طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 28 كيهك

 

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 50 : 2 ، 23

مت 1 : 1 - 17

مز 76 : 1 ، 2

مت 1 : 18 - 25

غل 3 : 15

- 4 : 18

1 يو 4

1 - 14

أع 13

13 - 25

مز 110 : 3

لو 2 : 1 – 20

 

إنجيل عشية متى 1 : 1 – 17  ،    إنجيل باكر متى 1 : 18 – 25

 

نسب الملك وميلاده

1 كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم
2 ابراهيم ولد اسحق و اسحق ولد يعقوب و يعقوب ولد يهوذا و اخوته
3 و يهوذا ولد فارص و زارح من ثامار و فارص ولد حصرون و حصرون ولد ارام
4 و ارام ولد عميناداب و عميناداب ولد نحشون و نحشون ولد سلمون
5 و سلمون ولد بوعز من راحاب و بوعز ولد عوبيد من راعوث و عوبيد ولد يسى
6 و يسى ولد داود الملك و داود الملك ولد سليمان من التي لاوريا
7 و سليمان ولد رحبعام و رحبعام ولد ابيا و ابيا ولد اسا
8 و اسا ولد يهوشافاط و يهوشافاط ولد يورام و يورام ولد عزيا
9 و عزيا ولد يوثام و يوثام ولد احاز و احاز ولد حزقيا
10 و حزقيا ولد منسى و منسى ولد امون و امون ولد يوشيا
11 و يوشيا ولد يكنيا و اخوته عند سبي بابل
12 و بعد سبي بابل يكنيا ولد شالتئيل و شالتئيل ولد زربابل
13 و زربابل ولد ابيهود و ابيهود ولد الياقيم و الياقيم ولد عازور
14 و عازور ولد صادوق و صادوق ولد اخيم و اخيم ولد اليود
15 و اليود ولد اليعازر و اليعازر ولد متان و متان ولد يعقوب
16 و يعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح
17 فجميع الاجيال من ابراهيم الى داود اربعة عشر جيلا و من داود الى سبي بابل اربعة عشر جيلا و من سبي بابل الى المسيح اربعة عشر جيلا
18 اما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا لما كانت مريم امه مخطوبة ليوسف قبل ان يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس
19 فيوسف رجلها اذ كان بارا و لم يشا ان يشهرها اراد تخليتها سرا
20 و لكن فيما هو متفكر في هذه الامور اذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف ان تاخذ مريم امراتك لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس
21 فستلد ابنا و تدعو اسمه يسوع لانه يخلص شعبه من خطاياهم
22 و هذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل
23 هوذا العذراء تحبل و تلد ابنا و يدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا
24 فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما امره ملاك الرب و اخذ امراته
25 و لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر و دعا اسمه يسوع

 

 

إذ يكتب القدّيس متّى الإنجيلي لليهود عن شخص ربّنا يسوع المسيح بكونه المسيّا الملك الذي طالما ترقبه الآباء والأنبياء ليقدّم لنا الخلاص الحقيقي، أعلن عن نسبه وميلاده:

1. نسب المسيح 1.

2. شجرة الأنساب 2-16.

3. عدد الأجيال 17.

4. مريم المخطوبة 18.

5. حلم يوسف 19-24.

6. ميلاد المسيح المبكّر 25.

1. نسب المسيح

ربّما يتساءل البعض: لماذا يهتمّ الكتاب المقدّس بنسب السيّد المسيح، فيذكره الإنجيلي متّى في الافتتاحيّة، والإنجيلي لوقا بعد عماد السيّد (لو 3)؟

أولاً: نحن نعلم أن الغنوسيّة وإن كان قد ظهر كبار رجالها في القرن الثاني الميلادي لكن جذورها بدأت في وقت مبكر جدًا، فقد أنكرت حقيقة التأنُس، مدّعية أن السيّد المسيح قد ظهر كخيالٍ أو وهم، إذ يكرهون الجسد ويعادونه كعنصر ظلمة. ذكر الأنساب هو تأكيد لحقيقة التجسّد الإلهي، فيؤكّد الوحي الإلهي أن ذاك الذي هو فوق الأنساب قد صار حسب الجسد له نسب. يقول القدّيس ساويرس الأنطاكي: [لكي نعرف الذي لا يُحصى في الأنساب، إذ مكتوب عنه: من يعرف جيله؟! (إش 53: 8)، وبالأكثر هذا الذي كان قبل الدهور مساويًا في الأزليّة للآب ذاته، هو نفسه الذي حُسب في الأنساب حسب الجسد، لأنه إذ هو إله في الحقيقة، صار هو ذاته في آخر الأزمة إنسانًا بدون تغيير، وقد أظهره متّى مشتركًا في طبيعتنا حتى لا يقول أحد أنه ظهر كخيالٍ أو وهمِ.]

ثانيًا: أراد القدّيس متّى تأكيد أن يسوع هو المسيّا الملك المنتظر، لهذا يفتح سلسلة الأنساب بقوله: "كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم" [1]. يقول القدّيس جيروم: [لقد ترك متّى كل الأسماء ليذكر داود وإبراهيم، لأن الله وعدهما وحدهما (بصراحة) بالمسيح، إذ قال لإبراهيم: "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض" (تك22: 18)، ولداود "من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك" (مز132: 11).] لقد ركّز على داود الملك وإبراهيم أب الآباء ليُعلن أنه الملك الموعود به، ابن داود. إنه الملك المختفي وراء طبيعتنا البشريّة والمتخلّي عن كمال مجده وبهائه، حتى يعطي للشيطان فرصة الدخول معه في معركة كسائر البشر، فيغلب السيّد لحسابنا. هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فإن اختفاءه يهبنا الفرصة لقبولنا إيّاه فلا نهاب بهاءه ونهرب من جلال عظمته، بل نقبل اللقاء معه والاتّحاد به والثبوت فيه. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يظهر الملك على الدوام بالمظهر الخاص به، إنّما يُلقي الأرجوان جانبًا ومعه التاج متنكرًا في زيّ جندي عادي حتى لا يركّز العدوّ هجماته عليه، أمّا هنا فحدث العكس، فقد فعل (الرب) ذلك حتى لا يعرفه العدوّ ويهرب من الدخول معه في معركة، ولكي لا يرتبك شعبه (أمام بهائه)، إذ جاء ليخلّص لا ليرعب.]

جاء الملك الحقيقي متأنّسًا كابن لداود الملك مع أن الأخير في حقيقته عبد، لقد رضي أن يكون العبد أبًا له، حتى نقبل نحن العبيد الإله أبًا لنا، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [سمح لنفسه أن يُدعى ابن داود ليجعلك ابن الله! سمح لعبد أن يصير له أبًا، حتى يكون لك أيها العبد الرب أبًا لك!... وُلد حسب الجسد لتُولد أنت حسب الروح! وُلد من امرأة لكي تكف عن أن تكون ابنًا لامرأة.]

ثالثًا: أراد بهذا النسب تأكيد أنه من نسل إبراهيم، أب جميع المؤمنين، الذي نال المواعيد إنه بنسله تتبارك جميع أمم الأرض. كأنه قد جاء كسّر بركة لجميع الأمم، مقدّمًا أبوة فائقة لا تقف عند علاقة الجسد والدم كما حصرها اليهود في علاقتهم بإبراهيم، إنّما قدّم الأبوة السماويّة لكل مؤمن من كل أمة!

2. شجرة الأنساب

قدّم لنا معلّمنا متّى نسب الملك قبل عرضه أحداث الميلاد، بينما قدّمه معلّمنا لوقا بعد عرضه للعماد المقدّس (لو 3)، وقد اهتم كثير من الآباء بشرح هذا النسب في شيء من الإطالة، لكنّني أجد نفسي ملتزمًا بعرض مبسّط له، ألخصه في النقاط التالية:

أولاً: جاء النسب هنا في ترتيب تنازلي يبدأ بإبراهيم وينتهي بيوسف رجل مريم الذي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح، أمّا في إنجيل معلّمنا لوقا فجاء النسب في ترتيب تصاعدي من يسوع الذي على ما كان يظن ابن يوسف (لو 3: 23) إلى آدم ابن الله. يتحدّث الأول قبل أحداث الميلاد ليُعلن أن كلمة الله المتجسّد هذا وإن كان بلا خطيّة وحدث لكنّه جاء من نسل خاطئ ليحمل عنّا الخطايا التي ورثناها أبًا عن جد، لذا جاء الترتيب تنازليًا... كأن الخطايا تنحدر من جيل إلى جيل ليحملها السيّد على كتفيه. أمّا الإنجيل الآخر فيلتزم بالترتيب التصاعدي إذ يأتي بعد المعموديّة معلنًا عطيّة الرب خلالها، يرفعنا حتى يردنا إلى حالتنا الأولى "آدم ابن الله" (لو3: 38). فالإنجيلي متّى يُعلن المسيّا حامل خطايانا، والإنجيلي لوقا يُعلن تمتّعنا بالبنوّة لله فيه.

ثانيًا: اختلاف النسب في القائمتين مرجعه أن متّى وهو يُعلن عن السيّد المسيح كحامل لخطايانا يذكر النسب الطبيعي، حسب اللحم والدم، أمّا لوقا إذ يُعلن عن بنوتنا لله في المسيح يسوع يذكر النسب الشرّعي حيث يمكن لإنسان أن يُنتسب لأب لم يُولد منه جسديًا. نذكر على سبيل المثال كان القدّيس يوسف ابنًا ليعقوب جسديًا، لكنّه ابن هالي شرعًا، لأن هالي مات دون أن ينجب ابنا، فتزوّج يعقوب امرأته لينجب له نسلاً فلا يُمحى اسمه من إسرائيل (تث 25: 5-6؛ مت 22: 24). وكأن القدّيس يوسف خطيب القدّيسة مريم هو ابن لداود الملك حسب القائمتين: سواء النسب الطبيعي أو الشرّعي، بالرغم من اختلافهما.

ثالثًا: إذ كان متّى البشير يتحدّث إلى اليهود ليؤكّد أن يسوع هو المسيّا المنتظر، بدأ النسب بإبراهيم المختار، أمّا لوقا إذ يكتب للأمم انتهى النسب بآدم ابن الله، ليضم البشريّة كلها للبنوة لله.

رابعًا: جاء النسب خاصًا بالقدّيس يوسف لا القدّيسة مريم، مع أن السيّد المسيح ليس من زرعه، ذلك لأن الشريعة الموسويّة تنسب الشخص للأب وليس للأم كسائر المجتمعات الأبوية. فإن كان يوسف ليس أبًا له خلال الدم لكنّه تمتّع ببركة الأبوة خلال التبنّي. لذلك نجد القدّيسة مريم نفسها التى أدركت سرّ ميلاده العجيب تقول للسيد: "لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنّا نطلبك معذّبين" (لو 2: 48). فإن كانت الشريعة تقيم للميّت ابنا (تث 25: 5) متى أنجبت امرأته من الوَلي، فبالأولى ينسب السيّد المسيح كابن ليوسف وهو ليس من زرعه، وقد أعطاه الملاك حقوق الأبوّة كتلقيبه، إذ يقول له: "فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع".

خامسًا: لم يذكر النسب أسماء نساء عظيمات يفتخر بهنّ اليهود كسارة ورفقة وراحيل، إنّما ذكر ثامار التي ارتدَت ثياب زانية (تك 38)، وراحاب الكنعانيّة الزانية (يش 2: 1) وبَتْشبْع التي يلقّبها "التي لأوريّا" مُظهرًا خطيّتها مع داود الملك. وكما يقول القدّيس ساويرس الأنطاكي: [ليكشف أن طبيعتنا التي أخطأت وسقطت، ودارت وتعثّرت في الشهوات غير اللائقة، هي التي جاء المسيح لعلاجها، حتى أنها عندما هربت ضُبطت، وعندما اندفعت وفي ثورتها أسرعت في الابتعاد أمسكها وأوقفها، وأتى بها وقادها إلى الطريق"، "المسيح إذن وضع على ذاته نسب هذه الطبيعة التي تنجّست لكي يطهّرها؛ هذه التي مرضت لكي يشفيها؛ هذه التي سقطت لكي يقيمها، وكان ذلك بطريقة فيها تنازل ومحبّة للبشر.] ويقول القدّيس جيروم: [لم يذكر في ميلاد المسيح ونسبه اسم قدّيسة، بل ذكر من شَجَبهنّ الكتاب، وهو يريد القول بأن من جاء من أجل الخطاة وُلد من خاطئات ليمحو خطايا الجميع.]

لقد بشر الإنجيلي بنسب الملك في حرّية دون أن يخفي ما يبدو مخزيًا، كاسرًا تشامخ اليهود الذي يكرّرون القول أنهم نسل إبراهيم؛ جاء كطبيب يعالج ضعفنا لا كديّان!

سادسًا: ذكر معلّمنا متّى في النسب بعض النساء الأمميّات مثل راعوث الموآبيّة وراحاب الكنعانيّة، ليُعلن أنه جاء من أجل البشريّة كلها ليخصّ الأمم كما اليهود. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في راعوث رمزًا لكنيسة الأمم التي تركت بيت أبيها والتصقت بكنيسة الله وقبلت العضويّة فيها، إذ يقول: [أنظر كمثال ماذا حدث لراعوث، كيف أنها تحمل شبهًا للأمور الخاصة بنا. لقد كانت غريبة الجنس، انحطت إلى الفقر المدقع، ومع هذا لما رآها بوعز لم يحتقر فقرها، ولا اشمأز من مولدها الدنيء هكذا إذ يتقبّل المسيح الكنيسة بكونها غريبة وفي فقر شديد، يأخذها كشريكة في البركات العظيمة، لكن يجب أن تكون كراعوث، فإن لم تترك أولاً أباها وترفض بيتها وجنسها ومدينتها وأقرباءها لن تحصل على هذا الزواج. هكذا إذ تترك الكنيسة أيضًا العادات التي تقبلها الناس عن آبائهم عندئذ - وليس قبل ذلك - تصير محبوبة لدى عريسها. في هذا يحدّثها النبي قائلاً: "اِنسي شعبك وبيت أبيك، لأن الملك اشتهى حسنك" (مز 45: 10-11). هذا ما فعلته راعوث فصارت أمّا للملوك كما يحدّث مع الكنيسة".

سابعًا: من بين أسلاف المسيح أشخاص لهم إخوة، ويلاحظ أن السيّد جاء بصفة عامة منحدرًا، لا من الأبناء البكر، بل ممن هم ليسوا أبكارًا حسب الجسد، مثل إبراهيم ويعقوب ويهوذا وداود ويوناثان. لقد جاء السيّد ليُعلن أن البكوريّة لا تقوم على الولادة الجسديّة، وإنما على استحقاق الروح. لقد جاء السيّد (آدم الثاني) بكر البشريّة كلها، فيه يصير المؤمنون أبكارًا، وتُحسب كنيسته كنيسة أبكار.

ثامنًا: ذكر معلّمنا متّى في نسب السيّد فارص دون زارح، لأن فارص يمثّل كنيسة الأمم التي صارت بكرًا باتّحادها بالسيّد المسيح البكر، بينما زارح يمثّل اليهود الذين فقدوا البكوريّة برفضهم الاتّحاد مع البكر. لقد أخرج زارح يده أولاً بكونه الابن البكر، لكنّه لم يولد أولاً، بل تقدّمه فارص، فاحتل مركزه، ونعِمَ بالبكوريّة. هكذا ظهر اليهود أولاً كبكر للبشريّة، لكنهم حُرموا من البكوريّة، وتمتّع بها الأمم عوضًا عنهم.

تاسعًا: ذكر سبي بابل ليؤكّد أنه بالرغم من تأديبات الشعب بالسبي زمانًا طويلاً لكنّه حافظ على أنسابه، ليتحقّق الوعد الإلهي بمجيء المخلّص. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ذكر السبي دون الإشارة إلى التغرّب في مصر، قائلاً: [لأنهم لم يعودوا بعد يخافون المصريّين، وإنما كانوا لا يزالون يخافون البابليّين. الأول (النزول إلى مصر) أمر قديم، أمّا الثاني فكان لا يزال جديدًا، حدث مؤخّرًا. الأول لم يحدث بسبب خطايا ارتكبوها، أمّا الآخر فبسبب معاصيهم.]

3. عدد الأجيال

يقسّم الإنجيلي الأجيال من إبراهيم إلى مجيء السيّد إلى ثلاث حقبات، كل حقبة تضم 14 جيلاً:

أ. من إبراهيم إلى داود، تنتهي الحقبة بالمجد الملوكي مُعلنًا في داود.

ب. من داود إلى سبي بابل، تنتهي بالعار في السبي.

ج. من السبي إلى السيّد المسيح، تنتهي بتحقيق الخلاص، ونزع العار حيث يملك المسيّا. في دراستنا لسفر الخروج (ص 33) لاحظ العلاّمة أوريجينوس أن عدد المحطات التي توقّف عندها الشعب قديمًا من رعمسيس إلى الجانب الشرقي لنهر الأردن 42 محطة، تمثّل الأجيال التي ذكرها متّى البشير (3 حقبات ×14 جيلاً = 42)، وكأن الرحلة تمثّل عبور البشريّة كلها في برّيّة هذا العالم، لتنطلق من أرض العبوديّة وأسر فرعون الحقيقي، أي إبليس، والدخول إلى أرض الموعد حيث ننعم بمجد أولاد الله. مجيء السيّد من امرأة يقدّم لكل مؤمن إمكانيّة هذا العبور ليدخل به بالروح القدس إلى حضن الآب السماوي.

وقد لاحظ القدّيس أغسطينوس في هذا النسب أن يكنيا قد تكرّر مرّتين في نهاية الحقبة الثانية، وبدْء الحقبة الثالثة [11-12]، فقد عاصر يكنيا السبي البابلي بعد أن عُين ملكًا عوضًا عن أبيه. لم يذكر الكتاب المقدّس شيئًا عن خطاياه، وإنما ذكر خطايا الشعب والرؤساء. لقد نُزع عنه الملك، وأُقتيد إلى السبي من أجل خطايا الشعب. وكأن يكنيا يمثّل السيّد المسيح الذي يُحصى مرّتين، جاء لليهود ليخلّصهم، وإذ رفضوه عبر إلى الأمم (بابل) ليخلّصهم. إنه حجر الزاوية المرفوض (مز 118: 22) ربط حائط الأمم بحائط اليهود، ليُقيم كنيسة واحدة للجميع.

يرى G. G. Box أن الإنجيلي متّى قسّم الأجيال إلى ثلاثة مجموعات، كل مجموعة تقوم على أساس الرقم الفلكي لاسم داود الذي في مجموع حروفه بالعبريّة "14"، وكأن القدّيس أراد تأكيد نسب السيّد المسيح لداود الملك ثلاث مرّات، أو كأن السيّد هو الملك لكل الحقبات الزمنيّة.

4. مريم المخطوبة

"وأما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا:

لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا

وُجدت حبلى من الروح القدس" [18].

أكدّ الكتاب المقدّس أن الحبل به في أحشاء القدّيسة مريم تحقّق بالروح القدس، الذي هيّأها وقدّسها ليحل كلمة الله فيها، ابن الله الوحيد. إنه ليس من زرع بشر، إذ تحقّق الحبَل وهي مخطوبة للقدّيس يوسف. وكانت الخطبة ليوسف البار أمرًا ضروريًا، لأسباب كثيرة منها ما ذكره القدّيس جيروم:

أولاً: لكي يُنسب للقدّيس يوسف قريب القدّيسة مريم، فيظهر أنه المسيّا الموعود به من نسل داود من سبط يهوذا.

ثانيًا: لكي لا تُرجم القدّيسة مريم طبقًا للشريعة الموسويّة كزانية، فقد سلّمها الرب للقدّيس البار الذي عرف برّ خطيبته، وأكّد له الملاك سرّ حبلها بالمسيّا المخلّص.

ثالثًا: لكي تجد القدّيسة معها من يعزّيها، خاصة أثناء هروبها إلى أرض مصر.

أما لماذا وُلد السيّد من امرأة أو عذراء؟ فيجيب القدّيس أغسطينوس، قائلاً:

+ لو تجنّب الميلاد منها، لظننا كما لو كان الميلاد منها ينجِّسه، مادام جوهره لا يتدنّس فلا خوف من الميلاد من امرأة.

+ بمجيئه رجلاً دون ولادته من امرأة، يجعل النساء ييأسْنَ من أنفسهن متذكّرات الخطيّة الأولى... وكأنه يخاطب البشريّة، قائلاً: ينبغي أن تعلموا أنه ليس في خليقة الله شرًا، إنّما الشهوة المنحلّة هي التي أفسدت الخليقة. انظروا، لقد وُلدت رجلاً، ووُلدت من امرأة، فأنا لا احتقر خليقتي، بل ازدري بالخطيّة التي لم أجبلها... لنفس السبب نجد النساء هن أول من بشرن بالقيامة للرسل. ففي الفردوس أعلنت المرأة عن الموت لرجلها، وفي الكنيسة أعلنت النساء الخلاص للرجال.

القدّيس أغسطينوس

يُعلّق هلفيديوس في أواخر القرن الرابع على قول الإنجيلي: "قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى"، بأن في هذا دليل ضمني على اجتماعهما بعد ولادة السيد، ناكرًا بتوليّة القدّيسة مريم، وقد سبق لي معالجة هذا الأمر في شيء من التوسّع، لذا أكتفي ببعض عبارات للقدّيس جيروم في الرد عليه: [لو أن انسانًا قال: قبل الغذاء في الميناء أبحرت إلى أفريقيا"، فهل كلماته هذه لا تكون صحيحة إلا إذا أرغم على الغذاء بعد رحيله! وإن قلت أن "بولس الرسول قُيّد في روما قبل أن يذهب إلى أسبانيا"، أو قلت "أدرك الموت هلفيديوس قبل أن يتوب" فهل يلزم أن يحلّ بولس من الأسر ويمضي مباشرة إلى أسبانيا، أو هل ينبغي لهلفيديوس أن يتوب بعد موته؟... فعندما يقول الإنجيلي "قبل أن يجتمعا" يُشير إلى الوقت الذي سبق الزواج مظهرًا أن الأمور قد تحقّقت بسرعة حيث كانت هذه المخطوبة على وشك أن تصير زوجة... وقبل حدوث ذلك وُجدت حُبلى من الروح القدس... لكن لا يتبع هذا أن يجتمع بمريم بعد الولادة.]

5. حلم يوسف

"فيوسف رجلها إذ كان بارًا ولم يشأ أن يشهرها،

أراد تخليتها سرًا" [19].

كانت علامات الحمل قد بدأت تظهر على القدّيسة مريم، الأمر الذي كان كافيًا لإثارة الغضب، بل وتعطيه الشريعة حق تقديمها للكهنة لمعاقبتها بالرجم، لكنّه إذ كان بارًا، وقد لمس في القدّيسة عفّتها وطهارتها ارتبك للغاية. في حنو ولطف لم يفتح الأمر مع أحد حتى مع القدّيسة نفسها، ولا فكّر في طردها وإنما "أراد تخليتها سرًا" أيضًا تطليقها. فنحن نعرف أن الخطبة في الطقس اليهودي تعطي ذات الحقوق والالتزامات الخاصة بالزواج فيما عدا العلاقة الزوجيّة الجسديّة. هذا هو السبب لدعوة الملاك إيّاها "امرأتك" [20]، الأمر الذي سبق لنا دراسته.

يُعلّق القدّيس يعقوب السروجي على هذا التصرّف النبيل من جانب القدّيس يوسف، قائلاً:

[نظر الشيخ إلى بطنها، تلك المخطوبة له، وتعجّب الصِدّيق!

رأى صبيّة خجولة عاقلة، فبقى داهشًا في عقله!

شكلها متواضع، وبطنها مملوءة، فتحيّر ماذا يصنع؟!

منظرها طاهر، ورؤيتها هادئة، والذي في بطنها يتحرّك!

طاهرة بجسدها، وحبلها ظاهر، فتعجّب من عفّتها والمجد الذي لها، وبسبب حبلها كان غاضبًا...

كان البار حزين القلب على حبل العذراء النقيّة، وأراد أن يسألها فاستحى... وفكّر أن يطلّقها سرًا.]

ربّما يتساءل البعض، وهل من ضرورة لتخليتها سرًا؟ يجيب القدّيس جيروم بأن العلامات كانت واضحة، فإن لم يتخلَ عنها يُحسب مذنبًا حسب الشريعة، فإنه ليس فقط من يرتكب الخطيّة يتحمّل وزرها، وإنما من يشاهدها ولا يتخذ موقفًا منها.

"ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور،

إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم، قائلاً:

يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك،

لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس" [20].

إذ رأى الله ارتباك هذا البار مع سلوكه بحكمة ووقار أراد أن يطمئنه، فأظهر له ملاكًا في حلم يكشف له عن سرّ الحبل. إنه لم يقدّم له رؤيا في يقظته، [إذ كان متزايدًا جدًا في الإيمان وليس في حاجة إلى الرؤية ]، كقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم.

يُعلّق القدّيس جيروم على دعوة الملاك للقدّيسة مريم أنها امرأة يوسف، قائلاً: [نحن نعرف أنه من عادة الكتاب المقدّس أن يعطي هذا اللقب للمخطوبات. هذا ما يؤكّده المثل التالي من سفر التثنية: "إذ كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها، فاخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة ورجموهما حتى يموتا؛ الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشرّ من وسطك" (تث 22: 23-24) راجع (تث 20: 7)] كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يدعو الخطيبة زوجة، كما تعوّد الكتاب أن يدعو المخطوبين أزواجًا قبل الزواج. وماذا تعني "تأخذ"؟ أي تحفظها في بيتك، لأنه بالنيّة قد اخرجها. احفظ هذه التي اخرجتها، كما قد عُهد بها إليك من قبل الله، وليس من قبل والديها.]

"فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع،

لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم.

وهذا كلّه كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل:

هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعون اسمه عمانوئيل

الذي تفسيره الله معنا" [21-23].

لقد أعطى الملاك ليوسف البار هذه الكرامة أن يمارس الأبوة مع أن السيّد المسيح ليس من زرعه، فأعطاه حق تسُمّيته، وإن كان الاسم ليس من عنديّاته بل بإعلان إلهي. إنه "يسوع" التي تعني في العبريّة "يهوه يخلّص"، وكما يقول الملاك " لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم". يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [شعبه ليس هم اليهود وحدهم، وإنما يشمل كل من يقتربون إليه، ويتقبّلون المعرفة الصادرة عنه.]

أما كلمة "عذراء" ففي العبريّة "آلما Olmah"، هي تخص فتاة عذراء يمكن أن تكون مخطوبة لكن غير متزوجة، وجاءت مطابقة على القدّيسة مريم تمامًا".

6. ميلاد المسيح المبكّر

"لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر،

ودعا اسمه يسوع" [25].

اعتمد هلفيديوس في إنكاره دوام بتوليّة القدّيسة مريم على هذه العبارة، قائلاً بأن كلمة "حتى" تعني أنه عرفها بعد الميلاد، وأن عبارة "ابنها البكر" تُشير إلى وجود أبناء آخرين ليسوا أبكارًا. يجيب القدّيس جيروم بأن كلمة "يعرفها" لا تعني حتمًا المعاشرة الزوجيّة، وإن كان يمكن أن تعني هذا، وكأن القدّيس يوسف لم يعرف القدّيسة مريم فيما نالته من نعم عظيمة حتى ولدت يسوع المسيح. أما كلمة "حتى" فلا تعني أن معرفته لها - بالجانب الجسدي - تحقّق بعد الولادة، وقد أعطى القدّيس جيروم أمثله لذلك. عندما يقول الرسول: "لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه" (1 كو 15: 25)؛ هل سيملك الرب حتى يصير أعداؤه تحت قدميه وعندئذ يتوقّف ملكه؟ أيضًا يقول المرتّل: "أعيننا إليك يا الله حتى يتراءف علينا" (مز 123: 2)، فهل يتطلّع النبي نحو الله حتى ينال الرأفة وعندئذ يحول عينيّه عنه إلى الأرض؟! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [استخدم هنا كلمة "حتى" لا لكي تشك وتظن أنه عرفها بعد ذلك، إنّما ليخبرك أن العذراء كانت هكذا قبل الميلاد لم يمسها رجل قط. ربّما يقال: لماذا استخدم كلمة "حتى"؟ لأنه اعتاد الكتاب أن يستعمل هذا التعبير دون الإشارة إلى أزمنة محدّدة. فبالنسبة للفَلك قيل إن الغراب لم يرجع حتى جفت الأرض (تك 8: 7) مع أنه لم يرجع قط.]

أما من جهة تعبير: "البكر" فلا يعني أن السيّد المسيح له إخوة أصغر منه من مريم وأنه هو بكرها. فإن كل فاتح رحم يُحسب بكرًا حتى ولو لم يكن بعده إخوة أصغر منه. يقول القدّيس جيروم في ردّه على هلفيديوس: [كل ابن وحيد هو بكر، ولكن ليس كل بكر هو ابن وحيد. فإن تعبير "بكر" لا يُشير إلى شخص له إخوة أصغر منه، وإنما يُشير إلى من يسبقه أخ أكبر منه يقول الرب لهرون: "كل فاتح رحم من كل جسد يقدّمونه إلى الرب: من الناس والبهائم يكون لك. ولكن بكر الإنسان ينبغي لك أن تقبل فداءه. وبكر البهائم النجسة تقبل فداءه" (عد 18: 15). قول الرب هنا يّعرف البكر على كل فاتح رحم.] لو كان يلزم أن يكون له اخوة أصاغر لكان ينبغي ألا يقدّم البكر من الحيوانات الطاهرة للكهنة إلا بعد ولادة أصاغر بعده، وما كانت تدفع فدية الإنسان والحيوان النجس إلا بعد التأكّد من إنجاب اخوة أصاغر. 

+        +         +

البولس من غلاطية 3 : 15 – 4 : 18

 

أولا : غلاطية 3 : 15 – 29

15 ايها الاخوة بحسب الانسان اقول ليس احد يبطل عهدا قد تمكن و لو من انسان او يزيد عليه
16 و اما المواعيد فقيلت في ابراهيم و في نسله لا يقول و في الانسال كانه عن كثيرين بل كانه عن واحد و في نسلك الذي هو المسيح
17 و انما اقول هذا ان الناموس الذي صار بعد اربع مئة و ثلاثين سنة لا ينسخ عهدا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يبطل الموعد
18 لانه ان كانت الوراثة من الناموس فلم تكن ايضا من موعد و لكن الله وهبها لابراهيم بموعد
19 فلماذا الناموس قد زيد بسبب التعديات الى ان ياتي النسل الذي قد وعد له مرتبا بملائكة في يد وسيط
20 و اما الوسيط فلا يكون لواحد و لكن الله واحد
21 فهل الناموس ضد مواعيد الله حاشا لانه لو اعطي ناموس قادر ان يحيي لكان بالحقيقة البر بالناموس
22 لكن الكتاب اغلق على الكل تحت الخطية ليعطي الموعد من ايمان يسوع المسيح للذين يؤمنون
23 و لكن قبلما جاء الايمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقا علينا الى الايمان العتيد ان يعلن
24 اذا قد كان الناموس مؤدبنا الى المسيح لكي نتبرر بالايمان
25 و لكن بعدما جاء الايمان لسنا بعد تحت مؤدب
26 لانكم جميعا ابناء الله بالايمان بالمسيح يسوع
27 لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح
28 ليس يهودي و لا يوناني ليس عبد و لا حر ليس ذكر و انثى لانكم جميعا واحد في المسيح يسوع
29 فان كنتم للمسيح فانتم اذا نسل ابراهيم و حسب الموعد ورثة

 

الناموس لم يبطل الوعد لإبراهيم

بعد أن قدم براهين كثيرة تقوم على أساس التقليد اليهودي والكتاب المقدس استخدم الرسول مثلاً بشريًا، بقوله: "أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول، ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه" [15]. بمعنى آخر يجب احترام العهود البشرية، فلا يُزاد أو ينقص شيء من شروطها، والآن قد أُقيم عهد مع إبراهيم قبل استلام الناموس بحوالي 430 عامًا، لم يُذكر فيه حفظ أعمال الناموس، بل ذكر فيه الإيمان. فإذا ما أُضيف هذا الشرط (حفظ أعمال الناموس) بعد ذلك يُساء إلى العهد الإلهي.

أِستُلِم الناموس بعد نوال وعد الله لا ليبطل الوعد، إنما ليمهد للإيمان. فإن كانت أعمال الناموس هي منبع الخلاص لما أخذ إبراهيم الوعد بالبركة بنسله وإنما باستلام الناموس.

+ خلال رمز ديمومة العهد الإنساني يدافع الرسول عن العهد الإلهي.

العلامة ترتليان

+ "أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكّن ولو من إنسان أو يزيد عليه" [15].

هكذا يقول: "أيها الإخوة"... لقد دعاهم قبلاً "أغبياء" وها هو يدعوهم "إخوة"، وذلك لتوبيخهم في نفس الوقت...

يقول: إن أقام إنسان عهدًا فهل يجرؤ مَن يأتي بعده من يُغيره أو يزيد عليه؟ هذا ما يعنيه بـ "يزيد عليه". بالأولى عندما يُقيم الله عهدًا؛ ومع مَنْ أقام عهدًا؟... أقام الله عهدًا مع إبراهيم، إذ وعده بأن تتبارك جميع الأمم في نسله، هذه البركة لا يمكن للناموس أن يُلقي بها جانبًا... أخذ إبراهيم وعدًا أن تتبارك الأمم في نسله، ونسله حسب الجسد هو المسيح [16-18].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أعطى الله وعده لإبراهيم ونسله قبل إعطائه الناموس بـ 430 عامًا. هذا الوعد السابق للناموس تحقق في يسوع، نسل إبراهيم. ذكر الرسول 430 عامًا عن الترجوم الفلسطيني (في التعليق على خر 12: 40)، وهي إعادة صياغة (تفسير) للنص الكتابي الذي يُتلى في الخدمات المقامة في المجمع أيام القديس بولس.

يقول القديس أغسطينوس: [إن إبراهيم نال وعدًا ليس فقط في المسيح، نسل إبراهيم الذي يبارك الأمم [16]، بل وفي جسده، أي في كنيسة المسيح [28]. إن كان نسل إبراهيم يُفهم عن المسيح وحده، فإنه ينطبق علينا نحن أيضًا، أي على المسيح بأكمله: الرأس والجسد، المسيح الواحد.]

غاية الناموس

أثُير السؤال الذي في افتتاحية هذا القسم (فلماذا الناموس؟) في سياق البرهان الذي يقدمه القديس بولس؛ حيث لم يُذكر بعد إلا الجانب السلبي للناموس وأعماله (رو 7: 25-27). يرفض القديس بولس فهم الناموس بكونه مضادًا لوعود الله، بل بالأحرى يؤكد أن عمل الناموس هو تحديد الوضع القانوني للإنسان أمام الله، وإن كان عاجزًا عن تقديم البرّ أو تغيير علاقة الإنسان بالله.

سلطان حفظ أعمال الناموس الحرفية كأداة فعالة في تحقيق خطة الله محدود حتى يُعلن الإيمان ويأتي المسيح.

+ "وأما الوسيط فلا يكون لواحدٍ" [20]، ولكن الله واحد. لا انقسام بين الأقانيم كما تعلمنا في الإيمان (لأن اللاهوت واحد في الآب والابن والروح القدس). يصير الرب وسيطًا مرة بين الله والإنسان، فيربط الإنسان باللاهوت به.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

ما هو هدف الناموس الموسوي [19]؟

السيد المسيح قادر أن يخلص الخطاة، فلا تقدر النعمة أن تبدأ عملها حتى يُبرهن الناموس أننا مخطئون كما تظهر الرسالة إلى رومية لكل واحدٍ منا. يستطيع الناموس فقط "أن يُغلِق على الكل تحت الخطية" [22]، كما في سجنٍ؛ عندئذ جاء السيد المسيح ليهبنا الحرية ويقدم لنا برّه.

الناموس روحي، لكنه لا يحمل قوة الخلاص أو إمكانية التبرير. غايته أن يُظهِر للجنس البشري الساقط مدى فساد الطبيعة البشرية الخاطئة التي بلا شفاء. يكشف للإنسان عن خطيته وعماه واستخفافه بالله وأنه ساقط تحت الغضب الإلهي. هكذا يقودنا الناموس إلى السيد المسيح بإبرازه حاجتنا إليه كمخلصٍ وطبيبٍ.

+ لم يُعْطَ الناموس لشفاء الضعفاء، وإنما للكشف عن ضعفهم وإظهاره... لقد تسلموا الناموس الذي لم يستطيعوا أن يتمموه؛ لقد عرفوا داءهم، والتمسوا عون الطبيب، مشتاقين أن يبرأوا إذ عرفوا أنهم في كربٍ، الأمر الذي ما كانوا ليعرفوه لولا عجزهم على تتميم الناموس الذي تسملوه.

القديس أغسطينوس

طالما يظن الإنسان أنه بريء، يُصيبه الكبرياء ويحتقر نعمة الله. لهذا فالناموس يذل هذا الكبرياء ويطرحه خارجًا، إنه معلم صالح عمله أن يُقنع المتكبرين بالحاجة إلى إصلاح، ويقود الأطفال كما إلى المدرسة، ويتأكد من تركيز انتباههم، وعند الضرورة يؤدبهم، ويطمئن على سلامتهم سلوكيًا وجسديًا. هذا المؤدب يتعهد الأطفال، فيقودهم في الشوارع ليُحضِرهم إلى المدرسة، ويدربهم على إيجاد متعة في قبول الأخبار السارة (الإنجيل) وخبرة الحياة المسيحية. عمله يتلاءم مع الطفولة حيث يدخل بالمؤمن من الطفولة إلى النضوج الروحي في المسيح (3: 25-29)، الذي يمنحه القدرة على ضبط النفس وإنكار الذات.

يُصلح الله قلوبنا باستخدام إبرة حديدية (الناموس) أولاً، ليمد بعد ذلك خيط الإنجيل الدائم والحب والسلام والفرح. في السيد المسيح تحققت كل مواعيد الله.

+ يقول (بولس) إن الناموس كان مؤدبنا إلى المسيح يسوع... لم يَعُقهم الناموس قط عن الإيمان بإبن الله، لا بل بالأحرى حثهم على ذلك بقوله إنه لا خلاص للإنسان من جرح الخطية القديم إلا بالإيمان به، هذا الذي أخذ شِبه جسد الخطية، وارتفع عن الأرض على خشبة الاستشهاد، جاذبًا الكل إليه (يو12: 32 ؛ 3: 14)، ومقيمًا الأموات.

القديس ايريناؤس

+ إذ لم يدرك اليهود خطاياهم، وبالتالي لم يشتاقوا إلى المغفرة؛ أُعطِي لهم الناموس ليتحسسوا جراحاتهم، لعلهم يتوقون إلى طبيب...

الآن لا يتعارض المؤدب (الناموس) مع المعلم (السيد المسيح)، بل يتعاون معه، ينطلق بالشاب الصغير من كل رذيلة، ويُعِدُّه بكل رفق لكي يتقبل إرشادات معلمه. ولكن عندما تتشكل عادات الشاب حينئذ يتركه مُرشده كما يقول الرسول.

إذن، كان الناموس مرشدنا، وكنا نحن خاضعين؛ لم يكن عدوًا لنا بل كان عاملاً مع النعمة في تعاون؛ ولكن إن دُفِعْنا إلى أسفل بعد قبول النعمة يصير بهذا مضادًا لنا، لأنه يُقيد أولئك الذين يجب أن يتقدموا في النعمة، ففي هذا تحطيم لخلاصنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ إله العهدين واحد؛ في العهد القديم أنبأنا عن المسيح الذي ظهر في العهد الجديد؛ الذي قادنا إلى مدرسة المسيح بواسطة الناموس والأنبياء... إن سمعت أحد الهراطقة ينطق بالشر على الناموس أو الأنبياء، أَجِبْهُ بصوت المخلص قائلاً أن المسيح لم يأتِ لينقض الناموس بل ليكمله (مت 5: 17).

القديس كيرلس الأورشليمي

إذ يقرأ القديس أثناسيوس كلمات القديس بولس أن الناموس المُعْطَى لليهود كمرشدٍ يتضمن الإيمان بالمسيح يوضح أنهم لم يفهموا ذلك ولا استطاعوا التلامُس مع الحق الذي نقتنيه والكامن في الناموس، لأنهم تمثلوا بالحرف ولم يخضعوا للروح.

يقول Dom B. Orchard: [الحياة الدينية في العالم - في نظر القديس بولس مَرَّت بثلاث مراحل من أيام إبراهيم مؤسس جنس اليهود:

1. مِنْ إبراهيم إلى موسى: خلال هذه الفترة كان التبرير يتحقق خلال الإيمان بالمواعيد، دون وجود ناموس بالمعنى الإيجابي (ما عدا الختان وحده الذي وُجِد في العهد الإلهي مع إبراهيم - تك17: 11).

2. مِنْ موسى إلى المسيح: خلالها كان التبرير يتحقق خلال الإيمان بالمواعيد، مع الالتزام بحفظ الناموس الذي تسلموه في سيناء بطريقة إيجابية (الذي يبرر هو الإيمان لا الناموس).

3. منذ عهد المسيح: يتحقق التبرير بالمسيح وبحفظ الإنجيل (وهو أسمى من أن يكون مجرد تجديد للتهود).]

أبناء بالإيمان

مهّد الناموس الطريق للإيمان، وكمرشدٍ جاء بنا إلى السيد المسيح حتى نتبرر بالإيمان [24]. فما هو دور الإيمان في حياتنا؟ إياه يقودنا إلى الإنسان الكامل [25]، فإننا جميعًا أبناء الله بالإيمان بيسوع المسيح. التبرير (dikaiosune)، الذي يعني في نظر القديس بولس عبورًا من حالة العداوة مع الله كثمرة للخطية الأصلية ومِنْ الخطية الفعلية إلى البنوة التي بها نقتني حياة المسيح الإلهية داخلنا، هي دائمًا هبة الله المجانية بمقتضى عطية الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6).

"التبني" كلمة قانونية رومانية تعني "احتلال مركز الابن" في وضع شرعي. جاء السيد المسيح ليفتدينا حتى لا نظل بعد عبيدًا تحت الناموس، وإنما نملك كل امتيازات الأبناء والورثة البالغين، فندعو الله "آبا الآب" (4: 6).

+ لم نعد بعد تحت مؤدب [25]، "لأنكم جميعًا أبناء الله" [26]. يا للعجب! انظر! يا لعظمة الإيمان! ها يوضح الرسول ذلك تدريجيًا! قبلاً أظهر أن الإيمان يجعل منهم أبناءً لإبراهيم... الآن يبرهن أنهم أبناء الله أيضًا... بعد ذلك إذ يقول أنه لأمر عظيم ومدهش يوضح كيفية تبنيهم للَّه: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" [27]... ما دام المسيح هو ابن الله وأنتم قد لبستموه، واقتنيتموه داخلكم، وتشكلتم على مثاله، صرتم أقرباء له واحدًا معه في طبيعته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ مع أن الكتاب المقدس يشهد بأن ربنا يسوع المسيح هو إبن الله الوحيد، يقول إن المسيح منحنا أن نصير إخوة وشركاء معه في الميراث، بهذا نلنا نوعًا من التبني خلال النعمة الإلهية .

+ "آبا" بالعبرية تطابق"Pater" في اللاتينية... كما أن العبارة "آبا الآب" تتضمن فكرة الجنسين: (الإسرائيليون والأمم)، فإن كلمة "أب" نفسها بمفردها تشير إلى قطيع واحد يتكون من الاثنين معًا.

القديس أغسطينوس

البسوا المسيح

+ لا تسمح لدنس أو غضن يدنس نقاوة ثوب الخلود، بل احفظ قداسه كل أعضائك، إذ تلبس المسيح؛ إذ يُقال: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (أف 3: 27). لتكن أعضاؤكم جميعًا مقدسة فتكون كمرتدية ثوبًا من القداسة والنور.

القديس باسيليوس الكبير

+ قد لبسنا المسيح بواسطة الماء والروح وإن كنا لم ندرك مجده.

القديس اسحق السرياني

+ إذ اعتمدتم في المسيح، ولبستم المسيح، تصيرون على شكل ابن الله.

القديس كيرلس الأورشليمي

واحد في المسيح!

يظهر شمول الإنجيل خلال الإشارات إلى العماد بكونه نتيجة لعمل الإيمان. فالمعمدون الجدد لا يلبسون المسيح فحسب (رو 4:13، أف 24:4)، وإنما يصيرون أيضًا واحدًا معه، يشتركون في صلبه ويتمتعون بالحياة الجديدة معه (20:2). مادام العماد يوّحد كل الأشخاص مع المسيح (1 كو 13:12) كما يربطهم أيضًا ببعضهم البعض، لأن جميعهم إخوة مات "المسيح لأجلهم" (1 كو 11:8؛ 15:14). لجميع المؤمنين رب بلا تمييز بينهم (رو 12:10-13؛ أف 11:2-22؛ كو 11:3).

بالمعمودية نلبس المسيح [27] ونتحد كأعضاء معًا كأبناء لله فيه. "ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح" [28].

 نصير كلنا واحدًا، لنا ذات الميراث الذي وعد به ابراهيم. "فإن كنتم للمسيح فأنتم إذًا نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة" [29].

+ هذا هو هدف السر العظيم من أجلنا. هذا هو غرض الله من أجلنا، هذا الذي صار إنسانًا وافتقر (2كو8: 9)، لكي يُحْيى أجسادنا (رو 11:8)، ونستعيد صورته (1كو15: 48)، ويتجدد الإنسان (كو3: 11) فنصير واحدًا في المسيح، الذي يعمل بكمال في جميعنا حتى إنه هو نفسه يكون حاضرًا، فلا يكون ذكر أو أنثى، بربري أو سكيثي، عبد أو حر، إنما تحمل ختم الله في أنفسنا، الذي به وله قد خُلِقْنا وأخذنا صورته ومثاله لكي نُعْرف بهذا وحده.

القديس غريغوريوس النزينزي

يقول القديس غريغوريوس النيسي : [إن خلقة طبيعتنا لها معنى ثنائي: طبيعة خُلِقتْ على مثال الله أفسدتها الخطية وجددها ربنا، وطبيعة تنقسم حسب تمايزنا (ذكر وأنثى).]

تكملة البولس : غلاطية 4 : 1 – 18

1 و انما اقول ما دام الوارث قاصرا لا يفرق شيئا عن العبد مع كونه صاحب الجميع
2 بل هو تحت اوصياء و وكلاء الى الوقت المؤجل من ابيه
3 هكذا نحن ايضا لما كنا قاصرين كنا مستعبدين تحت اركان العالم
4 و لكن لما جاء ملء الزمان ارسل الله ابنه مولودا من امراة مولودا تحت الناموس
5 ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني
6 ثم بما انكم ابناء ارسل الله روح ابنه الى قلوبكم صارخا يا ابا الاب
7 اذا لست بعد عبدا بل ابنا و ان كنت ابنا فوارث لله بالمسيح
8 لكن حينئذ اذ كنتم لا تعرفون الله استعبدتم للذين ليسوا بالطبيعة الهة
9 و اما الان اذ عرفتم الله بل بالحري عرفتم من الله فكيف ترجعون ايضا الى الاركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون ان تستعبدوا لها من جديد
10 اتحفظون اياما و شهورا و اوقاتا و سنين
11 اخاف عليكم ان اكون قد تعبت فيكم عبثا
12 اتضرع اليكم ايها الاخوة كونوا كما انا لاني انا ايضا كما انتم لم تظلموني شيئا
13 و لكنكم تعلمون اني بضعف الجسد بشرتكم في الاول
14 و تجربتي التي في جسدي لم تزدروا بها و لا كرهتموها بل كملاك من الله قبلتموني كالمسيح يسوع
15 فماذا كان اذا تطويبكم لاني اشهد لكم انه لو امكن لقلعتم عيونكم و اعطيتموني
16 افقد صرت اذا عدوا لكم لاني اصدق لكم
17 يغارون لكم ليس حسنا بل يريدون ان يصدوكم لكي تغاروا لهم
18 حسنة هي الغيرة في الحسنى كل حين و ليس حين حضوري عندكم فقط  

 

أبناء وورثة

إذ قارن القديس بولس بين نير الناموس وإدراك عمل الإيمان بالسيد المسيح يرفعنا إلى التمسك بالبنوة لله، الأمر الذي لم يكن ممكنًا للناموس أن يقدمه.

التمتع بنوال التبني

اُستخدمت كلمة "وارث" في (غل 29:3؛ 7:4) حسب العادات الفلسطينية؛ حيث كان الوالد يعين في وصيته وصيًا لابنه؛ وعلى الوصي بعد وفاة الأب أن يدير شئون ميراث الإبن حتى يبلغ سن الرشد. لهذا يُعتبر الإبن أثناء مدة الوصاية في حكم العبد الذي ليس له حرية التصرف، ولو كان من أغنى الأغنياء. هكذا الإنسان البعيد عن السيد المسيح، الخاضع تحت الناموس يُحسب قاصرًا، ينال ميراثه في المستقبل. مثل هذا الإنسان لا يفضل عن عبد، ليس بمقدوره أن يرث ما وُعد به. هنا يتحاشى القديس بولس وصف الناس خارج المسيح كعبيد للناموس.

يوضح القديس بولس كيف صار ابن الله ابنًا للإنسان، إذ وُلد من امرأة، حتى نصير نحن - أبناء البشر - أبناء اللَّه.

+ يقول القديس بولس "أرسل الله ابنه" لا مولودًا من رجل وامرأة بل "مولودًا من امرأة " [4] وحدها، أي من عذراء... فإن ذاك الذي يجعل النفوس عذارى وُلد من عذراء.

القديس كيرلس الأورشليمي

"ملء الزمان" [4] يقابل الزمن الذي حدده الآب، معبرًا به عن تحقيق غاية إرسال الله ابنه لإتمام الوعد الذي أعطاه لإبراهيم [3-14]. نجد هنا أقوى تعبير عن التجسد ورد في رسائل القديس بولس إذ يورد العبارتين "مولودًا من امرأة"، و"مولودًا تحت الناموس"، مؤكدًا غايتين لمجيء السيد المسيح: الأولى أنه يخلص أناسًا من العبودية؛ والثانية إنه يُمكنهم من التمتع بالتبني كأبناء لله.

هنا كما في الرسالة إلى أهل رومية (8: 14-17، 23) يربط الرسول بين التبني وعطية الروح الذي به يستطيع الإنسان أن يضع كمال ثقته في الله الآب ويتمتع بعربون كمال الوعد.

+ لسنا أبناء بالطبيعة، إنما الإبن هو فينا؛ أيضًا الله ليس أبانا بالطبيعة بل آب الكلمة الذي فينا وهو فيه وبسببه نصرخ: "يا أبَا الآب" ...

+ الإبن الذي فينا يدعو أباه، ويجعله أبانا نحن أيضًا. فمن لا يكون الإبن في قلوبهم بالتأكيد لن يقدروا أن يدعو الله أبًا لهم.

+ إننا أبناء وآلهة لأن الكلمة فينا، هكذا سنكون في الابن وفي الآب، وسنحسب واحدًا في الابن وفي الآب...

+ روح الكلمة فينا يدعو أباه أبانا من خلالنا.

القديس أثناسيوس الرسولي

+ إننا نحن الذين نصرخ، لكنا نصرخ فيه (في روح الابن)، إذ يسكب الحب في قلوبنا، الذي بدونه تصير الصرخات باطلة.

القديس أغسطينوس

يُدعى اللَّه هكذا "أبَا! الآب!" [6]، أي بالآرامية واليونانية؛ وهو تعبير ليتورجى؛ ربما كلمات افتتاحية كان يصليها حديثو العماد لتعبر عن تقربهم الجديد للَّه في المسيح. يستخدم الرسول الآرامية واليونانية في وقتٍ واحدٍ ليُظهر أن اللَّه هو أب اليهود والأمم، وأن النعمة تعمل في حياة الأمم لنوال البنوة للَّه بواسطة المعمودية دون حاجة إلى الختان.

كأبناء للَّه وورثة يلزمهم ليس فقط أن يتركوا عبادة الأوثان [8]، وإنما بقبولهم الإيمان يلزمهم أن ينشغلوا بما يليق بهم، في الأمور الروحية لا الأمور الدنيا.

1. يذكرهم الرسول بمركزهم القديم كانوا عبيدًا، عبدوا الأوثان، وأما الآن فهم أبناء اللَّه. يليق بهم أن يتعرفوا على أبيهم ويتعرف هو عليهم. "وأما الآن إذ عرفتم اللَّه بل بالحري عُرفتم من اللَّه" [9].

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص إن البشرية قبلت الآلهة الباطلة كآباء لها عِوض الآب [8]: [عصى البشر اللَّه وعبدوا من هم بالطبيعة ليسوا آلهة (انظر غل 8:4). ومع كونهم أبناء اللَّه ارتبطوا بمن يُدعى شريرًا باطلاً.]

القول "عُرفتم من اللَّه" هو وصف للحياة المسيحية؛ فإن معرفة اللَّه التي يتحدث عنها القديس بولس هنا تعني حبنا للَّه كاستجابة لمعرفتنا له، أي لحبه لنا (1 كو 8: 2-3). نحن نعرف اللَّه أبًا لنا خلال اتحادنا مع الابن في استحقاقات دمه المخلص، وثبوتنا في هذا الاتحاد. نحن نُعرف من اللَّه بكوننا أبناءه المبررين.

+ اللَّه يعرف الذين هم له، بمعنى يعرفهم خلال أعمالهم الصالحة (في المسيح). إنه يقبلهم في شركة عميقة معه.

القديس باسيليوس الكبير

2. يسألهم القديس بولس أن ينشغلوا في حرية البنين، لا في أعمال الناموس كعبيد. "فكيف ترجعون أيضًا إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد؛ أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين؟"[9-10] هكذا يسحبهم اللَّه إلى نفسه، فكيف يعطونه ظهورهم منشغلين بالأمور الحرفية؟

نحن لا نحفظ العيد في حرفية كحافظين أيامًا، عالمين أن الرسول يوبخ من يفعل هذا، قائلاً: "أتحفظون أيامًا…؟" إنما نحسب اليوم مكرمًا بسبب العيد وبسبب الرب نفسه. فنجتمع معًا لكي نعبد اللَّه في كل مكان ونقدم صلوات ترضي اللَّه. فإن الطوباوي بولس يُعلن لا عن أيام، بل عن الرب الذي من أجله نحفظ العيد، قائلاً: "لأن فصحنا هو المسيح، قد ذُبح لأجلنا" (1 كو 5: 7)، حتى إذ نتأمل في أبدية "الكلمة" نقترب إليه ونخدمه.

+ لا يُحسب العيد هكذا من أجل (حفظ) الأيام بل من أجل الرب الذي تألم لأجلنا. نحن نحتفل به، "لأن فصحنا المسيح قد ذُبح"؛ فإنه حتى موسى علّم إسرائيل ألا يعتبروا العيد انشغالاً بالأيام بل بالرب، قائلاً: "إنه فصح للرب" (خر 12: 11).

القديس أثناسيوس الرسولي

3. إذ ولّوا ظهورهم للَّه فقدوا خلاصهم، وقد حزن الرسول عليهم من أجل حبه لهم. أدرك أن تعبه الذي كلفه عرقًا وآلامًا صار باطلاً: "أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثًا" [11].

+ لاحظوا حنو الرسول المترفق، فقد اهتزوا (إيمانا) وها هو يرتعب ويخاف... بقوله: "لئلا أكون قد تعبت فيكم عبثًا" يوحي إليهم بالإنذار مع التشجيع في رجاء صالح...

إنني أخاف لكنني لست يائسًا من جهتكم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الحرية العملية للأيناء

بعد معالجته موضوع "التبرير بالإيمان العامل بالمحبة" من كل جوانبه، يقدم خبرة عملية في حياته كما في حياتهم، خاصة من جهة الحب المتبادل النابع عن إيمانهم الصادق.

1. لقد أراد من الغلاطيين أن يحذوا حذْوَه، وينسوا عبودية الناموس، من أجل الحرية الجديدة التي ينالونها في المسيح يسوع. فكما جحد القديس بولس مزايا التهود من أجل الكرازة بالإنجيل للأمم، هكذا يسألهم الآن أن يجحدوا المزايا المزعومة التي للتعاليم الباطلة ليصيروا كما هو في المسيح.

+ "أتضرع إليكم أيها الإخوة كونوا كما أنا، لأني أنا أيضًا كما أنتم" [12].

هذا الحديث موجه إلى تلاميذه اليهود، مقدمًا نفسه مثالاً لهم لكي يحثهم على ترك عاداتهم القديمة... تأمّلوا فيَّ، فإنني كنت مرة في ذات وضعكم الفكري، خاصة من جهة غيرتي الملتهبة من جهة الناموس. لكنني بعد ذلك لم أخف من ترك الناموس لأنسحب من نظام هذه الحياة. هذا ما تعرفونه جيدًا كيف كنت في عنادٍ متعصبًا لليهودية، وكيف أنني بقوة أعظم تخلصت من هذا.

حسنًا قدم هذا الأمر في النهاية، فإن كثيرين متى قُدِمت لهم آلاف الأسباب والتبريرات يقتنعون بالأكثر بمن كان في نفس وضعهم ويتمسّكون بالأكثر بما يرونه قد تحقّق عمليًا في حياة الآخرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

أظهر لهم أنهم خُدعوا بواسطة الإخوة الكذبة، لكنهم لا يحملون له بغضة شخصية، إذ يقول: "لم تظلموني شيئًا" [12].

+ لاحظوا كيف يتحدث إليهم مرة أخرى ملقبًا إياهم بكرامة "أتضرع إليكم أيها الاخوة" [12]، مذكرًا إياهم بتعليم النعمة... فبعدما قطع الأمر معهم يسكب كالزيت تشجيعه لهم، مظهرًا أن كلماته لم تصدر عن بغضة أو عداوة، مذكرًا إياهم بالحب الذي أظهروه له، مازجًا تبريره لموقفه بمديحهم له، لذا يقول " لم تظلموني شيئًا" [12].

"ولكنكم تعلمون أنى بضعف الجسد بشرتكم في الأول؛

وتجربتي التي في جسدي لم تزدروا بها ولا كرهتموها،

بل كملاك من اللَّه قبلتموني، كالمسيح يسوع" [13-14].

+ فبالنسبة لكم ليس فقط لم تظلموني، بل أظهرتم لي حنوًا عظيمًا لا يُعبر عنه؛ فمن يُعامل هكذا يستحيل عليه أن يتكلم بدافعٍ شريرٍ. لغتي إذن لا يمكن أن تصدر عن إرادة شريرة؛ إنما تصدر عن حب واهتمام مفرط.

ألم يكن ذلك سخيفًا منهم أن يقبلوه كملاك اللَّه عندما كان مُضطهدًا ومطرودًا، ويرفضوه عندما يلزمهم بما هو مناسب لهم (من تعليم)؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ هنا (غل 15:4،16) يظهر حيرته وتعجبه طالبًا أن يعرف منهم السبب في هذا التغير، فيقول لهم: من هو هذا الذي خدعكم وغيَّر موقفكم من جهتي؟ ألستم أنتم الذين أصغيتم إلىّ وخدمتموني، حاسبين إياي أثمن من عيونكم؟ فماذا حدث؟... كان يجب عليكم بالحري أن تزيدوني تقديرًا وتعيروني اهتمامكم، عِوض أن تتخذوني عدوًا لكم، لأني أخبركم بالحق، فإني لا أجد علة أخرى لمقاومتكم لي غير هذه (توجيههم للحق وتحذيرهم من الكذبة).

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

+        +          +

الأبركسيس من أعمال 13 : 13 – 25

13 ثم اقلع من بافوس بولس و من معه و اتوا الى برجة بمفيلية و اما يوحنا ففارقهم و رجع الى اورشليم
14 و اما هم فجازوا من برجة و اتوا الى انطاكية بيسيدية و دخلوا المجمع يوم السبت و جلسوا
15 و بعد قراءة الناموس و الانبياء ارسل اليهم رؤساء المجمع قائلين ايها الرجال الاخوة ان كانت عندكم كلمة وعظ للشعب فقولوا
16 فقام بولس و اشار بيده و قال ايها الرجال الاسرائيليون و الذين يتقون الله اسمعوا
17 اله شعب اسرائيل هذا اختار اباءنا و رفع الشعب في الغربة في ارض مصر و بذراع مرتفعة اخرجهم منها
18 و نحو مدة اربعين سنة احتمل عوائدهم في البرية
19 ثم اهلك سبع امم في ارض كنعان و قسم لهم ارضهم بالقرعة
20 و بعد ذلك في نحو اربع مئة و خمسين سنة اعطاهم قضاة حتى صموئيل النبي
21 و من ثم طلبوا ملكا فاعطاهم الله شاول بن قيس رجلا من سبط بنيامين اربعين سنة
22 ثم عزله و اقام لهم داود ملكا الذي شهد له ايضا اذ قال وجدت داود بن يسى رجلا حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي
23 من نسل هذا حسب الوعد اقام الله لاسرائيل مخلصا يسوع
24 اذ سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة لجميع شعب اسرائيل
25 و لما صار يوحنا يكمل سعيه جعل يقول من تظنون اني انا لست انا اياه لكن هوذا ياتي بعدي الذي لست مستحقا ان احل حذاء قدميه

 

. خطاب في أنطاكية بيسيديّة

"ثم أقلع من بافوس بولس ومن معه،

وأتوا إلى بِرْجِة بمفيلية،

وأمّا يوحنا ففارقهم ورجع إلى أورشليم". [13]

+ لاحظوا كيف أنهم لم يتباطؤا هناك كما اعتادوا أن يفعلوا، فإن الحاكم فد صار مؤمنًا، ولا ضعفوا بالتكريم والاحتفال بهم في القصر، إنما في الحال استمروا في عملهم وانطلقوا إلى الساحل المقابل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ركبوا البحر واتجهوا إلى الشمال نحو سواحل آسيا الصغرى، ودخلوا أول مقاطعة على الساحل التي في مقابل شمال قبرص، وهي مقاطعة بمفيلية.

يرى البعض أنه قد برزت أخلاقيات برنابا الكارز التقِي فإنه لما نال بولس الرسول نعمة فائقة أعطاه الأولوية مع أنه أكبر منه سنًا وأقدم في الإيمان والخدمة، فاعتبر نفسه ممن مع بولس، وليس هو القائد. اختار المتكأ الأخير بفرحٍ حين رأى نعمة الله ومواهبه المقدمة لبولس الرسول.

برجة: كانت عاصمة مقاطعة بمفيلية، وهي ليس ميناء، لهذا نزلوا في أتالية ميناء برجة والتي تُدعى حاليًا أنتاليا، ثم انطلقوا إلى برجة على بعد ١٢ ميلاً منها.

بمفيلية: تقع بين طرسوس وساحل البحر في آسيا الصغرى، يتاخمها من جهة الغرب ليكية Lycia ومن الشرق كيليكية Cilicia. كان هذا الإقليم منذ سنة ٤٣ ق. م. إلى ٦٨ م يدعى مقاطعة بمفيلية كيليكية.

يرى البعض أن الرسول بولس أُصيب بالملاريا (شوكة الجسد). ويرى البعض أن القديس مرقس أيضًا أُصيب بمرض لهذا أصر على العودة إلى أورشليم. هذا بجانب أنهم سافروا من أقصى شرق قبرص حتى غربها، أي حوالي ٤٠٠ ميلاً في أرض وعرة وطرق صعبة، بين شعبٍ غريبٍ، حتى اليهود كانوا يقاومونهم. لم يحتمل الشاب مرقس هذا المجهود، لكنه عاد وقطع طرقًا صعبة بين ليبيا ومصر، وسار حتى تهرأ نعله في الإسكندرية من أجل الشهادة للحق والكرازة بإنجيل المسيح.

"وأمّا هم فجازوا من بِرْجِة،

وأتوا إلى إنطاكية بيسيدية،

ودخلوا المجمع يوم السبت وجلسوا". [14]

"وأما هما فاجتازا من برجة، وأتيا إلى أنطاكية": في اليونانية لا توجد قواعد خاصة بالمثنى. لهذا يلازم ترجمتها في العربية بالمثنى (اجتازا، أتيا)، إذ يتحدث عن القديسين بولس وبرنابا وحدهما.

عبرا سلسلة جبال طرسوس التي تفصل برجة عن أنطاكية. إذ صارت أنطاكية عاصمة بيسيدية الكبرى، لذا تُدعى أنطاكية بيسيدية، أي عاصمتها. كانت أكثر المناطق مدنية، كما كانت مركزًا حربيًا. وهي على مرتفعٍ عالٍ يبلغ قمته ٣٦٠٠ قدمًا فوق سطح البحر، وقد حولها الإمبراطور أوغسطس إلى مستعمرة رومانية سماها مستعمرة قيصر Colonia Caesarea وكان بولس الرسول مهتمًا بدخول الإيمان في المستعمرات الرومانية، مثل لسترة وفيلبي وكورنثوس في اليونان.

كانت هذه المناطق يقطنها كثرة من اليهود، وبالتالي كانت بها مجامع كثيرة لهم، بل واستطاع اليهود في أنطاكية بيسيدية أن يكَّونوا مهجرًا مستقلاً لهم، واعتبروا انهم كولونية أو مستعمرة مستقلة.

"وبعد قراءة الناموس والأنبياء أرسل إليهم رؤساء المجمع قائلين:

أيها الرجال الإخوة إن كانت عندكم كلمة وعظ للشعب فقولوا". [15]

"بعد قراءة الناموس والأنبياء" [15]: كان اليهود يقسمون الأسفار المقدّسة إلى ثلاثة أقسام: الناموس ويحوي أسفار موسى الخمسة، والأنبياء ويضم يشوع والقضاة وسفريّ صموئيل وملوك الأول والثاني وكل الأنبياء ماعدا دانيال، والقسم الثالث يُدعى الكتابات المقدّسة Hagiographa، ويحوي المزامير والأمثال وأيّوب ونشيد الأناشيد، وراعوث والمراثي، والجامعة واستير ودانيال وعزرا ونحميا وأخبار الأيّام الأول والثاني، وكان هذا القسم يُدعى "المزامير" لأنّه أول الأسفار الواردة فيه.

كانت عادة قراءة الناموس علانيّة قديمة جدًا، ثم أُضيف بعض أسفار الأنبياء. وإذ حرق أنتيخوس أبيفانس سفر الناموس ومنع قراءته، اختار اليهود بعض أجزاء من الأنبياء رأوا أنّها مقاربة جدًا للناموس لتُقرأ عوضًا عن الناموس. وإذ عادوا إلى قراءة الناموس بقيت عادة قراءة الأنبياء مع الناموس .

فالعبارة الواردة هنا تشير إلى القراءات المختارة من القسمين: الناموس والأنبياء لتقرأ في المجمع، حاسبين أن بقراءة الجزء كأن كل الأسفار قد قرأت (مت 5: 17، لو 16: 29). أمّا القسم الثالث فلم يكن يُقرأ في المجامع.

دخلا المجمع يوم السبت وجلسا في صفوف الربيين، وبهذا نبها الرؤساء والقائمين على نظام المجمع والصلاة أنهما قادران على الوعظ.

كان نظام الصلاة في مجمع اليهود في القرن الأول المسيحي هو هكذا:

قراءة السمَع، أي "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد".

صلاة من فم رئيس المجمع.

قراءة من الناموس، يضاف إليها قراءة من الأنبياء إن كان يوم سبت أو عيد.

عظة يلقيها أحد الأعضاء المقتدرين في المجمع، يختاره رئيس المجمع أو رؤساؤه.

"رؤساء المجمع" [15]: ترد في العهد الجديد أحيانًا بصيغة الجمع كما في النص الحالي، ووردت في صيغة المفرد كما في مر 5: 35-36، 38؛ لو 8: 41، 49. يبرّر البعض ذلك أنّه في البلاد التي تضمّ مجتمعًا يهوديًّا ضخمًا يوجد أكثر من رئيس مجمع، أمّا حيث المجتمعات الصغيرة، فيوجد رئيس واحد. وكان رئيس المجمع في الهيكل يحتل المركز الثالث بعد رئيس الكهنة الأعظم ورئيس الكهنة. ولم يكن يحتل هذا المركز ما لم ينل الشخص شهادة من مجمع السنهدرين أنّه يحمل السمات المطلوبة لهذا المركز. وينصبّ علمه على الإشراف على كل ما يخص العبادة. ويرى البعض أن رؤساء المجامع المحليّة تمثل مجمع السنهدرين.

"فقام بولس وأشار بيده وقال:

أيها الرجال الإسرائيليون والذين يتّقون الله اسمعوا". [16]

كان الرسول بولس يحتل مركز الصدارة في الحديث، ربّما لأنّه كان أكثرهم قدرة على الخطابة. كان له موهبة الوعظ.

كان السيد المسيح يعظ في الهيكل وهو جالس (لو ٤: ٢٠؛ مت ٢٦: ٥٥)، أما الرسل فغالبًا ما كانوا يعظون وهم واقفين.

يخاطب القديس بولس هنا اليهود والأمم المتهودين والذين يدعون أتقياء، هؤلاء كانوا دومًا أكثر استعدادًا لقبول كلمة الخلاص من اليهود أنفسهم.

يرى الأب ثيؤدورت أسقف قورش أن الذين جاءوا إلى الناموس من الأمم يُدعون "متقي الله" أو "خائفي الله".

"إله شعب إسرائيل هذا اختار آباءنا،

ورفع الشعب في الغربة في أرض مصر،

وبذراع مرتفعة أخرجهم منها". [17]

بدأ القديس بولس حديثه بمدحه لهم كمتقي الله. وقد دعا إله كل البشرية "أباهم"، كأنه خاص بهم، مظهرًا احسانات الله عليهم.

اعتاد الرسول بولس في أحاديثه مع اليهود أن يفتتح كلماته بإشارة موجزة لعمل الله مع شعب إسرائيل، حتى يجتذبهم للكلمة، إذ يشعروا أنّه مخلص في اهتمامه بوحدة الشعب واستقامة الإيمان الذي تسلّمه الآباء.

ركزت هذه العظة على اختيار إسرائيل من بين الأمم لكي يأتي منها المسيا الذي اشتاق إليه الآباء والأنبياء. وأن التاريخ الخاص بشعب الله بكل تفاصيله لم يكن إلاَّ تهيئه لمجيئه.

ابتدأ باختيار الآباء، ثم انتقل بسرعة إلى مؤازرة الشعب في مصر حيث رفع رأسه مع أنه كان في غربة، وأخيرًا إذ سقطوا تحت العبودية والسخرة أخرجهم بذراع رفيعة (خر ٦: ٢؛ ١٣٦: ١١).

يلاحظ في مقاله لم يشر إلى فضائل آبائهم، بل ركز على دور الله في اختيارهم وتدبير أمورهم وتقديم نبوات. إنه عمل الله، هذا الذي أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح مخلصًا لهم.

"ونحو مدة أربعين سنة احتمل عوائدهم في البرية". [18]

استعار القديس بولس من سفر التثنية (١: ٣١) تشبيه إسرائيل في البرية بطفلٍ مشاكسٍ يهتم به أبوه فيحمله على ذراعيه.

"ثم أهلك سبع أمم في أرض كنعان،

وقسّم لهم أرضهم بالقرعة". [19]

إذ دخل بهم إلى أرض الموعد، من أجلهم أهلك سبع أمم (تث ٧: ١) وقدم لهم أرضهم ليقسموها بين الأسباط بالقرعة.

"وبعد ذلك في نحو أربع مائة وخمسين سنة،

أعطاهم قضاة حتى صموئيل النبي". [20]

يأتي هذا الرقم نحو أربعمائة وخمسين سنة لفترة القضاة حتى صموئيل النبي مطابقًا لحسابات المؤرخ يوسيفوس الذي يعطي ٥٩٢ سنة من خروج شعب إسرائيل من مصر إلى بناء الهيكل. وهي ٤٠ سنة في التيه، مضافًا إليها ٢٥ سنة زمن حكم يشوع حسب تقرير يوسيفوس، مضافًا إليها ٤٥ سنة زمن القضاة، ثم حكم شاول ٤٠ سنة، ثم ٤٠ سنة حكم داود (١مل ٢: ١١) ثم أربع سنوات لسليمان للإعداد لبدء بناء الهيكل، فالمجموع ٥٩٩ سنة، ويكون الفارق ٧ سنوات، لهذا يقول الرسول بولس "نحو".

"ومن ثم طلبوا ملكًا،

فأعطاهم الله شاول بن قيس رجلاً من سبط بنيامين أربعين سنة". [21]

يعطي القديس بولس لحكم شاول ٤٠ سنة، ويتفق ذلك مع يوسيفوس في كتابه السادس (ف ١٤؛ ٩)، غير أن يوسيفوس يعود فيحدد مدته بعشرين عامًا، ويعلل البعض ذلك بأن يوسيفوس هنا يتحدث عن مدة حكم شاول بعد استقلاله تمامًا بنهاية خدمة صموئيل النبي.

"ثم عزله وأقام لهم داود ملكًا،

الذي شهد له أيضًا إذ قال:

وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي،

الذي سيصنع كل مشيئتي". [22]

رفض شاول لأن قلبه لم يكن مستقيمًا، وأقام داود الذي كان رجلاً حسب قلبه ويتمم مشيئته.

ينتقل القديس بولس من اختيار داود ملكًا إلى إقامة وعدٍ إلهيٍ بملكوت أبدي لابن داود، وذلك على نمط ما ورد في المزمور ٨٩: ١٩-٣٧، حيث يتم الخلاص الإلهي. ما قدمه الله لإسرائيل خلال داود الملك هو ظل لما يقدمه ابن داود للعالم. هكذا عبر بهم بولس الرسول من عصر الآباء إلى مجيء الملك الأبدي، مخلص العالم. وجه أنظار الحاضرين إلى ذاك الراعي الذي تحدث عنه الأنبياء (خر ٣٤: ٢٣-٢٤).

+ هنا يقصد بالقلب الرغبة، التي بها كان موضوع سروره خلال استقامة شخصيته.

+ لم ينتقم (داود) لنفسه بالحرب، ولا قاوم بقوة ذراعيه الذين كانوا يتربصون له، وإنما كان على مثال الرب، فقد أظهر اسم الرب ووداعته. عندما دُبرت خيانة ضده تضرع (إلى الله)، وعندما كان في خطر تغنى بالمزامير، وعندما اُضطهد لم يحمل ضغينة بل فرح؛ لهذا فقد وُجد رجلاً مثل قلب الله.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

"من نسل هذا،

حسب الوعد، أقام الله لإسرائيل مخلصًا،

يسوع". [23]

+ لاحظوا كيف أنه يجدل خيوط مقاله بالربط بين الأمور الحاضرة والأنبياء.

يقول: "من نسل هذا حسب الوعد" [23]، إذ كان اسم داود عزيزًا عليه جدًا، أليس مشتهاهم هو إن يكون ابنه ملكًا عليهم؟

ثم يورد يوحنا [24]، فالأنبياء حيث يقول أن بمحاكمة (السيد المسيح) قد تمموا كل ما كُتب عنه [12].

بعد ذلك يأتي الرسل كشهودٍ للقيامة، مقدمًا داود شاهدًا لها.

فإنه تبدو براهين العهد القديم ليست مقنعة إن أُخذت وحدها، ولا الشهادات الأخيرة إن عزلت عن السابقة. لهذا فإنه جعل الاثنين معًا يثبتان بعضهما البعض بطريقة مشتركة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"إذ سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة،

لجميع شعب إسرائيل". [24]

لكي لا يتشكك المستمعون في يسوع المسيح أنه هو المخلص ابن داود، أورد لهم شهادة القديس يوحنا المعمدان الذي أفصح عن شخصه أنه جاء ليعد الطريق له، وأنه ليس مستحقًا أن يحل سيور حذاء قدميه. ولعل كان من بين الحاضرين من سمع عن القديس يوحنا أو التقى به وآمن به كنبي حقيقي.

"ولمّا صار يوحنا يكمِّل سعيه،

جعل يقول من تظنون أني أنا؟

لست أنا إيّاه،

لكن هوذا يأتي بعدي الذي لست مستحقًا أن أحلّ حذاء قدميه". [25]

"أيها الرجال الإخوة بني جنس إبراهيم،

والذين بينكم يتّقون الله،

إليكم أُرسلت كلمة هذا الخلاص". [26]

يثير القديس بولس مشاعر اليهود الأتقياء بقوله: "أيها الإخوة بني جنس إبراهيم"، فيربط بإبداع بين بنوتهم لإبراهيم وتحقيق الوعد له خلالهم. فما يخبرهم به إنما تحقيق الوعد الإلهي لأبيهم الذي طالما ترقبه وتهلل به.

"إليكم أرسلت" جاءت في النسخ الإسكندرانية والسينائية والفاتيكانية: "إلينا"، فيضم نفسه معهم، ليتمتع هو معهم بتحقيق الوعد الإلهي، إنه حق لكل أبناء إبراهيم. لقد جاء الرسول إليهم كحامل لكلمة الخلاص، ليتمتعوا بها.

+       +        +

إنجيل القداس من لوقا 2 : 1 – 20 

1 و في تلك الايام صدر امر من اوغسطس قيصر بان يكتتب كل المسكونة
2 و هذا الاكتتاب الاول جرى اذ كان كيرينيوس والي سورية
3 فذهب الجميع ليكتتبوا كل واحد الى مدينته
4 فصعد يوسف ايضا من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داود التي تدعى بيت لحم لكونه من بيت داود و عشيرته
5 ليكتتب مع مريم امراته المخطوبة و هي حبلى
6 و بينما هما هناك تمت ايامها لتلد
7 فولدت ابنها البكر و قمطته و اضجعته في المذود اذ لم يكن لهما موضع في المنزل
8 و كان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم
9 و اذا ملاك الرب وقف بهم و مجد الرب اضاء حولهم فخافوا خوفا عظيما
10 فقال لهم الملاك لا تخافوا فها انا ابشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب
11 انه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب
12 و هذه لكم العلامة تجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود
13 و ظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله و قائلين
14 المجد لله في الاعالي و على الارض السلام و بالناس المسرة
15 و لما مضت عنهم الملائكة الى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض لنذهب الان الى بيت لحم و ننظر هذا الامر الواقع الذي اعلمنا به الرب
16 فجاءوا مسرعين و وجدوا مريم و يوسف و الطفل مضجعا في المذود
17 فلما راوه اخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي
18 و كل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة
19 و اما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها
20 ثم رجع الرعاة و هم يمجدون الله و يسبحونه على كل ما سمعوه و راوه كما قيل لهم


 

ميلاد الصديق السماوي

لم يجد الصديق السماوي له موضعًا في منزل يُولد فيه، فجاءنا في مزود، لكنه فتح أبواب السماء ليسمع البسطاء الصوت الملائكي يهنِّئهم بالفرح العظيم الذي يعّم الشعب. يُدخل به كطفل إلى الهيكل فيفتح عينيّ سمعان الشيخ الذي اِشتهى بفرح أن ينطلق إلى الفردوس بعد إدراكه للنور الذي يُعلن للأمم؛ ويفتح لسان حَنَّة النبيّة بالتسابيح. وفي سن الثانية عشر دخل الهيكل يُبهت الشيوخ بتعاليمه.

 

ميلاد صديقنا

في الأصحاح السابق رأينا خِطة الله العجيبة بالإعداد لميلاد صديقنا السماوي، فقد انفتحت السماء لتُرسل رئيس الملائكة جبرائيل يبشِّر زكريَّا بميلاد يوحنا السابق للسيِّد، ويبشِّر فتاة الناصرة العذراء بالحبل المقدَّس. امتلأت اليصابات من الروح القدس عند سماعها سلام مريم وابتهج الجنين في أحشائها راكضًا، وانفتح لسان زكريَّا بالتسبيح شاكرًا لله ومباركًا إله إسرائيل، لا من أجل ميلاد يوحنا بل من أجل من جاء يوحنا ليهيئ له الطريق، فقد رأى الآباء والأنبياء الذين رقدوا يتهلَّلون لتحقيق الله وعده المقدَّس بمجيء المسيَّا المخلِّص، والآن يحدّثنا في بساطة عن ميلاد السيِّد، موضَّحا كيف استخدم الله حتى الوسائل البشريّة مثل "الاكتتاب الروماني المصطبغ بالصبغة اليهوديّة"، لتحقيق أهدافه الإلهيّة وإتمام النبوات، إذ يقول الإنجيلي:

"وفي تلك الأيام صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن يُكتتب كل المسكونة.

وهذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرينيوس والي سوريّة.

فذهب الجميع ليُكتَتبوا كل واحد إلى مدينته.

فصعد يوسف أيضًا من مدينة الناصرة إلى اليهوديّة

إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم،

لكونه من بيت داود وعشيرته" [1-4].

في أيام الإمبراطور كايس أو اكتافيوس كايبياس الذي وهبه مجلس الأعيان لقب "أوغسطس" ويعني باللاتينية "المبجّل" صدر الأمر باكتتاب "كل المسكونة"، أي جميع الدول الخاضعة للدولة الرومانيّة التي كانت تسيطر على العالم المتمدِّن في ذلك الحين. كان هذا أمر لإشباع شهوة عظمة الإمبراطور، ليبرز امتداد نفوذه وسلطته لكي يسنده في جمع الجزيّة. وكان الاكتتاب حسب النظام الروماني يمكن أن يتم في أي موضع دون حاجة لانتقال كل إنسان إلى مدينته التي نشأ فيها. لكن الرومان وقد أرادوا مجاملة اليهود أمروا بإجرائه حسب النظام اليهودي، حيث يسجِّل كل إنسان اسمه في موطنه الأصلي. وهكذا التزم يوسف ومريم أن يذهبا إلى "بيت لحم" في اليهوديّة لتسجيل اسميهما لكونهما من بيت داود وعشيرته.

كان تنفيذ الأمر شاقًا على يوسف الشيخ ومريم الحامل، خاصة وأن المدينة قد اكتظَّت بالقادمين فلم يجدوا موضعًا في فندق، واضطرَّا أن يبيتا في مذود لتلد القدِّيسة مريم هناك. تحقَّق ذلك حسب الظاهر بناء على الأمر الإمبراطوري بالاكتتاب مع حمل سِمة يهوديّة في طريقة تنفيذه، لكن الحقيقة الخفيّة أن ما تم كان بخطة إلهيّة سبق فأعلنها الأنبياء، إذ قيل: "أما أنتِ يا بيت لحم أفراثَة وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل" (مي 5: 2).

فيما يلي تعليقات بعض الآباء إلى العبارات السابقة:

+ "وفي تلك الأيام صدر أمر أوغسطس قيصر بأن يكتتب المسكونة"... [1-3].

 وُلد المسيح إذن في بيت لحم في حكم أوغسطس قيصر وكان قد أصدر امرًا بإحصاء دولته. ولكن قد يسأل سائل: لِم أتى الكاتب الحكيم على ذكر هذه المسائل؟ والجواب على ذلك أنه كان لابد من تعيين الزمن الذي وُلد فيه المخلِّص، فقد ورد "ولا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب" (تك 49: 10)، بل وكان يجب تعليمنا أنه لم يكن على بني إسرائيل عند ميلاد الفادي ملك من بيت داود، فقد خضعت اليهوديّة في ذلك العصر لصوْلجان الحكم الروماني.

"لكونه من بيت داود وعشيرته" [4].

أشار الإنجيل المقدَّس إلى نسب يوسف لنقف على تسلسله من داود الملك جدُّه الأعلى، بل وأن هذه الأشياء الجليلة تُثبت أيضًا أن مريم العذراء من سبط يهوذا وإليه ينتسب بيت داود، لأن الشريعة الإلهيّة حصرت الزواج في السبط الواحد بمعنى أن الزوج والزوجة لا يُعقد زواجهما إلا إذا كانا من سبط واحد. ومفسر الحقائق السمائيّة الرسول العظيم بولس يعلن هذا العرف، إذ شهد أن السيِّد "طلع من سبط يهوذا" (عب 7: 14).

"مع مريم امرأته المخطوبة وهي حُبلى" [5].

يقول الإنجيليُّون المقدَّسون أن مريم كانت مخطوبة ليوسف وهذا يدل على أن الحبل تم خلال مدة الخطوبة، وأن عمانوئيل وُلد بمعجزة لا تتَّفق مع النواميس الطبيعيّة المعروفة، لأن مريم العذراء لم تحبل من زرعٍ بشريٍ. وسبب ذلك أن المسيح هو "باكورة الجميع"، هو آدم الثاني، كما ورد في الأسفار المقدَّسة، فقد وُلد بالروح القدس حتى ينقل إلينا بميلاده الروحي النعمة والحق، إذ شاء الله ألا نُسمى بعد أبناء الإنسان بل أبناء الله مخلِّصنا حسب الميلاد الروحي الجديد بالمسيح أولاً، لأنه يتقدَّمنا في كل شيء، كما يقول الحكيم بولس في كو 1: 15.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ ماذا يفيدني هذا الأمر الذي يرويه بخصوص "الاكتتاب الأول" للمسكونة كلها في عهد أوغسطس قيصر، حيث أخذ يوسف مريم زوجته الحامل وذهبا وسط كل العالم ليُسجِّلا في هذا السجل الخاص بالاكتتاب عن مجيء يسوع إلى العالم؟

كان مجيئه يدل على سرٍّ، إذ كان يجب أن يُسجِّل اسم يسوع في هذا الاكتتاب، يسجل مع الكل لكي يخلِّص كل البشريّة ويقدِّسها واهبًا إيَّاهم أن يعيشوا معه في حياة واحدة! كان يريد بهذا السجل أن تُسجَّل أسماء الكل معه في سفر الحياة (في 4: 3)؛ كل الذين يؤمنون به يكتب أسماءهم في السماوات (لو 10: 20) مع القدِّيسين.

العلامة أوريجينوس

+ ما هي العلاقة بين صدور أمر من سلطة بشريّة وميلاد المسيح إلا الإعلان عن التدبير الإلهي، فقد كان الأمر البشري مصدره المشيئة الإلهيّة، وكان يجب أن ينفذ باسم الملك السماوي لا الأرضي.

هنا يكمن عمل الإيمان باكتتاب النفس... إذ يليق بكل إنسان أن يُكتتب كل أيام حياته في المسيح... هذا الأمر بالاكتتاب لا يصدر عن أوغسطس بل عن المسيح للمسكونة كلها... إذ "للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها" (مز 23: 1). أوغسطس لم يحكم قبائل الغوط ولا الشعب الأرمني، أما المسيح فيملك على الجميع.

القدِّيس أمبروسيوس

انتقل القدِّيس يوسف مع القدِّيس مريم إلى "بيت لحم" الذي يعني "بيت الخبز"، ليُولد هناك "خبز الحياة". وقد سُجل اسمه مع البشر في الاكتتاب ليشاركنا كل شيء حتى في التعداد يُحسب كواحدٍ منا، إذ قيل: "وأُحصيَ مع آثمة" (إش 53: 12)، فنُحصَى نحن في كتابِه الإلهي، ونُحسب أصدقاؤه. هناك في بيت لحم ولدت العذراء، إذ قيل:

"وبينما هما هناك تمَّت أيامها لتلد.

فولدت ابنها البكر وقمّطته وأضجعته في المذود،

إذ لم يكن لهما موضع في المنزل" [6-7].

فيما يلي تعليقات بعض الآباء على تعبير "ابنها البكر"، وعلى ولادته في مذود.

+ هنا نقول إن كل ابن وحيد هو بكر. ولكن ليس كل بكر هو وحيد. فنحن نفهم أن كلمة بكر لا تعني فقط من يتبعه آخرون، ولكنها تعني عمومًا كل من لم يسبقه أحد في الميلاد. فالرب يقول لهرون "كل فاتح رحم من كل جسد يقدَّمونه للرب من الناس ومن البهائم يكون لك. غير أنك تقبل فداء بكر الإنسان وبكر البهيمة النجسة تقبل فداءه" (عد 18: 15). فإنَّ كلام الله يحدّد أن البكر هو كل فاتح رحم. وإلا فإذا كان اللفظ يعني فقط من له إنسانًا أصغر منه فإنَّه يتعذَّر إذن على الكهنة تحديد من هو البكر حتى يولد بعده إنسان آخر، لئلا لا يولد بعده أحد، فلا يُدعى بعد بكر لأنه وحيد!

ويقول الكتاب أيضًا: "وفداؤه من ابن شهر تقبله حسب تقويمك فضة خمسة شواقل على شاقل القدس. هو عشرون جيرة. ولكن بكر البقر أو بكر الضأن أو بكر المعز لا تقبل فداءه. أنه قدسٌ. بل ترش دمه على المذبح..." (عد 18: 16-17). وهكذا تقضي الوصيّة بأن نقدِّس لله كل فاتح رحم من الحيوانات الطاهرة، أما الحيوانات النجسة فإنَّها تُفدى ويُعطى ثمنها إلى الكاهن. فكيف أميز الحيوان البكر؟ أم لعلي أقول للكاهن: من أدراك أن هذا الذي بكر؟! فربَّما يولد بعده آخرون، وربَّما لا يُولد. انتظر حتى يأتي الثاني، وإلا فليس لك عليّ شيء! أليست هذه حماقة يرفضها الجميع، لأن من البداهة أن البكر هو كل فاتح رحم سواء كان له أخوة أم لا؟!

القدِّيس جيروم

+ معنى ابنها البكر أي أول مولود، فلا يقصد به أنه أخ من بين عدة إخوة، ولكن واحد من بين الأبكار، فإنَّ الأسفار الإلهيّة تستعمل كلمة بكر أو أول في مواضع شتَّى، ولم يقصد بالكلمة إلا واحد فقط، فقد ورد "أنا الأول والآخر ولا إله غيري" (إش 44: 6).

فأُضيفت كلمة أول إلى المولود للدلالة على أن العذراء لم يكن لها ابن سوى يسوع ابن الله على حد قول الوحي "أنا أيضًا أجعله بكرًا أعلى من ملوك الأرض" (مز 89: 27)، ويقول أيضًا الحكيم بولس "وأيضًا متى أُدخل البكر إلى العالم يقول: فلتسجد له كل ملائكة الله" (عب 1: 6).

وكيف دخل المسيح البكر إلى العالم وهو بعيد عن العالم بطبيعته، ويختلف عن الجُبْلة البشريّة بطبيعتها؟

دخله بأن الله صار إنسانًا، ومع أنه ابن الله الوحيد إلا أنه بكر لنا، لأننا جميعنا اخوة له وبذلك أصبحنا أبناء الله.

لاحظوا أن المسيح يُدعى بكرًا بالنسبة لنا. وابن الله الوحيد بالنسبة للإله الواحد، فالمسيح ابن الله الوحيد لأنه كلمة الآب، فليس له إخوة يشاركونه هذه البنوَّة، لأن الابن متَّحد مع الآب، إله واحد لا غيره ولكن المسيح بكر لنا لأنه شاء فنزل إلى مستوى المخلوقات الطبيعيّة، ولذلك تجدون الأسفار الإلهيّة تشير إلى المسيح ابن الله بالقول: "الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب" (يو 1: 18). أما إذا استعمل الكتاب المقدَّس كلمة البكر فإنَّ الوحي يفسِّرها بما يبيِّن مضمونها فورد "ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين" (رو 8: 29)، وورد أيضًا "بكر من الأموات" (كو 1: 18).

المسيح بكر من الأموات لأنه شاركنا في كل شيء ما عدا الخطيّة ولأنه أقام جسده من فساد الموت.

أضف إلى ذلك أن المسيح بطبيعته هو ابن الله الوحيد، إله من إله، ووحيد من وحيد، ونور من نور، ولكنه بكر بالنسبة لنا حتى أن كل من يشبهه يخلص به فهو البكر ونحن إخوته.

+ وجد الله الإنسان قد انحطَّ إلى مستوى الحيوان ولذلك وضع نفسه كطعام في المذود حتى إذا نبذنا الطبيعة الحيوانيّة ارتفعنا إلى درجة الفهم والإدراك التي تليق بالطبيعة الإنسانيّة، فباقترابنا إلى المذود، إلى مائدته الخاصة لا نجد طعامًا ماديًا بل خبزًا سمائيًا هو الجسد الحيّ.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ كرّم المذود، فإنَّك وإن كنت قد فقدت الحس (صار الإنسان كحيوانٍ) تجد في المذود الكلمة طعامًا لك.

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

+ وُلد في مذود ليرفعكم إلى المذبح،

جاء إلى الأرض ليرفعكم إلى السماء،

لم يجد له موضعًا إلا في مذود البقر، لكي يعد لكم منازل في السماء (يو 14: 2)، وكما يقول الرسول: "إنه من أجلكم افتقر وهو الغني لكي تستغنوا أنتم بفقره" (2 كو 8: 9). فميراثي هو فقر المسيح، وقوَّتي هي ضعف المسيح.

القدِّيس أمبروسيوس

+ أيها الرهبان، لقد وُلد الرب على الأرض ولم يكن له حتى قلاية يُولد فيها، ولا موضع في الفندق.

الجنس البشري كله له موضع، والرب عند ميلاده ليس له موضع.

لم يجد له موضعًا بين البشر، لا في أفلاطون ولا في أرسطو، إنما وجد له موضعًا بين البسطاء والأبرياء في المذود... لهذا قال الرب في الإنجيل: "للثعالب أوْجِرة ولطيور السماء أوْكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه".

القدِّيس جيروم

البشارة للرعاة

تمََّت ولادة السيِّد المسيح في المذود بعيدًا عن الأنظار، لم يسمع عنها الملوك والعظماء، ولا أدركها الكهنة ورؤساء الكهنة وجماعات الكتبة والفرِّيسيين والناموسيِّين والصدِّوقيِّين. هكذا استقبلت الأرض خالقها في صمتٍ رهيبٍ، لكن لم يكن ممكنًا للسماء أن تصمت، فقد جاء ملاك الرب إلى جماعة من الرعاة الساهرين الأمناء في عملهم، وربَّما كانوا في بساطة قلوبهم منشغلين بخلاصهم، جاءهم ووقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم [9]، فخافوا خوفًا عظيمًا.

"فقال لهم الملاك: لا تخافوا،

فها أنا أبشركم بفرحٍ عظيمٍ يكون لجميع الشعب.

إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح الرب.

وهذه لكم العلامة تجدون طفلا مقمَّطًا مُضجعًا في مذود" [10-12].

فيما يلي بعض تعليقات الأباء علي هذه البشارة المفرحة:

+ أعلن جمهور الأنبياء ولادة المسيح بالجسد وأخذ صورة إنسان في ملء الأزمنة، وأنشدت جماهير السماء أنشودة الفرح والتهليل بميلاد المخلِّص الفادي، وكان الرعاة في بيت لحم أول من بُشِّروا بهذا النبأ السار. هؤلاء الرعاة هم رمز للرعاة الروحيِّين الذين يظهر لهم الرب يسوع المسيح فيبشِّرون باسمه في كل مكان كما بشَّر رعاة بيت لحم بالمسيح في بلدتهم هذه علي أثر سماعهم أنشودة الفرح والابتهاج من الملائكة الأطهار، فكان الملائكة كما ترى أول من أعلنوا ميلاد المسيح للعالم، ونادوا بمجد المسيح، وهو الإله المتأنِّس من امرأة بحالة عجيبة.

وقد يسأل أحد فيقول: كان المسيح طفلاً ملفوفًا بقماطٍ وضيعٍ، وموضوعًا في مذود، فلِمَ القوَّات السمائيّة تبجِّلُه إلهًا وربًّا؟

أيها الإنسان تعمَّق في فهم السرّ العظيم. لقد ظهر الله كما تظهر أنت، واِتَّخذ جسم عبد من الرقيق، ولكن لم تنفصل عنه أُلوهيَّته بحال من الأحوال. ألا تفهم أن ابن الله الوحيد تجسّد ورضيَ أن يولد من امرأة حبًا فينا ليَطرح اللعنة التي حلَّت علي المرأة الأولي، فقد قيل لها "بالوجع تلدين أولادًا" (تك 3: 16)؟! بولادة المرأة عمانوئيل المتجسّد اِنحلَّ رباط اللعنة عنها!

وليس ذلك فحسب، ولكن يقول الحكيم بولس "لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيّة والموت، لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه فيما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شِبه جسد الخطيّة، ولأجل الخطيّة دان الخطيّة في الجسد، لكي يتم حُكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو 8: 3-4).

وما هو المُراد بالقول "شِبه جسد الخطيّة" ؟

يُراد به أن ناموس الخطيّة كامن في الجسد مع الأهواء الباطلة والميول الفاسدة، ولكن ما أن تجسّد المسيح واِتَّخذ صورتنا أصبح جسده مقدَّسًا وطاهرًا. إذن أصبح المسيح مثلنا، ولكن ليس فيه ميولنا الباطلة، إذ تحرَّر المسيح من جميع الرغبات والنزعات الفاسدة التي تقودنا إلى فعل المُحرَّم المرذول والدنيء الممقوت. فكلما رأيت الطفل يسوع ملفوفًا بالأقمطة فلا تنظره وهو بالجسد، بل دقِّق النظر في مجده الإلهي. وارتفع بعقلك إلى سماء السماوات لتشاهد مجده الفائق "وهو جالس علي كرسي عالٍ ومرتفعٍ" (إش 6: 1)، وتسمع أناشيد السيرافيم مقدِّمين المجد والإكرام والسجود والعبادة للرب يسوع المسيح الذي يملأ الأرض بمجده وعظمته.

أنظر مجد المسيح علي الأرض وقد تلألأ بالنور، وسطع علي الرعاة، وجمهور الملائكة ينشدون أناشيد الفرح والسرور. فقد تنبَّأ موسى منذ قرون عديدة فقال: "تهلَّلوا أيها الأمم شعبه".

ألم يولد أنبياء كثيرون ولكن لن تتهلَّل الملائكة في ميلاد أحدهم كما تهلَّلت عند ميلاد المسيح لأن هؤلاء الأنبياء كانوا من البشر مثلنا خُدامًا لله وحاملين الكلمة، ولكن لم يكن هذا شأن المسيح لأنه إله ورب مُرسل الأنبياء والقدِّيسين. أو كما يقول المرنِّم: "لأنه من في السماء يعادل الرب بين أبناء الله" (مز 89: 6). فإنَّ المسيح شاء ومنحنا البنوَّة نحن الذين تحت نير العالم وبطبيعتنا أرِقَّاء، أما المسيح فهو الابن الحقيقي، فهو بطبيعته ابن الله الآب حتى بعد تجسّده، فقد ظلَّ كما قلت لكم كما كان قبلاً رغمًا عن أخذه جسدًا لم يكن له قبلاً. وما أقوله هو عين الصِدق فإنَّ إشعياء يؤكِّد متنبِّئًا: "ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل. زِبدًا وعسلاً يأكل، متى عرف أن يرفض الشرّ ويختار الخير، لأنه قبل أن يَعرف الصبي أن يَرفض الشرّ يختار الخير" (إش 7: 14-15).

وما معنى هذا كله؟ معناه أن المسيح وهو بعد طفل رضيع أكل زبدًا وعسلاً، ولأنه هو الله المتجسّد، عرف فقط الخير وتجرَّد من خطيّة الإنسان، وهذه الصفة لا تلازم إلا الله العليّ فقد ورد "ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله" (لو 18: 10)، أو كما تنبَّأ إشعياء "فاقتربت إلى النبيّة فحبلت وولدت ابنًا، فقال لي الرب ادع اسمه مهير شلال حاش بز (أي اَسرع واْسِر أسرًا واَغنم غنيمة) لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو يا أبي ويا أمي تحمل ثروة دمشق" (إش 8: 3). وبولادة المسيح كُسرت شوكة إبليس ونُهبت محلَّته، وقد صار له أنصار كثيرون في دمشق يعبدونه ويسجدون له، ولكن لما ولدت العذراء يسوع المسيح اضمحلَّت قوّة إبليس وتلاشى حُكمة الظالم الغشوم، فإنَّ الوثنيِّين أنفسهم علموا بظهور كوكب الصبح الرب يسوع، وسافر رسلهم "المجوس" من الشرق إلى أورشليم، ولم يكن لهم معلِّم سوى السماء، ولا مهذِّب سوى النجم. فلا تنظروا إذن إلى الطفل المولود في المزود كأنه رضيع فقط، بل انظروا إليه إلهًا غنيًا قديرًا وفاديًا، مخلِّصا عظيمًا يفوق الأجناد السمائيّة قوّة واِقتدارًا، فحقَّ له أن تنادي الملائكة بولادته في فرح وسرور وابتهاج وحبور، فما أجمل تحيَّات الملائكة للطفل يسوع وهم ينشدون.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ لاحظوا جذور ميلاد الكنيسة، فقد وُلد المسيح والرعاة يسهرون، هؤلاء الذين يحرسون الخراف التي جاءت من الأمم في حظيرة الرب فلا تهاجمها الوحوش... يستطيع الرعاة أن يسهروا كما علَّمهم الراعي الصالح. الرعيّة هي الشعوب، والليل هو العالم، والرعاة هم الكهنة.

القدِّيس أمبروسيوس

+ نزل ملاك الرب من السماء وأعلن عن ميلاده.

ها نحن نرى ملاك الرب قد دُعي ليُبشر بميلاد المسيح،

فلم يذهب إلى أورشليم، ولا بحث عن الكتبة والفرِّيسيين، ولا دخل مجمع اليهود، لكنه بحث عن رعاة يحرسون حراسة الليل للقطيع...

+ جاء ملاك الرب للرعاة وكلَّمهم: اسمعوا يا ملائكة الكنائس فإنَّ ملاك الرب لا يزال ينزل من السماء ليُعلن لكم: "إنه وُلد لكم اليوم مخلِّص هو المسيح الرب". حقًا لو لم يأتِ هذا المخلِّص لما استطاع رعاة الكنائس أن يعتنوا برعيَّتهم من أنفسهم. فاشلة هي رعايتهم إن لم يرعها المسيح معهم! ها نحن بصدد قراءة ما جاء عن الرسل: "نحن فلاحة الله"، فالراعي الصالح هو ذاك الذي يتبع سيِّده الراعي الصالح، فيعمل مع الله (الآب) ومع المسيح.

العلامة أوريجينوس

+ هوذا الملائكة ترتِّل، ورؤساء الملائكة تغنِّي في انسجام وتوافق...

الشاروبيم يسبِّحون تسابيحهم المفرحة، والسيرافيم يمجِّدونه.

الكل اتَّحد معًا لتكريم ذلك العيد المجيد، ناظرين الإله على الأرض، والإنسان في السماء؛ الذي من فوق يسكن هنا على الأرض لأجل خلاصنا، والإنسان الذي هو تحت يرتفع إلى فوق بالمراحم الإلهيّة!

هوذا "بيت لحم" تضاهي السماء، فتسمع فيها أصوات تسبيح الملائكة من الكواكب، وبدلاً من الشمس أشرق شمس البر في كل جانب.

القدِّيس يوحنا ذهبي الفم

+ اليوم ابتهج الحرَّاس، لأن الساهر (دا 4: 13) جاء لإيقاظنا.

من يستطيع أن ينام الليلة التي فيها العالم كله ساهرًا؟!

لقد جلب آدم النُعاس على العالم بالخطيّة، لكن الساهر نزل لإيقاظنا من نوم الخطيّة العميق.

+ الليلة اتَّحد الحرَّاس العلويُّون مع الحرَّاس الساهرين (الأرضيِّين)، فقد جاء "الحارس" ليخلق حُرَّاسًا وسط الخليقة!

هوذا، فإنَّ الحرَّاس الساهرين قد صاروا زملاء الحرَّاس العلويِّين. انشدوا بالتسبيح مع السيرافيم!

طوبى لمن يصير قيثارة لتسبيحك، فإنَّ نعمتك تكون هي مكافأته!

+ لقد نطق الحراس العلويُّون بالسلام للحراس الساهرين.

لقد جاء الحراس العلويُّون يعلنون البشائر المفرحة للساهرين!...

لقد امتزج الحرَّاس بالحرَّاس، وفرح الكل لأن العالم جاء إلى الحياة!

القدِّيس مار أفرام السرياني

هكذا أرسل الرب ملاكه يبشِّر الرعاة الحارسين بالفرح العظيم، "لجميع الشعب"، ولم يكن هذا الملاك ناقلاً للرسالة فحسب، إنما كان شريكًا مع البشريّة في فرحهم هو وجميع الطغمات السمائيّة، إذ انفتحت السماء لتنزل جوقة من الملائكة تشاركنا بهجتنا الروحيّة. يقول الإنجيل:

"وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي

مسبِّحين الله وقائلين:

المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام

وبالناس المسرة (الإرادة الصالحة)" [13-14].

+ "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس الإرادة الصالحة". في السماء (الأعالي) لا توجد خطيّة إنما يوجد تمجيد وتسبيح دائم وترنُّم بغير ملل، أما على الأرض حيث ملك العصيان وتسلَّط النزاع والانقسام، فصارت الحاجة ماسة إلى السلام الذي يُقتنى بالصلاة، هذا الذي لا يحل بكل الناس وإنما بذوي الإرادة الصالحة.

القدِّيس جيروم

+ ذكر ظهور الجند السماوي الذين تبعوا رئيس الجند؛ ولمن يرسل الملائكة الكرامة إلا لربِّهم كما قيل: "سبِّحوا الرب من الأعالي"؟!

القدِّيس أمبروسيوس

+ إن أردت أن تتعلَّم شيِّئًا من الشاروبيم أو السيرافيم فلتسمع أنشودة قداسته السريّة، فإنَّ السماء والأرض مملوءتان من مجده (إش 6: 3).

القدِّيس يوحنا ذهبي الفم

لقد سحبت هذه الأنشودة الملائكيّة نظر الكنيسة فاشتاقت أن تسبِّح بها مع الجند السماوي، لهذا استخدمت في صلاة باكر كما جاء في "دساتير الرسل"، ولا زلنا نستخدمها في تسبحة باكر، فنبدأ يومنا بالتهليل مع الملائكة من أجل عمله الفائق خلال تجسّده الإلهي.

علّق القدِّيس أغسطينوس كثيرًا على تعبير "وبالناس الإرادة الصالحة"، مؤكدًا تقديس الله للحرِّية الإنسانيّة، ليكون لنا الإرادة الصالحة عن اختيار لا عن قسْرٍ، وفي موضع آخر يقول: [البرّ ينتمي للإرادة الصالحة.]

إذ مضت الملائكة تشاور الرجال معًا منطلقين بشوق وبسرعة [16] ليلتقوا بهذا المولود العجيب. جاءوا يشهدون بما قيل لهم عنه، فصاروا كارزين به، إذ قيل:

"وكل الذين سمعوا تعجَّبوا ممَّا قيل لهم من الرعاة" [18].

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [أسرع الرعاة في البحث عن يسوع بلا تراخٍ، فقد آمن الرعاة بكلمات الملاك...] ويقدَّم لنا القدِّيس مار أفرام صورة مُبهجة للقاء الرعاة بالطفل الراعي، إذ يقول:

[جاء الرعاة حاملين أفضل الهدايا من قطعانهم: لبنًا لذيذًا ولحمًا طازجًا وتسبيحًا لائقًا... أعطوا اللحم ليوسف، واللبن لمريم، والتسبيح للابن!

أحضروا حملاً رضيعًا، وقدَّموه لخروف الفصح!

قدَّموا بكرًا للابن البكر، وضحيّة للضحيّة، وحملاً زمنيًا للحمل الحقيقي.

إنه لمنظر جميل أن ترى الحمل يُقدَّم إليه الحمل!...

اقترب الرعاة منه وسجدوا له ومعهم عصِيِّهم. حيُّوه بالسلام، قائلين: السلام يا رئيس السلام. هوذا عصا موسى تسبِّح عصاك يا راعي الجميع، لأن موسى يسبِّح لك. مع أن خرافه قد صارت ذئابًا، وقطيعه كما لو صار تنِّينًا!

أنت الذي يسبِّحك الرعاة، إذ صالحت الذئاب والحملان في الحظيرة!]

تأثَّرَت جدًا القدِّيسة مريم بهذا اللقاء، وكما يقول الإنجيلي: "وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذه الكلمات متفكِّرة به في قلبها" [19].

 ويعلّق القدِّيس أمبروسيوس على ذلك بقول: [من كلمات الرعاة تحصد مريم عناصر إيمانها.]

كما يقول: [إن كانت مريم قد تعلَّمت في مدرسة الرعاة، فلماذا ترفض أنت أن تتعلَّم في مدرسة الكهنة، وإن كانت مريم قد حفظت السرّ... فلماذا تريد أنت التعليم أكثر من الصمت؟]

+       +        +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt