طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 21 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 68 : 11 – 35

مر 3 : 7 - 21

مز 145 : 10 – 12

لو 6 : 12 - 23

رومية 10

4 - 18

2 بط 1

12 - 21

أع 3

1 - 16

مز 19 : 1 ، 4

مت 10 : 1 - 15

البولس من رومية 10 : 4 – 18 

4 لان غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن
5 لان موسى يكتب في البر الذي بالناموس ان الانسان الذي يفعلها سيحيا بها
6 و اما البر الذي بالايمان فيقول هكذا لا تقل في قلبك من يصعد الى السماء اي ليحدر المسيح
7 او من يهبط الى الهاوية اي ليصعد المسيح من الاموات
8 لكن ماذا يقول الكلمة قريبة منك في فمك و في قلبك اي كلمة الايمان التي نكرز بها
9 لانك ان اعترفت بفمك بالرب يسوع و امنت بقلبك ان الله اقامه من الاموات خلصت
10 لان القلب يؤمن به للبر و الفم يعترف به للخلاص
11 لان الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى
12 لانه لا فرق بين اليهودي و اليوناني لان ربا واحدا للجميع غنيا لجميع الذين يدعون به
13 لان كل من يدعو باسم الرب يخلص
14 فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به و كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به و كيف يسمعون بلا كارز
15 و كيف يكرزون ان لم يرسلوا كما هو مكتوب ما اجمل اقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات
16 لكن ليس الجميع قد اطاعوا الانجيل لان اشعياء يقول يا رب من صدق خبرنا
17 اذا الايمان بالخبر و الخبر بكلمة الله
18 لكنني اقول العلهم لم يسمعوا بلى الى كل الارض خرج صوتهم و الى اقاصي المسكونة اقوالهم


 

 

جهلهم غاية الناموس

إن كانت "الأنا" قد حجبت عنهم الالتقاء مع الله بعمله فيهم، فصار برّهم الذاتي المزعوم عائقًا عن تمتّعهم ببرّ الله، فإن تمسكهم بحرفيّة الناموس وشكليّاته أفقدهم المتعة بغاية الناموس الحقيقية، ألا وهو الالتقاء بالمخلّص. يقول الرسول:

"لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ، لكل من يؤمن، لأن موسى يكتب في البرّ الذي بالناموس، أن الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها" [4-5].

اقتبس الرسول بولس من موسى العبارة: "تحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها إنسان يحيا بها" (لا 18: 5). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الإنسان لا يمكن أن يحيا ولا أن يتبرّر ما لم يتمّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذي يعتبر مستحيلاً. لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسان أن يحقّق البرّ والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذي وحده غير كاسرٍ للناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذرًا يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلن عن المسيح بكونه وحده يتركّز فيه البرّ؛ من ينعم بالبرّ الذي قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنّ في نفسه أنه بالناموس يتبرّر.

+ المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذي أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن.

القدّيس إكليمنضس السكندري

رفضهم بساطة الإيمان

ربّما يتساءل البعض: إن كان اليهود قد عجزوا عن تحقيق البرّ بالناموس بتنفيذ وصاياه، فماذا يكون حالنا أمام الوصايا الإنجيليّة وهي أصعب من وصايا الناموس؟ لذلك أسرع الرسول ليوضّح الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال السيد المسيح والتي يمكن تركيزها في نقطتين جوهريتين:

أ. أن الإيمان بالمسيح بسيط وقريب منّا للغاية [6- 8 ].

ب. أن الأب أقام المسيح، ليهبنا قوّة القيامة عاملة فينا [9-11].

بهذا لم يحطم الرسول الأعذار اليهوديّة فحسب، وإنما فتح لنا باب الإيمان لنعيشه بكونه سهل المنال، خلال الحياة المُقامة لنا في المسيح ربنا.

أولاً: رفضهم الإيمان البسيط القريب

"وأما البرّ الذي بالإيمان فيقول هكذا:

لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح،

أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح من الأموات،

ولكن ماذا يقول؟

الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك،

أي كلمة الإيمان التي نكرز بها" [6-8].

اقتبس الرسول عبارات لموسى النبي بعد أن أعطاها مسحة إنجيلية، إذ جاء في سفر التثنية: "أن هذه الوصيّة أوصيك بها اليوم ليست عسرة عليك، ولا بعيدة منك، ليست هي في السماء حتى تقول من يصعد لأجلنا إلى السماء ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ ولا هي في عبر البحر حتى تقول: من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ بل الكلمة قريبة منك جدًا في فمك وفي قلبك لتعمل بها" (تث 30: 11-14).

كان موسى يُحدّث شعبه عن الشريعة أو الوصيّة الإلهية أو الكلمة الإلهية، كيف صارت بين أيديهم ليست ببعيدة عنهم، ليست بالشريعة المرتفعة في السماء يصعب بلوغها والتعرف عليها، ولا هي في الأعماق ليس من ينزل إليها ليجلبها. إنما صارت في وسطهم تبكّتهم وتحثهم على الرجوع إلى الله. إن كان هذا ينطبق على كلمة الله المُعلنة خلال الحروف والمُسلمة بين يديّ موسى النبي لتُوضع في الهيكل وسط الشعب، فبالأحرى تنطبق على كلمة الله المتجسّد، الذي صار إنسانًا وحلّ بيننا كواحد منّا. فلم يعد غريبًا عنّا ولا ببعيدٍ عن حياتنا، بل هو قريب إلينا. يسكن فينا ويحلّ بروحه في داخلنا، لنحيا به في كلماتنا وتصرّفاتنا وكل مشاعرنا وأحاسيسنا.

في القديم كان اليهود يعتزون بأنهم شعب الله الذي تسلم الشريعة الإلهية بواسطة موسى بيد ملائكة (عب 2: 2)، أمّا الآن فقد جاءنا الكلمة نفسه متجسدًا، يهبنا ذاته، ويجعلنا فيه أبناء الآب في مياه المعموديّة بالروح القدس. يقول القدّيس أغسطينوس: [أرسل الناموس بواسطة خادم، أمّا النعمة فجاء بنفسه من أجلها.]

إن كان برّ الناموس صعبًا بل ومستحيلاً، فقد جاء السيد المسيح لا ليقدّم وصايا سهلة، ولا ليتهاون مع مؤمنيه، وإنما قدّم ذاته قريبًا من مؤمنيه، بل ساكنًا فيهم، لا ليتمّموا أعمال الناموس إنما به يزيد برّهم عن الكتبة والفرّيسيّين، كقوله: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20).

حدّثنا القدّيس أغسطينوس عن طريق لقائه مع الله قائلاً بأنه في غباوة كان يبحث عن الله في الطبيعة وكتب الفلاسفة، خرج خارجًا عن نفسه يطلبه، بينما كان الله في داخله عميقًا أعمق من نفسه وعاليًا أعلى من علوّه. إذن لنطلبه في داخلنا، فنجده يملك على القلب، ويُقيم عرسه فيه!

ثانيًا: التمتّع بقيامة المسيح فينا

"لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع،

وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت،

لأن القلب يؤمن به للبرّ،

والفم يعترف به للخلاص،

لأن الكتاب يقول: كل من يؤمن به لا يخزى" [9-11]

إن كان الإيمان ليس بالأمر الصعب، لكنه كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم يطلب نفسًا متيقظة ساهرة تقبل المسيح الذي قام من الأموات. فكما سبق فقال الرسول أن إبراهيم "على خلاف الرجاء آمن على الرجاء" (رو 4: 18)، هكذا المسيحي يقبل على خلاف الرجاء الطبيعي الحياة المُقامة في المسيح. هذا هو مركز إيماننا!

يلاحظ في هذه العبارة الرسولية الآتي:

أ. اشتراك الفم مع القلب في الإيمان: "إن اعترفت بالرب يسوع، وآمنت بقلبك... خلصت" [9]. فإن كان القلب هنا يُشير إلى الإنسان الداخلي، فإن الفم يُشير إلى الحياة الظاهرة؛ إيماننا في جوهره لقاء النفس الداخليّة مع عريسها لكن دون تجاهل للجسد بكل أعضائه! بمعنى آخر إيماننا يمس أعماقنا الداخليّة وتصرفاتنا الظاهرة. بدون القلب يصير اعترافنا الظاهري لغوًا وتعصبًا وشكليّات، وبدون الحياة العاملة والاعتراف الظاهر لا ننعم بهذه المكافأة: "كل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات" (مت 10: 32).

+ ينبع هذا الاعتراف عن جذور القلب. أحيانًا تسمع إنسانًا يعترف (بالمسيح) لكنك لا تدرك إن كان مؤمنًا أو غير مؤمن يجب ألا تدعو أحدًا أنه يعترف (بالمسيح) أن كان غير مؤمنٍ (بقلبه)، لأن من يعترف هكذا إنما ينطق بغير ما في قلبه.

القدّيس أغسطينوس

ليتنا نؤمن بربنا يسوع بكل قلبنا، فيملك كربٍ، ويخلص أعماقنا من كل ظلمة، متجاوبين مع مخلصنا بحياتنا المقدّسة فيه، فنعترف به بشفاهنا.

يرى القدّيس أمبروسيوس الاعتراف بالفم يمثل إحدى القبلات التي يقدّمها المؤمن لعريسه السيد المسيح حين يناجيه، قائلاً: "ليقبلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر" (نش 1: 2). فإن كان عريسنا لا يكف عن أن يقبّلنا بقبلات الحب العملي الباذل، يليق بنا أن نرد القبلات بالقبلات، والحب بالحب، لنوجد فيه محبوبين ومقدّسين.

ويرى القدّيس أمبروسيوس أيضًا في الاعتراف بالفم والإيمان بالقلب أشبه بالبوقين الذين من الفضة (عد 10: 2): [بهذين البوقين يبلغ الإنسان الأرض المقدّسة، أي نعمة القيامة. دعهما يصوتان لك كي تسمع صوت الله، فتحثك منطوقات الأنبياء والملائكة على الدوام وتسرع بك إلى العلويات].

ب. الاعتراف بالفم بربنا يسوع المسيح لا يعني مجرّد شهادة الشفتين له، وإنما تعني إبراز الحياة المقدّسة لا لمجد الإنسان، وإنما لمجد الله نفسه، إذ يقول السيد المسيح: "فليضيء نوركم قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 16). وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [الذين يرغبون في إظهار أعمالهم الحسنة للناس ليمجدوا ذاك الذي أخذوا منه هذه الأعمال الظاهرة فيهم فيتمثلون بهم بالإيمان، بالحق يضيء نورهم أمام الناس، لأن منهم تنبعث أشعة نور المحبّة... لاحظوا الرسول أيضًا عندما يقول: "كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء" (1 كو 10: 33)، فإنه لم يقف عند هذا كما لو كان إرضاءه للناس هو هدفه النهائي، وإلا فباطلاً يقول: "لو كنت بعد أرضى الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل 1: 10)، بل أردف في الحال مظهرًا سبب إرضائه الناس، قائلاً: "غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 33). فهو لا يرضي الناس لنفعه الخاص وإلا فلا يكون عبدًا للمسيح، بل يرضي الناس لأجل خلاصهم حتى يكون رسولاً أمينًا للمسيح].

ج. "لأن الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى" [11]. اقتطف الرسول بولس ذلك عن سفر إشعياء (28: 16 الترجمة السبعينية)، ليؤكّد أمرين، الأول أنه بأعمال الناموس يمكن للإنسان أن يخزى، إذ يعجز عن التمتّع بالبرّ، أمّا بالإيمان الحيّ فلن يخزى. الأمر الثاني أنه لم يحدد فئة معيّنة بل قال: "كل من يؤمن به"، مؤكدًا عمومية الخلاص بلا تمييز بين يهودي وأممي.

رفضهم حب الله الشامل

إذ سبق أن كشف الرسول عن سرّ جحود اليهود: رفضهم الإيمان البسيط القريب، جاء بعبارة نبوية مقتبسة من إشعياء النبي (28: 16) نعلن أن "كل" من يؤمن به لا يخزى. كما يقتبس من يوئيل العبارة "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (يوئيل 2: 28-29). العبارة التي اقتبسها الرسول بطرس في عظة يوم الخمسين (أع 2: 21).

هكذا لا يتوقف الرسول بولس عن تأكيد انفتاح باب الإيمان لجميع الأمم، "لأن الله، هو رب الكل" (أع10: 36) كما قال القدّيس بطرس في بيت كرنيليوس.

"لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني،

لأن ربًا واحدًا للجميع،

غنيًا لجميع الذين يدعون به،

لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص" [12-13].

رفضهم الالتزام بالكرازة

يدخل القدّيس بولس الرسول بهم إلى اتهام جديد، ألا وهو تجاهلهم الدور الرئيسي الذي كان يجب أن يقوموا به كشعب الله المختار: الكرازة بالمسيّا الذي شهد له العهد القديم برموزه ونبوّاته. بمعنى آخر كان يليق بهم عِوض الدخول في مناقشات غبيّة بتشامخٍ وكبرياءٍ ضد الأمم أن يكونوا هم الكارزين لهم بالإيمان. هذا ما قصده الرسول بقوله:

 "فكيف يدعون بمن لا يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟ وكيف يكرزون أن لم يُرسلوا؟ كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات..." [14-15].

يقدّم لنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم تحليلاً رائعًا لهذا النص الرسولي، إذ يقول بأن الرسول يجرّدهم من كل عذر، فبعدما قال أن لهم غيرة لله لكن ليس حسب المعرفة، بدأ عن طريق الأسئلة يوضّح أنه كان يحب أن يكونوا أول المؤمنين بالسيد المسيح، لأنه قد أُرسل لهم الأنبياء ككارزين لهم به خلال النبوّات، لكنهم سدوا آذانهم ورفضوا الإيمان. فإن كان الخلاص يتطلب الدعوة باسمه كقول يوئيل النبي: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (رو 10: 13؛ يوئيل 2: 28-29)، فالدعوة باسمه تستلزم الإيمان به، والإيمان يتطلب السماع عنه، والسماع لا يتحقّق إلا بالكارزين، والكارزون لا يبشِّروا ما لم يُرسلوا. وقد أُرسل لهم الكارزون فعلاً وكرزّوا قبل مجيئه بأجيال كثيرة كقول إشعياء الذي أعلن عن رسالة الكارزين المبشرين بالسلام (إش 52: 7)، ومع هذا فقد رفض اليهود الإيمان، فهم بلا عذر.

كان يليق باليهود أن يسبقوا الأمم في قبول الإيمان بالمسيّا المخلص ليقوموا بدور الكارزين، مكمِّلين رسالة أنبيائهم، عِوض مقاومتهم للإيمان. هكذا يظهر الرسول أن دينونتهم مضاعفة.

على أي الأحوال حتى هذا الرفض للإيمان تنبأ عنه إشعياء، إذ يقول الرسول: "لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل، لأن إشعياء يقول: يا رب من صدّق خبّرنا؟ إذًا الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله، لكنني أقول: ألعلّهم لم يسمعوا؟ بلى إلى جميع الأرض خرج صوتهم، وإلى أقاصي المسكونة أقوالهم" [16-18].

لقد سبق فأنبأ إشعياء أنه ليس الجميع يطيعون الإنجيل، إذ يرفض كثير من اليهود خبر التبشير الذي سبق فأعلنه النبي نفسه (إش 53: 1). هو قدّم الخبر ليؤمنوا بالإنجيل، لكنهم لم يسمعوا، مع أن الأمم الذين في أقاصي المسكونة سمعوا وآمنوا، وهكذا صاروا شهودًا على اليهود.

اقتبس الرسول جزءًا من المزمور 19 حيث ينشد المرتّل: "السماوات تحدّث بمجد الله، والفَلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يذيع كلامًا، وليل إلى ليل يبدي علمًا، لا قول ولا كلام لا يسمع صوتهم، في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم". يُعلن المرتّل في هذا المزمور أن الشهادة عن الله عامة والكرازة بأعماله مقدّمة لكل البشريّة خلال الطبيعة عينها (السماوات والفلك) وخلال كرازة الكارزين التي تبلغ أقصى المسكونة، وكأن المرتّل قد شاهد بروح النبوّة خدمة الرسل التي اتّسعت لتضم الشعوب والأمم من مشارق الشمس إلى مغاربها.

شهادة الأنبياء عن جحودهم

أعلن الرسول عن سرّ جحود اليهود برّ الله وعدم إدراكهم غاية الناموس، ورفضهم الإيمان البسيط القريب إليهم، وضيق قلبهم الذي لا يقبل حب الله الجامع لكل البشريّة، ونسيانهم رسالتهم ككارزين بالمسيّا المخلص للعالم. الآن يقدّم لهم الرسول شهادة أعظم تبيّن جحودهم، هما موسى وإشعياء:

"لكني أقول: ألعلّ إسرائيل لم يعلم؟

أولاً: موسى يقول أنا أُغيرَكم بما ليس أمة،

بأمّة غبيّة أغيظكم (تث 32: 21)؛

ثم إشعياء يتجاسر ويقول: "وُجدت من الذين لم يطلبوني،

وصرت ظاهرًا للذين لم يسألوا عني (إش 65: 1)؛

أما من جهة إسرائيل فيقول:

"طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" (إش 65: 2) [19-21].

يلاحظ في هذه العبارات الرسولية والمقتبسة من أقوال موسى وإشعياء النبيّين الآتي:

أولاً: يتساءل الرسول بولس: "ألعلّ إسرائيل لم يسمع؟" وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه يقصد: هل سمع إسرائيل ولم يفهم؟ إن كان الأمم الوثنيّون سمعوا وأدركوا الإيمان، فكم بالأحرى كان يليق باليهود الذين [أعطاهم الله منذ القدم كل العلامات التي تستهدف نحو إزالة الغشاوة عن عيونهم.]

ثانيًا: اقتبس الرسول العبارة الموسويّة (تث 32: 21): "هم أغاروني بما ليس إلهًا، أغاظوني بأباطيلهم، فأنا أُغيرهم بما ليس شعبًا، بأمّة غبيّة أغيظهم". وكأن الله قبل الأمم الوثنيّة كشعبٍ له خلال الإيمان ليُثير أيضًا مشاعر اليهود لعلهم يرجعون عن جحودهم ويتوبون إلى الله، وهكذا لم يغلق الرب الباب في وجه أحدٍ.

ثالثًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في العبارة "طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" إشارة إلى العهد القديم بأكمله حيث بسط الرب يديه خلال نداء الأنبياء المستمر، وإعلانه عن حُبّه لهم رغم عنادهم ومقاومتهم. إنه أب يبسط يديه نحو شعبه، كما نحو طفله الصغير الذي يرفض أحضان أبيه المتّسعة له بالحب. ويرى القدّيس يوستين في هذا القول النبوي (إش 65: 2) إشارة إلى الصليب حيث بسط الرب يديه عند موته ليحتضن الكل.

+       +        +

الأبركسيس من أعمال 3 : 1 – 16

1 و صعد بطرس و يوحنا معا الى الهيكل في ساعة الصلاة التاسعة
2 و كان رجل اعرج من بطن امه يحمل كانوا يضعونه كل يوم عند باب الهيكل الذي يقال له الجميل ليسال صدقة من الذين يدخلون الهيكل
3 فهذا لما راى بطرس و يوحنا مزمعين ان يدخلا الهيكل سال لياخذ صدقة
4 فتفرس فيه بطرس مع يوحنا و قال انظر الينا
5 فلاحظهما منتظرا ان ياخذ منهما شيئا
6 فقال بطرس ليس لي فضة و لا ذهب و لكن الذي لي فاياه اعطيك باسم يسوع المسيح الناصري قم و امش
7 و امسكه بيده اليمنى و اقامه ففي الحال تشددت رجلاه و كعباه
8 فوثب و وقف و صار يمشي و دخل معهما الى الهيكل و هو يمشي و يطفر و يسبح الله
9 و ابصره جميع الشعب و هو يمشي و يسبح الله
10 و عرفوه انه هو الذي كان يجلس لاجل الصدقة على باب الهيكل الجميل فامتلاوا دهشة و حيرة مما حدث له
11 و بينما كان الرجل الاعرج الذي شفي متمسكا ببطرس و يوحنا تراكض اليهم جميع الشعب الى الرواق الذي يقال له رواق سليمان و هم مندهشون
12 فلما راى بطرس ذلك اجاب الشعب ايها الرجال الاسرائيليون ما بالكم تتعجبون من هذا و لماذا تشخصون الينا كاننا بقوتنا او تقوانا قد جعلنا هذا يمشي
13 ان اله ابراهيم و اسحق و يعقوب اله ابائنا مجد فتاه يسوع الذي اسلمتموه انتم و انكرتموه امام وجه بيلاطس و هو حاكم باطلاقه
14 و لكن انتم انكرتم القدوس البار و طلبتم ان يوهب لكم رجل قاتل
15 و رئيس الحياة قتلتموه الذي اقامه الله من الاموات و نحن شهود لذلك
16 و بالايمان باسمه شدد اسمه هذا الذي تنظرونه و تعرفونه و الايمان الذي بواسطته اعطاه هذه الصحة امام جميعكم


 

شفاء كسيح

كنز الكنيسة: اسم يسوع المسيح

في الاصحاحين السابقين رأينا كيف أعد السيد المسيح الكنيسة لكي تنطلق للعمل لحساب ملكوت الله. ففي الأصحاح الأول أوضح أن رأسها سماوي (الصعود) فيليق بها أن تكون سماوية، وفي الأصحاح الثاني رأينا قائدها هو الروح القدس الناري لكي تلتهب بالحب الناري. الآن يبدأ العمل في أورشليم كوصية السيد المسيح، فيقدم لنا القديس لوقا حقيقة إنجيلية هامة وهي أن كنز الكنيسة هو اسم يسوع المسيح.

 

شفاء الأعرج باسم يسوع الناصري

"كانت عجائب وآيات كثيرة تُجرى على أيدي الرسل" (أع ٢: ٤٣). لم تتم العجائب والمعجزات بطريقة عشوائية، ولا لاستعراض إمكانيات الرسل، وإنما كانت هادفة نحو جذب كل نفسٍ للتمتع بأعظم أعجوبة؛ حب الله الفائق المُعلن على الصليب. ولم يسرد لنا سفر الأعمال إلاَّ أمثلة قليلة هادفة عبر كل الأجيال ليدرك الكل إمكانيات كنيسة الله لملكوت إلهي على الأرض.

"وصعد بطرس ويوحنا معًا إلى الهيكل،

في ساعة الصلاة التاسعة". [1]

كان القديسون بطرس ويعقوب ويوحنا، الجماعة المختارة من الرسل لمرافقة السيد المسيح في كثير من الأحداث، يُحسبون أعمدة (غل 2: 9). وحدهم رافقوا السيد المسيح في تجليه (مر 9: 20)، وكانوا أقرب من غيرهم في بستان جثسيماني (مر 14: 33).

مع اختلاف طبع القديس بطرس عن القديس يوحنا لكنهما ارتبطا بعلاقة صداقة عجيبة. كان الأول يتسم بالغيرة والاندفاع، والثاني بالهدوء والحب. أنكر الأول السيد المسيح ثلاث مرات أثناء محاكمته، بينما رافق الثاني السيد حتى الصليب. ومع هذا نجد السيد يختارهما كرفيقين يُعدان له الفصح (لو 22: 8). هذا وواضح من سفر الأعمال أن التصاقهما ببعضهما البعض تزايد بالأكثر بعد قيامة السيد المسيح وصعوده إلى السماء. وكانا عضوي البعثة التي بعثها الرسل لتسليم أهل السامرة الإيمان والعماد (أع 8: 14). وكانا في صحبة عند زيارتهما لقبر السيد المسيح (يو 20: 2).

كان لكل من القديسين بطرس ويوحنا أخ من بين التلاميذ، ومع هذا فإن ارتباطهما معًا أقوى بكثير من ارتباط كل منهما بأخيه حسب الجسد. هكذا كثيرًا ما تكون الصداقة في المسيح يسوع وفي العمل الروحي أقوى من الرباط الدموي.

+ لا يوجد علاج مؤثر لشفاء الأوجاع مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك.

+ بحق ليكن لك صديق يُدعى "نصف نفسي".

+ لا توجد صداقة حقيقيّة ما لم تجعلها كوصلة تلحم النفوس، فتلتصق معًا بالحب المنسكب في قلوبنا بالروح القدس.

القدّيس أغسطينوس

+ بين هذه الأنواع جميعها يوجد نوع واحد من الحب لا ينحل، حيث يقوم فيه الاتحاد لا على التعارف أو بغية نوال شفقة أو ربح أو بسبب نوع من العلاقات التجارية أو بحكم ضرورة الطبيعة، إنما ببساطة لأجل التشابه في الفضيلة. هذا الحب، أقول، لا تهزه الظروف، ولا يؤثر فيه أو يفسده عامل الزمن أو المكان، بل ولا يقدر الموت أن ينزعه. هذا هو الحب الحقيقي الذي لا ينكسر، والذي لا تنفصم رباطاته بسبب اختلاف الميول أو أي اضطراب من جهة الرغبات المتضاربة.

الأب يوسف

"وصعد بطرس ويوحنا معًا إلى الهيكل"، فقد كان بناء الهيكل مرتفعًا قليلاً عن بقية المدينة، لذلك قيل: "صعد". قد سبق فرأينا التزام التلاميذ والرسل بالعبادة بانتظام في الهيكل (أع ٢: ٤٦).

"في ساعة الصلاة التاسعة": كان اليهود يمارسون ثلاثة سواعي للصلاة: الثالثة والسادسة والتاسعة. يقول داود النبي: "مساءً وصباحًا وظهرًا أشكو وأنوح، فيسمع صوتي" (مز ٥٥: ١٧). وقد التزم دانيال بهذا في أرض السبي (دا 6: 10). وقد ظلت الكنيسة الأولى محافظة على كل طقوس العبادة اليهودية والاشتراك في الصلوات في الهيكل في المواعيد المحددة، ولكن بفكرٍ مسيحيٍ جديدٍ ومفاهيمٍ جديدةٍ.

+ وقت الساعة التاسعة، فنصلي كالرسل... وهو وقت تسليم الرب (روحه) على الصليب.

القديس باسيليوس الكبير

"وكان رجل أعرج من بطن أمه يُحمل،

كانوا يضعونه كل يوم عند باب الهيكل،

الذي يُقال له الجميل،

ليسأل صدقة من الذين يدخلون الهيكل ". [2]

قصة شفاء أعرج من بطن أمه هي معجزة من بين كثير من المعجزات التي وهبها الروح القدس للرسل ليتمموها باسم يسوع المصلوب، لكن الروح اختارها لتحمل معنى خاصًا.

تمت المعجزة على أيدي بطرس ويوحنا، في هذه القصة المختصرة يتكرر اسمي الرسولين ثلاث مرات لتأكيد أن الاسمين يحملان معنى رمزيًا يمس حياة الكنيسة وحياة كل مؤمن صادق يود التمتع بعمل الروح القدس في أعماقه. الأول يمثل الإيمان حيث كلمة بطرس معناها "صخرة"، ويوحنا يمثل الحب الذي به نتعرف على الرب ونراه، إذ وحده بين التلاميذ عرفه عند بحر طبرية، وقال لبطرس: "هو الرب" (يو 21: 7). وكأن عمل الروح يتجلى في الكنيسة خلال الإيمان العامل بالمحبة.

كان الشخص أعرج من بطن أمه، وكأن عمل الروح هنا أشبه بالخلق، فهو يجدد الطبيعة البشرية، ويهبنا "خلقة جديدة" قادرة على السير في الطريق، أي في المسيح، لنعبر إلى حضن الآب. أما الإشارة إلى أنه أعرج من بطن أمه، ففيه تأكيد أن المعجزة ليس فيها أي نوع من الخداع، فهو أعرج منذ ولادته، ويُحمل إلى الهيكل، ويعرفه كل سكان أورشليم.

كان الأعرج يُحمل ويُوضع عند باب الهيكل، الذي يُقال له الجميل، يطلب صدقة. فهو عاجز عن الحركة، يحتاج إلى من يحمله؛ وُضع خارجًا في فقرٍ يستعطي.

باب الجميل: هو الباب الرئيسي المؤدي إلى رواق النساء ورواق إسرائيل ورواق الكهنة، فيعبر به كل الشعب اليهودي من رجال ونساء وشيوخ وأطفال، كما يعبر به الكهنة واللاويون، فالشهادة للسيد المسيح موجهة لكل الداخلين إلى الهيكل لممارسة صلاة الساعة التاسعة، بلا تمييز بينهم. يرى د. لايتفوت Lightfoot أن باب الجميل هو الباب المؤدي من دار الأمم إلى دار اليهود، بهذا يلتقي به اليهود سواء كانوا من الرجال أو النساء دون الأمم، إذ كان يترفع عن أن يمد يده ليأخذ عطاء من أممي.

يرى د. هويتبي Whitby أن باب الجميل هو مدخل الهيكل مسكن الله. جمال الهيكل لا يعيبه وجود أعرج فقير يستعطي، فإن الحب الذي يقدمه المصلون وروح العطاء هو جزء لا يتجزأ من جمال بيت الله.

+ ليكن في كل أسرة موضع يختفي المسيح فيه في أشخاص الجائعين والعطشى الغرباء.

+ ليس شيء يجعلنا هكذا مقرّبين من اللَّه وعلى شبهه مثل هذا العمل الحسن!

+ تُصعد الرحمة الإنسان إلى علوٍ شامخٍ وتعطيه دالة بليغة عند اللَّه.

فكما أن الملكة متى أرادت الدخول إلى موضع الملك لا يجسر أحد من رجال البلاط أن يمنعها أو يسألها عن المكان الذي تريد الذهاب إليه، بل جميعهم يستقبلونها بابتهاج، هكذا من يصنع الرحمة والصدقة يمتثل أمام عرش الملك بدون عائق، لأن الإله يحب الرحمة حبًا شديدًا، وهي تبقى بالقرب منه، لذلك قال الكتاب: "قامت الملكة عن يمينك". ذلك، لأن الرحمة مفضّلة عند الإله، إذ جعلته يصير إنسانًا لأجل خلاصنا.

القدّيس يوحنا ذهبي الفم

+ أعطِ المساكين، وهلمّ بدالّة قدّم صلواتك، أي تحدّث مع الإله كما يتحدّث الابن مع أبيه، فليس شيء يقدر على دنو القلب إلى الباري مثل الرحمة.

مار اسحق السرياني

+ القدّيسون الذين يقطنون الأرض يقطنون السماء بقلوبهم بالرغم من أنهم يسيرون على الأرض بأجسادهم. فليس باطلاً تنبيههم: "ارفعوا قلوبكم"، فيجيبون أنهم قد رفعوها. لم يقل باطلاً: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين اللََّه"، اهتموا بما فوق لا بما على الأرض. فبقدر اختلاطهم بالسماويّات يحملون اللََّه، ويكونون سماءً، لأنهم كرسي اللََّه: وعندما يعلنون كلام اللََّه، فإن "السماوات تحدث بمجد اللََّه".

القديس أغسطينوس

"فهذا لمّا رأى بطرس ويوحنا مزمعين أن يدخلا الهيكل،

سأل ليأخذ صدقة". [3]

غالبًا لم يكن الأعرج يعرف الرسولين بصفتهما الشخصية، لكن الرسولين حتمًا كانا ينظرانه كلما دخل قبلاً إلى الهيكل للعبادة.

"فتفرس فيه بطرس مع يوحنا وقال:

أنظر إلينا". [4]

عادة يتطلع طالب الإحسان إلى القادمين يستعطفهم لينال منهم شيئًا، أما أن يقف الرجلان يتفرسان فيه، فهذا ما لم يتوقعه قط: ماذا يطلبان منه؟ هل يريدان أن يسألاه شيئًا أو يوبخانه، والكل يعلم عجزه عن العمل منذ ولادته؟

لقد تفرس فيه الرسولان قبل صنع المعجزة؛ كما يتطلع إلينا الله بعيني الحنو والاهتمام الشخصي. هكذا الحب يسبق العطاء. قدما حبهما واهتمامهما به قبل اعطائه الشفاء باسم يسوع المسيح الناصري. إنهما لم يفعلا مثل كثيرين يقدمون بأيديهم العطاء أما قلوبهم فمنصرفة عن المحتاجين.

والعجيب أن الاثنين تفرسا فيه دون سابق اتفاق، فإن الروح الواحد عمل فيهما ليتطلعا إليه بقلبيهما كما بأعينهما.

قال بطرس: "انظر إلينا"، فقد اشتاق أن يتطلع الأعرج فيرى فيهما شخص السيد المسيح الساكن فيهما والعامل بروحه فيهما وبهما.

+ إن أعطيت شيئًا لمحتاجٍ، ليسبق وجهك البشوش عطيتك، مع كلمات رقيقة، ومساندة لآلامه.

إن فعلت هذا فإن السرور الذي يشعر به في ذهنه بعطيتك يكون أعظم من احتياج جسده.

القديس مار اسحق السرياني

"فلاحظهما، منتظرًا أن يأخذ منهما شيئًا". [5]

"فقال بطرس:

ليس لي فضة ولا ذهب،

ولكن الذي لي، فإيّاه أُعطيك،

باسم يسوع المسيح الناصري قم وامشِ". [6]

تفرس بطرس ويوحنا في الأعرج، وطلب بطرس منه أن ينظر إليهما. هكذا تلاقت النظرات معًا، ليحمل هذا تلاقٍ داخلي لحساب ملكوت الله. فالرسولان وقد حملا روح الأبوة بعمل الروح القدس يشاركان الله تطلعه نحو كل نفسٍ عاجزةٍ ومحتاجة، يتطلعان بروح الحق الفائق والحنو، لكن ليس بروح العجز واليأس، وإنما بروح القوة خلال إمكانيات الروح القدس.

حقًا ما أحوج الكنيسة إلى نظرات رعاة قلوبهم مثل قلب الله الكلي الحب والحنو في أبوةٍ صادقةٍ مع حكمة وقدرة،‍لقد اختبر ذلك في القديم ارميا النبي الذي في حنوه كان يصرخ: "أحشائي، أحشائي، توجعني جدران قلبي، يئن فيَّ قلبي. لا أستطيع السكوت" (إر 4: 19). وفي شوقه لخلاص اخوته كان يصرخ: "أليس بلسان في جلعاد؟ أم ليس هناك طبيب؟ فلماذا لم تُعصب بنت شعبي؟" (إر 8: 22)

إذ تطلع الأعرج إليهما منتظرًا أن ينال صدقة أخبره بطرس عن إفلاسهما من مقتنيات العالم، لكن ما ورثاه هو اسم يسوع المسيح الناصري، وهو أفضل لهما وله، قادر أن يهبه الشفاء، فيقوم كما من الموت، ويمشى كما في طريق ملوكي. وكما يقول المرتل: "أرسل كلمته فشفاهم" (مز ١٠٧: ٢٠).

تحرك قلب بطرس بالإيمان الحي باسم يسوع المسيح طبيب النفوس والأجساد، وصِدق وعده الإلهي: "إن سألتم شيئًا باسمي فإني أفعله" (يو 14: 14).

لقد جاء البلسان (الإيمان بالسيد المسيح)، ونزل إلينا طبيب النفوس والأجساد، لكن مجمع السنهدرين رفضه، أما البسطاء مثل القديس بطرس فقبلوه، وقدموه شفاءً لكل العالم ليصيروا بالحق ابنة صهيون الجديدة، شعب الله الحقيقي. يرى القديس أمبروسيوس أن الرسول بطرس قدم هذا البلسم فشُفى الأعرج (أع 3: 1-11)، وقدمه للمفلوج إينياس (أع 9: 34) فأقامه من سرير مرضه، كما قدمه عندما أقام طابيثا من الموت (أع 9: 40).

+ من يرغب أن يقتني الحكمة يقول: "ليس ليّ فضة أو ذهب، ولكن الذي لي إياه أعطيك، باسم يسوع الناصري قم وامشِ". إذ لم يكن يملك فضة اقتنى عطية عمل المحبة في اسم المسيح. لذلك يُقال لكم أيضًا: "اسحبوا الحكمة إلى الأماكن الداخلية" (راجع أي 28: 18)، "إنها محجوبة عن عيني كل حي، ومتوارية عن طير السماء" (أي 28:21 الطبعة الكاثوليكية، دار المشرق ببيروت). لا يعرف البشر أين كانت، ولا الملائكة، لأنهم طيور السماء، الذين قيل عنهم: "رأيت ملاكًا طائرًا في وسط السماء" (رؤ 14: 6).

+ ليس باسمه الخاص به بل باسم المسيح. لكن كلمة "قم" هي أمر... حالة من يثق في حقه، وليس حال من هو في عجرفة بسلطانٍ ما.

القديس أمبروسيوس

+ "خلصني يا الله باسمك" (مز 54: 1). يقول إن استدعاء اسمك كفيل لسلامي. بنفس الطريقة تمم الرسل الإلهيون العجائب العظيمة؛ يقول الكتاب: "باسم يسوع المسيح قمْ وأمشِ" (أع 3: 6).

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

+ أما الآن فكثيرون، وإن كانوا لا يقولون بالكلمات، إنما يقولون بالأعمال: "ليس لي إيمان ولا تقوى، وإنما الذي لي فهو فضة وذهب، هذه لا أعطيها لك".

+ الآن يقدس ربنا بفقره فقر بيته. لذلك فلنفكر في صليبه، ونحسب الغنى ليس إلا تراب. لماذا نعجب بما يدعوه المسيح "مال الظلم" (لو 16: 9)؟ لماذا نحب ونبحث عما يفتخر بطرس أنه لا يملكه؟

+ لم يتثقل الرسل بثقل الغنى. لهذا استطاعوا أن يقفوا مثل إيليا عند شق الصخرة (1 مل 19: 11-13) وأن يعبروا خلال ثقب الإبرة، وأن يروا مجد الرب من خلف.

القديس جيروم

بلا شك وضعت ثروات كثيرة عند أقدام بطرس ويوحنا كما عند أقدام سائر الرسل، لكن لم يكن هذا يشغل أذهانهم، بل تركوا كل أحدٍ يأخذ ما يريده. لم يحمل الرسولان نصيبًا من هذه الأموال لتقديمها للفقراء في الطريق أو عند مدخل الهيكل، إنما حملا رب العالم كله ليهب بواسطتهما بفيضٍ ما هو أعظم من الفضة والذهب.

في دراستنا في إنجيل يوحنا كان تلقيب يسوع المسيح بالناصري فيه نوع من السخرية والاستخفاف، لكن الرسول يستخدم ذات اللقب ليعلن أن ما يحسبه العالم عارًا يحمل مجدًا إلهيًا فائقًا. هذا وقد ارتبط هذا اللقب بالصليب (يو ١٩: ١٩).

ولعل وضع اليد أو مدها للعمل يشير إلى حنو الله وحبه العجيب للإنسان، فإن كان يعمل بنعمته المجانية إلاّ أنه يقدمها خلال الذراع البشري. إنه لا يستخف بأيدينا، مع أننا عاجزون تمامًا عن العمل، وكل ما يتم خلالها إنما هو هبة مجانية من قبل الله.

إن كانت العطية المقدمة للأعرج هي هبة مجانية من الله لا فضل لأحدٍ فيها، لكن بطرس يعلن شوقه للعمل ومساعدة الأعرج.

+ لم يقل: "ليس معي الآن"، كما اعتدنا نحن أن نقول، بل بطريقة مطلقة قال: "ليس لي".

+ إن كان لأحد فضة وذهب لا يكون له تلك العطايا الأخرى. تقول لماذا إذن يوجد من ليس لهم لا هذا ولا ذاك؟ لأنهم ليسوا فقراء اختياريًا، أما الذين صاروا فقراء باختيارهم فلديهم كل الأمور الصالحة. إنهم وإن كانوا لا يقيموا موتى ولا يشفوا عرج، إلا أن لديهم ما هو اعظم من الكل، لهم ثقة فى الله. إنهم سيسمعون في ذلك اليوم الصوت الطوباوي: "تعالوا يا مباركي أبى". أي شيء يمكن أن يكون أفضل من هذا؟ "رثوا الملكوت المعد لهم منذ إنشاء العالم، لأني جعت فأطعمتموني..." (مت 25: 34-35). لنهرب إذن من الطمع، فننال ملكوت السماوات. لنطعم الفقراء، فنطعم المسيح، ونصير شركاء في الميراث في المسيح يسوع ربنا...

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لم يُشفَ المجمع اليهودي؛ لأن ذلك البلسم عبر إلى الكنيسة (إر 8: 22). لهذا أتى التجار من جلعاد (قابل تك 25:37)، أيضًا من امتلاكهم أو سكناهم في الناموس، وأحضروا سلعهم إلى الكنيسة. ليشفي ذلك البلسم خطايا الأمم، الذين قيل عنهم: "تشدَّدي أيتها الأيادي المسترخية، وتثبتي أيتها الركب المرتعشةَ!" (إش 3:35). والبلسم هو الإيمان النقي (غير الفاسد). مثلُ الإيمان الذي أظهره بطرس، حين قال للأعرج: "باسم يسوع المسيح الناصري قم وأمشِ!" (أع 6:3، قابل أع 1:3-11)، فقام ومشى حقًا كان لبطرس. نفس الإيمان حين قال للمفلوج: "يا إينياس يشفيك يسوعُ المسيحُ. قم وأفرِشْ لنفسك!" (أع 40:9) فقام وأعَّد فراشه. وكان له نفسُ الإيمان حينما قال للمرأة الميتة: "قومي باسم ربنا يسوع المسيح" (أع 40:9). وقامت الميتة!... بالدواءٍ المصنوعِ من هذا البلسم شُفى الأعرجُ، واستقام المشلولُ، وقامت الميتةُ حّيًة.

+ لنشتري القوت الذي به يمكننا أن نتجنب المجاعة. لا يرجع أحد بسبب فقره. لا يخف أحد لأن ليس لديه مال، فإن المسيح لا يسأل مالاً، بل يطلب إيمانًا، الذي هو أعظم من المال. بالحق إذ لم يكن لدى بطرس مالاً اقتناه (المسيح)... ويقول النبي إشعياء: "أيها العطاش جميعًا هلموا إلى المياه، والذي ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا، هلموا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن خمرًا " (إش 55: 1). لأن الذي دفع دمه ثمنًا لنا، لا يطلب ثمنًا منا، إذ لم يخلصنا بذهبٍ وفضةٍ بل بدمه الكريم (1 بط 1: 18-19).

القديس أمبروسيوس

"وأمسكه بيده اليمنى وأقامه،

ففي الحال تشددت رجلاه وكعباه". [7]

أمسكه القديس بطرس بيده اليمنى، التي تشير إلى القوة التي صارت له في المسيح يسوع. وفي إقامته لطابيثا: "ناولها يده وأقامها" (أع 9: 41). وفي إتمام كثير من الأسرار الكنسية يمد الأسقف أو الكاهن يده ليعلن مدْ السيد المسيح يمين قوته ليهب نعمةً خاصة. ففي سيامة الكاهن يضع الأسقف يده على رأس المرشح للكهنوت، وفي نوال الحل في سرّ الاعتراف يضع الكاهن يده على رأس المعترف، وفي سرّ الزواج يضع الكاهن يديه على رأسي العروسين.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس بطرس لم يقدم استعراضًا بما يفعله، إذ لم يطلب لنفسه كرامة، فقد شفاه عند مدخل الهيكل حيث لم يكن يقف أحد، بل كان الجمهور داخل الهيكل.

لم يسأله الرسول: أتؤمن أنك باسم يسوع تُشفي؟ لأن هذا الأعرج غالبًا ما كان والداه غير مؤمنين بيسوع المسيح، لهذا لم يحملاه إليه، ولا قدماه للتلاميذ. وغالبًا لم يكن للأعرج صديق يروي له ما فعله يسوع قبل صلبه، ولا ما فعله التلاميذ، لهذا لم يطلب منه أن يؤمن كشرطٍ لشفائه.

"فوثب ووقف وصار يمشي،

ودخل معهما إلى الهيكل،

وهو يمشي ويطفُر ويسبح اللَّه". [8]

لم يعد بعد محتاجًا إلى من يحمله، فقد حملته الأذرع الأبدية، ولا من يتكئ عليه فقد أقامه الرب ليحيا بروح القيامة وبهجتها!

معروف أن المشي عند الإنسان يحتاج إلى فترة تدريب طويلة، سواء بالنسبة للطفل بعد ولادته، أو بالنسبة للذين أصيبوا بمرض أو حادَث عاقهم عن المشي لمدة طويلة، فإنه لا يمكن أن يسيروا بعد شفائهم مباشرة. أما هذا ففي لحظات وقف وصار يمشي. لم يتمتع الأعرج بالشفاء فحسب، وإنما نال قوة فائقة، صار يعَّبر عنها بسرعة الحركة والانتفاضة من حالة العجز التي كان عليها. وكما قيل: "يعطي المعيي قدرة" (إش 40: 29)، "حينئذ يقفز الأعرج كالآيل، ويترنم لسان الأخرس" (إش 35: 6).

إنه منظر مبهج ملأ الحاضرين رهبة وعجبًا وبهجة. يرون الأعرج يثب متهللاً، ويمشى ويطفر.

لم يكن ممكنًا للأعرج أن يكتم مشاعره، فقد وثب كمن لا يريد أن يعيش في حالة العجز الكامل التي تقترب إلى الموت. إنه لأول مرة يتحرك بقدميه، فيقدم بكور هذه الحركة لحساب الله، فيدخل إلى الهيكل، يقدم ذبيحة الشكر والتسبيح للطبيب السماوي.

+ إنه لأمر عجيب أنه آمن هكذا سريعًا، فإن الذين شفوا من أمراض مزمنة بصعوبة يصدقون حتى أعينهم. ما أن شُفي حتى التصق بالرسولين، شاكرًا الله... لاحظوا كيف أنه لم يسترح، ملتهبًا بالبهجة، مبكمًا أفواه اليهود.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأبصره جميع الشعب وهو يمشي ويسبح اللَّه". [9]

تحركت قدما النفس إذ شُفيتا، فسار في طريق الخلاص، يسبح الله ويمجده على أعمال محبته. لم نسمع عنه أنه قدم شكرًا للرسولين، ولا وقف يمدح عملهما، لكن تسبيحه لله فرّح قلب الرسولين.

"وعرفوه أنه هو الذي كان يجلس لأجل الصدقة على باب الهيكل الجميل،

فامتلأوا دهشة وحيرة مما حدث له". [10]

هذا الذي كان يُحمل ليُوضع عند الباب الرئيسي للهيكل، بالكاد يزحف لمد يده يستجدي إحسان الناس، وقد صار منظره مألوفًًا لكل شعب إسرائيل والكهنة والفريسيين والصدوقيين... الآن يروه يثب متهللاً، يسبح ذاك الذي صلبوه. ‍

صارت دهشة إذ لم يستطيعوا إنكار الحق، وقد سلكوا في الباطل وظنوا إنهم كتموا الحق ودفنوه، إذا بالحق يتجلي، وصارت الشهادة له لا تُقاوم. أصيبوا بدهشة وبحيرة، لا يعرفون ماذا يفعلون، هوذا دم يسوع المسيح يصرخ في القلوب. لم يكن ممكنًا مقاومة هذا العمل الإلهي للأسباب التالية:

+ يعاني الأعرج من هذا المرض منذ ولادته، أي لمدة ٤٠ عامًا (أع ٤: ٢٢).

+ لم يكن الأعرج محتالاً، لأنه كان يُحمل إلى هذا الموضع العام أمام الجميع، وقد عرفه كل شعب أورشليم.

+ لا يمكن أن تكون هناك علاقة بينه وبين الرسولين، لأنه عند شفائه لم ينطق بكلمة شكر أو مديح لهما، بل كان يسبح الله، وإن كان قد صار ملتصقًا بهما لا يريد مفارقتهما.

+ كان الأعرج نفسه مقتنعًا أن ما حدث معه هو من الله.

حديث عن الإيمان باسم يسوع

"وبينما كان الرجل الأعرج الذي شُفي متمسكًا ببطرس ويوحنا،

تراكض إليهم جميع الشعب إلى الرواق،

الذي يقال له رواق سليمان،

وهم مندهشون". [11]

إذ صار الأعرج يسبح متهللاً تراكض الشعب من رواق إسرائيل، وتكدسوا في رواق سليمان الخارجي ليتعرفوا على حقيقة ما حدث. هنا وجد القديس بطرس الفرصة سانحة للكرازة أمام الشعب وعلى مسمع من الكهنة والكتبة وكل القيادات اليهودية. وجد الفرصة سانحة ليتحدث في رواق سليمان عن واهب الحكمة لسليمان، وهو أعظم من سليمان.

رواق سليمان: هو رواق ضخم مُغطي بسقفٍ، يحتل الجانب الشرقي من دار الأمم.

+ بدأ تعليمنا في "رواق سليمان" [11]، الذي هو نفسه علم بأنه يلزمنا أن نطلب الرب في بساطة قلب.

العلامة ترتليان

"فلما رأى بطرس ذلك أجاب الشعب:

أيها الرجال الإسرائيليون،

ما بالكم تتعجبون من هذا؟

ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟" [12]

صار بطرس الرسول يتكلم بكل قوة عن المصلوب القائم من الأموات، ولم يكن ممكنًا للصدوقيين الذين يقولون إنه لا قيامة من الأموات أن يعترضوا، فقد وقف الأعرج من بطن أمه يصدق على كلمات الرسول بالشهادة العملية التي لن يقدر أحد أن ينكرها أو يقاومها.

بدأ الرسول بتأكيد حقيقة خطيرة يسقط فيها كثير من العامة، بل وحتى من القيادات أصحاب المعرفة، حينما يظن الشعب أن ما يفعله قديس ما يمارسه بقوة تقواه أو قداسته، وأحيانا يصدق القادة ما يُقال عنهم، فيتصنعون التواضع، ويتمنعون عن قبول أية كرامة، وبهذه الصورة الخطيرة للتواضع المزيف يسقطون في كبرياءٍ داخلي مدمر.

بكل قوة قال الرسول: "ما بالكم تتعجبون من هذا؟ ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟" [12]

حقًا كان يمكن له أن يعلن أن ما حدث هو بقوة يسوع الناصري، ويقف عند هذا الحد. فيظن كثيرون أنه وإن كان ذلك قد تم بقوة يسوع، لكنه تم على يدي رجلٍ عظيمٍ تقيٍ قديسٍ، أما القديس بطرس فأصر أن لا دور له إلا من حيث قبوله وإيمانه بقوة يسوع الناصري المصلوب.

+ بالحقيقة كانا يزيدان من مجدهما باحتقارهما للمجد (الزمني)، مظهرين أن ما حدث لم يكن بعملٍ بشري، بل هو عمل إلهي، وأنه من جانبهما إذ نظرا المتطلعين إليهما بدهشةٍ لم يتقبلا هذه الدهشة منهم. ألا ترون كيف كان (بطرس) بعيدًا عن كل طمعٍ، وكيف رفض الكرامة المقدمة له؟ بنفس الكيفية سلك الآباء القدامى. كمثال قال دانيال: "أما أنا فلم يكشف لي هذا السرّ لحكمة فيَّ أكثر من كل الأحياء" (دا 2: 3). وأيضا يوسف: "أليست لله التعابير؟!" (تك 40: 8). وأيضا داود: "عندما جاء الأسد والدب باسم الرب مزقتهما بيدي" (راجع 1 صم 17).

+ من هذا نتعلم أمرًا عظيمًا، أعني أن غيرة الإنسان وحدها لا تكفي ما لم يتمتع ببركة المعونة من فوق. مرة أخرى هذه المعونة التي من فوق لا تفيدنا ما لم نكن نحن غيورين... الفضيلة منسوجة من هذين الخيطين. لهذا أحثكم ألا تضعوا كل شيء على الله وأنتم نائمون، ولا تظنوا أن بغيرتكم يصير كل شيء حسنًا، بجهودكم الذاتية. الله لا يريدنا كسالى، ولهذا فلا يفعل كل شيء بنفسه، ولا يريدنا أن نكون فشارين (معجبين بأنفسنا) لذلك لم يعطنا كل شيء. إنه ينزع من الطرفين ما هو ضار ويهبنا ما هو نافع لنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لن ينسب هؤلاء الرجال شيئًا لأنفسهم، بسبب قدرتهم على صنع مثل هذه الأعاجيب، معترفين بأنهم لم يصنعوا هذا عن استحقاقاتهم بل بحنو الرب. رفض الرسل الكرامة البشرية المقدمة لهم بسبب الاندهاش من معجزاتهم قائلين: "ما بالكم تتعجَّبون من هذا، ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوَّتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشى؟!" (أع 12:3). ولم يفكر أحد أن يتمجد من أجل المواهب الإلهية والأعاجيب، بل بالأحرى بثمار الأعمال الصالحة...

لهذا يحذر من وهبهم بنفسه هذا السلطان لصنع المعجزات والأعمال العجيبة بسبب قداستهم ألا ينتفخوا قائلاً: "ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أن أسماءَكم كُتِبَت في السماوات" (لو 20:10).

أخيرًا فإن الرب ينبوع كل المعجزات والأعمال القديرة هو بنفسه عندما دعا تلاميذه أن يتعلموا منه، أظهر لهم بوضوح ما ينبغي عليهم بحق أن يتعلموه بصفة رئيسية: "تعلموا مني"، ليس بصفة رئيسية أن تخرجوا الشياطين بقوة سماوية، ولا أن تطهروا البرص، ولا أن تشفوا العمي، ولا أن تقيموا الموتى، فإنه هذه الأمور أفعلها خلال خدامي، لكن لا يمكن بهذه الأمور أن يكون الإنسان ممدوحًا من اللَّه، ولا يقدر أن يكون بها تلميذًا أو خادمًا له... وإنما يقول: "تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 29:11)، فإن هذا ممكن لدى البشر عامة. إذ يمكنهم أن يتعلموه ويختبروه. أما صنع المعجزات والعلامات، فهذا ليس بضروري على الدوام، ولا هو مفيد للجميع، ولا يُوهب للكل.

التواضع هو سيد كل الفضائل، والأساس الأكيد للبناء السماوي، وعطية المخلص الخاصة السامية. يقدر الإنسان أن يتمم المعجزات التي صنعها السيد المسيح "باسم الرب" من غير خطر السقوط في الكبرياء، حينما يقتفي أثر الرب الوديع، لا في سمو معجزاته، بل في فضيلتي الصبر والتواضع. وأما الذي يهدف إلي أن يأمر الأرواح النجسة أو ينال مواهب الشفاء، أو إظهار بعض المعجزات الباهرة أمام الشعب، فإنه حتى وإن أظهرها تحت اسم المسيح، إلا أنه بعيد عن السيد المسيح، لأنه بكبرياء قلبه لا يتبع معلمه المتواضع.

في عودته إلي الآب، تهيأ ليتحدث بإرادته تاركًا لتلاميذه "وصية جديدة" وهي: "أن تحبُّوا بعضكم بعضًا، كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضًا بعضكم بعضًا"، وللحال أضاف: "بهذا يعرف الجميع إنكم تلاميذي إن كان لكم حبّ بعضًا لبعضٍ" (يو 34:13، 35). إنه لم يقل: "إن كان لكم أن تصنعوا علامات ومعجزات"، بل "إن كان لكم حبّ بعضًا لبعض". هذه الوصية بالتأكيد لا يقدر أن يحفظها إلا الإنسان الوديع والمتواضع.

لذلك فإن آباءنا السابقين لم يُحسبوا رهبان صالحين أو متحررين من خطأ المجد الباطل لأنهم يُخرجون الشياطين، ولا يتباهون بزهو أمام الجماهير المعجبة من النعمة التي نالوها أو ادعوها، وهكذا فإن من يصنع شيئًا من هذه الأمور (العجيبة) في حضورنا، يلزم أن نمدحه ليس إعجابًا بالمعجزات، بل لجمال سيرته، ولا نطلب أن تخضع لنا الشياطين، بل بالأحرى أن نحمل ملامح الحب التي يصفها الرسول.

الأب نسطور

"إن إله إبراهيم واسحق ويعقوب،

إله آبائنا مجَّد فتاه يسوع الذي أسلمتموه أنتم،

وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس،

وهو حاكم بإطلاقه". [13]

في الوقت الذي فيه حوّل الرسول أنظارهم عنه لكي لا يحسبوه تقيًا قديسًا، وجه أنظارهم إلى ذاك الذي سلموه للصلب وأنكروه بينما كان الوالي غريب الجنس يود إطلاقه. إنهم عاندوا إله إبراهيم واسحق ويعقوب الذي مجَّد ابنه الوحيد الجنس، كعادتهم قاوموا إله إسرائيل نفسه.

تعمد الرسول أن يدعو الآب هنا "إله إبراهيم واسحق ويعقوب" ليؤكد لهم أن ما ناله آباؤهم من مواعيد إلهية، إنما قد تحققت بتمجيد الابن الوحيد الجنس، في صلبه كما في دفنه وقيامته وصعوده. أقامه الآب ملكًا ورئيس كهنة سماوي وشفيعًا كفاريًا، ورأسًا للكنيسة لكي يهبنا شركة أمجاده.

شفاء الأعرج من بطن أمه شهادة حية لقيامة المصلوب، وبرهان عملي أن يسوع المصلوب لم يُصلب لأجل علةٍ واحدةٍ عليه تستلزم موته. لقد حوَّل أنظارهم عن معجزة شفاء أعرج من بطن أمه إلى معجزة الحب الإلهي خلال الصليب، ليتمتعوا بقوة قيامته، فالكل في حاجة إلى شفاء النفس الداخلية لكي تثب بتهليلٍ، تقوم من الفساد إلى عدم الفساد، وتنطلق من قبر الخطية إلى الهيكل السماوي.

اندهش القديس بطرس أنهم يندهشون بهذه المعجزة بينما لا يندهشون لقيامة المسيح من الأموات، القادرة أن تهب قوة القيامة للنفوس الميتة.

حول القديس بطرس أنظارهم من الأعرج إلى المسيح القائم من الأموات، فعوض الدهشة والحيرة لما رأوه ولمسوه يلزمهم أن يدهشوا لما حدث مع السيد المسيح، فإن هذا الأمر في غاية الخطورة، يمس حياتهم وخلاصهم الأبدي. إن كان الأعرج قد شُفي باسم يسوع القائم من الأموات، فكيف لا ينشغلون بالقائم من الأموات، خاصة وأنهم هم الذين صلبوه.

إذ كان اليهود يفتخرون بأنهم أبناء إبراهيم، فإن إله إبراهيم نفسه، الله الآب، شهد للابن الوحيد ومجَّده. وإن كانوا يفتخرون ببرّ الناموس فإن بيلاطس الأممي بذل كل الجهد لكي لا يشترك في جريمة قتله. وكأن إله السماء يشهد له، وسكان الأرض حتى الذين بلا ناموس يعترفون ببراءته.

"ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار،

وطلبتم أن يًوهب لكم رجل قاتل". [14]

قدم بطرس صحيفة اتهام خطيرة ضدهم إذ ارتكبوا الجرائم التالية:

+ قاوموا إله آبائهم، إله إبراهيم واسحق ويعقوب [١٣].

+ قاوموا باطلاً السلطات الزمنية، التي تمثلت في بيلاطس بنطس.

+ ارتكبوا جريمة قتل للمسيا القدوس البار.

+ ارتكبوا غباوة وجهالة، إذ فضلوا رجلاً قاتلاً عن القدوس (لو ٢٣: ١٩؛ مر ١٥: ٧).

+ قتلوا واهب الحياة، قائد معركة الخلاص.

+ قاوموا الآب الذي أقامه، وهم لا يزالون يرفضونه!

"ورئيس الحياة قتلتموه،

الذي أقامه اللَّه من الأموات،

ونحن شهود لذلك". [15]

لقد كان بيلاطس في صراعٍ داخلي، وقد بذل كل الجهد لكي يبرئه، وكانت آخر محاولة له أنه طلب أن يطلقه ليس من أجل براءته، وإنما من أجل العيد كعادتهم. لقد سجل عليهم دون أن يدري أنهم فضلوا رجلاً قاتلاً عن يسوع المسيح. طلب منهم أن يطلق ملكهم، فرفضوا مُلكه، وقبلوا أن يكون قيصر ملكًا عليهم. لقد صاروا بلا ملك ولا ملكوت!

حسدهم وكراهيتهم للحق لا تحتاج إلى شهادة، فقد صلبوا البار، وأطلقوا باراباس القاتل واللص. حكم هؤلاء القادة على أنفسهم أنهم لا يطلبون البرّ ولا الحق، إنما يخشون على مراكزهم ومصالحهم المادية على حساب ضمائرهم.

وقف بطرس الأمي الجليلي يحاسب رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين وقادة الفكر، المؤتمنين على الشريعة وحفظها. صياد السمك البسيط كشف في بساطة على موازينهم المختلة.

"رئيس الحياة": الكلمة اليونانية لا تشير إلى رئاسة، وإنما صاحب الحياة أو مصدرها. وهو تعبير عسكري، إذ يظهر السيد المسيح كقائد للمعركة ضد الموت ليهب حياة للذين سقطوا تحت أسر الموت. لقد ظنوا أنهم قادرون على التغلب عليه بقتله، ولم يدركوا أن بموته داس الموت، وبقتله قتل الفساد وحطمه. إنه قائد معركة الخلاص!

قتلوا واهب الحياة، لكنهم كانوا عاجزين على إبادته، إنما قتلوا الحياة التي فيهم، وحرموا أنفسهم من المتمتع به بكونه الحياة والقيامة.

يقدم الرسول شهادة حية لقيامة المسيح، ليس بكونه قد رآه وتلامس معه وتحدث وأكل معه خلال الأربعين يومًا من قيامته إلى صعوده، وإنما لأنه يشهد به قائمًا فيه، فيتمتع بالحياة المقامة. وكما يقول الرسول بولس: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات".

في تعليق العلامة أوريجينوس على قول السيد المسيح: "متى خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة، وإذ لا يجد يقول: ارجع إلى بيتي الذي خرجت منه... ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح أخر أشر منه (لو 11: 24-26)، يقول بأن هذا ينطبق على حال الشعب اليهودي. [فإن الذين لم يؤمنوا بابن الله لم يعد بهم "روح شرير" مثلما كان اليهود في مصر، بل يمتلئوا بالأرواح الشريرة أيضًا، وبهذا صارت أواخرهم أشر من أوائلهم. الآن هم يعانون من أمورٍ أشر مما كانوا عليه وهم في مصر، إذ ليس فقط لم يؤمنوا بيسوع المسيح، بل "قتلوا رئيس حياتنا"، فحُرموا من الحياة. لا يعود يقول النبي بينهم: "هكذا يقول الرب". لا تعود توجد بينهم علامة، ولا أمر عجيب، ولا إشارة عن إعلان الله وحضوره. فقد عبرت الخيرات إلينا نحن الأمم، ككلمة ربنا يسوع: "ملكوت السماوات يُنزع منهم ويُعطى لشعب يحمل ثمرًا" (راجع مت 21: 43). نحن هو هذا الشعب الذي أُعطي له ملكوت الله، غنى الإنجيل.]

+ أية خطية أعظم أن يصلب الإنسان المسيح، ومع هذا فإن العماد يغسلها؟ لأنه تحدث بطرس مع الثلاثة آلاف الذين جاءوا إليه. هؤلاء الذين صلبوا الرب، إذ سألوه قائلين: "ماذا نصنع أيها الرجال الاخوة؟!" (أع 37:2) فإن الجرح عظيم؟! لقد جعلتنا يا بطرس نفكر في خطيتنا بقولك: "رئيس الحياة قتلتموه" (أع 15:3). فأي تضميد يصلح لجرحٍ عظيمٍ كهذا؟! أي تطهير يكون لغباوةٍ كهذه؟! أي خلاصٍ لهلاك مثل هذا؟! يا لحب اللَّه المترفق غير المنطوق به؟! مع أنهم كانوا بلا رجاء من جهة خلاصهم، لكنهم مع ذلك تأهلوا للروح القدس (أع 38:2)! هل رأيت قوة المعمودية؟! إن كان أحدكم يصلب المسيح بكلمات تجديفه، إن كان أحدكم ينكره في جهل أمام الناس، إن كان أحدكم يجدف على التعاليم بكلمات شريرة، فليتب، وليكن له رجاء صالح، لأن النعمة حاضرة إلى الآن.

تشجعوا... الرب يطهركم! "تشجعي يا أورشليم فإن الرب ينزع عنك كل آثامك" "الرب يغسل دنس أبنائه وبناته بروح القضاء وبروح الاحتراق" "سيرش عليكم ماءً طاهرًا، فيطهركم من كل خطيتكم" (راجع صف 14:3، 15، إش 4:4، حز 25:36).

سترقص الملائكة حولكم قائلة: "من هذه الطالعة في ثوب أبيض مستندة على حبيبها" (راجع نش 5:8.).

القديس كيرلس الأورشليمي

يرى القديس ايريناؤس أن السيد المسيح جاء ليخلص الكل خلال نفسه. صار طفلاً بين الأطفال ليقدس الأطفال، وصبيًا بين الصبيان ليقدسهم... وأخيرا مات ليكون بكرًا من بين الأموات، "لكي يكون هو متقدمًا في كل شيء" (كو 1: 18) كائنًا قبل الكل، ومتقدمًا الكل.

"وبالإيمان باسمه شدد اسمه،

هذا الذي تنظرونه وتعرفونه،

والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم". [16]

ما يصبو إليه الرسول في كل حديثه هو جذب كل نفسٍ للإيمان بالقائم من الأموات، والتمتع بقوة اسمه القدوس.

ما قد تمتع به هذا الأعرج من صحة الجسد وتهليلٍ لنفسه وتسبيح، إنما بقوة اسم يسوع. إنها دعوة لكي يؤمن الكل باسمه، فيتمتعون بشخصه وقوته وسماته.

لا يقصد بالكلمة "اسم" مجرد لقب أو الاسم في ذاته، بل شخص يسوع المسيح، وقوته وسلطانه. فالإيمان باسم يسوع يعني الإيمان بشخصه وسلطانه وتدابيره الإلهية.

"تنظرونه وتعرفونه": رأوا الرب خلال شفاء الرب للأعرج، وتعرفوا على شخصه وقدرته وحبه الفائق للإنسان!

"أمام جميعكم": ما حدث كان علانية أمام الجميع، فأنتم شهود على أنفسكم إن لم ترجعوا إليه.

"والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم". [16]

+ الإيمان سراج، وكما ينير السراج البيت هكذا ينير الإيمان النفس.

+ الإيمان هو نور النفس، طريق الحياة، أساس الخلاص الأبدي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ الإيمان المسيحي يشبه حبة خردل، يبدو للنظرة الأولى شيئًا صغيرًا تافهًا وضعيفًا، لا يُظهر بوضوح قوته الحقيقية؛ عندما تبدأ تهاجمه تجارب متنوعة عندئذ يظهر نشاطه خارجيًا وقوته ويتنسم إيمانه الناري بالرب ويُثير نوع من الهوى الإلهي لا ليلتهب هو نفسه فقط بل ويلهب كل ما في داخل مجاله.

القديس أمبروسيوس

+ بالرغم من أن كثيرين من اليهود شعروا بمرارة من مثل هذا الحديث الرفيع إلا أنهم كبحوا غضبهم رغمًا عن إرادتهم، إذ أنهم خجلوا من عظمة المعجزة.

هناك نقطة أخرى ينبغي ألا ننساها، وهي أن المسيح إذ وشح أولاً الرسل القدّيسين بقوات عظيمة هكذا، فإنه يدعوهم بعد ذلك للانطلاق بسرعة. ويبدأوا عملهم في إعلان سرّه إلى سكّان الأرض كلها. لأنه كما أن الثوّار المقتدرين بعد أن يزوّدوا جنودهم الشجعان بأسلحة الحرب يرسلونهم ضد كتائب العدو، هكذا يفعل المسيح، مخلصنا وربّنا جميعًا. يرسل معلّمي أسراره، القدّيسين، موشحين بالنعمة التي يمنحهم إيّاها، ومجهّزين كليّة بالسلاح الروحاني ضد الشيطان وملائكته، لكي يكونوا مقاتلين أشدّاء غير مغلوبين. لأنهم كانوا على وشك أن يدخلوا في معركة مع أولئك الذين سيطروا على سكّان الأرض في الزمن القديم، أي أن يحاربوا ضد القوّات الشرّيرة المضادة...

القديس كيرلس الكبير

+ يلزم أن يعِّدك الإيمان ومخافة الرب لمواجهة أي شيء وكل شيء.

لتكن خسارة للأشياء القريبة منك والعزيزة لديك، فقدان الصحة بسبب مرض خطير، أو حرمان من الزوجة والأطفال. مثل هذه الأمور يلزم ألا تكون فرص لتربكك بل بالأحرى لحفظك. مثل هذه المصائب يلزم ألا تضعف إيمان المسيحي أو تزيله بل بالأحرى هي فرص لكي تقوم هذه الفضيلة بغيرة متجددة أثناء الصراع.

يلزمنا أن نتجاهل الشرور الحاضرة، مرتبطين برجائنا في المكافأة السماوية.

حيث لا يوجد صراع لا يمكن أن توجد نصرة. حيث تثور المعركة تُوهب النصرة، عندئذ ينال الغالب المكافأة.

يبرهن قائد السفينة على استحقاقه أثناء العاصفة، والجندي في المعركة. الشجرة ذات الجذور العميقة لن تسقط حتى إن هزتها الرياح. هكذا أيضًا الرسول بولس بعد أن انكسرت السفينة به، مع القيود واحتمال آلام جسدية كثيرة لم يتحدث بقلبٍ منكسرٍ بل بالأحرى صار إلى حالٍ أفضل بالمخاطر التي واجهها. فإنه بقدر ما تعذب بأمور خطيرة، كان بالأكثر يتزكى بأنه مستحق للمديح الحقيقي.

الشهيد كبريانوس

من وحي أعمال الرسل ٣

هب لي قدمين تعبران إلى هيكل قدسك!

+ مع ذاك الأعرج من بطن أمه تئن نفسي.

أقف كما عند باب الجميل أطلب صدقة،

ولا أدخل إلى الجمال ذاته،

الذي يود أن يسكب بهاءه عليَّ.

أطلب صدقة، وأبي هو خالق السماء والأرض!

يا لعجزي! ويا لغباوتي!

+ لأسمع صوت كنيستك:

ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي، فإياه أعطيك.

باسم يسوع الناصري قم وامشِ.

اسمك العجيب هو وحده يهبني صحة لنفسي كما لجسدي.

باسمك تسير قدماي إلى هيكل قدسك.

أدخل كما إلى السماء،

أثب متهللاً مع أنبيائك ورسلك وكل قديسيك.

+ سمروك يا رئيس الحياة على الصليب،

فككت قيودي،

لأجري نحو عرش نعمتك.

صلبوك بين الآثمة،

وختموا قبرك كي يحبسوك.

فأقمتني مع الطغمات السمائية،

وأصعدت قلبي إلى سماواتك!

قمت محطمًا الموت،

فأقمتني لأتمتع بحرية مجد أولاد الله.

+ ليفرح كل الأنبياء الذين اشتهوا يومك!

فإني أشهد أن وعودك صادقة وأمينة!

لقد حلّ اليوم الذي فيه أتمتع بالفرح، وأرى وجهك الإلهي!

+       +        +

إنجيل القداس من متى 10 : 1 – 15 

1 ثم دعا تلاميذه الاثني عشر و اعطاهم سلطانا على ارواح نجسة حتى يخرجوها و يشفوا كل مرض و كل ضعف
2 و اما اسماء الاثني عشر رسولا فهي هذه الاول سمعان الذي يقال له بطرس و اندراوس اخوه يعقوب بن زبدي و يوحنا اخوه
3 فيلبس و برثولماوس توما و متى العشار يعقوب بن حلفى و لباوس الملقب تداوس
4 سمعان القانوي و يهوذا الاسخريوطي الذي اسلمه
5 هؤلاء الاثنا عشر ارسلهم يسوع و اوصاهم قائلا الى طريق امم لا تمضوا و الى مدينة للسامريين لا تدخلوا
6 بل اذهبوا بالحري الى خراف بيت اسرائيل الضالة
7 و فيما انتم ذاهبون اكرزوا قائلين انه قد اقترب ملكوت السماوات
8 اشفوا مرضى طهروا برصا اقيموا موتى اخرجوا شياطين مجانا اخذتم مجانا اعطوا
9 لا تقتنوا ذهبا و لا فضة و لا نحاسا في مناطقكم
10 و لا مزودا للطريق و لا ثوبين و لا احذية و لا عصا لان الفاعل مستحق طعامه
11 و اية مدينة او قرية دخلتموها فافحصوا من فيها مستحق و اقيموا هناك حتى تخرجوا
12 و حين تدخلون البيت سلموا عليه
13 فان كان البيت مستحقا فليات سلامكم عليه و لكن ان لم يكن مستحقا فليرجع سلامكم اليكم
14 و من لا يقبلكم و لا يسمع كلامكم فاخرجوا خارجا من ذلك البيت او من تلك المدينة و انفضوا غبار ارجلكم
15 الحق اقول لكم ستكون لارض سدوم و عمورة يوم الدين حالة اكثر احتمالا مما لتلك المدينة


 

سفراء الملك

اختار السيّد المسيح تلاميذه ورسله كسفراء عنه، يعملون بروحه القدّوس، ليحقّقوا ملكوته فينا.

"ثم دعا تلاميذه الإثنى عشر،

وأعطاهم سلطانًا على أرواح نجسة حتى يخرجوها،

ويشفوا كل مرض وكل ضعف" [1].

دعا السيّد هؤلاء الإثني عشر ليتتلمذوا على يديه، يسمعوه ويرافقوه في أعماله المعجزيّة وصلواته وحتى أثناء طعامه، لكي يتفهّموا بالروح القدس أسراره ويعيشوا بفكره. هذا الفكر هو ما نسميه بالفكر الإنجيلي أو الفكر الرسولي، عاشه الرسل إنجيلاً حيًا وتلمذوا آخرين عليه. وهكذا صار التقليد الكنسي في جوهره هو استلام هذا الفكر بطريقة حيّة عمليّة وتسليمه من جيلٍ إلى جيلٍ.

وقد ذكر الإنجيلي أسماء الإثني عشر رسولاً بعد أن أعلن السلطان الذي وُهب لهم من قبل الرب على الأرواح النجسة لإخراجها وعلى المرض وكل ضعفٍ، ويلاحظ في هذا الاختيار أمران:

أولاً: أن التلاميذ ليسوا أصحاب مواهب خارقة، أو من الشخصيّات البارزة في المجتمع، وإنما هم أناس عاديّون، بل وغالبيتّهم من طبقات فقيرة ليؤكّد أن فضل القوّة لله لا منهم.

ثانيًا: جاء الاختيار خليطًا عجيبًا من الشخصيّات، فمنهم متّى العشّار الذي يعتبره الكثيرون قد باع نفسه للرومان من أجل الربح المادي، وعلى نقيضه سمعان الغيور أو القانوني. فالغيورون هم جماعة من اليهود متعصّبون لقوميّتهم إلى أبعد الحدود يطالبون بالتحرّر من نير الحكم الروماني مهما كلّفهم الثمن. يرفضون قيام أي "ملك" غير الله نفسه، مستعدون للأسف أن يقوموا بأعمال تخريبيّة لأجل تحرير وطنهم من الرومان. ومن بينهم أيضًا سمعان بطرس المقدام، وأخوه أندراوس الذي يميل إلى الصمت، ويوحنا بن زبدي المملوء بعاطفة الحب، وتوما الكثير الشك. ففي المسيح يسوع اجتمع هؤلاء جميعًا ليتقدّسوا معًا كأعضاء بعضهم لبعض يعملون بروحٍ واحدٍ للكرازة بالإنجيل الواحد.

أما رقم 12 فكما سبق فأشرنا في أكثر من موضع يرمز إلى مملكة الله على الأرض، حيث يملك الثالوث (3) في كل جهات المسكونة الشرّق الغرب والشمال والجنوب (4).

2. حدود الكرازة

"هؤلاء الإثنا عشر أرسله يسوع وأوصاهم قائلاً:

إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريّين لا تدخلوا.

بل اذهبوا بالأحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" [5-6].

في بدء كرازتهم حدّد لهم منطقة الكرازة "بالأمة اليهوديّة" دون أن يتجاوزوها إلى مدينة للسامريّين أو طريق للأم، على أنه قبيل صعوده أعلن لهم حدود الكرازة بقوله في نفس الإنجيل: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم" (28: 19). فإنه لم يسمح لهم بالكرازة بين الأمم إلا بعد أن يُعلن اليهود رفضهم للمسيّا. لم يكن هذا تحيزًا لليهود على حساب الأمم، وإنما لكي لا يتشكّك اليهود في رسالته المسيحانيّة، فإذا ما رفضوه ينفتح الباب للأمم، وإن كان السيّد المسيح نفسه لم يحرم السامرة من خدمته وبعض الأمميّين من التمتّع ببركات نعمه.

ويلاحظ أن الكلمة "أوصاهم" جاءت في اليونانيّة Paragellein وهي تستخدم في ظروف معيّنة، منها:

أولاً: في القيادات العسكرية في الجيوش، وكأن السيّد يمثّل القائد الأعلى في معركة دائمة ضدّ إبليس وكل أعماله. على تلاميذه أن يتهيّأوا للخدمة، لا كطريق للكرامة، بل للجهاد الروحي المستمر والقتال ضدّ عدوّ الخير نفسه. ليس ضدّ بشر، وإنما ضدّ الشيطان والقوات الروحيّة الشرّيرة (أف 6: 10-12).

ثانيًا: تستخدم من الصديق حينما يدعو أصدقاءه للمساندة، هنا يظهر السيّد المسيح في علاقته بتلاميذه على مستوى علاقة الصداقة فوق الرسميّات والبروتوكولات.

ثالثًا: يستخدمها المعلّم أو الفيلسوف مع تلاميذه ومريديه، وكأن السيّد المسيح يتحدّث مع تلاميذه كمريديه الذي يتتلمذون على يديه ليحملوا فكره.

رابعًا: تستخدم أيضًا في الأوامر الإمبراطورية، وكأنما السيّد المسيح هو الملك الذي يرسل سفراءه، يحملون سماته شهادة حق له، ويعلنون دستوره الروحي في حياتهم كما في كرازتهم.

ويرى القدّيس كبريانوس أن هذه الوصيّة لا تزال حيّة وتلتزم بها الكنيسة، فمدينة السامريّين تعني جماعة المنشقّين، وطريق الأمم يعني طريق الهراطقة. فالكنيسة مع اتّساع قلبها للعالم كلّه المؤمن وغير المؤمن لتغسل أقدام الجميع، لا تقبل في شركتها جماعة المنشقّين أو تعاليم الهراطقة، بل تحذر أولادها وتحفظهم منهم.

3. موضوع الكرازة

"وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين:

أنه قد اقترب ملكوت السماوات" [7].

لقد حدّد موضوع الكرازة ألا وهو "التوبة"، بكونها طريق الملكوت السماوي. وقد سبق فعرّفنا التوبة أنها ليست جانبًا سلبيًا، أي مجرد تخلِّي عن الشرّ ورفض كل خطيّة، وإنما هي عمل إيجابي فعّالاً في حياة المؤمن، وهو قبول عمل الروح القدس فينا الذي يهب ويعطي ويشبع! التوبة هي تغيير لاِتّجاه القلب الداخلي والفكر وكل طاقات الإنسان، فبعدما كانت متّجهة نحو الأرضيّات تصير في المسيح يسوع ربّنا بالروح القدس متّجهة نحو ملكوت السماوات. بمعنى آخر فيما يرفض الإنسان الخطيّة وكل ما هو غريب عن الله إذ به ينعم بالله السماوي نفسه وكل ما له من نعمٍ وهباتٍ مشبعةٍ. وكأن التوبة هي تفريغ وامتلاء بغير انقطاع، ترك وأخذ، جوع وشبع في نفس الوقت.

لا يريدنا الله أن نسلك في حالة حرمان وكبت، وإنما بالعكس خلال التوبة يريدنا أن نعيش في حالة شبع وفرح وتهليل وتمتّع بالأمور الفائقة، فيسلك الإنسان على الأرض بفكر سماوي!

بهذا نستطيع أن نميّز بين التوبة العاملة فينا بالروح القدس والتوبة التي هي من صنع أنفسنا. الأولى تدخل بنا إلى ملكوت السماوات، فنعيش مع الآب في ابنه بالروح القدس، أمّا الثانية فهي حرمان ممّا هو أرضي، دون تمتّعٍ بما هو سماوي، الأولى توَلِّد فرح الروح ومحبّته وسلامه الخ. والثانية توََلِّد حزنًا قاتلاً وضيقًا في القلب وقلقًا ومرارة. الأولى تنطلق بالنفس من مجدٍ إلى مجدٍ لتبلغ إلى ذروة السماويّات، والثانية تنحدر بالإنسان من هوانٍ إلى هوانٍ، فيعيش في قنوطٍ مستمرٍ يدفع به إلى الهاوية!

4. إمكانيّات الكرازة

"اشفوا مرضى، طهِّروا بُرصًا، أقيموا موتى، اخرجوا شيّاطين،

مجانًا أخذتم مجانًا أعطوا.

لا تقتنوا ذهبًا ولا فضّة ولا نحاسًا في مناطقكم.

ولا مذودًا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا،

لأن الفاعل مستحق طعامه" [8-10].

قبل أن يسألهم عدم اقتناء ذهب أو فضّة أو نحاس، قدّم لهم إمكانيّات جبّارة تسندهم في الخدمة من شفاء للمرضى وتطهير للبرص وإقامة الموتى وإخراج الشيّاطين. وكأن السيّد لم يحرمهم من الأمور الزمنيّة إلا بعد أن قدّم لهم كنوز محبّته العميقة.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ أراد أن يدرّبهم على كل الكمال طلب منهم ألا يفكّروا فيما يخص الغد... فإن كان يرسلهم كمعلّمين للعالم كله، هذا جعلهم وهم بشر ملائكة، مبرّرا إيّاهم من كل اهتمام أرضي حتى لا ينشغلوا إلا باهتمام واحد وهو التعليم، بل بالأحرى أراد أن يحرّرهم حتى من هذا الأمر بقوله: "لا تهتمّوا كيف أو بما تتكلّمون" [19].]

يلتزم التلميذ ألا يقتني شيئًا، فإن السيّد المسيح هو ذهبه وفضّته ونحاسه وطعامه وثوبه وطريقه وعصاه.

السيّد المسيح هو ذهبنا، فإن كان الذهب في الكتاب المقدّس يُشير إلى الحياة السماويّة، فإن المسيح هو سرّ الدخول بنا إلى الحياة السماويّة، أو هو كنزنا السماوي الذي يسحب قلبنا إليه. السيّد المسيح هو فضّتنا، فإن كانت الفضّة ترمز لكلمة الله (مز 12: 6)، فإنه بالحق حكمة الله الحيّ الذي يعمل فينا وبنا لكي يدخلنا إلى حضن أبيه. وهو نحاسنا، نلبسه فنصير به أقوياء ندك الطريق فلا تقدر العثرات أن تعوقنا عن الملكوت. وهو الطعام الذي به نقتات فنعيش في حالة شبع دائم، فلا نشتهي الزمنيّات ولا نطلب ملذّاتها. وهو الثوب الذي به نلتحف فيسترنا في عينيّ الآب، ونُحسب كأبرار في دمه الطاهر. إنه طريقنا الذي به ننطلق إلى أبيه لنحيا معه في أحضانه، شركاء في المجد الأبدي. إنه العصا التي حطّمت الشيطان خلال الصليب، فصار لنا الغلبة والنصرة. إذن لم يحرم السيّد المسيح تلاميذه من شيء، مقدّمًا نفسه سرّ شبع لكل احتياجاتهم.

أما بخصوص الأحذية، فإنها إذ تُصنع من جلد الحيوانات الميّتة ترمز إلى الأعمال الشرّيرة المهلكة، لهذا يقول القدّيس جيروم: [لأنه عندما ألقى الجند القرعة على ثياب السيّد لم يكن معها أحذية ينزعونها عنه. لأنه وإن مات السيّد بالجسد لكن لم يوجد فيه أعمال ميّتة.]

يمكننا أن نقول بأن الإمكانيّات التي قدّمها السيّد لتلاميذه هي إمكانيّات التوبة في أعلى صورها، فإنهم إذ يقتنون السيّد المسيح نفسه عِوض الذهب والفضّة والنحاس والمذود والثياب والعصا، فيكون هو كل شيء بالنسبة لهم، يستطيعون أن يطالبوا العالم بالتوبة، أي قبول المخلّص كمصدر شبع لهم عِوض الخطيّة التي قدّمت لهم الضيّق والعوز والمرارة.

لا يستطيع الكارز بالسيّد المسيح أن يقدّم للآخرين السيّد المسيح كسِر غِنى النفس وشفائها، بينما يرتبط هو بأمور العالم ويستعبد نفسه لها!

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على هذه الوصيّة الإلهيّة للتلاميذ الكارزين بقوله: [إنه يَقطع كما بمنجل محبّة المال التي تنمو دائمًا في القلوب البشريّة.] لكنّه وهو يقطع وهبهم البديل الذي به يستطيع الرسول بطرس أن يقول: "ليس لي فضّة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإيّاه أعطيك؛ باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش" (أع 3: 6). لم يعطه مالاً لكنّه أعطاه باسم السيّد صحّة التي هي أفضل من المال.

كما يُعلّق أيضًا ذات القدّيس بقوله: [للكنيسة ذهب لا لكي تخزنه، وإنما لتوزِّعه وتنفقه على المحتاجين.]

5. سلوكهم أثناء الكرازة

"وأيّة مدينة أو قرية دخلتموها فافحصوا من فيها مستحق،

وأقيموا هناك حتى تخرجوا.

وحين تدخلون البيت سلّموا عليه.

فإن كان البيت مستحقًا فليأتِ سلامكم عليه،

ولكن إن لم يكن مستحقًا فليرجع سلامكم إليكم" [11-13].

عندما يدخلون مدينة أو قرية يبحثوا عن بيت له سمعته الطيّبة ويقيموا فيه، ولا ينتقلوا من بيت إلى آخر حتى لا تتحوّل خدمة الكلمة إلى خدمة المجاملات، وإنما يركِّزون فكرهم وجهدهم في العمل الكرازي وحده.

هذا ومن جانب آخر أراد السيّد لهم أن يعيشوا بلا همّ، ليس فقط لا يقتنون ذهبًا أو فضّة أو نحاسًا، وإنما أيضًا لا يضطربون من جهة الخدمة نفسها؛ عليهم أن يقدّموا الكلمة كما هي ولا يضطربوا إن رفضها أحد! إنهم كارزون فحسب لكن الله هو الذي يعمل بهم وفيهم.

+         +          +

 

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt