طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 16 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 46 : 1 ، 7

مر 1 : 16 - 22

مز 146 : 1 ، 2 ، 5

مت 4 : 18 – 22

غلاطية 1

1 - 19

يع 1

1 - 12

أع 15

13 - 21

مز 78 : 5 ، 135 : 5

مر 10 : 35 - 45

 

البولس من غلاطية 1 : 1 – 19

1 بولس رسول لا من الناس و لا بانسان بل بيسوع المسيح و الله الاب الذي اقامه من الاموات
2 و جميع الاخوة الذين معي الى كنائس غلاطية
3 نعمة لكم و سلام من الله الاب و من ربنا يسوع المسيح
4 الذي بذل نفسه لاجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير حسب ارادة الله و ابينا
5 الذي له المجد الى ابد الابدين امين
6 اني اتعجب انكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح الى انجيل اخر
7 ليس هو اخر غير انه يوجد قوم يزعجونكم و يريدون ان يحولوا انجيل المسيح
8 و لكن ان بشرناكم نحن او ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن اناثيما
9 كما سبقنا فقلنا اقول الان ايضا ان كان احد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن اناثيما
10 افاستعطف الان الناس ام الله ام اطلب ان ارضي الناس فلو كنت بعد ارضي الناس لم اكن عبدا للمسيح
11 و اعرفكم ايها الاخوة الانجيل الذي بشرت به انه ليس بحسب انسان
12 لاني لم اقبله من عند انسان و لا علمته بل باعلان يسوع المسيح
13 فانكم سمعتم بسيرتي قبلا في الديانة اليهودية اني كنت اضطهد كنيسة الله بافراط و اتلفها
14 و كنت اتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من اترابي في جنسي اذ كنت اوفر غيرة في تقليدات ابائي
15 و لكن لما سر الله الذي افرزني من بطن امي و دعاني بنعمته
16 ان يعلن ابنه في لابشر به بين الامم للوقت لم استشر لحما و دما
17 و لا صعدت الى اورشليم الى الرسل الذين قبلي بل انطلقت الى العربية ثم رجعت ايضا الى دمشق
18 ثم بعد ثلاث سنين صعدت الى اورشليم لاتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوما
19 و لكنني لم ار غيره من الرسل الا يعقوب اخا الرب


 

إنجيل واحد

يبدأ القديس بولس رسالته بمقدمة تضم تحية تحمل الفكر اللاهوتي للرسالة في مجملها، يلحقها بالكشف عن سبب الكتابة، حاثًا إياهم على الرجوع إلى إنجيل المسيح الواحد بعيدًا عن فكر المتهودين، مؤكدًا صدق رسوليته.

 

التحية

[ارتبط الخطان الممتدان خلال هذه الرسالة - دفاع الكاتب عن رسوليته وتأكيده عقيدة النعمة - معًا في التحية الافتتاحية.]

1. "بولس رسول، لا من الناس، ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح واللَّه الآب" [1.] يوضح القديس بولس كمال سلطانه الرسولي من الكلمة الأولى للرسالة، إذ لم يُرسل بناء على دعوة بشرية، ولا تلقى تعليماته بطريقٍ بشريٍ،، بل اختاره اللَّه مباشرة بطريقة إلهية كسائر الإثنى عشر.

+ لقد عمده حنانيا، لكنه ليس هو الذي خلصه من الطريق الخاطئ ولا هو الذي حثه على الإيمان، بل المسيح نفسه بعث إليه صوته العجيب من الأعالي وطوقه في شبكته...

يُعلن لوقا بكلماته: "وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاول" (أع 13: 2). واضح - في هذه العبارة - أن سلطان الابن والروح واحد، فعندما يقول إنه مرسل من الروح إنما يقول إنه مرسل من المسيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. إذ تركز الرسالة على الحرية العملية في المسيح، يشير هنا إلى الآتي:

أ. أنه مُعّين بربنا يسوع المسيح [1]، لهذا لا يُخضع نفسه لعبودية إرضاء الناس.

ب. يُشير إلى يسوع القائم من الأموات [1]، إذ يهبنا بقيامته التحرر من الموت. الآب الذي أقام السيد المسيح المصلوب من أجل خطايانا يقيمنا نحن من خطايانا (مصدر الموت الأبدي). خلال الحياة المقامة في المسيح ننعم بطهارة الجسد، ونتحرر من عبودية شهوات الجسد.

قامت رسوليته على دعوة من المسيح المُقام؛ فإن كان لم يُختر من بين التلاميذ (أثناء وجود السيد المسيح على الأرض)، لكن الرب نفسه اختاره بعد قيامته كشاهدٍ حقيقيٍ للقيامة.

ج. يُشير الرسول إلى العالم الحاضر الشرير [4]، لأن فادينا يحررنا من عبودية ما نظنه ذا قيمة في هذا العالم. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول لا يقصد بقوله "الحاضر" الزمن، إنما يعني الأعمال والظروف المحيطة. [إنه يظهر لنا بأن المسيح يخلصنا ويهبنا طمأنينة من جهة المستقبل... لم يحقق الناموس شيئًًا من هذين الأمرين، إنما النعمة هي التي كان لنا فيها الكفاية لإشباع احتياجاتنا.]

د. يُشير إلى اللَّه بكونه أبانا [4]، الذي له المجد إلى أبد الآبدين [5.] فإننا ندرك الحرية خلال بنوتنا له، فنجد موضعًا لنا في أحشائه المجيدة، لنعيش فيها أبديًا.

v هكذا في كل حنايا الرسالة، حتى في المقدمة، ينشر (الرسول) صلاح اللَّه لندرك كلماته هكذا: يا من كنتم قبلاً عبيدًا وأعداء وأجنبيين، من أعطاكم أن تكتسبوا حق دعوة اللَّه أبًا لكم فجأة؟ لم يهبكم الناموس هذه العلاقة، فلماذا تهجرون (المسيح) الذي جاء بكم إلى القربى للَّه وتعودون إلى معلمكم (الناموس)؟

+ لم يقل فقط "الآب" بل قال "أبوكم"، حتى يؤثر عليهم، مُظهرًا أن المسيح جعل أباه أبانا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ه. الحرية المسيحية حب، لذا نراه يتحدث بلغة الجماعة، علامة حبه للجميع، فيرسل إليهم لا تحيته وحده بل تحية الإخوة الذين معه، ربما يقصد الشعب كله حيث كان يكتب، أو مجموعة الرفقاء الذين كان يرتحل معهم. جاءت تحيته هنا فريدة من جهة ذكره هذا التعبير، ربما لكي يُعلن أن ما يكتبه هنا لا ينبع عن فكرٍ شخصيٍ خاص، إنما هو عقيدة الكنيسة (الجماعة المقدسة). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: ]أراد أن ينزع عنهم تشككهم (إنه كان بمفرده في كرازته)K ولكي يظهر أن كثيرين يعضدونه في عقيدته بمعنى أن ما يكتبه إنما كان بموافقتهم.]

و. الحرية هي نتاج النعمة الإلهية، إعلان الحب الإلهي نحو المؤمنين ليهبهم سلامًا داخليًا، كحالة تمس العقل، ثمرة لهذا الحب. لهذا نراه يُشير إلى النعمة وبعد ذلك السلام. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان (الغلاطيون) في خطر السقوط من النعمة، لهذا يصلي بولس من أجل استرجاعها ثانية، وإذ صاروا في حالة حرب مع اللَّه يتضرع إلى اللَّه بأن يرد إليهم ذات السلام (الذي فقدوه).]

ز. صرنا أحرارًا بالصليب [4]؛ إذ هو الجسر الواحد الوحيد الذي يؤدي إلى المصالحة بين اللَّه والإنسان. فقد أخلى ذاته عن مجد العرش ليحرر نفوسنا الملوثة بالخطية ويهبنا برّه، مقدمًا الثمن عن البشرية. ليس أحد بارًا أمام اللَّه، إنما البرّ هي عطية إلهية كلفت الآب ابنه مبذولاً.

+ يقول الرسول "لأجل خطايانا" [1]؛ فقد طعنا أنفسنا بربوات الشرور، واستحققنا أشد العقوبات؛ ولم ينقذنا الناموس بل أداننا، جاعلاً الخطية أكثر وضوحًا، دون أن تكون لديه إمكانية خلاصنا منها أو منع غضب اللَّه عنا. لكن ابن اللَّه جعل المستحيل ممكنًا، لأنه غفر خطايانا، وردنا من حالة العداوة إلى الصداقة، مانحًا إيانا بركات مجانية بلا حصر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ح. «آمين»: لقد ختم تحيته بذكصولوجية (تسبحة شكر للَّه) تتجلى فيها طبيعة ملكوت اللَّه الأبدية بالمقابلة مع العالم الحاضر الشرير.

+ لن نجد في مقدمة أية رسالة كلمة "آمين"، إنما استخدم هذه الكلمة في بداية الرسالة ليظهر أن ما قاله قبلاً فيه الكفاية ضد اتهامات الغلاطيين، وأن مجادلاته قد كملت. فإن الخطأ الواضح لا يحتاج إلى تجريم مفصل. تحدث (في المقدمة) عن الصليب والقيامة والخلاص من الخطية، وتأمين المستقبل، وغاية الآب، وإرادة الابن، والنعمة والسلام وكل عطاياه الكاملة، خاتمًا كلامه بالتسبيح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

هكذا، يُعلن الرسول في تحيته الرسولية بطريقة غير مباشرة عن حريتنا المسيحية من عبودية إرضاء الناس، ومن الموت والخطية والشهوات الجسدية والعالم الحاضر الشرير ومن الشيطان.

"إلى كنائس غلاطية" [2.]

+ هكذا يتضح أن لهيب الخطأ قد امتد ليشمل كل شعب غلاطية وليس فقط إلى مدينة أو مدينتين.

لاحظ أيضًا ما حملته العبارة من إهانة خطيرة ضدهم... إذ لم يقل "إلى المحبوبين" ولا "إلى القديسين"، حاذفًا كل لقبٍ يمكن أن يحمل مشاعر حب أو احترام لهم، مخاطبًا إياهم كجماعة مجردة دون ذكر "كنائس اللَّه"، معبرًا بهذا عن عمق حزنه وأسفه عليهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ظروف الرسالة [6-11]

1. يتعجب الرسول أن الذين قبلوا الإيمان على يديه في غلاطية يتحولون هكذا سريعًا عن الإنجيل الذي قبلوه بنعمة المسيح كما إلى إنجيل آخر، وهو ليس آخر، إنما يضيفون إليه حفظ طقوس الناموس الحرفية كمصدر خلاصهم. أما هو فقد كرز فقط بالإنجيل (الأخبار السارة) لأهل الختان كما لأهل الغرلة.

+ كلمة "(إنجيل) آخر" يعني بها السلوك الذي تأمر به (الشريعة)، لا من جهة العبادة، وإنما من جهة النظام نفسه (حرفية ممارسة الطقس كختان الجسد وحفظ السبت بطريقة ناموسية الخ.)؛... عمل المسيح هو دعوة الناس من الناموس إلى النعمة.

العلامة ترتليان

+ لقد نادوا في الواقع بوصية أو وصيتين - الختان وحفظ الأيام - لكنه بقوله أن الإنجيل قد تحول يعني أن الانحراف البسيط يفسد الكل... الافتقار إلى الحماس في الأمور الصغيرة يسبب كل الكوارث التي تحل بنا، فإننا إذ نهمل تصحيح أخطائنا الهينة كما يليق نعطي الفرصة للأخطاء الجسيمة أن تتسلل داخلنا. كما يحدث بالنسبة للجسد فإن إهمال الجراحات يسبب حمى ثم موتًا، هكذا في النفس تفتح الشرور الهينة الباب للخطيرة... بهذا تدرك لماذا يدعو بولس الختان تحولاً عن الإنجيل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. ما يثير الدهشة في افتتاحية الرسالة خلوها من تقديم "الشكر" للَّه، الأمر الذي اعتاده الرسول في رسائله الأخرى حيث يقدم شكرًا من أجل إيمان قارئيه أو حبهم. ربما تعمد ذلك ليكشف عن قلقه وغضبه، ليس فقط من جهة المعلمين الكذبة ولكن من أجل قارئيه أيضًا.

3. بالمقابلة مع ما ورد في الرسالة إلى أهل فيلبي (9: 20-23)، يفرح الرسول لأن مقاوميه يكرزون بالإنجيل، أما هنا فلا يظهر أي استعداد للتساهل معهم. المقاومون في فيلبي بشروا بالإنجيل الحق بالرغم من عدم إخلاصهم، أما هنا فالمقاومون لا يكرزون بالإنجيل الحق، ويلزم ألا يلتفت إليهم بغض النظر عن إخلاصهم أو عدمه، ومهما كان موقفهم الشخصي منه.

4. "ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن أناثيما". [8-9]

+ تأمل حكمة الرسول، كيف يضم نفسه في الأناثيما حتى يتحاشى الاعتراض بأنه متعال بالمجد الباطل في مدحه لتعليمه الخاص. هنا أيضًا يذكر الملائكة، لأن (المعلمين الكذبة) التجأوا إلى السلطة، أي إلى سلطان يعقوب و يوحنا... وقد أضاف "من السماء" عمدًا، لأن الكهنة أيضًا يدعون "ملائكة".

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يذكر نفسه أولاً (في الأناثيما)، معبرًا عن نفسه هو كمثال. فإن كان بالنسبة له هو لا يقدر أن يكرز بإنجيل آخر، فإنه ولا حتى ملاك يقدر أن يفعل ذلك.

العلامة ترتليان

+ لا توجد أية شركة بين كلمات القديسين واختراعات البشر المبتكرة من خيالتهم، لأن القديسين خدام الحق، يكرزون بملكوت السموات، أما السالكون في الاتجاه المضاد فليس لديهم أفضل من الأكل حاسبين أن نهايتهم فناء.

القديس أثناسيوس السكندري

5. "أفأستعطف الآن الناس أم اللَّه؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" [10.]

يدرك القديس بولس أن ربنا يسوع المسيح هو محررنا من عبودية طلب مديح الناس والمجد الباطل. بمثل هذه الحرية يتحدث إليهم أنه يرضى محرره ومخلصه وليس أي مخلوق.

+ يقول القديس بولس: لنفترض أنني أخدعكم بهذه التعاليم، فهل أستطيع أن أغش اللَّه العارف أفكاري التي لا ينطق بها، فإنني أرضي من أسعى إليه بلا توقف؟ أنظر الروح الرسولية، السمو الإنجيلي!... فإنه إذ كان مضطرًا أن يبرر نفسه أمام تلاميذه بكونه معلمهم، فهو يخضع لهم (طالبًا حكمهم عليه)...

+ واضح أنني أكتب إليكم لا من منطلق حب السلطة أو لكي أقتنى لي تلاميذ، أو حتى لأجد كرامة لديكم، إنما أسعى لأرضي اللَّه لا إنسانًا، وإلا كنت قد بقيت في توافق مع اليهود اضطهد الكنيسة. إنني قد هجرت وطني ورفقائي وأصدقائي وأنسبائي وكل صيتي، وعِوض هذا كله قبلت اضطهادات وعداوة ونضالاً ضدي وتهديدات يومية بالموت؛ هذه جميعها برهان واضح أنني لا أتكلم حبًا في مديح الناس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يقول الرسول: "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح"، بينما يقول في موضع آخر: "كما أنا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا"(1 كو 10: 33)... يقول إنه لا يرضي الناس، لأنه اعتاد أن يسلك بالحق، لا ليرضي الناس وإنما لكي يرضي اللَّه، وذلك بحبه لأولئك الذين يشتهي تغيير قلوبهم، عاملاً ما يرضيهم. لهذا فهو على صواب عندما يقول ما يقول إنه لم يرضِ الناس لأنه بهذا هدف إلى إرضاء اللَّه، وهو أيضًا على حق عندما علّم بسلطان أنه يجب إرضاء الناس، لا لكي نظن أن في هذا مكافأة على أعمالنا الصالحة وإنما لأن من لا يبذل نفسه ويتشبه بمن يشتهي خلاصهم لا يقدر أن يرضي اللّه.

القديس أغسطينوس

+ لقد كفَ عن إرضاء الناس عندما صار خادم المسيح، جندي المسيح يسير في صيت رديء وصيت حسن (2 كو 6: 8)،... لا ينتفخ بالمديح، ولا يحطمه التوبيخ. لا يتعالى بالغنى، ولا يتقوقع على نفسه بسبب الفقر. يحتقر الفرح والحزن على السواء.

+ الفضيلة الأولى للراهب هي الازدراء بحكم الناس عليه.

القديس جيروم

+ لقد زُفت (نفسك) للمسيح فلا تستهن به؛ لقد صيّرك الروح كاملاً، فلا تساوي نفسك به.

يقول بولس: "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح"... إنني أكرّم بطرس، لكنني لا أُدعى بطرسيًا، وأمدح بولس لكنني لا أُدعى قط بولسيًا. لا أسمح لنفسى أن أُلقب منتسبًا لإنسان مولود من اللَّه (بالتبني).

إن كنت تُدعى مسيحيًا، لأنك تؤمن بالمسيح أنه اللًّه، فليبق لقبك إلى الأبد، ولتتمسك بالإثنين: اللقب والإيمان، أما إن كان ارتباطك باسم المسيح ينبع عن مشاعر مجردة، فإنك تُنسب إليه كما إلى أسماء أخرى اكتسبتها عن ممارسة أو وقائع.

القديس غريغوريوس النزينزي

دفاعه عن رسوليته (11:1،2: 14)

قال المتهودون إن بولس لم يكن رسولاً حقيقيًا، فهو لم يرَ المسيح ولا رافقه؛ إنما الإثنا عشر وحدهم هم بالحقيقة تلاميذ، وهم لم يشيروا إلى إلغاء الناموس بالمسيح. لم يرسل المسيح بولس للتبشير، إنه مجرد ممثل للرسل الأصليين الذين تعلم منهم واعتمد عليهم. وقد جاء دفاع بولس عن رسوليته نابعًا لا عن شعوره بجرح كبريائه، وإنما من أجل قارئيه الذين يتوقف قبولهم لتعاليمه على ثقتهم في موقفه الرسولي.

1. تعليمه مخوّل له من الله نفسه [10-24.] الله وحده هو الذي استطاع أن يحوله من مضطهد للكنيسة إلى كارزٍ في وقت قصير. لقد قبل إنجيله من الرب مباشرة، الذي تنازل وأعلن له كل معرفة دون وساطة بشرية. لقد أخذ الرسول موقفًا حازمًا، وهو أن كل من تجاسر بالكرازة بإنجيل آخر غير الذي بشر به هو في زيارته الأولى التأسيسية لهذه الكنائس فليكن محرومًا، إذ هم بالحق مدانون من قبل الله. ما بشر به هو الأخبار السارة، لا توجد غيرها أخبار سارة!

 

2. يُذَّكر القديس بولس قارئيه بالخلفية اليهودية التي عاشها، وأسلوب حياته قبل تمتعه بخبرة التحول في الطريق إلى دمشق. كان قائدًا في الديانة اليهودية يحتل مقامًا عظيمًا، الأمر الذي يجاهد المتهودون الناموسيون المقاومون له أن يبلغوه بمزج إنجيل النعمة بالأفكار اليهودية الحرفية. كان يضطهد المسيحيين بإفراطٍ شديدٍ، وكان يتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابه من بني جنسه، إذ كان أوفر غيرة في تقليدات آبائه، وأكثرهم عملاً وحماسًا. لكنه ترك هذا من أجل ما هو أفضل. لقد أخذ إعلان النعمة بطريقة إلهية، وصرح به قبلما يرى أحدًا من الرسل الآخرين بزمنٍ طويلٍ.

 

3. حقًا حدث تحوله وهو في الطريق إلى دمشق حين كان يضطهد كنيسة المسيح، بل يضطهد المسيح نفسه من أجل "التهوّد". لكن دعوته بواسطة النعمة الإلهيّة بدأت وهو في بطن أمه [15]، كما فعل اللَّه مع إرميا (1: 5) وإشعياء (42: 1). لقد أفرزه لمهمة خاصة، دعاه، ثم أعلن له عن حقيقة الابن وعمله الفدائي على الصليب، لكي يبشر العالم غير اليهودي.

+ لماذا يقول: "أن يُعلن ابنه فيّ" [16] ولم يقل "لي"؟ لكي يُشير إلى أنه لم يتقبل تعليم الإيمان خلال الكلمات فقط وإنما بغنى الروح الذي وهب له - الإعلان الذي أنار نفسه كلها، وأن المسيح صار يتكلم فيه.

"لأبشر به بين الأمم" [16]، فإنه ليس فقط إيمانه، بل واختياره للعمل الرسولي قد انبثقا من اللَّه... كان يجب أن يوجد تمايز بين الكرازة لليهود والكرازة للأمم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى العلامة أوريجينوس في كلمات الرسول الخاصة بفرزه للعمل وهو في بطن أُمه [15] برهانًا على إرسال اللَّه ملائكة حراسًا لنا حتى قبل ولادتنا.

4. حياته الكنسية: لم يتجاهل القديس بولس الذي قبل الإنجيل من السيد المسيح نفسه المجتمع الكنسي، كما سنرى في لفاءاته مع القديس بطرس وغيره من قادة الكنيسة.

5. تظهر سلطة أو قانونية إنجيل القديس بولس في توبيخه للقديس بطرس (2: 11-12)، مبرهنًا بذلك أن القديس بطرس لم يكن أعظم منه كرسولٍ، فقد أشار إلى كيفية توبيخه له جهرًا، إذ سلك بوجهين بخصوص التقاليد اليهودية حين كان في أنطاكية.

يُشير القديس بولس إلى ثلاثة لقاءان مع القديس بطرس وغيره من الرسل، ليؤكد أن اتصالاته الأخوية معهم لم تكن بغرض أخذ تفويض منهم للكرازة.

اللقاء الأول مع القديس بطرس (1: 18-24): يؤكد القديس بولس نوعًا من استقلاله عن رسل أورشليم (عدم الاعتماد عليهم كوكيلٍ عنهم كما ادعى المتهودون)، لكن ليس بأسلوب فردي. فقط بعد عبور ثلاث سنوات من تحوله عن الفريسية اليهودية إلى الكرازة بيسوع بكونه المسيا، ذهب إلى أورشليم "ليتعرف" على بطرس [18.] يقول: "ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي" [17]. يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [هكذا لا يتحدث بعجرفة إنما ليظهر كرامة مهمته، إذ تكرارًا قالوا بأن الرسل جاءوا قبله، وكانت دعوتهم سابقة له، لهذا يجيب: "ولا صعدت إليهم". لو كان لزامًا عليه أن يتصل بهم لكان قد أمره المسيح بذلك عندما أعلن له عن مهمته.]

قبل صعوده إلى أورشليم انطلق إلى العربية [17]، ثم رجع أيضًا إلى دمشق [17]. تشير "العربية" غالبًا إلى مدينه جنوب دمشق، في مملكة الـNabataeans وليس إلى منطقة سيناء. لم يسجل الرسول لنا ما فعله خلال هذه السنوات الثلاث. إن كان قد رأى بعض الآباء أن الرسول قد بدأ بالكرازة في الحال لكن كثيرين الآن يفضلون الاعتقاد بأنه كرس حياته في ذلك الوقت للصلاة والتأمل.

زار أورشليم ليلتقي بالقديس بطرس [18]، وهناك رأى القديس يعقوب أخا الرب وأسقف أورشليم. كانت مهمته الكبرى أن يعلن بأنه لا يعمل بروح فردي، منفصلاً عن قادة الكنيسة، وأن يؤكد لهم أن تحوله حقيقي. لقاءات القديس بولس المتتالية مع الرسل لم تضف شيئًا إلى إعلان إنجيل النعمة الإلهية له، إنما اعترفوا تمامًا برسوليته ورسالته.

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم الملاحظات التالية:

أ. يقول القديس بولس إنه "رأى" القديس يعقوب [19]، ولم يقل إنه تعلم منه. ويمكننا القول إنه ذهب هناك "ليتعرف" على القديس بطرس [19] لا ليتعلم منه.

ب. يذكر القديس يعقوب بوقار إذ يقول: "أخا الرب" [19]، فهو خالٍٍ من كل حسد.

ج. خلال شفافية نفسه المقدسة المتواضعة، جاء تبريره لنفسه عظيمًا كمن يقدم حسابًا عن أعماله، مدافعًا عن نفسه كمن في دور العدالة [20.]

د. يُشير إلى رحلته التبشيرية للكرازة في المناطق القريبة من موطنه الأصلي "مدينة طرسوس"، في أقاليم كيليكية وسوريا [21] (بأنطاكية)، ليُعلن أن إرساليته كانت للأمم، وأنه لم يعزم أن يبني فوق أساس أقامه غيره (رو 15: 20).

ه. يقول بولس: "ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون أن الذي كان يضطهدنا قبلاً يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه" [22-23]. في تواضعه ذكر حقيقة اضطهاده للكنيسة، وعند تحوله وتبشيره لم يعجبوا به شخصيًا ولا نال إطراءهم أو دهشتهم، إنما مجدوا الله فيه [24]، ناسبًا كل شيء إلى النعمة الإلهية.

"مجدوا الله"، بمعنى أنه أراد أن يعرّفهم بأنه لا توجد عداوة بينه وبين الكنائس التي هي من أصل يهودي، فإنه وإن كان لم يبشرهم لكنهم فرحوا بعمل اللَّه به في المجتمعات الأممية. يرى القديس أغسطينوس أنهم مجدوا اللَّه لأنهم اعتادوا الصلاة من أجل أعدائهم ومضطهديهم لكي يحولهم السيد المسيح إلى الإيمان. سألوا هذا من الله قبلما يتحقق.

+        +         +

الأبركسيس : أعمال 15 : 13 – 21

13 و بعدما سكتا اجاب يعقوب قائلا ايها الرجال الاخوة اسمعوني
14 سمعان قد اخبر كيف افتقد الله اولا الامم لياخذ منهم شعبا على اسمه
15 و هذا توافقه اقوال الانبياء كما هو مكتوب
16 سارجع بعد هذا و ابني ايضا خيمة داود الساقطة و ابني ايضا ردمها و اقيمها ثانية
17 لكي يطلب الباقون من الناس الرب و جميع الامم الذين دعي اسمي عليهم يقول الرب الصانع هذا كله
18 معلومة عند الرب منذ الازل جميع اعماله
19 لذلك انا ارى ان لا يثقل على الراجعين الى الله من الامم
20 بل يرسل اليهم ان يمتنعوا عن نجاسات الاصنام و الزنا و المخنوق و الدم
21 لان موسى منذ اجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به اذ يقرا في المجامع كل سبت


 

حديث يعقوب الختامي

"وبعدما سكتا أجاب يعقوب قائلاً:

أيها الرجال الإخوة اسمعوني". [13]

لعله آخر من آمن بالسيد المسيح من عائلته حسب الجسد، وقد ظهر له خصيصًا بعد القيامة (١كو ١٥: ٧). كان معروفًا بيعقوب البار حتى في الأوساط اليهودية، إذ اتسم بالنسك الشديد والحكمة قبل إيمانه بالسيد المسيح، هذا مع تمسكه الشديد بالناموس والطقوس اليهودية. وكان له تقديره الخاص بعد أن قبل الإيمان بين اليهود المتنصرين المتعصبين لناموس موسى حرفيًا.

يبدو أن القديس يعقوب قد سبق أن سمع من القديسين برنابا وبولس عن عمل الله بين الأمم. وفي المجمع لم يقاطعهما، بل تركهما يتحدثان بكل ما في قلبيهما حتى صمتا.

تحدث بروح الأخوة المملوءة حبًا في تقدير لكل الحاضرين: "أيها الرجال الإخوة اسمعوني".

"سمعان قد أخبر كيف افتقد اللَّه أولاً الأمم،

ليأخذ منهم شعبًا على اسمه". [14]

أشار إلى حديث القديس بطرس وقد ذكره باسمه اليهودي "سمعان"، ليجد قبولاً أكثر لدى اليهود المتعصبين.

"وهذا توافقه أقوال الأنبياء كما هو مكتوب". [15]

قال القديس يعقوب الكلمة الأخيرة القاطعة، وهو لا يشير فيها إلى الرؤيا التي شاهدها القديس بطرس ولا إلى الآيات والعجائب التي تحدث عنها القديسان برنابا وبولسK لكنه أشار إلى أقوال الأنبياء، فإن هذه هي الشهادة التى لن يقدر اليهودي أن يقاومها. فما حدث فى ذلك العصر ليس بجديدٍ عنهم، بل سبق فرآه الأنبياء بروح النبوة. من يقدر أن يقاوم إتمام النبوات؟ لقد تنبأوا عن دعوة الأمم (رو10: 19)، وقد نادى اليهود الأتقياء بأن المسيا قادم نورًا يشرق على الأمم (لو 2: 32).

"سأرجع بعد هذا،

وابني أيضًا خيمة داود الساقطة،

وأبني أيضًا ردْمها وأُقيمها ثانية". [16]

هنا أورد القديس يعقوب نبوة كانت تبدو غامضة ويصعب على اليهود تفسيرها.

عندما كان اليهود يعصون الله ولا يبالون بخلاصهم وارتباطهم بالله كان الله يتحدث مع الأنبياء كمن فارق شعبه أو كزوج يطلق امرأته. الآن إذ يقول: "سأرجع"، يعلن حضوره وسط شعبه ليملك على قلوبهم، ويعلن ملكوته فيهم. وكما يقول: "ارجعوا إليّ يقول رب الجنود، فأرجع إليكم".

استخدم القديس يعقوب الترجمة السبعينية للنص. لقد تنبأ عن سقوط خيمة داود وذلك خلال انقسام المملكة إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا وسقوطهما في السبي. لم تقم هذه الخيمة حتى بعد الرجوع من السبي، إذ كانت إسرائيل تحت الاستعمار الفارسي فاليوناني ثم الروماني ولم تُبنَ خيمة داود إلاَّ بمجيء ابن داود الذي أقام كنيسة العهد الجديد عوض كنيسة العهد القديم، وقد دعا إلى عضويتها جميع الأمم. لقد مسح السيد المسيح بدمه وقيامته عار الشعب، وأعطاهم وحدة الروح والقلب والفكر، فقامت الكنيسة، إسرائيل الجديد، تبني ما تهدم، وترد المجد عوض العار. أما سرّ المجد فهو قبول الأمم الإيمان واتحادهم مع اليهود المتنصرين في قبولهم اسم الرب.

كان علامة تخلية عن شعبه الرافض الحضرة الإلهية هو خراب الخيمة، أو السماح للأمم بالاستيلاء على تابوت العهد كما في أيام الملك شاول، أو خراب الهيكل ومدينة أورشليم، وعلامة رجوعه إليهم هي عودة تابوت العهد أو إعادة بناء الهيكل ومدينة أورشليم.

واضح أن ما ورد هنا في النبوة لا يحمل المعنى الحرفي بل الرمزي، لأنه النبي يقدم الوعد الإلهي بعد بناء قصر داود، بل وبعد بناء الهيكل، مع هذا يقول: "ابني خيمة داود الساقطة"، مشيرًا إلى انهيار مملكة داود، وإقامة مملكة ابن داود الروحية في قلب كل مؤمن كما في وسط المؤمنين ككنيسة مقدسة وشعب ملوكي.

"لكي يطلب الباقون من الناس الرب،

وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم،

يقول الرب الصانع هذا كله". [17]

يؤكد هذا الوعد الإلهي على لسان النبي دخول الأمم إلى التمتع بميزات أولاد الله.

يقصد بالباقين من الناس، أي الذين هم غير يهود، أو الأمم. في الأصل العبرى "أدوم"، وهى تشير إلى البشر أو البشرية أو الشعب.

"معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله". [18]

ما يحدث هو تحقيق لخطة الله الأزلية من جهة خلاص العالم كله.

ذكر القديس يعقوب نبوة عاموس في القرن الثامن ق.م. حيث تربط بين مجد إسرائيل ودعوة الأمم للإيمان: "في ذلك اليوم أقيم مظلة داود الساقطة، وأحصن شقوقها، وأقيم ردمها، وأبنيها كأيام الدهر، لكي يرثوا بقية أدوم وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم يقول الرب الصانع هذا" (عا ٩: ١١-١٢). هذا العمل المجيد، أي قيام خيمة داود الساقطة لتضم في داخلها اليهود والأمم معًا لشعبٍ واحدٍ، يمثل خطة إلهية معلومة عند الرب منذ الأزل. وهي ليست من عمل إنسانٍ ما وإنما هي أعمال الرب العجيبة.

"لذلك أنا أرى أن لا يُثقَّل على الراجعين إلى اللَّه من الأمم". [19]

جاءت الكلمة اليونانية بمعنى "أقضي"، وهي كلمة قانونية تصدر عن القاضي في إصدار حكمه.

"لا يُثقَّل": الإيمان ليس نيرًا ثقيلاً يلتزم به الشخص، لكنه هبه إلهية تعطي النفس راحة وسلامًا داخليًا.

قدم القديس يعقوب كرئيس للمجمع القرار: "أرى أن لا يُثقل على الراجعين إلى الله من الأمم" [١٩]. وضع القديس القرار الذي به فصل في القضية، فلم يعد بعد هناك مجال للمناقشة والمنازعة، ثم رفعت جلسة المجمع.

"بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن

نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم". [20]

قدم المجمع أربع توصيات تمس الحياة السلوكية التي يلتزم بها الأممي الداخل الإيمان وهي:

1. الامتناع عن نجاسات الأصنام مثل أكل اللحوم وشرب الخمر المقدمة ذبائح للأوثان، فهي نجسة في نظر اليهودي. كان أكل هذه اللحوم يعتبر نوعًا من الشركة في العبادة الوثنية. لهذا كان اليهود يرفضونها تمامًا. هذا لا يعني أن هذه اللحوم في ذاتها نجسة، لكن من أجل نية الوثنيين أنها جزء من العبادة، ومن أجل نظرة اليهود إليها يمتنع المؤمن عن أكلها حتى وإن كان ضميره قويًا، متطلعًا إلى أن كل الخليقة طاهرة. فمن أجل محبته لأخيه صاحب الضمير الضعيف يرفض هذه الأطعمة متى علم أنها كانت مُقدمة للأوثان. وقد عالج الرسول هذه النقطة في شيء من التوسع (1 كو 8: 1؛ رو 14).

2. الامتناع عن الزنا، فقد عُرف كثير من الوثنيين بالإباحية الخلقية، كأن تمارس الكاهنات الزنا استرضاء للإله، ولجمع مال لحساب هيكل الوثن. وممارسة الزنا كنوع من العبادة في الأعياد الرسمية للآلهة. كانت هذه الرذيلة شائعة بين الأمم على مستوى العالم، تمارس دون خجل أو حياء، إذ لم يكن يوجد أي قانون بين الوثنيين يمنعها. لذلك كان لابد للمسيحية أن تأخذ موقفًا واضحًا وصريحًا لمقاومتها.

3. الامتناع عن أكل المخنوق من الحيوانات والطيور، إذ تحسب كجثة ميتة رميمة نجسة (لا ١٧: ١٠؛ تك ٩: ٤).

4. الامتناع عن شرب الدم، وهي تكملة للوصية السابقة، ذلك لأنه يحسب أن الدم هو الحياة، فيه النفس (لا ١٧: ١١). هذا وكان من عادة بعض الوثنيين حين ينتقمون من شخص يقتلونه ويشربون دمه. كان شرب الدم شائعًا بين الأمم، يشربونه أثناء تقديم الذبائح وفي إقامة عهود وفي الاحتفالات.

ربّما يتساءل البعض لماذا لم يشر المجمع إلى امتناع الأمم عن الخطايا والجرائم مثل السرقة والقتل، مكتفيًا بالإشارة إلى ضرورة امتناعهم عن عبادة الأوثان وأكل المخنوق والدم والزنا. ويجيب العلامة أوريجينوس بأن المجمع أشار فقط إلى ما كان الأمم يحسبونه مباحًا ولا تعاقب عليه القوانين المدنيّة والجنائيّة للدول. فإن اللَّه يريد أن هذه الجرائم يعاقب عليها القضاة في العالم وليس ممثلو الكنيسة. تتطلّع الكنيسة إلى قضاة هذا العالم وحكّامه كخدّام الله الذين يعاقبون الأشرار.

+ أما من جهة الطعام، فلتكن هذه هي قوانينك، إذ توجد عثرات كثيرة من جهته. فالبعض لا يبالي بما يقدم للأوثان. بينما يدرب البعض نفسه "على عدم أكله"، لكنهم في نفس الوقت يدينون من يأكلون منه. وهكذا بطرق متنوعة تتدنس نفوس البشر في أمر الأطعمة بسبب جهلهم الأسباب المعقولة النافعة للأكل أو الامتناع عنه.

فنحن نصوم ممتنعين عن الخمر واللحوم، ليس احتقارًا لهما كأشياء دنسة، بل بسبب تطلعنا إلى المكافأة. فنستهين بالأمور المادية لكي نتمتع بالوليمة الروحية العقلية، وإذ نزرع الآن بالدموع نحصد في العالم الآتي بالفرح (مز 5:126).

احفظ نفسك في أمان فلا تأكل ما يُقدم الأوثان... فإن هذا الأمر لست أنا وحدي المهتم به، بل والرسل ويهوذا أسقف هذه الكنيسة كان مملوء غيرة من جهته. فلقد كتب الرسل والشيوخ رسالة جامعة لكل الأمم أنه ينبغي أن يمتنعوا أولاً عما ذبح للأصنام، ثم عن الدم والمخنوق (راجع أع 20:15، 29). لأن كثيرين يشربون الدم بصورة وحشية سالكين مثل الكلاب. وأيضًا يتمثلون بالحيوانات المفترسة التي تفترس المخنوق. أما أنت يا خادم المسيح فاحترس في الأكل مراعيًا أن تأكل بوقار.

القديس كيرلس الأورشليمي

"لأن موسى منذ أجيال قديمة،

له في كل مدينة من يكرز به،

إذ يقرأ في المجامع كل سبت". [21]

يرى البعض أن القديس يعقوب يعلل التوصيات السابقة بأنها لازمة، لأنها تمس حياة اليهودي الروحية، والتي تستند على أسفار الناموس المقروءة دومًا في المجامع أينما وجدوا. لهذا يليق بالأممي أن يحمل هذه السمات ذاتها وهي لا تمس طقسًا تعبديًا بل سلوكًا روحيًا.

+        +        +

إنجيل القداس من مرقس 10 : 35 – 45

35 و تقدم اليه يعقوب و يوحنا ابنا زبدي قائلين يا معلم نريد ان تفعل لنا كل ما طلبنا
36 فقال لهما ماذا تريدان ان افعل لكما
37 فقالا له اعطنا ان نجلس واحد عن يمينك و الاخر عن يسارك في مجدك
38 فقال لهما يسوع لستما تعلمان ما تطلبان اتستطيعان ان تشربا الكاس التي اشربها انا و ان تصطبغا بالصبغة التي اصطبغ بها انا
39 فقالا له نستطيع فقال لهما يسوع اما الكاس التي اشربها انا فتشربانها و بالصبغة التي اصطبغ بها انا تصطبغان
40 و اما الجلوس عن يميني و عن يساري فليس لي ان اعطيه الا للذين اعد لهم
41 و لما سمع العشرة ابتداوا يغتاظون من اجل يعقوب و يوحنا
42 فدعاهم يسوع و قال لهم انتم تعلمون ان الذين يحسبون رؤساء الامم يسودونهم و ان عظماءهم يتسلطون عليهم
43 فلا يكون هكذا فيكم بل من اراد ان يصير فيكم عظيما يكون لكم خادما
44 و من اراد ان يصير فيكم اولا يكون للجميع عبدا
45 لان ابن الانسان ايضا لم يات ليخدم بل ليخدم و ليبذل نفسه فدية عن كثيرين

 

ترك حب الرئاسات

بدأ الإعلان عن الطريق الصعب بالكشف عن الوصية الصعبة، ثم أعلن لهم عن الحاجة إلى احتضان الأطفال والضعفاء بالحب الروحي العملي، وأيضًا تحدث عن التخلي، ليس فقط عن محبة المال، وإنما حتى عن العلاقات القرابية إن صارت عثرة في الطريق. والآن فإن أخطر صعوبة تواجه الخدام هي التخلي عن حب الرئاسات.

"تقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي قائلين:

يا معلم، نريد أن تفعل كل ما طلبنا.

فقال لهما: ماذا تريدان أن أفعل لكما؟

فقالا له: اعطنا أن نجلس واحد عن يمينك،

والآخر عن يسارك في مجدك" [35-37].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ سمع التلاميذ المسيح يتكلم عن ملكوته كثيرًا ظنوا أن ملكوته يقوم قبل موته، والآن إذ هو يتحدث عن موته معلنًا لهم عنه مقدمًا. جاءه التلميذان ليتمتعا بكرامات الملكوت.] كما يقول [سؤال المسيح لهما: ماذا تريدان ليس عن جهل منه للأمر، وإنما ليلزمهما بالإجابة، فيفتح الجرح ويقدم له الدواء.]

أجابهما السيد: "لستما تعلمان ما تطلبان" [38]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول لهما أنكما تتحدثان عن الكرامات بينما أتكلم أنا عن الصراعات والمتاعب. إنه ليس وقت المكافأة الآن بل هو وقت الدم والمعارك (الروحية) والمخاطر، لذلك أضاف:

"أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا، وأن تصطبغا (تتعمدا) بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟" [38].

لقد سحبهما من طريق سؤالهما إلى الالتزام بالشركة معه لتزداد غيرتهما.

 يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [لقد قصد بالكأس والصبغة (المعمودية) الصليب، الكأس هي الجرعة التي نتقبلها بواسطته بعذوبة، والمعمودية هي علة تطهيرنا من خطايانا. وقد أجاباه بغير إدراك قائلين له: "نستطيع"، إذ حسباه يتحدث عن كأس منظورة وعن المعمودية التي كان اليهود يمارسونها التي هي الغسالات قبل الأكل.]

لقد تسرعا في الإجابة كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إذ ظنا أنهما ينالان كرامة الملكوت فورًا، لذلك أجابهما: "أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها، وبالصبغة التي أصطبغ بها أنا تصطبغان. وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أُعِدَ لهم" [39-40]. وكأنه يقول لهما ستنعمان بالآلام معي والاستشهاد أيضًا، لكن أمر تمتعكما بأمجاد الملكوت فهو أمر إلهي يوهب لكما لا حسب فكركما المادي إنما حسب خطة الله الخلاصية.

في قوله "ليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم" يعلن دور الآب في يوم الرب العظيم، إذ هما يعملان معًا... يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [مع أنه هو الذي يدين، لكنه يظهر بهذه العبارة بنوته الأصلية.]

يقول الإنجيلي: "ولما سمع العشرة ابتدأوا يغتاظون من أجل يعقوب ويوحنا" [41]، فقد دفعتهم المشاعر البشرية إلى الحسد. هذا هو المرض الذي يوجهه عدو الخير بين الخدام؛ حب الرئاسات والكرامة الزمنية. لهذا "دعاهم يسوع، وقال لهم: أنتم تعلمون أن الذين يحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم، بل من أراد أن يصير فيكم عظيمًا، يكون لكم خادمًا، ومن أراد أن يصير فيكم أولاً، يكون للجميع عبدًا، لأن ابن الإنسان أيضًا لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم، ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" [42-45].

+ لنتبع المسيح ربنا، فإن من يقول أنه يؤمن به يلزم أن يسلك كما سلك ذاك (1 يو 2: 6). لقد جاء المسيح ليخدم لا ليُخدم. لم يأت ليأمر وإنما ليطيع؛ لم يأتِ لكي تُغسل قدماه بل لكي يغسل هو أقدام تلاميذه. جاء لكي يُضرب لا ليضرب، يحتمل ضعفات الآخرين ولا يصفع أحدًا، ليُصلب لا ليصلب... إذن لنتمثل بالمسيح، فمن يحتمل الضعفات يتمثل به، وأما من يضرب الآخرين فيمتثل بضد المسيح.

القديس جيروم

+       +        +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt