طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 17 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 40 : 2 ، 3

مت 7 : 22 - 25

مز 89 : 24 ، 19

لو 13 : 23 - 30

1 كو 3

1 - 8

2 بط 1

1 - 11

أع 15

13 - 29

مز 61 : 1 – 3

لو 14 : 25 – 35

البولس من 1 كورنثوس 3 : 1 – 8

1 و انا ايها الاخوة لم استطع ان اكلمكم كروحيين بل كجسديين كاطفال في المسيح
2 سقيتكم لبنا لا طعاما لانكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الان ايضا لا تستطيعون
3 لانكم بعد جسديون فانه اذ فيكم حسد و خصام و انشقاق الستم جسديين و تسلكون بحسب البشر
4 لانه متى قال واحد انا لبولس و اخر انا لابلوس افلستم جسديين
5 فمن هو بولس و من هو ابلوس بل خادمان امنتم بواسطتهما و كما اعطى الرب لكل واحد
6 انا غرست و ابلوس سقى لكن الله كان ينمي
7 اذا ليس الغارس شيئا و لا الساقي بل الله الذي ينمي
8 و الغارس و الساقي هما واحد و لكن كل واحد سياخذ اجرته بحسب تعبه 

فلاحة اللَّه وبناء اللَّه

 في الأصحاح الأول سحب الرسول قلب الشعب إلي الصليب ليتحد الكل معًا في المسيح يسوع بروح الحكمة والقوة عوض الانشغال بالانشقاقات والانقسامات. وفي الإصحاح الثاني قدم لهم الروح القدس واهب الشركة ومقدم الحكمة الحقة لكي يتمتع الكل باستنارة الروح ويكون لهم فكر المسيح، ويدرك الكل الروحيات عوض بقائهم أناسًا طبيعيين يجهلون ما هو للَّه. هذا هو روح الشركة والوحدة بينهم في الرب. أما هنا فيقدم اللَّه العامل في حياة الكنيسة. وكأنه في الإصحاح الأول تحدث عن دور الأقنوم الثاني، الكلمة المتجسد المصلوب لأجل خلاصنا، وفى الثاني عن دور الروح القدس، والثالث دور الأب. فوحدة الكنيسة تشغل الثالوث القدوس، العامل معًا لأجل وحدتنا معا في الرب.

إن كانت الكنيسة هي فلاحة اللَّه [9]، أو كرمه، فإن الكل يعملون مع اللَّه [9]، كل حسب موهبته [5]. لكن اللَّه وحده هو الذي ينمي. وإن كانت الكنيسة هي بناء اللَّه [9] فإن هذا البناء هو من عمل اللَّه نفسه حيث وضع المسيح نفسه أساسًا واحدًا للكل، ويسكن الروح القدس الواحد في هذا البناء، فيقيم منا هيكلاً مقدسًا للَّه [17].

اللَّه مهتم بنا بكوننا فلاحته وبناءه، فلماذا ننشغل بالعاملين في الكرم أو البناء؟ لقد أقامهم اللَّه من أجلنا. كل شئ هو لنا!

حلول الانقسام بين الجسديين

يبدأ الرسول بولس بتوبيخهم من أجل ضعفهم كأطفال لم ينضجوا بعد في الروحيات. لهذا لم يستطع أن يتحدث معهم كروحيين بل كأطفال في المسيح [1]. لقد قبلوا الأسس الأولى للإيمان المسيحي، لكنهم لم ينضجوا بعد في فهمهم لها، ولا تمتعوا بالقداسة اللائقة بهم، بل انشغلوا بالفلسفة والحكمة في تشامخ وكبرياء. لهذا التزم أن يتعامل معهم كأطفالٍ في معرفة الأمور المقدسة.

"وأنا أيها الاخوة لم استطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين،

كأطفالٍ في المسيح" [1].

"كجسديين"، هنا يشير إلي الأشخاص الذين لا يبالون بمجد اللَّه ولا يطلبون ما لبنيان اخوتهم، بل في أنانية يطلبون ملذات أنفسهم. يتحدث معهم كجسديين sarkihios أو skrhinois وهى تعني أناسًا تحت تأثير الشهوات الجسدية، يدب فيهم الحسد، وينشغلون بالزمنيات.

كلمة "أطفال" هنا تقابل الكاملين في النضوج أو الكاملين في المسيح (كو 1: 28، عب 5 : 13-14). إنهم يعيشون في المسيح، لكن في ضعف كما لو كانوا أطفالاً لم يسلكوا نحو الإنسان الكامل إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4 : 13).

يشبه المؤمنين بطريقة رمزية تارة كأطفال وأخرى كعذراء وثالثة كرجال وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لتفسر معي بطريقة رمزية الأطفال كما جاء في العبارة "لم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين كأطفال في المسيح" [1]، ونفسر النساء كما جاء في القول: "أريد أن أقدمكم جميعًا كعذراء عفيفة للمسيح"، والرجال كما جاء في القول:" وإذ صرت رجلاً أترك ما هو للأطفال".]

إنهم أطفال في المسيح، عاجزون عن أخذ قرارٍ فيما يخص حياتهم الإيمانية، أو أنهم غير أهل للتمييز بين معلمٍ وآخر، حتى يصدروا قرارًا سليمًا, بمعنى آخر تنقصهم المعرفة الروحية اللائقة في إدراك الإلهيات.

+ لمن يقول الرسول: "لم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين" [1]؟ يكون الإنسان روحيًا في هذه الحياة بطريقة ما، وهي أنه وهو جسدي له جسده يرى ناموسًا آخر في أعضائه يحارب ناموس ذهنه. لكنه وهو في الجسد سيكون روحيًا إذ ينال هذا الجسد عينه القيامة التي قيل عنها: "يُزرع جسمًا حيوانيًا ويُقام جسمًا روحانيًا" (1 كو 15:44).

ماذا يكون هذا الجسد الروحاني؟ وكم هي عظمة نعمته؟ أخشى أن أكون متهورًا عند الحديث عن هذا إذ لم أنل بعد هذه الخبرة.

+ لا يتحدث بولس عن أجسادهم، وإنما عن أرواحهم الجسدانية.

v كان هؤلاء الناس جسديين، لأنهم كانوا لا يزالوا عبيدًا لشهوات العالم الحاضر، مع أنهم اعتمدوا وقبلوا الروح القدس، لكنهم كانوا جسديين، لأنهم بعد عمادهم عادوا إلى حياتهم القديمة التي جحدوها. يسكن الروح القدس في الشخص متى ثبت هذا الشخص في إيمانه القوي بميلاده الجديد، وإلا يفارقه. إن تاب هذا الشخص يسكن فيه إذ هو دائمًا مستعد لما هو صالح، وهو محب للتوبة.

أمبروسياستر

"سقيتكم لبنًا لا طعامًا،

لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون،

بل الآن أيضًا لا تستطيعون" [2].

يقول الرسول: أقدم لكم لبنًا، أي المبادئ الأولية للمسيحية في بساطة، بسبب عجز ذهنكم عن إدراك المعرفة الروحية والحقائق الإنجيلية. إنه يدهش أنهم وهم بعد يشربون اللبن كأطفال يحكمون بين معلمٍ وآخر.

يليق بالراعي كأب أن يعرف كيف يقدم الطعام اللائق بكل شخصٍ، فالطفل يحتاج إلى اللبن لكي ينمو وينضج ويصير رجلاً في الرب، والناضج يحتاج إلى طعامٍ دسمٍ حتى لا يفقد قوته الروحية ونموه المستمر. يقدم لنا الرسول بولس طعامًا للثلاث مجموعات من البشر.

يحتاج الإنسان الطبيعي إلى الخلاص (2:14)، إذ لا يقبل ما للروح القدس. إنه تنقصه الحكمة الروحية الحقيقية.

ويحتاج الإنسان الجسداني كطفلٍ إلي التقديس (3: 1). فهو مشغول بالانشقاقات والصراعات بين البشر حتى إن كانوا رجال اللَّه القديسين، ولا ينشغل باللَّه مخلصه.

يحتاج الإنسان الروحاني إلى العمل المستمر بروح اللَّه لكي يصير دائم النمو (3: 14).

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول أحدر روح الكبرياء منهم بالكشف عن أنهم لم يعرفوا الأمور الكاملة، وأن جهلهم يرجع إليهم. بجانب هذا يشير إليهم بأنهم حتى ذلك الوقت كانوا غير قادرين أن يحتملوا هذه الأمور الكاملة.

+ لو أنهم كانوا غير قادرين بسبب الطبيعة لكان يمكن أن يُعفي عنهم، ولكن إذ يحدث هذا عن اختيار فليس لهم عذر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 

+ قد يسيء أحد الفهم... حاسبًا أن من يخبئ الحقيقة عن الآخرين في أي ظرف من الظروف يكون كمن يتكلم باطلاً. لقد أضاف الرب "لا تعطوا القدس للكلاب. ولا تطرحوا دُرَركم قدام الخنازير. لئَلاَّ تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزّقكم". الرب نفسه رغم عدم نطقه بالكذب قط أخفى حقائق معينة إذ يقول: "إِن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأَقُول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو 12:16). كما يقول الرسول بولس: "وأنا أيُّها الاخوة لم أستطع أن أكلّمكم كروحيّين بل كجسديّين كأطفالٍ في المسيح. سقيتكم لبنًا لا طعامًا لأنكم لم تكونوا بعدُ تستطيعون بل الآن أيضًا لا تستطيعون" (1 كو 1:3، 2).

القديس أغسطينوس

 

يقدم الرسول بولس للشعب البسيط في معرفته لبنًا ويرى الأب قيصريوس أسقف آرل أن بعض المعلمين يشبهون البقرة التي تقدم لبنًا. [ليس بطريقة غير لائقة أيها الأعزاء المحبوبون يبدو الشيوخ أنهم يحملون شبهًا للبقر. كما أن البقرة لها ثديان لتقوت عجلها (باللبن) هكذا أيضًا يليق بالشيوخ أن يعولوا الشعب المسيحي بثدييهم الاثنين: بالعهدين القديم والجديد.]

"لأنكم بعد جسديون،

فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق

ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟" [3]

انهم يعانون من أخطاء بأفكارهم كما بكلماتهم وسلوكهم. فالحسد هنا يشير إلى فساد القلب الداخلي الذي لا يتسع بالحب نحو الناجحين والنامين. والخصام يشير إلى تحويل الفكر إلي كلمات جارحة والدخول في خصومة كلامية. والانشقاق يشير إلى خطأ يمس السلوك العملي، حيث لم يستطيعوا أن يتفقوا معًا، فصاروا منفصلين عن بعضهم البعض، فمزقوا كنيسة المسيح. هكذا قادهم الحسد الداخلي والخصام بالحوار غير البناء إلى تقسيم كنيسة المسيح الواحدة. أما من يخضع لروح الرب فيسلك كإنسان روحي مملوء في أعماقه سلامًا، ويسكب هذا السلام إن أمكن علي كل من هم حوله.

الحسد ينزع عن النفس سلامها فلا تحتمل سلام الجماعة وبنيانها وكما يقول القديس كبريانوس: [كل الشرور لها حدود، وكل خطأ ينتهي بارتكاب الجريمة... أما الحسد فليست له حدود. إنه شر يعمل على الدوام وخطية ليس لها نهاية.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الحاسد أردأ من الوحوش الضارية، وأخبث من الشياطين، لأن غضب الوحوش وشرها ينتج عن جوعها أو خوفها منا، أما الحاسدون فمن يحسن إليهم يكون كمن ظلمهم.] [الشيطان حاسد لكنه يحسد البشرية ولا يحسد شيطانًا آخر. أما أنت فإنسان وتحسد أخاك الإنسان، وبالأخص الذين هم من عائلتك وعشيرتك، الأمر الذي لا يصنعه الشيطان.]

 

+ إذ يعيش البعض حسب الجسد وآخرون حسب الروح قام نوعان من المدن مختلفان ومتصارعان معًا. حسنًا قيل: "يعيش البعض حسب البشر، والآخرون حسب اللَّه". يقول بولس لأهل كورنثوس بكل وضوح: "فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟! " [3]. من يسلك حسب البشر ومن يدعي جسدانيًا نفس الشيء، فإنه يقصد بالجسد جانبًا من جوانب الإنسان.

القديس أغسطينوس

"لأنه متى قال واحد أنا لبولس وآخر أنا لأبلوس

أفلستم جسديين؟" [4].

ليست هناك حاجة للقول بأن بولس وأبلوس حملا ذات الإيمان، ولم يوجد بينهما أدنى فارق في الجانب الإيماني، بينما انقسم الشعب، فالبعض يفضل هذا عن ذاك. هذا دليل قاطع على أنهم جسديون، لأنه لا يوجد أدنى سبب لهذا الانقسام. إذ انشغلوا بالمظاهر الخارجية انقسموا حيث لا يوجد مجال للانقسام. ولو أنهم سلكوا بالروح لقدمت لهم نعمة اللَّه روح الوحدة.

أنتم فلاحة اللَّه

"فمن هو بولس؟ ومن هو أبلوس؟

بل خادمان آمنتم بواسطتهما،

وكما أعطى الرب لكل واحد" [5].

الرسل المتباينون ليسوا إلا أدوات في يد اللَّه الواحد ليدخل بكم إلى معرفة المسيح، ويقدموا لكم كلمة الحياة. لم يكرز أحد منهم باسم نفسه ولا تحدث عن ذاته بل عن شخص رب المجد يسوع. حقًا توجد مواهب مختلفة حتى بين الرسل، إنها عطية اللَّه لهم. وهو وحده يعرف كيف يعمل بالمواهب التي قدمها لرسله وخدامه. وزع الهبات بما فيه بنيان الكنيسة التي للمسيح الواحد، دون تمييز بين هذه الهبة وتلك.

اللَّه هو الكل في الكل، والرسل ليسوا إلا خدامًا له يعملون باسمه وبقيادته ولحسابه. إنهم ينالون كرامة العمل في كرمه وفي نفس الوقت اللَّه يعمل بهم بكونهم آلات خاصة به، يعتز بهم ويهبهم روحه القدوس ليحملوا قوته.

عندما تحدث الرسول بولس عن نفسه وعن أبلوس قال انهما خادمان، وجاءت الكلمة اليونانية الأصلية diakonoi ومعناها "خادمان"Servants في مقابل "سادة" (مت 20 :26، مر 9 : 35، 10 :34). وكأن كرامة الرسول هو أن ينحني كخادم ليغسل أقدام من مات سيده عنهم ليقيمهم أبناء للَّه. بمعني آخر كرامة الرسولية والأسقفية وكل الرتب الكنسية ليس في السلطة بل في غسل الأقدام، وخدمة أبناء سيدهم.

إنهما خادمان لا يطلبان كرامة زمنية ولا سلطة إنما سرّ قوتهما فيمن أرسلهما ويعمل بهما. إنهما ليسا المصدر الأصلي للإيمان بل خادمان للَّه يقدمان المعرفة والحقائق التي يعلنها اللَّه لهما. يعمل كل منهما حسب الموهبة التي يقدمها له مرسله لبنيان الكنيسة.

 

"أنا غرست، وأبلوس سقى،

لكن اللَّه كان ينمي" [6].

"أنا غرست"، غرس بذار الإنجيل في كورنثوس وفى منطقة آخائية. وأبلوس "سقى"، جاء أبلوس بعد بولس وبكرازته روي البذار التي غرسها بولس الرسول, فتحولت البذور إلى جذور وقدمت ثمارًا، ليس بفضل بولس أو أبلوس بل بفضل نعمة اللَّه , فإن اللَّه وحده هو الذي يهب الإنسان ثمار الروح كعطية إلهية مجانية.

يلزم أن تُغرس البذور وأن تُروى بالماء، لكن النمو يتحقق لا بالغرس في ذاته ولا بالماء إنما باللَّه الذي يهب البذرة الحياة ويقدم لها الماء لنموها. اللَّه هو الذي دبر أمر الغارسين والسقاة، لكنه يبقى هو واهب الحياة.

v إنه لأمر بهيج أن تهتم بفلاحة اللَّه، وان تشعر بالبهجة بعطاياه، وبالعمل في حقله. فإنه إذ تعب الرسول في هذه الفلاحة قال: "تعبت أكثر منهم جميعهم" (1 كو 15: 10) لكن قوة العمل وُهبت له من رب الحصاد. لهذا يضيف: "ولكن لا أنا بل نعمة اللَّه التي معي". لقد أظهر بوضوح أنه قد عُين للعمل في هذه الفلاحة، إذ يقول: "أنا غرست وأبلوس سقى".

+ ما المنفعة إن غرسنا أو سقينا إن لم ينمِ اللَّه؟ فإنه ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمي.

+ ماذا تظنون؟ هل يناقض الرسول نفسه فإنه وهو يقول أن البشر يصيرون متعلمين بعمل الروح القدس يقدم توجيهات كيف وما يجب أن يعلموا؟ أم يلزمنا أن نفهم أنه وإن كان من واجب البشر هو أن يعلموا ولا يتوقف المعلمون (عن التعليم) عندما يعطي الروح القدس، فإنه ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمي [7]. لهذا وإن كان القديسون معينين لنا والملائكة القديسون يساعدوننا لكن لا يتعلم أحد الأمور الخاصة بالحياة مع اللَّه باستقامة ما لم يكن اللَّه نفسه مستعدًا أن يُعلم. هذا الإله الذي يوجه إليه في المزمور القول: "علمني إرادتك، فأنت هو إلهي" (مز 134: 10).

القديس أغسطينوس

 

"إذًا ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي،

بل اللَّه الذي ينمي" [7].

يليق بنا أن نقدم المجد للَّه وحده، فمن عنده وحده البذور التي هي كلمة الكرازة بالإنجيل. ومن عنده الأرض، أي قلوب البشر وأذهانهم التي هي صنعة يديه. ومن عنده العاملون إذ هو الذي يدعوهم للخدمة، ومن عنده الثمار إذ هي ثمار روحه القدوس.

يحرص الرسول بولس أن يكشف عن دور الرسل في الخدمة، وهو أنهم خدام للَّه ووكلاء أسراره، يلزم عدم تأليههم، لأنهم ليسوا مصدر إيماننا ولا غاية حياتنا، إنما هم أدوات مقدسة في يد اللَّه. ومن جانب آخر ليس لهم قالب واحد، بل لكل منهم موهبته التي تسلمها من اللَّه وله دوره المكمل للآخر. الكل يقدم سيمفونية حب واحدة متناغمة معًا. فلا يجوز المقارنة بينهم أو المفاضلة بين أعمالهم، فالكل مدعوون من اللَّه الواحد، والكل لهم هدف واحد هو مجد اللَّه وخلاص كل نفس بشرية.

بقوله هذا يؤكد الرسول الحقائق التالية:

أولاً: أن اللَّه هو العامل الحقيقي، لأن خلاص النفس من اختصاصه وحده.

ثانيًا: وأن اختلفت المواهب لكن خدام اللَّه يعملون معًا في تناغمٍ وانسجامٍ.

ثالثًا: إن غاية خدمته وخدم اخوته هو نفع المخدومين لا طلب المجد الزمني.

 

"والغارس والساقي هما واحد،

ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" [8].

الغارس والساقي هما واحد، إذ قدم كل من بولس وأبلوس ذات التعليم، كلاهما خدما لمجد اللَّه وخلاص النفوس، فما الداعي للانشقاق ما دام الرسل يحملون الروح الواحد والفكر الواحد والإيمان الواحد والهدف الواحد؟

مع أن الكرم خاص باللَّه وهو العامل بخدامه، وبدونه لن تنجح الخدمة، لكنه إذ يعتز بهم يهبهم مكافأة عظمى، فيقدم لكل واحد أجرته حسب تعبه. اللَّه لا يجازى الإنسان حسب ثمر جهاده، بل حسب أمانته في العمل الذي يلتزم به، حتى لا يقول أحد "باطلاً تعبت أو جاهدت".

الغارس والساقي ليسا شخصًا واحدًا، لكنهما يُحسبان واحدًا لأنهما يمارسان عملين مختلفين لتحقيق هدفٍ واحدٍ. واحد يغرس طالبًا المحصول، والثاني يسقي لذات الهدف، ولا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر. فغرس البذور دون سقيها تبديد لها، والسقي بدون غرس البذور تبديد للمياه. إنهما واحد أيضا لأن الاثنين مرسلان من قبل اللَّه الواحد. إنهما يعملان، كلٍ بموهبته، لكن اللَّه الواحد هو الذي يحقق هدف الاثنين، وبدونه يصير عملهما باطلاً.

+         +          +

الأبركسيس من أعمال 15 : 13 – 29

13 و بعدما سكتا اجاب يعقوب قائلا ايها الرجال الاخوة اسمعوني
14 سمعان قد اخبر كيف افتقد الله اولا الامم لياخذ منهم شعبا على اسمه
15 و هذا توافقه اقوال الانبياء كما هو مكتوب
16 سارجع بعد هذا و ابني ايضا خيمة داود الساقطة و ابني ايضا ردمها و اقيمها ثانية
17 لكي يطلب الباقون من الناس الرب و جميع الامم الذين دعي اسمي عليهم يقول الرب الصانع هذا كله
18 معلومة عند الرب منذ الازل جميع اعماله
19 لذلك انا ارى ان لا يثقل على الراجعين الى الله من الامم
20 بل يرسل اليهم ان يمتنعوا عن نجاسات الاصنام و الزنا و المخنوق و الدم
21 لان موسى منذ اجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به اذ يقرا في المجامع كل سبت
22 حينئذ راى الرسل و المشايخ مع كل الكنيسة ان يختاروا رجلين منهم فيرسلوهما الى انطاكية مع بولس و برنابا يهوذا الملقب برسابا و سيلا رجلين متقدمين في الاخوة
23 و كتبوا بايديهم هكذا الرسل و المشايخ و الاخوة يهدون سلاما الى الاخوة الذين من الامم في انطاكية و سورية و كيليكية
24 اذ قد سمعنا ان اناسا خارجين من عندنا ازعجوكم باقوال مقلبين انفسكم و قائلين ان تختتنوا و تحفظوا الناموس الذين نحن لم نامرهم
25 راينا و قد صرنا بنفس واحدة ان نختار رجلين و نرسلهما اليكم مع حبيبينا برنابا و بولس
26 رجلين قد بذلا انفسهما لاجل اسم ربنا يسوع المسيح
27 فقد ارسلنا يهوذا و سيلا و هما يخبرانكم بنفس الامور شفاها
28 لانه قد راى الروح القدس و نحن ان لا نضع عليكم ثقلا اكثر غير هذه الاشياء الواجبة
29 ان تمتنعوا عما ذبح للاصنام و عن الدم و المخنوق و الزنا التي ان حفظتم انفسكم منها فنعما تفعلون كونوا معافين

 

 

 

حديث يعقوب الختامي

"وبعدما سكتا أجاب يعقوب قائلاً:

أيها الرجال الإخوة اسمعوني". [13]

لعله آخر من آمن بالسيد المسيح من عائلته حسب الجسد، وقد ظهر له خصيصًا بعد القيامة (١كو ١٥: ٧). كان معروفًا بيعقوب البار حتى في الأوساط اليهودية، إذ اتسم بالنسك الشديد والحكمة قبل إيمانه بالسيد المسيح، هذا مع تمسكه الشديد بالناموس والطقوس اليهودية. وكان له تقديره الخاص بعد أن قبل الإيمان بين اليهود المتنصرين المتعصبين لناموس موسى حرفيًا.

يبدو أن القديس يعقوب قد سبق أن سمع من القديسين برنابا وبولس عن عمل الله بين الأمم. وفي المجمع لم يقاطعهما، بل تركهما يتحدثان بكل ما في قلبيهما حتى صمتا.

تحدث بروح الأخوة المملوءة حبًا في تقدير لكل الحاضرين: "أيها الرجال الإخوة اسمعوني".

"سمعان قد أخبر كيف افتقد اللَّه أولاً الأمم،

ليأخذ منهم شعبًا على اسمه". [14]

أشار إلى حديث القديس بطرس وقد ذكره باسمه اليهودي "سمعان"، ليجد قبولاً أكثر لدى اليهود المتعصبين.

"وهذا توافقه أقوال الأنبياء كما هو مكتوب". [15]

قال القديس يعقوب الكلمة الأخيرة القاطعة، وهو لا يشير فيها إلى الرؤيا التي شاهدها القديس بطرس ولا إلى الآيات والعجائب التي تحدث عنها القديسان برنابا وبولسK لكنه أشار إلى أقوال الأنبياء، فإن هذه هي الشهادة التى لن يقدر اليهودي أن يقاومها. فما حدث فى ذلك العصر ليس بجديدٍ عنهم، بل سبق فرآه الأنبياء بروح النبوة. من يقدر أن يقاوم إتمام النبوات؟ لقد تنبأوا عن دعوة الأمم (رو10: 19)، وقد نادى اليهود الأتقياء بأن المسيا قادم نورًا يشرق على الأمم (لو 2: 32).

"سأرجع بعد هذا،

وابني أيضًا خيمة داود الساقطة،

وأبني أيضًا ردْمها وأُقيمها ثانية". [16]

هنا أورد القديس يعقوب نبوة كانت تبدو غامضة ويصعب على اليهود تفسيرها.

عندما كان اليهود يعصون الله ولا يبالون بخلاصهم وارتباطهم بالله كان الله يتحدث مع الأنبياء كمن فارق شعبه أو كزوج يطلق امرأته. الآن إذ يقول: "سأرجع"، يعلن حضوره وسط شعبه ليملك على قلوبهم، ويعلن ملكوته فيهم. وكما يقول: "ارجعوا إليّ يقول رب الجنود، فأرجع إليكم".

استخدم القديس يعقوب الترجمة السبعينية للنص. لقد تنبأ عن سقوط خيمة داود وذلك خلال انقسام المملكة إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا وسقوطهما في السبي. لم تقم هذه الخيمة حتى بعد الرجوع من السبي، إذ كانت إسرائيل تحت الاستعمار الفارسي فاليوناني ثم الروماني ولم تُبنَ خيمة داود إلاَّ بمجيء ابن داود الذي أقام كنيسة العهد الجديد عوض كنيسة العهد القديم، وقد دعا إلى عضويتها جميع الأمم. لقد مسح السيد المسيح بدمه وقيامته عار الشعب، وأعطاهم وحدة الروح والقلب والفكر، فقامت الكنيسة، إسرائيل الجديد، تبني ما تهدم، وترد المجد عوض العار. أما سرّ المجد فهو قبول الأمم الإيمان واتحادهم مع اليهود المتنصرين في قبولهم اسم الرب.

كان علامة تخلية عن شعبه الرافض الحضرة الإلهية هو خراب الخيمة، أو السماح للأمم بالاستيلاء على تابوت العهد كما في أيام الملك شاول، أو خراب الهيكل ومدينة أورشليم، وعلامة رجوعه إليهم هي عودة تابوت العهد أو إعادة بناء الهيكل ومدينة أورشليم.

واضح أن ما ورد هنا في النبوة لا يحمل المعنى الحرفي بل الرمزي، لأنه النبي يقدم الوعد الإلهي بعد بناء قصر داود، بل وبعد بناء الهيكل، مع هذا يقول: "ابني خيمة داود الساقطة"، مشيرًا إلى انهيار مملكة داود، وإقامة مملكة ابن داود الروحية في قلب كل مؤمن كما في وسط المؤمنين ككنيسة مقدسة وشعب ملوكي.

"لكي يطلب الباقون من الناس الرب،

وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم،

يقول الرب الصانع هذا كله". [17]

يؤكد هذا الوعد الإلهي على لسان النبي دخول الأمم إلى التمتع بميزات أولاد الله.

يقصد بالباقين من الناس، أي الذين هم غير يهود، أو الأمم. في الأصل العبرى "أدوم"، وهى تشير إلى البشر أو البشرية أو الشعب.

"معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله". [18]

ما يحدث هو تحقيق لخطة الله الأزلية من جهة خلاص العالم كله.

ذكر القديس يعقوب نبوة عاموس في القرن الثامن ق.م. حيث تربط بين مجد إسرائيل ودعوة الأمم للإيمان: "في ذلك اليوم أقيم مظلة داود الساقطة، وأحصن شقوقها، وأقيم ردمها، وأبنيها كأيام الدهر، لكي يرثوا بقية أدوم وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم يقول الرب الصانع هذا" (عا ٩: ١١-١٢). هذا العمل المجيد، أي قيام خيمة داود الساقطة لتضم في داخلها اليهود والأمم معًا لشعبٍ واحدٍ، يمثل خطة إلهية معلومة عند الرب منذ الأزل. وهي ليست من عمل إنسانٍ ما وإنما هي أعمال الرب العجيبة.

"لذلك أنا أرى أن لا يُثقَّل على الراجعين إلى اللَّه من الأمم". [19]

جاءت الكلمة اليونانية بمعنى "أقضي"، وهي كلمة قانونية تصدر عن القاضي في إصدار حكمه.

"لا يُثقَّل": الإيمان ليس نيرًا ثقيلاً يلتزم به الشخص، لكنه هبه إلهية تعطي النفس راحة وسلامًا داخليًا.

قدم القديس يعقوب كرئيس للمجمع القرار: "أرى أن لا يُثقل على الراجعين إلى الله من الأمم" [١٩]. وضع القديس القرار الذي به فصل في القضية، فلم يعد بعد هناك مجال للمناقشة والمنازعة، ثم رفعت جلسة المجمع.

"بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن

نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم". [20]

قدم المجمع أربع توصيات تمس الحياة السلوكية التي يلتزم بها الأممي الداخل الإيمان وهي:

1. الامتناع عن نجاسات الأصنام مثل أكل اللحوم وشرب الخمر المقدمة ذبائح للأوثان، فهي نجسة في نظر اليهودي. كان أكل هذه اللحوم يعتبر نوعًا من الشركة في العبادة الوثنية. لهذا كان اليهود يرفضونها تمامًا. هذا لا يعني أن هذه اللحوم في ذاتها نجسة، لكن من أجل نية الوثنيين أنها جزء من العبادة، ومن أجل نظرة اليهود إليها يمتنع المؤمن عن أكلها حتى وإن كان ضميره قويًا، متطلعًا إلى أن كل الخليقة طاهرة. فمن أجل محبته لأخيه صاحب الضمير الضعيف يرفض هذه الأطعمة متى علم أنها كانت مُقدمة للأوثان. وقد عالج الرسول هذه النقطة في شيء من التوسع (1 كو 8: 1؛ رو 14).

2. الامتناع عن الزنا، فقد عُرف كثير من الوثنيين بالإباحية الخلقية، كأن تمارس الكاهنات الزنا استرضاء للإله، ولجمع مال لحساب هيكل الوثن. وممارسة الزنا كنوع من العبادة في الأعياد الرسمية للآلهة. كانت هذه الرذيلة شائعة بين الأمم على مستوى العالم، تمارس دون خجل أو حياء، إذ لم يكن يوجد أي قانون بين الوثنيين يمنعها. لذلك كان لابد للمسيحية أن تأخذ موقفًا واضحًا وصريحًا لمقاومتها.

3. الامتناع عن أكل المخنوق من الحيوانات والطيور، إذ تحسب كجثة ميتة رميمة نجسة (لا ١٧: ١٠؛ تك ٩: ٤).

4. الامتناع عن شرب الدم، وهي تكملة للوصية السابقة، ذلك لأنه يحسب أن الدم هو الحياة، فيه النفس (لا ١٧: ١١). هذا وكان من عادة بعض الوثنيين حين ينتقمون من شخص يقتلونه ويشربون دمه. كان شرب الدم شائعًا بين الأمم، يشربونه أثناء تقديم الذبائح وفي إقامة عهود وفي الاحتفالات.

ربّما يتساءل البعض لماذا لم يشر المجمع إلى امتناع الأمم عن الخطايا والجرائم مثل السرقة والقتل، مكتفيًا بالإشارة إلى ضرورة امتناعهم عن عبادة الأوثان وأكل المخنوق والدم والزنا. ويجيب العلامة أوريجينوس بأن المجمع أشار فقط إلى ما كان الأمم يحسبونه مباحًا ولا تعاقب عليه القوانين المدنيّة والجنائيّة للدول. فإن اللَّه يريد أن هذه الجرائم يعاقب عليها القضاة في العالم وليس ممثلو الكنيسة. تتطلّع الكنيسة إلى قضاة هذا العالم وحكّامه كخدّام الله الذين يعاقبون الأشرار.

+ أما من جهة الطعام، فلتكن هذه هي قوانينك، إذ توجد عثرات كثيرة من جهته. فالبعض لا يبالي بما يقدم للأوثان. بينما يدرب البعض نفسه "على عدم أكله"، لكنهم في نفس الوقت يدينون من يأكلون منه. وهكذا بطرق متنوعة تتدنس نفوس البشر في أمر الأطعمة بسبب جهلهم الأسباب المعقولة النافعة للأكل أو الامتناع عنه.

فنحن نصوم ممتنعين عن الخمر واللحوم، ليس احتقارًا لهما كأشياء دنسة، بل بسبب تطلعنا إلى المكافأة. فنستهين بالأمور المادية لكي نتمتع بالوليمة الروحية العقلية، وإذ نزرع الآن بالدموع نحصد في العالم الآتي بالفرح (مز 5:126).

احفظ نفسك في أمان فلا تأكل ما يُقدم الأوثان... فإن هذا الأمر لست أنا وحدي المهتم به، بل والرسل ويهوذا أسقف هذه الكنيسة كان مملوء غيرة من جهته. فلقد كتب الرسل والشيوخ رسالة جامعة لكل الأمم أنه ينبغي أن يمتنعوا أولاً عما ذبح للأصنام، ثم عن الدم والمخنوق (راجع أع 20:15، 29). لأن كثيرين يشربون الدم بصورة وحشية سالكين مثل الكلاب. وأيضًا يتمثلون بالحيوانات المفترسة التي تفترس المخنوق. أما أنت يا خادم المسيح فاحترس في الأكل مراعيًا أن تأكل بوقار.

القديس كيرلس الأورشليمي

"لأن موسى منذ أجيال قديمة،

له في كل مدينة من يكرز به،

إذ يقرأ في المجامع كل سبت". [21]

يرى البعض أن القديس يعقوب يعلل التوصيات السابقة بأنها لازمة، لأنها تمس حياة اليهودي الروحية، والتي تستند على أسفار الناموس المقروءة دومًا في المجامع أينما وجدوا. لهذا يليق بالأممي أن يحمل هذه السمات ذاتها وهي لا تمس طقسًا تعبديًا بل سلوكًا روحيًا.

إرسالية إلى أنطاكية

"حينئذ رأى الرسل والمشايخ مع كل الكنيسة،

أن يختاروا رجلين منهم فيرسلوهما إلى إنطاكية،

مع بولس وبرنابا،

يهوذا الملقّب برسابا وسيلا،

رجلين متقدّمين في الاخوة". [22]

منذ خمس عشرة سنة خرج شاول الطرسوسي يحمل رسائل توصية من رؤساء الكهنة لاضطهاد كنيسة المسيح ومصادرة أموال المسيحيين وقتلهم، وهوذا اليوم يخرج من أورشليم مع برنابا وبرسابا وسيلا يحملون رسائل من الرسل للترفق بالمؤمنين من الأمم العائدين إلى كنيسة المسيح حتى يرفع عنهم ثقل حرفية الناموس.

اجتمع رأي الرسل والشيوخ على إرسال بعثة مؤتمنة من يهوذا برسابا وسيلا، تنقل رأي الكنيسة، وبيدهم رسالة بخط يد الرسل، غالبًا ما كانت باليونانية. هذه البعثة ترافق الرسولين برنابا وبولس ومن سافر معهما. بهذا القرار أعطت الكنيسة الفرصة للقديسين بولس وبرنابا للعمل في الكرازة والتبشير بين الأمم بحرية عوض إضاعة الوقت في منازعاتٍ لا تنتهي.

"مع كل الكنيسة": شركة رائعة بين القادة والشعب حتى في أخذ قرارات جوهرية تمس حياة الكنيسة ومستقبلها.

"رجلين متقدمين في الإخوة": أي من بين القادة أو أراخنة الشعب، أصحاب نفوذ وخبرة في الكنيسة.

"وكتبوا بأيديهم هكذا:

الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلامًا

إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية". [23]

ساد الكنيسة روح الحب والوحدة، فتكتب الكنيسة التي في أورشليم إلى أخواتها الكنائس التي في سوريا وكيليكية، بروح التقدير والاحترام المتبادل. لم تصدر الرسالة عن رسول معين مثل القديس بطرس أو القديس يعقوب أسقف أورشليم، كمن هو صاحب السلطان، بل صدر عن الرسل والكهنة مع الأراخنة (الإخوة).

لم تعرف الكنيسة السلطة المنفردة، مهما كانت قدسية القائد أو مركزه. فاعتماد الباباوية الرومانية على رئاسة القديس بطرس لا أساس لها، حيث لم يأخذ القديس بطرس مركز الرئاسة ولا اشتهاها، ولا أخذ يعقوب الرسول كأسقف أورشليم هذا المركز، بل ما كان يشغل الكل روح الوحدة فى تواضع لأجل مجد الله وحده وبنيان الكنيسة الجامعة (الكاثوليكية).

"إذ قد سمعنا أن أناسًا خارجين من عندنا،

أزعجوكم بأقوال،

مقلِّبين أنفسكم،

وقائلين أن تختتنوا، وتحفظوا الناموس الذين نحن لم نأمرهم". [24]

في حزمٍ بروح الحق يوبخون المعلمين المنادين بالتهود، أي حفظ الناموس والعوائد اليهودية الخاصة بالناموس. يبدو هؤلاء انهم نسبوا هذا التعليم للرسل، لذا التزموا بتوضيح الأمر والكشف عن خداعهم لهم وعدم صدقهم.

حسبوا هؤلاء المعلمين خوارج، خرجوا عن كنيسة المسيح وانفصلوا عنا، لم يعودوا ينتسبون إليها. هؤلاء افقدوا المؤمنين سلامهم الداخلي، وسببوا لهم تشويشًا في الفكر.

"مقلبين أنفسكم" أو مدمرين لها، الكلمة اليونانية تعنى "تجميع الأواني المستخدمة فى بيت بقصد التخلص منها"، وهى تُستخدم بالنسبة للناهبين واللصوص والأعداء الذين ينهبون الممتلكات. هنا تُستخدم لمن يسبب ارتباكًا وعدم استقرار للذهن، كما يسلب سلام الفكر ووعيه.

"رأينا وقد صرنا بنفس واحدة،

أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم،

مع حبيبينا برنابا وبولس". [25]

"رجُلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح". [26]

شهادة حية للرسولين من الكنيسة أنهما قد بذلا حياتهما من أجل ملكوت الله ونشر الكلمة.

"فقد أرسلنا يهوذا وسيلا،

وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهًا". [27]

مع ذهاب الرسولين بولس وبرنابا المهتمين بالكرازة للأمم، ومع بعث رسالة من مجمع الرسل المنعقد في أورشليم، بعثا بمندوبين هما يهوذا وسيلا ليجيبا على كل أسئلتهم. فلا تكفي الرسالة وحدها، بل مع القراءة يحتاجون على الاستماع من هذه المبعوثين.

"لأنه قد رأى الروح القدس ونحن

أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة". [28]

هنا نرى إيمان الحاضرين جميعًا بقيادة الروح القدس للمجمع الرسولي، وقيادته للكنيسة حسب وعد ربنا يسوع المسيح (مت 18: 18- 20؛ يو 14: 26).

+ قال الرسل: "لأنّه قد سُرّ الروح القدس ونحن" (أع 15: 28). وعندما يقولون: "قد سُرّ"، يشيرون ليس فقط إلى فاعل النعمة، بل أيضًا إلى مصدر تنفيذ ما أوصى به.

القديس أمبروسيوس

"أن تمتنعوا عمّا ذبح للأصنام،

وعن الدم والمخنوق والزنى،

التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعمًا تفعلون،

كونوا معافين". [29]

أُفتتح المجمع تحت قيادة الروح القدس، وبدأ القديس بطرس خطابه بإيضاح أن ما يستعرضه ليس رأيه الشخصي، بل ما ألزمه به الروح القدس حين طلب منه أن يكرز في بيت كرنيليوس الأممي. وها هو المجمع يختم بأن القرار قد صدر بناء على رأي الروح القدس العامل في حياة الرسل والمتجاوبين معه.

لقد شعر الرسل أن الجلسة كلها كانت تحت ظل الروح القدس وقيادته.

+ كانوا كمن يقوتون أطفالاً صغار، فأعطوهم لبنًا ليشربوا وليس طعامًا (1 كو 3: 2) فلم يضعوا لهم أحكامًا خاصة بالعفة ولا قدموا تلميحا عن البتولية، ولا حثوهم على الصوم ،ولم يكرروا التوجيهات المقدمة للرسل في الإنجيل، أن لا يكون لهم ثوبين، ولا كيس ولا مال في مناطق ولا عصا في أيديهم ولا أحذية في أقدامهم (مت 10: 10، لو 10: 5). وبالتأكيد لم يأمروهم أنهم إن أرادوا أن يكونوا كاملين يبيعوا كل ما لهم ويعطوه للفقراء ويأتوا ليتبعوه (مت 19: 21).

القديس جيروم

+       +       +

إنجيل القداس من لوقا 14 : 25 – 35

25 و كان جموع كثيرة سائرين معه فالتفت و قال لهم
26 ان كان احد ياتي الي و لا يبغض اباه و امه و امراته و اولاده و اخوته و اخواته حتى نفسه ايضا فلا يقدر ان يكون لي تلميذا
27 و من لا يحمل صليبه و ياتي ورائي فلا يقدر ان يكون لي تلميذا
28 و من منكم و هو يريد ان يبني برجا لا يجلس اولا و يحسب النفقة هل عنده ما يلزم لكماله
29 لئلا يضع الاساس و لا يقدر ان يكمل فيبتدئ جميع الناظرين يهزاون به
30 قائلين هذا الانسان ابتدا يبني و لم يقدر ان يكمل
31 و اي ملك ان ذهب لمقاتلة ملك اخر في حرب لا يجلس اولا و يتشاور هل يستطيع ان يلاقي بعشرة الاف الذي ياتي عليه بعشرين الفا
32 و الا فما دام ذلك بعيدا يرسل سفارة و يسال ما هو للصلح
33 فكذلك كل واحد منكم لا يترك جميع امواله لا يقدر ان يكون لي تلميذا
34 الملح جيد و لكن اذا فسد الملح فبماذا يصلح
35 لا يصلح لارض و لا لمزبلة فيطرحونه خارجا من له اذنان للسمع فليسمع

 

حمل الصليب

إن كانت الصداقة الإلهيَّة تستلزم فينا حمل سمات صديقنا الأعظمk وقبول دعوته لوليمته الإنجيليَّة، فإن هذه الصداقة تقوم داخل دائرة الصليب. حمل صديقنا الصليب من أجلنا، فلنحمله نحن أيضًا من أجله! هذا هو حساب النفقة التي سألنا السيِّد أن نضعها في الاعتبار لبناء برج الصداقة.

"وكان جموع كثيرة سائرين معه، فالتفت وقال لهم:

إن كان أحد يأتي إليّ،

ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته

حتى نفسه، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" [25-26].

إذ كانت الجموع تلتف حوله، وتسير وراءه، يعلن السيِّد لهم مفهوم "الصداقة معه" والالتفاف حوله والسير وراءه. إنه لا يطلب المظهر الخارجي المجرد، إنما يطلب اللقاء القلبي أولاً حينما يرفض القلب ألا يدخل أحد فيه لا الأب ولا الأم ولا الابن…إلا عن طريق الصديق الأعظم يسوع المسيح. حتى نفوسنا لا نحبها خارج الله! هذا هو مفهوم الحب الحقيقي، ألا وهو قبول الصليب مترجمًا عمليًا ببغض كل علاقة خارج محبَّة الله. بمعنى آخر إن كنت أبغض أبي وأمي وأبنائي وإخوتي حتى نفسي، إنما لكي أتقبلهم في دائرة حب أعمق وأوسع، إذ أحبهم في الرب، أحب حتى الأعداء والمقاومين لي في الرب الذي أحبني وأنا عدو ومقاوم ليغتصبني لملكوته صديقًا ومحبوبًا لديه.

+ ربما يقول البعض: ما هذا يا رب؟ أتحتقر نواميس العاطفة الطبيعيَّة؟ أتأمرنا بأن يكره أحدنا الآخر وأن نستهين بالحب الواجب من الآباء نحو الأبناء، والأزواج نحو الزوجات، والإخوة نحو بعضهم البعض؟

هل نحسب أعضاء البيت أعداء لنا، مع أنه يليق بنا أن نحبهم؟ هل نجعلهم أعداء لكي نقترب إليك ونقدر أن نتبعك؟

ليس هذا هو ما يعنيه المخلِّص، فإن هذا فكر باطل غير لائق؛ لأنه أوصانا أن نكون لطفاء حتى مع الأعداء القساة، وأن نغفر لمن يسئ إلينا، قائلاً: "أحبوا أعدائكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم"، كيف يمكنه أن يرغب فينا أن نبغض من ولدوا في نفس العائلة، وأن نهين الكرامة اللائقة بالوالدين وأن نحتقر إخوتنا؟ نعم حتى أولادنا بل وأنفسنا؟…ما يريد أن يعلمنا إيَّاه بهذه الوصايا يظهر واضحًا لمن يُفهم مما قاله في موضع آخر عن ذات الموضوع: "من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني" (مت 10: 37). فبقوله: "أكثر مني" أوضح أنه يسمح لنا بالحب لكن ليس أكثر منه. أنه يطلب لنفسه عاطفتنا الرئيسيَّة، وهذا حق، لأن محبَّة الله في الكاملين في الذهن لها سموها أكثر من تكريم الوالدين ومن العاطفة الطبيعيَّة للأبناء.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ واضح أن الإنسان يبغض قريبه حينما يحبه كنفسه. فإننا بحق نبغض نفوسنا عندما لا ننهمك في شهواتها الجسديَّة، بل نخضعها ونقاوم ملذّاتها. بالبغضة نجعل نفوسنا في حالة أفضل كما لو كنا نحبها بالبغضة (كراهية شرها).

البابا غريغوريوس (الكبير)

+ الله لا يريدنا أن نجهل الطبيعة (الحب الطبيعي العائلي) ولا أيضًا أن نُستعبد لها، وإنما نُخضع الطبيعة، ونكرم خالق الطبيعة، فلا نتخلى عن الله بسبب حبنا للوالدين.

القدِّيس أمبروسيوس

لقد أبرز هنا ما يعنيه السيِّد بوصيته هذه، قائلاً: "ومن لا يحمل صليبه، ويَّاتي ورائي، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" [27]. فهو لا يطالبنا بطبيعة البغضة للآخرين، وإنما بقبول الموت اليومي عن كل شيء من أجل الله، فنحمل معه الصليب بلا انقطاع، لا خلال كراهيتنا للآخرين أو حتى أنفسنا، وإنما خلال حبنا الفائق لله الذي يبتلع كل عاطفة وحب!

يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيِّد لا يطالبنا أن نضع صليبًا من خشب لنحمله كل يوم وإنما أن نضع الموت نصب أعيننا، فنفعل كبولس الذي يحتقر الموت.

+ نحن نحمل صليب ربَّنا بطريقتين، إما بالزهد فيما يخص أجسادنا أو خلال حنونا علي أقربائنا نحسب احتياجاتهم احتياجاتنا. ولما كان البعض يتنسكون جسديًا ليس من أجل الله، بل لطلب المجد الباطل، ويظهرون حنوًا لا بطريقة روحيَّة بل جسدانية لذلك بحق قال: "وتعال اتبعني". فإن حمل الصليب مع تبعيَّة الرب يعني استخدام نسك الجسد والحنو علي أقربائنا من أجل النفع الأبدي.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إن كان حمل الصليب هو نفقة صداقتنا الحقيقية مع السيِّد المسيح، فإنه يسألنا أن نحسب حساب النفقة، مقدَّما لنا مثلين: الأول من يبني برجًا يلزمه أن يحسب النفقة أولاً قبل أن يحفر الأساس، والملك الذي يحارب ملكًا آخر يراجع إمكانياته قبل بدء المعركة. صداقتنا مع السيِّد المسيح تحمل هذين الجانبين: بناء برج شاهق خلاله نلتقي بالسماوي لنحيا معه في الأحضان السماويَّة، والثاني الدخول في معركة مع إبليس الذي يقاوم أصدقاء المسيح، ولا يتوقف عن مصارعتهم ليسحبهم إلى مملكة الظلمة عوض مملكة النور.

أولاً: مثال بناء البرج

"ومن منكم وهو يربد أن يبني برجًا،

لا يجلس أولاً ويحسب النفقة، هل عنده ما يلزم لكماله،

لئلا يضع الأساس، ولا يقدر أن يكمل.

فيبتدئ جميع الناظرين يهزءون به،

قائلين: هذا الإنسان ابتدأ يبني، ولا يقدر أن يكمل" [28-30].

+ لنحسب حساب نفقة البرج الروحي الشاهق العلو، ونتعمق في ذلك مقدَّما بحرص... لنأخذ في اعتبارنا أولاً الأخطاء بصورة واضحة، فنحفر ونزيل الفساد ونفايات الشهوات حتى يمكننا أن نضع أساسات البساطة والتواضع القويَّة فوق التربة الصلبة التي لصدرنا الحيّ، أو بالحري توضع الأساسات علي صخر الإنجيل (6: 48)، بهذا يرتفع برج الفضائل الروحيَّة، ويقدر أن يصمد ويعلو إلى أعالي السماوات في آمان كامل ولا يتزعزع.

الأب اسحق

+ الذين اختاروا السلوك في حياة مجيدة بلا لوم يلزمهم أولاً أن يخزنوا في ذهنهم غيرة كافيَّة، متذكرين القائل: "يا ابني إن أردت أن تخدم الرب أعدد نفسك لكل تجربة وليكن قلبك مستقيمًا وصبورًا" (ابن سيراخ 2: 1).أما من ليس لهم غيرة كهذه كيف يستطيعون بلوغ العلامة التي أمامهم؟!

القدِّيس كيرلس الكبير

+ إذ أعطانا وصايا عاليَّة جدّا وسامية لذلك قدَّم لنا مثل بناء البرج… إن أردنا أن نبني برج التواضع، يلزمنا أولاً أن نهيئ أنفسنا ضد متاعب هذا العالم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

+ البرج هو برج مراقبة عالٍ لحراسة المدينة واكتشاف اقتراب الأعداء. هكذا بنفس الطريقة يليق بفهمنا أن يحفظ الصلاح ويحذِّر الشر.

القدِّيس باسيليوس الكبير

+ يلزمنا أن نجاهد علي الدوام لنبلغ نهاية كل عمل صعب بالاهتمام المتزايد بوصايا الله، وبهذا نكمل العمل الإلهي. فإنه لا يكفي حجر واحد لعمل البرج، هكذا لا تكفي وصيَّة واحدة لكمال النفس، إنما يلزمنا أن نحفر الأساس وكما يقول الرسول نضع حجارة من ذهب وفضة وأحجار كريمة (1 كو 3: 12).

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

ليتنا إذن ونحن نود أن تكون نفوسنا برجًا شامخًا يعلو نحو السماء، أو مقدَّسا للرب أن نجلس مع أنفسنا لنحسب النفقة، ألا وهي "الإيمان الحيّ العامل بالمحبَّة". هذا الإيمان المعلن بحملنا لصليب الرب. هو يبدأ معنا العمل، لأننا إنما نحمل صليبه هو. وهو الذي يرافقنا طريق الصليب الكرب، لأنه قد اجتازه، وحده ولا يقدر أحد أن يعبر فيه ما لم يختفِ داخله. وهو الذي يكمل الطريق، رافعًا إيَّانا إلى بهجة قيامته.

بدون قبول الصليب نحمل اسم المسيح دون حياته فينا، ويكون لنا منظر الصليب دون قوَّته، لهذا تتطلع إلينا القوات الشرِّيرة وتهزأ بنا، قائلة: "هذا الإنسان ابتدأ يبني، ولم يقدر أن يكمل" [30]. وكما يقول القدِّيس كيرلس الكبير أن لنا أعداء كثيرين يودون الاستهزاء بنا، من أرواح شرِّيرة وناموس الخطيَّة وشهوات الجسد الخ.

ثانيًا: مثال الملك الذي يحارب

"وأي ملك أن ذهب لمقاتلة ملك آخر في حرب

لا يجلس أولاً ويتشاور،

هل يستطيع أن يلاقي بعشرة آلاف الذي يأتي عليه بعشرين ألفًا.

وإلا فمادام ذلك بعيدًا يرسل سفارة ويسأل ما هو للصلح.

فكذلك كل واحد منكم، لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا.

الملح جيد، ولكن إذ فسد الملح، فبماذا يصلح،

لا يصلح لأرض ولا لمزبلة، فيطرحونه خارجًا.

من له أذنان للسمع فليسمع" [31-35].

في مثال البرج تحدَّث عن حساب نفقة البناء، أي عن الجانب الإيجابي. فقد دُعينا إلى الصداقة الإلهيَّة لبناء نفوسنا كبرجٍ شامخٍ يرتفع إلى السماويات عينها، خلالها تتمتع البصيرة بالأمور التي لا تُرى. تدخل في خلوة مع الله لتتأمَّل أسرار محبَّته الفائقة، وتتعرف علي أمجاده في داخلها. هذا وبناء البرج كما رأينا إنما يعني خلال صداقتنا مع ربَّنا يسوع نصير به برجًا حصينًا، لا يقدر العدو أن يقتحم مقدَّسنا الداخلي، ولا يجد له فينا موضع راحة. فنقول مع السيِّد المسيح: "رئيس هذا العالم آتٍ، وليس له فينا شيء"! أما في مثال الملك، فيشير إلى صراع عدو الخير ضدنا، فهو إذ يرى برج حياتنا الداخليَّة يُبنى بالروح القدس ليتجلَّى رب المجد فيه، فترتفع نفوسنا إلى حضن الآب، يلتهب حسدًا وغيرة، ولا يتوقف عن محاربتنا بكل طرق الخداع ليحطم أعماقنا.

إن كان عدو الخير يصارع بكونه ملكًا يريد أن يقتنص الكل إلى مملكة الظلمة، فإننا كمؤمنين قد ارتبطنا بملك الملوك فصرنا "ملوكًا" (رؤ 1: 6)، أصحاب سلطان روحي، لنا إمكانية العمل بالروح القدس لكي نغلب بالمسيح الذي "خرج غالبًا ولكي يغلب" (رؤ 6: 2).

ودعوتنا للصداقة مع المسيح الغالب هي دعوة للغلبة به، والتمتع بالإكليل السماوي وشركة أمجاده، لذا يقول القدِّيس كيرلس الكبير:

[ماذا يعني هذا؟ "مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ، بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحيَّة في السماويَّات" (أف 6: 12).

لنا نحن أيضًا إكليل كما بالغلبة علي أعداء آخرين: الفكر الجسداني، الناموس الثائر في أعضائنا، الشهوات بأنواع كثيرة: شهوة اللذة وشهوة الجسد وشهوة الغنى وغيرها، نصارع مع هذه كفرقة عنيفة من الأعداء.

كيف نغلب؟ بالإيمان "بالله نصنع ببأس، وهو يدوس أعدائنا" (مز 60: 12)... يحدثنا أحد الأنبياء القدِّيسين عن هذه الثقة، قائلاً: "هوذا السيِّد الرب يعينني، من هو الذي يعيرني؟!" (إش 50: 9 الترجمة السبعينيَّة)، ويترنم أيضًا داود الإلهي، قائلاً: "الرب نوري ومخلِّصي ممن أخاف؟! الرب عاضد حياتي ممن أجزع؟!" (مز 27: 1). هو قوتنا، وبه ننال النصرة، إذ يعطينا السلطان أن ندوس علي الحيات والعقارب وكل قوَّة العدو.]

+ الملك هو الخطيَّة التي تملك علي أعضائنا (رو 6: 17، 25)، لكن فهمنا (الروحي) قد خُلق ملكًا، فإن أراد أن يحارب ضد الخطيَّة لينظر أن يعمل بكل ذهنه.

الأب ثيؤفلاكتيوس

إذ يخرج المسيحي الحقيقي للحرب الروحيَّة يلاقي بعشرة آلاف من يأتيه بعشرين ألفًا [31]، فإنه يمثل "القطيع الصغير" (12: 32) الذي يُسر الآب أن يعطيه ملكوت السماوات. يبدو في المظهر أقل وأضعف أمام مقاومة عدو الخير لكنه بقدر ما يترك "جميع أمواله" [33]، أي لا يتكل على ذاته، ولا بره الذاتي، ولا إمكانياتهن يصير ملحًا جيدًا يملح حتى الآخرين فلا يفسدوا.

يحمل المسيحي "عشرة آلاف"، لأن رقم 10 تشير للوصايا ورقم "1000" يشير إلى الفكر الروحي السماوي. فإنه يحارب بالمسيح يسوع سالكًا في الوصيَّة بالفكر السماوي. أما عدو الخير فيأتيه كملك له "عشرون ألفًا" إذ يحاربه بحروب روحيَّة (1000) خلال ضربة الشمال (10) وضربة اليمين (10)، تارة يثير فيه الشهوات كضربة شماليَّة، وأخرى يثير فيه البرً الذاتي كضربة يمينيَّة.

أما سّر الغلبة فهو ترك كل شيء [33]، ليكون الله هو الكل في الكل، والتسلَّح بالملح الجيد، أي الوصايا الإلهيَّة كما يقول القدِّيس كيرلس الكبير التي هي لخلاصنا، فإن احتقرنا كلمة الله ووصاياه تتحول حياتنا إلى الفساد فلا نصلح لشيء. وقد سبق لنا الحديث عن الملح الجيد في شيء من التوسع.

+         +         +      

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt