طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 15 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 132 : 9 ، 17 ، 18

مت 4 : 23 – 5 : 16

مز 110 : 4 ، 5 ، 7

لو 6 : 17 - 23

2 تى 3 : 10

- 4 : 22

1 بط 5

1 - 14

أع 20

17 - 38

مز 73 : 23 ، 28

يو 10 : 1 - 16

 

البولس من 2 تى 3 : 10 – 4 : 22

أولا : 2 تى 3 : 10 - 17

10 و اما انت فقد تبعت تعليمي و سيرتي و قصدي و ايماني و اناتي و محبتي و صبري
11 و اضطهاداتي و الامي مثل ما اصابني في انطاكية و ايقونية و لسترة اية اضطهادات احتملت و من الجميع انقذني الرب
12 و جميع الذين يريدون ان يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون
13 و لكن الناس الاشرار المزورين سيتقدمون الى اردا مضلين و مضلين
14 و اما انت فاثبت على ما تعلمت و ايقنت عارفا ممن تعلمت
15 و انك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة ان تحكمك للخلاص بالايمان الذي في المسيح يسوع
16 كل الكتاب هو موحى به من الله و نافع للتعليم و التوبيخ للتقويم و التاديب الذي في البر
17 لكي يكون انسان الله كاملا متاهبا لكل عمل صالح

 

احتمال مضايقاتهم

بعد أن تحدث الرسول عن وجود هراطقة في كل عصر يقاومون الحق، أوضح ضرورة احتمال مضايقاتهم بثبات، إذ يقول:

 "وأما أنت فقد تَبِعْتَ تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري، واضطهاداتي وآلامي مثل ما أصابني في أنطاكية وإيقونية ولسترة. أية اضطهادات احتملت، من الجميع أنقذني الرب" [١٠-١١].

هنا يقدم لنا مفهومًا حيًا للتسليم أو التقليد الرسولي إنه ليس مجرد عقيدة إيمانيّة فكريّة يتقبلها التلميذ عن معلمه، أو الجيل عن الجيل السابق، إنما فيما هو يحوي الإيمان الحيّ بكل جوانبه إنما يتسلم أيضًا التعليم والسيرة المقدسة والمقاصد التي عاش لأجلها وطول الأناة والمحبة والصبر، الأمور التي مارسها الرسول، وتَلَمَّسها تلميذه فيه، وأيضًا اضطهاداته وآلامه. كأن ما تسلمه تيموثاوس الأسقف عن بولس الرسول إنما هو "الحياة مع المسيح" بكل دقائقها الظاهرة والخفية. وكما سبق وأكدت في أكثر من موضع، خاصة في كتاب "التقليد والأرثوذكسية" إن التسليم الرسولي ليس أمورًا خارجية أو مجموعة من العقائد والنظم الكنسيّة تحكم عبادة الكنيسة وسلوك الجماعة والعضو فيها، إنما هي "الحياة" كما عاشتها الكنيسة الأولى وسلمتها في كل جوانبها.

هنا يمكننا القول أن قبول الآلام واحتمالها هو جزء لا يتجزأ من التسليم الرسولي، فقد تتلمذ تيموثاوس على يدي الرسول المتألم، وهذا هو المعلم يُذَكِّر تلميذه أن يتمسك بما رآه وما لمسه لكي تكون له معه شركة في الرب، محتملاً الألم بطول أناة، له ذات مقاصد الرسول ونياته وأناته ومحبته لمضطهديه. بمعنى آخر ليس مجرد رؤية القديس تيموثاوس لمعلمه بولس الرسول متألمًا يبعث فيه احتمال الألم معه، وإنما تلمذته على يديه وإدراكه أعماق معلمه الداخلية من مفاهيم ومقاصد ومشاعر وأحاسيس خفية في المسيح يسوع، أي اكتشاف سرّ القوة الداخلية في الرسول أثناء ضيقه وآلامه.

يعلن القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول، قائلاً: [كن قويًا فإنك لم تكن حاضرًا معي فحسب وإنما تبعت تعليمي عن قرب... بقوله "تَبِعْتَ تعليمي" يشير إلى المناقشة (الإيمانيّة)، وبقوله "سيرتي" يشير إلى سلوكه، وبقوله "قصدي" يشير إلى غيرته وثبات نفسه. وكأنه يقول له: إنني لا أنطق بهذه الأمور دون أن أنفذها، لم أكن فيلسوفًا (حكيمًا) بالكلام وحده. وبقوله "إيماني وصبري" يقصد أنه ليس شيء من هذه الأمور قد أقلقه. يتحدث عن "محبته" التي لا توجد لدى هؤلاء (المفسدين)، "وصبره" التي ليست لهم. لقد أظهر طول أناته على الهراطقة وصبرًا في الضيقات.]

أما إشارته إلى الإضطهادات التي عانى منها الرسول في أنطاكية وإيقونية ولسترة [١١] لم تكن إلاَّ مجرد أمثلة لما عانى منه الرسول، وليس إحصاءً لكل أتعابه، فقد كانت نيته تقديم أمثلة لتلميذه وليس استعراضًا بقصد حب الكرامة. أما خبرته في هذه الآلام فلخصها في العبارة الجميلة: "ومن الجميع أنقذني الرب" [١١]، هذه هي الخُلاصة التي يود أن يقدمها لتلميذه.

لم تكن هذه الضيقات النابعة عن المعلمين المفسدين أو بالحري عن إبليس نفسه خاصة بالرسول بولس وحده، وإنما "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون" [١٢].

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يمكن لإنسان يسلك في حياة الفضيلة ألاَّ يتعرض لحزنٍ أو تعبٍ أو تجربةٍ، إذ كيف يهرب منها من يسلك الطريق الكرب الضيق، ومن يسمع أنه في العالم يكون له ضيق (يو ١٦: ٣٣)؟ إن كان أيوب قال في زمانه أن حياة الإنسان تجربة (أي ٧: ١) كم بالأكثر يعاني من هم في هذه الأيام؟.] كما يتحدث على لسان الرسول، قائلاً: [لا تجعل أمرًا كهذا يقلقك إن كان (المعلمون الفاسدون) في وسع وأنت في تجارب، فإن هذا أمر طبيعي. ففي المثال الخاص بي تتعلم أنه يستحيل على إنسان ما وهو في صراعه ضد الشرير لا يتعرض للضيق. لا يقدر أحد أن يكون في معركة ويسلك في ترفٍ، ولا أن يصارع وهو ينعم بالملذات. ليت أي مجاهد (روحي) لا يطلب الحياة السهلة المفرحة! الحياة الحاضرة إنما تمثل حالة صراع وحرب وضيق وكرب وتجارب وهي مسرح للصراعات (الروحية). الآن ليس وقت للراحة، بل هو وقت تعب وجهاد.] وفي تعبير اختباري يقول القديس أغسطينوس: [إن أردت ألاَّ تكون لك متاعب، فأنت لم تبدأ بعد أن تكون مسيحيًا... إن كنت لا تعاني من اضطهاد (ضيق) لأجل المسيح، فاحذر لئلا تكون لم تبدأ بعد أن تعيش بالتقوى في المسيح.]

هذا بالنسبة للمجاهدين الروحيّين، إذ يتقبلون الضيق، أيًا كان مصدره، من أجل المسيح، أما عن الأشرار فيقول: "ولكن الناس الأشرار المزورين سيتقدمون إلى أردأ مُضِلِّين ومُضَلِّين" [١٣]. لم يتحدث الرسول عنهم إن كانوا في ترف أو في ضيق، لأنهم حتى وإن عاشوا في ترفٍ وتدليلٍ، لكن الضيق يلازمهم داخل نفوسهم، وإن فرحوا فإلى حين، حيث لا يقدر العالم أن يُشبع أعماقهم. لكن الرسول اهتم أن يعلن حالهم أنهم يتقدمون إلى أردأ، يُسقِطون الآخرين في الضلال ويَسقطون هم معهم، فينحرفون من ضلالٍ إلى ضلالٍ، وينحدرون من هوان إلى هوان، متقدمين بالأكثر نحو الهاوية.

الاستناد على كلمة الله

كأن الرسول يود أن يعلن سرّ قوة الإنسان الروحي وسط الضيق ألا وهو التحصن في كلمة الله. فإن الكتاب المقدس هو سند الراعي، كما هو سند الرعية - وسط المشقات - ومعين ضد هجمات المخادعين، إذ يقول الرسول: "وأما أنت فاثبُت على ما تعلمت وأيقنت، عارفًا ممن تعلمت. وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب هو موحى به من الله، نافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البرّ، لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهبًا لكل عمل صالح" [١٤-١٧].

وللقديس يوحنا الذهبي الفم تعليق رائعٍ على هذه العبارات، إذ يقول: [أُعطي الكتاب المقدس بهذا الهدف أن يكون إنسان الله كاملاً به، بدونه لن يمكن أن يكون كاملاً. يقول (الرسول): لديك الكتب المقدسة عوضًا عني. إن أردت أن تتعلم شيئًا فتعلمه منها. هذا كتبه لتيموثاوس المملوء من الروح، فكم بالأكثر يكون بالنسبة لنا!]

إن كان تيموثاوس قد رضع الإيمان خلال جدته وأمه اللتين ربتاه على الكتب المقدسة، فإنه وهو أسقف يليق به أن يثبت فيما تعلم فلا يكف عن التمتع بكلمة الله القادرة أن تثبته في إيمانه، وتدخل به من معرفة روحية إلى معرفة، ومن خبرة حياة إلى خبرة جديدة، ليحيا دائمًا في نموٍ، قادرًا أن يتعلم ويعلم، أن ينمو هو في الرب وأن يسند الآخرين في حياتهم الروحية. إنه الكنز المخفي في الحقل الذي يليق بالرعاة كما الرعية ألاَّ يكفوا عن اقتنائه في داخلهم، واللؤلؤة كثيرة الثمن التي من أجلها نبيع كل شيء لكي نقتنيها.

ما أخطر على الكنيسة أن يظن الأسقف أو الكاهن أنه قد عرف الكثير، فيتوقف عن التقوت بكلمة الله كل يوم، وكما يقول القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة: [يليق بالأسقف ليس فقط أن يُعَلِّم بل ويتعلم أيضًا، فمن كان في حالة نمو يومي متقدمًا إلى ما هو أفضل مثل هذا يعلم أفضل.]

ويحدثنا القديس إكليمنضس السكندري عن دور الكتاب المقدس كمصدر تعليم وتدريب في حياة الإنسان، راعيًا كان أو من الشعب، قائلاً: [حقًا مقدسة هي هذه الكتب التي تقدس وتؤله... ليس إنسان هكذا يتأثر بنصائح أي قديس من القديسين كما يتأثر بكلمات الرب نفسه محب البشر. لأن هذا هو عمله، بل عمله الوحيد، خلاص الإنسان، لهذا يحثهم على الخلاص ويفرح، قائلاً: "ملكوت السماوات داخلكم"... فالإيمان يقودك فيه، والخبرة تعلمك، والكتاب المقدس يدربك.] كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كلمة واحدة من الكتب الإلهيّة هي أكثر فاعلية من النار! إنها تلين قسوة النفس، وتُهيئها لكل عمل صالح.] [معرفة الكتب المقدسة تقوي الروح، وتنقي الضمير وتنزع الشهوات الطاغية، وتُعَمِّق الفضيلة، وتتسامى بالعقل، وتعطي قدرة لمواجهة المفاجآت غير المنتظرة، وتحمي من ضربات الشيطان، وتنقلنا إلى السماء عينها، وتحرر الإنسان من الجسد، وتهبه أجنحة للطيران.]

يقول القديس بولس لتلميذه أن كلمة الله نافعة للتعليم كما للتوبيخ، للتقويم كما للتأديب، فيقدمها بلا تنميق وبلا مجاملة، يقدمها بروح الحق الذي يلاطف وينتهر، يترفق ويحزم. لهذا يحذرنا القديس أغسطينوس في إحدى عظاته من أن يتحول الكارز بالكلمة إلى عازف موسيقي يهتم أن يبهج سامعيه بألحانه العذبة، مع أنه يلزم أن يقدم لهم في الوقت المناسب الكلمات المرّة لكي تعمل لتأديبهم، فتتحول لهم فيما بعد إلى عذوبة في قلوبهم.

ثانيا : 2 تى 4 : 1 – 22

1 انا اناشدك اذا امام الله و الرب يسوع المسيح العتيد ان يدين الاحياء و الاموات عند ظهوره و ملكوته
2 اكرز بالكلمة اعكف على ذلك في وقت مناسب و غير مناسب وبخ انتهر عظ بكل اناة و تعليم
3 لانه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم
4 فيصرفون مسامعهم عن الحق و ينحرفون الى الخرافات
5 و اما انت فاصح في كل شيء احتمل المشقات اعمل عمل المبشر تمم خدمتك
6 فاني انا الان اسكب سكيبا و وقت انحلالي قد حضر
7 قد جاهدت الجهاد الحسن اكملت السعي حفظت الايمان
8 و اخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل و ليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره ايضا
9 بادر ان تجيء الي سريعا
10 لان ديماس قد تركني اذ احب العالم الحاضر و ذهب الى تسالونيكي و كريسكيس الى غلاطية و تيطس الى دلماطية
11 لوقا وحده معي خذ مرقس و احضره معك لانه نافع لي للخدمة
12 اما تيخيكس فقد ارسلته الى افسس
13 الرداء الذي تركته في ترواس عند كاربس احضره متى جئت و الكتب ايضا و لا سيما الرقوق
14 اسكندر النحاس اظهر لي شرورا كثيرة ليجازه الرب حسب اعماله
15 فاحتفظ منه انت ايضا لانه قاوم اقوالنا جدا
16 في احتجاجي الاول لم يحضر احد معي بل الجميع تركوني لا يحسب عليهم
17 و لكن الرب وقف معي و قواني لكي تتم بي الكرازة و يسمع جميع الامم فانقذت من فم الاسد
18 و سينقذني الرب من كل عمل رديء و يخلصني لملكوته السماوي الذي له المجد الى دهر الدهور امين
19 سلم على فرسكا و اكيلا و بيت انيسيفورس
20 اراستس بقي في كورنثوس و اما تروفيمس فتركته في ميليتس مريضا
21 بادر ان تجيء قبل الشتاء يسلم عليك افبولس و بوديس و لينس و كلافدية و الاخوة جميعا
22 الرب يسوع المسيح مع روحك النعمة معكم امين

 

 

وصايا وداعية

يختم الرسول رسالته بوصايا وداعية:

1. المثابرة على الكرازة

إذ يختم الرسول حديثه مع ابنه الخاص يقدم له وصايا وداعية تتركز على وجه الخصوص في الكرازة بالكلمة، إذ يقول له: "أنا أُناشِدك إذًا أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته اكرز بالكلمة" [١-٢]. يوصيه بالكرازة بالكلمة في حضرة الآب والابن العتيد أن يدين الأحياء والأموات. فإذ يكتب الرسول في أيامه الأخيرة منتظرًا لحظات استشهاده يتطلع إلى ربنا يسوع المسيح بكونه الديان الذي يدين الأحياء أي الأبرار، مكافئًا إياهم بشركة أمجاده الأبديّة ويدين الأموات أي الأشرار المُصرِّين على عدم التوبة والحياة معه. أو لعله كان في أيامه الأخيرة كما في كل أيام كرازته منشغلاً بمجيء المسيح ليلتقي بالأحياء في لحظات مجيئه والذين سبقوا فرقدوا، أنه يلتقي بالكل ليدينهم. هذا المنظر هو الباعث الحقيقي للكرازة بالكلمة الإلهيّة، فغاية خادم الكلمة هو انتشال النفوس من حالة الموت الداخلية للتمتع بالحياة في الرب حتى تنعم بظهور السيد المسيح وشركة أمجاده.

يناشده بالديان القادم أن يكرز بغير توقف، قائلاً له: "اكرز بالكلمة، اعكف على ذلك، في وقت مناسب وغير مناسب" [٢]، فيليق بالراعي أن يتكلم في المسيح (٢ كو ٢: ١٧) بلا توقف، فقد يتوقف في وقت ما فلا يجد فرصة أخرى للنفس التي التقى معها، فيخسرها إلى الأبد.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني: "في وقت مناسب وغير مناسب"؟ هذا يعني أنه لا يوجد وقت محدد، إنما ليكن كل وقت هو وقتك، فتكرز ليس فقط في وقت السلام والأمان أثناء جلوسك في الكنيسة، وإنما حينما تكون في خطر أو سجن أو في سلاسل، وأنت ذاهب أيضًا إلى الموت.]

يكمل الرسول: "وبخ، انتهر، عظ بكل أناة وتعليم" [٣]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [يكون توبيخك مناسبًا جدًا عندما يكون ناجحًا، وعندما تتزكى الحقيقة. إنه يقول: انتهر، أي كن على مثال الأطباء الذين إذ يرون الجرح يشقونه ويضمدونه. فإن حذفت شيئًا من هذا يكون عملك بلا نفع. إن انتهرت الآخرين دون أن تقنعهم تكون كمن هو متهور، ولا يحتمل أحد تصرفك هذا. لكن إن كنت تبرهن على انتهارك بإقناع منطقي يقبلون منك الانتهار... وإن أقنعت إنسانًا ووبخته لكن في شدة دون أن تستخدم الكلمة الطيبة يضيع تعبك باطلاً.] كأن القديس يطلب في الراعي عندما يوبخ أو ينتهر أن يقنع وفي نفس الوقت أن يبرز طول أناته... بهذا يأتي انتهاره بالثمر المطلوب. فالراعي كالطبيب الذي يبرز للمريض حقيقة مرضه ويكشف له خطورته ما لم تُجرَ له العملية، وإذ يقتنع المريض يقبل ضربات المشرط من يد الطبيب الذي وهو يجرح يلاطف ويضمد.

يقول القديس أمبروسيوس: [لا يليق بالراعي أن يكون قاسيًا وعنيفًا، ولا يكون متساهلاً جدًا، لئلا يكون في الحالة الأولى كمن هو صاحب سلطان جائر، وفي الحالة الثانية كمن يهين بلا سبب وظيفته التي نالها.]

ويقول القديس يوحنا الدرجي: [من يرعى الخراف لا ينبغي أن يكون أسدًا ولا نعجة.]

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم معلقًا على كلمات الرسول "بكل أناة وتعليم": [لأن من يوبخ يلزمه أن يكون طويل الأناة، فلا يصدق بسرعة كل كلمة تُقال، ولأن التوبيخ يحتاج إلى تعزية حتى يمكن قبوله. لماذا أضاف "وتعليم" إلى "كل أناة"؟ إنه لا يوبخ كمن في غضب أو كراهية، ولا كمن يسب أو من أمسك عدوًا، فإن هذه الأمور بعيدة عنك تمامًا، وإنما كشخصٍ محبٍ، يتعاطف معه ويتألم معه في حزنه، وينصهر معه في مشقاته!]

"لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح،

بل حسب شهواتهم الخاصة،

يجمعون لهم معلمين مُستَحِكَّة مسامعهم،

فيصرفون مسامعهم عن الحق وينحرفون إلى الخرافات" [٣-٤].

كأنه يقول يلزم الكرازة بروح القوة في كل حين، في وقت مناسب وغير مناسب، في حزمٍ لكن مع طول أناة ولطف... لماذا؟ لأنه يأتي وقت فيه تتصلف القلوب وتصير العنق متشامخة وعنيدة، فلا يحتمل الناس الاستماع للتعليم الصحيح. وكأن الرسول ينصحه أن يسرع بالعمل الروحي، لأن كل تأخير في الكرازة إنما يعني دخول الناس إلى حالة أكثر تصلفًا. كأن الزمن ليس في صالحنا إن أهملنا الخدمة! فالقلب المستعد الآن لقبول الكلمة قد يرفضها غدًا ما لم نخدمه اليوم! اليوم قد يقبل الناس المعلمين الحقيقيّين، لكن إن أهمل المعلمون في رعايتهم يسقط الناس في شهوات كثيرة، وعندئذ يطلبون لأنفسهم معلمين حسب أهوائهم. يطلبون ويجدون جماهير من المعلمين المنحرفين عن الحق، مملوءين فسادًا، تستريح لهم قلوبهم.

لم يقصد الرسول بهذا تحطيم تلميذه بروح اليأس، وإنما تشجيعه على السرعة في العمل الروحي وتقديم كلمة الحق حتى لا تهلك هذه النفوس، لهذا يكمل قائلاً: "وأما أنت فَاصْحُ في كل شيء، احتمل المشقات، اعمل عمل المبشر، تمم خدمتك" [٥].

سأله أن يكون صاحيًا متيقظًا حتى لا تدخل الذئاب بين الحملان فتفترسهم. حقًا في السهر على الرعاية يتحمل الراعي الكثير من المشقات، لكن تهون هذه كلها من أجل خلاص الخراف العاقلة. هذا هو عمل المبشر أن يحمل الصليب مع مخلصه المصلوب لأجل الدخول بكل نفس إلى رعية السيد المسيح ربنا. بهذا يتمم خدمته ويكمل رسالته.

يحدثنا القديس غريغوريوس النزينزي عن المشقات التي احتملها الرسول بولس لتتميم رسالته فيقول: [لكي نعرف ذلك، نترك بولس يحدثنا بنفسه. لا أقول شيئًا عن أتعابه وسهره وتحمله الجوع والعطش، في برد وعري، أعداء من الخارج ومخاصمون في الداخل (٢ كو ١١: ٢٣ الخ). سأعبر عن الاضطهادات التي تحملها والمجامع التي عُقدت ضده والسجون والقيود والمفترين عليه، ومحاكماته، وموته يوميًا وفي كل ساعة، ووضعه في زنبيل هاربًا خلف السور، ورجمه بالحجارة وضربه بالعصي، وأسفاره، والمخاطر التي صادفها في البر والبحر، وغرقه في العمق وانكسار السفينة به، ومخاطر في أنهار، مخاطر من لصوص، مخاطر من حكام، مخاطر من إخوة كذبة، معيشته بعمل يديه، التبشير بلا نفقة (١ كو ٤: ١٢؛ ٩: ٨)، كونه قد صار منظرًا للملائكة والناس (١ كو ٤: ٩)، وقوفه مناضلاً بين الناس والله لكي يوحدهم معه (بنعمة المسيح) فيصيروا شعبه الخاص (تي ٢: ٤)... من يقدر أن يذكر كل هذه الأمور بالتفصيل؟ الآلام اليومية والاهتمام الفردي، والعناية بكل كنيسة، والمودة الجامعة والحب الأخوي؟ هل أحد يعثر وبولس لأجله لا يضعف؟ أو أحد يشتكي وبولس لا يحترق؟... لقد حارب لأجل الكل، صلى من أجل الكل، وتعطف على الكل، سواء الذين بلا ناموس أو تحت الناموس... كان مستعدًا هو أيضًا وراء المسيح أن يحتمل كل شيء من أجل خلاص الأشرار.]

2. توقع الرسول رحيله

إذ يشجع الرسول تلميذه على الجهاد بقوة الروح من أجل الكرازة بالحق، متممًا خدمته حتى النهاية، قدم نفسه مثالاً، إذ جاهد حتى النفس الأخير. حقًا ما أروع كلماته: "فإني أسكب سكيبًا، ووقت إنحلالي قد حضر" [٦] إذ أدرك الرسول أن حياته على الأرض تبذل للنهاية بقبوله الاستشهاد يقول: "الآن أسكب سكيبًا". كأن الرسول قد عاد بذاكرته إلى أب الأسباط كلها يعقوب، وقد أقام عمودًا وسكب عليه سكيبًا ودهنه بالزيت (تك ٣٥: ١٤)، غالبًا ما كان هذا السكيب من الخمر، قدمه على العمود كتدشين لأول بيت يُقام لله في تاريخ الخلاص، إشارة إلى عطية فرح الروح القدس التي تملأ بيت الله أي شعبه. كأن الرسول يرى وسط آلامه داخل السجن منطلقًا نحو ساحة الاستشهاد أن روح الفرح الإلهي يملأ حياة الكنيسة خلال آلام الرسول. فلا فرح للكنيسة بدون ألم، ولا مجد لها خارج المشقات. لقد رأى القديس بطرس المؤمنين يدخلون تحت الآلام ويقبلون التعيير من أجل المسيح وإذا بروح المجد والله نفسه يحل عليهم، ليتقبل الله الألم في داخلهم تقدمة حب منهم واهبًا فرحه الإلهي ومجده الداخلي فيهم، إذ يقول: "كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضًا مبتهجين، إن عُيِّرْتم باسم المسيح فطوبى لكم، لأن روح المجد والله يحل عليكم" (١ بط ٤: ١٣-١٤).

لقد حسب آلام المؤمنين شركة في آلام السيد المسيح... والعجيب أن الرسول يأمرهم: "افرحوا" كعربون لنوالهم الفرح الأبدي عند استعلان مجده. ما أمر به الرسول لم يكن وصية بقدر ما هي عطية، فإنه يأمرهم لينالوا العطية ويدركوها ويمارسوها، أما علة هذه العطية فهو "روح المجد والله يحل عليكم". يفرح الله بحب المؤمنين العملي، والمعلن خلال الآلام والمشقات من أجله، فيعلن ذاته سرّ مجدهم وفرحهم الذي لا يُنطق به.

ولعل الرسول وهو يتحدث عن نفسه كسكيبٍ يُسكب يذكر ما ألزمت به الشريعة من تقديم خروفين كل يوم، الواحد في الصباح والآخر في العشية، أثناء تقديمه يُصنع له سكيب من الخمر (حز ٢٩: ٤٠-٤١). وكأن ذبيحة الصليب قد ارتبطت بفرح الروح القدس الذي ينسكب على الكنيسة خلال الحمل الإلهي الذبيح. هذه هي خبرتنا المستمرة، ففي ليتورچيا الأفخارستيا إذ تقدم الكنيسة للآب بالروح القدس تقدمة الابن الوحيد، جسده المبذول، يسكب عليها وفيها فرحه الإلهي بحلول روحه القدوس الفائق! هذا ما رفع الكنيسة إلى التغني بليتورچيا الأفخارستيا كتسبحة فرح فائق، هي من صنع الروح القدس واهب الفرح الحقيقي!

أقول في اختصار أن الرسول بولس وهو يكتب لتلميذه المتألم بسبب مضايقات نيرون الظالم أراد أن يعلن له عن استشهاده في أروع صورة لكي يسنده ويشجعه لتكملة جهاده في الكرازة حتى النهاية. إنه يعلن بأن حياته كلها تُقدم - في المسيح يسوع - ذبيحة حب لله، وأن السيد المسيح نفسه الساكن فيه يحل بمجده عليه في لحظات الاستشهاد ليتقبل الألم واهبًا إياه روح المجد والقوة والفرح، لا بل نقول أن بسبب آلامه يهب الكنيسة كلها فرحًا وتعزية داخلية، فيصير الرسول نفسه كسكيب خمرٍ مفرحٍ يُسكب على بقية جسد الكنيسة المتألم! ما أبدعها لحظات حين يتقبل الرب آلام الراعي بكونها آلامه، واهبًا لأولاده الروحيين تعزية وفرحًا مجيدًا، الأمر الذي جعل من الاستشهاد للآباء أعيادًا تفرح بها الكنيسة وتُسَبِّح متهللة.

في اختصار يمكننا القول أن ما تتقبله النفس بل ومن هم حولها من تعزيات خلال لحظات الألم لا يُمكن اقتنائها خلال أصوام وصلوات ومطانيات وتعبدات لسنوات طويلة. الألم في المسيح يسوع ينبوع فرح الكنيسة لا ينضب!

يقول الرسول: "فإني الآن أسكب سكيبًا، ووقت إنحلالي قد حضر" [٦]. إنه كعصفور في قفص، حتى وإن كان ذهبيًا، يود أن ينطلق!

أما سرّ فرحه فهو إدراكه أن الرب قد أنجح رسالته وقبل جهاده الحسن القانوني، إذ يقول: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليوم الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" [٧-٨].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً:

[غالبًا إذ أضع الرسول بين يدي، وأتأمل هذه العبارة أشعر أنني قد فقدت الفهم...

بأي هدف كان الرسول يتحدث هكذا؟ لقد كان مشتاقًا أن يعزي تلميذه وينزع عنه كآبته، موصيًا إياه أن يبتهج، لأنه ذاهب إلى حيث يوجد إكليله، بعد أن أنهى كل عمله ونال نهاية مجيدة.

إنه يقول له: يليق بك أن تفرح لا أن تحزن؛ لماذا؟ لأنني "جاهدت الجهاد الحسن".

إنه كأب يجلس بجوار ابنه الذي يندب حال يتمه ليعزيه، قائلاً له: "لا تبكِ، فإننا نعيش حياة حسنة وقد بلغت الشيخوخة، وها أنا أتركك. حياتنا هنا بلا عيب، وها نحن نرحل في مجدٍ، يلزمك بالحري أن تُعجب بأعمالنا، فقد صار ملكنا كأنه مدين لنا. أو كأنه يقول: لقد رفعنا علامات النصرة، هزمنا الأعداء!"

يقول هذا ليس افتخارًا بنفسه! وإنما ليرفع من نفسية ابنه المغموم، ويشجعه على احتمال ما يحدث (رحيله) بثبات، باعثًا فيه الرجاء الصالح، بكونه لا يفكر في الرحيل كأمرٍ محزن. إن كان مجرد الانفصال يُحسب أمرًا محزنًا، بل ومحزن بحق، إذ يقول بولس نفسه: "قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب"؛ (١ تس ٢: ١٧)؛ وإن كان قد شعر بهذا عندما انفصل هو عن تلميذه، فماذا بالحري تكون مشاعر تيموثاوس نفسه؟ إن كان مجرد ترك الرسول له وهو بعد حيّ جعله يبكي، إذ يقول بولس: "ذاكرًا دموعك لكي أمتليء فرحًا" (٢ تي ١: ٤)، فماذا يكون الأمر عند موته؟

إذن كتب الرسول هذا ليعزيه... يقول: "جاهدت الجهاد الحسن"... هل هذا الجهاد حسن وقد وجد فيه سجن وقيود وموت؟ نعم، لأنه جهاد من أجل المسيح خلاله ننعم بأكاليل عظيمة!... ليس جهاد أسمى من هذا! إكليله بلا نهاية؛ إكليله ليس من أوراق الزيتون، والحكم فيه ليس بشريًا، والمشاهدون ليسوا بشرًا، إنما سيكون المسرح مزدحمًا بالملائكة!

هناك (في حلقات المصارعة) يجاهد الناس أيامًا كثيرة ويحتملون المصاعب لأجل ساعة ينالون فيها الإكليل، وعندئذ تنتهي كل بهجة في الحال. أما هنا فالحال مختلف تمامًا: الإكليل أبدي له بهاؤه ومجده وكرامته، لهدا يجب أن نفرح.

ها أنا أدخل راحتي تاركًا السباق. لقد سبق أن سمعت مني أنه خير لي أن أنطلق وأكون مع المسيح. لقد "أكملت السعي"؛ فإنه يليق بنا أن نجاهد ونجري، نجاهد محتملين الآلام بثبات، ونجري ليس باطلاً وإنما لأجل غاية صالحة. حقًا إنه جهاد حسن، ليس فقط يبهج ناظره وإنما يفيده، فلا ينتهي السباق إلى لا شيء. إنه ليس مشهدًا مجردًا لإبراز القوة والمنافسة وإنما هو رفع إلى السماء!

كيف أكمل السعي؟... لقد عبر الأرض كطائر، بل بالحري أسرع من طائر، لأن الطائر مجرد يحلق فوقها، لكن (بولس) إذ كان له جناح الروح وجد طريقًا خلال العوائق التي بلا عدد، والمخاطر والميتات والكوارث. كان أكثر خفة من الطائر، فلو كان طائرًا مجردًا لسقط... لكنه إذ هو محمول بالروح انطلق يرفرف فوق كل الفخاخ كطائر ذي جناح من نار!

يقول: "حفظت الإيمان"، فقد وُجدت أمور كثيرة كانت تود سرقة الإيمان... من تهديدات وميتات ومخاطر أخرى بلا حصر. لكنه وقف ضد هذا كله بثبات. كيف؟ بكونه صاحيًا ساهرًا...

كان هذا كافيًا لتعزية تلميذه، لكه أضاف المكافآت؛ ما هي؟ "وأخيرًا وضع لي إكليل البرّ". مرة أخرى يدعو الفضيلة هنا بمعنى عام: "البرّ". لا تحزن لأني راحل. فإنني سأُقَلد بذلك الإكليل الذي يضعه المسيح على رأسي، لو كنت سأستمر هنا لكان من حقك أن تحزن وتخاف عليَّ لئلا أسقط وأهلك. يقول: "الذي يهبه لي في ذلك اليوم الديان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضًا" [٨].

بهدا أيضًا رفع ذهنه، فإن كان الله يهب الإكليل للجميع، فبالأولى يهبه لتيموثاوس.]

إن انتظار الرسول لرحيله أو مجيء السيد، أي التلاقي مع ربنا يسوع ليس مجرد اشتياقات داخله أو كلمات يُنطق بها، لكنها حياة إيمانيّة مملوءة جهادًا وأتعابًا بفرح. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليته لا يوجد فينا ما هو غير مستحق لمجيئه، عندئذ يجعل له مسكنًا فينا.] بمعنى أن انتظار ظهوره يتحقق بتهيئة نفوسنا الداخلية بعمل روحه القدوس لنكون بحق العروس اللائقة بعريسها الأبدي، أو الأبناء المشابهين لأبيهم، يرونه فينجذبون إليه ويوجد معه وفيه إلى الأبد.

كلمات الرسول بولس في أيامه الأخيرة لم تكن لتعزية تيموثاوس وحده وإنما لتعزية الكنيسة كلها في جهادها الروحي سواء في أيام الضيق (الاستشهاد) أو السلام. يقول القديس كبريانوس: [ليتهم يتقبلون الأكاليل، إما بيضاء بسبب الجهاد أو أرجوانية بسبب الآلام، ففي معسكر السماء توجد زهور خاصة بالسلام وأخرى خاصة بالصراع، بها يتكلل جنود المسيح للمجد.]

وقد راعى انتباه القديس أمبروسيوس في حديثه عن واجبات الكهنة أن الرسول يقول عن نوال الإكليل أنه "في ذلك اليوم" يهبه له وليس هنا؛ [هنا حارب في أتعاب ومخاطر وانكسار السفينة به كمصارع جاهد عالمًا أنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات.]

لقد استخدم أتباع بيلاجيوس كلمات الرسول بولس هذه لتأكيد فكرهم أن المكافأة هي ثمر جهادنا الذاتي، متجاهلين نعمة الله الغنية، وقد ردّ عليهم القديس أغسطينوس، قائلاً:

[لنتأمل استحقاقات الرسول بولس عينها، الذي قال أن الديان العادل سيجازيه بإكليل البرّ، لنرى ما إذا كانت استحقاقاته حقيقة نابعة عنه، أقصد أنه حصل عليها بمجهوده الذاتي، أم هي عطايا إلهيّة! إنه يقول: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان" (٢ تي 4: ٧). أولاً: هذه الأعمال الصالحة لا تُحسب شيئًا ما لم يسبقها أفكار صالحة. لاحظ ماذا يقول عن هذه الأفكار؟ "ليس أننا كفاة من أنفسنا أن نفتكر شيئًا كأنه من أنفسنا بل كفايتنا من الله" (٢كو ٣: ٥). ثانيًا: لنتطلع إلى كل استحقاق على حدة:

أ. جاهدت (حاربت) الجهاد الحسن: أريد أن أعرف بأية قوة كان يحارب؟ هل بقوة ذاتية، أم بقوة أُعطيت له من فوق؟ يستحيل أن نظن أن معلمًا عظيمًا مثل الرسول كان جاهلاً بشريعة الله التي تعلن في سفر التثنية: "لئلا تقول في قلبك قوتي وقدرة يدي صنعت لي هذه الثروة، بل اذكر الرب إلهك أنه هو الذي يعطيك القوة" (تث ٨: ١٧). وأي نفع للمحاربة الحسنة ما لم يتبعها نصرة؟ ومن يهب النصرة إلاَّ الذي يقول عنه الرسول نفسه: "شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (١ كو ١٥: ٥٧)؟ وفي عبارة أخرى اقتبسها من المزمور يقول: "لأننا من أجلك نُمات اليوم كله، قد حُسبنا مثل غنم للذبح" (مز ٤٤: ٢٢)، مُكملاً القول: "ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا"، أي أنه ليس بأنفسنا نحقق الغلبة بل بذاك الذي أحبنا.

ب. أكملت السعى: كيف يقول هذا، وهو يعلن في عبارة أخرى: "فإذًا ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم" (رو ٩: 16). هذه العبارة لا يمكن استبدالها فنقول أنه ليس من الله الذي يظهر الرحمة بل الإنسان هو الذي يشاء ويسعى. فمن يتجاسر ويفسر الأمر هكذا يكون من الواضح أنه مناقض للرسول.

ج. حفظت الإيمان: الذي يقول هذا يعلن في عبارة أخرى: "أعطى رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا" (١ كو ٧ : ٢٥). إنه لا يقول: "كمن رحمه الرب لأنني كنت أمينًا"، بل "رحمه أن يكون أمينًا"، مُظهرًا أنه حتى الإيمان نفسه لا يمكن نواله بدون رحمة الله، إنه عطية الله! هذا يؤكده لنا عندما يقول: "لأنكم بالنعمة أنتم مخلصون، بالإيمان وذلك ليس منكم، هو عطية الله" (أف ٢: ٨). ربما تقولون: "نحن تقبلنا النعمة لأننا آمنا"، ناسبين الإيمان إلى أنفسهم والنعمة لله، لذلك فإن الرسول بعد قوله: "لأنكم بالنعمة مخصلون بالإيمان"، أضاف: "وذلك ليس منكم، هو عطية الله". ولئلا يقولوا إنهم استحقوا هذه العطية العظيمة بأعمالهم (الذاتيّة) أضاف للحال: "ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد، لأننا نحن عمله" (أف ٢: ٩). لا بمعنى أنه يُدحِض الأعمال الصالحة أو يسلبها قيمتها، إذ يقول أن الله يجازي كل واحد حسب أعماله (رو 2: ٦)، إنما لأن الأعمال هي ثمر الإيمان وليس الإيمان ثمر الأعمال، لذلك فأعمال البرّ التي لنا هي من الله ومنه نصل إلى الإيمان ذاته الذي قيل عنه "البار بالإيمان يحيا".]

3. أخباره الختامية

قدم الرسول لتلميذه الحبيب بعضًا من أخباره:

أ. استدعاء تلميذه: أدرك الرسول أن وقت رحيله قد اقترب، فأرسل يستدعيه، قائلاً له: "بادر أن تجيء إلىّ سريعًا" [9]، وإن كان للأسف لم يستطع أن يحضر قبل استشهاده. وقد كان الرسول لطيفًا وحكيمًا في استدعائه، إذ لم يقل له "لكي أراك قبل رحيلي"، لئلا إذا لم يتحقق الأمر يحزن القديس تيموثاوس ويكتئب، وإنما أعلن له إن حاجته إليه في هذه اللحظات إنما بسبب ترك الكثيرين له.

ب. ترك البعض له: "لأن ديماس قد تركني، إذ أحب العالم الحاضر، وذهب إلى تسالونيكي" [١٠]. إذ تركه ديماس طلب تيموثاوس لكي يخدمه عوضًا عنه. ولكن لماذا تركه ديماس؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أحب الطريق السهل والآمن، بعيدًا عن المخاطر. حقًا لقد اختار أن يعيش في بيته في ترفٍ عن أن يعاني معي المصاعب، ويشاركني المخاطر الحاضرة. لقد لامه لا لأجل اللوم في ذاته، وإنما لكي يثبتنا نحن فلا نسلك بتدليل مبتعدين عن الأتعاب والمخاطر، فهذا يُحسب حبًا للعالم الحاضر، ومن ناحية أخرى أراد بهذا أن يجتذب تلميذه إليه.]

يكمل الرسول: "وكِرِيسكيس إلى غلاطية، وتيطس إلى دَلْماطية، لوقا وحده معي" [١٠-١١]. هذان لم يتركاه من أجل محبة العالم وإنما لأجل ضرورة الخدمة.

ج. طلب مرقس الرسول: "خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة" [١١]. في رحلته التبشيريّة الثانية رفض الرسول أن يأخذ مرقس معه لأنه سبق وتركه في رحلته الأولى عند بمفيلية، ربما بسبب حمى أصابته هناك. وبسبب رفض الرسول أخذ مرقس معه انفصل عنه برنابا الذي انطلق مع مرقس إلى الخدمة في طريق آخر، إلى جزيرة كريت حيث انتقل برنابا هناك، أما مرقس الرسول فجال في إفريقيا يخدم، وكانت الإسكندرية مركز خدمته. هنا الرسول يشهد للقديس مرقس أنه نافع له في الخدمة. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه، قائلاً: [إنه لم يطلب ذلك لأجل راحته الخاصة، وإنما لأجل خدمة الإنجيل. فإنه وإن كان سجينًا لكنه لا يتوقف عن الكرازة. لذات السبب أيضًا أرسل يطلب تيموثاوس، ليس لأجل نفسه، وإنما لأجل الإنجيل، فلا يكون موته مجالاً لحدوث اضطراب بين المؤمنين، إنما وجود بعض من تلاميذه ينزع عنهم ضيقهم.]

د. طلب الرداء: "الرداء الذي تركته في تراوس عند كاربُس احضره متى جئت، والكتب أيضًا، ولاسيما الرقوق" [١٣].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكلمة المترجمة هنا "رداء" تعني ثوبًا أو كما يقول البعض تعني حقيبة تحوي الكتب.] لقد طلب رداءه ربما لكي لا يضطر في أيامه الأخيرة أن يستعير رداء أحد، إذ لا يريد أن يثقل على أحد. أما طلبه الكتب فربما لكي يسلمها للمؤمنين في روما الذين يعاصرون استشهاده فتكون سبب تعزية لهم... حقًا إنه حتى في اللحظات الأخيرة لا يهتم بما لنفسه بل ما هو لراحة الغير.

ه. شر إسكندر النحاس: "إسكندر النحاس أظهر لي شرورًا كثيرة، ليُجازِهِ الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضًا، لأنه قاوم أقوالنا جدًا" [١٤-١٥].

 لقد كتب عن إسكندر النحاس لا ليدينه أو يتهمه، ولا ليطلب الانتقام منه، وإنما أراد أن يعد تلميذه للصراعات حتى النهاية، لكي يحتملها بثباتٍ. لقد صنع إسكندر ببولس الرسول شرورًا كثيرة، وها هو يخشى على تلميذه منه. أما قوله: "ليجازه الرب حسب أعماله"، فلا تحمل شهوة انتقام خاصة وأن الرسول يدرك أن يوم رحيله قد قرب جدًا، إنما يُهيء نفس تلميذه الذي سيتعرض لمضايقات إسكندر وأمثاله لكي لا يضطرب، تاركًا الأمر في يدي الله الذي لا يترك الأشرار بلا تأديب أو عقوبة.

يظهر حنو الرسول حتى نحو مضطهده الشرير، فإنه لم يطلب من تلميذه أن ينتقم منه أو يعاقبه أو يطرده، لكن كل ما فعله حذره منه حتى لا يفسد خدمته، لأنه مقاوم للكلمة.

و. ترك الكل له في احتجاجه الأول:

 "في احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني. لا يُحسَب عليهم. ولكن الرب وقف معي وقواني، لكي تتم بي الكرازة، ويسمع جميع الأمم، فأُنقِذت من فم الأسد. وسينقذني الرب من كل عمل رديء، ويخلصني لملكوته، الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين" [١٦- ١٨].

إذ وقف أمام نيرون في دفاعه الأول لم يقف بجواره أحد، حتى الأصدقاء، وهو أمر صعب على النفس. على أي الأحوال طلب الرسول لأصدقائه من الرب السماح من جهة إهمالهم في اللحظات العصيبة. والعجيب أنه إذ فشلت كل الأذرع البشرية، وأدرك الرسول أن الجميع قد تركوه، ليس من يسند ولا من يعين، تجلى الرب في هذه اللحظات: "الرب وقف معي وقواني". حين تتحطم كل الأذرع البشريّة لمساندة المؤمن في ضيقته تبقى ذراع الرب القوية ممتدة، قادرة على الإنقاذ من فم الأسد، وتتمم الشهادة له بنجاح.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على عبارات الرسول هكذا:

[إن كان الناس قد هجروه، لكن الله لم يسمح له بضرر، بل قواه، أي وهبه الجرأة على الكلام، ولم يسمح له أن يغرق...

"لاحظ عظم تواضعه! فإنه لم يقل أن الله قواه لاستحقاقه هذه العطية، إنما من أجل الكرازة التي أُؤتمن عليها لكي تتم.

"انظر كيف اقترب من الموت! لقد سقط بين أنياب الأسد ذاته، فقد دعا نيرون أسدًا بسبب شراسته وعنف حكومته...

يقول: "أُنقذت من فم الأسد وسينقذني الرب من كل عمل رديء". لم يقل سينقذني من فم الأسد، بل سينقذني من كل عمل رديء، فإن كان الرب قد أنقذه من الخطر (نيرون) فسينقذه من الخطية، فلا يسمح له بالرحيل وهو مدان.]

كأن الله أنقذه من نيرون من أجل الكرازة والشهادة له حتى يتمم رسالته، أما وقد تحققت رسالته لا يعود يطلب الخلاص من يد نيرون، بل من حكم الخطية، بانطلاقه من العالم محفوظًا من الدينونة. لقد خلص من دينونة نيرون المؤقتة، لكن ما هو أعظم إن الله يخلصه من الدينونة الرهيبة حيث يدخل به إلى شركة أمجاده الأبديّة، قائلاً: "يخلصني لملكوته".

ز. إهداء السلام لأحبائه: "سلِّم على فرسكلا (بريسكلا) وأكيلا وبيت أُنيسيفورس" [١٩]. وقد سبق لنا الحديث عن أنيسيفورس الذي أراح الرسول مرارًا كثيرة أثناء سجنه (١: ١٦)، أما بريسكلا وزوجها أكيلا فقد ارتبطا بالرسول بدالة محبة قوية، إذ آمنا على يديه، وكانا خيامين يقضيان بعضًا من الوقت معه يعملان معه في صنع الخيام. لقد عملا معه في خدمته، إذ يقول الرسول: "سلموا على بريسكلا وأكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي، اللذين لست أنا وحدي أشكرهما بل أيضًا جميع كنائس الأمم" (رو ١٦: ٣-٤). والعجيب أن الرسول - وهو في القرن الأول الميلادي - يذكر اسم الزوجة قبل الزوج في الرسالتين، هنا والرسالة إلى أهل رومية، في وقت لم يكن للمرأة - حسب القانون الروماني - أية حقوق. لقد ذكرها الرسول أولاً ليؤكد أنه في الإيمان لا تحيز لجنس على آخر إلاَّ حسبما يقدم الإنسان من إيمان حيّ عامل. لقد كانت بريسكلا في عيني الرسول أكثر غيرة وإيمانًا من رجلها.

س. "أراستس بقي في كورنثوس، وأما تروفيموس فتركته في ميليتس مريضًا" [20]. بهذا يوضح الرسول احتياجه إلى تلميذه، فقد بقي أراستس في كورنثوس، بينما ترك تروفيموس مريضًا في ميليتس. يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: لماذا لم يشفِ الرسول بولس تروفيموس؟ إن كان الرسول قد وُهب عطية شفاء المرضى، لكن الله سمح أن يوجد من بين أحبائه من هو مريض ولا يشفيه حتى يشعر الرسول بضعفه، فإن راوده فكر كبرياء من جهة المعجزات التي تتم على يديه يرى أحباءه مرضى وهو في عجزٍ عن تقديم شيءٍ ما لهم. هذا ومن ناحية أخرى، لكي لا يتحول هدف المؤمنين في الكرازة إلى الأمور الماديّة. بقاء المرض حتى بين الخدام الأمناء يعني أن غاية الكرازة أولاً خلاص الإنسان أبديًا وتمتعه بالملكوت، أما الأمور الأخرى فتُعطى للإنسان أو يحرم منها حسبما يرى الله فيه من خير.

ما نقوله هنا نردده بخصوص أَبَفْرودِتُس العامل مع الرسول والمتجند معه (في ٢: ٢٥) إذ كان مريضًا قريبًا من الموت، بل ونقوله بخصوص الرسول نفسه الذي صرخ إلى الرب ليشفيه لكن الرب أعلن له: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل".

ش. يكرر الرسول الدعوة: "بادر أن تجيء قبل الشتاء" [٢١]. في لطف لم يقل: "قبل أن أرحل" بل قال "قبل الشتاء" حتى لا يثير فيه مشاعر الحزن متى جاء ووجده قد رحل.

ص. تقديم سلام أحبائه الذين في روما: "يسلم عليك أَفْبولس وبوديس ولينُس وكَلافَدِيَّة والإخوة جميعًا" [٢١]، من بينهم لينس الذي أُقيم أسقفًا على روما وكَلافَدِيَّة المملوءة غيرة على الشهادة لله.

4. البركة الرسوليّة:

"الرب يسوع المسيح مع روحك. النعمة معكم. آمين". إنها بركة ختاميّة تليق بما جاء في الرسالة، فإنه إذ يتحدث عن روح القوة، يؤكد أن سرّها هو المعية مع الرب يسوع. وإن كان الرسول يود أن يسند تلميذه ويعزيه، فليس من معزٍ سوى نعمة ربنا يسوع المسيح التي ترافق الإنسان وتعينه!

+        +         +     

 

إنجيل القداس ... يوحنا 10 : 1 – 16

6 هذا المثل قاله لهم يسوع و اما هم فلم يفهموا ما هو الذي كان يكلمهم به
7 فقال لهم يسوع ايضا الحق الحق اقول لكم اني انا باب الخراف
8 جميع الذين اتوا قبلي هم سراق و لصوص و لكن الخراف لم تسمع لهم
9 انا هو الباب ان دخل بي احد فيخلص و يدخل و يخرج و يجد مرعى
10 السارق لا ياتي الا ليسرق و يذبح و يهلك و اما انا فقد اتيت لتكون لهم حياة و ليكون لهم افضل
11 انا هو الراعي الصالح و الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف
12 و اما الذي هو اجير و ليس راعيا الذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلا و يترك الخراف و يهرب فيخطف الذئب الخراف و يبددها
13 و الاجير يهرب لانه اجير و لا يبالي
بالخراف
14 اما انا فاني الراعي الصالح و اعرف خاصتي و خاصتي تعرفني
15 كما ان الاب يعرفني و انا اعرف الاب و انا اضع نفسي عن الخراف
16 و لي خراف اخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي ان اتي بتلك ايضا فتسمع صوتي و تكون رعية واحدة و راع واحد

 

 

 

الراعي الصالح

جاء حديث السيد المسيح عن الراعي الصالح بعد تفتيح عيني المولود أعمى، حيث ظهر الفارق واضحًا بين الراعي المهتم بخرافه وبين الأجراء؛ أي بين السيد المسيح الذي يشتاق إلى خلاص البشرية والفريسيين الذين يهمتمون بكرامتهم الذاتية وسلطانهم ومكاسبهم.

في الأصحاح السابق يود السيد المسيح أن يهب كل نفس نعمة البصيرة لكي تتعرف على الحق. وما هو الحق إلا إدراك أن كلمة اللَّه المتجسد هو الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف. يُعتبر هذا الاصحاح امتدادًا لحوار السيد المسيح مع الفريسيين في نهاية الاصحاح السابق. فقد أخذ الفريسيون موقفًا معاديًا له، على أساس أنهم المعلمون ورعاة كنيسة الله، وأن لا موضع ليسوع كاسر الناموس بينهم، مطالبين الشعب ألا يلتصقوا به، لأنه ليس من عند الله. جاء الحديث هنا يكشف عن ثلاثة فئات: فئة الرعاة الحقيقيين، الخدام الأجراء، اللصوص الذين يتخفون في زي رعاة.

مسيحنا مشبع كل احتياجاتنا

طُرد اليهود الذين آمنوا بالسيد المسيح من المجمع، ولم يعد لهم حق الدخول إلى الهيكل، ولا ممارسة العبادة اليهودية، ولا الطقوس الخاصة بالتطهيرات والأعياد الخ. فجاء هذا السفر يعلن أن يسوع المسيح يشبع كل احتياجاتهم، فيه كل الكفاية، فقد قد احتل موقع كل المؤسسات اليهودية وكل الامتيازات الخاصة بهم، ولكن بصورة فائقة إلهية.

 

1 - الراعي الصالح

في هذا المثل تظهر اليهودية كقطيع (1)، والسيد المسيح هو الراعي الصالح الذي يأتي من الباب المعين (خلال باب النبوات) إلى القطيع. والروح القدس يفتح له الباب، ويتجاوب القطيع الحقيقي معه، حيث تشفى أعينهم ويعاينوا الراعي. يخرج بهم الراعي عن حرفية الناموس (3) وعن الارتداد وعدم الإيمان، بينما يرفض الحرفيون الراعي الصالح (4، 5).

نرى في هذا المثل الآتي:

أ - السيد المسيح وليس الناموس هو باب القطيع، الباب الجديد (7).

ب - كل القيادات اليهودية الحرفية الرافضة للمسيح هم لصوص (8).

ج - المسيح وحده هو المخلص، السيد، معطي ذاته (9، 10).

د - المسيح هو ذبيحة الحب يموت عن قطيعه (11-15).

ه - للراعي الصالح قطيع آخر من الأمم يضمه إلى المؤمنين من اليهود، ويقيم منهم جميعًا قطيعًا واحدًا هو كنيسة المسيح (16، 1 كو 13:12، أف 4:4-6)

و- يتفاعل هذا القطيع الواحد مع ذبيحـة المسيح الفريدة ومـوته الاختياري (17، 18). أما عدم الإيمان فيعجز عن تقديم أي شيء سوى الارتباك والتجديف الشرير.

"الحق الحق أقول لكم

إن الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف،

بل يطلع من موضع آخر،

فذاك سارق ولص". (1)

تلجأ الخراف إلى حظيرة الخراف ليلاً، غالبًا ما تكون ملاصقة لبيت الراعي. للحظيرة باب واحد يحرسه البواب. لهذا من أراد السرقة يلجأ إلى التسلل عن طريق الوثب من حائط الحظيرة.

يشبه السيد المسيح نفسه براعي الخراف المهتم بقطيعه، والكنيسة في العالم أشبه بمرعى، حيث تضم في داخلها الخراف المشتتة في العالم (يو ١١: ٥٢)، ليتحدوا معه كقطيعٍ مقدسٍ يرعاه الراعي القدوس، هذا الذي يحتضنه فيكون لهم سور نارٍ لحمايتهم (زك ٢: ٥). أما استخدام قطيع الخراف كرمزٍ لكنيسة المسيح، ذلك لما اتسمت به الخراف من وداعة وهدوء وتسليم بين يدي راعيها، والتصاقها ببعضها البعض.

قدم السيد المسيح هذا التشبيه، لأن الخراف تتسم بعجزها عن دفاعها عن النفس ضد أي هجوم، إنما تعتمد تمامًا على اهتمام راعيها وسهره على حمايتها. تعتمد أيضًا في طعامها وشرابها على الراعي الذي يتقدمها، فحتى في البلاد التي تتسم بغزارة الأمطار يحتاج القطيع إلى من يقوده إلى فترة طويلة إلى مراكز المياه لكي يشرب، ولا تبحث عنها الخراف بنفسها. وفي دخولها إلى الحظيرة لا تبدأ بالدخول حتى وإن لحق بها مخاطر من وحوش ضارية ما لم يقود الراعي خروفًا أو اثنين من الباب فتسير بقية الخراف وراءه أو وراءهما.

+ إن وجدنا هذه الشخصيات الثلاث أيها الأخوة القديسون، نجد من يليق بنا أن نحبهم، ومن يجب علينا أن نحتملهم، ومن يلزمنا الحذر منهم. فالراعي يُحب، والأجير يُحتمل، واللص يُحذر منه.

القديس أغسطينوس

+ لاحظوا سمات اللص؛ أولاً أنه لا يدخل علانية؛ ثانياً لا يدخل حسب الكتب المقدسة، فهذا لا يعنيه، "لا يدخل من الباب" (١). هنا أيضًا يشير إلى الذين جاءوا قبلاً والذين سيأتون بعده، ضد المسيح والمسحاء الكذبة، يهوذا وثيداس (أع ٥:٣٦) وكل من على شاكلتهم.

في قول السيد المسيح: "إن الذي لا يدخل من الباب"، المقصود بالباب هنا هو الكتب المقدسة، لأنها تدخل بنا إلى الله، وتفتح لنا المعرفة بإلهنا، وهي تحفظنا، ولا تترك الذئاب تدخل إلينا، لأنها بصورة باب، تغلق المدخل في وجه ذوي البدع، وتصيرنا في صيانة من خداعهم، ولا تهملنا حتى لا ننخدع. لأننا بالكتب نعرف الرعاة، والذين ليسوا برعاة، ولهذا قال السيد المسيح لليهود: "فتشوا الكتب، لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي" (يو 5: 39). إنها تجلب موسى وتدعوه هو وكل الأنبياء شهودًا، إذ يقول: "كل من يسمع الأنبياء يأتي إليّ" وأيضًا: "لو صدقتم موسى تؤمنون بي"... حسنًا يقول: "يتسلق (يصعد) وليس "يدخل"، فإن التسلق هو من عمل السارق الذي يضع في نيته أن يقفز فوق السور، يفعل ذلك وهو معرض للخطر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لقد أعلنوا أنهم ليسوا عميانًا، ومع ذلك كان يمكنهم أن يروا فقط إن صاروا قطيع المسيح.

من أين لهم أن يدعوا بأن لهم النور هؤلاء الذين يعملون كلصوصٍ ضد النهار؟ ذلك بسبب بطلانهم وكبريائهم وتشامخهم العضال، لذلك أضاف الرب يسوع تلك الكلمات التي فيها يقدم لنا نحن أيضًا دروسًا قيمة إن دخلنا بها إلى القلب. إذ يوجد كثيرون بحسب عادة الحياة يُدعون صالحين - رجال صالحين، نساء صالحات، أبرياء - لمن يراعون ما جاء في الناموس: يحترمون والديهم، ويمتنعون عن الزنا، ولا يقتلون ولا يسرقون، ولا يشهدون باطلاً ضد أحد، ويراعون كل متطلبات الناموس الأخرى. ومع هذا فهم غير مسيحيين، ويسألون بتشامخٍ مثل هؤلاء الناس: "هل نحن أيضًا عميان؟"...

إنهم يعملون بلا هدف، ولا يدخلون من الباب الذي يقود إلى الحظيرة.

قد يقول الوثنيون: نحن نحيا بصلاح.

إن لم يدخلوا من الباب، أية إرادة صالحة هذه يمارسونها، ومع ذلك فهم متشامخون؟...

ليس لأحد رجاء حسن للحياة ما لم يعرف الحياة، أي المسيح، ويدخل الحظيرة من الباب.

+ يوجد فلاسفة لهم مناقشات بارعة عن الفضائل والرذائل، يميزون بينها، ويقدمون تعريفات لها، وفي النهاية يقدمون تسلسلاً عقليًا دقيقًا، يملأون الكتب، ويحمون حكمتهم بأحاديث ثرثارة؛ هؤلاء يجسرون ويقولون للناس اتبعونا، انضموا إلى فرقتنا إن أردتم أن تعيشوا سعداء. لكنهم لا يدخلون من الباب؛ هؤلاء يريدون أن يحطموا ويذبحوا ويقتلوا.

+ هل يمكن للفريسي أن ينطق بالصالحات؟

الفريسي هو شوك، فكيف أجني من الشوك عنبًا (مت ٧: ١٦؛ ١٢: ٣٣)؟

لأنك يا رب تقول: "ما يقولونه أعملوه، وأما ما يفعلوه فلا تفعلوه" (مت ٢٣: ٣).

هل تأمرني أن أجمع عنبًا من الشوك عندما تقول: "هل يجتنون من الشوك عنبا"؟ يجيبك الرب: "لست آمرك أن تجمع من الشوك عنبًا، بل أن تتطلع وتلاحظ حسنًا كما يحدث غالبَا عندما تتدلى الكرمة المرتفعة عن الأرض ألا تكون مشتبكة مع الأشواك". فإننا نجد أحيانا يا اخوتي كرمة مزروعة... يكون حولها سياج من الأشواك، تلقي بفروعها متشابكة بين الأشواك. والذي يريد أن يقتطف عنبًا لا يجنيه من الأشواك بل من الكرمة المتشابكة مع الأشواك.

بنفس الطريقة فإن الفريسيين مملوءون بالأشواك، لكنهم إذ يجلسون على كرسي موسى تحيط بهم الكرمة والعنب الذي هو الكلمات الصالحة، والوصايا الصالحة تتدلى منهم. لتقطف عنبًا دون أن يوخزك الشوك، عندما تقرأ: "ما يقولوه اعملوه، وأما ما يفعلوه فلا تفعلوه". لكن الشوك يوخزك إن كنت تفعل ما يفعلونه. فلكي تجتني عنبًا دون أن يمسك بك الشوك "ما يقولوه افعلوه، وأما ما يفعلونه فلا تفعلوه".

أعمالهم هي الأشواك، كلماتهم هي العنب، لكنه صادر عن الكرمة التي هي كرسي موسى.

+ ضميري ليس صالحًا لأنكم تمدحونه، إذ كيف تمدحون ما لا ترونه؟

ليمدحني (الله) الذي يرى.

نعم، ليُصلحه إن كان يرى فيه شيئًا يضاد عينيه.

فإنني أيضًا لا أقول إنني كاملاً تمامًا، لكنني أقرع صدري، وأقول لله: "ارحمني لكي لا أخطئ". لكنني أظن أنني أتكلم في حضرته بأنني لا أطلب شيئًا منكم بل أطلب خلاصكم، وأنتهر على الدوام خطايا اخوتي، وأحتمل ضيقات، وذهني يعذبني، ودومًا أوبخهم. نعم لا أكف عن حثهم. كل الذين يتذكرون ما أقوله هم شهود، كيف انتهر يا اخوتي من يخطئون بدون حسدٍ.

القديس أغسطينوس

"وأما الذي يدخل من الباب

فهو راعي الخراف". (2)

راعي الخراف هو صاحب القطيع، يهتم بكل واحدٍ منهم، يدخل إليهم من الباب بكونه صاحب سلطان. يدخل لكي يعمل لحساب الكل. وكما يقول الله نفسه: "أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب؛ وأطلب الضال، وأسترد المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح، وأبيد السمين القوي، وأرعاها بعدلٍ" (حز ٣٤: ١٥-١٦).

"لهذا يفتح البواب،

والخراف تسمع صوته،

فيدعو خرافه الخاصة بأسماء ويخرجها". (3)

+ ليس ما يمنع من الخطر أن نفترض في موسى أنه البواب، فإنه قد عُهد إليه حفظ تعاليم الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ ليتنا لا نرتبك أيها الاخوة في فهمه، إذ يحمل تشبيهات بكونه هو الباب وأيضًا البواب. لأنه ما هو الباب؟ طريق الدخول. من هو البواب؟ ذاك الذي يفتح الباب. إذن من هو ذاك الذي يفتحه إلاَّ هو نفسه حيث يكشف عن ذاته ليُرى؟

القديس أغسطينوس

"ومتى أخرج خرافه الخاصة يذهب أمامها،

والخراف تتبعه،

لأنها تعرف صوته". (4)

إذ يرسل الراعي الصالح خرافه ليس في الطريق الذي بلا ذئاب بل يؤكد لهم أنه يرسلهم "وسط الذئاب" (مت ١٠: ١٦)، لذلك يتقدمهم في الطريق حتى إذا ما هاجمتهم الذئاب إنما تهاجمه هو، فيحول الذئاب إلى حملان وديعة. لقد تقدم قطيعه في مرعى الصليب والآلام، حتى لا يخشى القطيع طريق الجلجثة، ولا يهابون الموت، ماداموا في رفقة المصلوب.

v يعمل الرعاة خلاف ذلك إذ يمشون وراء الخراف، ولكن السيد المسيح يبين هنا أنه هو الذي يرشد جميع تابعيه إلى الحق.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأما الغريب فلا تتبعه،

بل تهرب منه،

لأنها لا تعرف صوت الغرباء". (5)

القطيع غير العاقل يعرف صاحبه فيلتصق به، وإذ لا تعرف صوت الغرباء تهرب منهم. وكما قيل: "الثور يعرف قانيه" (إش ١: ٣).

"هذا المثل قاله لهم يسوع،

وأما هم فلم يفهموا ما هو الذي كان يكلمهم به". (6)

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه بهذه العبارة يفصل السيد المسيح بينه وبين المسحاء الكذبة، فإنه بكل وسيلة كان يفعل هذا.

أولاً: تعاليمه من الكتب المقدس التي تشهد له، أما المسحاء الكذبة فيجتذبون الناس بعيدًا عن كلمة الله.

ثانيًا: طاعة الخراف له، إذ يؤمنون به ليس فقط حين كان سالكًا على الأرض بل وحتى بعد موته وصعوده إلى السماء. أما المسحاء الكذبة فتتركهم الخراف كما حدث مع ثيداس ويهوذا إذ تشتت الذين آمنوا بهما (أع ٥: ٣٦).

ثالثًا: يعمل الكذبة كمتمردين ويسببوا ثورات، أما هو فعندما أرادوا أن يجعلوه ملكًا اختفى. وعندئذ سُئل إن كان يجوز أن تقدم الجزية لقيصر، أمرهم بدفعها، بل هو نفسه دفعها (مت ١٧: ٢٧).

رابعًا: جاء لخلاص الخراف، لكي تكون لهم حياة، ويكون لهم أفضل (١٠). أما الكذبة فيحرمونهم حتى من الحياة الزمنية، إذ يتركونهم في لحظات الخطر ويهربوا لينجوا.

لم يدرك اليهود ما عناه السيد المسيح بالمثل؛ لم يفهموا أن يسوع المسيح هو الراعي الصالح، ولا أن الأجراء هم الخدام الذين يطلبون ما لنفعهم الشخصي وليس ما هو لنفع القطيع، وأيضًا السراق واللصوص هم الذين يطلبون كرامتهم الشخصية، حتى وإن كان الثمن هلاك القطيع.

لم يستطع الفريسيون فهمه، هؤلاء الذين يحسبون أنفسهم معلمين للشعب، أصحاب معرفة، ولا يحتاجون إلى أن يتعلموا شيئًا. بين أيديهم كلمة الله، لكنهم يسيئون فهمها بسبب قسوة قلوبهم، وعمى بصيرتهم الداخلية.

"فقال لهم يسوع أيضًا:

الحق الحق أقول لكم إني أنا باب الخراف". (7)

إنه باب المرعى، باب الكنيسة. يَغلق لا ليحبس القطيع، وإنما ليحميه من الذئاب واللصوص، فلا يهلكون. إنه الحكمة والقوة والبرّ من يدخل منه يدخل إليه، وينعم بهذا كله. إنه باب مغلق في وجه الذئاب، لكنه باب الحب للخراف كي تدخل وتخرج وتلتقي معًا في شركة الحب الأخوي. لذا يدعو نفسه "باب الخراف"، لن يقدر ذئب أن يدخل منه ما لم يتحول إلى حملٍ حقيقيٍ.

إنه الباب الملوكي الإلهي، بل ندخل إلى العرش الإلهي وننعم بالحياة السماوية.

والعجيب أن راعي الخراف عومل كلصٍ، فخرجوا عليه بسيوفٍ وعصيٍ للقبض عليه (مت ٢٦: ٥٥)، لأنه لم يدخل من خلال هؤلاء اللصوص والذئاب الخاطفة، ولم يكن يستأذنهم في خدمته لشعبه. عوض التلمذة له ليسلكوا بروحه كانوا ينتظرون تلمذته لهم، ليسلك بروحهم المعادية للحق الإلهي وللحب الرعوي الحقيقي.

+ عندما يحضرنا إلى الآب يدعو نفسه "بابًا"، وعندما يرعانا يدعو نفسه "راعيًا". فلكي لا تظنوا أن عمله الوحيد أن يحضرنا إلى الآب لذلك دعا نفسه راعيًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يسوع هو كل شيء، كل الأسماء تناسبه. إنه كل شيء يعلنه.

العلامة أوريجينوس

+ للمحتاجين إلى البهجة يصير لهم كرمة، وللمحتاجين إلى الدخول يقف كبابٍ.

القديس كيرلس الأورشليمي

+ هو نفسه الباب؛ لنأتِِ فيه ونعرفه. لندخل أو لنفرح أننا بالفعل فيه.

+ جاء قبله الأنبياء، فهل كانوا سراقًا ولصوصًا؟ حاشا. إنهم لم يأتوا منفصلين عنه، بل جاءوا معه. عند مجيئه أرسل رسلاً لكنه احتفظ بقلوب رسله. أتريدون أن تعرفوا أنهم جاءوا معه ذاك الذي هو حاضر على الدوام؟ بالتأكيد هو أخذ جسدًا بشريًا في الوقت المعين. لكن ماذا يعني: "على الدوام"؟ "في البدء كان الكلمة" (يو ١: ١). جاء معه من جاءوا مع كلمة الله. لقد قال: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو ١٤: ٦). إن كان هو الحق، فقد جاء معه من هم صادقون. لكن كثيرين إذ انفصلوا عنه هؤلاء هم سراق ولصوص، أي جاءوا ليسرقوا ويدمروا.

+ "ولكن الخراف لم تسمع لهم" هذه نقطة أكثر أهمية. قبل مجيء ربنا يسوع المسيح، حيث جاء في تواضع في الجسد، سمعه أناس أبرار، آمنوا به أنه سيأتي بنفس الطريقة التي لنا أنه قد جاء.

الأوقات تتغير لكن ليس الإيمان... في أوقاتٍ متغيرةٍ حقًا لكن الدخول من باب واحد للإيمان، أي المسيح، فنرى كليهما قد دخلا...

يقول (الرسول): "جميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًا، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، الصخرة كانت المسيح" (١ كو ١٠: ٤). انظروا بينما بقي الإيمان تغيرت العلامات. هناك الصخرة كانت المسيح، أما بالنسبة لنا فالمسيح على مذبح الله... كثيرون في ذلك الوقت آمنوا، سواء إبراهيم أو اسحق أو يعقوب أو موسى أو البطاركة الآخرون والأنبياء الذين تنبأوا عن المسيح، هؤلاء هم خراف سمعوا المسيح. سمعوا صوته وليس صوت آخر.

القديس أغسطينوس

"جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص،

ولكن الخراف لم تسمع لهم". (8)

+ لم يتكلم هنا عن الأنبياء كما ادعى الهراطقة، فإنه إذ آمن كثيرون بالمسيح سمعوا للأنبياء واقتنعوا بهم. إنما يتحدث هنا عن ثيداس ويهوذا وغيرهما من مثيري الفتنة. بجانب هذا يقول: "ولكن الخراف لم تسمع لهم" (٨)، كمن يمدحهم على ذلك. لا نجده في أي موضع يمدح السيد من يرفضوا السماع للأنبياء، وإنما على العكس يوبخهم ويتهمهم بشدة، بينما القول: "لم تسمع" يشير إلى قادة الفتنة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أنا هو الباب،

إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى". (9)

من يدخل إلى المرعى خلال المسيح، الباب الإلهي، ليس فقط ينجو من اللصوص والسراق، وإنما يتمتع أيضًا بالحرية الحقيقية. يدخل ويخرج بكامل حريته. يدخل كما إلى حضن الأب ليتمتع بأبوته الإلهية، ويخرج إلى العالم كما مع الابن المتجسد ليشهد للحب الإلهي، ويجتذب كثيرين إلى المرعى الإلهي. إنه يخلص ويرد كثيرين بروح الله إلى خلاصهم، فيفرح ويتهلل معهم، ويشبع الكل من مرعى الحب، ويتمتعون بعربون المجد، مترقبين بفرحٍ يوم الرب لمشاركة الرب مجده. إنهم يخلصون من أنياب الأسد ليعيشوا في سلامٍ فائقٍ.

تدخل الخراف من الباب لتجد نفسها في المسيح يسوع كما في بيتها الأبوي، ليست بالخراف الغريبة ولا النزيلة، بل صاحبة بيت، تتحرك بكامل حريتها، إن دخلت تستقر كما في بيتها، لأنها خرجت للعمل إنما إلى حين لتعود وتستريح!

+ إنه كما يقول: "يكون في أمان وضمان". ولكن بقوله "مرعى" يعني هنا الرعاية وتغذية الخراف وسلطانه وسيادته عليهم. إنه يبقى في الداخل ولا يقدر أن يدفعه خارجًا. لقد حدث هذا مع الرسل الذين دخلوا وخرجوا، وصاروا سادة كل العالم، ولم يوجد من يقدر أن يطردهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كما أنه هو "الطريق"، وليس طريقًا بين طرق كثيرة، إنما الطريق الوحيد الذي يقودنا إلى حضن الآب، هكذا هو "الباب"، لا نقدر أن ندخل السماء من باب آخر غيره، هو الباب الوحيد.

+ لنسمو بأفكارنا على اليهود، فإنهم حقًا يقرون بتعاليمهم بالله الواحد، ولكن ماذا يكون هذا وهم ينكرونه خلال عبادتهم للأصنام؟! لكنهم يرفضون أنه أبو ربنا يسوع المسيح. وهم بهذا ينقضون أنبياءهم الذين يؤكدون هذا في الكتب المقدسة، إذ جاء "الرب قال لي أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك" (مز 7:2).

إنهم إلى يومنا هذا يرتجون مجتمعين على الرب و على مسيحه (مز 2:2)، حاسبين أنهم قادرون أن يكونوا أصدقاء للآب وهم منفصلون عن تعبدهم للابن، جاهلين أنه لا يأتي أحد إلى الآب إلا بالابن القائل: "أنا هو الباب والطريق" (يو6:14؛ 9:10).

فمن يرفض الطريق الذي يقود إلى الآب وينكر الباب، كيف يتأهل الدخول لدى اللّه (الآب)؟! إنهم يناقضون ما جاء في المزمور الثامن والثمانين: "هو يدعوني أبي. أنت إلهي وصخرة خلاصي. أنا أيضًا اجعله بكرًا أعلى من ملوك الأرض" (مز 26:89، 27).

القديس كيرلس الأورشليمي

+ أقول حقًا إننا ندخل حينما ننشغل بتدريبٍ للفكر داخليًا، ونخرج حينما نمارس عملاً خارجيًا. وكما يقول الرسول إن المسيح يحل في قلوبنا بالإيمان (أف ٣: ١٧). أن ندخل في المسيح، أي نسلم أنفسنا للفكر، حسن هذا الإيمان، أما أن نخرج بالمسيح، فهو أنه بذات الإيمان نمارس أعمالاً في الخارج، أي في حضور آخرين. هنا نقرأ في مزمور: "يخرج إنسان لعمله" (مز ١٠٤: ٢٣). ويقول الرب نفسه: "لتضئ أعمالكم قدام الناس" (مت ٥: ١٦)... أيضًا يبدو لي أنه يعني أنه تكون لهم الحياة في دخولهم وحياة أوفر في رحيلهم... فإنه لا يستطيع أحد أن يخرج بالباب - أي بالمسيح، إلى تلك الحياة الأبدية الذي يُفتح للنظر ما لم يدخل كنيسته بذات الباب أو بذات المسيح نفسه، التي هي قطيعه في الحياة المؤقتة التي تُمارس بالإيمان.

+ "ويجد مرعى" (٩)، مشيرًا إلى كليهما: الدخول والخروج، إنهم هناك فقط سيجدون المرعى الحقيقي حيث يشبع الجائعون والعطشى إلى البرّ. هذا المرعى يوجد بواسطة ذاك الذي قيل له: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو ٢٣: ٤٣).

القديس أغسطينوس

+ يدخل ليجد إيمانًا، ويخرج من الإيمان إلى الرؤية، ومن الاعتقاد إلى التأمل. يجد مرعى في انتعاشٍ أبديٍ.

سيجد قطيعه مرعى، لأن من يتبعه بقلب بريء ينتعش بطعامٍ أبدي.

ما هي مراعي هذه القطعان إلا المباهج الأبدية للفردوس الدائم الخضرة؟

مرعى المختارين هو وجه الله شخصه. عندما نراه، تشبع قلوبنا بطعام الحياة إلى النهاية.

الذين يهربون من مصائد الملذات الوقتية يفرحون في تلك المراعي في كمال الأبدية. هناك طغمات ملائكة تتغنى بالتسابيح، هناك صحبة المواطنين السمائيين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك،

وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة،

وليكون لهم أفضل". (10)

الرعاة المخادعون هم سراق، يدخلون لا من خلال باب الحب، بل بروح الخداع بنية شريرة. بخداعهم يذبحون النفوس ويهلكونها. بينما يهتم الراعي بتقديم حياة أفضل، ينشغل اللص بالذبح وقتل النفوس. تسلل اللص إلى القطيع يسبب موتًا، أما نزول الراعي الصالح، الكلمة المتجسد، فيهب حياة أبدية.

إن كان الراعي قد جاء إلى قطيعه في العالم لكي يبررهم ويقدسهم ويمجدهم، فإنه يرد لهم الحياة المفقودة. إنهم لا يعودوا إلى ما كانوا عليه قبل الخطية، بل إلى فيض أبدي للحياة التي لن يقهرها موت، لذا يقول: "أفضل".

+ إن قلت: قل لي وما الذي يكون أفضل من الحياة؟ أجبتك: ملكوت السماوات، لكنه لم يقل هذا بعد، إنما يردد اسم الحياة الذي كان أوضح الأشياء معرفة عندهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ "فقد أتيت لتكون لهم حياة" (١٠)، أي الإيمان العامل بالمحبة (غلا ٥: ٦). "وليكون لهم أفضل"، هؤلاء الذين يصبرون حتى المنتهى، فإنهم يخرجون بهذا الباب عينه، أي بالإيمان بالمسيح. فإنهم كمؤمنين حقيقيين يموتون وتكون لهم حياة أفضل عندما يذهبون إلى حيث يقيم الراعي، ولا يموتون بعد.

+ إن كنا نتطلع إلى العالم كبيتٍ واحدٍ عظيم، فإننا نرى السماوات تمثل القبو، والأرض تمثل الممر. إنه يريد أن ينقذنا من الأمور الأرضية، لنقول مع الرسول: "مواطنتنا هي في السماء". فالالتصاق بالأرضيات هو موت للنفس، عكس الحياة التي يصلي من أجلها قائلاً: "أحيني"!

القديس أغسطينوس

"أنا هو الراعي الصالح،

والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف". (11)

تطلع أنبياء العهد القديم إلى ربنا يسوع بكونه الراعي (إش ٤٠: ١١؛ حز ٣٤: ٢٣؛ ٣٧: ٢٤؛ زك ١٣: ٧)، واختبره الرسل كأسقف لنفوسنا (١ بط ٢:٢٥)؛ ورئيس الرعاة (١ بط ٥: ٤)؛ والراعي العظيم (عب ١٣: ٢٠).

لهذا اللقب "الراعي الصالح" جاذبيته الخاصة لدى المسيحيين عبر الأجيال حتى الذين لم يشاهدوا رعاة غنم في حياتهم، فإنهم يشعرون فيه بنوعٍ من دفء الرعاية. كما أن قطيع الغنم لا يقدر أن يواجه الحياة بدون راعيه، هكذا يشعر المسيحيون في مواجهة الشر والعالم الشرير إلى الراعي الإلهي الذي يحفظهم من الشر ويشبع كل احتياجاتهم، ويقودهم إلى المراعي الفردوسية.

بقوله "أنا هو" يستخدم السيد المسيح لغة اللاهوت "أنا يهوه"، فهو الراعي الوحيد الإلهي الفريد.

رعاية "الراعي الصالح" فريدة من نوعها، ليست فقط رعاية صالحة، حيث ينشغل الراعي بالقطيع، كمن ليس ما يشغله في السماء وعلى الأرض غيره، ولا من حيث اهتمامه بالنفس الواحدة، خاصة الخروف الضال، وإنما ما هو أعظم انه "يبذل نفسه عن الخراف".

في منطقة فلسطين كان الرعاة يتعرضون لمخاطر اللصوص كما لمخاطر الحيوانات المفترسة. فداود النبي واجه أسدًا ودبًا وهو شاب في رعاية غنمه (١ صم ١٧: ٣٤-٣٦). ويحدثنا عاموس النبي عن الراعي الذي يخلص من فم الأسد قدمي حمل أو قطعة أذن له (عا ٣: ١٢). وفي عصر الآباء نسمع يعقوب يقول لخاله: "فريسة لم أحضر إليك. أنا كنت أخسرها. من يدي كنت تطلبها، مسروقة النهار أو مسروقة الليل" (تك ٣١: ٣٩). هكذا لعمل الرعاية مخاطر، لكننا لا نسمع قط عن راعٍ يلقي بنفسه في الموت بإرادته من أجل قطيعه. حقًا قد يتعرض الراعي للموت، لكنه ليس لأجل مصلحة قطيعه، إنما من أجل مصلحته الشخصية كمالكٍ للقطيع. أما الراعي الصالح فبإرادته وحسب مسرته واجه الموت ليفدي كل حملٍ من قطيعه.

بذل الراعي الصالح ذاته ليقدم لنا دمه الثمين، تغتسل به نفوسنا، فنطهر من الخطايا، ونشربه سرّ حياة أبدية. والعجيب فيه أنه يهب خدامه الأمناء أن يجدوا مسرتهم في البذل فينفقون ويُنفقون (2 كو 12: 15) لحساب الشعب كما فعل الرسول بولس.

بين السيد المسيح والراعي

اختيار السيد المسيح للراعي لتشبيه له لم يأت جزافًا، إنما يحمل معانٍ هامة:

أولاً: الراعي، وإن كان صاحب القطيع مهما بلغت أعداده يرتدي ثيابًا رخيصة أثناء رعايته للغنم، إذ كثيرًا ما يجلس على الأرض وحوله غنمه، ويحمل على منكبيه الغنمات المجروحة أو المتعثرة، وقد تكون متسخة بالوحل. هكذا لبس الكلمة الإلهي جسدًا لكي يشاركنا أرضنا، ويحملنا على منكبيه، بل ويحتل مركزنا يحمل آثامنا للتكفير عنها.

ثانيًا: في الرعاية يتحرك الراعي أمام الخراف لكي تتبعه، وهكذا فتح لنا مسيحنا طريق السماء بعبوره خلال الصليب، كي نشاركه آلامه فننعم بشركة أمجاده.

ثالثًا: كثيرًا ما يمسك الراعي بعصا الرعاية، مقدمتها على شكل حرف U، لكي ما إذا سقط خروف في حفرة يرفعه بها. هكذا يمسك مسيحنا بصليبه الذي يحمل كل نوع من الحنو الإلهي البناء مع الحزم والتأديب بما فيه تقدمنا المستمر.

رابعًا: كثيرًا ما يجلس الراعي بستظل في الظهيرة ويضرب بمزماره وحوله الخراف فإن سمة الراعي هو الفرح وسط المتاعب وحرّ التجارب. هكذا نجد في راعينا مصدر الفرح الحقيقي.

خامسًا: يهتم الراعي بالخروف الضال أكثر من التسعة والتسعين الباقين، ولا يستريح حتى يرده إلى القطيع (مت ١٨: ١٢-١٤؛ لو ١٥: ٣-٧).

+ "أنا هو الراعي الصالح". يتحدث هنا عن الآلام، مظهرًا أنها هي خلاص العالم، فإنه لم يأتِ إليها قسرًا. عندئذ يتحدث عن نموذج الراعي مرة أخرى وعن الأجير.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ لقد قال أنه هو "الراعي"، كما قال أنه هو "الباب". تجد الاثنين في نفس الموضع، كلاً من "أنا هو الباب" و "أنا هو الراعي" (٧، ١١). في الرأس هو الباب، وفي الجسد هو الراعي... الذي يدخل من الباب هو الراعي، أما الذي يطلع من موضعٍ آخرٍ فذاك سارق ولص، يبدد ويشتت ويهلك. من هو الذي يدخل من الباب؟ ذاك الذي يدخل بالمسيح. من هو؟ ذاك الذي يتمثل بالآم المسيح...

+ هل كان (الرسل) رعاة؟ بالتأكيد كانوا هكذا. فكيف يوجد راعي واحد؟ كما سبق فقلت أنهم كانوا رعاة لأنهم أعضاء في الراعي. لقد فرحوا في هذا الرأس، وتحت رئاسة هذا الرأس كانوا في انسجام معًا، عاشوا بروحٍ واحدٍ في رباط جسدٍ واحدٍ. لذلك فجميعهم ينتمون للراعي الواحد.

+ ماذا تعني إذن إنك تقدم للرعاة الصالحين الراعي الصالح وحده إلاَّ أنك تعلم الوحدة في الراعي الصالح؟ وقد أوضح الرب نفسه ذلك بأكثر وضوح في خدمتي، إذ أذكركم أيها الأحباء بهذا الإنجيل القائل: "اسمعوا ماذا وضعت أمامكم، لقد قلت أنا هو الراعي الصالح، لأن كل البقية، الرعاة الصالحين، هم أعضائي". رأس واحد، جسم واحد، مسيح واحد. هكذا كل من راعي الرعاة ورعاة الراعي والقطيع برعاته الذين تحت الراعي.

ما هذا كله إلاَّ ما يقوله الرسول: "كما أن الجسم واحد، له أعضاء كثيرون، وكل أعضاء الجسم بكونهم كثيرون جسم واحد، هكذا المسيح" (١ كو ١٢: ١٢). لذلك إن كان المسيح هو هكذا، فبسبب صالح يحوي المسيح في ذاته كل الرعاة الصالحين، يقيمون الواحد القائل: "أنا هو الراعي الصالح". أنا وحدي وكل البقية معي واحد في وحدة.

من يرعي بدوني يرعى ضدي. "من لا يجمع فهو يفرق" (مت ١٢: ٣٠). لتسمعوا هذه الوحدة قد وضعت أكثر قوة، إذ يقول: "ولي قطيع آخر ليس من هذا القطيع" (١٦).

+ أسألكم، أتوسل إليكم بحق قدسية مثل هذا الزواج أن تحبوا الكنيسة، حبوا الراعي الصالح، فالعروس جميلة للغاية، هذه التي لا تخدع أحدًا، ولا تطلب هلاك أحد. صلوا أيضًا من أجل القطيع المبعثر، لكي يأتوا، ويتعرفوا عليه، ويحبوه، ويصيروا رعية واحدة وراعٍ واحدٍ.

القديس أغسطينوس

+ كيف لا أحبك يا من أحببتني بشدة؟ رغم أني سوداء، فقد وضعت حياتك من أجل خرافك (يو 13:15)، أنت راعيهم.

ليس لأحدٍ حب أعظم من هذا، لأنك بذلت حياتك لتمنحني الخلاص.

قل لي إذًا أين ترعى؟

عندما أجد مرعى خلاصك، حينئذ اشبع بالطعام السماوي؛ الذي بدونه لا يدخل أحد إلى الحياة الأبدية. وحين أجري إليك أيها الينبوع سوف أشرب من الينبوع الإلهي الذي جعلته يتدفق ليروى كل من يعطش إليك.

إذ ضُرِب جنبك بالحربة للوقت خرج دم وماء (يو 34:19). ومن يشرب منه يصبح ينبوع ماء حيّ للحياة الأبدية (يوحنا 14:4).

إذا رعيتني ستجعلني أستريح بسلام خلال منتصف النهار في الضوء الخالي من الظلال. لأنه لا توجد ظلال في منتصف النهار، عندما ترسل الشمس أشعتها عمودية فوق الرأس. وستجعل ضوء منتصف النهار يُريح كل من أطعمته، وتأخذ أطفالك معك في فراشك (لو 7:11).

لا يستحق أحد أن يأخذ راحة منتصف النهار إلا ابن النور والنهار (1 تس 5:5). الشخص الذي فصل نفسه من ظلمة الليل إلى الفجر، سوف يستريح في منتصف النهار مع شمس البرّ (ملا 2:4).

القديس غريغوريوس النيسي

"وأما الذي هو أجير وليس راعيًا،

الذي ليست الخراف له،

فيرى الذئب مقبلاً،

ويترك الخراف ويهرب،

فيخطف الذئب الخراف ويبددها". (12)

يتعرض هذا القطيع لذئابٍ خاطفة تخدع وتفترس وتحطم (أع ٢٠: ٢٩)، كما يتعرض للصوص يخطفون القطيع لتقديمه ذبائح لعدو الخير، أو يسرقون طعامه. غالبًا ما تأتي الذئاب في ثياب حملان (مت ٧: ١٥).

في العبارتين ١٢ و١٣ يحدثنا السيد المسيح عن الرعاة المهملين، فيدعوهم أجراء، إذ يخدمون من أجل الأجرة أو المكافأة، وليس عن حبٍ صادقٍ لشعب الله. محبتهم للمال أو لبطونهم هي التي تحملهم إلى الرعاية. حقًا من يخدم المذبح من المذبح يأكل، ومن يكرز بالإنجيل فمن الإنجيل يعيش، لكن قلوبهم مرتبطة بخلاص النفوس، لا بما يقتنوه من وراء الخدمة.

+ يعلن عن نفسه أنه السيد مثله مثل الآب، فإنه هو كذلك، فهو الراعي والخراف له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الأجير الذي يرى ذئبًا فيهرب تاركًا القطيع للافتراس يخطئ. وقد جاء في المشناه Mishnah أنه يلتزم أن يحمي القطيع إن واجه ذئبًا واحدًا لكن يعطي عذرًا له لو هاجم القطيع ذئبان أو أكثر لأنه لا يقدر على هذه المواجهة. كأجير غير ملتزم بحماية القطيع أن تعرض لذئبين معًا، لأن حياته تكون في خطرٍ.

+ يعمل الأجير مادام لا يرى الذئب قادمًا، مادام لا يرى اللص أو السارق، ولكن إذ يراهم يهرب...

يصعد الأجراء بطريق آخر... لأنهم متكبرون يصعدون...

الذين ليسوا في وحدة (الكنيسة) لهم طريق آخر، أي متعجرفون ويريدون أن يفسدوا القطيع.

الآن لاحظوا كيف يصعدون. إنهم يقولون: إننا نحن الذين نقدس ونبرر ونقيم أبرارًا...

الذئب هو الشيطان الذي يرقد منتظرًا أن يخدع، وأيضًا الذين يتبعونه يخدعون، فقد قيل بالحق يرتدون جلود القطيع، ولكن في الداخل ذئاب خاطفة (مت ٧: ١٥).

إن لاحظ الأجير شخصًا منشغلاً بحديثٍ شريرٍ، أو أحاسيس قاتلة لنفسه أو يمارس رجاسة ودنسًا، وعلى الرغم من أنه يبدو كمن يحمل شخصية لها أهميتها في الكنيسة (التي منها يترجى أن ينال نفعًا إذ هو أجير)، ولا يقول شيئًا له: "أنت تخطئ"، ولا يؤنبه حتى لا يفقد ما لنفعه. أقول هذا هو معنى "عندما يرى الذئب يهرب". إنه لا يقول له: "أنت تعمل بالشر". هذا ليس هروبًا بالجسد بل بالنفس. الذي تراه لا يزال واقفًا بالجسد يهرب بالقلب. عندما يرى خاطئًا لا يقول له: "أنت تخطئ" نعم لكي يكون في اتفاق معه.

+ لا يحملن الأجير هنا شخصية صالحة، ولكن من نواحٍ أخرى فهو نافع، وإلا ما كان يُدعى أجيرًا، وما كان ينال أجرة ممن وظَّفه. فمن هو هذا الأجير الذي يُلام ونافع أيضًا؟ يوجد بعض يعملون في الكنيسة يقول عنهم الرسول بولس: "يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح" (في ٢: ٢١). ماذا يعني "يطلبون ما لأنفسهم"؟ الذين لا يحبون المسيح مجانًا، بل يسعون نحو المنافع الزمنية، يطلبون الربح، ويطمعون في الكرامات من الناس.

+ يوجد أجراء أيضًا في وسطنا، لكن الرب وحده يميزهم، ذاك الذي يفحص القلوب يميزهم.

+ لنلتفت باهتمامٍ إلى الحقيقة أنه حتى الأجراء نافعون. فإنه بالحقيقة يوجد كثيرون في الكنيسة يسعون وراء النفع الأرضي، ومع هذا فهم يكرزون بالمسيح، ومن خلالهم يُسمع صوت المسيح، وتتبع الخراف لا الأجراء، بل صوت المسيح المتكلم خلالهم. أشار الرب نفسه إلى الاستماع إلى الأجراء، إذ قال: "على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا" (مت ٢٣: ٢-٣). ماذا قال سوى أصغوا إلى صوت الراعي خلال الأجراء؟

+ اسمع الرسول يتنهد من أجل مثل هذه الأمور. إنه قيل أن البعض يكرزون بالإنجيل خلال المحبة، وآخرون "لعلة"، فيقول عنهم انهم لا يكرزون بالإنجيل بحق (في ١: ١٦-١٨). ما يكرزون به هو حق، أما الذين يكرزون فهم أنفسهم ليسوا مستقيمين.

لماذا من يكرز هكذا ليس مستقيمًا؟ لأنه يطلب شيئًا آخر في الكنيسة، لا يطلب الله.

إن طلب الله يكون عفيفًا، إذ يكون الله هو الزوج الشرعي للنفس.

أما من يطلب من الله ما هو بجانب الله، فإنه لا يطلب الله بعفة.

لاحظوا يا اخوة، إن كانت زوجة تحب زوجها لأنه غني، فإنها ليست عفيفة. لأنها لا تحب زوجها بل ذهب زوجها. لو أنها تحب زوجها، فإنها تحبه في عريه وفقره. لأنها إن كانت تحبه لأنه غني، ماذا إذا صار محتاجًا فجأة؟ ربما ترفضه، لأنها لم تحب رجلها بل ممتلكاته. لكنها إن كانت تحب زوجها بالحق، فإنها تحبه بالأكثر عندما يفتقر،إذ تحبه مترفقة به أيضًا.

+ يلزمنا لا أن نحب الغنى، بل الله الذي خلق الغني، لأنه لا يعدكم بشيء بل بنفسه. لتجد شيئًا أثمن منه وهو يهبه لك. جميلة هي الأرض والسماء والملائكة، لكن خالقهم أكثرهم جمالاً.

إذن من يكرزون بالله بكونه الله المحب، من يكرزون بالله لأجل نفسه، يرعون القطيع وليسوا أجراء.

يطلب ربنا يسوع المسيح من النفس هذه العفة، إذ قال لبطرس: "يا بطرس أتحبني" (يو ٢١: ١٦)؟ ماذا تعني "أتحبني"؟ هل أنت عفيف؟ هل قلبك غير زانٍ؟ هل لا تطلب الأمور الخاصة بك في الكنيسة، بل تطلبني أنا؟ إن كنت هكذا وتحبني "ارع غنمي". فإنك لا تكون أجيرًا بل راعيًا.

+ يكرز الراعي بالمسيح بالحق، ويكرز الأجير بالمسيح بعلة (في ١: ١٨)، يطلب شيئا آخر. وإن كان هذا وذاك يكرزان بالمسيح... بولس نفسه الراعي يُسر أن يكون لديه أجراء. فإنهم يعملون حين يكونوا قادرين، إنهم نافعون ماداموا قادرين على الكرازة... نادرًا ما يجد (الرسول) راعيًا بين إجراء كثيرين، لأن الرعاة قليلون، أما الأجراء فكثيرون. لكن ماذا قيل عن الأجراء؟ "الحق أقول لكم أنهم قد أخذوا أجرتهم" (مت ٦: ٢). أما عن الراعي فماذا يقول الرسول؟ "لكن من يطهر نفسه من مثل هذه يصير آنية للكرامة مقدسة ونافعة للرب، معدة لكل عملٍ صالحٍ" (٢ تي ٢: ٢١)، ليست معدة لأمور معينة بل "معدة لكل عمل صالح".

القديس أغسطينوس

"والأجير يهرب،

لأنه أجير ولا يبالي بالخراف". (13)

يشبه القديس أغسطينوس الأجراء الذين يعملون في الخدمة لحساب أنفسهم لا لحساب المسيح بالأسوار المملوءة شوكًا وقد استندت عليها الكرمة الحاملة العنب. فيليق بنا أن نتمتع بعنب الكرمة المحمول على الأشواك. العنب الذي لم يصدر عن الشوك بل عن الكرمة.

يقدم لنا الرسول مثلاً لهذه الأشواك الحاملة للكرمة: "وأما قوم فعن حسد وخصام يكرزون بالمسيح، وأما قوم فعن مسرة. فهؤلاء عن تحزب ينادون بالمسيح، لا عن إخلاص... غير أنه على كل وجه سواء كان بعلةٍ أم بحقٍ يُنادى بالمسيح، وبهذا أنا أفرح، بل سأفرح أيضًا" (في ١: ١٥ ١٨).

+ في هذا يختلف الراعي عن الأجير، واحد يطلب دومًا ما هو لسلامه غير مبالٍ بالخراف، والآخر يطلب ما هو للخراف غير مبالٍ بما هو لنفسه...

قديمًا انتهر حزقيال (الأجراء) وقال: "ويل لكم يا رعاة إسرائيل. هل يرعى الرعاة أنفسهم؟ ألا يرعون الخراف؟" (خر ٣٤: ٢). لكنهم فعلوا ما هو على خلاف ذلك، الذي هو أشر أنواع الشر، وعلة كل بقية الشرور. فقد قيل: "لم يستردوا المطرود، والضال لم يطلبوه، والمكسور لم يجبروه، والمريض لم يشفوه، لأنهم رعوا أنفسهم لا الغنم" (راجع حز ٣٤: ٤).

وكما أعلن بولس أيضًا في موضع آخر: "إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح" (في ٢: ٢١). وأيضًا: "لا يطلب أحد ما هو لنفسه بل كل واحدٍ ما هو للآخر" (١ كو ١٠: ٢٤).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يكون الشخص أجيرًا إن احتل موضع الراعي لكنه لا يطلب نفع النفوس. إنه يتوق إلى المنافع الأرضية، ويفرح بكرامة المراكز السامية، وينقاد إلى الربح المؤقت، وينعم بالكرامة المقدمة له. هذه هي مكافآته... مثل هذا لا يقدر أن يقف عندما يكون القطيع في خطر.

الآن إذ يجد الكرامة ويتمتع بالمنافع المؤقتة يخشى مقاومة الخطر لئلا يفقد ما يحبه... عندما يقتحم شخص شرير المؤمنين المتواضعين، يكون هذا ذئبًا يهجم على القطيع، يمزق أذهانهم بالتجارب. لا يتحمل الأجير مسئولية حماية القطيع.

تهلك النفوس بينما يتمتع هو بالمنافع الأرضية. ليس من غيرة تلتهب في الأجير ضد هذه التجارب، ليس من حب يثيره، كل ما يطلبه هو المنافع الخارجية، وبإهمال يسمح للأضرار الداخلية أن تحل بقطيعه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"أما أنا فإني الراعي الصالح،

وأعرف خاصتي،

وخاصتي تعرفني". (14)

تلامس المرتل مع الرب الراعي الصالح في مزمور الراعي (مز ٢٣)، حيث يكشف عن مدى اهتمام الرب الفائق برعيته.

تكشف الرعاية الصالحة عن الحب المشترك والمعرفة المتبادلة بين الراعي ورعيته. فالراعي يعرف رعيته، لا معرفة مدرسية تعتمد على التنظيمات المجردة، بل معرفة الالتصاق بهم، والانتساب إليهم وانتسابهم له، فيصيروا خاصته التي تتأهل لمعرفته.

لقد عرف الله إبراهيم واسحق ويعقوب، فدعا نفسه "إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب". وعرف بولس راعيه الأعظم فيحسبه ربه وإلهه هو! هكذا خلال هذه الرعاية الحقيقية يسمع كل حمل من بين القطيع صوت راعيه يؤكد له: "وأكون له إلهًا، وهو يكون لي ابنًا" (رؤ ٢١: ٧).

إنه يعرف خاصته، إذ يتطلع إليهم بعيني الحب والاهتمام الرعوي، يعرفهم فيبذل ذاته بكل سرور من أجلهم. وكما يقول القديس يوحنا: "هو أحبنا أولاً" (١ يو ٤: ١٩). وكما يقول الرسول بولس: "وأما الآن إذ عرفتم الله، بل بالأحرى عُرفتم من الله" (غلا ٤: ٩).

نظرات حب الراعي تسحب نظرات الرعية إليه، وكما يعرف الراعي خاصته بالحب العملي والاتحاد معهم يعرفونه هم ويجدون لذتهم في الاتحاد معه. هذا هو العهد الجديد، عهد النعمة القائم على الحب بين الله وخاصته. فتدرك الخاصة كلمات راعيهم: "أنا أعلم الذين اخترتهم" (يو ١٣: ١٨)، وفي يقين الإيمان بالراعي يرددون مع الرسول: "لأنني عالم بمن آمنت وموقن أنه قادر أن يحفظ وديعتي إلى ذلك اليوم" (٢ تي ١: ٢١).

+ المسيح إذن هو الراعي الصالح. ماذا كان بطرس؟ ألم يكن راعيًا صالحًا؟ ألم يبذل حياته عن القطيع؟ ماذا كان بولس؟ ماذا كان بقية الرسل؟ ماذا عن الأساقفة الطوباويين والشهداء؟... ماذا عن كبريانوسنا القديس؟ ألم يكن هؤلاء جميعًا رعاةً صالحين؟... هؤلاء جميعًا كانوا رعاةً صالحين، ليس لمجرد سفك دمائهم، إنما سفكوه من أجل القطيع، ليس في كبرياء، بل سفكوه في محبة.

ماذا تقول يا رب، أيها الراعي الصالح؟ فإنك أنت هو الراعي الصالح، أنت هو الحمل الصالح. في نفس الوقت أنت الراعي والمرعى، الحمل والأسد في نفس الوقت. ماذا تقول؟ هب لنا أذنًا وأعنا لكي نفهم. إنه يقول: "أنا هو الراعي الصالح". وماذا عن بطرس؟ هل هو ليس براعٍ أو هل هو شرير؟... إنه راع وراع صالح، لكنه كلا شيء بالحق بالنسبة لقوة راعى الرعاة وصلاحه، ومع هذا فإنه راعٍ وصالح، وكل الآخرين الذين مثله هم رعاة صالحون.

+ المسيح هو بابي إليكم، بالمسيح أجد مدخلاً، لا إلى بيوتكم بل إلى قلوبكم. بالمسيح أدخل، إنه المسيح الذي فيّ، هو الذي تريدون أن تسمعوا له. ولماذا تريدون أن تسمعوا المسيح فيّ؟ لأنكم قطيع المسيح، أُشتريتم بدم المسيح. إنكم تعرفون ثمنكم، الذي لا يُدفع بواسطتي، وإنما يكرز به بواسطتي. إنه هو، وهو وحده المشتري، الذي سفك دمه الثمين - الدم الثمين لذاك الذي بلا خطية.

القديس أغسطينوس

"كما أن الآب يعرفني، وأنا أعرف الآب،

وأنا أضع نفسي عن الخراف". (15)

ليس فقط اشتهى البذل حتى الموت من أجل قطيعه بل كراعٍ صالح يؤكد: "وأنا أضع نفسي عن الخراف". لقد حقق خطة البذل فعلاً. قدم حياته المبذولة مهرًا ليقتني الخراف. اشتراها لا لكي يذبحها، وإنما يُذبح هو لكي يحبها. لا يُقدم القطيع ذبيحة عن صاحبها كما في العهد القديم، بل يقدم الراعي نفسه ذبيحة عن قطيعه.

+ "خاصتي تعرفني، كما أن الآب يعرفني، وأنا أعرف الآب"، بمعنى سأكون منتميًا لقطيعي وهم يرتبطون بي، بدأت الكيفية التي بها يعرف الرب الآب ابنه الحقيقي الوحيد الجنس، ثمرة جوهره، ويعرف الابن الآب، بكونه الله الحقيقي، ويلد كيانه من هو منه، هكذا نحن إذ تعبنا لنكون له يُقال أننا من عائلته، ونُحسب أبناءه. نحن بالحقيقة أقرباؤه (أع 17: 29)، ونحمل اسم الابن، وبسبب ذاك الذي من الآب، فإنه وهو المولود من الله، إله حق، قد صار إنسانًا، وأخذ طبيعتنا، ماعدا الخطية.

القديس كيرلس الكبير

+ إنه (الآب) يعرف أنه قد ولده، كما يعرف هو أيضًا أنه مولود منه. وباختصار أذكر ما جاء في الإنجيل: "أنه لا يعرف أحد الابن إلا الآب، ولا الآب إلا الابن" (مت 27:11، يو 15:10؛ 25:17).

القديس كيرلس الأورشليمي

+ إنه يعرف الآب بنفسه، ونحن نعرفه به... إذ يقول: "الله لم يره أحد قط، الابن الذي في حضن الآب هو يخبر" (يو ١: ١٨). هكذا به ننال هذه المعرفة التي يعلنها لنا.

+ تذكروا كيف أن الرب يسوع المسيح هو الباب والراعي، الباب بتقديم نفسه لكي يُعلن، والراعي الذي يدخل بنا بواسطته. بالحقيقة يا اخوة، لأنه هو الراعي يعطي لأعضائه أن يصيروا مثله. فإن كلا من بطرس وبولس وغيرهما من الرسل وكل الأساقفة الصالحين كانوا رعاة. لكن لا يدعو أحد منا نفسه أنه الباب. فقد ترك هذا بالتمام لنفسه. في اختصار مارس بولس عمل الراعي الصالح عندما كرز بالمسيح، إذ دخل من الباب. لكن حينما بدأ القطيع غير المهذب يسبب انشقاقات، وأن يقيموا أبوابًا أخرى أمامهم... قال بولس أنا لست الباب؛ "هل صُلب بولس من أجلكم، أو هل اعتمدتم باسم بولس؟!" (١ كو ١: ١٢-١٣).

القديس أغسطينوس

"ولي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة،

ينبغي أن آتي بتلك أيضًا،

فتسمع صوتي،

وتكون رعيةً واحدةً، وراعٍ واحدٍ". (16)

يقدم لنا الراعي الصالح في هذا السفر تأكيده عن المعرفة الفريدة المتبادلة بين الآب والابن، علامة وحدة الفكر والإرادة ووحدة العمل معًا (مع وحدة الجوهر الإلهي)، كمثال للمعرفة بينه وبيننا كخاصته المحبوبة لديه التي تجد أبديتها في قبول مشيئته وقوته والعمل به ومعه! يتحدث بعد ذلك عن الخراف الآخر التي من الأمم، بكونها خرافه التي يأتي بها إليه لتكون مع خراف بيت إسرائيل رعية واحدة لراعٍ واحد.

بقوله: ينبغي أن "آتِ بتلك" يؤكد السيد المسيح دوره الإيجابي في اقتناء الأمم شعبًا له، فهو الذي يقدم دمه ثمنًا لخلاصهم، وهو الذي يعمل بروحه فيهم ليجتذبهم، لكن ليس بغير إرادتهم. إنه يفتح قلوب مؤمنيه لمحبة كل البشرية المدعوة للتمتع برعاية السيد المسيح مخلص العالم. وفي نفس الوقت يحطم تشامخ اليهود الذين ظنوا أن المسيا قادم إليهم وحدهم، وإنهم قطيع الله الفريد، متطلعين إلى الأمم ككلابٍ بين القطيع.

بقوله "ينبغي" يؤكد السيد التزام الحب؛ حبه الإلهي يلزمه بتقديم ذاته ذبيحة لفداء قطيعه بسرورٍ.

إنه يأتي بالكل من جميع الأمم ليردهم إلى المرعى الحقيقي، الكنيسة المقدسة؛ يفتح لهم أبوابها السماوية ليدخلوا بعد تيه في البرية لزمانٍ هذا مقداره. إنه ينسبهم له، فهم قطيعه الذي خلقه ويهتم بخلاصه، ويقدم دمه الثمين ثمنا لخلاصهم، يردهم في كرامةٍ ومجدٍ.

هذا القطيع أيًا كان مصدره، إذ هو قادم من أمم كثيرة، يسمع صوت الراعي الواحد فيؤمن به، إذ الإيمان بالاستماع، فينجذبون إليه ويتحدون معه كأعضاءٍ لجسدٍ واحدٍ لرأس واحد. وكما يقول الرسول: "جسد واحد، وروح واحد، كما دُعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد، رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم" (أف ٤: ٤-٦). هكذا ترتبط وحدة القطيع أو الوحدة الكنسية بوحدة الراعي.

+ كأنه يقول: ما بالكم تتعجبون إن كان هؤلاء القوم سيتبعونني، وإن كان غنمي يسمع صوتي، لأنكم إذا رأيتم أغنام أخرى تتبعني وتسمع صوتي فستذهلون حينئذ ذهولاً عظيمًا.

+ "ينبغي أن آتي بتلك"، كلمة "ينبغي" هنا لا تعني "ضرورة"، بل هي إعلان عما سيحدث حقًا كأنه يقول: لماذا تتعجبون إن كان هؤلاء يتبعونني وإن كانت خرافي تسمع صوتي؟ فإنكم سترون آخرين أيضًا سيتبعونني ويسمعون صوتي، فتكون "دهشتهم أعظم". لا ترتبكون عندما تسمعونه يقول: "ليست من هذه الحظيرة"، فإن الاختلاف يخص الناموس وحد، كما يقول بولس: "لا الختان ينفع شيئًا، ولا الغرلة" (غلا ٥: ٦).

"ينبغي أن آت بتلك أيضًا" (١٦). لقد أظهر أن هؤلاء وأولِئك قد تشتتوا وامتزجوا، وكانوا بلا رعاة، لأنه لم يكن بعد قد جاء الراعي الصالح. عندئذ أعلن عن وحدتهم المقبلة إذ يصيروا رعية واحدة. وهو نفس الأمر الذي أعلنه بولس بقوله: "لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا" (أف ٢: ١٥).

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ "أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟ لماذا أكون كمقنَّعة عند قطعان أصحابك" (نش 7:1).

"أين ترعى أيها الراعي الصالح، يا من تحمل القطيع كله على كتفيك؟ لأنك إنما حملت خروفًا واحدًا على كتفيك ألا وهو طبيعتنا البشرية.

أرني المراعى الخضراء.

عرفني مياه الراحة (مز 2:22).

قدني إلى العشب المشبع.

ادعني باسمي (يو 16:10) حتى اسمع صوتك، أنا خروفك، أعطني حياة أبدية.

القديس غريغوريوس النيسي

+ ضرب الفريسيين المعاندين بطرق متنوعة. هنا سمح لهم أن يلاحظوا أنهم على وشك نزعهم عن رعاية شعبه، الذي يدبر أمورهم بنفسه الآن. إنه يعني إن الخلط بين قطعان الأمم مع أولئك الذين لهم إرادة صالحة من شعب إسرائيل، فلا يعود يحكم اليهود وحدهم، بل ينتشر مجد نوره على الأرض كلها. إنه يرغب ألا يُعرف في إسرائيل وحدها منذ البداية، بل يقدم لكل الذين تحت السماء معرفة الله الحقيقي.

القديس كيرلس السكندري

+ توجد سفينتان (لو ٥: ٢) منهما دعا تلاميذه. إنهما تشيران إلى هذين الشعبين (من اليهود ومن الأمم)، عندما ألقوا شباكهم وأخرجوا صيدًا عظيمًا وعددًا كبيرًا من السمك، حتى كادت شباكهم تتخرق. قيل "امتلأت السفينتان" تشير السفينتان إلى الكنيسة ولكنها تتكون من شعبين، ارتبطا معًا في المسيح، وإن كانا قد جاءا من أماكن متباينة.

عن هذه أيضًا الزوجتان اللتان لهما زوج واحد يعقوب، وهما ليئة وراحيل، كانتا رمزًا (تك ٢٩: ٢٣، ٢٨). وعن هذين الشعبين كان الأعميان رمزًا، جلسا على الطريق ووهبهما الرب النظر (مت ٢٠: ٣٠). وإن دققت في الكتاب المقدس تجد الكنيستين اللتين هما كنيسة واحدة وليس اثنتين قد رمز لهما في مواضع كثيرة.

القديس أغسطينوس

+ أخيرًا، الذبائح نفسها التي للرب تعلن أن الاجتماع المسيحي يرتبط بذاته بحب ثابت لا ينفصل. لأن الرب عندما دعا الخبز الذي يتكون من وحدة حبوب كثيرة جسده، يشير إلى شعبنا الذي يحمل اتحادًا. وعندما يدعو الخمر المعصور من عناقيد العنب والحبوب الصغيرة جدًا التي تجتمع معًا في دمه الواحد، هكذا أيضًا يعني قطيعنا الممتزج معًا بجماهير متحدة.

الشهيد كبريانوس

+          +          +   

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt