزءً من صُُلب قانون الإيمان لا ينفصلان عن صلبه وقيامته. فقد سلم الرسول بولس هذه الحقائق مترابطة معًا لتحقيق الخلاص. "فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب" (١ كو ١٥: ٣).

"ولكن الله أقامه من الأموات". [30]

حكم اليهود بقتله، والله الآب أقمه من الأموات. هذه القيامة هي الدليل القاطع أنه ابن الله القدوس (رو ١: ٢-٤).

"وظهر أيامًا كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم،

الذين هم شهوده عند الشعب". [31]

ظهوراته بعد القيامة هي براهين قوية وشهادة حية لقيامته. فالذين عاشروه وأحبوه إذ رأوه قد مات ودفن تمتعوا ببهجة قيامته لكي يشهدوا له ليصير فرح المؤمنين به كاملاً (١يو ١: ٣-٤).

"ونحن نُبشّركم بالموعد الذي صار لآبائنا". [32]

بعد هذا العرض التاريخي اللاهوتي انتقل القديس بولس إلى الواقع العملي، فإن هذا الوعد الإلهي مُقدم لكل مستمع، حتى إذ يؤمن يتمتع بقيامة المسيح في حياته. الوعد الذي ثبته الله منذ عصر الآباء وعبر كل الأجيال قد تحقق، لكي يتمتع به الجيل الحاضر.

"أن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم،

إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضًا في المزمور الثاني،

أنت ابني أنا اليوم ولدْتَك". [33]

إذ وقع من عيني شاول الطرسوسي ما هو أشبه بالقشور قام واعتمد وصار يكرز بما رآه بخصوص المسيح: "هذا هو ابن الله" (أع ٩: ١٨-٢٠). هذه العقيدة هي موضوع كرازة الرسول بولس، وقد تأكدت بقيامته من الأموات (رو ١: ١-٤). لقد ارتبطت بنوته للآب بكل أحداث الخلاص. ففي تجسده قال الملاك: "يُدعى ابن الله" (لو ١: ٣٥). وفي عماده قال الآب: "أنت ابني الحبيب بك سررت" (لو ٣: ٢١-٢٢). وفي تجليه قال الآب: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17). وفي قيامته يقول الرسول: "تعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات" (رو ١: ٤).

لقد جاءت قيامته تؤكّد عمليًا وبطريقة ملموسة ما شهد عنه الملاك في ميلاده، وما أعلنه الأب علانيّة يوم عماده، ولأخصّائه يوم تجلّيه. هذه القيامة ليست بالأمر الغريب عن شعب الله، فقد سبق فكشفها داود النبي في مزاميره.

هذه البنوّة السرمديّة تمس حياتنا وخلاصنا. إذ نتمتع في الابن الوحيد القائم من الأموات بنعمة البنوة بعمل روحه القدوس الذي له دوره في كل أحداث الخلاص.

+         +           +

إنجيل القداس من متى 2 : 1 – 12  

1 و لما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في ايام هيرودس الملك اذا مجوس من المشرق قد جاءوا الى اورشليم
2 قائلين اين هو المولود ملك اليهود فاننا راينا نجمه في المشرق و اتينا لنسجد له
3 فلما سمع هيرودس الملك اضطرب و جميع اورشليم معه
4 فجمع كل رؤساء الكهنة و كتبة الشعب و سالهم اين يولد المسيح
5 فقالوا له في بيت لحم اليهودية لانه هكذا مكتوب بالنبي
6 و انت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لان منك يخرج مدبر يرعى شعبي اسرائيل
7 حينئذ دعا هيرودس المجوس سرا و تحقق منهم زمان النجم الذي ظهر
8 ثم ارسلهم الى بيت لحم و قال اذهبوا و افحصوا بالتدقيق عن الصبي و متى وجدتموه فاخبروني لكي اتي انا ايضا و اسجد له
9 فلما سمعوا من الملك ذهبوا و اذا النجم الذي راوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء و وقف فوق حيث كان الصبي
10 فلما راوا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا
11 و اتوا الى البيت و راوا الصبي مع مريم امه فخروا و سجدوا له ثم فتحوا كنوزهم و قدموا له هدايا ذهبا و لبانا و مرا
12 ثم اذ اوحي اليهم في حلم ان لا يرجعوا الى هيرودس انصرفوا في طريق اخرى الى كورتهم


 

سجود الملوك للملك

إذ وُلد المسيّا الملك جاء المجوس يمثّلون كنيسة الأمم المنجذبة لعريسها الملك، تقبل حبّه وتتعبّد له، تقدّم له حياتها تقدمة حب مقابل ذبيحة حبّه اللانهائي:

 

مجيء المجوس

حقًا إن مجيء كلمة الله متجسّدًا قد شغل ذهن الله قبل خلقتنا، وقد هيأ له وسط شعبه بالآباء والأنبياء والناموس، بطرق متنوّعة، ومع هذا إذ تحقّق الأمر تجاهله الشعب تمامًا اللهمّ إلا القليل النادر. لهذا قدّم الله توبيخًا خلال الغرباء، فجاء إليه المجوس كباكورة كنيسة الأمم. جاءوا إلى بلدٍ غريبٍ ليسجدوا لطفل بسيط في مزود، وليس مولود قصر ملكي، لكن يقود موكبهم نجم سماوي، يُعلن عن وجود سرّ خفي فيه.

والمجوس هم كهنة وفي نفس الوقت ملوك كلدانيون أو فارسيون يقضون جل وقتهم في دراسة الظواهر الفلكية والتكهن بالحوادث المقبلة.

غالبًا ما جاء المجوس في موكب عظيم يتقدّمهم ثلاثة من كبارهم يحملون الهدايا للملك العجيب، هؤلاء يمثّلون كل أجناس البشريّة المتسلسلة عن أولاد نوح الثلاثة: سام وحام ويافث. وكأنهم بكور الشعوب الأممية جاءوا يلتفون مع بسطاء اليهود - الرعاة - في السجود للمسيّا، فيضمهم معًا كنيسة واحدة له. يقول القدّيس أغسطينوس: [من هم هؤلاء المجوس إلا بكور الأمم؟ لقد كان الرعاة إسرائيليّين والمجوس أمميّين. كان الأوّلون ملاصقين له، والآخرون جاءوا إ ليه من بعيد. لقد أسرع الكل إلى حجر الزاوية".]

وما هو هذا النجم؟ يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه لم يكن نجمًا حقيقيًا كسائر النجوم، إنّما هو ملاك ظهر في شكل نجم أرسله الله لهداية المجوس العاملين في الفلك، ويعلّل ذلك بالآتي:

أولاً: أن مسار النجم الذي ظهر مختلف عن مسار حركة النجوم الطبيعيّة.

ثانيًا: كان النجم ساطعًا في الظهيرة والشمس مشرقة، وليس كبقيّة النجوم تسطع ليلاً.

ثالثًا: كان يظهر أحيانًا ويختفي أحيانًا أخرى.

رابعًا: كان منخفضًا، قادهم إلى حيث المزود تمامًا.

ويرى العلاّمة أوريجينوس أنه نجم حقيقي لكنّه من نوع فريد، إذ يقول: [إننا نعتقد أن الذي ظهر في المشرق كان نجمًا جديدًا، ليس كالنجوم العاديّة... لكنّه يُحسب في عداد المذنبات التي تشاهد في أحيان كثيرة، أو النيازك، أو النجوم الملتحمية أو النجوم التي على شكل الجرار، أو أي اسم ممّا يصف به اليونانيّون أشكالها المختلفة.]

لماذا استخدم النجم؟

أولاً: استخدم الله كل وسيلة للحديث مع شعبه موضّحًا لهم أسرار التجسّد الإلهي وأعماله الخلاصيّة، لكن إذا أظلمت عيون قلوبهم بظلمة الشرّ وتقسّى قلبهم، بعث إليهم غرباء الجنس كعطشى للحق يوبّخونهم. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لتوبيخ اليهود على قسوتهم، ولينزع عنهم كل عذر يحتجّون به على جهلهم الإرادي.]

 ويقول القدّيس جيروم: [لكي يعرف اليهود بنبأ ميلاد المسيح من الوثنيّين حسب نبوّة بلعام أحد جدودهم، بأن نجمه يظهر من المشرق. وإذ أرشد النجم المجوس حتى اليهوديّة وتساءل المجوس عنه، لم يبقَ لكهنة اليهود عذر من جهة مجيئه.] حقًا في كل عصر إذ يتقسّى قلب المؤمنين أبناء الملكوت يحدّثهم الرب أحيانًا خلال الملحدين والأشرار الذي يقبلون الإيمان في غيرة متّقدة توبّخهم.

ثانيًا: الله الذي يحب البشريّة كلها يُعلن ذاته للجميع، محدثًا كل واحدٍ بلغته. فقد تحدّث مع اليهود بالناموس والنبوّات، واستخدم الفلسفات اليونانيّة بالرغم ممّا ضمّته من أضاليل كثيرة كطريق خلاله قبل كثير من الفلاسفة إنجيل الحق. وها هو يحدّث المجوس رجال الفلك بلغتهم العمليّة.

يحدّث الله كل إنسان باللغة التي يفهمها، فأرسل للرعاة ملائكة وللمجوس نجمًا يقول القدّيس أغسطينوس: [أظهر الملائكة المسيح للرعاة، وأعلن النجم عنه للمجوس. الكل تكلم من السماء!... الملائكة تسكن السماوات، والنجم يزيّنها، وخلال الاثنين تُعلن السماوات مجد الله.] ويقول الآب غريغوريوس الكبير: [كان من اللائق أن كائنًا عاقلاً، أي ملاكًا هو الذي يخبر هؤلاء الذين استخدموا عقولهم في معرفة الله، أمّا الأمم فإذ لم يعرفوا أن يستخدموا عقولهم في معرفته لم يقدهم الصوت الملائكي بل العلاّمة (النجم). لهذا السبب يقول بولس أن النبوّة ليست لغير المؤمنين بل للمؤمنين، وأما الآية (العلامة) فليست للمؤمنين بل لغير المؤمنين (1 كو 14: 22).] ويرى بعض الآباء مثل العلاّمة أوريجينوس أن المجوس أدركوا أن تعاويذهم قد بطلت، وشعروا أثناء عملهم أن أمرًا يفوق السحر قد حدث في العالم، فتطلّعوا إلى النجوم ليروا علامة من الله في السماء، عندئذ أدركوا كلمات بلعام: "يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل... " (عد 24: 17). يقول القدّيس جيروم: [تعلّموا عن ظهور هذا النجم من نبوّة بلعام إذ هم من نسله.]

ثالثًا: يرى البعض أن المجوس تسلّموا هذا التقليد الخاص بظهور النجم عند مجيء الملك المخلّص عن دانيال النبي الذي عينه الملك كبيرًا للمجوس حين كان في السبي البابلي، وفد حدّد في نبوّاته موعد مجيئه.

رابعًا: أراد الله أن يخرج من الآكل أكلاً، ومن الجافي حلاوة، فالنجوم التي اُستخدمت كوسيلة للتضليل يعبدها الناس (عا 5: 26) صارت وسيلة للدخول بهم إلى الالتقاء مع الله. حقًا ما أعجب معاملات الله معنا، إنه لا يحطّم ما لنا حتى إن صار طريقًا للشرّ إنّما يغيّر مساره ويحوّله إلى الخير؛ عِوض أن يكون خادمًا لمملكة الظلمة يصير آلة برّ لحساب مملكة النور. كل ما وهبنا الله من طاقات ومواهب ومشاعر ودوافع إن تدنّست لا يحطّمها الله، بل بروحه القدّوس يجدّدها ويقدّسها لتصير سرّ بنياننا الروحي ووسائط للشهادة له.

والعجيب أن الله استخدم النجوم للكرازة بين الفلكيّين، فإذا ببعضهم أرادوا تأكيد مفاهيمهم الشرّيرة بذات العمل الإلهي الفائق، فادّعوا أن لكل إنسان نجمه الذي يُسيّر حياته لا يقدر أن ينحرف عنه. وقد انبرى كثير من الآباء يواجهون هذه الادعاءات مثل الآباء غريغوريوس الكبير، يوحنا الذهبي الفم، وأغسطينوس. نذكر على سبيل المثال بعض عبارات للقدّيس أغسطينوس: [لم يكن للنجم الذي رآه المجوس السلطان على المسيح المولود حديثًا، لم يكن هذا النجم أحد النجوم التي خُلقت في بدء الخليقة ويجرى في مساره حسب قانون خالقه، إنّما كان نجمًا جديدًا ظهر في هذا الميلاد العجيب من عذراء، وعكس خدمته على المجوس الباحثين عن امرأة، فتقدّمهم ليضيء لهم الطريق حتى قادهم إلى الموضع حيث فيه كان كلمة الرب كطفل. لم يُولد الطفل لأن النجم كان هناك، وإنما جاء النجم لأن المسيح قد وُلد. إن كان يجب أن نتحدّث عن المصير بالأحرى دعنا نقول لم يحدّد النجم مصير المسيح (كما يدَّعي المنجّمون) بل المسيح الذي حدّد مصير النجم.]

خامسًا: جاء النجم يكمّل شهادة الطبيعة للسيّد المسيح. إن كانت البشريّة العاقلة لم تعرف كيف تستقبله كما يجب انطلقت الطبيعة الجامدة تشهد له بلغتها الخاصة. يقول القدّيس أغسطينوس: [شهدت له السماوات بالنجم، وحمله البحر إذ مشى عليه (مت 14: 25)، وصارت الرياح هادئة ومطيعة لأمره (مت 23: 27)، وشهدت له الأرض وارتعدت عند صلبه (مت 27: 51).] هكذا قدّمت الطبيعة تمجيدًا لخاِلقها بلغتها، ونحن أيضًا إذ صرنا سماءً يليق بنا أن نشهد له بظهور نجمه فينا يقود الخطاة إلى المسيّا المخلّص، ينحنون له ويتعبّدون بالحق. ما هو هذا النجم إلا سِمة الصليب الحيّ المعلن في حياتنا الداخليّة وتصرّفاتنا في الرب. يقول القدّيس أغسطينوس: [عرفه المجوس بواسطة نجم كعلامة سماويّة وجميلة قدّمها الرب، لكنّه لا يرغب فينا أن يضع المؤمن نجمًا على جبهته بل صليبًا. بهذا يتّضع المؤمن ويتمجّد أيضًا، فيرفع الرب المتواضعين، هذا الذي في تواضعه تنازل.]

متى بدأ ظهور النجم؟

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن النجم قد ظهر مبكرًا قبل الميلاد ربّما بحوالي سنتين، حيث قاد المجوس ليبلغوا بيت لحم في وقت الميلاد. ويرى البعض أنه ظهر عند ميلاده، وقد أخذ المجوس بعض الوقت حتى بلغوا بيت لحم، لهذا إذ تحقّق هيرودس الأمر أمر بقتل الأطفال من سنتين فما دون، إذ حسب المدّة بناءً على ظهور النجم.

بالنجم التقَى المجوس باليهود

يروي لنا الإنجيلي اللقاء الذي تمّ بين المجوس واليهود على كل المستويات، خاصة الملك ورؤساء الكهنة وكتبة الشعب، إذ يقول:

"ولما وُلد يسوع في بيت لحم اليهوديّة في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم، قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإنّنا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له. فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجميع أورشليم معه. فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم: أين يُولد المسيح؟ فقالوا له: في بيت لحم اليهوديّة، لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنتِ يا بيت لحم أرض يهوذا لستِ الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل" [1-6].

لقد وُلد السيّد في "بيت لحم" التي تعني "بيت الخبز"، فجاء إلينا خبزًا سماويًا يتناوله الجياع والعطاش إلى البرّ. للأسف جاء المجوس من المشرق يحتملون آلام الطريق وأتعابه، يبحثون عن غذاء نفوسهم، بينما بقيَ الملك ورؤساء الكهنة والكتبة في أماكنهم يرشدون الغرباء للخبز الحيّ، وأما هم فلا يقتربون إليه. لعلّهم صاروا كالعاملين في بناء فلك نوح، الذين هيّأوا فلك الخلاص ولم يدخلوه!

حقًا ما أبعد الفارق بين المجوس ورؤساء اليهود، فقد تمتّع الغرباء بسرّ الحياة، وحُرم الرؤساء منه.

يقول القدّيس أغسطينوس: [صار اليهود أشبه بالنجّارين الذين صنعوا فلك نوح، فأقاموا لغيرهم طريق النجاة، أمّا هم فهلكوا في الطوفان. إنهم يشبهون المعالم التي توضع للكشف عن الطريق لكنها تعجز عن السير فيه. السائلون تعلّموا وكمّلوا الطريق، والمعلّمون نطقوا بالتعليم وبقوا متخلّفين.] ويقول القدّيس يعقوب السروجي: [صاروا كارزين له وهم سائرون في الطريق، يبشّرون بأن ملكًا للعالم كلّه قد أشرق. انبسطت كرازتهم لأميال في الطريق، وكسروا قلوب الملوك الذين جازوا في تخومهم، حثّهم الحق ليكونوا له كارزين. الذين هم من الخارج صاروا شهوده وبلغوا أرض اليهوديّة... نظروها فإذا هي هادئة والسكوت يخيّم على حكمائها الذين لم يُدركوا الملك الآتي لخلاصهم. أتى البعيدون ليبشّروا القريبين بميلاد الملك. ابنة الكلدانيّين أرسلت الهدايا للمخلّص، وابنة إبراهيم التي في بيته لم تكرمه.]

ثورة هيرودس

تكرّر اسم هيرودس بين عدد من حكّام فلسطين وملوكها أو بعض أجزاء منها أو المناطق القريبة إليها، وفي العهد الجديد ذُكر أربعة ملوك بهذا الاسم، وكان ذلك أثناء الحكم الروماني على فلسطين، من بينهم هيرودس الكبير هذا. وكان هيرودس هذا أدوميًا مولدًا، تجري في عروقه العداوة ضدّ اليهود. لم يكن له حق المُلك، لكنّه صار ملكًا على اليهوديّة، بمساعدة الرومان الذين تحالف معهم أبوه، وكان عنيفًا وشاذًا صار في أواخر أيّامه عرضة للهواجس. كان محبًا لسفك الدماء، قتل الكثير من أعضاء السنهدرين، كما قتل ابنيه الإسكندر وأرسطوبولس، وقبل موته بخمسة أيام قتل ابنه أنتياباتير. وفيما هو يسلّم أنفاسه الأخيرة أمر بقتل جميع عظماء أورشليم حتى يعم الحزن المدينة، ولا يجد الملك الجديد مجالاً للبهجة، لكنّه مات قبل أن تتحقّق أمنيته الأخيرة.

مات هيرودس بعد قتل أطفال بيت لحم بثلاثة شهور، وقد وصف المؤرخ اليهودي يوسيفوس، كيف اشتدّت شراهته في الفترة الأخيرة في أكل اللحم بدرجة بالغة، وأصيب بمرض النقرس وداء الاستسقاء، وقد تصاعدت منه رائحة كريهة جدًا، حتى لم يقدر أحد أن يقترب إليه.

هذه الصورة تكشف لنا عن مشاعر هذا الوحش المفترس، عند سماعه عن موكب المجوس ومجيئهم للسجود لملك اليهود. لقد جمع عدوّ اليهود رؤساء الكهنة والكتبة يسألهم خشية أن يسحب الكرسي من تحته. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خشيَ أن ترجع المملكة إلى يهودي، فيطرده اليهود هو وذرّيته ويقطعونهم من الملوكيّة. حقًا كثيرًا ما يتعرّض السلطان العظيم لمخاوف شديدة. فإن الأفنان (أعالي الأشجار) يمكن أن تحرّكها ريح خفيف، وهكذا الذين يسكنون الأماكن العالية تهزّهم كل إشاعة! أمّا الذين يقطنون الأماكن المنخفضة، أيّا كانت، فيكونون كالأشجار التي في الوادي غالبًا ما لا تؤثّر فيها الرياح.] ويقول الأب غريغوريوس الكبير: [اضطرب الملك الأرضي عندما وُلد الملك السماوي، لأن السيادة الأرضيّة تضطرب عندما تظهر العظمة السماويّة.]

اضطرب هيرودس الأرضي الذي اتسم بالشرّ عندما أدرك أن من تخدمه النجوم السماويّة قد جاء. حقًا إن تجلِّي رب المجد يسوع في القلب كما في مزود يزعزع هيرودس (الشيطان) الطاغية، الذي يملك بالشرّ. وكأنه إذ يملك الرب بصليبه فينا تنهار مملكة إبليس ولا تقدر أن تثبت.

أخفى هيرودس اضطرابه بمظاهر الخداع، إذ يقول الإنجيلي: "حينئذ دعا هيرودس المجوس سرًا. وتحقّق منهم زمان النجم الذي ظهر. ثم أرسلهم إلى بيت لحم، وقال: اذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي، ومتى وجدّتموه فأخبروني، لكي آتي أنا أيضًا وأسجد له" [7-8]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لكي يغريهم على ذلك تظاهر بالتقوى، مخفيًا السيف وراءها. رسم بالألوان شكل البساطة على حقد قلبه. هذا هو طريق كل فاعلي الشرّ، إذ يخطّطون في الخفاء ليجرحوا الآخرين، فيتظاهرون بالبساطة والصداقة.]

سجود المجوس

"فلما سمعوا من الملك ذهبوا،

وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدّمهم

حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي.

فلما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا.

وأتوا إلى البيت،

ورأوا الصبي مع مريم أمه،

فخّروا وسجدوا له،

ثم فتحوا كنوزهم،

وقدّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا" [9-11].

إذ تركوا الملك ظهر لهم النجم وصار يتقدّمهم ليدخل بهم إلى حيث كان السيّد المسيح مضجعًا. ما أحوجنا أن نخرج من دائرة هيرودس الخفي، أي دائرة الخطيّة عمل إبليس، لتتكشّف لنا علامات الطريق الملوكي بوضوح.

يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن النجم الذي رآه المجوس وتقدّمهم إلى بيت لحم إنّما هو خدمة الفقراء والمحتاجين، إذ يقول: [رأوا النجم وكانوا فرحين، وها أنت ترى المسيح نفسه غريبًا وعريانًا ولا تتحرّك!... هم قدّموا ذهبًا وأنت بالكاد تقدّم قطعة خبز!]

برؤيتهم للسيّد استراحت قلوبهم وزالت عنهم كل المتاعب، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [قبل رؤيتّهم الطفل كانت المخاوف والمتاعب تضغط عليهم من كل جانب، أمّا بعد السجود فحلّ الهدوء والأمان... لقد صاروا كهنة خلال عمله التعبُّدي، إذ نراهم يقدّمون هدايا.]

ماذا تعني هدايا المجوس؟

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقدّموا غنمًا ولا عجول، بل بالأحرى قدّموا الأمور التي تقترب بهم إلى قلب الكنيسة، إذ جاءوا إليه ببداءة التقدمة: معرفة وحكمة وحبًا.]

ويقول الأب غريغوريوس الكبير: [يقدّم الذهب كجزية الملك، ويقدّم البخور تقدمة لله، ويستخدم المرّ في تحنيط أجساد الموتى. لهذا أعلن المجوس بعطاياهم السرّيّة للذين يسجدون له بالذهب أنه الملك، وبالبخور أنه الله، وبالمرّ أنه يقبل الموت... لنُقدّم للرب المولود الجديد ذهبًا، فنعترف أنه يملك في كل موضع، ولنقدّم له البخور إذ نؤمن أنه الله ظهر في الزمان، مع أنه قبل كل زمان. ولنقدّم له المرّ، مؤمنين أنه وإن كان في لاهوته غير قابل للألم، فقد صار قابلاً للموت في جسدنا. ويمكننا أيضًا بهذه العلامات أن نفهم شيئًا آخر. الذهب يرمز للحكمة كما يشهد سليمان: "كنز مشتهى في فم البار" (أم 21: 20 الترجمة السبعينيّة). والبخور الذي يُحرق أمام الله يرمز لقوة الصلاة كقول المزمور: "لتستقم صلاتي كالبخور قدامك" (مز 141: 2)، والمرّ يرمز لإماتة أجسادنا، حيث تقول الكنيسة المقدّسة لعامليها الذين يعملون فيما لله حتى الموت: "يداي تقطران مرًا" (نش 5:5). إننا نقدّم للملك الجديد الذهب، إن كنّا في عينيّه نضيء بنور الحكمة السماويّة، ونقدّم له بخورًا إن كنّا نحرق أفكار الجسد على مذبح قلوبنا، فنرفع لله اشتياقاتنا السماويّة رائحة طيّبة. ونقدّم له المرّ عندما نُميت بالنسك شرور (شهوات) الجسد، فنقول إنه بالمرّ نحفظ الجسد الميّت من الفساد، كما نقول عن الجسد بأنه فسد متى غلبته الخلاعة، إذ قيل بالنبي، "تعفّنت الحيوانات في روثها". الحيوانات التي تهلك في روثها تُشير إلى الجسدانيّين الذي يختمون حياتهم وسط غباوة شهواتهم. إذن فلنقدّم لله مرًا لحماية أجسادنا المائتة من فساد الخلاعة ويحفظ في الطهارة.]

انصراف المجوس

"ثم إذ أوحي إليهم في حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس،

انصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم" [12].

في بساطة الإيمان قبِل هؤلاء الرجال ما أُوحيَ إليهم في حلم، ولم يتشكّكوا في الطفل. بالإيمان تركوا طريقهم الذي قدموا منه، ليسيروا في طريق أخرى، حتى لا يلتقوا بهيرودس، مقدّمين للمؤمنين مثلاً حيًا للنفس عندما تلتقي بالسيّد المسيح، إذ لا تعود تسلك في طريقها القديم حيث هيرودس (إبليس) يملك. ويرى الأب غريغوريوس الكبير إن هذا الطريق الجديد إنّما هو طريق الفردوس، الذي تلتزم النفس أن تسلكه خلال لقائها مع ربّنا يسوع. ويقول القدّيس أمبروسيوس: [لنرجع بعيدًا عن هيرودس صاحب السلطان الزمني إلى حين، فنأتي إلى المسكن الأبدي، إلى مدينتنا السمائيّة.]

في مرارة أقول إنه ليس شيء يحزن قلب الله مثل أن يرى منّا مجوسًا قد شاهدوا النجم السماوي، واستنار قلبهم وانطلقوا إلى حيث يوجد المخلّص، فانتزع عنهم كل تغرّب عن الله، وصاروا قريبين جدًا للآب، يحلّ فيهم ويجعلهم مقدّسا له بروحه القدّوس، لكنهم للأسف بعد أن قدّموا حياتهم هدايا ثمينة يفرح بها الرب، عادوا مرتدّين إلى طريق هيرودس، أيضًا إلى أعمال إنسانهم القديم وخضوعهم لإبليس، وكأنه - إن صح هذا التعبير - يسلّمون مسيحهم الداخلي لهيرودس، فيبيد منهم العدوّ ثمر نعمة الله السماويّة فيهم. في مرارة يوبّخهم الرسول بولس، قائلاً: "من خالف ناموس موسى، فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة، فكم عقابًا أشرّ تظنّون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله، وحَسِبَ دم العهد الذي قُدِّس به دنسًا، وازدرى بروح النعمة؟" (عب 10: 28-29). إذن ليتنا لا نرتدّ إلى طريق هيرودس المخادع، فلا نسلّم يسوعنا الداخلي في يديه فيصلب مرّة ثانية - إن صح التعبير - ويشهّر به بسببنا، وينطفئ الروح الذي فينا.

+       +       +

 

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt