طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

 قراءات 12 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 65 : 4 ، 5

مت 24 : 42 - 47

مز 37 : 17 ، 18 ، 29

مر 13 : 33 - 37

1 كو 3

4 - 23

1 بط 5

5 - 14

أع 18 : 24

- 19 : 6

مز 37 : 30

لو 16 : 1 - 12

 

البولس 1 كو 3 : 4 – 23

4 لانه متى قال واحد انا لبولس و اخر انا لابلوس افلستم جسديين
5 فمن هو بولس و من هو ابلوس بل خادمان امنتم بواسطتهما و كما اعطى الرب لكل واحد
6 انا غرست و ابلوس سقى لكن الله كان ينمي
7 اذا ليس الغارس شيئا و لا الساقي بل الله الذي ينمي
8 و الغارس و الساقي هما واحد و لكن كل واحد سياخذ اجرته بحسب تعبه
9 فاننا نحن عاملان مع الله و انتم فلاحة الله بناء الله
10 حسب نعمة الله المعطاة لي كبناء حكيم قد وضعت اساسا و اخر يبني عليه و لكن فلينظر كل واحد كيف يبني عليه
11 فانه لا يستطيع احد ان يضع اساسا اخر غير الذي وضع الذي هو يسوع المسيح
12 و لكن ان كان احد يبني على هذا الاساس ذهبا فضة حجارة كريمة خشبا عشبا قشا
13 فعمل كل واحد سيصير ظاهرا لان اليوم سيبينه لانه بنار يستعلن و ستمتحن النار عمل كل واحد ما هو
14 ان بقي عمل احد قد بناه عليه فسياخذ اجرة
15 ان احترق عمل احد فسيخسر و اما هو فسيخلص و لكن كما بنار
16 اما تعلمون انكم هيكل الله و روح الله يسكن فيكم
17 ان كان احد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لان هيكل الله مقدس الذي انتم هو
18 لا يخدعن احد نفسه ان كان احد يظن انه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلا لكي يصير حكيما
19 لان حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله لانه مكتوب الاخذ الحكماء بمكرهم
20 و ايضا الرب يعلم افكار الحكماء انها باطلة
21 اذا لا يفتخرن احد بالناس فان كل شيء لكم
22 ابولس ام ابلوس ام صفا ام العالم ام الحياة ام الموت ام الاشياء الحاضرة ام المستقبلة كل شيء لكم
23 و اما انتم فللمسيح و المسيح لله

 

 

فلاحة اللَّه وبناء اللَّه

في الأصحاح الأول سحب الرسول قلب الشعب إلي الصليب ليتحد الكل معًا في المسيح يسوع بروح الحكمة والقوة عوض الانشغال بالانشقاقات والانقسامات. وفي الإصحاح الثاني قدم لهم الروح القدس واهب الشركة ومقدم الحكمة الحقة لكي يتمتع الكل باستنارة الروح ويكون لهم فكر المسيح، ويدرك الكل الروحيات عوض بقائهم أناسًا طبيعيين يجهلون ما هو للَّه. هذا هو روح الشركة والوحدة بينهم في الرب. أما هنا فيقدم اللَّه العامل في حياة الكنيسة. وكأنه في الإصحاح الأول تحدث عن دور الأقنوم الثاني، الكلمة المتجسد المصلوب لأجل خلاصنا، وفى الثاني عن دور الروح القدس، والثالث دور الأب. فوحدة الكنيسة تشغل الثالوث القدوس، العامل معًا لأجل وحدتنا معا في الرب.

إن كانت الكنيسة هي فلاحة اللَّه [9]، أو كرمه، فإن الكل يعملون مع اللَّه [9]، كل حسب موهبته [5]. لكن اللَّه وحده هو الذي ينمي. وإن كانت الكنيسة هي بناء اللَّه [9] فإن هذا البناء هو من عمل اللَّه نفسه حيث وضع المسيح نفسه أساسًا واحدًا للكل، ويسكن الروح القدس الواحد في هذا البناء، فيقيم منا هيكلاً مقدسًا للَّه [17].

اللَّه مهتم بنا بكوننا فلاحته وبناءه، فلماذا ننشغل بالعاملين في الكرم أو البناء؟ لقد أقامهم اللَّه من أجلنا. كل شئ هو لنا!

 

1. حلول الانقسام بين الجسديين

يبدأ الرسول بولس بتوبيخهم من أجل ضعفهم كأطفال لم ينضجوا بعد في الروحيات. لهذا لم يستطع أن يتحدث معهم كروحيين بل كأطفال في المسيح [1]. لقد قبلوا الأسس الأولى للإيمان المسيحي، لكنهم لم ينضجوا بعد في فهمهم لها، ولا تمتعوا بالقداسة اللائقة بهم، بل انشغلوا بالفلسفة والحكمة في تشامخ وكبرياء. لهذا التزم أن يتعامل معهم كأطفالٍ في معرفة الأمور المقدسة.

"وأنا أيها الاخوة لم استطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين،

كأطفالٍ في المسيح" [1].

"كجسديين"، هنا يشير إلي الأشخاص الذين لا يبالون بمجد اللَّه ولا يطلبون ما لبنيان اخوتهم، بل في أنانية يطلبون ملذات أنفسهم. يتحدث معهم كجسديين sarkihios أو skrhinois وهى تعني أناسًا تحت تأثير الشهوات الجسدية، يدب فيهم الحسد، وينشغلون بالزمنيات.

كلمة "أطفال" هنا تقابل الكاملين في النضوج أو الكاملين في المسيح (كو 1: 28، عب 5 : 13-14). إنهم يعيشون في المسيح، لكن في ضعف كما لو كانوا أطفالاً لم يسلكوا نحو الإنسان الكامل إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4 : 13).

يشبه المؤمنين بطريقة رمزية تارة كأطفال وأخرى كعذراء وثالثة كرجال وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لتفسر معي بطريقة رمزية الأطفال كما جاء في العبارة "لم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين كأطفال في المسيح" [1]، ونفسر النساء كما جاء في القول: "أريد أن أقدمكم جميعًا كعذراء عفيفة للمسيح"، والرجال كما جاء في القول:" وإذ صرت رجلاً أترك ما هو للأطفال".]

إنهم أطفال في المسيح، عاجزون عن أخذ قرارٍ فيما يخص حياتهم الإيمانية، أو أنهم غير أهل للتمييز بين معلمٍ وآخر، حتى يصدروا قرارًا سليمًا, بمعنى آخر تنقصهم المعرفة الروحية اللائقة في إدراك الإلهيات.

v لمن يقول الرسول: "لم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين" [1]؟ يكون الإنسان روحيًا في هذه الحياة بطريقة ما، وهي أنه وهو جسدي له جسده يرى ناموسًا آخر في أعضائه يحارب ناموس ذهنه. لكنه وهو في الجسد سيكون روحيًا إذ ينال هذا الجسد عينه القيامة التي قيل عنها: "يُزرع جسمًا حيوانيًا ويُقام جسمًا روحانيًا" (1 كو 15:44).

ماذا يكون هذا الجسد الروحاني؟ وكم هي عظمة نعمته؟ أخشى أن أكون متهورًا عند الحديث عن هذا إذ لم أنل بعد هذه الخبرة.

"سقيتكم لبنًا لا طعامًا،

لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون،

بل الآن أيضًا لا تستطيعون" [2].

يقول الرسول: أقدم لكم لبنًا، أي المبادئ الأولية للمسيحية في بساطة، بسبب عجز ذهنكم عن إدراك المعرفة الروحية والحقائق الإنجيلية. إنه يدهش أنهم وهم بعد يشربون اللبن كأطفال يحكمون بين معلمٍ وآخر.

يليق بالراعي كأب أن يعرف كيف يقدم الطعام اللائق بكل شخصٍ، فالطفل يحتاج إلى اللبن لكي ينمو وينضج ويصير رجلاً في الرب، والناضج يحتاج إلى طعامٍ دسمٍ حتى لا يفقد قوته الروحية ونموه المستمر. يقدم لنا الرسول بولس طعامًا للثلاث مجموعات من البشر.

يحتاج الإنسان الطبيعي إلى الخلاص (2:14)، إذ لا يقبل ما للروح القدس. إنه تنقصه الحكمة الروحية الحقيقية.

ويحتاج الإنسان الجسداني كطفلٍ إلي التقديس (3: 1). فهو مشغول بالانشقاقات والصراعات بين البشر حتى إن كانوا رجال اللَّه القديسين، ولا ينشغل باللَّه مخلصه.

يحتاج الإنسان الروحاني إلى العمل المستمر بروح اللَّه لكي يصير دائم النمو (3: 14).

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول أحدر روح الكبرياء منهم بالكشف عن أنهم لم يعرفوا الأمور الكاملة، وأن جهلهم يرجع إليهم. بجانب هذا يشير إليهم بأنهم حتى ذلك الوقت كانوا غير قادرين أن يحتملوا هذه الأمور الكاملة.

يقدم الرسول بولس للشعب البسيط في معرفته لبنًا ويرى الأب قيصريوس أسقف آرل أن بعض المعلمين يشبهون البقرة التي تقدم لبنًا. [ليس بطريقة غير لائقة أيها الأعزاء المحبوبون يبدو الشيوخ أنهم يحملون شبهًا للبقر. كما أن البقرة لها ثديان لتقوت عجلها (باللبن) هكذا أيضًا يليق بالشيوخ أن يعولوا الشعب المسيحي بثدييهم الاثنين: بالعهدين القديم والجديد.]

"لأنكم بعد جسديون،

فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق

ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟" [3]

انهم يعانون من أخطاء بأفكارهم كما بكلماتهم وسلوكهم. فالحسد هنا يشير إلى فساد القلب الداخلي الذي لا يتسع بالحب نحو الناجحين والنامين. والخصام يشير إلى تحويل الفكر إلي كلمات جارحة والدخول في خصومة كلامية. والانشقاق يشير إلى خطأ يمس السلوك العملي، حيث لم يستطيعوا أن يتفقوا معًا، فصاروا منفصلين عن بعضهم البعض، فمزقوا كنيسة المسيح. هكذا قادهم الحسد الداخلي والخصام بالحوار غير البناء إلى تقسيم كنيسة المسيح الواحدة. أما من يخضع لروح الرب فيسلك كإنسان روحي مملوء في أعماقه سلامًا، ويسكب هذا السلام إن أمكن علي كل من هم حوله.

الحسد ينزع عن النفس سلامها فلا تحتمل سلام الجماعة وبنيانها وكما يقول القديس كبريانوس: [كل الشرور لها حدود، وكل خطأ ينتهي بارتكاب الجريمة... أما الحسد فليست له حدود. إنه شر يعمل على الدوام وخطية ليس لها نهاية.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الحاسد أردأ من الوحوش الضارية، وأخبث من الشياطين، لأن غضب الوحوش وشرها ينتج عن جوعها أو خوفها منا، أما الحاسدون فمن يحسن إليهم يكون كمن ظلمهم.] [الشيطان حاسد لكنه يحسد البشرية ولا يحسد شيطانًا آخر. أما أنت فإنسان وتحسد أخاك الإنسان، وبالأخص الذين هم من عائلتك وعشيرتك، الأمر الذي لا يصنعه الشيطان.]

"لأنه متى قال واحد أنا لبولس وآخر أنا لأبلوس

أفلستم جسديين؟" [4].

ليست هناك حاجة للقول بأن بولس وأبلوس حملا ذات الإيمان، ولم يوجد بينهما أدنى فارق في الجانب الإيماني، بينما انقسم الشعب، فالبعض يفضل هذا عن ذاك. هذا دليل قاطع على أنهم جسديون، لأنه لا يوجد أدنى سبب لهذا الانقسام. إذ انشغلوا بالمظاهر الخارجية انقسموا حيث لا يوجد مجال للانقسام. ولو أنهم سلكوا بالروح لقدمت لهم نعمة اللَّه روح الوحدة.

2. أنتم فلاحة اللَّه

"فمن هو بولس؟ ومن هو أبلوس؟

بل خادمان آمنتم بواسطتهما،

وكما أعطى الرب لكل واحد" [5].

الرسل المتباينون ليسوا إلا أدوات في يد اللَّه الواحد ليدخل بكم إلى معرفة المسيح، ويقدموا لكم كلمة الحياة. لم يكرز أحد منهم باسم نفسه ولا تحدث عن ذاته بل عن شخص رب المجد يسوع. حقًا توجد مواهب مختلفة حتى بين الرسل، إنها عطية اللَّه لهم. وهو وحده يعرف كيف يعمل بالمواهب التي قدمها لرسله وخدامه. وزع الهبات بما فيه بنيان الكنيسة التي للمسيح الواحد، دون تمييز بين هذه الهبة وتلك.

اللَّه هو الكل في الكل، والرسل ليسوا إلا خدامًا له يعملون باسمه وبقيادته ولحسابه. إنهم ينالون كرامة العمل في كرمه وفي نفس الوقت اللَّه يعمل بهم بكونهم آلات خاصة به، يعتز بهم ويهبهم روحه القدوس ليحملوا قوته.

عندما تحدث الرسول بولس عن نفسه وعن أبلوس قال انهما خادمان، وجاءت الكلمة اليونانية الأصلية diakonoi ومعناها "خادمان"Servants في مقابل "سادة" (مت 20 :26، مر 9 : 35، 10 :34). وكأن كرامة الرسول هو أن ينحني كخادم ليغسل أقدام من مات سيده عنهم ليقيمهم أبناء للَّه. بمعني آخر كرامة الرسولية والأسقفية وكل الرتب الكنسية ليس في السلطة بل في غسل الأقدام، وخدمة أبناء سيدهم.

إنهما خادمان لا يطلبان كرامة زمنية ولا سلطة إنما سرّ قوتهما فيمن أرسلهما ويعمل بهما. إنهما ليسا المصدر الأصلي للإيمان بل خادمان للَّه يقدمان المعرفة والحقائق التي يعلنها اللَّه لهما. يعمل كل منهما حسب الموهبة التي يقدمها له مرسله لبنيان الكنيسة.

"أنا غرست، وأبلوس سقى،

لكن اللَّه كان ينمي" [6].

"أنا غرست"، غرس بذار الإنجيل في كورنثوس وفى منطقة آخائية. وأبلوس "سقى"، جاء أبلوس بعد بولس وبكرازته روي البذار التي غرسها بولس الرسول, فتحولت البذور إلى جذور وقدمت ثمارًا، ليس بفضل بولس أو أبلوس بل بفضل نعمة اللَّه , فإن اللَّه وحده هو الذي يهب الإنسان ثمار الروح كعطية إلهية مجانية.

يلزم أن تُغرس البذور وأن تُروى بالماء، لكن النمو يتحقق لا بالغرس في ذاته ولا بالماء إنما باللَّه الذي يهب البذرة الحياة ويقدم لها الماء لنموها. اللَّه هو الذي دبر أمر الغارسين والسقاة، لكنه يبقى هو واهب الحياة.

"إذًا ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي،

بل اللَّه الذي ينمي" [7].

يليق بنا أن نقدم المجد للَّه وحده، فمن عنده وحده البذور التي هي كلمة الكرازة بالإنجيل. ومن عنده الأرض، أي قلوب البشر وأذهانهم التي هي صنعة يديه. ومن عنده العاملون إذ هو الذي يدعوهم للخدمة، ومن عنده الثمار إذ هي ثمار روحه القدوس.

يحرص الرسول بولس أن يكشف عن دور الرسل في الخدمة، وهو أنهم خدام للَّه ووكلاء أسراره، يلزم عدم تأليههم، لأنهم ليسوا مصدر إيماننا ولا غاية حياتنا، إنما هم أدوات مقدسة في يد اللَّه. ومن جانب آخر ليس لهم قالب واحد، بل لكل منهم موهبته التي تسلمها من اللَّه وله دوره المكمل للآخر. الكل يقدم سيمفونية حب واحدة متناغمة معًا. فلا يجوز المقارنة بينهم أو المفاضلة بين أعمالهم، فالكل مدعوون من اللَّه الواحد، والكل لهم هدف واحد هو مجد اللَّه وخلاص كل نفس بشرية.

بقوله هذا يؤكد الرسول الحقائق التالية:

أولاً: أن اللَّه هو العامل الحقيقي، لأن خلاص النفس من اختصاصه وحده.

ثانيًا: وأن اختلفت المواهب لكن خدام اللَّه يعملون معًا في تناغمٍ وانسجامٍ.

ثالثًا: إن غاية خدمته وخدم اخوته هو نفع المخدومين لا طلب المجد الزمني.

إن كان الأب شيريمون قد ركز علي الأعمال حتى اعتبره البعض شبه بيلاجي، لكنه يؤكد أن اللَّه وهب كل إنسانٍ شيئًا من الصلاح، ولا يقدر أن يتمتع به المؤمن بدون نعمة اللَّه.

 

+ يليق بنا أن نسرع بالأكثر لنري عمل اللَّه أكثر من عملنا نحن. فإننا إن خدمنا بأية صورة نكون مدينين له (بهذا العمل) لا للبشر. لهذا يقول الرسول: "ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمي".

+ إذ لا يمكن للرسل أن يحققوا شيئًا إن لم يقدم اللَّه النمو، فكم يكون الأمر بالنسبة لكم ولي أو لأي شخصٍ في أيامنا الذي يتباهى بأنه معلم.

القديس أغسطينوس

"والغارس والساقي هما واحد،

ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" [8].

الغارس والساقي هما واحد، إذ قدم كل من بولس وأبلوس ذات التعليم، كلاهما خدما لمجد اللَّه وخلاص النفوس، فما الداعي للانشقاق ما دام الرسل يحملون الروح الواحد والفكر الواحد والإيمان الواحد والهدف الواحد؟

مع أن الكرم خاص باللَّه وهو العامل بخدامه، وبدونه لن تنجح الخدمة، لكنه إذ يعتز بهم يهبهم مكافأة عظمى، فيقدم لكل واحد أجرته حسب تعبه. اللَّه لا يجازى الإنسان حسب ثمر جهاده، بل حسب أمانته في العمل الذي يلتزم به، حتى لا يقول أحد "باطلاً تعبت أو جاهدت".

الغارس والساقي ليسا شخصًا واحدًا، لكنهما يُحسبان واحدًا لأنهما يمارسان عملين مختلفين لتحقيق هدفٍ واحدٍ. واحد يغرس طالبًا المحصول، والثاني يسقي لذات الهدف، ولا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر. فغرس البذور دون سقيها تبديد لها، والسقي بدون غرس البذور تبديد للمياه. إنهما واحد أيضا لأن الاثنين مرسلان من قبل اللَّه الواحد. إنهما يعملان، كلٍ بموهبته، لكن اللَّه الواحد هو الذي يحقق هدف الاثنين، وبدونه يصير عملهما باطلاً.

"فإننا نحن عاملان مع اللَّه،

وأنتم فلاحة اللَّه، بناء اللَّه" [9].

يترجم البعض هذه العبارة "العاملان معًا في عمل اللَّه".

كل ما نفعله ليس من أنفسنا، بل ما يقدمه اللَّه لنا كعطية مجانية من عنده، لذا فكل نجاح نتمتع به هو من قبله ولمجده.

"أنتم بناء اللَّه": أنهم ليسوا فقط كرم اللَّه الذي غرسه بيمينه وتعهده كما جاء في إشعباء 5، لكنهم بناء اللَّه، يقوم ببنائه ويود السكنى فيه. كما أن الإنسان الذي يتطلع إلى مبني ضخم ويقف أمامه في دهشة لا ينشغل بالذي حفر الأساس ولا بمن قطع الحجارة ولا بمن وضع مواد البناء بل يمجد المهندس الذي وضع خطة المبنى والذي أشرف على إتمامه حسب رسوماته الهندسية هكذا لا ينشغل من يتطلع إلى كنيسة المسيح بالرسول بولس أو أبلوس أو بطرس الرسول، إذ هم خدام يعملون تحت إشراف المهندس الأعظم الذي وضع رسومات المبنى ليسكن فيه.

إن كان الإنسان الأول قد اختار أن يُعطي ظهره للَّه ويهرب من وجهه، فإن اللَّه من جانبه يجري وراءه ويقيم منه مسكنًا مقدسًا له، فلا عجب إن تحدث الرسل عن المؤمنين والكنيسة كما على كنيسة السماء كهيكل اللَّه وروح اللَّه ساكن فيه [16]، هيكل مقدس [17]، " مسكن اللَّه فى الروح" (أف 2:22) بيت روحي كهنوت مقدس لتقديم ذبائح روحية (1 بط 2 :15)، مسكن اللَّه مع الناس (رو 21 :3)، المدينة العظيمة أورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند اللَّه (رؤ21 : 10-11).

إننا كرمه وهو بنفسه يفلحنا حتى نثمر. نحن بناء اللَّه، إذ يسكن فينا من يفلحنا. فاللَّه هو الذى ينّمي، فهل يُدعى الرسل كرامين؟

إن الكّرام يغرس ويروي: "أنا غرست وأبولس سقى"، لكن "لا أنا بل اللَّه الذى معي" (1كو10:15). لهذا إن حدث نمو فيك أو تغيير ولو كان بواسطة الملائكة، فإن اللَّه هو الكّرام، ولو حدث على أيدي الأنبياء أو الرسل فهو ذاته الكّرام. فماذا نكون نحن؟ ربما عمال لدى الكّرام، نعمل بقوته ونعمته الممنوحة لنا من لدنه.

3. أنتم بناء اللَّه

"حسب نعمة اللَّه المعطاة لي،

كبناءٍ حكيم قد وضعت أساسًا،

وآخر يبني عليه،

ولكن فلينظر كل واحدٍ كيف يبني عليه" [10].

خطة البناء هي من تصميم اللَّه نفسه، المهندس الأعظم، لذا لاق أن يعمل البناءون بما يتفق والخطة الإلهية. يأتمن المهندس الإلهي رسوله بولس ليبدأ البناء بوضع الأساسيات، أي بالكرازة بتعاليم الإنجيل الأساسية الثابتة, هذه الأساسات تسلمها بولس الرسول من اللَّه نفسه لأجل خلاص البشرية. اللَّه الذي اختار بولس رسولاً للأمم أرسل آخرين ليتمموا العمل بما يتفق مع الفكر الإلهي، فيقوم البناء متناسقًا, فما يفعله البناءون يتناغم مع ما فعله بولس الرسول الذي وضع الأساسات.

إذ يتحدث عن نعمة اللَّه العاملة في خدامه يتحدث الرسول بولس عن نفسه انه وضع الأساس. فمع انه هو الذي بدأ العمل في كورنثوس إلا أن الفضل لنعمة اللَّه المعطاة له وليس له, لقد صار بنَّاءً حكيمًا، لا لأجل قدراته الشخصية ومواهبه وإنما لأنه قدم الأساس السليم، شخص الرب يسوع مخلص العالم، المسيا الحقيقي.

كل ما يفعله الرسول هو من إحسانات اللَّه عليه. هو الذي اختاره ودعاه، وهو الذي دربه على العمل وأعطاه الحكمة الحقيقية، وهو العامل به وفيه. واضح أن تعبير "كل واحد" هنا يشير إلي المعلمين والخدام، فيمارس كل واحدٍ عمله حسب عطية اللَّه له.

"فانه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وُضع،

الذي هو يسوع المسيح" [11].

لا يوجد مجال لاختلاف الرأي بين العاملين في البناء، خاصة في وضع الأساس، فانه لا يوجد سوى أساس واحد يقوم عليه كل البناء، وهو ربنا يسوع المسيح مخلص العالم.

كثيرا ما يدعي يسوع المسيح الأساس والحجر، وحجر الزاوية الذي عليه تقوم الكنيسة (إش 28 : 16؛ مت 21 : 42؛ أع 4 : 11؛ أف 2 : 20؛ 2 تي 2: 19؛ 1 بط 2: 6).

إذ يتحدث الرسول بولس عن الأساس يري القديس غريغوريوس أسقف نيصص أنه لا يوجد عذر للإنسان، فإن أساسنا كلمة اللَّه الأزلي الذي يقوم عليه بناؤنا. يقول: [وضع أولاً أساسنا قبل العالم القادم ككلمات بولس: "لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا غير الذي وُضع" كما قيل حقًا: "ولدني قبل ينابيع المياه، وقبل أن تتأسس الجبال، قبل أن يخلق الأعماق، وقبل كل التلال".]

v وضع الرسل الآخرون هذا الأساس بين اليهود بينما وضعاه بولس وبرنابا بين الأمم.

العلامة أوريجينوس

4. فحص العمل بنارٍ

"ولكن أن كان أحد يبني على هذا الأساس

ذهبًا فضة حجارةً كريمة خشبًا عشبًا قشًا" [12].

الأساس واحد، لكن العاملين يقيمون البناء على هذا الأساس إما ذهبًا أو فضة أو حجارة كريمة أو خشبًا أو عشبًا أو قشًا. يقصد بالذهب والفضة والحجارة الكريمة أنها تعاليم سماوية (ذهب) تقوم على كلمة اللَّه (الفضة) وتحمل مجد اللَّه (الحجارة الكريمة), أما الخشب والعشب والقش فتشير إلى التعاليم الباطلة مثل إنكار القيامة من الأموات أو التي لا ترتبط بالحياة المقدسة في الرب، هذه تحول الإنسان نفسه كما إلى خشب يحترق أو عشب أو قش يصير أشبه برمادٍ بلا قيمةٍ، يُلقى في المزبلةٍ ويُداس من الناس.

ربما يقصد بالحجارة الكريمة هنا الأنواع الممتازة الجميلة من الرخام الكثير الثمن.

يُستخدم احيانًا الخشب سريع الاحتراق بدلاً من الرخام لفترة مؤقتة، كما يُستخدم في اقامة حجرة حراسة صغيرة ملاصقة لأسوار الكرم.

العشب والقش يستخدمه بعض فقراء الفلاحين في تغطية منازلهم أو أكواخهم الفقيرة كسقفٍ يحميهم، وإن كان يمثل خطرًا متى تعرض لشرارة نارٍ.

"فعمل كل واحد سيصير ظاهرًا،

لأن اليوم سيبينه لأنه بنار يُستعلن،

وستمتحن النار عمل كل واحدٍ ما هو" [13].

بقوله: "كل واحد" يضم إليه الرسل الخدام. وكأنه عوض الانشغال بالأشخاص مما يسبب انقسامات فلينشغل كل خادمٍ بالمكافأة التي يعدها اللَّه له، فيطلب أن يعمل جاهدًا مع الرسل وبقية الخدام. يوم الرب مثل النار تزيد النقي نقاوة وبهاء، وتحرق الخشب والعشب والقش.

يرى البعض أنه يشير إلى ما سيحدث حيث يُحرق الهيكل اليهودي على يدي تيطس الروماني، وكأن الذين يريدون التمسك بحرفية الشريعة الموسوية يفقدون كل شيء. أما الذين يلتهبون بالروح فيزدادون مجدًا وبهاءً.

لا يتحدث هنا عن نار مطهرة كما يظن المنادون بوجود مطهر بعد الموت مباشرة. إنما يتحدث هنا عن نار فاحصة للتعاليم الصادقة والمزيفة, ففي يوم الرب العظيم تفحص هذه كنار (زك 3 :2؛ عا 4: 11؛ يه 23). إنه بالكاد يخلص البناءون لكنهم يفقدون كل تعبهم في الخدمة لأنهم أخطأوا في تقديم التعاليم.

"إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة" [14].

يرى البعض أنه يشير هنا إلى تقديس الأواني حسب الشريعة الموسوية، فالأواني التي تصمد أمام النار تتطهر بالنار، أما التي لا تصمد فيتم تطهيرها بالماء (عدد 31 :23).

راحة الإنسان الحقيقية هي في جهاده حيث يسمر عينيه علي المكافأة الأبدية، فيجد عذوبة في تعبه.

"إن احترق عمل أحد فسيخسر،

وأما هو فسيخلص ولكن كما بنارٍ" [15].

+ إنها ليست كلمات إنسان يبعث لعنة بل من يتنبأ.

+ ماذا إن كان الإنسان غنيًا، وإن كان من الأشراف، فإنه عندما تسبيه خطية ما يصير أكثر فسادًا من كل فساد. فإن كان الإنسان ملكًا قد أسره البرابرة يصير أكثر الناس بؤسًا، هكذا بالنسبة للخطية، إذ هي بربرية، والنفس التي تصير أسيرة لا تعرف كيف تتخلص من الأسر، فتقوم الخطية بدور الطاغية لتحطم كل من يلتصق بها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إن كان أحد بكل إخلاص يكرز لكنه لم يقدم الكرازة كما يليق فإن مراحم اللَّه تلحق به ويخلص في يوم الرب كما بنارٍ.

+ المعلم يعلم ما هو حق، فيتبعه البعض وآخرون لا يتبعونه. الذين يتبعونه يكونون كالذهب والفضة يتنقّون بالنار ويتلألئون عندما يخرجون منها. الآخرون سيحترقون، أما المعلم فلا يفقد شيئًا بسبب هذا، إن كان مؤمنًا، فسينال مكافأته بغض النظر عما حدث.

ثيؤدورت أسقف قورش

5. أنتم هيكل اللَّه

"أما تعلمون أنكم هيكل اللَّه،

وروح اللَّه يسكن فيكم؟" [16].

يتحدث الرسول بولس عن الجسد كهيكل اللَّه، وفي ذهنه الأعداد الكبيرة من النسوة الكاهنات اللواتي كن يمارسن الفساد بكورنثوس لحساب الهيكل هذا ما دفع الرسول بولس لتأكيد علاقة جسد المؤمن بالسيد المسيح كهيكل اللَّه ومسكن الروح القدس. هذا أيضًا ما دفعه للحديث في هذه الرسالة عن قدسية الزواج وخطورة التصاق الجسد بزانية (6: 15، 16).

في القديم كان إسرائيل يحسب نفسه هيكل اللَّه ومسكنه، لأن اللَّه سكن في وسطهم, الآن وقد أعلن السيد المسيح أنه إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه يكون في وسطهم صارت كنيسة المسيح هيكله المقدس. حيث يوجد الرب يوجد هيكله الذي يقدسه روحه القدوس. أعلن السيد المسيح لتلاميذه أن موضوع كرازتهم هو: "ملكوت اللَّه داخلكم" فالكنيسة ككل هي هيكله أو ملكوته، وكل عضو في الكنيسة هو هيكل الرب. يليق به ألا يفسد هذا الهيكل، إذ هو ليس في ملكيته بل هو أشبه بوكيل على ما ائتمنه الرب عليه.

جسم المؤمن هو:

+ هيكل اللَّه (3: 16، 17، 6:19).

+ للرب (13، 15).

+ يلزم تقديمه ذبيحة حية للَّه (رو 12:1).

+ موضع سكنى اللَّه (أف 2: 21، 22).

+ موضع مجد اللَّه (ا كو 20:6).

+ موضع القداسة (1 تس 3:7، مز93: 5).

+ موضع السلام (في 3:7، حجي 2: 9، يو 16: 33).

+ موضع إعلان المسيح (رو 8: 29، 2 كو 4: 10، 11).

+ أعضاؤه آلات للبر (رو 6: 13).

+ يتشبه بجسد المسيح (في 3: 20-21، 1يو3:2).

ماذا يعني بقوله إننا هيكل اللَّه وروح اللَّه ساكن فينا؟

أ. الكنيسة على مستوي الجماعة كما على مستوي العضو هي كرسي اللَّه أو عرشه حيث يجلس ويعمل لحسابها ولتحقيق مسرته.

ب. الكنيسة هي ملكوته أو وكالته خلالها يبعث ثمر الروح من حب وفرح وسلام وطول أناة (غلا 5 : 22- 23).

ج. خلال الكنيسة يقود اللَّه شعبه وسط وادي الآلام واهبًا إياهم تعزيات الروح القدس.

د. الكنيسة مقدس للرب لا يجوز استخدامها إلا فيما للَّه، حتى أعضاء جسمنا هي أعضاء المسيح.

هـ. إنها موضوع حبه، عزيزة عليه جدًا.

الجسد هو أداة يحركها الروح والعقل، فما تريده الروح يشترك فيه الجسد، سواء كانت الإرادة مقدسة أو شريرة.

"الآن نعيش إن ثبتم أنتم أيها الاخوة في الرب" (1 تس 8:3). لست أريد أن تثبتوا فينا بل في الرب.

+ لا يقل أحد في قلبه: "اللَّه لا يبالي بخطايا الجسد". يقول الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل اللَّه وروح اللَّه يسكن فيكم؟ إن كان أحد يفسد هيكل اللَّه فسيفسده اللَّه، لأن هيكل اللَّه مقدس، الذي أنتم هو" [16-17]؛ "لا يخدعن أحد نفسه" [18].

ربما يقول إنسان: "نفسي هي هيكل اللَّه وليست جسدي"، مضيفًا الشهادة التالية: "لأن كل جسد كعشبٍ وكل مجد إنسان كزهر عشب" (1 بط 1:24). يا له من تفسير مر! يُدعي الجسد عشبًا لأنه يموت. لكن لتدرك أن الذي يموت إلي حين لا يقوم أيضا بالخطية. أتريدون حكمًا واضحًا في هذه النقطة أيضًا؟ يقول الرسول نفسه: "أما تعلمون أن جسدكم هو هيكل الروح القدس الذي فيكم الذي لكم من اللَّه؟" (1 كو 6:19). لا تعودوا تتجاهلوا بعد خطايا الجسد، متطلعين إلى أجسادكم أنها من اللَّه. إن كنتم تتجاهلون خطية الجسد أما تتجاهلون خطية ترتكبونها ضد الهيكل؟ جسدكم ذاته هو هيكل روح اللَّه الذي فيكم. احذروا مما تفعلوه بهيكل اللَّه.

إن كنتم تختارون ارتكاب الزنا في الكنيسة داخل هذه الحوائط، فأي شر أعظم من هذا؟ الآن أنتم أنفسكم هيكل اللَّه. في خروجكم وفي دخولكم، إن سكنتم في بيوتكم، إن استيقظتم، في كل هذا أنتم هيكل. إذن احذروا الهيكل لئلا يترككم فتتحطمون.

إذ يتحدث الرسول عن الزنا وعدم الاستهانة بخطية الجسد يقول: "أما تعلمون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من اللَّه، وأنتم لستم لأنفسكم". إنكم اشتريتم بثمنٍ عظيمٍ. إن كنتم تستخفون بأجسادكم راعوا ثمنكم.

القديس أغسطينوس

 

"إن كان أحد يفسد هيكل اللَّه فسيفسده اللَّه،

لأن هيكل اللَّه مقدس، الذي أنتم هو" [17].

يليق بنا أن نحرص على قدسية هيكل الرب خلال قبولنا تقديس الروح القدس الذي يتحقق بالإيمان الصادق والتعاليم السليمة وخبرة الحياة الجديدة, وكأن الانحراف في الإيمان وفساد السلوك يفسدان الهيكل.

لم يقل "أنكم هياكل اللَّه" بل "هيكل اللَّه" يمثل وحدة واحدة تضم حجارة حية كثيرة ومتنوعة (1 بط 2: 5).

بالتأكيد في العالم الإلهي يوجد موضع خاص باللَّه يسر أن يسكن فيه هو الكنيسة أيقونة السماء، هذه التي تشهد لعمله الخلاصي وحبه الفائق.

+ الإنسان البار يمكن أن يُدعي سماء، فقد قيل عنه: "لأن هيكل اللَّه مقدس، الذي أنتم هو" [17]. لذلك إن كان اللَّه يسكن في هيكله، وأن القديسين هم هيكله، فإن التعبير "الذي في السموات" يعني بحقٍ "الذي في القديسين".

 

القديس أغسطينوس

 

6. عدم الافتخار بالحكمة

"لا يخدعن أحد نفسه،

إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر

فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا" [18].

"فليصر جاهلاً لكي يصير حكيمًا"، أي لا يمجد حكمته البشرية المتعجرفة، بل ينحني بتواضعٍ أمام اللَّه فيهبه روح الحكمة السماوية. لا يسلك الإنسان بحكمته الذاتية التي تضاد حكمة الإنجيل، بل يسلك بروح الإنجيل، فيطلب خلاص العالم كله بفكر سليم.

يرى العلامة أوريجينوس والقديس كبريانوس أن المعنى هنا هو أنه إن وجد أحد بينكم يظن في نفسه أنه حكيم فلا يتردد في أن يصير جاهلاً في نظر هذا العالم لكي يصير بالحق حكيمًا, ويرى آخرون أن المعني هو أنه إن كان أحد يشتهر بالحكمة في جيله ويفتخر بهذا حاسبًا نفسه فيلسوفًا وعالمًا ومتعلمًا فليتمسك بالإنجيل حيث يتهمه الآخرون بالجهل, يرى أن كل حكمة زمنية لا قيمة لها إن قورنت بفلسفة خلاصه. يحذر الرسول بولس من خداع النفس، فقد يظن الإنسان أنه أكثر حكمة من الآخرين، مثل ديوفريتس.

إذ يصير المؤمن الحقيقي والحكيم في عيني اللَّه جاهلاً في نظر العالم يجد مسرته في أنه شريك مع المسيح المطرود خارج المحلة حاملاً العار، عار الصليب، من أجل حبه حتى لطارديه. ينبذه أصدقاؤه السابقين ليدخل في جماعة المساكين بالروح والمطرودين والمرذولين. هذا هو طريق المسيح الضيق الذي يعبر المؤمنون به إلى السماء عينها.

 

"لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند اللَّه،

لأنه مكتوب: الآخذ الحكماء بمكرهم" [19].

ما هي حكمة العالم إلا انشغال البعض بالفلسفات الباطلة على حساب إيمانهم الحق أو استعبادهم للحرف اليهودي على حساب حريتهم الداخلية, تقدم الفلسفة كبرياء وتشامخًا ويقدم الحرف اليهودي تدميرًا للنفس.

"الآخذ الحكماء بمكرهم" مقتبسة من أيوب (5: 13). يظن الحكماء انهم بحكمتهم الذاتية ينجحون، لكن إذ يتركهم الرب يشربون من الكأس الذي يملأونه يدمرون أنفسهم. لقد ظن الحكماء الوثنيون أنهم يحطمون الإيمان فإذا بهم يحطمون أنفسهم ويتزكى المؤمنون وينتصرون.

بقوله هذا لا يعني التسخيف بالدراسات الفلسفية والعلمية في كل مجالاتها المختلفة، فقد وهبنا اللَّه العقل والرغبة في التعرف علي الحقائق. الدراسات العلمية تشهد بعمل اللَّه الفائق وتمجده (مز 92 : 4، 11: 2). هنا يحدثنا الرسول عن حكمة الفلاسفة القدامى التي تمس علاقتنا باللَّه، والتي تقاوم إعلانات اللَّه لنا.

كل علم ومعرفة وحكمة صادقة هي بركة إن تناغمت مع أغنية خلاصنا، لا بمعني أن تصير الكنيسة هي الحكم في الأمور العلمية، وإنما أن تسحب قلوب العلماء إلي روح التواضع الحقيقي والإيمان الحي والتمتع ببركات الخلاص.

+ حكمة هذا العالم التي تنقصها نعمة اللَّه بشرية تمامًا في سماتها.

ثيؤدورت أسقف قورش

"وأيضًا الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة" [20].

اقتبس الرسول هذه العبارة من مز 94 :11. يعلم اللَّه أن أفكار الحكماء في أعين أنفسهم فارغة لا تقدر أن تشبع أعماقهم، وباطلة تقودهم إلي الدمار.

 

7. كل شيء لكم

"إذا لا يفتخرن أحد بالناس،

فإن كل شيء لكم" [21].

مسكين من يطلب مجده من الناس، فإن اللَّه وحده هو واهب المجد, من يتحد باللَّه ليس فقط يتمتع بالمجد بل يدرك أن كل شيء هو له، لخلاصه وبنيانه وسعادته ومجده الأبدي.

كان من عادة اليهود واليونانيين أن يفتخروا بالتصاقهم بشخصية قيادية لها شهرتها الدينية أو الفلسفية, من هؤلاء القادة هليل وشمعي عند اليهود، وأفلاطون وفيثاغورس وزينون وأرسطو عند اليونانيين. يبدو أن هذا الاتجاه بدأ يتسلل إلي الكنيسة في كورنثوس لذا قاومهم الرسول بولس ووبخهم علي هذا الموقف الخاطئ.

يدعونا الرسول ألا نطلب المجد من إنسان، فإن الرسل القديسين أيضًا هم لنا، أرسلهم اللَّه محب البشر للعمل لحسابنا, إننا نحبهم لأنهم معلمون يقدمون لنا بركات الرب إن تمسكنا بدعوى اللَّه لنا خلالهم.

ليس فقط بولس وأبلوس وصفا وسائر الرسل لهم، يعملون جميعًا لأجل بنيانهم في الرب، إنما كل شئ هو لخيرهم. فالعالم بالنسبة لهم قنطرة من صنع اللَّه لكي نعبر خلالها إليه، والحياة هبة منه تدخل بنا إلى حياة أبدية أعظم، والموت عبور إلى الراحة الدائمة في السماء، والأشياء الحاضرة هي بركات تسندنا في غربتنا والمستقبلة هي مجد نترقبه بفرح... كل شيءٍ هنا في هذا العالم الحاضر وهناك في الدهر الآتي هو لنا.

شتان ما بين نظرة المؤمن الحقيقي الروحي ونظرة الإنسان الطبيعي. الإنسان الروحي يري في كل الأشياء عطية اللَّه له، ويشتم رائحة المسيح فيها، أما الإنسان الطبيعي فتتحول حياته إلى صراعات وانقسامات وحوارٍ مستمر، ناسبا نفسه لهذا أو ذاك.

الإنسان الروحي يرى في العالم بأفراحه وأحزانه مجالا للشكر للَّه وقبول كل ضيق كشركة آلام مع المصلوب، أما الطبيعي فيستعبده العالم ويأسر أحاسيسه ومشاعره وتحطمه التجارب والضيقات.

الإنسان الروحي يترقب لحظات الموت بفرحٍ مشتاقًا أن يرى رب المجد يسوع وجهًا لوجه وأن تصير له شركة أعمق مع السمائيين والقديسين. أما الطبيعي فيخشى الموت لأنه يحطم كل رجائه.

يتطلع الروحاني إلى الحياة الحاضرة كمجالٍ لتذوق عناية اللَّه الفائقة مع كل لحظة من لحظات عمره، ويتطلع إليها الطبيعي تارة كمجال للتمتع بالسطوة والكرامة والغنى ومرة أخرى كحياة مرة لا يعرف كيف يخلص منها، يشتهى الموت ولا يجده.

يتطلع الروحاني إلي الحياة المقبلة كحقيقة يختبر عربونها الآن ويتذوق عذوبتها، ويظن الطبيعي أن الحياة المقبلة هي خيال نادت بها الأديان لكي تحطم حرية الإنسان وتحرمه من ملذات العالم ومباهجه.

لا يليق بالمؤمن أن يجد فخره بأنه ينتسب إلى معلمٍ ما لأن هذا المعلم وكل المعلمين، بل وكل شيء إنما له.

مجد المؤمن وفرحه وسلامه كل هذا عطايا من اللَّه نفسه الذي يعمل خلال المعلمين.

 

"أبولس أم أبلوس أم صفا أم العالم أم الحياة أم الموت أم الأشياء الحاضرة أم المستقبلة،

كل شيء لكم" [22].

إن كان السيد المسيح قد قدم حياته مبذولة من أجل الإنسان لكي يتمتع المؤمن به ويقتنيه، فهو يدرك أن كل شيء هو له. وكما رأينا الرسل بكل مواهبهم المختلفة هم له. والعالم خُلق من أجله، لا لكي يُستعبد له، بل لكي يستخدمه لحسابه. الحياة هي له، كجسر للعبور إلي الأبدية. الموت هو له، يشتهيه المؤمن ليعبر إلى العالم الجديد ويتمتع بالمجد المعد له. بالحق يرى المؤمن حياته رحلة ممتعة في صحبة مسيحه الذي يتبادل معه الحب، فيرى كل شيء له. الزمن والأبدية، الحياة والموت، الرسل ومملكة المسيح، إنه لا يعوزنا شيء، إذ يهبنا ذاته.

 

"وأما أنتم فللمسيح،

والمسيح للَّه" [23].

السيد المسيح هو حجر الزاوية فيكم، جمعكم من العالم ليقيم منكم شعبًا له وابناء للَّه، هو لكم وأنتم له.

"والمسيح للَّه" إذ نصير جسد المسيح يقدمنا للَّه أبيه، الواحد معه في الجوهر، عطية حبه الباذل علي الصليب. وكأن الرسول يسألنا عوض انتسابنا إلي هذا الرسول أو ذاك بروح الانشقاق والتعصب، ندرك أن الكنيسة الجامعة من آدم إلي آخر الدهور تتحد معًا سواء من رجال العهد القديم أو العهد الجديد، سواء كانوا خدامًا أو مخدومين، ليقدمهم المسيح للَّه الآب. بينما يعتز المسيح يسوع ربنا بنا لدي الأب يرتبك البعض بالانشقاقات تحت أسماء رسل معينين. بمعنى آخر فإن بناء اللَّه هو وحدة واحدة لا تنقسم، الكل يعمل معًا على الأساس الواحد , كل حجرٍ حي في البناء يرى أن كل البناء له، وأنه سيقدم للَّه الآب بواسطة المسيح الواحد وحدة واحدة بلا تقسيم.

"وأما أنتم فللمسيح" المؤمن الحقيقي يدرك تمتعه بالمسيح وتسليم كل كيانه للسيد المسيح مخلصه. يقدم كل مواهبه وقدراته وممتلكاته وطاقاته الداخلية لحساب السيد المسيح. إنه يكرس كل القلب لذاك الذي مات لأجله.

إذ يصير المؤمن للمسيح، يحملهم فيه كأعضاء جسده الحاملين بره والمقدسين بروحه القدوس. لقد صالحهم مع الآب مقدمًا دمه ثمنًا لذلك. لهذا يتقدم بنا إلي حضنه فنرى المسيح للَّه، إذ صرنا نحن أعضاء جسده.

v إننا حقا للمسيح بكوننا عمله، و"المسيح للَّه" بكونه ابنه الأصيل وليس عملاً، بالمعني الذي فيه حتى العالم ليس عالمنا. فمع أن القول واحد لكن المعنى مختلف. لأن العالم هو لنا إذ خُلق لأجلنا، ولكن المسيح هو للَّه بكونه مصدره بكونه الآب. ونحن للمسيح إذ هو خلقنا. الآن يقول إن كانوا هم لكم لماذا تفعلون ما هو ضد ذلك، إذ تنسبون أنفسكم لأسمائهم وليس للمسيح وللَّه (الآب)؟

من وحي 1 كو 3

أنا فلاحة اللَّه! أنا هيكل الرب!

 + من أنا في عينيك يا إلهي؟

تريدني كائنًا ناضجًا، أسلك بالروح لا بالضعف الجسدي!

ليس للشهوات موضع فيَّ!

لا أعرف الحسد، ولا أقدر أن أمارس البغضة!

لا أعرف إلا الحب الصادق!

+ بالحب أصير فلاحة اللَّه المثمرة!

كثيرون غرسوا جنتي وكثيرون سقوني!

كيف أنسى تعب الأنبياء وجهاد الرسل وسهر الرعاة؟

لكن أنت وحدك تهبني النمو!

أنا مدين لك بكل ما في داخلي!

لتأتِ يا حبيبي إلى جنتك، فهي من عمل يديك!

لتقطف من ثمر روحك القدوس،

من أشجار الحب والفرح والصلاح

وطول الأناة واللطف والصلاح

والإيمان والوداعة والتعفف.

لتقدم لأبيك برّك الذي وهبتني إياه!

+ من أنا في عينيك حتى تهبني برك وتقدم لي ذاتك؟

قدمت الأنبياء لي، والرسل لي، والحياة لي، وكل شيء لي!

حتى أنت يا خالق الكل لي!

فلماذا أنسب نفسي لهذا أو ذاك؟

ولماذا أفرح أن يرتبط أحد بي؟

+ بالحب أقمت مني هيكلاً مقدسًا لروحك القدوس!

أنت الأساس الذي عليه يقوم كل البناء!

روحك الإلهي يقيم حجارة ذهبية وفضية وحجارة كريمة!

+         +          + 

الكاثوليكون 1 بط 5 : 5 – 14

الأصحاح الخامس

العلاقات الرعوية 

 

5كذلك ايها الاحداث اخضعوا للشيوخ و كونوا جميعا خاضعين بعضكم لبعض و تسربلوا بالتواضع لان الله يقاوم المستكبرين و اما المتواضعون فيعطيهم نعمة
6 فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه
7 ملقين كل همكم عليه لانه هو يعتني بكم
8 اصحوا و اسهروا لان ابليس خصمكم كاسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه هو
9 فقاوموه راسخين في الايمان عالمين ان نفس هذه الالام تجرى على اخوتكم الذين في العالم
10 و اله كل نعمة الذي دعانا الى مجده الابدي في المسيح يسوع بعدما تالمتم يسيرا هو يكملكم و يثبتكم و يقويكم و يمكنكم
11 له المجد و السلطان الى ابد الابدين امين
12 بيد سلوانس الاخ الامين كما اظن كتبت اليكم بكلمات قليلة واعظا و شاهدا ان هذه هي نعمة الله الحقيقية التي فيها تقومون
13 تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم و مرقس ابني
14 سلموا بعضكم على بعض بقبلة المحبة سلام لكم جميعكم الذين في المسيح يسوع امين

 

١. نصائح للرعاة

"أطلب إلى الشيوخ الذين بينكم أنا الشيخ رفيقهم،

والشاهد لآلام المسيح،

وشريك المجد العتيد أن يعلن" [1].

ونلاحظ أن كلمة "الشيوخ" ترجمت في أع ٢٠: ١٧ بالقسوس، وقد دعاهم في أع ٢٠: ٢٨ بالأساقفة. ومن هذا يظهر أن كلمة "الشيوخ" يقصد بها جماعة الأساقفة والقسوس ويقول القديس ايرونيموس إن الكنيسة الأولى كانت كثيرًا ما تطلق لفظًا مشتركًا يقصد به الأساقفة والقسوس، أما الشمامسة فتتحدث عنهم على انفراد.

يقول الرسول "أنا الشيخ رفيقهم" دون أن يميز نفسه أنه رئيس عليهم كما يدعي البعض، بل كواحد منهم وزميلٍ لهم. هذا ما وضعه الرب كدستورٍ لتلاميذه، إنه ليس بينهم رئيس، بل من أراد أن يكون أولاً فليكن آخر الكل.

يقول: "الشاهد لآلام المسيح، وشريك المجد العتيد أن يعلن"، وهو يكتب بحكمة عجيبة، فإذ يدور حديثه في الرسالة حول "الآلام في حياة المؤمن" وقد ربطها بآلام السيد المسيح، لهذا يؤكد أنه مُعاين لآلام الرب بنفسه فهو لا يتحدث حديثًا نظريًا بل شاهد عيان.

يربط الرسول الآلام بالأمجاد ويُظْهِر لهم أنه شريك معهم في هذا الرجاء نحو الميراث الأبدي.

نصائح للرعاة:

قدم الرسول للرعاة هذه النصائح:

أولاً: "ارعوا رعية الله التي بينكم"

الخدمة هي رعاية، فيها يقدم الخادم للمخدومين كل ما يحتاجون إليه، ليس من ذاته، بل من راعي الرعاة، الرب يسوع الذي نادى قائلاً: "أنا هو الراعي الصالح". إنها رعية ثمينة لأنها "رعية الله". من يهتم بها يكون قد قدم الخدمة لصاحب الرعية نفسه، ومن يهلكها يكون قد أهانه.

يقول الأب افراهات:

[أيها الرعاة تمثلوا بالرعاة القدامى الصالحين. فإن يعقوب كان راعي غنم لابان، يهتم بها ويجاهد لأجلها ويسهر عليها وعندئذ نال المكافأة. لقد قال يعقوب للابان: "الآن عشرين سنة أنا معك. نعاجك وعنازك لم تسقط، وكباش غنمك لم آكل. فريسة لم أحضر إليك. أنا كنت أخسرها... كنت في النهار يأكلني الحر، وفي الليل الجليد ،وطار نومي من عيني" (تك ٣١: ٣٨-٤٠)...

وكما كان يعقوب راعيًا هكذا كان يوسف وإخوته أيضًا رعاة، وموسى وداود وعاموس، الكل كانوا رعاة... هؤلاء كانوا يرعون حسنًا.

والآن يا أحبائي لماذا يرعون الغنم وعندئذ يُختارون لرعاية البشر؟ بالتأكيد لكي يتعلموا كيف يهتم الراعي بقطيعه، ويسير ويجاهد فيما يعود لصالحه، وإذ اكتسبوا صفات الرعاة، أُختيروا لوظيفة البشر.]

ثانيًا: "نظارًا"

أي يكونوا رقباء ذوي عينين مفتوحتين حذرين وحكماء في توجيه رعية الله. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يلزمه أن يكون متيقظًا جدًا، حارًا في الروح، كما لو كان يستنشق نارًا.]

ويعلل القديس غريغوريوس النزينزي أهمية الحكمة في الرعاة من خطورتها:

1. لأنها رعاية نفوس ثمينة هكذا إذ مات المسيح عنها!

2. اختلاف طباع كل إنسان عن الآخر، واختلاف الظروف...

3. اختلاف الأعمار والأجناس...

ثالثًا: "لا عن اضطرار بل بالاختيار"

لا ينظر إلى الخدمة كحملٍ ثقيلٍ ملزم به، بل يرعى بفرح وسرور، لأنه خادم في كرم أبيه السماوي.

رابعًا: "ولا لربح قبيح بنشاط" [2].

لا يخدم الراعي بقصد تحقيق أهدافٍ زمنيةٍ بل بذهن متيقظ نحو الرعية يهتم بخلاصهم وحياتهم مع الرب.

يقول القديس أغسطينوس: [الذين يرعون رعية المسيح على أنها تصير خرافًا لهم، وليس للمسيح يُظْهِرون أنهم محبون لأنفسهم لا للمسيح.]

خامسًا: "ولا كمن يسود على الأنصبة"

لا يتطلع الراعي إلى الرعية كنصيب له، يستغلها فيستولى عليها ويسيطر، بل يحبها ويخدمها.

سادسًا: "بل صائرين أمثلة للرعية" [3].

الراعي مثالٌ أمام رعيته، سلوكه وحياته وكل تصرفاته وعظ عملي وحديث مؤثر في حياة رعيته أكثر مما للسانه أو كلماته. لهذا يقول أحد الآباء: [إذا شرد الراعي لم يلبث أن يضل قطيعه مثله فيسقط متدهورًا.]

سابعًا: "ينتظر الإكليل السماوي"

الراعي هو الذي ترتفع أنظاره على الدوام منتظرًا مجيء راعي الرعاة ربنا يسوع لكي يهبه الميراث السماوي.

"ومتي يظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يبلى" [4].

كرئيس للرعاة صاحب مجد متى ظهر يقدم للرعاة الذين تحت يده وقد تمثلوا به ورعوا رعيته أن يشتركوا معه في المجد الأبدي.

2.‏ نصائح للرعية

"كذلك أيها الأحداث اخضعوا للشيوخ،

وكونوا جميعًا خاضعين بعضكم لبعض، وتسربلوا بالتواضع،

لأن الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة.

فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه.

ملقين كل همكم عليه، لأنه هو يعتني بكم" [5-7].

يركز الرسول أنظار الرعية تجاه "التواضع في ربنا يسوع" فيطالبنا:

1. الخضوع للرعاة:

التواضع هو الثوب الذي به تحتشم النفس البشريّة خلاله، فلا يظهر خزيها وعارها، لهذا يقول الرسول "تسربلوا بالتواضع". ويظهر التواضع خلال الطاعة والخضوع بعضنا لبعض. فكم بالأكثر يليق بنا أن نخضع لمن اختارهم الرب لرعايتنا روحيًا (عب ١٣: ١٧)!

يقول مار فيلوكسينوس: [إني أقول لكم يا إخوتي..... ليحذر كل واحد من أن يعدل عن مشورة مرشده يمينًا أو شمالاً لئلا تَفْتَح أرض قلة الطاعة فاهها وتبتلعه، مثل أولئك الأوقاح الذين لم يطيعوا الطوباوي موسى، ففتحت الأرض فاهها وابتلعتهم.]

ويقول يوحنا الدرجي: [يا لسعادة من يُميت إرادته، ويترك تدابير نفسه لذاك الذي أعطاه الله إياه أبًا ومعلمًا، فسيكون موضعه عن يمين يسوع المسيح المصلوب.]

2. خضوع في الرب:

الخضوع هنا ليس شخصيًا، بل في الرب ومن أجله، لهذا يقول الرسول "فتواضعوا تحت يد الله القوية". الذي يهب العون لا للمعلمين في ذواتهم وفي شخصياتهم أو برِّهم أو تعاليمهم الخاصة، بل نعمة ربنا هي التي تسند.

هذه النعمة يشبهها القديس أغسطينوس بسيدة لها أغنية سرية تسبح بها قائلة: "لأن الله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة".

أما مركز الراعي، فيشبهه القديس أغسطينوس بالحاجب الذي لا ينطق بشيء من ذاته، بل بما يحكم به القاضي، حتى وإن كان على خلاف ما يريد أو يشتهي. فنحن نخضع لهم بما ينطق به الرب على ألسنتهم غير مسئولين عما يرتكبونه من أخطاء، إذ هم يدانون عنها.

3. التطلع إلى رعاية الله:

لا يلهينا اهتمام رعاتنا أو حبهم لنا، بل نرى خلاله حب الله وعنايته الساهرة: "ملقين كل همكم عليه لأنه هو يعتني بكم".

فإن كنا نلقب الكاهن: "أبانا" إنما نلقبه في الله الأب الواحد، وإذ ندعوه راعيًا إنما في شخص الراعي الأعظم، إذ هو وحده الذي له الخراف وهو العريس الوحيد الذي له العروس (يو ٣: ٢٩، ١٠: ١١).

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن الرعية هي فلاحة الله (١ كو ٣: ٩)، فلا تُنْسَب لمن يزرع فيه بل لمالكه، وهي بناء الله لا تُنْسَب لمن يعمل فيه بل لصاحبه. فالرعية الناصحة هي الذي لا تتعلق بالرعاة تعلقًا شخصيًا بل في الرب كراعٍ صالح معتنٍ بكل أمورها.

3.‏ نصائح ختامية

يختتم الرسول رسالته بالحديث عن الشيطان عدو الخير بكونه العدو اللدود الذي يريد إهلاكنا. وبهذا لا يكره الإنسان أخاه الذي يضايقه بل الشيطان.

"اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو.

فقاموه راسخين في الإيمان،

عالمين أن نفس هذه الآلام تجري على إخوتكم الذين في العالم.

وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع

بعدما تألمتم يسيرًا،

هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم.

له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" [8-11].

1. المعركة والآلام ليس سببها البشر، بل في حقيقتها هي معركة بين الله والشيطان. فإبليس هو الخصم وإله كل نعمة هو الذي يكمل ويثبت ويقوي ويُمَكِّن الإنسان على حياة النصرة.

يقول القديس أغسطينوس إنه يلزمنا ألاّ نكره الناس بل افتراءاتهم وعداوتهم. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم البطريرك المتألم: [حتى متى يضاد أحدنا الآخر؟ إلى متى يحارب بعضنا البعض، فنفرح بذلك إبليس عدونا؟]

2. إبليس خصم عنيف، كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه... هو خصمنا بسبب عداوته لله ونحن صورة الله. وهو عدونا بسبب كبريائه. وهو مضايق لنا بسبب حسده لنا لأننا نحتل مركزه الذي سقط منه. ومع هذا كله فليس له سلطان علينا ما لم نستسلم نحن له بإرادتنا. هو يخدع، لكنه لا يُلْزِم. هو يجول، لكنه يعجز عن أن يقترب إلينا ما لم نسمح له وعندئذ يصير له حق الاستقرار فينا.

كتب القديس الأنبا شنودة رئيس المتوحدين مقالاً كشف فيه عجز الشيطان بالنسبة لأولاد الله. وكتب القديس يوحنا الذهبي الفم ثلاث مقالات عن "رد على القائلين بأن للشيطان سلطان علينا" جاء فيها:

أ. لم تستطع الشياطين أن تدخل حتى في الخنازير إلاَّ بإذن منه (مت ٨: ٢٨-٣٨).

ب. لم تستطع الشياطين أن تحارب أيوب بغير إذن منه.

ج. تهاوننا هو الذي يجعل الشيطان مضللًا، ويقظتنا تجعلنا منتصرين فنكلل، أما هو فيخزى.

د. لا نلقي كل اللوم على الشيطان بل على أنفسنا. فإن كنا نتعثر بسبب الشيطان، فإن هناك من يتعثر من الخليقة الجميلة (رو ١: ٢١-٢٥)، ومن يتعثر من أعضاء جسده المخلوقة لمجد الله، ومن يتعثر من الصليب الذي هو قوة الله للخلاص (١ كو ١: ٢٨، ٣٢)، ومن يتعثر من المسيح نفسه واهب النصرة والحياة (يو ٩: ٣٩)، ومن يتعثر من الرسل الكارزين بالحق (٢ كو ٢: ١٦).

3. يطالبنا الرسول أن نقاوم بالإيمان: لنؤمن أن إله كل نعمة الذي دعانا لمجده الأبدي، لا يمكن أن يقدم الدعوة بغير إمكانيّة البلوغ إليها. إنما ترافقها إمكانيّة إلهيّة عملية لاحتمال الألم ومقاومة إبليس حتى تتحقق لنا مواعيده ودعوته.

يقول القديس كيرلس الأورشليمي:

[هل يوجد شيء أكثر رعبًا من الشيطان؟ ومع ذلك لا نجد درعًا ضده سوى الإيمان، إذ هو ترس غير منظور ضد عدو غير منظور، يصوب أسهمًا مختلفة في وسط الليل نحو الذين بلا حذر.

لكن إذ هو عدو غير منظور فلنا الإيمان عدة قوية كقول الرسول "حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة" (أف ١٦: ٦).

فإذ يُلقي الشيطان شرارة ملتهبة من الشهوة المنحطة، يُظهِر الإيمان صورة الدينونة فيطفيء الذهن الشرارة.]

ختام

"بيد سلوانس الأخ الأمين كما أظن

كتبت إليكم بكلمات قليلة واعظًا وشاهدًا

أن هذه هي نعمة الله الحقيقية التي فيها تقومون" [12].

يرجح أن اسم سلوانس هذا اختصاره "سيلا" المذكور في سفر الأعمال (١٥: ٢٢-٣٢، ٤٠)، وأنه هو سلوانس المذكور في ١ تس ١: ١؛ ٢ تس ١: ١؛ ٢ كو ١: ١٩.

كلمة "أظن" في الأصل اليوناني لا تحمل الشك بل اليقين.

نُعِتَ سلوانس بالأخ الأمين، ربما لأن سلوانس كان خادمًا للأمم، الأمر الذي كان يثير من هم كانوا قبلاً من أهل الختان.

إن هذه الرسالة المختصرة هي لأجل وعظهم لا ليدرسوها ويتفهموها نظريًا، بل "فيها يقومون"، أي يعيشون ويحيون بواسطة نعمة الله الحقيقيّة.

"تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقس ابني" [13].

+ رأينا في المقدمة أن بابل على الأرجح هي بابليون أي مصر القديمة.

هناك رأي ليس له أساس يقول بأن بابل هي زوجة القديس بطرس الرسول، وهي زوجة فاضلة مختارة من قبل الرب، كانت تعين الرسول وتجول معه ومعروفة لدى المؤمنين، وقد قيل أنها استشهدت قبله.

+ يفسر إخوتنا الكاثوليك عبارة "مرقس ابني" بأن القديس مار مرقس عرف المسيحية على يدي القديس بطرس بعد قيامة الرب، وادَّعوا أنه لم يسمع السيد المسيح ولا تبعه. غير أنه ثابت تاريخيًا أن بيت مار مرقس هو الذي أُعِدَّ فيه الفصح (مر ١٤: ١٣-١٤) وهو أول الكنيسة في العالم. وهو الشاب الذي كان تابعًا الرب حتى لحظات القبض عليه عندما ترك إزاره وهرب (مر ١٤ : ٥١-٥٢).

وتقول دائرة المعارف الفرنسية وناشروها كاثوليك "إن دعوى تَتَلْمُذ مرقس لبطرس لم تكن سوى خرافة بنيت على سقطات بعض الكتاب".

وفي الثيؤطوكيات للأقباط الكاثوليك يقال: [أيها الرسول الإنجيلي (مرقس) المتكلم بالإلهيات، والإنجيلي والرسول... نلت إكليل الرسولية... رفقاؤك الرسل يفتخرون بك ونحن نفتخر بك وبهم.]

ولهذا فإن دعوته "ابني" هي فيض حب مع القرابة وكبر سن القديس بطرس، إذ كانت زوجة بطرس الرسول بنت عم والد مرقس الرسول، وكان القديس بطرس يتردد كثيرًا على بيت مار مرقس.

"سلموا بعضكم على بعض بقبلة المحبة.

سلام لكم جميعكم الذين في المسيح يسوع. آمين" [14].

كانت عادة الكنائس منذ العصر الرسولي أن يقبلوا بعضهم البعض، لهذا ينادي الشماس في القداس الإلهي قائلاً: "قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة مقدسة..." ويتبين لنا ذلك مما يأتي:

1. أقوال القديسيْن بولس وبطرس في ختام رسائلهما (رو ١٦: ١٦، ١ كو ١٦: ٢٠، ٢ كو ١٣: 12).

2. في أوامر الرسل: "ولا يدع أحد بينه وبين أخيه حقدًا ولا رياء، ثم بعد ذلك فليقبل كل أحد من الرجال الآخَرَ بقبلة طاهرة".

3. أكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن القبلة مستعملة في الكنيسة منذ العصر الرسولي.

4. يقول القديس ديونيسيوس: [وفي حين اقتراب رفع الغطاء وعن خبز البركة لتُعط القبلة الإلهية.]

5. يقول العلامة ترتليان: [توجد عادة صارت الآن متأصِّلة، وهي إننا ونحن في الصوم نستخدم قبلة السلام. وهي ختم الصلاة، وذلك بعدما نتمم الصلاة مع الإخوة... فتصعد صلواتنا بأكثر قبول... إذ كيف تكون الصلاة كاملة إن خلعت عنها "القبلة المقدسة"؟]

أخيرًا يهدي الرسول السلام، سلام ربنا يسوع المسيح الداخلي.

+          +           +   

الأبركسيس أعمال 18 : 24 – 19 : 6

أولا : أعمال 18 : 24 - 28

24 ثم اقبل الى افسس يهودي اسمه ابلوس اسكندري الجنس رجل فصيح مقتدر في الكتب
25 كان هذا خبيرا في طريق الرب و كان و هو حار بالروح يتكلم و يعلم بتدقيق ما يختص بالرب عارفا معمودية يوحنا فقط
26 و ابتدا هذا يجاهر في المجمع فلما سمعه اكيلا و بريسكلا اخذاه اليهما و شرحا له طريق الرب باكثر تدقيق
27 و اذ كان يريد ان يجتاز الى اخائية كتب الاخوة الى التلاميذ يحضونهم ان يقبلوه فلما جاء ساعد كثيرا بالنعمة الذين كانوا قد امنوا
28 لانه كان باشتداد يفحم اليهود جهرا مبينا بالكتب ان يسوع هو المسيح
 

"ثم أقبل إلى أفسس يهودي اسمه أبلوس إسكندري الجنس،

رجل فصيح،

مقتدر في الكتب". [24]

ترك القديس لوقا حديثه عن أسفار القديس بولس ليتحدث عن القديس أبُلوس حيث التقى معه في أفسس. قدم لنا صورة مختصرة عنه حتى يمكننا تفهم عبارات في رسائل القديس بولس، خاصة رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس.

من هو أبُلوس؟

1. يهودي مولود في الإسكندرية من والدين يهوديين، وقد كانت الإسكندرية بها جماعة ضخمة من اليهود يحتلون اثنين من أحيائها الخمسة.

2. اسمه أبُلوس، وهو اسم إله وثني، ويرى البعض انه ذات الاسم أبيليس Apelles (رو 16: 10).

3. كانت شخصيته قوية، قائد حي ومقتدر في أسفار العهد القديم، وفي الثقافة اليهودية.

4. كان بليغًا، على مستوى عالٍ من العلم، له شهرته في حديثه الجذاب في أي موضوع.

5. جاء إلى أفسس، وكان يفسر الكتب المقدسة، حيث كان يضرم موهبته، وكان قادرًا على الحوار في المجامع اليهودية.

6. كانت معرفته قاصرة على معمودية يوحنا المعمدان، الذي كان يهيئ الطريق للرب بكونه الصوت الصارخ في البرية، لكن يبدو أنه لم يكن بعد قد سمع عن صلب المسيح وقيامته وصعوده إلي السماء، ولا عن حلول الروح القدس على الكنيسة. هو نفسه نال معمودية يوحنا، ولم يتمتع بالمعمودية باسم الرب يسوع، ولا نال الروح القدس.

7. كما رأينا أضرم موهبته، وكان يعلم بما يخص الرب من العهد القديم، لكن معرفته قاصرة بخصوص عمل السيد المسيح الخلاصي والتمتع بالمعمودية باسم الرب.

8. كان كارزًا ناجحًا، يعلم بتدقيق وبمثابرة، متحدث عن مجيء المسيا. يتحدث بمجاهرة بكل شجاعة.

"كان هذا خبيرًا في طريق الرب،

وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب،

عارفًا معمودية يوحنا فقط". [25]

سمعاه أكيلا وبريسكلا يتحدث في المجمع وأدركا قصر معلوماته بخصوص ربنا يسوع، فشجعاه وأوضحا له ما لم يكن قد بلغه. تعرف على شخص الرب وأعماله وتعاليمه. هذا ما عبر عنه القديس لوقا هنا بقوله "طريق الرب".

شرحا له أن من يتحدث عنه "المسيا" قد جاء، وأنه تمم رسالته.

"وابتدأ هذا يجاهر في المجمع،

فلما سمعه أكيلا وبريسكلاّ اخذاه إليهما،

وشرحا له طريق الرب بأكثر تدقيق". [26]

"وإذ كان يريد أن يجتاز إلى آخائية،

كتب الإخوة إلى التلاميذ يحضّونهم أن يقبلوه،

فلما جاء ساعد كثيرًا بالنعمة الذين كانوا قد آمنوا". [27]

قبل هذا العظيم المقتدر في المعرفة والبليغ أن ينصت إلى أكيلا وبريسكلا، والتهب قلبه حبًا للكرازة بالرب يسوع، لهذا إذ أراد أن يجتاز إلي أخائية كتب للإخوة الذين في أفسس أن يقبلوه، فعمل بكل قوة بالنعمة الإلهية لحساب ملكوت الله.

"لأنه كان باشتداد يفحم اليهود جهرًا،

مبينًا بالكتب أن يسوع هو المسيح". [28]

معرفة أبُلوس للكتاب المقدس سندته ليكرز بيسوع أنه المسيا المنتظر، فصار له دوره الفعّال في حياة الكنيسة.

من وحي أع 18

هزيمة الشيطان في كورنثوس

+ دخل رسولك إلى كورنثوس بلد الفساد،

دخل كما إلى الشيطان في عرينه.

جذبت عبادة الإلهة أفروديت بكل رجاستها كثيرون من العالم.

لكن هل يقدر إبليس أن يقف أمامك؟

+ دخل رسولك إلى المدينة كمحتاجٍ،

يعمل بيديه لكي يأكل،

وأنت تقوت الخليقة كلها بنعمتك.

لبس ثوب الاحتياج.

فاقتدى بك يا من افتقرت لكي بفقرك تغني الكثيرين.

لم تستكنف أن تعمل،

لكي لا نتوقف نحن عن العمل الذي تقدس.

+ في دهشةٍ أقف أمام رسولك العجيب!

يمد يديه ليعمل مع أكيلا وبريسكلا ليلاً،

فلا يقبل معونة من أحد!

جاهد في المعركة الروحية كجندي صالح،

وغرس في كرمك بكل اجتهاد،

ورعى القطيع الذي لك بكل قلبه،

لكنه يرفض حتى الضروريات لكي لا يعثر أحدًا!

من أجلك تنازل عن حقه الطبيعي،

بل وحقه حسب الإنجيل!

فخلاص كل نفس في عينيه،

لا يعادله شيء حتى حياته!

+ عمل يديه المادي لم يحصر فكره ولا قلبه في الماديات.

لكن بروحك القدوس صار محصورًا،

يعمل بالروح ليحمل الكل إليك‍‍‍‍‍.

+ هب لي أن أخدمك بكل كياني!

لتكن كل نسمة من نسمات عمري لحسابك!

قلبي وفكري ومواهبي وكل طاقاتي، فلتكرسها لحساب إنجيلك.

+ كان يعمل الرسول بيديه في أيام الأسبوع،

ويكرس السبت والأحد للعبادة والكرازة.

لكن قلبه ولسانه لم يتوقفا عن الشهادة لك مع كل من يلتقي بهم.

+ كان منحصرًا بالروح حتى في لحظات عمل يديه.

أحاطت به التجارب، لكنه لم يفقد تعزياتك قط.

+ طُرد من المجمع وصار اليهود يقاومونه

وأما أنت فأعلنت معيتك له.

الوالي الأممي ترفق به،

والشعب الذي ينسب نفسه إليك أراد الخلاص منه ومنك

تكملة الأبركسيس : أعمال 19 : 1 – 6

1 فحدث فيما كان ابلوس في كورنثوس ان بولس بعدما اجتاز في النواحي العالية جاء الى افسس فاذ وجد تلاميذ
2 قال لهم هل قبلتم الروح القدس لما امنتم قالوا له و لا سمعنا انه يوجد الروح القدس
3 فقال لهم فبماذا اعتمدتم فقالوا بمعمودية يوحنا
4 فقال بولس ان يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلا للشعب ان يؤمنوا بالذي ياتي بعده اي بالمسيح يسوع
5 فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع
6 و لما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم فطفقوا يتكلمون بلغات و يتنباون 

اضطراب خطير في أفسس

في الأصحاح السابق رأينا القديس بولس يبدأ رحلته التبشيرية الثالثة. وقد سجلها الإنجيلي لوقا باختصارٍ شديدٍ، غير أنه يسجل لنا في هذا الأصحاح عمل الله مع الرسول بولس، كان يصنع على يديه قوات غير المعتادة [11]. وكأنه كان يسنده ويشجعه لاحتمال ما يحل به بسبب ثورة الأفسسين عليه هو ومن معه. لم يحتمل عدو الخير أن يرى أبناءه الذين أغتصبهم لنفسه يلقون كتب السحر في النار، لكي يرجعوا بالتوبة إلى الآب السماوي. أنها معركة خطيرة بين السيد المسيح وقوات الظلمة.

1. بولس في أفسس

"فحدث فيما كان أبلوس في كورنثوس،

أن بولس بعدما اجتاز في النواحي العالية،

جاء إلى أفسس، فإذ وجد تلاميذ". [1]

أفسس: كانت عاصمة آسيا الصغرى بناها أندروكليس الأثيني، كانت في مظهرها مدينة يونانية، لكن طبيعة أهلها وعبادتهم شرقية إلى حد ما. كانت ملتقى الشعوب والحضارات. وهي مدينة ذات طبيعة غنية في أرضها وأنهارها ومينائها، امتازت بالخصوبة والتجارة وملتقى طرق جميع أنحاء العالم.

كانت أفسس مكتظة بالأبنية الفخمة، تفاخر بها أثينا. أعظم الأبنية هيكل أرطاميسArtemis ، والمعروف بدياناDiana . وهو أحد عجائب الدنيا السبع، ولكن ما أن أُكمل بناؤه حتى قام المتعصبون بحرقه، وذلك يوم ولد الاسكندر الأكبر. لكن أُعيد بناؤه بأفخر مما كان عليه. وعند زيارة الاسكندر الأكبر له طلب أن يُنقش اسمه عليه، فرفض الأفسسيون في تشامخ. وبقى هكذا حتى أيام القديس بوليكربس. لكن اقتحمه الغوطيون الذين نزحوا من وراء الدانوب، وهدموه حتى الأساس، وانمحت معالمه، فلا يُعرف موقعه تمامًا. استخدمت أعمدته المرصعة بالأحجار الكريمة في بناء كنيسة آجيا صوفيا بالقسطنطينية (حاليًا اسطنبول)، وبعض الكاتدرائيات في إيطاليا.

كان طول هذا الهيكل 425 قدمًا وعرضه 220 قدمًا، وارتفاع العامود 60 قدمًا، وعدد الأعمدة 127 عامودًا، كل عامود أهدي إليها من أحد الملوك. وكان تمثالها في داخل الهيكل بدائيًا يمثل آلهة الصيد، به بروزات عديدة بشكل الثدي، تعبيرًا عن الخصوبة. سماه القديس جيروم "عديد الأثداء multimammeam، كان المتعبدون له يعتقدون أنه هبط من السماء.

تبارى صناع الفضة في عمل تماثيل مصغرة وهياكل مصغرة من الفضة يشتريها العباد والسياح، وكان ذلك مصدر رزق ليس بقليل (أع 19: 24-25). وقد عُثر على نقود في ذلك الموضع نُقش عليها من جانب هيكل أرطاميس، ومن الجانب الآخر نيرون. فإن كان الرسول بولس قد قتل بكرازته أرطاميس فقد أقام عدو الخير نيرون ليقتل قاتل أرطاميس.

حين دخل بولس الرسول إلى أفسس كان أبلوس في كورنثوس (أع 19: 1)، هذا الذى كان قبلاً في أفسس قبل دخول بولس الرسول إليها (أع 18: 24-28)، وقد دخل القديس بولس أفسس حوالي عام 54 أو 55م ومكث هناك، إما ثلاث سنوات حسب القول: "ثلاث سنين ليلاً ونهارًا لم أفتر عن أن انذر بدموع كل واحد" (أع20: 31)، أو سنتين كما جاء في أع 19: 10.

كما قيض الله لبولس في كورنثوس يسطس المبارك ليفتح له بيته، هكذا دفع صاحب مدرسة، غالبًا لتعليم الأدب والفلسفة، ليقبل بولس ومن معه كأنه ملاك من الله، وهو رجل يوناني يدعى تيرانس، كان قد عمده الرسول (ع 19: 9).

أما عن ثمار الخدمة هناك فيقول القديس لوقا: "حتى سمع كلمة الرب يسوع جميع الساكنين في آسيا من يهود ويونانيين" (أع 19: 10).

جاء أبلوس يسقي ما قد غرسه بولس، وكان القديس بولس يفرح حين يأتي آخر ليسقى غرسه، واثقا أن الله هو الذي ينمي.

اجتاز الرسول بولس النواحي العالية، وهي المناطق العالية المستوي في آسيا الصغرى، مشيرًا هنا على وجه الخصوص إلى ولايتي فريجية وغلاطية (أع 18: 23)، تُدعى هكذا بينما أفسس كانت في مستوي أقل من البحر ودعيت المدينة المنخفضة. جاء متممًا وعده لهم (أع 18: 21).

2. عمادهم باسم الرب يسوع

"قال لهم: هل قبلتم الروح القدس لمّا آمنتم؟

قالوا له: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس". [2]

التقي هناك بتلاميذ لهم معرفة غير كاملة عن السيد المسيح، مثلهم مثل أبولس، فقد قبلوا تعليم القديس يوحنا المعمدان أن المسيا يظهر قريبًا، لكنهم لم يعرفوا أنه قد ظهر فعلاً، ولا سمعوا عن حلول الروح القدس. وكان عدد هؤلاء المؤمنين اثنى عشر [7]. هؤلاء لم يكونوا بعد قد تعرفوا على أكيلا وبريسكلا اللذين كان قد تركهما الرسول بولس في أفسس، والآن وجدهما هناك.

يرى البعض أن هؤلاء الاثنى عشر كانوا قد آمنوا بأن المسيا قد جاء لكنهم لم يتعرفوا على حلول الروح القدس ولا حتى سمعوا عنه. كانت قلوبهم مستعدة لقبول الروح القدس والتمتع بالميلاد الثاني وتجديد الطبيعة البشرية لكنهم لم يجدوا من يكرز لهم بذلك. كانوا في حاجة إلى قبول ختم الروح القدس الذي وهب للكنيسة كي ينير لهم الحق، ويثبتوا في تعليم المسيح، ويهبهم ثمر الروح الذي هو الشركة في الطبيعة الإلهية، فيتمتعوا بالحب والفرح والسلام والتعفف والصلاح. يسيروا بالروح وتحت قيادته.

يقول د. لاتيفوت أنه بحسب تقليد أمتهم يعتقدون أنه بعد موت عزرا وحجي وزكريا وملاخي فارق الروح القدس إسرائيل وصعد، وأنهم لم يسمعوا قط أنه عاد. يبدو أنهم كانوا يتوقعون عودته، لكنهم لم يسمعوا أنه جاء، وأنه موجود في وسط المؤمنين.

+ لم يكن في سلطان يوحنا (المعمدان) أن يهب الروح، كما أظهر أولئك الذين اعتمدوا بواسطته إذ قالوا: "ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس".

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ المعمودية الأولى هي معمودية الطوفان (في أيام نوح) التي تقطع الخطية. والثانية هي بالبحر الأحمر والسحابة (ا كو 10: 2)، لأن السحابة رمز للروح، بينما البحر رمز الماء. والمعمودية الثالثة هي الخاصة بالناموس (خاصة اللاوي)، إذ تغسل كل شخص غير طاهر بالماء، كما يغسل ثيابه، فيدخل المحلة. المعمودية الرابعة ليوحنا، وهي معمودية للتهيئة، تقود المعمدين إلى الندامة، حتى يؤمنوا بالمسيح.

الأب يوحنا الدمشقي

"فقال لهم: فبماذا اعتمدتم؟

فقالوا: بمعمودية يوحنا". [3]

طالبهم الرسول بولس بالمعمودية، إذ كانوا لا يعرفون شيئًا عن الروح القدس، فإن من يعتمد يتعلم أولاً على الروح القدس. معموديتهم هي معمودية يوحنا دون معرفة بالروح القدس، لذا لم ينالوا الروح، ولا تمتعوا بالميلاد الجديد.

لا يعني أن الذي عمدهم يوحنا المعمدان، لكنهم اعتمدوا بواسطة أحد تلاميذه، وربما عمدهم باسم يوحنا المعمدان، إذ وجد فريق كانوا يكرمونه بطريقة مُبالغ فيها، وكما رأينا في دراستنا لإنجيل يوحنا أن بعضهم ظنوه أعظم من يسوع المسيح، وأنهم كانوا يغيرون بسبب انتشار اسم يسوع الذي عمده يوحنا، وقد اشتكوا ليوحنا من ذلك (يو 3: 26).

"فقال بولس: أن يوحنا عمَّد بمعمودية التوبة،

قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده،

أي بالمسيح يسوع". [4]

أوضح لهم القديس بولس معنى معمودية يوحنا بكونها تهيئ للإيمان بالسيد المسيح، وألا يقف الشخص عندها، بل يتقدم لينال ما هو أكمل. لم يسئ القديس بولس لمعمودية يوحنا، إذ هي معمودية للتوبة، حتى يعترف الناس بحاجتهم إلى مخلص يغفر لهم خطاياهم، لهذا وجب عليهم قبول من هدفت إليه معمودية يوحنا. فالقديس يوحنا رجل عظيم، لكنه هو النذير، صديق العريس، أما العريس السماوي الذي له العروس فهو يسوع المسيح.

+ عامل الذين طلبوا معمودية التوبة، كما لو كانوا طالبي العماد، يتهيّأون لنوال معمودية المغفرة والتقديس التي جاءت لاحقة لها في خدمة المسيح. عندما كرز يوحنّا بمعمودية غفران الخطايا (مر1: 4). كان الإعلان هو عن نوال غفران مقبل. فإن كان الأمر هكذا، فإن دعوة يوحنا للتوبة تقود إلى الطريق، وأما نوال المغفرة فجاء لاحقًا. هذا ما يعنيه "يعد الطريق" (لو1: 67). لكن من يعد الطريق هو نفسه ليس كاملاً، بل بالأحرى يهيئ لآخر كامل.

العلامة ترتليان

"فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع". [5]

إذ عرفوا الحق كاملاً لم يجادلوا مع الرسول، بل قبلوا المعمودية في الحال باسم يسوع الناصري.

+ الذين ينالون معمودية يوحنا وحدها وليس لهم معرفة الروح القدس يُعمدون ثانية، لئلا يظن أحد أن ذاك الماء الذي لم يُقدس يستطيع أن يهب خلاصًا ليهودي أو أممي.

القديس جيروم

3. حلول الروح القدس عليهم

"ولمّا وضع بولس يديه عليهم،

حلّ الروح القدس عليهم،

فطفقوا يتكلّمون بلغات ويتنبّأون". [6]

بعد العماد وضع الرسول يديه، غالبًا على شكل صليب، عليهم لينالوا سرّ التثبيت، بحلول الروح القدس عليهم، وقد نالوا بعض مواهب الروح مثل التكلم بألسنة والتنبوء. لعل الله سمح هنا بنوالهم هذه المواهب للتأكد من التمييز بين معمودية يوحنا ومعمودية باسم يسوع المسيح. إنها ليست تكرارا ليوم البنطقستي، إنما هو امتداد ليوم البنطقستي، الذي له فاعليته إلى مدى الدهور.

+ لقد وضع (اللَّه) عقيدة لا يمكن لهم في ذلك الحين إنكارها، وهي أن يسكن الروح القدس في المؤمنين. أُعلنت هذه العطيّة بواسطة اللَّه لكي يجمع آثار الإيمان، حيث كانت في البداية عندما تمّت بين الرسل وبقيّة التلاميذ... فقد حلّ عليهم الروح القدس وأعطاهم القدرة على التكلّم بألسنة، مع موهبة التفسير، حتى لا يجسر احد أن ينكر حلول الروح القدس فيهم.

أمبروسياستر

+          +           +


 

 

إنجيل القداس من لوقا 16 : 1 – 12

1 و قال ايضا لتلاميذه كان انسان غني له وكيل فوشي به اليه بانه يبذر امواله
2 فدعاه و قال له ما هذا الذي اسمع عنك اعط حساب وكالتك لانك لا تقدر ان تكون وكيلا بعد
3 فقال الوكيل في نفسه ماذا افعل لان سيدي ياخذ مني الوكالة لست استطيع ان انقب و استحي ان استعطي
4 قد علمت ماذا افعل حتى اذا عزلت عن الوكالة يقبلوني في بيوتهم
5 فدعا كل واحد من مديوني سيده و قال للاول كم عليك لسيدي
6 فقال مئة بث زيت فقال له خذ صكك و اجلس عاجلا و اكتب خمسين
7 ثم قال لاخر و انت كم عليك فقال مئة كر قمح فقال له خذ صكك و اكتب ثمانين
8 فمدح السيد وكيل الظلم اذ بحكمة فعل لان ابناء هذا الدهر احكم من ابناء النور في جيلهم
9 و انا اقول لكم اصنعوا لكم اصدقاء بمال الظلم حتى اذا فنيتم يقبلونكم في المظال الابدية
10 الامين في القليل امين ايضا في الكثير و الظالم في القليل ظالم ايضا في الكثير
11 فان لم تكونوا امناء في مال الظلم فمن ياتمنكم على الحق
12 و ان لم تكونوا امناء في ما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم


 

 

اغتصاب الصداقة الإلهيَّة

في الأصحاح السابق أبرز السيِّد المسيح بأمثلة ثلاثة عن مدى شوق الله لصداقتنا معه، معلنًا حبه وبذله من أجلنا نحن الخطاة ليحملهم إلى مقدَّسه كأبناء بيت الله، وموضع سرور السماء وفرحها. لكن هذا الحب الفائق يلزم مقابلته بالحب والحكمة لاغتصابه. بمعنى آخر الله في محبَّته للإنسان لم يجعله آلة جامدة تتجاوب مع حب الله لاإراديًا، إنما خلقه سيدًا له كمال حريَّة الإرادة، له أن يقبل الصداقة أو يرفضها. الآن يقدَّم لنا السيِّد مثلين ليحثُّنا على اغتصاب صداقته بكمال حريتنا، هما مثل وكيل الظلم ومثل لعازر والغني.

 

 

1. مثل وكيل الظلم

إذ تحدَّث رب المجد يسوع بأمثال عن مدى شوقه لاجتذاب الخطاة عن طريق ضلالهم للدخول بهم إلى مقدَّسه، وجه حديثه إلى تلاميذه في حضرة الفرِّيسيِّين الذين عُرفوا بحب المال [14] والمجد الباطل، مقدَّما لهم مثلاً عن وكيل ظالم يبذر أموال سيِّده، وإذ سأله الموكل أن يقدَّم حساب الوكالة لينزعها عنه حاول أن يكسب له أصدقاء ظلمًا حتى متى طُرد من الوكالة يقبله الأصدقاء في بيوتهم. وقد امتدح السيِّد هذا الوكيل، لا في تبذيره الأموال، ولا في ظلمه، وإنما في حكمته بكسبه أصدقاء له واهتمامه بالحياة المقبلة، فيقدَّم متاع الدنيا الحاضرة لأجل الراحة في المستقبل.

نستطيع قبل أن نستعرض أقوال الآباء في هذا المثل أن نوجز باختصار غاية هذا المثل في النقاط التاليَّة:

أولاً: إن كانت الأمثلة السابقة تعلن عن الحب الأبوي الإلهي نحو الخطاة، فإنه من واجب الخطاة في توبتهم وعِودتهم إلى بيت أبيهم أن يتذرعوا بالحكمة. كما استهان هذا الوكيل بالحاضر من أجل راحته المقبلة، هكذا يليق بنا في توبتنا أن نسلك بروح الحكمة التي تتعدى الاحتياجات الزمنيَّة وتعبر بنا إلى طلب الراحة العتيدة في السماويات.

ثانيًا: أبرز المثل السابق "الابن الضال" عودة الخاطي إلى بيت أبيه نادمًا وتائبًا. هنا في هذا الأصحاح يحدثنا عن الصدقة وحب العطاء، لا كما من مالنا، بل مما أوكلنا الله عليه، فنكسب لنا أصدقاء من مال موكلنا فيقبلوننا معهم في السماوات.

الآن نعود إلى المثل نفسه، إذ يقول الإنجيلي لوقا:

"وقال أيضًا لتلاميذه: كان إنسان غني له وكيل،

فوُشي به إليه بأنه يبذر أمواله.

فدعاه وقال له: ما هذا الذي أسمع عنك؟

أعط حساب وكالتك، لأنك لا تقدر أن تكون وكيلاً بعد.

فقال الوكيل في نفسه: ماذا أفعل؟

لأن سيدي يأخذ مني الوكالة،

لست أستطيع أن أنقب، وأستحي أن أستعطي.

قد علمت ماذا أفعل حتى إذا عُزلت عن الوكالة يقبلونني في بيوتهم.

فدعا كل واحدٍ من مديوني سيِّده،

وقال للأول: كم عليك لسيدي؟

فقال: مئة بث زيت،

فقال له: خذ صكك، واجلس عاجلاً، واكتب خمسين.

ثم قال لآخر: وأنت كم عليك؟

فقال مئة كرّ قمح، فقال له: خذ صكك وأكتب ثمانين.

فمدح السيِّد وكيل الظلم، إذ بحكمة فعل،

لأن أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم.

وأنا أقول لكم: اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم

حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبديَّة" [1-9].

ويلاحظ في هذا المثل الآتي:

أولاً: يرى البعض أن هذا المثل لم يكن غريبًا على مسامع اليهود في ذلك الحين، إذ يشير الرجل الغني الموكل إلى الدولة الرومانية، التي تركت أمر الجباية في يدّ العشارين الذين يجمعون لحسابها مع اغتصاب الكثير لحسابهم الخاص. فمع جشع الدولة الرومانية كمستعمر إلا أنها كانت تمتدح العشارين الذين يتصرفون في هدوءٍ مع الناس عند جمع الجباية. فالعشار المعتدل في تصرفه يستطيع على المدى الطويل أن يجمع أكثر للدولة كما ينال نصيبًا أوفر، ولا يرهق الممولين، أما العنيف فيحطم الممولين، ويفقد هو سلامه، ولا تستريح الدولة لتصرفاته على المدى الطويل. فالوكيل المذكور هنا حين تنازل عن بعض مما ورد في الصكوك تصرف بحكمة، إذ يخفف عبء الجباية عن اليهود، وفي نفس الوقت يمكن للدولة الرومانية أن تحصل هذه الجباية وإن كانت أقل لكنها بطريقة أسهل.

ثانيًا: يؤكد القدِّيس كيرلس الكبير في تعليقه على هذا المثل كما في مواضع أخرى كثيرة، أن السيِّد المسيح إذ يقدَّم لنا مثلاً لا يقصد بنا أن نطبقه في كل الجوانب، وإنما في الجانب الذي قصده السيِّد. هكذا لا يليق بنا أن نتمثل بهذا الوكيل بتبذيره أموال الوكالة ولا بتلاعبه في الصكوك، وإنما نتمثل بالتزامنا بالحكمة والنظرة المستقبليَّة (الأبديَّة).

+ يلزمنا ألا نتمثل نحن به في كل شيء، إذ لا يليق بنا أن نخدع سيدنا، فنقدَّم الصدقة خلال الخداع...

من ناحيَّة أخرى قيل هذا المثل لكي ندرك أنه أن كان الوكيل الذي عمل بخداع استطاع أن ينال مديحًا... فكم بالحري الذين يسرون الله بتنفيذهم وصاياه في أعمالهم؟!

القدِّيس أغسطينوس

ثالثًا: يقول السيِّد المسيح: "لأن أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم" [8]. الإنسان الذي يعمل لحساب حياته الزمنيَّة يُحسب ابنًا لهذا الدهر، أما من يعمل لحساب مملكة النور الأبديَّة، فيحسب ابنًا للنور. يود الله أن يكون أبناء النور عاملين بحكمة من أجل هذا الهدف: التمتع بمملكة النور، لكن للأسف أحيانًا يسقطون في التهاون، فيفقدون الحكمة السماويَّة، ليصير السالكون في هذا العالم أكثر منهم تعقلاً من جهة تحقيق غايتهم.

+ يقصد بأبناء هذا الدهر أولئك الذين يضعون فكرهم في خيرات الأرض؛ وأبناء النور الذين ينشغلون بالكنوز الروحيَّة خلال الحب الإلهي. أحيانا في تدبير الأمور البشريَّة نسلك بتعقل منهمكين فيها حتى متى رحلنا نجد ملجأ لحياتنا، بينما ونحن نوجه الأمور الإلهيَّة لا نفكر في نصيبنا هناك.

الأب ثيؤفلاكتيوس

رابعًا: لقد سلّم الموكل أمواله في يدّي الوكيل. وهكذا نعيش نحن كوكلاء الله، كل ما هو بين أيدينا من عمل يديه أو عطيَّة من عنده، سواء مواهبنا أو قدراتنا أو دوافعنا أو عواطفنا أو ممتلكاتنا حتى جسدنا وأوقاتنا. نحن وكلاء، سنعطى حسابًا عن كل كلمة. غاية الله من هذه الوكالة ليس مكسبًا ماديًا ملموسًا، إنما تدريبنا على سمة "الأمانة"، هذه التي بها نتأهل لننال النصيب الأعظم في السماوات. الله لا يشغله في العالم شيء إلا أن يرانا أولادًا له نحمل سماته فينا التي تتمركز في "الأمانة". إن كان الله قد دعي "الأمين" (1 كو 1: 9؛ 10: 13؛ 1 تس 5: 24؛ 2 تس 3: 3، 2 تي 2: 13، عب 2: 17؛ 3: 2؛1 يو1: 9، رؤ 3: 14؛ 19: 11) فإنه يود في أبنائه أن يكونوا أمناء على مثاله، إذ يوصينا: "كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" (رؤ 2: 10).

إن كنا وكلاء على ما هو ليس لنا ـ كما يقول القدِّيس أمبروسيوس ـ يلزمنا أن نسلك بروح الأمانة، فنحمل سمة سيدنا.

+ عندما لا ندير ثروتنا حسب مسرة ربَّنا، نُفسد أمانتنا لحساب ملذّات، ونُحسب وكلاء مذنبين.

الأب ثيؤفلاكتيوس

خامسًا: دعا السيِّد المسيح ما لدينا من أموال وإمكانيات وقدرات "مال الظلم"، لماذا؟ لأن توزيع هذه الأمور بين البشريَّة يسوده قانون الظلم، فيُولد طفل ليجد والديه قد أورثاه الملايين، بينما يُولد آخر ليجدهما أورثاه ديونًا ومشاكل بلا حصر. إنسان يُوهب ذكاء أو صحة أو قدرات ومواهب يُحرم منها غيره. فما نملكه وإن كنا لم نغتصبه ظلمًا، لكننا تسلمناه في عالم يسوده قانون الظلم. لذا يليق بنا أن نستغله فيما هو لبنياننا في العالم الآخر حيث لا يوجد "ظلم". لنقتنِ به أبديتنا!

في حكمة عاش الكثير من آبائنا يحرصون على تنفيذ هذه الوصيَّة الربانية: "اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم، حتى إذا فنيتم (متم جسديًا) يقبلونكم في المظال الأبديَّة" [9]، ويحثوننا على ممارستها بطريقٍ أو آخر، فمن تعليقاتهم:

+ كيف يمكننا أن نقيم لأنفسنا أصدقاء من المال، إن كنا نحب المال، ولا نحتمل فقدانه؟ فإننا بهذا سنهلك مع فقداننا للمال أيضًا!

العلامة ترتليان

+ الأمور الزمنيَّة تُدعى أمورًا خارجيَّة، لأنها خارج عنا. لنحولها إلى أمور داخليَّة؛ فإن كنا لا نستطيع أن نحمل غنانا معنا عندما نرحل من هنا لكننا نستطيع أن نحمل محبتنا. حريّ بنا إذن أن نرسلها أمامنا فتعد لنا موضعًا في المساكن الأبديَّة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ إن خدمت القدِّيسين (الفقراء) فستشاركهم مكافأتهم.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ بالعطاء للفقراء نقتني رضى الملائكة وسائر القدِّيسين.

القدِّيس أمبروسيوس

+ الصدقة هي أكثر الفنون مهارة؛ لا تبني لنا بيوتًا من الطين بل تخّزن لنا حياة أبديَّة. في كل الفنون نحتاج إلى من يعيننا، أما بالنسبة لإظهار الرحمة فلا نحتاج إلا إلى الإرادة وحدها.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ الصداقة المجردة لا تحمينا ما لم تتبعها أعمال صالحة، ما لم ننفق ثروتنا ببرّ هذه التي جُمعت بطريقة ظالمة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ لقد أظهر أن كل ممتلكات الإنسان التي تحت سلطانه بالطبيعة هي ليست له، وأنه يُسمح له بممارسة أعمال البرّ المخلِّصة خلال مال الظلم هذا، إذ به يعول من لهم مسكن أبدي مع الآب.

القدِّيس إكليمنضس السكندري

+ كثيرًا ما يكون الغنى لصالحنا كقول الرسول الذي يطلب من الأغنياء أن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي بهذا يمسكوا بالحياة الأبديَّة ( 1تي 6: 18-19)؛ وكما يقول الإنجيل بأن هذا الغنى يكون للخير لمن يصنع لنفسه أصدقاءً بمال الظلم. يمكن أيضًا أن يوجه الغنى للشر، عندما نحشده للتخزين، أو للتنعم، غير مبالين باحتياجات الفقراء.

الأب تادرس

+ أعطِ خيراتك لا للذين يطعمهم الفلاحون (أصحاب الحقول)، بل للذين ليس لهم سوى الخبز كطعام يقوَّتهم... اهتم بالفقراء والمحتاجين.

+ (يتحدَّث عن ضرورة اهتمام الكنيسة بالفقراء لا بفخامة المباني الكنسيَّة)

قدَّس ربَّنا بفقره فقر بيته، لذلك فلنفكر في صليبه ونحسب الغنى نفاية.

لماذا تعجب من قول السيِّد: "مال الظلم"؟ لماذا نطلب ونحب ما افتخر بطرس بأنه لا يمتلكه (أع 3: 6)؟

 

هكذا يعلن السيِّد المسيح عن الصدقة كتحويل لممتلكاتنا من هذا العالم الزائل إلى رصيد أبدي في المساكن العلويَّة. وقد دعا السماء "مظالاً أبديَّة"، لأن اليهود كانوا يهتمون جدّا بعيد المظال، ويحسبونه عيد الفرح الحقيقي، فيه يسكنون مظالاً من أغصان الشجر لمدة أسبوع. هكذا تهيئ لنا الصدقة نصيبًا لعيدٍ أبديٍ مفرحٍ، فنقيم في السماء مع مصاف القدِّيسين.

سادسًا: يُعلِّق أيضًا السيِّد المسيح على هذا المثل، قائلاً:

"الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير.

والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير،

فإن لم تكونوا أمناء في مال الظلم، فمن يأتمنكم على الحق؟!

وإن لم تكونوا أمناء فيما هو للغير، فمن يعطيكم ما هو لكم؟!" [10-12]

+ القليل هو مال الظلم، أي الثروة الزمنيَّة التي غالبًا ما جُمعت خلال الابتزاز والطمع. لكن الذين يعرفون كيف يعيشون الحياة الفاضلة، ويعطشون للرجاء فيما هو مخّزن، ويسحبون فكرهم عن الأرضيات، مفكرين بالحري في العلويَّات، هؤلاء يستهينون بالغنى الزمني تمامًا، إذ لا يقدَّم إلا الملذّات والانغماس في الترف والشهوات الجسديَّة الدنيئة، والبهاء الذي لا ينفع، بل هو وقتي وباطل. لذلك يعلمنا أحد الرسل القدِّيسين، قائلاً: "لأن كل ما في العالم شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة" (1 يو 2: 6). لكن مثل هذه الأمور لا تساوي شيئًا مطلقًا لمن يعيشون الحياة المتعقلة الفاضلة، إذ هي أمور تافهة ووقتيَّة ومملوءة دنسًا، وتثير النار والدينونة، وغالبًا ما تحطم حياة الجسد نهائيًا. لذلك انتهر تلميذ المسيح الأغنياء، قائلاً: "هلم الآن أيها الأغنياء، ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة، غناكم قد تهرأ، وثيابكم قد أكلها العث، ذهبكم وفضتكم قد صدئا، وصدأهما يكون شهادة عليكم" (يع 5: 1-3). كيف يصدي الذهب والفضة؟ بتخزينهما بوفرة شديدة، فيكون ذلك شهادة ضدهم أمام كرسي الحكم الإلهي إنهم غير رحومين. فإنهم إذ جمعوا في كنوزهم فيض عظيم بلا ضرورة، غير مبالين بالمحتاجين مع أنه كان في قدرتهم لو أرادوا أن يمنحوا الخير بسهولة لكثيرين، لكنهم "كانوا غير أمناء في القليل".

ولكن كيف يصير البشر أمناء، هذا يعلمنا إيَّاه المسيح، وسأشرح ذلك.

سأله فرِّيسي أن يأكل معه خبزًا في يوم سبت، وقد وافق المسيح على ذلك. وإذ ذهب هناك جلس ليأكل فاجتمع كثيرون آخرون يأكلون معهما. ولم يكن من بينهم من يمثل المحتاجين، بل على العكس كانوا جميعًا أناسًا عظماء ومعروفين محبين للمتكآت الأولى، ظمأى للمجد الباطل، كمن يلتحفون بكبرياء الغنى. ماذا قال المسيح للذي دعاه؟ "إذا صنعت غداء أو عشاء فلا تدع أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء لئلاَّ يدعوك هم أيضًا فتكون لك مكافأة؛ بل إذا صنعت ضيافة فادع المساكين الجُدع العرج العمي، فيكون لك الطوبى، إذ ليس لهم حتى يكافئوك، لأنك تُكافئ في قيامة الأبرار" (لو 14: 12-14).

هذا كما أظن الأمانة في القليل، أن يترفق الإنسان بالمحتاج، ويعين من هم في ضائقة بما لديه...

إن كنا غير أمناء في القليل بعدم تشكيلنا حسب إرادة الله، باذلين كل إمكانياتنا على ملذّاتنا وكبريائنا، فكيف نتقبل من الله ما هو حق؟ ما هو هذا الحق؟ منحنا الهبات الإلهيَّة بفيض هذه التي تزين النفس وتشكل فيها جمالاً ربانيًا. هذا هو الغنى الروحي، لا الذي يسمن الجسد الذي يفسده الموت، وإنما الذي يخلص النفس، ويجعلها مستحقة للمباهاة والكرامة قدام الله، فتربح لنفسها المدح الحقيقي.

إذن، من واجبنا أن نكون أمناء لله، أنقياء القلب، رحماء، لطفاء، أبرارًا، مقدَّسين، فإن هذه الأمور تطبع فينا خطوط التشبه الإلهي، وتجعلنا كاملين كورثة للحياة الأبديَّة. هذا إذن ما هو حق!

هذا هو مغزى كلمات المخلِّص وقصدها، الأمر الذي يمكن للإنسان أن يتعلمه مما تبع ذلك، إذ قال: "وإن لم تكونوا أمناء في ما هو للغير، فمن يعطيكم ما هو لكم؟" [12].

مرة أخرى نقول أن ما هو للغير هو الغنى الذي نمتلكه، إذ لم نولد ومعنا الغنى، بل بالعكس وُلدنا عراة، ويمكننا بحق أن نؤكد كلمات الكتاب المقدَّس: "لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء" (1 تي 6: 7). كما نطق أيوب الصبور بكلمات من هذا النوع: "عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك" (أي 1: 21). إذن ليس أحد بالطبيعة غنى بذاته، ويعيش في غنى وفير. إنما أضيف إليه ذلك من الخارج كفرصة سنحت له، فإن انتهى الغنى وباد لا يضر هذا بطبيعته البشريَّة. فإننا لسنا كائنات عاقلة، ماهرين في كل عمل صالح بسبب الغنى، وإنما طبيعتنا قادرة على ذلك (الحياة الفاضلة)... الطبيعة البشريَّة هي ملكنا متأهله لكل عمل صالح، كما كتب الطوباوي بولس: "مخلوقين لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" (أف 2: 10).

لذلك عندما نكون غير أمناء في ما هو للغير، أعني في الأمور التي تُضاف إلينا من الخارج، فكيف نتقبل ما هو لنا؟ كيف يمكن أن نصير شركاء في الأعمال الصالحة التي يهبها الله، التي تزين النفس وتطبع عليها جمالاً إلهيًا، وتشكل فيها بطريقة روحيَّة البرّ والقداسة والأعمال المستقيمة التي تمارس بمخافة الله؟

ليت الذين يملكون منا غنى أرضيًا يفتحون قلوبهم للمحتاجين، فنظهر أمناء ومطيعين لنواميس الله، وتابعين لإرادة ربَّنا في الأمور التي هي في الخارج والتي ليست مالنا، فنتقبل ما هو لنا، أي الجمال المقدَّس العجيب الذي يشكله الله في نفوس البشر، فيجعلهم على شبهه كما كنا في الأصل.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ ما هو للغير: كمية من الذهب أو الفضة؛ أما ما هو لك فهو الميراث الروحي، إذ قيل في موضع آخر: "فديَّة حياة (نفس) إنسان غناه" (أم 13: 8).

القدِّيس جيروم

+ إن كنا لا نبالي بالأمور المنظورة (نستهين بالعطاء...) فكيف يعلن لنا الله ما هو غير منظور؟

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

سابعًا: يضع السيِّد المسيح حدًا فاصلاً بين قبول صداقته والارتباك بمحبَّة المال، قائلاً: "لا يقدر خادم أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال" [13].

+     +        +

 

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt