طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 24 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 19 : 1 ، 4

يو 15 : 7 - 16

مز 45 : 1 ، 2

يو 1 : 1 - 17

رومية 10

4 - 18

1 يو 1 : 1

- 2 : 6

أع 3

1 - 16

مز 139 : 17 ، 18

يو 21 : 15 – 25

 

إنجيل باكر من يوحنا 1 : 1 – 17

1 في البدء كان الكلمة و الكلمة كان عند الله و كان الكلمة الله
2 هذا كان في البدء عند الله
3 كل شيء به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان
4 فيه كانت الحياة و الحياة كانت نور الناس
5 و النور يضيء في الظلمة و الظلمة لم تدركه
6 كان انسان مرسل من الله اسمه يوحنا
7 هذا جاء للشهادة ليشهد للنور لكي يؤمن الكل بواسطته
8 لم يكن هو النور بل ليشهد للنور
9 كان النور الحقيقي الذي ينير كل انسان اتيا الى العالم
10 كان في العالم و كون العالم به و لم يعرفه العالم
11 الى خاصته جاء و خاصته لم تقبله
12 و اما كل الذين قبلوه فاعطاهم سلطانا ان يصيروا اولاد الله اي المؤمنون باسمه
13 الذين ولدوا ليس من دم و لا من مشيئة جسد و لا من مشيئة رجل بل من الله
14 و الكلمة صار جسدا و حل بيننا و راينا مجده مجدا كما لوحيد من الاب مملوءا نعمة و حقا
15 يوحنا شهد له و نادى قائلا هذا هو الذي قلت عنه ان الذي ياتي بعدي صار قدامي لانه كان قبلي
16 و من ملئه نحن جميعا اخذنا و نعمة فوق نعمة
17 لان الناموس بموسى اعطي اما النعمة و الحق فبيسوع المسيح صارا


 

الكلمة المتجسد

في دهشة تقف النفس لتشهد في سكون عميق الإنجيلي القديس يوحنا الحبيب وقد صار أشبه بنسرٍ طائرٍ، يحلق لا في جو السماء المنظورة، بل في جو الإلهيات التي لا يُنطق بها. إنه كمن يدعونا أن نعبر معه إلى ما وراء الزمن لنرى كلمة الله الذي لا يفارق العقل الإلهي، والعقل الذي لن ينفصل عن كلمته؛ الابن الوحيد الجنس الواحد مع أبيه في ذات الجوهر. إنه يدعونا لنرى ونلمس واهب الحياة ومصدر النور، خالق الزمن، ومُوجد كل خليقة في السماء وعلى الأرض وكأنه لا يشغله أمر ما سوى الإنسان محبوبه الفريد!

بإعلان الروح القدس لا يسجل لنا الإنجيلي كتابًا مجردًا، بل يحملنا إلى حقائق إلهية تمس كياننا ومستقبلنا الأبدي ومجدنا، نغرف من فيض الحب الإلهي الذي لا يُعبر عنه بلسان بشري.

الشهادة للسيد المسيح

في هذا الاصحاح يتحدث القديس يوحنا عن لاهوت السيد المسيح فيقدم لنا شهادته هو (1-5؛ 10-14؛ 16-18)، وشهادة القديس يوحنا المعمدان (6-9؛ 15؛ 19-37)، وإعلان السيد المسيح نفسه لأندراوس (38-42)، ولفيلبس (43-51)، وشهادتهما له.

1. شخص يسوع المسيح بكونه اللوغوس الأزلي الواحد في الجوهر مع الآب والأقنوم المتمايز عنه (1-2). هو واهب الحياة والنور، وفيه ننال سلطان التبني للآب (3-13).

2. يفتتح معلمنا يوحنا البشير السفر بتقديم الكلمة الإلهي كمصدر النعم الإلهية، خاصة نعمة الخلق ونعمة البنوة لله مع فيضٍ من النعم "نعمة فوق نعمة" (16-18)، يتحدث عنها بفيض في الاصحاحات التالية.

3. شهادة القديس يوحنا المعمدان أمام إسرائيل الرسمي: "كهنة ولاويين" الذين جاءوا يقدمون له ثلاثة أسئلة، وكانت إجابته عليهم مختصرة للغاية. شهادة تمثل مجابهة علنية بينه وبينهم. إجابته تتلخص في أنه ليس له اسم، إنما هو مجرد "صوت صارخ" أمام المسيح (19-28).

4. شهادة القديس يوحنا المعمدان أمام تلاميذه (29-37) حيث يبادر بالكلام ويسهب فيه. لأنه يتحدث مع البقية التي تنبأ عنها إشعياء النبي: "ترجع البقية، بقية يعقوب إلى الله القدير" (إش 21:10). يتحدث القديس يوحنا المعمدان مع إسرائيل الجديد الذين يؤمنون بالسيد المسيح، ليدخل بهم إلى العهد الجديد. يؤكد لهم أن المسيّا يأتي لا في صورة ملوكية مجيدة كما يظن اليهود بل كمتألم ومخذول، مجده الحب وحمل خطايا العالم (36).

5. تبعية تلاميذ القديس يوحنا المعدان للسيد المسيح، حيث يتم لقاء حقيقي شخصي وعميق يؤول إلى تغيير كامل للحياة كما للكيان والاسم. فنرى السيد المسيح يدخل إلى صميم نفس سمعان، ويحتل أعماقها، ليحوله إلى بطرس الرسول؛ فيغير اسمه ورسالته وحياته وكيانه كله (42).

6. دعوة السيد المسيح لبقية تلاميذه في الجليل منذ البداية. يعلن الإنجيلي عن رؤية السرّ الأخروي المخفي، حيث يؤكد انفتاح السماء وصعود الملائكة ونزولهم على شخص السيد المسيح (50-51).

 

1. الكلمة الإلهي

يبدأ الإنجيل بحسب القديس يوحنا بافتتاحية أو مقدمة تختلف عن افتتاحية بقية الأناجيل الإزائية. افتتاحية مرقس الرسول تقدم وصفُا للقديس يوحنا المعمدان وعمله كملاكٍ يهيئ الطريق أمام السيد المسيح الذي طالما اشتهى الآباء والأنبياء أن يروا يوم مجيئه. وافتتاحية متى البشير تقدم تسلسل يسوع المسيح عن إبراهيم، وقصة ميلاده بكونه الملك الفريد الذي جاء ليقيم مملكة داود الساقطة، ويجعل من مؤمنيه شعبًا ملوكًيا. ويفتتح لوقا الرسول إنجيله بمقدمة أدبية رسمية (1:1-4)، يتبعها عرض لميلاد المعمدان ثم ميلاد يسوع المسيح الذي يشبع بحبه الباذل وصداقته الفريدة كل قلبٍ، ويملأ كل فراغ في الداخل. أما يوحنا فيبدأ بالكشف عن شخص ربنا يسوع قبل التجسد بكونه الكلمة الأزلي، لكي نتخطى كل زمن وننطلق إلى حضن الآب الأزلي، فنتعرف على خطة الله من نحونا ومشيئته لخلاصنا ومجدنا الأبدي. يعرفنا على ذاك الذي نشاركه مجده ونعيش معه إلى الأبد. أبرزت المقدمة (1-18) ما ورد في السفر ككل أن اللَّه يعلن عن نفسه خلال كلماته (1-13) كما خلال أعماله (2-5)، وأخيرًا خلال التجسد الإلهي لمجد الآب (14-18).

كُتبت الافتتاحية في أغلبها كقطعة شعرية متميزة من جهة الأسلوب والمفردات عن بقية السفر

في كل صباح نتغنى بهذه المقدمة وما يليها (يو1:1-17)، لكي ما ندرك أن بدايتنا اليومية الجديدة مصدرها الالتقاء بذاك الذي وحده يرفعنا إلى ما فوق الزمن ليدخل بنا إلى حضن أبيه، دون أن يحتقر الزمن أو يستخف به، بل يقدسه كطريق للعبور إلى ما وراء الزمن. في صلاة باكر نتذكر أن مسيحنا المخلص هو الألفا والأومجا، البداية والنهاية، فنتمتع ببداية مقدسة ونهاية مجيدة.

تقدم لنا العبارات (1-13) ثمان حقائق عظمى عن شخص ربنا يسوع المسيح، وهي:

أ - كان ولا يزال الأزلي: "في البدء كان الكلمة" (1).

ب - كان ولا يزال الأقنوم المتمايز عن أبيه: "وكان عند اللَّه" (1).

ج - كان الكلمة ولا يزال هو اللَّه (2).

د - هو شريك مع الآب في الأزلية (2).

ه - هو خالق المسكونة (3).

و - هو مصدر كل حياة ونور (4، 5، 9).

ز - الإله الذي يعلن عن ذاته للعالم الساقط (10).

خ - دخل إلى عالم الإنسان، وخاصته لم تقبله (11)، أما الذين قبلوه فنالوا ميلادًا جديدًا (12-13).

+ إن كنت أود أن أطعمكم فلا أملأ أذهانكم بل بطونكم، وأقدم لكم خبزًا لأشبعها بها، أما تقسمون الخبز فيما بينكم؟ هل يمكن لخبزي أن يأتي إلى كل واحدٍ منكم؟ فإن ناله أحد لا ينال البقية شيئًا. لكن الآن انظروا، فإني أتحدث وأنتم جميعًا تستقبلون الكلمة. لا، ليس فقط جميعكم تستقبلونها، وإنما أيضًا الكل يستقبلون الكلمة بالكامل. يا لعجب كلمتي! فماذا عن كلمة الله؟! استمعوا أيضًا، إني أتحدث ما أنطق به فيأتي إليكم الكلام ولا يفارقني. يبلغ إليكم ولا ينفصل عني. قبل أن أتكلم كنت أملك الكلمة ولم تكن لديكم. لقد تكلمت وبدأتم تنالونها دون أن أفقد شيئًا منها. يا لعجب كلمتي! فماذا تكون إذن كلمة الله؟!

القديس أغسطينوس

+ يا لكم من أغبياء، تتحدثون كمن لا يميزون بين الكلمة المنطوق بها والكلمة الإلهي، الثابت سرمديًّا، مولود من الآب؛ أقول أنه مولود وليس فقط منطوق به. الذي لا يوجد فيه مقاطع كلمات، بل كمال اللاهوت السرمدي، والحياة التي بلا نهاية (كو19:1؛ 9:2؛ 4:3؛ يو4:1؛ 26:5؛ 25:11؛ 6:14؛ رؤ18:1).

القديس أمبروسيوس

"في البدء كان الكلمة،

والكلمة كان عند اللَّه،

كان الكلمة اللَّه" (1).

جاءت هذه العبارة في ثلاثة مقاطع موزونة موسيقيًا في اللغة العبرية، حيث يتكرر في الثلاثة الاسم "الكلمة" والفعل "كان". هنا الفعل يدل على الكينونة الدائمة القائمة في البدء لا على الزمن. في هذه المقاطع: كان الكلمة في البدء، وكان مع الله، وكان هو الله.

"في البدء": بدأ سفر التكوين بعبارة "في البدء خلق اللَّه"، أي أنه يتكلم عن بداية المخلوقات، أي بدء الزمن بالخلقة. أما البدء في إنجيل يوحنا فهو ما قبل الخلق والزمن والتاريخ، حيث لم يوجد سوي الله الكائن بذاته. يبدأ ببداية الكينونة "في البدء كان الكلمة" أي أن الكلمة أزلي هو بدأ بما لا بداية له. وقد كرر الرسول هذا الفكر حين قال الرب لليهود: "أنا من البدء ما أكلمكم أيضًا به" (يو 25:8)، أي أنا الكائن المتكلم في الأصل أو منذ الأزل. جاء أيضًا في بداية رسالته الأولى: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا" (1 يو 1:1). وقد قال أيضًا للجموع: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يري يومي فرأي وفرح... قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (56:8، 58).

قدم العلامة أوريجينوس معانً كثيرة لكلمة "البدء"، كما ميز بين البدء في علاقته بالخالق، والبدء في علاقته بالخليقة. إنه البدء بكونه حكمة الله وقوة الله (١ كو ١: ٢٤).

يؤكد الرسول أن الكلمة هو "في البدء"، ليس فقط قبل التجسد بل قبل كل الأزمنة. جاء العالم إلى الوجود بخلقه من البدء، أما الكلمة فكان موجودًا في البدء، أي قبل الأزمنة. لقد عبر المرتل عن أزلية اللَّه أنه قبل وجود الجبال (مز 2:90؛ أم 23:8).

إنه مع اللَّه، فلا يظن أحد أن الإيمان بالكلمة يسحبه عن اللَّه، وكان الكلمة عند اللَّه إذ لا ينفصل عنه قط، من ذات جوهره (عب 3:1). وهو موضوع سروره (يو 5:17)، ابن محبته (أم 30:8).

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا لم يبدأ الإنجيلي بالحديث عن الآب، بل بدأه بالابن الوحيد الجنس، ولماذا لم يبدأ بدعوته الابن الوحيد الجنس بل الكلمة. ويجيب على ذلك بأنه بدأ بالإعلان عن شخص السيد المسيح بكونه "الكلمة" المتجسد، ليتحدث بفيض فيما بعد أنه "ابن اللَّه". لقب "الكلمة" يؤكد الوحدة، ولقب "الابن الوحيد الجنس" يؤكد التمايز، لذا فاللقبان مكملان لبعضهما البعض. ويقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تبريرًا لذلك بقوله أن الإنسان غالبًا ما يفصل بين الأب والابن. فيظن أن بميلاد الابن حدث في الله تغيير، فصار الآب، ولم يكن قبل الولادة هكذا، إذ نظن أن الولادة حسية مثلما يحدث في الخليقة، وأنها لم تتم أزليًا. فلو أن الإنجيلي بدأ بالحديث عنه أنه "ابن اللَّه" لدخل الشك لدى البعض أنهما إلهان منفصلان. لذا بدأ باللقب "الكلمة" الذي لا يتخيل الإنسان أنه منفصل عن اللَّه.

"هذا كان في البدء عند اللَّه" (2).

+ قول يوحنا عن السيد المسيح "هذا كان في البدء عند الله" أظهر لنا اتفاقه مع أبيه في أزليته. فإذا سمعت في وصف الوحيد أنه "كان في البدء" فافهم أنه كان قبل الخلائق العقلية كلها وقبل كل الدهور.

v لم يكن الآب قط بدون الكلمة، بل كان اللَّه دائمًا مع اللَّه، ولكن كل واحد في أقنومه اللائق به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"كل شيء به كان،

وبغيره لم يكن شيء مما كان" (3).

قدم الإنجيلي الكلمة بكونه "الخالق" إذ به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان. لم يقدم هذا إلا بعد الحديث عن العلاقة الأزلية بين الآب والكلمة. فالآب والابن (أو الكلمة) مع الروح القدس فيه التقاء ذاتي داخلي، كلي الحب والحياة. هذه الطبيعة الإلهية التي تفيض حبًا ليست في حاجة إلى الخليقة السماوية أو الأرضية لتحقق الحب عمليًا. الحب عامل بين الأقانيم الإلهية أزليًا، وقد جاءت الخلقة من فيض الحب الإلهي، لا كضرورة لتحقيق حب الله بل ثمرة هذا الحب. وما نقوله عن الخلقة نكرره عن الخلاص بكونه الخلقة الجديدة.

الكلمة الأزلي هو الخالق والمخلص، يحقق مشيئة الآب، التي هي واحدة مع مشيئة الابن.

بقوله "كل شيء به كان"؛ فرز نفسه من كل الخلائق السماوية والبشرية والمادية، فهو خالق كل أحد وكل شيء أينما وجد.

يقصد بـ "به كان" أنه به قد صار إلى الوجود، أو خلق كل شيء. فعل "كان" هنا في اليونانية مختلف عما ورد بخصوص الكلمة، هنا يعني الخلق، وهناك الكينونة الذاتية.

وجاء الحرف "به" يحمل معنى بواسطته ومن خلاله وفيه، فقد خلق وبقي مدبرًا لخليقته معتنيًا بها وحافظًا لها. هذا ما عبر عنه الرسول بولس: "فإن فيه خلق الكل"... به وله قد خلق... وفيه يقوم الكل" (كو1:16-17). "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3). "لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 28).

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن الإنجيلي يركز على وحدة العمل الخاص بالخلقة بين الكلمة والآب، لإظهار لاهوت الكلمة ومساواته للآب. بالقول: "وبغيره لم يكن شيء مما كان" يؤكد أن دور الكلمة في الخلق أساسي، بدونه استحالة تحقيق الخلقة أو استمرارها.

عندما تحدث موسى النبي عن بدء الخليقة: "في البدء خلق اللَّه السماوات والأرض" [ تك ]  خشي لئلا يظن أحد أن الأرض أزلية فأكد أن لها بداية، وأنها من إبداع الخالق. فلو أن الكلمة مخلوق لالتزم الإنجيلي بتأكيد خلقته، لا بالحديث عنه كخالق للكل.

 

"فيه كانت الحياة،

والحياة كانت نور الناس" (4)

يميز الإنجيلي بين "الحياة" الخالقة "والحياة" الزمنية المخلوقة. فيتحدث عن أقنوم الكلمة ليس بكونه حيًا فحسب لكنه "الحياة". وكما يقول السيد المسيح عن نفسه أنه بمولده الأزلي "له الحياة في ذاته" ( يو5: 26). فهو جوهر الحياة التي لا تُدرك، لذلك يقول الإنجيلي: "الحياة أظهرت" (1 يو 1: 2)، وذلك خلال التجسد.

هذه الحياة الخالقة تهب حياة للغير، "لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضا يحي من يشاء" (يو 5:21). فهو ليس فيه حياة، لكنه هو الحياة في ذاتها، لهذا "به كان كل شيء". قيل: "تحب الرب إلهك وتسمع لصوته، وتلتصق به، لأنه هو حياتك" (تث 30: 20). ويرنم المرتل: "لأن عندك ينبوع الحياة، وبنورك نعاين النور" (مز 36:9).

"والحياة كانت نور الناس" (4)، فإذ نقتنيه بكونه حياتنا نستنير، فندرك أن حياتنا الزمنية على الأرض هبة إلهية تدفعنا للانجذاب نحو "الحياة الأبدية"، حيث بهاء المجد الأبدي. نتمتع في السماء بمعرفة كاملة للسيد المسيح ورؤيته وكمال الاتحاد معه والثبوت فيه، فتكون له "الحياة الأبدية". "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 17: 3).

كما أن الكلمة هو الحياة الخالقة واهبة الحياة المخلوقة، هكذا هو النور الجوهري الخاص بالطبيعة الإلهية والذي لا يُدني منه، يشرق علينا بنعمته فنصير نورُا يعكس بهاء نوره أينما حللنا. عندما أعلن السيد نفسه لشاول الطرسوسي، قال شاول: "أبرق حولي من السماء نور عظيم، فسقطت على الأرض" (أع22: 7).

 

"والنور يضيء في الظلمة،

والظلمة لم تدركه" (5).

عمل الكلمة "شمس البر" أن يشرق بنوره على العالم، لكنه لا يلزم الذين في الظلمة أن يقبلوا نوره. الإنسان الذي يرفض النور، ويتمسك بالظلمة، يصير ظلمة لا تُدرك النور ولا تطيقه. كما إن الذي يقبل النور يصير نورًا للعالم ولا يطيق الظلمة.

إن كان الكلمة المتجسد هو "النور الحقيقي"، فإن إبليس باعتزاله مصدر النور صار "ظلمة" يبذل كل الجهد ليجتذب البشرية نحو مملكته، فيحمل سلطانًا عليهم. لهذا دعاه السيد المسيح "سلطان الظلمة" (لو 22: 53).

تقوم مملكة الظلمة على غياب النور الحقيقي، حيث تنفصل عن الكلمة الإلهي، فلا تكون لها "الحياة" ولا "النور" ولا "الحق" ولا "السلام"، بل لها أعمال الظلمة من موت روحي وبطلان وكذب وبغضة وانشقاقات وفساد الخ.

لا تدرك الظلمة النور ولا تطيقه، لذا تأخذ موقف العداوة منه لعلها تحجز النور عنه. وقد ظنت الظلمة إنها قادرة أن تطفئ شمس البرّ بصلبه، ولم تدرك أنه بالصليب حطمت نفسها، ليشرق شمس البرّ على الجالسين في الظلمة. "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا؛ الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور" (إش 9: 2).

"هذا جاء للشهادة ليشهد للنور،

لكي يؤمن الكل بواسطته" (7).

ما يشغل ذهن الإنجيلي يوحنا هو الإعلان عن شخص السيد المسيح، حتى نؤمن به، فنتمتع بالحياة الأبدية نورًا لنا في هذا العالم، ومجدًا في الحياة العتيدة، لذا قدم شهادات كثيرة. فتكرر فعل "يشهد" 33 مرة في هذا السفر، واسم "شهادة " 14 مرة.

أما الشهادة فهي شهادة الآب له (5: 31)، وشهادته لنفسه (8: 14)، وشهادة الروح القدس (15: 26)، وشهادة أعمال المسيح له (5: 36)، وشهادة الآباء والأنبياء (5: 39)، وشهادة يوحنا المعمدان (1: 7)، وشهادة التلاميذ (15: 27)، وأيضا شهدت له السامرية والسامريين (ص4) والمولود اعمي الذي أبصر (ص9)، وبعد قيامته شهد توما له.

يقول العلامة أوريجينوس أن الصوت شهد للكلمة مقدمًا ست شهادات:

١. شهد عن عظمته إذ يأتي بعده مع أنه الأزلي السابق له، وأنه واهب النعم والمخبر عن الآب (يو ١: ١٥ - ١٨). يرى أن هذه العبارات كلها هي شهادة القديس يوحنا السابق وليس كما يظن البعض أن جزءً منها هو شهادة الإنجيلي يوحنا.

٢. شهادته أمام إرسالية الكهنة واللاويين القادمين من أورشليم (يو ١:١٩-٢٧).

٣. للمرة الثالثة يشهد عن عظمة المسيح موضحًا أنه غير مستحق أن يحل سيور حذائه (يو ١: ٢٦-٢٧) وهو قائم في وسطهم ولم يعرفوه.

٤. شهادته في اليوم التالي أنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو ١: ٢٩).

٥. شهادته له بعد أن رأى الروح نازلاً ومستقرًا عليه (يو ١: ٣٢-٣٤).

٦. للمرة السادسة يشهد أمام اثنين من تلاميذه أنه حمل الله (يو ١: ٣٥-٣٦).

"لم يكن هو النور بل ليشهد للنور" (8).

+ لم يقل يوحنا البشير هذا بلا سبب، ولا كان قوله باطلاً، لكن إذ تحقق عندنا في أكثر الجهات أن الشاهد أعظم من المشهود له وأكثر منه ثقة، فلكي لا يظن أحد في يوحنا المعمدان هذا التوهم أبطل يوحنا البشير في الحال من بداية قوله هذا التوهم الخبيث واقتلعه من أصله، وأظهر من هو هذا الشاهد، ومن هو ذاك المشهود له، وما هو الفرق بين الشاهد وبين المشهود له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+هكذا كان يوحنا نورًا، لكنه لم يكن النور الحقيقي، لأنه لو لم يستنر لكان فيه ظلمة، لكنه بالاستنارة صار نورًا.

القديس أغسطينوس

"كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم" (9).

كان هذا التعبير شائعًا بين معلمي اليهود، أن كل إنسان يُولد يرى النور الذي كان محرومًا منه حين كان في رحم أمه. هنا النور يعني الحياة الجديدة، فالطفل المولود أعمى ويُحسب بمولده أنه قد رأى النور، أي انطلق بميلاده إلى حياة جديدة عما كان عليه قبل مولده. هكذا أشرق السيد المسيح بنور حضرته على عالمٍ جديدٍ يتمتع به كل من يُولد روحيًا.

يرى القديس كيرلس الكبير أن الإيمان هو السراج، وكلمة اللَّه المتجسد هو النور، إذ يقول: [كلمة اللَّه هو موضوع إيماننا، وهو النور. فالسراج هو الإيمان، إذ كان هو النور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسانٍ آتيًا إلى العالم (يو 9:1).]

"الحقيقي" تفيد أنه النور الوحيد القادر أن يكشف عن الحق الكلي، ويخبر عن أسرار الإلهيات، فهو نور كامل دائم لا ينقطع. هذا النور الحقيقي وحده قادر أن يدخل إلى معرفة الآب، الإله الحقيقي (يو 17:3). يقدم لنا نفسه الحق الإلهي الحقيقي الكامل، والخبز الحقيقي النازل من السماء، والكرمة الحقيقية حيث نتمتع بالاتحاد معه كأغصان فيه، وبه نصير ساجدين حقيقيين نسجد له بالروح والحق.

إنه النور "الذي ينير كل إنسان" [9]، إذ يريد أن الكل يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، هذا من جانبه، إذ لا يريد أن يحجز نفسه عن أحد، لكنه لا يلزم أحدًا بقبوله.

لم يقل "قد أنار" بل "ينير" إذ يفيد الفعل حالة استمرار دائم، يبقى باب محبته مفتوحًا على الدوام، بل وينزل إلى كل أحدٍ ليدعوه للتمتع بنوره. فمن حق كل إنسان أن يقبله ويتمتع به.

إنه النور الذي من يقبله يتمتع باستنارة إلهية فائقة للعقل، من يرفضه يكون كمن تصيب الشمس عينيه الضعيفتين، فيصير أعمي. "أعمي عيونهم، وأغلظ قلوبهم" (يو 12: 40)؛ وكما قال السيد: "لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم، حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمي الذين يبصرون" (يو 9: 39).

"آتيا إلى العالم" لا تعود على "كل إنسان" بل على "النور الحقيقي"، إذ جاء الكلمة النور الحقيقي بالتجسد إلى العالم. فالإنارة للبشرية لم تتحقق بإشراقه عليهم من بعيد كما تشرق الشمس على أرضنا، وإنما بحضرته إلى عالمنا وحلوله في وسطنا.

 

"كان في العالم،

وكون العالم به،

ولم يعرفه العالم" (10).

يا للعجب إنه خالق العالم بقدرته، وقد نزل إليه ليحل في وسطنا، ويبعث بنوره إلينا وفينا، لكن العالم الشرير رفضه، مفضلاً جهالة الظلمة عن معرفة النور.

إن كان الإنسان قد صار ظلمة فهو بلا عذر، وظلمته ليست من صنع خالقه، إنما هي من فعل إرادته الشريرة الرافضة للنور الحقيقي.

 

+ ليس العالم الذي خلقه هو الذي لم يعرفه.

ما هو العالم الذي خلقه؟ السماء والأرض.

كيف لم تعرفه السماء هذه التي عند آلامه أظلمت الشمس؟

كيف لم تعرفه الأرض التي تشققت عندما عُلق على الصليب؟

"العالم لم يعرفه"، هذا الذي قيل عن رئيسه: "هوذا رئيس هذا العالم آت، ولا يجد له فيّ شيء" (يو ١٤: ٣٠). يُدعى الأشرار "العالم"؛ يُدعى غير المؤمنين "العالم". أخذوا هذا الاسم من ذاك الذي يحبونه.

بحب الله نصير آلهة، وبحب العالم نصير "العالم". لكن "الله في المسيح مصالحًا العالم لنفسه" (٢ كو ٥: ١٩).

"إلى خاصته جاء،

وخاصته لم تقبله" (11).

خلق الله الإنسان لا ليخدمه، فهو ليس بمحتاج إلى خدمة بشرية، لكنه في حبه الفريد للإنسان يريد أن يجعل منه خاصته وأهل بيته. فقد "سار أخنوخ مع الله ولم يوجد، لأن الله أخذه" (تك 5: 24). بينما لا نعلم كيف أخذه، ولا إلى أين ذهب به، لكنه اختطفه ليكون معه على الدوام كأحد أفراد العائلة الإلهية.

يبرز الله حبه الفائق لمؤمنيه، فينسب نفسه إليهم قائلاً: "أنا إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب". ويكشف موسى النبي عن هذه العلاقة على مستوي الجماعة حيث يحسب الله شعبه نصيبه الشخصي: "إن قسم الرب هو شعبه، يعقوب جبل نصيبه" (تث 32) "إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض " (تث 7: 6)، وكثيرًا ما أعلن الأنبياء إن الله اقتنى شعبه لنفسه خاصة.

وقد جاء الكلمة المتجسد وسط هذه الخاصة، لكن خاصته لم تقبله. كان الرفض جماعيًا من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين ورؤساء الشعب بل واشترك معهم أحد التلاميذ. وتحقق القول: "يبغضونني بلا سبب" (مز 39: 19؛ 69: 4). لقد صرخوا: "دمه علينا وعلي أولادنا" (مت 27: 25).

"وأما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد اللَّه،

أي المؤمنون باسمه" (12).

إن كان قد جاء إلى خاصته، لكن خاصته لم تقبله، فإنه في وسط هذه الخاصة وجدت قلة قليلة أمينة قبلته. هذه القلة طُردت من المجمع، وحرمت من العبادة في الهيكل، ونُظر إليهم كوثنيين، ليسوا من تلاميذ موسى، ولا هم أبناء لإبراهيم الخ. لم يدرك اليهود أن هذه القلة هي خميرة مقدسة لكنيسة الأبكار في السماء، موضع سرور موسى وتهليل إبراهيم ويعقوب؛ يخدمون الهيكل الجديد، ويتمتعون بمجمع القديسين والسمائيين.

إن كان الرب قد دعي شعبه في القديم "إسرائيل ابني البكر" (خر 4: 22)، فإن هذه الخميرة قد احتلت هذا المركز بصورة فائقة خلال البنوة لله، حيث يصيرون "شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4).

 

 

"الذين ولدوا ليس من دماءٍ،

ولا من مشيئة جسد،

ولا من مشيئة رجل،

بل من اللَّه" (13).

كان اليهود يطلبون من الأممي لكي يصير دخيلاً أن يمارس ثلاثة أمور: الختان والعماد وتقديم ذبيحة، بهذا يُحسب أنه وُلد من جديد حيث يصير من شعب الله، له حق التمتع بالعهد الإلهي. أما اليهود في مصر فقد أهملوا الختان، ولم يكن ممكنًا لهم الخلاص من عبودية فرعون والتمتع بالميلاد الجديد ما لم يختتنوا ويقدموا دم الفصح، وكأنه يلزم أن يختلط دمهم بدم الحمل ليتقدسوا ويخلصوا ويصيروا مولودين حديثًا. أما وقد جاء ابن الله الوحيد فقدم البنوة لله خلال الميلاد الروحي بالماء والروح.

كشف الإنجيلي يوحنا عن عمل الكلمة في حياة الناس، فقدمه الخالق الذي به كان كل شيء، ثم أوضح أنه هو "الحياة" واهبة الحياة. هذه الحياة الحقيقية تشرق على الإنسان ليتمتع بالنور الصادر من النور الحقيقي. خلال هذه الاستنارة يتمتع الإنسان بإعلان الله ذاته له فيؤمن، هذا الإيمان يرافقه الميلاد الجديد الروحي من الماء والروح. بهذا الميلاد الجديد الذي من الله الروح نصير باكورة الخليقة الجديدة، وخميرة حية تخمر عجين الأمم. "شاء فولدنا بكلمة الحق، لكي نكون باكورة من خلائقه" (يع 1: 18).

إنه ميلاد جديد في نوعه، فهو ليس ثمرة عناصر طبيعية، لأنه ليس من دمٍ. ولا من نتاج غرائز جسدية، لأنه ليس من مشيئة جسد، ولا يتحقق بخطة بشرية، لأنه ليس من مشيئة رجلٍ، إنما هو ميلاد علوي سماوي من الله. إنه ميلاد من الله، ليس للمصدر الطبيعي "الدم" موضع فيه، متحرر من الغرائز الطبيعية ومن القدرات البشرية ومن التخطيط البشري.

جاءت الصيغة في النص اليوناني لكلمة "دماء" بالجمع وليس بالمفرد، لأنه يقصد دماء الآب والأم، وليس يعني "الدم" اليهودي. إذ كان اليهود يفتخرون أنهم من نسل الآباء البطاركة إبراهيم واسحق ويعقوب، دم الجنس المختار.

هذا الميلاد الجديد هو موضع اعتزاز الإنجيلي يوحنا: "انظروا أية محبة أعطانا الله حتى ندعى أولاد الله!" (1 يو 3: 1). "إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه" (1 يو 2: 29). "نعلم أن كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه والشرير لا يمسه" (1 يو 5: 8).

الكلمة صار جسدًا

سرّ الدهور كلها أن الكلمة الإلهي الأزلي صار جسدًا، إذ اتحد اللاهوت بالناسوت، وصار واحدًا منا. من رآه وتلامس معه رأى مجد الابن الوحيد لأبيه كما شهد القديس يوحنا المعمدان بذلك (15(، وتمتع بالنعمة والحق (17).

"والكلمة صار جسدًا، وحل بيننا،

ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب،

مملوء نعمة وحقًا" (14).

يا له من تقديم رائع لأقنوم الكلمة بكونه مع الآب كائن معه من الأزل، وواحد معه في الجوهر، الخالق لكل ما في السماء وعلي الأرض، واهب الحياة، والنور الحقيقي المشرق على الجالسين في الظلمة، يرفعهم فيه لينالوا نعمة التبني لله الآب. الآن لآخر مرة يذكر الإنجيلي اسم "الكلمة" إذ صار جسدًا، فدخل إلى عالم البشر، لا خلال رؤية أو حلم أو كضيف غريب، وإنما كإنسانٍ حقيقيٍ كاملٍ يعيش وسط اخوته الأصاغر. تجسد ليخفي عظمة بهاء لاهوته التي لا تقدر عين بشرية أن تحدق فيه، لكنه خلال هذا السرّ يفتح باب المعرفة والرؤية ليتمتع المؤمن بالبنوة لله والتعرف على الأسرار الإلهية. إنه لا يريدنا أن نقف عند حجاب الجسد ونتجاهل حقيقته، لذا يقول: "طوبي لمن لا يعثر فيّ" (مت 11: 6).

يشبه القديس يوحنا الذهبي الفم البشرية الساقطة بامرأة زانية، وقد نزل العريس السماوي مختفيًا في الجسد لكي لا تخافه فتهرب منه، بل تلتقي معه وتتمتع بالمصالحة مع الآب، وتقبل الاتحاد مع عريسها السماوي إذ تتعرف على أسراره، وتنطلق معه إلى سمواته.

صار الكلمة إنسانًا ليضم البشر فيه فيتمتعوا بالإعلان الإلهي والمعرفة الإلهية عن اتحاد وقرب واختبار.

من أجلنا أخلى نفسه عن مجده الإلهي المنظور، وكما يقول الرسول بولس: "الذي كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، أخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس" (في2: 6-7).. هذا الإخلاء لم يسبب تغييرًا في خصائص لاهوته، لأن لاهوته المتحد بناسوته لم يمتزج معه، إنما بتأنسه صار الكلمة إنسانًا كاملاً حقيقيًا وهو العلي الإله السماوي. بهذا فتح لنا بابًا إلى الأقداس السماوية. "فإذ لنا أيها الاخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقًا كرسه لنا حديثًا حيًا بالحجاب، أي جسده" (عب 10: 19-20).

"ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا".

في العبارات السابقة حلق بنا الإنجيلي يوحنا في جو الإلهيات حيث نشعر بالعجز الكامل عن إدراك أسرار الكلمة الإلهي. لكنه لم يتركنا في عجز لئلا نيأس، إذ عاد فأعلن أن هذا الكلمة صار جسدًا، صار قريبًا إلينا جدًا، في متناول يدنا، نراه ونلمسه ونسمعه ونعيش معه، نشاركه حياته.

"يوحنا شهد له ونادى قائلاً:

هذا هو الذي قلت عنه أن الذي يأتي بعدي صار قدامي،

لأنه كان قبلي" (15).

إذ بدأ الإنجيلي يوحنا في الكشف عن عمل كلمة الله المتجسد، قدم شهادة القديس يوحنا المعمدان، الذي جاء متأخرًا عنه، لكنه هو كائن قبله وكما قال السيد المسيح: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (يو8: 58). ولما كانت هذه الشهادة أساسية، ولها أهميتها القصوى، لذا يقول الإنجيلي: "شهد له ونادى" معبرًا بكلمة "نادى" عن الصراخ بصوتٍ عالٍ للفت النظر إلى ما يعلنه، لأنه يمس حياة البشرية وخلاصها ومجدها.

صراخ الشهادة هذا سبق فقدمته اليصابات والدته حين كان جنينًا في أحشائها وقد تعرف على الكلمة المتجسد في أحشاء القديسة مريم عند زيارتها لأمه. يقول الإنجيلي لوقا: "وامتلأت اليصابات من الروح القدس وصرخت بصوت عظيم، وقالت: مباركة أنتِ في النساء، ومباركة هي ثمرة بطنكِ" (لو 1: 41-42).

دُعي يسوع المسيح ابن العلي (لو ١: ٣٢)، بينما دُعي يوحنا نبي العلي (لو ١: ٦٧). كان يوحنا خادمًا للعهد الجديد، أما يسوع المسيح فهو وسيط العهد الجديد. يوحنا كان رجلاً عظيمًا له اسم عظيم ورسالة عظيمة، وهو الذي هيأ الطريق ليسوع المسيح. يوحنا كسائر الأنبياء يجلس عند قدمي الله ليتعلموا أو ينالوا رؤى. أما المسيح فهو في حضن الآب (أف ٣: ١١).

إنه الصوت الذي يدوي في القفر، ليهيئ الطريق ليسوع المسيح (إش ٤٠: ٣٠).

"لأنه كان قبلي" لأنه هو خالقي وموجدي للحياة. هو الأول، وهو لقب خاص بالله "الأول والآخر" (١ كو ١: ١٧)، إنه أزلي (مي ٥: ٢).

"ومن ملئه نحن جميعًا أخذنا،

ونعمة فوق نعمة" (16).

يرى كل من القديسين كبرلس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وأغسطينوس أن الحديث هنا ليس تكملة لشهادة القديس يوحنا المعمدان، وإنما المتحدث هنا هو الإنجيلي يوحنا. يعلن الإنجيلي أن الذي هو مملوء نعمة وحقًا (14) هو سرّ الملء للكنيسة كلها، وينبوع نعم لا ينقطع، فيض حب يتفجر على الدوام. فمن كمال ملئه اللانهائي يفيض على كنيسته ليتمتع كل عضو فيها بالشركة في الطبيعة الإلهية.

هو مصدر كل النعم، يملأ مخازننا (أم ٨: ٢١). نتقبل منه النعم كما تتقبل مجاري المياه الماء من الينبوع مصدر الماء. العطايا الإلهية هي نعم grotius أي مجانية (رو ١٢: ٦)، فإذ يسرَّ الآب به لذا يُسر بنا نحن فيه (أف ١: ٦).

"نعمة فوق نعمة" كل نعمة هي وزنة نتقبلها من الله لنتاجر فيها فنربح وزنة أخرى (١بط ١٤: ١٠).

"نعمة فوق نعمة" أي تبقى نعمة الله تفيض علينا بلا توقف. إذ "ليس بكيل يعطي الله الروح" (يو 3: 35). فإن كان المسيح بكونه الكلمة المتجسد قد "سر (الآب) أن يحل كل الملء" (كو 1:19)، إذ هو الوحيد الملء الكلي بلا حدود، فإنه يفيض ليملأ الكل حسب قياس كل أحد. هذا ما عبر عنه الرسول: "فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا، وأنتم مملوؤون فيه" (كو 2:9-10)، وأيضا "الذي يملأ الكل في الكل" (أف1: 23)، "لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف 3: 19). هذا هو غاية ما نبلغه في المسح يسوع: "إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف 4: 13).

 

"لأن الناموس بموسى أعطي،

أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (17).

الناموس في ذاته عطية عظيمة، ونعمة مقدمة من الله، لتهيئ لنعمة الإنجيل. لكن لا وجه للمقارنة بين الظل والحقيقة. يقدم فيضًا من النعم: يغني الفقراء بكنوز السماء، ويعتق العبيد من أسر إبليس، ويحمل المؤمنين على الأيدي الإلهية وسط الضيقات، ويهب معرفة مستمرة للأسرار الإلهية، ويهب قوة عوض الضعف، ويسكب مجده في داخلنا عوض الهوان. قدم لنا الناموس بكل وصاياه وفرائضه ونبواته ظلالاً أو شبه السماويات، أما السيد المسيح فدخل بنا إلى عمق الوصية لنتعرف على خالق السماء نفسه المختفي وراءها. حملنا السيد المسيح فيه لنختبر في عبادتنا بالروح القدس السماويات عينها التي جاء منها، فنحيا بحياته السماوية.

يتساءل العلامة أوريجينوس: إن كان يسوع قد أعلن أنه الحق (يو ١٤: ٦)، فكيف به قد صار الحق؟ ويجيب هكذا: ما وهبه الله من نعم في العهد القديم كانت رموزًا لنعمة العهد الجديد التي هي "الحق". لهذا فإن مجد العهد الجديد أعظم (٢ كو ٣: ١٠). صار اكتشاف النعمة في العهد الجديد أوضح، وتوزيعها بأكثر سخاء. وهكذا نلنا نعمة العهد الجديد عوض نعمة العهد القديم، ليس لأنها تناقضها، بل تحققها في كمالها بسخاء، تنميها إلى الكمال وتثبتها فينا. إذ نتغير إلى الصورة الإلهية من مجدٍ إلى مجدٍ، من درجةٍ إلى درجةٍ أعلى (٢ كو ٣: ١٨). النعمة التي نتقبلها أشبه بختم يشَّكلنا لنحمل أيقونة المسيح التي تزداد فينا وضوحًا (رو ٨: ٢٩) وتجعلنا أيقونة السماويات (١ كو ١٥: ٤٩).

بتمتعنا بالمسيح ننال النعمة والحق، إذ هو مصدر النعم وكنز الحكمة يقدم ذاته لنا نعمة وحقًا نتمتع به.

في العهد القديم نلنا الناموس في جوٍ من الرعب (عب ١٢: ١٨)، أما العهد الجديد فنلناه في جوٍ من النعمة. بالعهد الجديد نتمتع بالوعود الإلهية الواردة في العهد القديم خلال جوٍ من الرحمة والحق، حسب الوعد الإلهي.

هكذا مع تمتعنا بالنعمة وتذوقنا لها نعطش بالأكثر إلى فيضٍ جديدٍ من النعمة، فكل نعمة في داخلنا تنادي نعمة، وتجذبها إلى أعماقنا. فتصير أعماقنا هدفًا لفيضٍ لا ينقطع من النعم الإلهية المتناغمة معًا.

 

+ عظيم هو الفارق بينهما، فمن جانب الكلمتان "قد أُعطي" تُنسب إلى شيء يُخدم حينما يستلمه شخص من آخر يُعطي أمرًا بإعطائه إياه، ومن الجانب الآخر فإن "النعمة والحق قد صارا" تناسب ملكًا له سلطان غافر للخطايا ويقوم بنفسه بتقديم الهبة.

+ عندما كانت حرب عماليق في جبل سيناء استعانت يدا موسى بهرون وهور الواقفين بجواره (خر 17: 12)، أما عندما جاء المسيح فبسط يديه على الصليب بنفسه. ألا تلاحظون كيف أن الناموس أعطي، أما الحق فجاء؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

+        +       +


 

البولس من رومية 10 : 4 – 18

4 لان غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن
5 لان موسى يكتب في البر الذي بالناموس ان الانسان الذي يفعلها سيحيا بها
6 و اما البر الذي بالايمان فيقول هكذا لا تقل في قلبك من يصعد الى السماء اي ليحدر المسيح
7 او من يهبط الى الهاوية اي ليصعد المسيح من الاموات
8 لكن ماذا يقول الكلمة قريبة منك في فمك و في قلبك اي كلمة الايمان التي نكرز بها
9 لانك ان اعترفت بفمك بالرب يسوع و امنت بقلبك ان الله اقامه من الاموات خلصت
10 لان القلب يؤمن به للبر و الفم يعترف به للخلاص
11 لان الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى
12 لانه لا فرق بين اليهودي و اليوناني لان ربا واحدا للجميع غنيا لجميع الذين يدعون به
13 لان كل من يدعو باسم الرب يخلص
14 فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به و كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به و كيف يسمعون بلا كارز
15 و كيف يكرزون ان لم يرسلوا كما هو مكتوب ما اجمل اقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات
16 لكن ليس الجميع قد اطاعوا الانجيل لان اشعياء يقول يا رب من صدق خبرنا
17 اذا الايمان بالخبر و الخبر بكلمة الله
18 لكنني اقول العلهم لم يسمعوا بلى الى كل الارض خرج صوتهم و الى اقاصي المسكونة اقوالهم

سرّ الجحود

إذ يعالج الرسول بولس مشكلة "اختيار شعب الله" التي أساء اليهود استخدامها، فعِوض شعورهم بحب الله الفائق لهم، والتزامهم بمسئولية الكرازة بين الأمم، تحجّرت قلوبهم بالجحود، وتعثروا في السيد المسيح "حجر الزاوية"، الذي صار لهم حجر صدمة وصخرة عثرة (9: 22-23). بينما قبله المؤمنون حجرًا كريمًا مختارًا (مز 118: 22؛ 1 بط 2: 6-7). الآن يكتب لنا عن "سرّ جحودهم" حتى لا نسقط نحن أيضًا فيما سقطوا فيه بطريق أو آخر.

 

1. غيرة اليهود بلا معرفة

إذ يعالج الرسول موضوعًا شائكا للغاية، يمكن خلاله أن يُتهم بالخيانة لأمّته، يُعلن من حين إلى حين مدى حُبّه لإخوته حسب الجسد، وعن عدم تجاهله لما نالوه من امتياز دون سائر الأمم في عصري الآباء والأنبياء، وأيضًا عن غيرتهم الدينيّة، وإن كانت بلا إدراك روحي حقيقي، إذ يقول:

"أيها الإخوة إن مسرة قلبي وطلبتي إلى الله لأجل إسرائيل هي للخلاص،

لأني أشهد أن لهم غيرة لله،

ولكن ليس حسب المعرفة" [1-2].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية موضحًا أن الرسول وهو يستعد لتوبيخهم بأكثر صرامة يودّ أن يقول لهم: لا تلتفتوا إلى الألفاظ، ولا إلى الاتهامات، كأني اتهمكم بروح عدائي، فإن "خلاصكم" هو موضوع سرور قلبي وصلاتي لله.

يا له من روح إنجيلي ملتهب بالحب، فمقاومة اليهود المستمرّة له لم تجرح مشاعر محبّته، إذ لا يجد ما يسرّ قلبه مثل خلاص الآخرين حتى المقاومين له. هم في قلبه، يشتهي خلاصهم، ولا يكفّ عن الطلبة من أجلهم. هذه الأبوّة الحانية نجدها في خدام الله الحقيقيّين، الذين من الأعماق يصرخون مع صموئيل النبي: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطىء إلى الرب، فأكف عن الصلاة من أجلكم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم" ( 1صم 12: 23).

علامة الحب الصراحة والوضوح، إذ يشهد لغيرتهم لله، لكنها غيرة ليست حسب المعرفة، سقط فيها هو من قبل، إذ كان في غيرته "ينفث تهددًا وقتلاً على تلاميذ الرب" (أع 9: 1). يقول القدّيس أغسطينوس: [كانوا يظنّون أنهم يقدّمون خدمة لله بذبحهم خدّامه! يا له من خطأ مريع، عندما تودّ أن تسرّ الله بضربك محبوبيه حتى الأرض، وهدم مذبح الله الحيّ لتأتي به أرضًا كي لا يُهجر الهيكل الحجري، يا له من عمى لعين! هذا هو ما حدث مع إسرائيل من أجل ملىء الأمم، أقول أنه حدث جزئيّا وليس للكل، فلم تقطع كل الأغصان، وإنما بعضها، لكي تتطعّم أغصان الزيتونة البريّة (رو 11: 25، 17) .]

ما سقط فيه اليهود يمكن أن يسقط فيه بعض المسيحيين، إذ تكون "لهم غيرة لله ولكن ليس حسب المعرفة"، كأن يسلك الإنسان بفكر متعصّب دون إدراك روحي للإيمان المستقيم أو اتساع قلب لمحبّة الغير؛ أو كأن يجاهد في طريق الفضيلة غير متكىء على صدر الله بل على ذراعه البشري وقدراته الخاصة ومعرفته الزمنيّة.

سر جحود اليهود جهلهم أمرين؛ أولاً: برّ الله، ثانيًا: غاية الناموس. يقوم الأول على جهلهم عمل الله في حياة المؤمن، فطلبوا برّ أنفسهم، لا برّ الله، فصار ذلك عائقًا عن خلاصهم، والثاني جهلهم غاية الناموس وأحكامه فتمسّكوا بالحرف القاتل دون الروح الذي يحيي.

أولاً: جهلهم برّ الله

"لأنهم إن كانوا يجهلون برّ الله،

ويطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم،

لم يخضعوا لبرّ الله" [3].

يحاول أن يعطيهم عذرًا: "جهلهم برّ الله"، لكنه يحوّل العذر إلى اتهام ضدّهم يقوم على كبريائهم واعتداءهم بالذات: "برّ أنفسهم". جهلهم لا يقوم على ظروف خارجية قهريّة، وإنما على فساد داخلي يدبّ في النفس.

حينما تتضخم "الأنا ego" تملأ القلب، فلا تطيق آخر في داخله، حتى إذ تديّنت تعمل لحساب ذاتها المغلقة، فتطلب تثبيت "برّ نفسها" عِوض اتساعها بالحب لتقبل نعمة الله واهبة البرّ بالإيمان. يحدّثنا إشعياء النبي عن هذا البرّ الذاتي، قائلاً: "قد صرنا كلنا كجنس، وكثوب عُدة كل أعمال برنا، وقد ذبلنا كورقة وآثامنا كريحٍ تحملنا" (إش 64: 6).

+ يقول الرسول بولس أن المسيح بالنسبة لنا برّ (1 كو 1: 30)؛ وبالتالي من يجوع إلى هذا الخبز إنما يجوع إلى البرّ النازل من السماء، الذي يهبه الله، وليس الذي يصنعه الإنسان لنفسه. فلو أن الإنسان لا يصنع لنفسه برًا لما قال الرسول نفسه لليهود: "إذ كانوا يجهلون برّ الله، ويطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، لم يخضعوا لبرّ الله" [3]... برّ الله لا يعني أن الله بارّ، وإنما يعني البرّ الذي يهبه الله للإنسان فيجعله بارًا بالله. مرة أخرى، ما هو برّ هؤلاء اليهود؟ البرّ الذي هو من عمل قوتهم والذي افترضوه، فحسبوا أنفسهم كما لو كانوا مكمِّلين للناموس بفضائلهم الذاتيّة.

القدّيس أغسطينوس

+ الله وحده هو البارّ والذي يبرّر، يهب الإنسان البرّ.

إنهم يطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، بمعنى أنهم يظنّون بأن الصلاح هو من عندهم لا عطيّة إلهية. بهذا "لم يخضعوا لبرّ الله"، لأنهم متكبرون ويحسبون أنهم قادرون على إرضاء الله بذواتهم لا بما لله.

القدّيس أغسطينوس

+ قال هذا عن اليهود الذين في اعتداءهم بذواتهم احتقروا النعمة، ولم يؤمنوا بالمسيح أنه يقول بأنهم أرادوا أن يُقيموا برّهم، هذا البرّ الذي من الناموس، لا أنهم ينفّذون الناموس، بل يقيمون برّهم في الناموس، عندما يحسبون في أنفسهم أنهم قادرون على تنفيذ الناموس بقوتهم، جاهلين برّ الله، لا البرّ الذي لله بل البرّ الذي يمنحه الله للإنسان.

القدّيس أغسطينوس

ثانيًا: جهلهم غاية الناموس

إن كانت "الأنا" قد حجبت عنهم الالتقاء مع الله بعمله فيهم، فصار برّهم الذاتي المزعوم عائقًا عن تمتّعهم ببرّ الله، فإن تمسكهم بحرفيّة الناموس وشكليّاته أفقدهم المتعة بغاية الناموس الحقيقية، ألا وهو الالتقاء بالمخلّص. يقول الرسول: "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ، لكل من يؤمن، لأن موسى يكتب في البرّ الذي بالناموس، أن الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها" [4-5].

اقتبس الرسول بولس من موسى العبارة: "تحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها إنسان يحيا بها" (لا 18: 5). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الإنسان لا يمكن أن يحيا ولا أن يتبرّر ما لم يتمّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذي يعتبر مستحيلاً. لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسان أن يحقّق البرّ والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذي وحده غير كاسرٍ للناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذرًا يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلن عن المسيح بكونه وحده يتركّز فيه البرّ؛ من ينعم بالبرّ الذي قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنّ في نفسه أنه بالناموس يتبرّر.

+ المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذي أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن.

القدّيس إكليمنضس السكندري

2. رفضهم بساطة الإيمان

ربّما يتساءل البعض: إن كان اليهود قد عجزوا عن تحقيق البرّ بالناموس بتنفيذ وصاياه، فماذا يكون حالنا أمام الوصايا الإنجيليّة وهي أصعب من وصايا الناموس؟ لذلك أسرع الرسول ليوضّح الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال السيد المسيح والتي يمكن تركيزها في نقطتين جوهريتين:

أ. أن الإيمان بالمسيح بسيط وقريب منّا للغاية [6-8].

ب. أن الأب أقام المسيح، ليهبنا قوّة القيامة عاملة فينا [9-11].

بهذا لم يحطم الرسول الأعذار اليهوديّة فحسب، وإنما فتح لنا باب الإيمان لنعيشه بكونه سهل المنال، خلال الحياة المُقامة لنا في المسيح ربنا.

أولاً: رفضهم الإيمان البسيط القريب

"وأما البرّ الذي بالإيمان فيقول هكذا:

لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح،

أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح من الأموات،

ولكن ماذا يقول؟

الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك،

أي كلمة الإيمان التي نكرز بها" [6-8].

اقتبس الرسول عبارات لموسى النبي بعد أن أعطاها مسحة إنجيلية، إذ جاء في سفر التثنية: "أن هذه الوصيّة أوصيك بها اليوم ليست عسرة عليك، ولا بعيدة منك، ليست هي في السماء حتى تقول من يصعد لأجلنا إلى السماء ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ ولا هي في عبر البحر حتى تقول: من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ بل الكلمة قريبة منك جدًا في فمك وفي قلبك لتعمل بها" (تث 30: 11-14).

كان موسى يُحدّث شعبه عن الشريعة أو الوصيّة الإلهية أو الكلمة الإلهية، كيف صارت بين أيديهم ليست ببعيدة عنهم، ليست بالشريعة المرتفعة في السماء يصعب بلوغها والتعرف عليها، ولا هي في الأعماق ليس من ينزل إليها ليجلبها. إنما صارت في وسطهم تبكّتهم وتحثهم على الرجوع إلى الله. إن كان هذا ينطبق على كلمة الله المُعلنة خلال الحروف والمُسلمة بين يديّ موسى النبي لتُوضع في الهيكل وسط الشعب، فبالأحرى تنطبق على كلمة الله المتجسّد، الذي صار إنسانًا وحلّ بيننا كواحد منّا. فلم يعد غريبًا عنّا ولا ببعيدٍ عن حياتنا، بل هو قريب إلينا. يسكن فينا ويحلّ بروحه في داخلنا، لنحيا به في كلماتنا وتصرّفاتنا وكل مشاعرنا وأحاسيسنا.

في القديم كان اليهود يعتزون بأنهم شعب الله الذي تسلم الشريعة الإلهية بواسطة موسى بيد ملائكة (عب 2: 2)، أمّا الآن فقد جاءنا الكلمة نفسه متجسدًا، يهبنا ذاته، ويجعلنا فيه أبناء الآب في مياه المعموديّة بالروح القدس. يقول القدّيس أغسطينوس: [أرسل الناموس بواسطة خادم، أمّا النعمة فجاء بنفسه من أجلها.]

إن كان برّ الناموس صعبًا بل ومستحيلاً، فقد جاء السيد المسيح لا ليقدّم وصايا سهلة، ولا ليتهاون مع مؤمنيه، وإنما قدّم ذاته قريبًا من مؤمنيه، بل ساكنًا فيهم، لا ليتمّموا أعمال الناموس إنما به يزيد برّهم عن الكتبة والفرّيسيّين، كقوله: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20).

حدّثنا القدّيس أغسطينوس عن طريق لقائه مع الله قائلاً بأنه في غباوة كان يبحث عن الله في الطبيعة وكتب الفلاسفة، خرج خارجًا عن نفسه يطلبه، بينما كان الله في داخله عميقًا أعمق من نفسه وعاليًا أعلى من علوّه. إذن لنطلبه في داخلنا، فنجده يملك على القلب، ويُقيم عرسه فيه!

ثانيًا: التمتّع بقيامة المسيح فينا

"لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع،

وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت،

لأن القلب يؤمن به للبرّ،

والفم يعترف به للخلاص،

لأن الكتاب يقول: كل من يؤمن به لا يخزى" [9-11]

إن كان الإيمان ليس بالأمر الصعب، لكنه كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم يطلب نفسًا متيقظة ساهرة تقبل المسيح الذي قام من الأموات. فكما سبق فقال الرسول أن إبراهيم "على خلاف الرجاء آمن على الرجاء" (رو 4: 18)، هكذا المسيحي يقبل على خلاف الرجاء الطبيعي الحياة المُقامة في المسيح. هذا هو مركز إيماننا!

يلاحظ في هذه العبارة الرسولية الآتي:

أ. اشتراك الفم مع القلب في الإيمان: "إن اعترفت بالرب يسوع، وآمنت بقلبك... خلصت" [9]. فإن كان القلب هنا يُشير إلى الإنسان الداخلي، فإن الفم يُشير إلى الحياة الظاهرة؛ إيماننا في جوهره لقاء النفس الداخليّة مع عريسها لكن دون تجاهل للجسد بكل أعضائه! بمعنى آخر إيماننا يمس أعماقنا الداخليّة وتصرفاتنا الظاهرة. بدون القلب يصير اعترافنا الظاهري لغوًا وتعصبًا وشكليّات، وبدون الحياة العاملة والاعتراف الظاهر لا ننعم بهذه المكافأة: "كل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات" (مت 10: 32).

+ ينبع هذا الاعتراف عن جذور القلب. أحيانًا تسمع إنسانًا يعترف (بالمسيح) لكنك لا تدرك إن كان مؤمنًا أو غير مؤمن يجب ألا تدعو أحدًا أنه يعترف (بالمسيح) أن كان غير مؤمنٍ (بقلبه)، لأن من يعترف هكذا إنما ينطق بغير ما في قلبه.

القدّيس أغسطينوس

ليتنا نؤمن بربنا يسوع بكل قلبنا، فيملك كربٍ، ويخلص أعماقنا من كل ظلمة، متجاوبين مع مخلصنا بحياتنا المقدّسة فيه، فنعترف به بشفاهنا.

يرى القدّيس أمبروسيوس الاعتراف بالفم يمثل إحدى القبلات التي يقدّمها المؤمن لعريسه السيد المسيح حين يناجيه، قائلاً: "ليقبلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر" (نش 1: 2). فإن كان عريسنا لا يكف عن أن يقبّلنا بقبلات الحب العملي الباذل، يليق بنا أن نرد القبلات بالقبلات، والحب بالحب، لنوجد فيه محبوبين ومقدّسين.

ويرى القدّيس أمبروسيوس أيضًا في الاعتراف بالفم والإيمان بالقلب أشبه بالبوقين الذين من الفضة (عد 10: 2): [بهذين البوقين يبلغ الإنسان الأرض المقدّسة، أي نعمة القيامة. دعهما يصوتان لك كي تسمع صوت الله، فتحثك منطوقات الأنبياء والملائكة على الدوام وتسرع بك إلى العلويات].

ب. الاعتراف بالفم بربنا يسوع المسيح لا يعني مجرّد شهادة الشفتين له، وإنما تعني إبراز الحياة المقدّسة لا لمجد الإنسان، وإنما لمجد الله نفسه، إذ يقول السيد المسيح: "فليضيء نوركم قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 16). وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [الذين يرغبون في إظهار أعمالهم الحسنة للناس ليمجدوا ذاك الذي أخذوا منه هذه الأعمال الظاهرة فيهم فيتمثلون بهم بالإيمان، بالحق يضيء نورهم أمام الناس، لأن منهم تنبعث أشعة نور المحبّة... لاحظوا الرسول أيضًا عندما يقول: "كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء" (1 كو 10: 33)، فإنه لم يقف عند هذا كما لو كان إرضاءه للناس هو هدفه النهائي، وإلا فباطلاً يقول: "لو كنت بعد أرضى الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل 1: 10)، بل أردف في الحال مظهرًا سبب إرضائه الناس، قائلاً: "غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 33). فهو لا يرضي الناس لنفعه الخاص وإلا فلا يكون عبدًا للمسيح، بل يرضي الناس لأجل خلاصهم حتى يكون رسولاً أمينًا للمسيح].

ج. "لأن الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى" [11]. اقتطف الرسول بولس ذلك عن سفر إشعياء (28: 16 الترجمة السبعينية)، ليؤكّد أمرين، الأول أنه بأعمال الناموس يمكن للإنسان أن يخزى، إذ يعجز عن التمتّع بالبرّ، أمّا بالإيمان الحيّ فلن يخزى. الأمر الثاني أنه لم يحدد فئة معيّنة بل قال: "كل من يؤمن به"، مؤكدًا عمومية الخلاص بلا تمييز بين يهودي وأممي.

3. رفضهم حب الله الشامل

إذ سبق أن كشف الرسول عن سرّ جحود اليهود: رفضهم الإيمان البسيط القريب، جاء بعبارة نبوية مقتبسة من إشعياء النبي (28: 16) نعلن أن "كل" من يؤمن به لا يخزى. كما يقتبس من يوئيل العبارة "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (يوئيل 2: 28-29). العبارة التي اقتبسها الرسول بطرس في عظة يوم الخمسين (أع 2: 21).

هكذا لا يتوقف الرسول بولس عن تأكيد انفتاح باب الإيمان لجميع الأمم، "لأن الله، هو رب الكل" (أع10: 36) كما قال القدّيس بطرس في بيت كرنيليوس.

"لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني،

لأن ربًا واحدًا للجميع،

غنيًا لجميع الذين يدعون به،

لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص" [12-13].

4. رفضهم الالتزام بالكرازة

يدخل القدّيس بولس الرسول بهم إلى اتهام جديد، ألا وهو تجاهلهم الدور الرئيسي الذي كان يجب أن يقوموا به كشعب الله المختار: الكرازة بالمسيّا الذي شهد له العهد القديم برموزه ونبوّاته. بمعنى آخر كان يليق بهم عِوض الدخول في مناقشات غبيّة بتشامخٍ وكبرياءٍ ضد الأمم أن يكونوا هم الكارزين لهم بالإيمان. هذا ما قصده الرسول بقوله: "فكيف يدعون بمن لا يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟ وكيف يكرزون أن لم يُرسلوا؟ كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات..." [14-15].

يقدّم لنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم تحليلاً رائعًا لهذا النص الرسولي، إذ يقول بأن الرسول يجرّدهم من كل عذر، فبعدما قال أن لهم غيرة لله لكن ليس حسب المعرفة، بدأ عن طريق الأسئلة يوضّح أنه كان يحب أن يكونوا أول المؤمنين بالسيد المسيح، لأنه قد أُرسل لهم الأنبياء ككارزين لهم به خلال النبوّات، لكنهم سدوا آذانهم ورفضوا الإيمان. فإن كان الخلاص يتطلب الدعوة باسمه كقول يوئيل النبي: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (رو 10: 13؛ يوئيل 2: 28-29)، فالدعوة باسمه تستلزم الإيمان به، والإيمان يتطلب السماع عنه، والسماع لا يتحقّق إلا بالكارزين، والكارزون لا يبشِّروا ما لم يُرسلوا. وقد أُرسل لهم الكارزون فعلاً وكرزّوا قبل مجيئه بأجيال كثيرة كقول إشعياء الذي أعلن عن رسالة الكارزين المبشرين بالسلام (إش 52: 7)، ومع هذا فقد رفض اليهود الإيمان، فهم بلا عذر.

كان يليق باليهود أن يسبقوا الأمم في قبول الإيمان بالمسيّا المخلص ليقوموا بدور الكارزين، مكمِّلين رسالة أنبيائهم، عِوض مقاومتهم للإيمان. هكذا يظهر الرسول أن دينونتهم مضاعفة.

على أي الأحوال حتى هذا الرفض للإيمان تنبأ عنه إشعياء، إذ يقول الرسول: "لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل، لأن إشعياء يقول: يا رب من صدّق خبّرنا؟ إذًا الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله، لكنني أقول: ألعلّهم لم يسمعوا؟ بلى إلى جميع الأرض خرج صوتهم، وإلى أقاصي المسكونة أقوالهم" [16-18].

لقد سبق فأنبأ إشعياء أنه ليس الجميع يطيعون الإنجيل، إذ يرفض كثير من اليهود خبر التبشير الذي سبق فأعلنه النبي نفسه (إش 53: 1). هو قدّم الخبر ليؤمنوا بالإنجيل، لكنهم لم يسمعوا، مع أن الأمم الذين في أقاصي المسكونة سمعوا وآمنوا، وهكذا صاروا شهودًا على اليهود.

اقتبس الرسول جزءًا من المزمور 19 حيث ينشد المرتّل: "السماوات تحدّث بمجد الله، والفَلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يذيع كلامًا، وليل إلى ليل يبدي علمًا، لا قول ولا كلام لا يسمع صوتهم، في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم". يُعلن المرتّل في هذا المزمور أن الشهادة عن الله عامة والكرازة بأعماله مقدّمة لكل البشريّة خلال الطبيعة عينها (السماوات والفلك) وخلال كرازة الكارزين التي تبلغ أقصى المسكونة، وكأن المرتّل قد شاهد بروح النبوّة خدمة الرسل التي اتّسعت لتضم الشعوب والأمم من مشارق الشمس إلى مغاربها.

5. شهادة الأنبياء عن جحودهم

أعلن الرسول عن سرّ جحود اليهود برّ الله وعدم إدراكهم غاية الناموس، ورفضهم الإيمان البسيط القريب إليهم، وضيق قلبهم الذي لا يقبل حب الله الجامع لكل البشريّة، ونسيانهم رسالتهم ككارزين بالمسيّا المخلص للعالم. الآن يقدّم لهم الرسول شهادة أعظم تبيّن جحودهم، هما موسى وإشعياء:

"لكني أقول: ألعلّ إسرائيل لم يعلم؟

أولاً: موسى يقول أنا أُغيرَكم بما ليس أمة،

بأمّة غبيّة أغيظكم (تث 32: 21)؛

ثم إشعياء يتجاسر ويقول: "وُجدت من الذين لم يطلبوني،

وصرت ظاهرًا للذين لم يسألوا عني (إش 65: 1)؛

أما من جهة إسرائيل فيقول:

"طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" (إش 65: 2) [19-21].

يلاحظ في هذه العبارات الرسولية والمقتبسة من أقوال موسى وإشعياء النبيّين الآتي:

أولاً: يتساءل الرسول بولس: "ألعلّ إسرائيل لم يسمع؟" وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه يقصد: هل سمع إسرائيل ولم يفهم؟ إن كان الأمم الوثنيّون سمعوا وأدركوا الإيمان، فكم بالأحرى كان يليق باليهود الذين [أعطاهم الله منذ القدم كل العلامات التي تستهدف نحو إزالة الغشاوة عن عيونهم.]

ثانيًا: اقتبس الرسول العبارة الموسويّة (تث 32: 21): "هم أغاروني بما ليس إلهًا، أغاظوني بأباطيلهم، فأنا أُغيرهم بما ليس شعبًا، بأمّة غبيّة أغيظهم". وكأن الله قبل الأمم الوثنيّة كشعبٍ له خلال الإيمان ليُثير أيضًا مشاعر اليهود لعلهم يرجعون عن جحودهم ويتوبون إلى الله، وهكذا لم يغلق الرب الباب في وجه أحدٍ.

ثالثًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في العبارة "طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" إشارة إلى العهد القديم بأكمله حيث بسط الرب يديه خلال نداء الأنبياء المستمر، وإعلانه عن حُبّه لهم رغم عنادهم ومقاومتهم. إنه أب يبسط يديه نحو شعبه، كما نحو طفله الصغير الذي يرفض أحضان أبيه المتّسعة له بالحب. ويرى القدّيس يوستين في هذا القول النبوي (إش 65: 2) إشارة إلى الصليب حيث بسط الرب يديه عند موته ليحتضن الكل.

+      +      +

الأبركسيس من أعمال 3 : 1 – 16

1 و صعد بطرس و يوحنا معا الى الهيكل في ساعة الصلاة التاسعة
2 و كان رجل اعرج من بطن امه يحمل كانوا يضعونه كل يوم عند باب الهيكل الذي يقال له الجميل ليسال صدقة من الذين يدخلون الهيكل
3 فهذا لما راى بطرس و يوحنا مزمعين ان يدخلا الهيكل سال لياخذ صدقة
4 فتفرس فيه بطرس مع يوحنا و قال انظر الينا
5 فلاحظهما منتظرا ان ياخذ منهما شيئا
6 فقال بطرس ليس لي فضة و لا ذهب و لكن الذي لي فاياه اعطيك باسم يسوع المسيح الناصري قم و امش
7 و امسكه بيده اليمنى و اقامه ففي الحال تشددت رجلاه و كعباه
8 فوثب و وقف و صار يمشي و دخل معهما الى الهيكل و هو يمشي و يطفر و يسبح الله
9 و ابصره جميع الشعب و هو يمشي و يسبح الله
10 و عرفوه انه هو الذي كان يجلس لاجل الصدقة على باب الهيكل الجميل فامتلاوا دهشة و حيرة مما حدث له
11 و بينما كان الرجل الاعرج الذي شفي متمسكا ببطرس و يوحنا تراكض اليهم جميع الشعب الى الرواق الذي يقال له رواق سليمان و هم مندهشون
12 فلما راى بطرس ذلك اجاب الشعب ايها الرجال الاسرائيليون ما بالكم تتعجبون من هذا و لماذا تشخصون الينا كاننا بقوتنا او تقوانا قد جعلنا هذا يمشي
13 ان اله ابراهيم و اسحق و يعقوب اله ابائنا مجد فتاه يسوع الذي اسلمتموه انتم و انكرتموه امام وجه بيلاطس و هو حاكم باطلاقه
14 و لكن انتم انكرتم القدوس البار و طلبتم ان يوهب لكم رجل قاتل
15 و رئيس الحياة قتلتموه الذي اقامه الله من الاموات و نحن شهود لذلك
16 و بالايمان باسمه شدد اسمه هذا الذي تنظرونه و تعرفونه و الايمان الذي بواسطته اعطاه هذه الصحة امام جميعكم

شفاء كسيح

كنز الكنيسة: اسم يسوع المسيح

في الاصحاحين السابقين رأينا كيف أعد السيد المسيح الكنيسة لكي تنطلق للعمل لحساب ملكوت الله. ففي الأصحاح الأول أوضح أن رأسها سماوي (الصعود) فيليق بها أن تكون سماوية، وفي الأصحاح الثاني رأينا قائدها هو الروح القدس الناري لكي تلتهب بالحب الناري. الآن يبدأ العمل في أورشليم كوصية السيد المسيح، فيقدم لنا القديس لوقا حقيقة إنجيلية هامة وهي أن كنز الكنيسة هو اسم يسوع المسيح.

 

1. شفاء الأعرج باسم يسوع الناصري

"كانت عجائب وآيات كثيرة تُجرى على أيدي الرسل" (أع ٢: ٤٣). لم تتم العجائب والمعجزات بطريقة عشوائية، ولا لاستعراض إمكانيات الرسل، وإنما كانت هادفة نحو جذب كل نفسٍ للتمتع بأعظم أعجوبة؛ حب الله الفائق المُعلن على الصليب. ولم يسرد لنا سفر الأعمال إلاَّ أمثلة قليلة هادفة عبر كل الأجيال ليدرك الكل إمكانيات كنيسة الله لملكوت إلهي على الأرض.

"وصعد بطرس ويوحنا معًا إلى الهيكل،

في ساعة الصلاة التاسعة". [1]

كان القديسون بطرس ويعقوب ويوحنا، الجماعة المختارة من الرسل لمرافقة السيد المسيح في كثير من الأحداث، يُحسبون أعمدة (غل 2: 9). وحدهم رافقوا السيد المسيح في تجليه (مر 9: 20)، وكانوا أقرب من غيرهم في بستان جثسيماني (مر 14: 33).

مع اختلاف طبع القديس بطرس عن القديس يوحنا لكنهما ارتبطا بعلاقة صداقة عجيبة. كان الأول يتسم بالغيرة والاندفاع، والثاني بالهدوء والحب. أنكر الأول السيد المسيح ثلاث مرات أثناء محاكمته، بينما رافق الثاني السيد حتى الصليب. ومع هذا نجد السيد يختارهما كرفيقين يُعدان له الفصح (لو 22: 8). هذا وواضح من سفر الأعمال أن التصاقهما ببعضهما البعض تزايد بالأكثر بعد قيامة السيد المسيح وصعوده إلى السماء. وكانا عضوي البعثة التي بعثها الرسل لتسليم أهل السامرة الإيمان والعماد (أع 8: 14). وكانا في صحبة عند زيارتهما لقبر السيد المسيح (يو 20: 2).

كان لكل من القديسين بطرس ويوحنا أخ من بين التلاميذ، ومع هذا فإن ارتباطهما معًا أقوى بكثير من ارتباط كل منهما بأخيه حسب الجسد. هكذا كثيرًا ما تكون الصداقة في المسيح يسوع وفي العمل الروحي أقوى من الرباط الدموي.

+ لا يوجد علاج مؤثر لشفاء الأوجاع مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك.

+ بحق ليكن لك صديق يُدعى "نصف نفسي".

+ لا توجد صداقة حقيقيّة ما لم تجعلها كوصلة تلحم النفوس، فتلتصق معًا بالحب المنسكب في قلوبنا بالروح القدس.

القدّيس أغسطينوس

+ بين هذه الأنواع جميعها يوجد نوع واحد من الحب لا ينحل، حيث يقوم فيه الاتحاد لا على التعارف أو بغية نوال شفقة أو ربح أو بسبب نوع من العلاقات التجارية أو بحكم ضرورة الطبيعة، إنما ببساطة لأجل التشابه في الفضيلة. هذا الحب، أقول، لا تهزه الظروف، ولا يؤثر فيه أو يفسده عامل الزمن أو المكان، بل ولا يقدر الموت أن ينزعه. هذا هو الحب الحقيقي الذي لا ينكسر، والذي لا تنفصم رباطاته بسبب اختلاف الميول أو أي اضطراب من جهة الرغبات المتضاربة.

الأب يوسف

"وصعد بطرس ويوحنا معًا إلى الهيكل"، فقد كان بناء الهيكل مرتفعًا قليلاً عن بقية المدينة، لذلك قيل: "صعد". قد سبق فرأينا التزام التلاميذ والرسل بالعبادة بانتظام في الهيكل (أع ٢: ٤٦).

"في ساعة الصلاة التاسعة": كان اليهود يمارسون ثلاثة سواعي للصلاة: الثالثة والسادسة والتاسعة. يقول داود النبي: "مساءً وصباحًا وظهرًا أشكو وأنوح، فيسمع صوتي" (مز ٥٥: ١٧). وقد التزم دانيال بهذا في أرض السبي (دا 6: 10). وقد ظلت الكنيسة الأولى محافظة على كل طقوس العبادة اليهودية والاشتراك في الصلوات في الهيكل في المواعيد المحددة، ولكن بفكرٍ مسيحيٍ جديدٍ ومفاهيمٍ جديدةٍ.

+ وقت الساعة التاسعة، فنصلي كالرسل... وهو وقت تسليم الرب (روحه) على الصليب.

القديس باسيليوس الكبير

"وكان رجل أعرج من بطن أمه يُحمل،

كانوا يضعونه كل يوم عند باب الهيكل،

الذي يُقال له الجميل،

ليسأل صدقة من الذين يدخلون الهيكل ". [2]

قصة شفاء أعرج من بطن أمه هي معجزة من بين كثير من المعجزات التي وهبها الروح القدس للرسل ليتمموها باسم يسوع المصلوب، لكن الروح اختارها لتحمل معنى خاصًا.

تمت المعجزة على أيدي بطرس ويوحنا، في هذه القصة المختصرة يتكرر اسمي الرسولين ثلاث مرات لتأكيد أن الاسمين يحملان معنى رمزيًا يمس حياة الكنيسة وحياة كل مؤمن صادق يود التمتع بعمل الروح القدس في أعماقه. الأول يمثل الإيمان حيث كلمة بطرس معناها "صخرة"، ويوحنا يمثل الحب الذي به نتعرف على الرب ونراه، إذ وحده بين التلاميذ عرفه عند بحر طبرية، وقال لبطرس: "هو الرب" (يو 21: 7). وكأن عمل الروح يتجلى في الكنيسة خلال الإيمان العامل بالمحبة.

كان الشخص أعرج من بطن أمه، وكأن عمل الروح هنا أشبه بالخلق، فهو يجدد الطبيعة البشرية، ويهبنا "خلقة جديدة" قادرة على السير في الطريق، أي في المسيح، لنعبر إلى حضن الآب. أما الإشارة إلى أنه أعرج من بطن أمه، ففيه تأكيد أن المعجزة ليس فيها أي نوع من الخداع، فهو أعرج منذ ولادته، ويُحمل إلى الهيكل، ويعرفه كل سكان أورشليم.

كان الأعرج يُحمل ويُوضع عند باب الهيكل، الذي يُقال له الجميل، يطلب صدقة. فهو عاجز عن الحركة، يحتاج إلى من يحمله؛ وُضع خارجًا في فقرٍ يستعطي.

باب الجميل: هو الباب الرئيسي المؤدي إلى رواق النساء ورواق إسرائيل ورواق الكهنة، فيعبر به كل الشعب اليهودي من رجال ونساء وشيوخ وأطفال، كما يعبر به الكهنة واللاويون، فالشهادة للسيد المسيح موجهة لكل الداخلين إلى الهيكل لممارسة صلاة الساعة التاسعة، بلا تمييز بينهم. يرى د. لايتفوت Lightfoot أن باب الجميل هو الباب المؤدي من دار الأمم إلى دار اليهود، بهذا يلتقي به اليهود سواء كانوا من الرجال أو النساء دون الأمم، إذ كان يترفع عن أن يمد يده ليأخذ عطاء من أممي.

باب الجميل هو مدخل الهيكل مسكن الله. جمال الهيكل لا يعيبه وجود أعرج فقير يستعطي، فإن الحب الذي يقدمه المصلون وروح العطاء هو جزء لا يتجزأ من جمال بيت الله.

+ ليكن في كل أسرة موضع يختفي المسيح فيه في أشخاص الجائعين والعطشى الغرباء.

+ ليس شيء يجعلنا هكذا مقرّبين من اللَّه وعلى شبهه مثل هذا العمل الحسن!

+ تُصعد الرحمة الإنسان إلى علوٍ شامخٍ وتعطيه دالة بليغة عند اللَّه.

فكما أن الملكة متى أرادت الدخول إلى موضع الملك لا يجسر أحد من رجال البلاط أن يمنعها أو يسألها عن المكان الذي تريد الذهاب إليه، بل جميعهم يستقبلونها بابتهاج، هكذا من يصنع الرحمة والصدقة يمتثل أمام عرش الملك بدون عائق، لأن الإله يحب الرحمة حبًا شديدًا، وهي تبقى بالقرب منه، لذلك قال الكتاب: "قامت الملكة عن يمينك". ذلك، لأن الرحمة مفضّلة عند الإله، إذ جعلته يصير إنسانًا لأجل خلاصنا.

القدّيس يوحنا ذهبي الفم

+ أعطِ المساكين، وهلمّ بدالّة قدّم صلواتك، أي تحدّث مع الإله كما يتحدّث الابن مع أبيه، فليس شيء يقدر على دنو القلب إلى الباري مثل الرحمة.

مار اسحق السرياني

+ القدّيسون الذين يقطنون الأرض يقطنون السماء بقلوبهم بالرغم من أنهم يسيرون على الأرض بأجسادهم. فليس باطلاً تنبيههم: "ارفعوا قلوبكم"، فيجيبون أنهم قد رفعوها. لم يقل باطلاً: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين اللََّه"، اهتموا بما فوق لا بما على الأرض. فبقدر اختلاطهم بالسماويّات يحملون اللََّه، ويكونون سماءً، لأنهم كرسي اللََّه: وعندما يعلنون كلام اللََّه، فإن "السماوات تحدث بمجد اللََّه".

القديس أغسطينوس

"فهذا لمّا رأى بطرس ويوحنا مزمعين أن يدخلا الهيكل،

سأل ليأخذ صدقة". [3]

غالبًا لم يكن الأعرج يعرف الرسولين بصفتهما الشخصية، لكن الرسولين حتمًا كانا ينظرانه كلما دخل قبلاً إلى الهيكل للعبادة.

"فتفرس فيه بطرس مع يوحنا وقال:

أنظر إلينا". [4]

عادة يتطلع طالب الإحسان إلى القادمين يستعطفهم لينال منهم شيئًا، أما أن يقف الرجلان يتفرسان فيه، فهذا ما لم يتوقعه قط: ماذا يطلبان منه؟ هل يريدان أن يسألاه شيئًا أو يوبخانه، والكل يعلم عجزه عن العمل منذ ولادته؟

لقد تفرس فيه الرسولان قبل صنع المعجزة؛ كما يتطلع إلينا الله بعيني الحنو والاهتمام الشخصي. هكذا الحب يسبق العطاء. قدما حبهما واهتمامهما به قبل اعطائه الشفاء باسم يسوع المسيح الناصري. إنهما لم يفعلا مثل كثيرين يقدمون بأيديهم العطاء أما قلوبهم فمنصرفة عن المحتاجين.

والعجيب أن الاثنين تفرسا فيه دون سابق اتفاق، فإن الروح الواحد عمل فيهما ليتطلعا إليه بقلبيهما كما بأعينهما.

قال بطرس: "انظر إلينا"، فقد اشتاق أن يتطلع الأعرج فيرى فيهما شخص السيد المسيح الساكن فيهما والعامل بروحه فيهما وبهما.

+ إن أعطيت شيئًا لمحتاجٍ، ليسبق وجهك البشوش عطيتك، مع كلمات رقيقة، ومساندة لآلامه.

إن فعلت هذا فإن السرور الذي يشعر به في ذهنه بعطيتك يكون أعظم من احتياج جسده.

القديس مار اسحق السرياني

"فلاحظهما، منتظرًا أن يأخذ منهما شيئًا". [5]

"فقال بطرس:

ليس لي فضة ولا ذهب،

ولكن الذي لي، فإيّاه أُعطيك،

باسم يسوع المسيح الناصري قم وامشِ". [6]

تفرس بطرس ويوحنا في الأعرج، وطلب بطرس منه أن ينظر إليهما. هكذا تلاقت النظرات معًا، ليحمل هذا تلاقٍ داخلي لحساب ملكوت الله. فالرسولان وقد حملا روح الأبوة بعمل الروح القدس يشاركان الله تطلعه نحو كل نفسٍ عاجزةٍ ومحتاجة، يتطلعان بروح الحق الفائق والحنو، لكن ليس بروح العجز واليأس، وإنما بروح القوة خلال إمكانيات الروح القدس.

حقًا ما أحوج الكنيسة إلى نظرات رعاة قلوبهم مثل قلب الله الكلي الحب والحنو في أبوةٍ صادقةٍ مع حكمة وقدرة،‍لقد اختبر ذلك في القديم ارميا النبي الذي في حنوه كان يصرخ : "أحشائي، أحشائي، توجعني جدران قلبي، يئن فيَّ قلبي. لا أستطيع السكوت" (إر 4: 19). وفي شوقه لخلاص اخوته كان يصرخ: "أليس بلسان في جلعاد؟ أم ليس هناك طبيب؟ فلماذا لم تُعصب بنت شعبي؟" (إر 8: 22)

إذ تطلع الأعرج إليهما منتظرًا أن ينال صدقة أخبره بطرس عن إفلاسهما من مقتنيات العالم، لكن ما ورثاه هو اسم يسوع المسيح الناصري، وهو أفضل لهما وله، قادر أن يهبه الشفاء، فيقوم كما من الموت، ويمشى كما في طريق ملوكي. وكما يقول المرتل: "أرسل كلمته فشفاهم" (مز ١٠٧: ٢٠).

تحرك قلب بطرس بالإيمان الحي باسم يسوع المسيح طبيب النفوس والأجساد، وصِدق وعده الإلهي: "إن سألتم شيئًا باسمي فإني أفعله" (يو 14: 14).

لقد جاء البلسان (الإيمان بالسيد المسيح)، ونزل إلينا طبيب النفوس والأجساد، لكن مجمع السنهدرين رفضه، أما البسطاء مثل القديس بطرس فقبلوه، وقدموه شفاءً لكل العالم ليصيروا بالحق ابنة صهيون الجديدة، شعب الله الحقيقي. يرى القديس أمبروسيوس أن الرسول بطرس قدم هذا البلسم فشُفى الأعرج (أع 3: 1-11)، وقدمه للمفلوج إينياس (أع 9: 34) فأقامه من سرير مرضه، كما قدمه عندما أقام طابيثا من الموت (أع 9: 40).

+ من يرغب أن يقتني الحكمة يقول: "ليس ليّ فضة أو ذهب، ولكن الذي لي إياه أعطيك، باسم يسوع الناصري قم وامشِ". إذ لم يكن يملك فضة اقتنى عطية عمل المحبة في اسم المسيح. لذلك يُقال لكم أيضًا: "اسحبوا الحكمة إلى الأماكن الداخلية" (راجع أي 28: 18)، "إنها محجوبة عن عيني كل حي، ومتوارية عن طير السماء" (أي 28:21 الطبعة الكاثوليكية، دار المشرق ببيروت). لا يعرف البشر أين كانت، ولا الملائكة، لأنهم طيور السماء، الذين قيل عنهم: "رأيت ملاكًا طائرًا في وسط السماء" (رؤ 14: 6).

+ ليس باسمه الخاص به بل باسم المسيح. لكن كلمة "قم" هي أمر... حالة من يثق في حقه، وليس حال من هو في عجرفة بسلطانٍ ما.

القديس أمبروسيوس

+ "خلصني يا الله باسمك" (مز 54: 1). يقول إن استدعاء اسمك كفيل لسلامي. بنفس الطريقة تمم الرسل الإلهيون العجائب العظيمة؛ يقول الكتاب: "باسم يسوع المسيح قمْ وأمشِ" (أع 3: 6).

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

+ أما الآن فكثيرون، وإن كانوا لا يقولون بالكلمات، إنما يقولون بالأعمال: "ليس لي إيمان ولا تقوى، وإنما الذي لي فهو فضة وذهب، هذه لا أعطيها لك".

+ الآن يقدس ربنا بفقره فقر بيته. لذلك فلنفكر في صليبه، ونحسب الغنى ليس إلا تراب. لماذا نعجب بما يدعوه المسيح "مال الظلم" (لو 16: 9)؟ لماذا نحب ونبحث عما يفتخر بطرس أنه لا يملكه؟

+ لم يتثقل الرسل بثقل الغنى. لهذا استطاعوا أن يقفوا مثل إيليا عند شق الصخرة (1 مل 19: 11-13) وأن يعبروا خلال ثقب الإبرة، وأن يروا مجد الرب من خلف.

القديس جيروم

بلا شك وضعت ثروات كثيرة عند أقدام بطرس ويوحنا كما عند أقدام سائر الرسل، لكن لم يكن هذا يشغل أذهانهم، بل تركوا كل أحدٍ يأخذ ما يريده. لم يحمل الرسولان نصيبًا من هذه الأموال لتقديمها للفقراء في الطريق أو عند مدخل الهيكل، إنما حملا رب العالم كله ليهب بواسطتهما بفيضٍ ما هو أعظم من الفضة والذهب.

في دراستنا في إنجيل يوحنا كان تلقيب يسوع المسيح بالناصري فيه نوع من السخرية والاستخفاف، لكن الرسول يستخدم ذات اللقب ليعلن أن ما يحسبه العالم عارًا يحمل مجدًا إلهيًا فائقًا. هذا وقد ارتبط هذا اللقب بالصليب (يو ١٩: ١٩).

ولعل وضع اليد أو مدها للعمل يشير إلى حنو الله وحبه العجيب للإنسان، فإن كان يعمل بنعمته المجانية إلاّ أنه يقدمها خلال الذراع البشري. إنه لا يستخف بأيدينا، مع أننا عاجزون تمامًا عن العمل، وكل ما يتم خلالها إنما هو هبة مجانية من قبل الله.

إن كانت العطية المقدمة للأعرج هي هبة مجانية من الله لا فضل لأحدٍ فيها، لكن بطرس يعلن شوقه للعمل ومساعدة الأعرج.

+ لم يقل: "ليس معي الآن"، كما اعتدنا نحن أن نقول، بل بطريقة مطلقة قال: "ليس لي".

+ إن كان لأحد فضة وذهب لا يكون له تلك العطايا الأخرى. تقول لماذا إذن يوجد من ليس لهم لا هذا ولا ذاك؟ لأنهم ليسوا فقراء اختياريًا، أما الذين صاروا فقراء باختيارهم فلديهم كل الأمور الصالحة. إنهم وإن كانوا لا يقيموا موتى ولا يشفوا عرج، إلا أن لديهم ما هو اعظم من الكل، لهم ثقة فى الله. إنهم سيسمعون في ذلك اليوم الصوت الطوباوي: "تعالوا يا مباركي أبى". أي شيء يمكن أن يكون أفضل من هذا؟ "رثوا الملكوت المعد لهم منذ إنشاء العالم، لأني جعت فأطعمتموني..." (مت 25: 34-35). لنهرب إذن من الطمع، فننال ملكوت السماوات. لنطعم الفقراء، فنطعم المسيح، ونصير شركاء في الميراث في المسيح يسوع ربنا...

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لم يُشفَ المجمع اليهودي؛ لأن ذلك البلسم عبر إلى الكنيسة (إر 8: 22). لهذا أتى التجار من جلعاد (قابل تك 25:37)، أيضًا من امتلاكهم أو سكناهم في الناموس، وأحضروا سلعهم إلى الكنيسة. ليشفي ذلك البلسم خطايا الأمم، الذين قيل عنهم: "تشدَّدي أيتها الأيادي المسترخية، وتثبتي أيتها الركب المرتعشةَ!" (إش 3:35). والبلسم هو الإيمان النقي (غير الفاسد). مثلُ الإيمان الذي أظهره بطرس، حين قال للأعرج: "باسم يسوع المسيح الناصري قم وأمشِ!" (أع 6:3، قابل أع 1:3-11)، فقام ومشى حقًا كان لبطرس. نفس الإيمان حين قال للمفلوج: "يا إينياس يشفيك يسوعُ المسيحُ. قم وأفرِشْ لنفسك!" (أع 40:9) فقام وأعَّد فراشه. وكان له نفسُ الإيمان حينما قال للمرأة الميتة: "قومي باسم ربنا يسوع المسيح" (أع 40:9). وقامت الميتة!... بالدواءٍ المصنوعِ من هذا البلسم شُفى الأعرجُ، واستقام المشلولُ، وقامت الميتةُ حّيًة.

+ لنشتري القوت الذي به يمكننا أن نتجنب المجاعة. لا يرجع أحد بسبب فقره. لا يخف أحد لأن ليس لديه مال، فإن المسيح لا يسأل مالاً، بل يطلب إيمانًا، الذي هو أعظم من المال. بالحق إذ لم يكن لدى بطرس مالاً اقتناه (المسيح)... ويقول النبي إشعياء: "أيها العطاش جميعًا هلموا إلى المياه، والذي ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا، هلموا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن خمرًا " (إش 55: 1). لأن الذي دفع دمه ثمنًا لنا، لا يطلب ثمنًا منا، إذ لم يخلصنا بذهبٍ وفضةٍ بل بدمه الكريم (1 بط 1: 18-19).

القديس أمبروسيوس

"وأمسكه بيده اليمنى وأقامه،

ففي الحال تشددت رجلاه وكعباه". [7]

أمسكه القديس بطرس بيده اليمنى، التي تشير إلى القوة التي صارت له في المسيح يسوع. وفي إقامته لطابيثا: "ناولها يده وأقامها" (أع 9: 41). وفي إتمام كثير من الأسرار الكنسية يمد الأسقف أو الكاهن يده ليعلن مدْ السيد المسيح يمين قوته ليهب نعمةً خاصة. ففي سيامة الكاهن يضع الأسقف يده على رأس المرشح للكهنوت، وفي نوال الحل في سرّ الاعتراف يضع الكاهن يده على رأس المعترف، وفي سرّ الزواج يضع الكاهن يديه على رأسي العروسين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس بطرس لم يقدم استعراضًا بما يفعله، إذ لم يطلب لنفسه كرامة، فقد شفاه عند مدخل الهيكل حيث لم يكن يقف أحد، بل كان الجمهور داخل الهيكل.

لم يسأله الرسول: أتؤمن أنك باسم يسوع تُشفي؟ لأن هذا الأعرج غالبًا ما كان والداه غير مؤمنين بيسوع المسيح، لهذا لم يحملاه إليه، ولا قدماه للتلاميذ. وغالبًا لم يكن للأعرج صديق يروي له ما فعله يسوع قبل صلبه، ولا ما فعله التلاميذ، لهذا لم يطلب منه أن يؤمن كشرطٍ لشفائه.

"فوثب ووقف وصار يمشي،

ودخل معهما إلى الهيكل،

وهو يمشي ويطفُر ويسبح اللَّه". [8]

لم يعد بعد محتاجًا إلى من يحمله، فقد حملته الأذرع الأبدية، ولا من يتكئ عليه فقد أقامه الرب ليحيا بروح القيامة وبهجتها!

معروف أن المشي عند الإنسان يحتاج إلى فترة تدريب طويلة، سواء بالنسبة للطفل بعد ولادته، أو بالنسبة للذين أصيبوا بمرض أو حادَث عاقهم عن المشي لمدة طويلة، فإنه لا يمكن أن يسيروا بعد شفائهم مباشرة. أما هذا ففي لحظات وقف وصار يمشي. لم يتمتع الأعرج بالشفاء فحسب، وإنما نال قوة فائقة، صار يعَّبر عنها بسرعة الحركة والانتفاضة من حالة العجز التي كان عليها. وكما قيل: "يعطي المعيي قدرة" (إش 40: 29)، "حينئذ يقفز الأعرج كالآيل، ويترنم لسان الأخرس" (إش 35: 6).

إنه منظر مبهج ملأ الحاضرين رهبة وعجبًا وبهجة. يرون الأعرج يثب متهللاً، ويمشى ويطفر.

لم يكن ممكنًا للأعرج أن يكتم مشاعره، فقد وثب كمن لا يريد أن يعيش في حالة العجز الكامل التي تقترب إلى الموت. إنه لأول مرة يتحرك بقدميه، فيقدم بكور هذه الحركة لحساب الله، فيدخل إلى الهيكل، يقدم ذبيحة الشكر والتسبيح للطبيب السماوي.

+ إنه لأمر عجيب أنه آمن هكذا سريعًا، فإن الذين شفوا من أمراض مزمنة بصعوبة يصدقون حتى أعينهم. ما أن شُفي حتى التصق بالرسولين، شاكرًا الله... لاحظوا كيف أنه لم يسترح، ملتهبًا بالبهجة، مبكمًا أفواه اليهود.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأبصره جميع الشعب وهو يمشي ويسبح اللَّه". [9]

تحركت قدما النفس إذ شُفيتا، فسار في طريق الخلاص، يسبح الله ويمجده على أعمال محبته. لم نسمع عنه أنه قدم شكرًا للرسولين، ولا وقف يمدح عملهما، لكن تسبيحه لله فرّح قلب الرسولين.

"وعرفوه أنه هو الذي كان يجلس لأجل الصدقة على باب الهيكل الجميل،

فامتلأوا دهشة وحيرة مما حدث له". [10]

هذا الذي كان يُحمل ليُوضع عند الباب الرئيسي للهيكل، بالكاد يزحف لمد يده يستجدي إحسان الناس، وقد صار منظره مألوفًًا لكل شعب إسرائيل والكهنة والفريسيين والصدوقيين... الآن يروه يثب متهللاً، يسبح ذاك الذي صلبوه. ‍

صارت دهشة إذ لم يستطيعوا إنكار الحق، وقد سلكوا في الباطل وظنوا إنهم كتموا الحق ودفنوه، إذا بالحق يتجلي، وصارت الشهادة له لا تُقاوم. أصيبوا بدهشة وبحيرة، لا يعرفون ماذا يفعلون، هوذا دم يسوع المسيح يصرخ في القلوب. لم يكن ممكنًا مقاومة هذا العمل الإلهي للأسباب التالية:

+ يعاني الأعرج من هذا المرض منذ ولادته، أي لمدة ٤٠ عامًا (أع ٤: ٢٢).

+ لم يكن الأعرج محتالاً، لأنه كان يُحمل إلى هذا الموضع العام أمام الجميع، وقد عرفه كل شعب أورشليم.

+ لا يمكن أن تكون هناك علاقة بينه وبين الرسولين، لأنه عند شفائه لم ينطق بكلمة شكر أو مديح لهما، بل كان يسبح الله، وإن كان قد صار ملتصقًا بهما لا يريد مفارقتهما.

+ كان الأعرج نفسه مقتنعًا أن ما حدث معه هو من الله.

حديث عن الإيمان باسم يسوع

"وبينما كان الرجل الأعرج الذي شُفي متمسكًا ببطرس ويوحنا،

تراكض إليهم جميع الشعب إلى الرواق،

الذي يقال له رواق سليمان،

وهم مندهشون". [11]

إذ صار الأعرج يسبح متهللاً تراكض الشعب من رواق إسرائيل، وتكدسوا في رواق سليمان الخارجي ليتعرفوا على حقيقة ما حدث. هنا وجد القديس بطرس الفرصة سانحة للكرازة أمام الشعب وعلى مسمع من الكهنة والكتبة وكل القيادات اليهودية. وجد الفرصة سانحة ليتحدث في رواق سليمان عن واهب الحكمة لسليمان، وهو أعظم من سليمان.

رواق سليمان: هو رواق ضخم مُغطي بسقفٍ، يحتل الجانب الشرقي من دار الأمم.

+ بدأ تعليمنا في "رواق سليمان" [11]، الذي هو نفسه علم بأنه يلزمنا أن نطلب الرب في بساطة قلب.

العلامة ترتليان

"فلما رأى بطرس ذلك أجاب الشعب:

أيها الرجال الإسرائيليون،

ما بالكم تتعجبون من هذا؟

ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟" [12]

صار بطرس الرسول يتكلم بكل قوة عن المصلوب القائم من الأموات، ولم يكن ممكنًا للصدوقيين الذين يقولون إنه لا قيامة من الأموات أن يعترضوا، فقد وقف الأعرج من بطن أمه يصدق على كلمات الرسول بالشهادة العملية التي لن يقدر أحد أن ينكرها أو يقاومها.

بدأ الرسول بتأكيد حقيقة خطيرة يسقط فيها كثير من العامة، بل وحتى من القيادات أصحاب المعرفة، حينما يظن الشعب أن ما يفعله قديس ما يمارسه بقوة تقواه أو قداسته، وأحيانا يصدق القادة ما يُقال عنهم، فيتصنعون التواضع، ويتمنعون عن قبول أية كرامة، وبهذه الصورة الخطيرة للتواضع المزيف يسقطون في كبرياءٍ داخلي مدمر.

بكل قوة قال الرسول: "ما بالكم تتعجبون من هذا؟ ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟" [12]

حقًا كان يمكن له أن يعلن أن ما حدث هو بقوة يسوع الناصري، ويقف عند هذا الحد. فيظن كثيرون أنه وإن كان ذلك قد تم بقوة يسوع، لكنه تم على يدي رجلٍ عظيمٍ تقيٍ قديسٍ، أما القديس بطرس فأصر أن لا دور له إلا من حيث قبوله وإيمانه بقوة يسوع الناصري المصلوب.

+ بالحقيقة كانا يزيدان من مجدهما باحتقارهما للمجد (الزمني)، مظهرين أن ما حدث لم يكن بعملٍ بشري، بل هو عمل إلهي، وأنه من جانبهما إذ نظرا المتطلعين إليهما بدهشةٍ لم يتقبلا هذه الدهشة منهم. ألا ترون كيف كان (بطرس) بعيدًا عن كل طمعٍ، وكيف رفض الكرامة المقدمة له؟ بنفس الكيفية سلك الآباء القدامى. كمثال قال دانيال: "أما أنا فلم يكشف لي هذا السرّ لحكمة فيَّ أكثر من كل الأحياء" (دا 2: 3). وأيضا يوسف: "أليست لله التعابير؟!" (تك 40: 8). وأيضا داود: "عندما جاء الأسد والدب باسم الرب مزقتهما بيدي" (راجع 1 صم 17).

+ من هذا نتعلم أمرًا عظيمًا، أعني أن غيرة الإنسان وحدها لا تكفي ما لم يتمتع ببركة المعونة من فوق. مرة أخرى هذه المعونة التي من فوق لا تفيدنا ما لم نكن نحن غيورين... الفضيلة منسوجة من هذين الخيطين. لهذا أحثكم ألا تضعوا كل شيء على الله وأنتم نائمون، ولا تظنوا أن بغيرتكم يصير كل شيء حسنًا، بجهودكم الذاتية. الله لا يريدنا كسالى، ولهذا فلا يفعل كل شيء بنفسه، ولا يريدنا أن نكون فشارين (معجبين بأنفسنا) لذلك لم يعطنا كل شيء. إنه ينزع من الطرفين ما هو ضار ويهبنا ما هو نافع لنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لن ينسب هؤلاء الرجال شيئًا لأنفسهم، بسبب قدرتهم على صنع مثل هذه الأعاجيب، معترفين بأنهم لم يصنعوا هذا عن استحقاقاتهم بل بحنو الرب. رفض الرسل الكرامة البشرية المقدمة لهم بسبب الاندهاش من معجزاتهم قائلين: "ما بالكم تتعجَّبون من هذا، ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوَّتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشى؟!" (أع 12:3). ولم يفكر أحد أن يتمجد من أجل المواهب الإلهية والأعاجيب، بل بالأحرى بثمار الأعمال الصالحة...

لهذا يحذر من وهبهم بنفسه هذا السلطان لصنع المعجزات والأعمال العجيبة بسبب قداستهم ألا ينتفخوا قائلاً: "ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أن أسماءَكم كُتِبَت في السماوات" (لو 20:10).

أخيرًا فإن الرب ينبوع كل المعجزات والأعمال القديرة هو بنفسه عندما دعا تلاميذه أن يتعلموا منه، أظهر لهم بوضوح ما ينبغي عليهم بحق أن يتعلموه بصفة رئيسية: "تعلموا مني"، ليس بصفة رئيسية أن تخرجوا الشياطين بقوة سماوية، ولا أن تطهروا البرص، ولا أن تشفوا العمي، ولا أن تقيموا الموتى، فإنه هذه الأمور أفعلها خلال خدامي، لكن لا يمكن بهذه الأمور أن يكون الإنسان ممدوحًا من اللَّه، ولا يقدر أن يكون بها تلميذًا أو خادمًا له... وإنما يقول: "تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 29:11)، فإن هذا ممكن لدى البشر عامة. إذ يمكنهم أن يتعلموه ويختبروه. أما صنع المعجزات والعلامات، فهذا ليس بضروري على الدوام، ولا هو مفيد للجميع، ولا يُوهب للكل.

التواضع هو سيد كل الفضائل، والأساس الأكيد للبناء السماوي، وعطية المخلص الخاصة السامية. يقدر الإنسان أن يتمم المعجزات التي صنعها السيد المسيح "باسم الرب" من غير خطر السقوط في الكبرياء، حينما يقتفي أثر الرب الوديع، لا في سمو معجزاته، بل في فضيلتي الصبر والتواضع. وأما الذي يهدف إلي أن يأمر الأرواح النجسة أو ينال مواهب الشفاء، أو إظهار بعض المعجزات الباهرة أمام الشعب، فإنه حتى وإن أظهرها تحت اسم المسيح، إلا أنه بعيد عن السيد المسيح، لأنه بكبرياء قلبه لا يتبع معلمه المتواضع.

في عودته إلي الآب، تهيأ ليتحدث بإرادته تاركًا لتلاميذه "وصية جديدة" وهي: "أن تحبُّوا بعضكم بعضًا، كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضًا بعضكم بعضًا"، وللحال أضاف: "بهذا يعرف الجميع إنكم تلاميذي إن كان لكم حبّ بعضًا لبعضٍ" (يو 34:13، 35). إنه لم يقل: "إن كان لكم أن تصنعوا علامات ومعجزات"، بل "إن كان لكم حبّ بعضًا لبعض". هذه الوصية بالتأكيد لا يقدر أن يحفظها إلا الإنسان الوديع والمتواضع.

لذلك فإن آباءنا السابقين لم يُحسبوا رهبان صالحين أو متحررين من خطأ المجد الباطل لأنهم يُخرجون الشياطين، ولا يتباهون بزهو أمام الجماهير المعجبة من النعمة التي نالوها أو ادعوها، وهكذا فإن من يصنع شيئًا من هذه الأمور (العجيبة) في حضورنا، يلزم أن نمدحه ليس إعجابًا بالمعجزات، بل لجمال سيرته، ولا نطلب أن تخضع لنا الشياطين، بل بالأحرى أن نحمل ملامح الحب التي يصفها الرسول.

الأب نسطور

"إن إله إبراهيم واسحق ويعقوب،

إله آبائنا مجَّد فتاه يسوع الذي أسلمتموه أنتم،

وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس،

وهو حاكم بإطلاقه". [13]

في الوقت الذي فيه حوّل الرسول أنظارهم عنه لكي لا يحسبوه تقيًا قديسًا، وجه أنظارهم إلى ذاك الذي سلموه للصلب وأنكروه بينما كان الوالي غريب الجنس يود إطلاقه. إنهم عاندوا إله إبراهيم واسحق ويعقوب الذي مجَّد ابنه الوحيد الجنس، كعادتهم قاوموا إله إسرائيل نفسه.

تعمد الرسول أن يدعو الآب هنا "إله إبراهيم واسحق ويعقوب" ليؤكد لهم أن ما ناله آباؤهم من مواعيد إلهية، إنما قد تحققت بتمجيد الابن الوحيد الجنس، في صلبه كما في دفنه وقيامته وصعوده. أقامه الآب ملكًا ورئيس كهنة سماوي وشفيعًا كفاريًا، ورأسًا للكنيسة لكي يهبنا شركة أمجاده.

شفاء الأعرج من بطن أمه شهادة حية لقيامة المصلوب، وبرهان عملي أن يسوع المصلوب لم يُصلب لأجل علةٍ واحدةٍ عليه تستلزم موته. لقد حوَّل أنظارهم عن معجزة شفاء أعرج من بطن أمه إلى معجزة الحب الإلهي خلال الصليب، ليتمتعوا بقوة قيامته، فالكل في حاجة إلى شفاء النفس الداخلية لكي تثب بتهليلٍ، تقوم من الفساد إلى عدم الفساد، وتنطلق من قبر الخطية إلى الهيكل السماوي.

اندهش القديس بطرس أنهم يندهشون بهذه المعجزة بينما لا يندهشون لقيامة المسيح من الأموات، القادرة أن تهب قوة القيامة للنفوس الميتة.

حول القديس بطرس أنظارهم من الأعرج إلى المسيح القائم من الأموات، فعوض الدهشة والحيرة لما رأوه ولمسوه يلزمهم أن يدهشوا لما حدث مع السيد المسيح، فإن هذا الأمر في غاية الخطورة، يمس حياتهم وخلاصهم الأبدي. إن كان الأعرج قد شُفي باسم يسوع القائم من الأموات، فكيف لا ينشغلون بالقائم من الأموات، خاصة وأنهم هم الذين صلبوه.

إذ كان اليهود يفتخرون بأنهم أبناء إبراهيم، فإن إله إبراهيم نفسه، الله الآب، شهد للابن الوحيد ومجَّده. وإن كانوا يفتخرون ببرّ الناموس فإن بيلاطس الأممي بذل كل الجهد لكي لا يشترك في جريمة قتله. وكأن إله السماء يشهد له، وسكان الأرض حتى الذين بلا ناموس يعترفون ببراءته.

"ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار،

وطلبتم أن يًوهب لكم رجل قاتل". [14]

قدم بطرس صحيفة اتهام خطيرة ضدهم إذ ارتكبوا الجرائم التالية:

+ قاوموا إله آبائهم، إله إبراهيم واسحق ويعقوب [١٣].

+ قاوموا باطلاً السلطات الزمنية، التي تمثلت في بيلاطس بنطس.

+ ارتكبوا جريمة قتل للمسيا القدوس البار.

+ ارتكبوا غباوة وجهالة، إذ فضلوا رجلاً قاتلاً عن القدوس (لو ٢٣: ١٩؛ مر ١٥: ٧).

+ قتلوا واهب الحياة، قائد معركة الخلاص.

+ قاوموا الآب الذي أقامه، وهم لا يزالون يرفضونه!

"ورئيس الحياة قتلتموه،

الذي أقامه اللَّه من الأموات،

ونحن شهود لذلك". [15]

لقد كان بيلاطس في صراعٍ داخلي، وقد بذل كل الجهد لكي يبرئه، وكانت آخر محاولة له أنه طلب أن يطلقه ليس من أجل براءته، وإنما من أجل العيد كعادتهم. لقد سجل عليهم دون أن يدري أنهم فضلوا رجلاً قاتلاً عن يسوع المسيح. طلب منهم أن يطلق ملكهم، فرفضوا مُلكه، وقبلوا أن يكون قيصر ملكًا عليهم. لقد صاروا بلا ملك ولا ملكوت!

حسدهم وكراهيتهم للحق لا تحتاج إلى شهادة، فقد صلبوا البار، وأطلقوا باراباس القاتل واللص. حكم هؤلاء القادة على أنفسهم أنهم لا يطلبون البرّ ولا الحق، إنما يخشون على مراكزهم ومصالحهم المادية على حساب ضمائرهم.

وقف بطرس الأمي الجليلي يحاسب رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين وقادة الفكر، المؤتمنين على الشريعة وحفظها. صياد السمك البسيط كشف في بساطة على موازينهم المختلة.

"رئيس الحياة": الكلمة اليونانية لا تشير إلى رئاسة، وإنما صاحب الحياة أو مصدرها. وهو تعبير عسكري، إذ يظهر السيد المسيح كقائد للمعركة ضد الموت ليهب حياة للذين سقطوا تحت أسر الموت. لقد ظنوا أنهم قادرون على التغلب عليه بقتله، ولم يدركوا أن بموته داس الموت، وبقتله قتل الفساد وحطمه. إنه قائد معركة الخلاص!

قتلوا واهب الحياة، لكنهم كانوا عاجزين على إبادته، إنما قتلوا الحياة التي فيهم، وحرموا أنفسهم من المتمتع به بكونه الحياة والقيامة.

يقدم الرسول شهادة حية لقيامة المسيح، ليس بكونه قد رآه وتلامس معه وتحدث وأكل معه خلال الأربعين يومًا من قيامته إلى صعوده، وإنما لأنه يشهد به قائمًا فيه، فيتمتع بالحياة المقامة. وكما يقول الرسول بولس: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات".

في تعليق العلامة أوريجينوس على قول السيد المسيح: "متى خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة، وإذ لا يجد يقول: ارجع إلى بيتي الذي خرجت منه... ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح أخر أشر منه (لو 11: 24-26)، يقول بأن هذا ينطبق على حال الشعب اليهودي. [فإن الذين لم يؤمنوا بابن الله لم يعد بهم "روح شرير" مثلما كان اليهود في مصر، بل يمتلئوا بالأرواح الشريرة أيضًا، وبهذا صارت أواخرهم أشر من أوائلهم. الآن هم يعانون من أمورٍ أشر مما كانوا عليه وهم في مصر، إذ ليس فقط لم يؤمنوا بيسوع المسيح، بل "قتلوا رئيس حياتنا"، فحُرموا من الحياة. لا يعود يقول النبي بينهم: "هكذا يقول الرب". لا تعود توجد بينهم علامة، ولا أمر عجيب، ولا إشارة عن إعلان الله وحضوره. فقد عبرت الخيرات إلينا نحن الأمم، ككلمة ربنا يسوع: "ملكوت السماوات يُنزع منهم ويُعطى لشعب يحمل ثمرًا" (راجع مت 21: 43). نحن هو هذا الشعب الذي أُعطي له ملكوت الله، غنى الإنجيل.]

+ أية خطية أعظم أن يصلب الإنسان المسيح، ومع هذا فإن العماد يغسلها؟ لأنه تحدث بطرس مع الثلاثة آلاف الذين جاءوا إليه. هؤلاء الذين صلبوا الرب، إذ سألوه قائلين: "ماذا نصنع أيها الرجال الاخوة؟!" (أع 37:2) فإن الجرح عظيم؟! لقد جعلتنا يا بطرس نفكر في خطيتنا بقولك: "رئيس الحياة قتلتموه" (أع 15:3). فأي تضميد يصلح لجرحٍ عظيمٍ كهذا؟! أي تطهير يكون لغباوةٍ كهذه؟! أي خلاصٍ لهلاك مثل هذا؟! يا لحب اللَّه المترفق غير المنطوق به؟! مع أنهم كانوا بلا رجاء من جهة خلاصهم، لكنهم مع ذلك تأهلوا للروح القدس (أع 38:2)! هل رأيت قوة المعمودية؟! إن كان أحدكم يصلب المسيح بكلمات تجديفه، إن كان أحدكم ينكره في جهل أمام الناس، إن كان أحدكم يجدف على التعاليم بكلمات شريرة، فليتب، وليكن له رجاء صالح، لأن النعمة حاضرة إلى الآن.

تشجعوا... الرب يطهركم! "تشجعي يا أورشليم فإن الرب ينزع عنك كل آثامك" "الرب يغسل دنس أبنائه وبناته بروح القضاء وبروح الاحتراق" "سيرش عليكم ماءً طاهرًا، فيطهركم من كل خطيتكم" (راجع صف 14:3، 15، إش 4:4، حز 25:36).

سترقص الملائكة حولكم قائلة: "من هذه الطالعة في ثوب أبيض مستندة على حبيبها" (راجع نش 5:8.).

القديس كيرلس الأورشليمي

يرى القديس ايريناؤس أن السيد المسيح جاء ليخلص الكل خلال نفسه. صار طفلاً بين الأطفال ليقدس الأطفال، وصبيًا بين الصبيان ليقدسهم... وأخيرا مات ليكون بكرًا من بين الأموات، "لكي يكون هو متقدمًا في كل شيء" (كو 1: 18) كائنًا قبل الكل، ومتقدمًا الكل.

"وبالإيمان باسمه شدد اسمه،

هذا الذي تنظرونه وتعرفونه،

والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم". [16]

ما يصبو إليه الرسول في كل حديثه هو جذب كل نفسٍ للإيمان بالقائم من الأموات، والتمتع بقوة اسمه القدوس.

ما قد تمتع به هذا الأعرج من صحة الجسد وتهليلٍ لنفسه وتسبيح، إنما بقوة اسم يسوع. إنها دعوة لكي يؤمن الكل باسمه، فيتمتعون بشخصه وقوته وسماته.

لا يقصد بالكلمة "اسم" مجرد لقب أو الاسم في ذاته، بل شخص يسوع المسيح، وقوته وسلطانه. فالإيمان باسم يسوع يعني الإيمان بشخصه وسلطانه وتدابيره الإلهية.

"تنظرونه وتعرفونه": رأوا الرب خلال شفاء الرب للأعرج، وتعرفوا على شخصه وقدرته وحبه الفائق للإنسان!

"أمام جميعكم": ما حدث كان علانية أمام الجميع، فأنتم شهود على أنفسكم إن لم ترجعوا إليه.

"والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم". [16]

+ الإيمان سراج، وكما ينير السراج البيت هكذا ينير الإيمان النفس.

+ الإيمان هو نور النفس، طريق الحياة، أساس الخلاص الأبدي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ الإيمان المسيحي يشبه حبة خردل، يبدو للنظرة الأولى شيئًا صغيرًا تافهًا وضعيفًا، لا يُظهر بوضوح قوته الحقيقية؛ عندما تبدأ تهاجمه تجارب متنوعة عندئذ يظهر نشاطه خارجيًا وقوته ويتنسم إيمانه الناري بالرب ويُثير نوع من الهوى الإلهي لا ليلتهب هو نفسه فقط بل ويلهب كل ما في داخل مجاله.

القديس أمبروسيوس

+ بالرغم من أن كثيرين من اليهود شعروا بمرارة من مثل هذا الحديث الرفيع إلا أنهم كبحوا غضبهم رغمًا عن إرادتهم، إذ أنهم خجلوا من عظمة المعجزة.

هناك نقطة أخرى ينبغي ألا ننساها، وهي أن المسيح إذ وشح أولاً الرسل القدّيسين بقوات عظيمة هكذا، فإنه يدعوهم بعد ذلك للانطلاق بسرعة. ويبدأوا عملهم في إعلان سرّه إلى سكّان الأرض كلها. لأنه كما أن الثوّار المقتدرين بعد أن يزوّدوا جنودهم الشجعان بأسلحة الحرب يرسلونهم ضد كتائب العدو، هكذا يفعل المسيح، مخلصنا وربّنا جميعًا. يرسل معلّمي أسراره، القدّيسين، موشحين بالنعمة التي يمنحهم إيّاها، ومجهّزين كليّة بالسلاح الروحاني ضد الشيطان وملائكته، لكي يكونوا مقاتلين أشدّاء غير مغلوبين. لأنهم كانوا على وشك أن يدخلوا في معركة مع أولئك الذين سيطروا على سكّان الأرض في الزمن القديم، أي أن يحاربوا ضد القوّات الشرّيرة المضادة...

القديس كيرلس الكبير

+ يلزم أن يعِّدك الإيمان ومخافة الرب لمواجهة أي شيء وكل شيء.

لتكن خسارة للأشياء القريبة منك والعزيزة لديك، فقدان الصحة بسبب مرض خطير، أو حرمان من الزوجة والأطفال. مثل هذه الأمور يلزم ألا تكون فرص لتربكك بل بالأحرى لحفظك. مثل هذه المصائب يلزم ألا تضعف إيمان المسيحي أو تزيله بل بالأحرى هي فرص لكي تقوم هذه الفضيلة بغيرة متجددة أثناء الصراع.

يلزمنا أن نتجاهل الشرور الحاضرة، مرتبطين برجائنا في المكافأة السماوية.

حيث لا يوجد صراع لا يمكن أن توجد نصرة. حيث تثور المعركة تُوهب النصرة، عندئذ ينال الغالب المكافأة.

يبرهن قائد السفينة على استحقاقه أثناء العاصفة، والجندي في المعركة. الشجرة ذات الجذور العميقة لن تسقط حتى إن هزتها الرياح. هكذا أيضًا الرسول بولس بعد أن انكسرت السفينة به، مع القيود واحتمال آلام جسدية كثيرة لم يتحدث بقلبٍ منكسرٍ بل بالأحرى صار إلى حالٍ أفضل بالمخاطر التي واجهها. فإنه بقدر ما تعذب بأمور خطيرة، كان بالأكثر يتزكى بأنه مستحق للمديح الحقيقي.

الشهيد كبريانوس

 

+       +       +

إنجيل القداس يوحنا 21 : 15 – 25

15 فبعدما تغدوا قال يسوع لسمعان بطرس يا سمعان بن يونا اتحبني اكثر من هؤلاء قال نعم يا رب انت تعلم اني احبك قال له ارع خرافي
16 قال له ايضا ثانية يا سمعان بن يونا اتحبني قال له نعم يا رب انت تعلم اني احبك قال له ارع غنمي
17 قال له ثالثة يا سمعان بن يونا اتحبني فحزن بطرس لانه قال له ثالثة اتحبني فقال له يا رب انت تعلم كل شيء انت تعرف اني احبك قال له يسوع ارع غنمي
18 الحق الحق اقول لك لما كنت اكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك و تمشي حيث تشاء و لكن متى شخت فانك تمد يديك و اخر يمنطقك و يحملك حيث لا تشاء
19 قال هذا مشيرا الى اية ميتة كان مزمعا ان يمجد الله بها و لما قال هذا قال له اتبعني
20 فالتفت بطرس و نظر التلميذ الذي كان يسوع يحبه يتبعه و هو ايضا الذي اتكا على صدره وقت العشاء و قال يا سيد من هو الذي يسلمك
21 فلما راى بطرس هذا قال ليسوع يا رب و هذا ما له
22 قال له يسوع ان كنت اشاء انه يبقى حتى اجيء فماذا لك اتبعني انت
23 فذاع هذا القول بين الاخوة ان ذلك التلميذ لا يموت و لكن لم يقل له يسوع انه لا يموت بل ان كنت اشاء انه يبقى حتى اجيء فماذا لك
24 هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا و كتب هذا و نعلم ان شهادته حق
25 و اشياء اخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست اظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة امين

 

حديثه مع بطرس

أكد لهم السيد المسيح أنه خالق الجسد والروح. اهتم أن يقدم لهم إفطارًا من صنع يديه لإشباع احتياجاتهم الجسدية، والآن يهتم بالطعام الروحي لإشباع احتياجاتهم الروحية.

تم هذا الحوار بين السيد المسيح والقديس بطرس بعدما تغدّ التلاميذ وشبعوا. وربما تم أثناء الأكل حيث مال السيد نحو سمعان بطرس يتحدث معه. لقد سبق أن التقى السيد المسيح بتلميذه بعد القيامة على الأقل مرتين أو ثلاثة، ولم يفتح معه هذا الحديث، ربما لأن السيد المسيح أراد أن يعطي سمعان بطرس نوعًا من الطمأنينة أن توبته قد قُبلت، وأن ما حدث لن يؤثر على علاقة السيد به. وبعد أن اطمأن سمعان بطرس فاتحه السيد في الأمر. ويرى البعض أن سمعان بطرس لم يشر إلى هذا الأمر خشية أن يعلن له السيد عن ضعفات أو سقطات أخرى ستحدث معه، إذ أدرك أن السيد المسيح يعرف أعماقه أكثر مما يعرفها هو عن نفسه. كان بطرس الرسول محتاجًا إلى هذه الجلسة لترجع إليه الثقة في عمل اللَّه فيه.

"فبعدما تغدوا، قال يسوع لسمعان بطرس:

يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟

قال: نعم يا رب أنت تعلم إني أحبك.

قال له: ارعَ خرافي". (15)

في مبادرة الحنان الشخصية هذه نحو سمعان بطرس العزيز عليه لاستعادته إلى الشركة الكاملة، شركة الذين أصبحوا الآن مختومين بختم القيامة، لم يشر السيد المسيح إلى اسم سمعان الجديد "بطرس" الذي وهبه إيّاه، وكأنه يعيد تجديد العهد معه.

"أتحبني أكثر من هؤلاء؟" يرى البعض أنه يقصد: هل تحبني أكثر من حبك لهؤلاء جميعًا، لكن الواضح أنه يسأله إن كان يظن أن حبه للسيد المسيح أكثر من حب بقية التلاميذ له كما كان يظن قبلاً، حين أعلن أنه مستعد أن يسير حتى إلى الموت، حتى إن أنكره الجميع. لم يجسر سمعان بن يونا في إجابته أن ينطق ويقول: "أكثر من هؤلاء" لأنه خشي أن يحمل في داخله ضعفًا هو يجهله، ولأنه يقدم توبة عما سبق فأعلنه أنه لن ينكره حتى إن أنكره الجميع. تحدث في أسلوب مملوء حياءً وخشوعًا! إذ تعلم القديس بطرس ألا يتكل على ذاته، بل يسلم الأمر بين يدي مخلصه، قائلاً: "أنت تعلم". إنه لم يعد يثق في شهادته الخاصة، ولم يكن ممكنًا أن يطلب شهادة بقية التلاميذ، إنما طلب شهادة السيد المسيح نفسه العارف القلوب والقادر أن يسند الضعفاء.

لم يسأله السيد عن توبته بخصوص جحده له ثلاث مرات، لكنه اكتفى بالسؤال عن حبه له، فالتوبة في جوهرها هي ممارسة حب للَّه. هذا ما يطلبه السيد المسيح من كل تائبٍ حقيقيٍ. لذلك عندما مدح المرأة الزانية التائبة قال لسمعان الفريسي: "لأنها أحبت كثيرًا مغفورة لها خطاياها الكثيرة" (لو 7: 47).

لكي يرد السيد المسيح سمعان بطرس إلى خدمة النفوس سأله: "أتحبني؟"، فإنه لا يأتمن إنسانًا على هذه الخدمة ما لم يكن قلبه مملوء حبًا لشخص المسيح. لأن ما يقدمه للبشرية لأجل خلاصها، إنما يقدمه للسيد المسيح نفسه. من لا يحب السيد المسيح لن يقدر أن يخدم النفوس ويهتم بخلاصها، لأنه لا يعرف قيمتها، هذه التي مات المسيح عنها، وقدم دمه ثمنًا لخلاصها. استخدم السيد المسيح كلمة "أغاباس"، وهو أسمى أنواع الحب وأكرمه، أما بطرس فخجل من استخدام ذات الفعل لكن بروح التواضع استخدم كلمة "فيليو" وهي تستخدم لمحبة الأصدقاء.

+ قال السيد المسيح لبطرس: "ارع خرافي" وما ذكر جحوده، ولا عيَّره بما فعله، وكأنه يقول له: إن نفسك التي قلت إنك تبذلها من أجلي ابذلها من أجل غنمي.

+ توجد بالحقيقة أمور أخرى كثيرة قادرة أن تهبنا دالة لدى الله، وتظهرنا بهيين ومزكين، وأما أكثر الكل مما يجلب إرادة صالحة من الأعالي، فهو الاهتمام بقريبنا في حنوٍ، الأمر الذي طلبه المسيح من بطرس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+عندما يلبس المائت عدم الموت، والفاسد عدم الفساد، ويُبتلع الموت في نصرة المسيح، عندئذ يصير اللَّه الكل في الكل. عندئذ لا تكون الحكمة وحدها في سليمان، والعذوبة في داود، والغيرة في إيليا وفينحاس، والإيمان في إبراهيم، والحب الكامل في بطرس الذي قيل له: "يا سمعان بن يونا أتحبني؟"، وغيرة الكرازة في الإناء المختار، وفضيلتان أو ثلاثة في آخرين، بل يكون اللَّه بالكامل في الكل. وتفرح صحبة القديسين في كل فرقة الفضائل، ويكون اللَّه الكل في الكل.

القديس جيروم

"قال له أيضًا ثانية:

يا سمعان بن يونا أتحبني؟

قال له: نعم يا رب أنت تعلم إني أحبك.

قال له: ارعَ غنمي". (16)

في المرة الأولى قدم السيد السؤال ليقارن بين نفسه واخوته إن كان يحب السيد أكثر منهم، وإذ تعلم سمعان بطرس روح التواضع ولم يجب في اعتزاز بذاته لم يعد في المرتين الثانية والثالثة يقارنه باخوته.

v إن كنا نرعى بخوف، ونخاف على القطيع، فكم يليق بالقطيع أن يخشى على نفسه؟ نصيبنا نحن هو الاهتمام بالرعاية، ونصيبكم هو الطاعة. نصيبنا هو السهر الرعوي، نصيبكم هو تواضع القطيع. إن كنا نحن نبدو كمن نتحدث من مكان مرتفع نضع أنفسنا بخوفٍ عند أقدامكم، إذ نعرف مدى خطورة هذا الكرسي السامي.

القديس أغسطينوس

+ إن كان إيمان الرسول بطرس قد اهتز بآلام ربه، فبالدموع المرّة سمع الكلمات الرقيقة "ارعَ غنمي".

القديس جيروم

"قال له ثالثة: يا سمعان بن يونا أتحبني؟

فحزن بطرس، لأنه قال له ثالثة أتحبني،

فقال له: يا رب أنت تعلم كل شيء،

أنت تعرف إني أحبك.

قال له يسوع: ارع غنمي". (17)

 

الحب الموجود بكل كيان الإنسان، الذي يحتل ليس فقط العواطف، وإنما العقل أيضًا والإرادة يلعبان دورًا بارزًا، ويقوم الحب على تقدير الشخص المحبوب وبمسببات واضحة. ، حيث تقوم العاطفة بدور رئيسي أكثر من العقل والإرادة. بهذا يمكننا التمييز بين التعبير، فالسيد المسيح في السؤالين الأولين يسأل بطرس إن كان يحمل نوعًا من الحب السامي والغني بالعاطفة مع التعقل والإرادة الحية، وقد جاءت إجابة بطرس أنه لا يدَّعي الحب في هذه الصورة الرائعة، لكن ما هو متأكد منه أنه يحمل عاطفة قوية أصيلة نحو السيد، وإن كانت أقل من الحب الذي طلبه السيد.

حزن القديس بطرس إذ تذكر بالسؤال الثالث جحوده ثلاث مرات، لأن تذكار الخطايا حتى التي نلنا عنها الغفران مؤلم للنفس. ولعله حزن خشية أن يكون سيده يرى في داخله ضعفًا لم يعلم هو به، كما سبق فحدث قبلاً حين أعلن أنه مستعد حتى إلى الموت معه.

دعاه لسيد المسيح ثلاث مرات أن يرعى غنمه، ويهتم بهم خلال حبه لصاحب القطيع. وقد شبه السيد الرب نفسه بالراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11). كما يقول عنه إشعياء النبي: "كراعٍ يرعى قطيعه، بذراعه يجمع الحملان، وفي حضنه يحملها، ويقود المرضعات" (إش 40: 21).

+ ليكن دور الحب هو الذي يطعم خراف الرب... من كان لهم هذا الهدف في رعاية خراف المسيح أن تصير الخراف كما لو كانت ملكًا لهم وليست ملك المسيح، فإنهم يُدانون على محبتهم لذواتهم لا للمسيح، والرغبة في الافتخار أو نوال سلطانٍ أو مالٍ وليس عن حب للطاعة والخدمة وإرضاء الله... ماذا يعني هذا إلا إن كنت تحبني فلا تفكر في أن تطعم ذاتك بل غنمي بكونها خاصة بي، وليست خاصة بك؛ أطلب مجدي فيهم وليس مجدك أنت؛ أطلب سلطاني لا سلطانك؛ أطلب ربحي وليس مكسبك أنت، لئلا تجد نفسك تتبع الذين ينتمون إلى الأيام الخطيرة المحبين لذواتهم، وكل ما يتبع ذلك في بداية الشرور هذه؟

القديس أغسطينوس

+ بالتأكيد إذ أنكره ثلاث مرات، اعترف به ثلاث مرات. لقد أنكر وكان الوقت ليلاً والآن يعترف والوقت نهار.

القديس أمبروسيوس

+ أية خطايا يمكن للندامة أن تفشل في غسلها؟ أيّة وصمات راسخة لا يمكن لمثل هذه الدموع أن تغسلها؟ باعتراف بطرس الثلاثي مسح إنكاره الثلاثي.

القديس جيروم

"الحق الحق أقول لك لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك،

وتمشي حيث تشاء،

ولكن متى شخت فإنك تمد يديك وآخر يمنطقك،

ويحملك حيث لا تشاء". (18)

بعد أن رد السيد المسيح القديس بطرس إلى رسوليته عاد يخبره عن استشهاده، وبقوله: "الحق الحق" ليؤكد أن ما ينطق به أمر خطير وهام، له وقاره، وأنه بالتأكيد سيتحقق.

إذ كان في حداثته يتمتع بالحرية حيث يمنطق نفسه متى شاء، ويسير كيفما أراد، خلال هذه الحرية يسلم نفسه في يدي مخلصه، ليمنطقه السيد ويحمله حسب مشيئته الإلهية وليس حسب فكر سمعان أو غيره من المؤمنين. إنه يخضع بإرادته لإرادة اللَّه لكي يتمجد اللَّه حتى في موته. إنه بهذا يُسر بالآلام حتى الموت إذ يمجد اللَّه، شاهدًا للحق الإلهي.

يرى Wetstein في تعبير "تمد يديك" إشارة إلى ما كان معتادًا في روما عند صلب شخص أن توضع رأس الشخص في النير وتُبسط يداه وتشدّان حتى النهاية، ويسيرون به في شوارع المدينة التي يصلب فيها.

إنه يمنطقه آخر بالسلاسل الحديدية ويحملونه إلى حيث لا يشاء، ليس لأنه لا يريد أن يُصلب من أجل حبه للسيد المسيح، وإنما لأنه يود أن يعيش ليكرز ويخدم.

+ أوضح السيد المسيح لبطرس الرسول حال موته، لأنه إذ كان بطرس الرسول يريد دومًا أن يوجد في الأخطار والمصاعب من أجله، قال له: أطمئن فإنني من هذه الجهة أتمم شهوتك، حتى حين تصير شيخًا تقاسي المصاعب التي لم تقاسيها لما كنت شابًا.

+ ماذا إذن "حيث لا تشاء؟" يتحدث عن المشاعر الطبيعية، وضرورة الجسد، وأن النفس تفارق الجسد لا إراديا. حتى وإن كانت الإرادة ثابتة، إلا أنه توجد الطبيعة في ضعف... فتعبير "حيث لا تشاء" يشير إلى الشعور الطبيعي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ هكذا كانت النهاية التي بلغ إليها ذاك الجاحد (لسيده) ألا وهو الحب. لقد صار في تيه بجسارته، وانطرح بجحوده لسيده. اغتسل ببكائه، وتزكى باعترافه، وكُلل باحتماله الآلام.

هذه هي النهاية التي بلغها أن يموت بحبٍ كاملٍ من أجل اسم ذاك الذي وعده أن يموت وذلك في جسارة. لقد فعل ذلك عندما تقوى بقيامته (قيامة المسيح)، الأمر الذي وعد أن يفعله ولم يكن بعد ناضجًا. فإن الترتيب اللازم هو أن يموت المسيح أولاً من أجل خلاص بطرس، وبعد ذلك يموت بطرس من أجل الكرازة بالمسيح.

القديس أغسطينوس

"قال هذا مشيرا إلى أية ميتة كان مزمعًا أن يمجد الله بها،

ولما قال هذا قال له: اتبعني". (19)

إنكار بطرس للسيد المسيح ثلاث مرات هزه في أعماقه، لذلك أراد السيد أن يهبه روح الرجاء المفرح، فأكد له أنه سيمجد الله، ليس فقط في سلوكه كما في كرازته، وإنما حتى آخر نسمة من نسمات حياته، إذ يمجد الله في موته. حتى يستطيع أن يترنم: "إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت؛ إن عشنا وإن متنا فللرب نحن" (رو 14: 8).

تحقق استشهاده بعد 34 عامًا من هذا الحوار، وكان ذلك لمجد اللَّه، إذ حسب الرسول نفسه غير أهلٍ أن يُصلب كسيده، لذا طلب أن يُصلب منكس الرأس كما جاء في يوسابيوس وبرودنتيوس Prudentius والقديسين يوحنا الذهبي الفم وأغسطينوس.

+ الآن لا حاجة لنا أن نخاف بعد من العبور من الحياة الحاضرة، لأنه في قيامة الرب صار لنا مثلاً قويًا للحياة القادمة. الآن ليس لك يا بطرس أن تخاف الموت بعد، فإنه يعيش ذاك الذي حزنت عليه حين مات، والذي في حبك الجسدي حاولت أن تمنعه عن الموت من أجلنا (مت ١٦: ٢١-٢٢).

القديس أغسطينوس

+ لم يقل: "مزمعا أن تموت"، بل قال: "أن يمجد الله بها"، حتى تتعلموا أن التألم من أجل المسيح هو مجد وكرامة للمتألم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ قال السيد المسيح لبطرس "اتبعني" يبدو أن السيد بدأ يتحرك فتحرك وراءه بطرس، لكنه التفت حوله فوجد يوحنا أيضًا يتبعه. غالبًا ما حورب بنوعٍ من حب الاستطلاع، إذ أراد أن يعرف إن كان يوحنا أيضًا سيستشهد أيضًا معه.

حديثه عن يوحنا

"فالتفت بطرس ونظر التلميذ الذي كان يسوع يحبه يتبعه،

وهو أيضًا الذي اتكأ على صدره وقت العشاء،

وقال يا سيد من هو الذي يسلمك؟" (20)

لم يذكر القديس يوحنا اسمه، ربما لأنه حسب نفسه ليس أهلاً أن يُذكر اسمه في الإنجيل المقدس. وفي نفس الوقت لم يكن ممكنًا أن يتجاهل حب السيد المسيح الخاص نحوه.

يرى القديس أغسطينوس أن يوحنا أكثر التلاميذ تمتعًا بحب المسيح له لأنه كان بتولاً، وعاش في طهارة منذ صبوته.

"فلما رأى بطرس هذا قال ليسوع:

يا رب وهذا ما له". (21)

يرى البعض أن بطرس الرسول كان محبًا للاستطلاع، اهتم في ذلك الوقت بالأحداث حتى التي تخص الآخرين، أكثر من تركيزه على التزاماته كتلميذ للسيد المسيح. ولعله شعر بشيء من الغيرة من نحو القديس يوحنا، فهو وإن لم يقل أنه لن ينكر المسيح لكنه عمليًا وضع رأسه على صدر المسيح، ورافقه الطريق حتى الصليب. لم تُجرح العلاقة التي بينه وبين السيد المسيح كما حدث مع بطرس الرسول.

+ إنه لسرّ عظيم للحب الإلهي أنه حتى في المسيح لم يكن يوجد استثناء من جهة موت الجسد. ومع أنه رب الطبيعة لم يرفض قانون الجسد الذي أخذه. إنه من الضروري لي أن أموت، ولكن ليس بالمهم له ذلك.

القديس أمبروسيوس

+ قدم فيما بعد إلى معلمه سؤالاً من أجل غيره، وكان يوحنا الرسول صامتًا وبطرس الرسول يتكلم، فأوضح هنا الحب الذي أخلصه له. لأن بطرس الرسول كان يحب يوحنا الرسول حبًا شديدًا، وهذا واضح من أفعاله فيما بعد، ويتبين في الأناجيل وفي أعمال الرسل ائتلافهما وارتباطهما. وإذ أراد بطرس الرسول أن يأخذ يوحنا الرسول شريكًا قال للسيد المسيح: "يا رب وهذا ما له"، أي أما يسلك الطريق التي لي بعينها؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال له يسوع:

إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجيء، فماذا لك؟

اتبعني أنت". ( 22 )

يرى البعض أن السيد المسيح أراد توضيح أن القديس يوحنا سوف لا يموت شهيدًا مثل القديس بطرس. يقول المؤرخون القدامى أنه التلميذ الوحيد من بين الاثني عشر الذي لم يستشهد.

بقوله: "حتى أجيء"، لا تعني أنه لن يموت حتى مجيء السيد المسيح الثاني، وإنما هو نوع من التوبيخ للقديس بطرس على حبه للاستطلاع وانشغاله بأحداث المستقبل عوض الاهتمام بالعمل الكرازي. يرى آخرون أنه يعني بطريقة خفية أنه لن يموت حتى يتم تدمير أورشليم على يد تيطس الروماني. كثيرون ظنّوا أن كلمات السيد المسيح هنا تشير إلى أن يوحنا يعيش حتى يأتي السيد ليدين أورشليم ويحكم بخرابها. فالقديس بطرس استشهد عام 67م، أي سبع سنوات قبل خراب أورشليم، بينما بقي القديس يوحنا حوالي 30عامًا بعد خرابها.

يرى القديس أغسطينوس وغيره أن هذه العبارة تعني: إن أردت أن يبقى يوحنا إلى يوم مجيئي وآخذه معي خلال موت طبيعي، فماذا لك؟ اتبعني لتحمل أنت صليبك. وقد جاء التاريخ يؤكد أنه التلميذ الوحيد الذي تنيح بموتٍ طبيعيٍ وليس بالاستشهاد، وأنه بقي حيًا حتى استشهد الكل.

ظن البعض أن بطرس الرسول كان منفردًا مع السيد المسيح وهما يتحدثان معًا، وإذ كان يعلم مدى دالة القديس يوحنا عند السيد المسيح ظن أنه سيلحق بهما وهما يسيران ويتحدثان، لكن السيد أوضح له أن يترك الأمر في يديه، فقد يترك يوحنا حتى يعود إليه بعد نهاية حديثه مع بطرس.

+ قال بطرس الرسول هذا القول مهتمًا بيوحنا الرسول جدًا، ولم يرغب أن ينفصل عنه، فأراه السيد المسيح أنه مهما أحبه لا يصل إلى حبه هو له، وقال: "إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجئ فماذا لك؟ اتبعني أنت". ولما كان بطرس الرسول دائمًا حارًا في مثل هذه المسائل، مندفعًا فيها، قطع السيد المسيح حرارته أيضًا، وعلمه ألا يبحث خارج الحد، وقال له: "إن كنت أشاء أن يبقى حتى أجئ فماذا لك؟"

+ إنه يعلمنا ألا نحزن ولا نتضايق ولا نكون فضوليين نسأل خارج ما يبدو صالحًا بالنسبة لنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فذاع هذا القول بين الاخوة أن ذلك التلميذ لا يموت،

ولكن لم يقل له يسوع انه لا يموت،

بل إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجيء فماذا لك؟" (23)

إذ طال عمر القديس يوحنا فعاش حتى استشهد كل التلاميذ ظن المؤمنون أنه لن يموت حتى مجيء السيد المسيح الثاني، إذ فسّروا كلمات السيد بتأويلها على غير ما تحتمله الكلمات، لكن القديس يوحنا صحح مفهومهم وأكد أن السيد لم يقل هذا.

يرى البعض أن الرسولين بطرس ويوحنا هنا يشيران إلى الحياة العاملة والحياة المتأملة في الكنيسة. فمن يمارس التأمل لن يلحق به الموت كالحياة العاملة، إنما يدخل به الموت إلى الكمال، خاصة عند مجيء الرب حيث لا توجد أعمال كرازية أو صدقة بل حياة تسبيح وتأمل في الرب.

+ لا يوجد شيء يخيفنا من الموت، ليس ما يحزنا، سواء إن كانت الحياة التي قبلناها بالطبيعة تؤخذ منا أو نقدمها ذبيحة من أجله كواجبٍ نلتزم به، سواء بسبب الدين أو لممارسة فضيلة ما، ليس منا من يرغب أن يبقى هكذا كما هو الحال حاليًا. هذا ما قد ظُن أن يوحنا قد وُعد به، لكن لم تكن الحقيقة هكذا... هو نفسه أنكر في كتاباته أنه قد وُجد وعد أنه لا يموت. من هذا المثل لا يليق بأحدٍ أن يتمسك برجاءٍ فارغٍ.

القديس أمبروسيوس

يرى القديس أغسطينوس أن ما ورد هنا بخصوص الرسولين بطرس ويوحنا يحمل معنى رمزيًا. فالقديس بطرس يمثل المؤمن في جهاده على الأرض وشهادته للسيد المسيح خلال محبته له. لهذا كان بطرس أكثر التلاميذ حبًا للسيد، وقد سأله السيد: "يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟"، أما القديس يوحنا فيمثل المؤمن وقد تمتع بالمجد الأبدي في الحياة الأخرى، فلا يسأل: أتحبني؟ وإنما يُمتص كل كيانه في حب المسيح له، فبينما كان بطرس أكثر التلاميذ حبًا للسيد، كان يوحنا أكثر التلاميذ محبوبًا من المسيح، فدعا نفسه: "التلميذ الذي كان يسوع يحبه". دُعي بطرس من السيد: "اتبعني" حيث يلتزم المؤمن المحب للسيد المسيح أن يترجم حبه إلى شركة آلام مع المسيح، فيتبعه حتى الصليب. وقال السيد المسيح عن يوحنا: "إن كنت أشاء أن يبقى إلى أن أجئ" حيث لا يستطيع الموت أن يتسلل إلى المؤمن في مجده الأبدي. الأول يتبع المسيح بالإيمان، والثاني يتمتع بمجد القيامة عيانًا.

ختام السفر

"هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا،

وكتب هذا،

ونعلم أن شهادته حق". (24)

يسجل الكاتب بوحي الروح القدس إنه تلميذ للرب يكتب بشهادة صادقة عما رآه بنفسه وسمعه من السيد المسيح، وجاءت شهادته تعلن عن الحق.

"وأشياء آخر كثيرة صنعها يسوع،

إن كتبت واحدة واحدة،

فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة. آمين". (25)

يرى البعض أن هاتين العبارتين (24-25) سجلهما من استلموا السفر من يد الإنجيلي يوحنا ليؤكدا أن السفر هو من شهادة هذا التلميذ الموثوق فيه.

كما لاحظنا في المقدمة أن هذا السفر كثيرًا ما يكرر كلمة "العالم" لتأكيد أن المسيح مخلص العالم كله وليس اليهود وحدهم.

المعجزات والآيات التي صنعها السيد المسيح أكثر من أن تُحصى، ومع كثرة عددها أيضًا تنوعّها. لهذا يرى بعض الدارسين أنه يمكن تفسير العبارة حرفيًا، فإن إلهنا غير المحدود يقوم بأعمال ظاهرة وخفية غير محدودة، لن يستطيع العالم أن يسجلها بأكملها.

ليس غاية الكتاب المقدس حصر أعمال السيد المسيح وكلماته، وإنما الكشف عن شخصه وسماته وأعماله في حياة المؤمن. وقد سجّل الإنجيليون الآخرون عبارات تكشف عن كثرة أعمال السيد المسيح المعجزية (مت 4: 23-24؛ 9: 35؛ 11: 1؛ 14: 14، 36؛ 15: 30؛ 19: 2 الخ). كمثال القديس بولس اقتبس عبارة من أقوال السيد المسيح لم ترد في الأناجيل الأربعة (أع 20: 35). فما سجله العهد الجديد عن شخص السيد المسيح وأعماله وكلماته كان كافيًا لتمتع الكنيسة بشخصه وفكره وأعماله.

أساء بعض النقاد فهم هذه العبارة، غير أن كثير من الدارسين سجّلوا لنا أن مثل هذه التعبيرات هي تعبيرات شرقية وُجدت في كتابات كثيرة ولم تُنتقد، واستخدمها أيضًا كتّاب غربيون. مثل هذا العبارة التي تحمل نوعًا من المبالغة هي تعبير سائد استخدمته أيضًا الأسفار المقدسة. مثال ذلك ما قاله الجواسيس "رأينا هناك الجبابرة بني عناق من الجبابرة، فكنا في أعيننا كالجراد، وهكذا كنا في أعينهم" (عد 13: 13). "كبرت الشجرة وقويت فبلغ علوّها إلى السماء، ومنظرها إلى أقصى كل الأرض" (دا 4: 11). "شعب أعظم منا وأطول منا، مدن عظيمة محصنّة إلى السماء" (تث 1: 28). وجاء في يوسيفوس المؤرخ عن يعقوب أنه نال وعدًا بأن أرض كنعان تكون له ولنسله الذين يملأون الأرض كلها التي تشرق عليها الشمس، سواء على الأرض أو في البحر.وفي الغرب جاء عن شيشرون أن طاقات الشعب الروماني بالكاد يضاهيها المجد الذي في السماء، وأنه بالكاد كوكب الأرض يحتويها.

+ لسنا نفترض أنه يتحدث بخصوص المساحة المحلية للعالم أنها لا تستطيع أن تحويها، لأن كيف يمكن كتابتها إن كان العالم لا يقدر أن يحويها أثناء الكتابة؟ لكن ربما أن هذه الكتابات لا يمكن فهمها حسب طاقات القراء.

القديس أغسطينوس

آمين: هذه الكلمة خاتمة كل البشائر، ومعناها "ليكن ذلك" ويصح أن نقولها بمعنى ليكن لنا إيمان بما كُتب هنا وطاعة لما أُمرنا به وتمتع بما وُعدنا به.

 

من وحي يوحنا ٢١

لأراك وأخدمك يا راعي النفوس!

+ نفسي تئن مع تلاميذك، صارخة:

تعبت الليل كله ولم أصطد شيئًا.

خبراتي وقدراتي وكل طاقاتي صارت كلا شيء!

لتعبر بي يا سيدي،

فبكلمتك أصطاد نفوس كثيرة في شبكة كنيستك.

قلْ كلمة، فالنفوس في بحيرة العالم تائهة.

ليس لي، ليس لي،

بل كلمتك تجتذب الكثيرين إليك.

+ هب لي حب يوحنا وطهارته حتى أعرفك،

في هدوء الروح القوي أعلن: هو الرب!

هب لي غيرة بطرس،

فأجري نحوك وأسجد أمامك.

+ عدْ لي سمكًا مشويًا،

هب لي طعامًا لنفسي،

فلا تجوع ولا تعطش إلى العالم.

+ أنا أعلم أنك تشتاق أن أختلي بك.

بروح الحب تعاتبني،

دون أن تجرح مشاعري بكلمة واحدة!

مع بطرس الذي أنكرك أعلن:

أنت تعلم أني أحبك.

نعم أني أحبك،

وإن كانت نفسي تئن من ثقل خطاياي.

على كلمتك أرعى غنمك!

محتاج أن أراك وأعرفك وأحبك،

تحملني على منكبيك فأحمل اخوتي على منكبي.

من يقدر أن يحمل أثقال شعبك،

ما لم تحمله أنت مع كل الأثقال!

+ مع بطرس تلميذك أسمع همساتك لي:

أتحبني أكثر من هؤلاء؟

تسألني إن كنت أحبك،

بكل عاطفتي وفكري وإرادتي،

وأكرس كل طاقتي لك ولأولادك أيها المحبوب،

وأبادلك تقديرك واعتزازك لي.

من أنا يا أيها العجيب في حبك؟

أقمتني عضوًا كما في الأسرة الإلهية.

فأصرخ مع بطرس:

أنت تعلم إني أحبك!

أنت لي بكليتك،

وأنا لك بكليتي، يا حبيب قلبي!

ماذا تريد أن أفعل؟

+ عشت مدللاً كل أيام حياتي!

الآن أبسط يدي كما على الصليب.

فأُصلب معك كما صُلب تلميذك بطرس منكس الرأس.

حياتي بين يديك،

فأنت راعي نفسي العجيب.

+ أعمالك عجيبة بلا حصر،

لو كتبتها، لما اتسع العالم ليضم هذه الكتب.

لأسجلها لا في كتاب،

بل روحك ينقشها في قلبي!

فأصير بروحك القدوس إنجيلاً مقروءً من الناس.

+        +          +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt