طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 11 كيهك

عشية

باكر

القــــداس

مز 112 : 6 ، 7 ، 9

مت 24 : 42 - 47

مز 92 : 10 ، 14 ، 15

لو 19 : 11 - 19

عب 11 : 32

- 12 : 2

يع 5

9 - 20

أع 18 : 24

- 19 : 6

مز 92 : 12 ، 13

لو 12 : 32 – 44

 

البولس عبرانيين 11 : 32 – 12 : 2

 

أولا : عب 11 : 32 - 40  

 

32 و ماذا اقول ايضا لانه يعوزني الوقت ان اخبرت عن جدعون و باراق و شمشون و يفتاح و داود و صموئيل و الانبياء
33 الذين بالايمان قهروا ممالك صنعوا برا نالوا مواعيد سدوا افواه اسود
34 اطفاوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا اشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء
35 اخذت نساء امواتهن بقيامة و اخرون عذبوا و لم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة افضل
36 و اخرون تجربوا في هزء و جلد ثم في قيود ايضا و حبس
37 رجموا نشروا جربوا ماتوا قتلا بالسيف طافوا في جلود غنم و جلود معزى معتازين مكروبين مذلين
38 و هم لم يكن العالم مستحقا لهم تائهين في براري و جبال و مغاير و شقوق الارض
39 فهؤلاء كلهم مشهودا لهم بالايمان لم ينالوا الموعد
40 اذ سبق الله فنظر لنا شيئا افضل لكي لا يكملوا بدوننا

الأصحاح الحادي عشر

الإيمان

يعتبر هذا الأصحاح تطبيقًا عمليًا من واقع رجال العهد القديم المؤمنين، فبعد أن تحدث الرسول عن السيد المسيح كرئيس الكهنة الذي فتح الأقداس السماوية، مقارنًا بين خدمة الكهنوت اللاوي والكهنوت الجديد، يؤكد ضرورة الإيمان كطريق للتمتع بهذه المقادس السماوية المفتوحة للبشرية كلها في المسيح يسوع.

1. ما هو الإيمان؟ ١ - ٣.

2. رجال الإيمان ٤ - ١٢.

3. الإيمان بالوطن السماوي ١٣ - ١٥.

4. رجال الإيمان (يتبع) ١٦ - ٣٩.

1. ما هو الإيمان؟

"وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى.

فَإِنَّهُ فِي هَذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ" [١-٢].

الإيمان هو الثقة بالمقدسات الإلهية غير المنظورة كحقائق واقعة وحاضرة، فيحيا الإنسان في يقين من جهة الأمور غير المنظورة ولا ملموسة بالحواس.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الإيمان هو رؤية واضحة للأمور وتأكد كامل من جهة غير المنظورات كأنها من المنظورات.] كما يقول: [سأوضح الأمر بأمثلة... فقد قال الرب أن من يترك أبًا أو أمًا أو إخوة أو أخوات يصير له أباء وأمهات، فنرى ذلك القول أنه يتحقق فعلاً. وأيضًا إذ يقول: "في العالم يكون ضيق لكن ثقوا (افرحوا) أنا قد غلبت العالم" (يو ١٦: ٣٣)، بمعنى أنه لا يغلبك أحد، هذا يدركه (المؤمن) أنه حقيقة واقعة. وأيضًا عندما يقول أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة (مت ١٦: ١٨) حتى وإن كانت مُضطهدة، وأنه لا يستطيع أحد أن يوقف الكرازة، يدرك أن هذه النبوة حقيقة واقعة مع أن هذا قيل في وقت كان يصعب فيها تصديقها.] بالإيمان قبلنا وصايا الله الصعبة ومواعيده التي يبرهن على صدقها لا بكلمات وإنما بخبرة عملية عند ممارستها. بالإيمان نسلكها ونتقبل مواعيدها التي تبدو غير معقولة لكننا نكتشف صدقها خلال الخبرة. لهذا [يتطلب الإيمان نفسًا نشطة ومملوءة غيرة، تسمو فوق الأمور الحسية وتعبر فوق كل تعقلات بشرية، فإنه لا يمكن أن تصير مؤمنة إن لم ترتفع فوق العادات العامة التي للعالم.]

ولما كان الرسول يتحدث إلى مسيحيين من أصل عبراني لهذا قال: "فَإِنَّهُ فِي هَذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ" [٢]؛ وكأنه يقول لهم إن هذا الأمر ليس بغريبٍ عنكم، فقد اختبره آباؤكم. تاريخهم العبراني هو خير شاهد لحياة الإيمان. كأن الرسول يضع أمامهم أسفار العهد القديم ليتصفح معهم حياة الإيمان كما عاشتها كنيسة العهد القديم.

لقد بدأ العهد القديم بإعلان الله كخالق "بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ" [٣]. فإن رجال العهد الجديد لا يستطيعوا أن يتقبلوا السيد المسيح "كلمة الله المتجسد" كمخلص ومجدد طبيعتهم الداخلية بروحه القدوس، ما لم يتقبلوا الأساس الأول أن الله هو الخالق بكلمته. فالكلمة الذي يخلق هو وحده يقدر أن يجدد الخلقة بعد أن فسدت.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الله صالح، أو بالحري الصلاح في جوهره... خلق كل شيء من العدم بكلمته الذاتية، يسوع المسيح ربنا.] وبه أيضًا جدد الخلقة وخلصها ويرى أيضًا في هذه العبارة الرسولية أن الله هو الخالق ليس من يبلغ قياسه، كائن قبل كل الدهور، به جاء الزمن.

2. رجال الإيمان

ينتقل من الأساس الأول للإيمان بكلمة الله الخالق الأزلي، إلى أمثلة عملية لرجاء الإيمان في العهد القديم، وكأن إيمان الكنيسة ما هو إلاَّ امتداد لرجال الكنيسة الأولى قبل التجسد. ولعله ذكر هذه الأمثال لأن الرسول بولس - كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم - أراد أن يعلن لهم أن العبرانيين قد بدأوا حياتهم مع الله بالإيمان خلال أشكال مختلفة، لكن للأسف كملوا في ضعف بقلوب فاترة في الإيمان.

وقد لاحظ القديس أثناسيوس الرسولي الذي قضى أغلب حياته الرعوية في جهاد من أجل الإيمان المستقيم، وغالبًا ما كان يضطر أن يترك كرسيه ويهرب من الأريوسيين الذين صمموا على قتله، أن الجهاد من أجل الإيمان لا يقل عن الاستشهاد. وأن رجال الإيمان الذين ذكرهم الرسول هنا غالبيتهم لم يستشهدوا لكنهم عاشوا رجال إيمان. يقول القديس: [لا تقوم تزكية الشهيد على مجرد رفضه للتبخير للأوثان وإنما على رفضه إنكار الإيمان، فإن هذا يمثل شهادة واضحة عن الضمير الصالح. هذا ولا يُدان فقط الذين ينجرفون إلى عبادة الأوثان كغرباء وإنما يُدان أيضًا الذين يخونوا الإيمان.] كما يمتدح الإيمان قائلاً: [إبراهيم الأب البطريرك قد قبل الإكليل ليس لأنه تألم حتى الموت، وإنما لأنه آمن بالله، وأيضًا القديسون الذين ذكرهم بولس من جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والبقية لم يتكملوا بسفك دمائهم، إنما تبرروا بالإيمان، إذ كانوا مستعدين أن يحتملوا الموت من أجل التقوى نحو الله.]

قدم بولس الرسول الأمثلة التالية من عظماء المؤمنين والمؤمنات:

أ. هابيل

إنه المثل الأول لرجال الإيمان، لا يقوم على أساس حياته الخاصة وإنما يقول الرسول: "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلَّهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ، فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!" [٤] لقد شهد الله ببره ليس لأفضلية حياته أو أعماله الخاصة عما لقايين، وإنما لأفضلية ذبيحته عن قرابين قايين. لقد قدم قايين من ثمرات الأرض قربانًا، لكن الله اشتم رائحة الرضا في الذبيحة الدموية التي لهابيل. كانت تحمل رائحة السيد المسيح على الصليب وظلالها. هذا هو أساس إيماننا أن كلمة الله الخالق يجددنا نحن خليقته خلال الدم الثمين، فنقدم حياتنا ذبيحة حب خلال إتحادنا بالذبيح الحق، بهذا نصير كهابيل الذي صار هو نفسه كذبيحة وهو مرفوض من أخيه.

كأن الرسول يحدث المسيحيين العبرانيين المطرودين من الهيكل، أنهم قد صاروا كهابيل المرفوض من أخيه من أجل الذبيحة المقبولة لدى الله الآب، ذبيحة السيد المسيح. لهذا وإن حاول إخوتهم أن ينهوا حياتهم لكن صوتهم يبقى مدويًا، وشهادتهم لا يمكن كتمانها بالموت، ولا للزمن أن يحطمها. لا يزال صوت هابيل عاليًا يعلن عن قبول الله ذبيحته الدموية، ويبقى صوت المؤمنين المرذولين والمضطهدين صارخًا يشهد للحق بغير انقطاع.

ب. أخنوخ:

"بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ - إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ" [٥]. إن كان هابيل بإيمانه أعلن عن سرّ ذبيحة المسيح المقبولة عنده، وقبولنا الموت معه كل يوم، فإن حياة أخنوخ حملت بالإيمان صورة حية للكنيسة السماوية الفائقة، والتي تعلو فوق الحياة البشرية الطبيعية، تشهد لسيرتها أمام العالم، لهذا ينقلها الرب إليه لتحيا معه شريكة في أمجاده. يقول الرسول: "فإن سيرتنا نحن هي في السماوات، التي منها ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع، الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده".

بالإيمان نتمتع بالحياة السماوية كأعضاء في كنيسة الله المقبولة لدى عريسها، "وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ" [٦].

ليت قلبنا يكون بحق كأخنوخ يؤمن بالله فيُنقل إلى فوق لينتظر المجازاة للذين يطلبونه، التي هي بحق اقتناء ربنا يسوع. هذه هي مكافأة النفس التي تطلبه... إنها تناله وتوجد معه في سماواته وأمجاده الأبدية في حضن الآب السماوي.

ج. نوح:

إن كان هابيل يعلن في إيمانه الذبيحة الفريدة التي لا تصمت قط عن الشهادة للحق فينا، وأخنوخ يمثل الكنيسة المرتفعة إلى عريسها لكي تحيا في السماويات عبر وجودها بالجسد على الأرض، فإن نوحًا يمثل إيمانه إدانة العالم الذي رفض الدخول في الفلك، فإنه لا خلاص خارج الفلك، ولا تمتع بالحياة الجديدة إلى خلال مياه المعمودية. "بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الإِيمَانِ" [٧].

 إن كانت الكنيسة تمتع بالخلاص في الصليب كما في فلك نوح وسط مياه المعمودية، فإن هذا الخلاص إنما يدين العالم.

لقد اعتاد الآباء أن يقيموا الكنيسة غالبًا على شكل فلك نوح علامة العبور من العالم القديم إلى الحياة الجديدة... وقد سبق لنا الحديث في شيء من التفصيل عن الكنيسة وعلاقتها بفلك نوح، مستندًا على كتابات الآباء الأولين.

د. إبراهيم:

قدم كل أب من الآباء جانبًا من جوانب الإيمان، هابيل قدم الجانب الإلهي وهو تقديم الذبيحة المقدسة، أي تقديم حمل الله، وأخنوخ كشف عن طبيعة الكنيسة المؤمنة ألا وهو الجانب السماوي، ونوح أعلن أنه لا خلاص خارج الكنيسة المقدسة، أما إبراهيم فقدم الجانب العملي للإيمان وهو الطاعة لله بجانب جوانب متفاعلة معًا. لقد آمن إبراهيم أب الآباء عمليًا فترك الملموسات والمنظورات في ثقة في وعود الله التي لم تكن ملموسة ولا منظورة. يقول الرسول: "بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي. بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهَذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ" [٨-١٠]. لقد أطاع أن يخرج الذي كان عتيدًا أن يتمتع بالميراث، فخرج وهو لا يعلم إلى أين يذهب. الإيمان هو الذي قاده! لم يسمع من قبل عن أمثلة إيمانية حيَّة يقتدي بها إلاَّ ما قد تسلمه بالتقليد عن هابيل وأخنوخ ونوح، ليس بين يديه كتاب مقدس ولا شريعة مستلمة ولا من يرشده أو نبي أو كاهن، لكن الإيمان أنار له الطريق؛ وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان أبوه أمميًا وعابد وثن، ولم يسمع أنبياء ولا عرف أين يذهب.] بالإيمان لم ينل أرض موعد، لكنه وثق أن نسله يرث الأرض التي يسير عليها كغريبٍ هو وابنه إسحق وحفيده يعقوب، وكان غير مضطرب وبلا هم، متأكدًا من تحقيق مواعيد الله في الأجيال القادمة الخارجة من صلبه.

ه. سارة:

كما قدم لنا الرسول رجال إيمان هكذا يقدم لنا أمثلة حية لنساء مؤمنات مثل سارة التي تمثل الكنيسة المؤمنة بالله واهب القيامة. "بِالإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضًا أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْلٍ، وَبَعْدَ وَقْتِ السِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ الَّذِي وَعَدَ صَادِقًا. لِذَلِكَ وُلِدَ أَيْضًا مِنْ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مِنْ مُمَاتٍ، مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ" [١١-١٢].

إن كان رجال الإيمان قد ابتدأوا بهابيل الصديق ليعلن الوحي الإلهي ذبيحة السيد المسيح التي لن تصمت بل تبقى عاملة عبر الأجيال، فإن النساء المؤمنات يبتدئن بسارة الأم المباركة التي كانت في حكم الموت، كانت أحشاؤها عاقرًا غير قادرة على الإنجاب ويؤكد موتها شيخوختها! لقد نالت بالإيمان قوة القيامة لتنجب من الأحشاء الميتة أولادًا لله مثل نجوم السماء ورمل شاطيء البحر الذي لا يُعد! لقد قال القديس يوحنا المعمدان لليهود: "لا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم ان الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت ٣: ٩). هذا القول لم يكن حديث مبالغة فقد أقام الله بالفعل من الحجارة أولادًا لإبراهيم، إذ كانت أحشاء سارة أشبه بالحجارة التي لا تنجب، في حكم الجماد من جهة إمكانية الإنجاب، وبالإيمان وهبها الله أن يقيم لها من الحجارة أولادًا لإبراهيم. هذا هو إيمان سارة في قيامة السيد المسيح الذي بقيامته أقام من الحجارة أولادًا لإبراهيم ولا يزال يقيم! لقد كان آباؤنا من الأمم كالحجارة إذ يعبدون الوثن الحجري، وتحولوا إلى أولاد إبراهيم بل أولاد الله! لقد حوَّل الإيمان القلوب الحجرية إلى أولاد الله الحيّ!

3. الإيمان بالوطن السماوي:

إذ طُرد المؤمنون من الهيكل اليهودي وحرموا من ممارسة العبادة الجماعية مع إخوتهم، فإن الرسول يرفع أعينهم إلى هيكل آخر سماوي وعبادة على مستوى ملائكي، ليدركوا أن ما فقدوه من منظورات لا يقارن أمام ما يتمتعون به في عالم غير المنظورات. هذا ليس بأمر خيالي، إنما هو حياة إيمانية تمثل امتدادًا للحياة التي عاشها آباؤهم، محتملين الحرمان من الكثير، لينعموا بالمواعيد السماوية. يقول الرسول: "فِي الإِيمَانِ مَاتَ هَؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَنًا. فَلَوْ ذَكَرُوا ذَلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، لَكَانَ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ. وَلَكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذَلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلَهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً" [١٣-١٦].

هكذا يؤكد الرسول أن رجال العهد القديم، ليس كما يظن البعض قد وضعوا رجاءهم في مواعيد زمنية، وإنما رأوا الوطن السماوي والمواعيد الأبدية مختفية وراء المواعيد الزمنية. لقد تطلعوا بالإيمان إلى وعود الله الأبدية فصدقوها بالإيمان وحيّوها بالعمل الجاد للتمتع بها ولهيب قلبهم الذي لا ينقطع في الشوق إليها. لقد أحسوا أمام هذه الوعود أنهم بحق هم غرباء ينتظرون العبور إلى وطنهم السماوي للتمتع بها، ليس من أمر زمني - مهما كانت قدرته - يستحق أن يسحب القلب إلى الوراء نحو الأرضيات.

 يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا كانوا في أوجاع الطلق كل يوم، مشتاقين إلى التحرر من هذا العالم ليرجعوا إلى وطنهم. أما نحن فعلى العكس متى أصابتنا حمى نهمل كل شيء ونبكي كأطفالٍ صغار خائفين من الموت. لسنا بلا سبب نفعل هذا، فإننا إذ لا نعيش هنا كغرباء ولا نسرع نحو وطننا نكون كمن يذهب لينال العقوبة لهذا نحزن. إننا لا نسلك كما ينبغي لكننا نقلب الأوضاع رأسًا على عقب. نحزن حينما يليق الفرح، ونرتجف كالمجرمين ورؤساء العصابات عندما يُقدمون إلى كرسي القضاء، متذكرين ما ارتكبوه فيخافون ويرتعبون.]

يشتهي رجال الإيمان وطنهم السماوي، لهذا يُسر الله بهم، فيدعى إلههم لأنه أعد لهم المدينة السماوية التي فيها يجتمعون معه ويسكن هو في وسطهم إلى الأبد، يفرح بأولاده ويفرحون بأبيهم السماوي.

 يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [آه! يا لعظم الكرامة! لقد وهبهم أن يدعى إلههم... فإنه يتمجد عندما يدعى إلها للصالحين والمترفقين والذين يهتمون بالفضيلة.] لقد سبق أن رأينا الله يعتز بنسب نفسه إلهًا للمباركين ولا ينسب نفسه إلهًا للأشرار مع أنه إله الكل! ويحسب الشعب "شعبه" حينما يكون مقدسًا، أما عند صنعه الشر فلا يدعوه "شعبي" بل "الشعب" أو "شعبك" (شعب موسى).

4. رجال الإيمان :

إذ قطع الرسول حديثه عن أمثلة من رجال الإيمان ليؤكد غايتهم وهو التمتع بالوطن السماوي عاد ليعطي أمثلة من رجال ونساء العهد القديم:

أ. إبراهيم:

عاد الرسول يتحدث عن إبراهيم ليعلن إيمانه العجيب في مواعيد الله التي وُهبت له والتي جاءت كأنها متضاربة مع الأوامر الإلهية الصادرة إليه. لقد أعطاه الله وعدًا أن يبارك إسحق ابنه ليقيم منه نسلاً بلا عدد، وفي نفس الوقت يطلب إليه تقديم هذا الابن الوحيد والحبيب ابن الموعد ذبيحة. بالإيمان قبل أبونا إبراهيم الوعد بثقة وأطاع الأمر بغير اضطراب أو شك.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سمع إبراهيم ما يضاد المواعيد من ذاك الذي وهبه إياها، ومع هذا لم يضطرب بل نفذ الأمر غير المنسجم مع المواعيد. حقًا طبقًا للحسابات البشرية الأمر غير منسجم مع المواعيد، لكن بالإيمان تظهر منسجمة معًا. كيف حدث هذا؟ لقد علمنا الرسول نفسه هذا بقوله: "حاسبًا أن الله قادر على إقامته من الأموات"، وذلك بذات الإيمان الذي كان له بأن الله يهبه (إسحق) مما لم يكن ويقيمه من الموت (إذ وهبه إياه خلال رحم سارة الميت فأقامه من العدم ووهبه حياة عوض الموت). لقد آمن أيضًا أنه سيقيمه بعد تقديمه ذبيحة. طبقًا للحسابات البشرية الأمران مستحيلان: أي إنجاب طفل من رحم ميت عقيم ومتقدم في الأيام، وإقامة إنسان ذبيح. إيمانه السابق قد أعد الطريق للأمور المقبلة.]

يعلق القديس أثناسيوس الرسولي على إيمان إبراهيم أب الآباء في تقديمه إسحق للرب قائلاً: [في تقديم ابنه تعبد لابن الله، إذ مع تقديم إسحق ذبيحة رأى المسيا في الكبش (تك ٢٢: ١٥) الذي قُدم ذبيحة لله عوضًا عنه، لقد جُرب الأب البطريرك في إسحق، لكنه على أي الأحوال لم يقدم ذبيحة من عيّن ذبيحة في إشعياء: "كشاة تُساق إلى الذبح، وكنعجة صامته أمام جازيها فلم يفتح فاه" (إش ٥٣: ٧)... لقد قبل الله إرادة (نية) مقدم الذبيحة لكنه منع الذبح، لأنه ما كان موت إسحق يقدر أن يهب للعالم الحرية وإنما هو موت المخلص وحده الذي َبِحُبُرِهِ شُفِينَا (إش ٥٣: ٥).]

هكذا بالإيمان قدم إبراهيم ابنه ذبيحة حب لله فرأى في الحمل الموثق بقرنيه صورة الفداء في حمل الله الذي يحمل خطية العالم. هذا ومن جانب آخر رأى في إسحق نفسه أيضًا صورة حية لعمل المسيح الفدائي، وقد اعتادت الكنيسة في كل خميس للعهد إذ تذكر تأسيس سرّ الإفخارستيا، تصلي بقسمة "ذبح إسحق" كرمز لذبيحة السيد المسيح على الصليب.

ب. إسحق:

"بِالإِيمَانِ إِسْحَاقُ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ عَتِيدَةٍ" [٢٠].

 بارك إسحق المتغرب ابنيه يعقوب وعيسو ناظرًا إلى الأمور المستقبلة بوضوح. فقد قدّم ابنه يعقوب عن عيسو البكر جسديًا، لأن الأول قد صار في عيني الله بكرًا، مع أنه حسب الجسد هو الثاني. لقد حمل بهذا رمزًا لما هو عتيد أن يحدث فإن يسوع المسيح، آدم الثاني، صار بكرًا للبشرية وخسر آدم الأول البكورية، لأن آدم بعد سقوطه لم يكن قادرًا أن يرضي الله، أما رب المجد يسوع فهو موضع سرور الآب، فيه ننعم برضا الآب ويسر الآب بنا.

ج. يعقوب:

"بِالإِيمَانِ يَعْقُوبُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنِ ابْنَيْ يُوسُفَ، وَسَجَدَ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ" [٢١].

عندما بارك ابني يوسف وضع يعقوب يمينه على رأس الأصغر (إفرايم) ويساره على رأس الأكبر (منسي)، فصارت يداه أثناء تقديم البركة على شكل صليب، الأمر الذي أحزن قلب والدهما يوسف وحاول تصحيح الوضع، لكن يعقوب أصر على موقفه. بهذا وضع يمين البركة على الأصغر إفرايم، وليس على رأس البكر جسديًا منسى... وكأن البكورية لا تعطى حسب الجسد وإنما هي عطية توهب مجانًا لمن يستحقها روحيًا. كأن يعقوب يكرر ما فعله أبوه إسحق حين باركه وهو الأصغر. ومن ناحية أخرى أعلن أبونا يعقوب أن كل بركة روحية تحل علينا إنما هي خلال علامة الصليب وكما يتحدث القديس هيبوليتس عن فاعلية الصليب وبركته فينا:

 [الصليب هو سلم يعقوب، هذه الشجرة ذات الأبعاد السماوية ارتفعت من الأرض حتى السماء، أقامت ذاتها غرسًا أبديًا بين السماء والأرض، لكي ترفع المسكونة... وتضم معًا أنواعًا مختلفة من الطبيعة البشرية.]

أما سجوده على رأس عصاه فكان إشارة إلى سجوده للصليب.

د. يوسف:

"بِالإِيمَانِ يُوسُفُ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَوْصَى مِنْ جِهَةِ عِظَامِهِ" [٢٢].

 سمع يوسف الوعد الإلهي لجده إبراهيم فآمن أن الله لن يترك شعبه متغربًا، لهذا بالإيمان أوصى بعظامه عند الخروج إعلانًا عن شوقه للدخول إلى مواعيد الله خلال عظامه اليابسة. كان يوسف في مصر يعيش في مجدٍ، بكونه الرجل الثاني بعد فرعون، لكن القصر لم يشغله عن الوعد الإلهي، مشتركًا بالإيمان مع الشعب في الخروج خلال النية، كرمز للخروج من عبودية الخطية إلى الحياة الجديدة في المسيا المخلص.

ه. والدا موسى:

"بِالإِيمَانِ مُوسَى، بَعْدَمَا وُلِدَ، أَخْفَاهُ أَبَوَاهُ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لأَنَّهُمَا رَأَيَا الصَّبِيَّ جَمِيلاً، وَلَمْ يَخْشَيَا أَمْرَ الْمَلِكِ" [٢٣]. لم ينسَ الرسول عند حديثه عن موسى النبي كرجل إيمان عظيم أن يبرز أولاً إيمان والديه. لقد قدم الرسول لنا والدين كمثالٍ بين أمثلة الإيمان حتى ندرك خطورة دور الأسرة في الحياة الإيمانية وعمل الوالدين الجسديين مع الأب الروحي في تهيئة الأجيال المؤمنة بحق. هذا أيضًا أبرزه الرسول حين كتب إلى تلميذه تيموثاوس يقول له: "أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك، الذي سكن أولاً في جدتك لوئيس وأمك أفنيكي، ولكن موقن أنه فيك أيضًا" (٢ تي ١: ٥).

لقد ظهر إيمان والدي موسى في إخفائهما الطفل ثلاثة أشهر، "لأنهما رأيا الصبي جميلاً"، وكما يقول الشماس اسطفانوس: "كان جميلاً جدًا". ماذا رأيا في وجهه إلاَّ انعكاس مجد السيد المسيح المقام من الأموات. فقد كان الطفل تحت حكم الموت، لأن فرعون طلب قتل كل الأطفال الذكور، لكن الوالدين استبقياه بإيمان أن جمالاً داخليًا يكمن فيه. لقد بقى ثلاثة شهور، ونحن نعلم أن رقم ٣ يشير إلى القيامة (حيث قام السيد في اليوم الثالث)، ليظهر بعد الشهور الثلاثة على وجه المياه، مقدسًا المياه لتهب المؤمن قوة القيامة معه.

لقد كان موسى جميلاً في أعينهما، لذا احتفظا به ثلاثة أشهر، وهكذا بالإيمان نحمل في داخلنا لا موسى بل ربه، مدركين أنه "أبرع جمالاً من بني البشرية"، نخفيه فينا ثلاثة أشهر حتى ننعم بالقيامة معه، فلا نوجد محمولين على مياه النهر بل على البحر الزجاجي في أورشليم العليا.

و. موسى

"بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية..." [٢٤].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [إذ وُضعت السماء أمام موسى صار الإعجاب بقصر مصري أمرًا تافهًا... لقد حسب العار من أجل المسيح أفضل من الحياة السهلة، وهذا في ذاته يحمل مكافأة... لقد ألقى موسى بنفسه في مخاطر كثيرة بمحض اختياره في الوقت الذي كان في إمكانه أن يعيش متدينًا وهو يتمتع بالخيرات...، لكنه حسبه خطية ألاَّ يكون مستعدًا لاحتمال الآلام مع الغير، فصار احتماله للآلام خيرًا عظيمًا، ملقيًا بنفسه فيها تاركًا القصر الملكي. لقد فعل هذا لأنه رأى أمامه أمورًا عظيمة، حاسبًا عار المسيح أفضل من خزائن مصر.]

بالإيمان ترك موسى مصر غير خائف من غضب الملك، لقد هرب أولاً خائفًا من الملك لكي لا يجرب الرب وسط المخاطر بلا هدف، وعندما دُعي للعمل أطاع وعاد ليواجه فرعون بلا خوف.

"بِالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْح،َ وَرَشَّ الدَّم،َ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الأَبْكَارَ" [٢٨].

 لقد قام موسى بهذا العمل بكونه رمزًا لعمل السيد المسيح الخلاصي، أي الفصح الحقيقي الذي عبر بنا من عبودية إبليس إلى حرية مجد أولاد الله، وقد سبق لنا الحديث عن ذلك بشيءٍ من التوسع في دراستنا لسفر الخروج.

"بِالإِيمَانِ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ كَمَا فِي الْيَابِسَةِ، الأَمْرُ الَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ الْمِصْرِيُّونَ غَرِقُوا" [٢٩].

هنا يقارن شعبًا بشعبٍ، فقد قاد موسى الشعب كله بالإيمان ليجتازوا البحر كيابسة. إن كان موسى بشعبه يمثل مملكة الله التي ينفتح لها الطريق خلال مياه المعمودية، فإن فرعون بجيشه يمثل مملكة إبليس التي تتحطم خلال نفس مياه المعمودية. في المعمودية تقوم مملكة السماوات فينا وتتحطم مملكة إبليس ولا يكون لها موضع فينا.

ز. يشوع:

"بِالإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا، بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ" [٣٠].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بالتأكيد لا تستطيع أصوات الأبواق أن تسقط الحجارة (التي للأسوار)... لكن الإيمان يقدر أن يفعل كل شيء.]

ط. راحاب الزانية:

"بِالإِيمَانِ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ" [٣١].

 ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً:

[من العار أن تظهر في عدم إيمان أكثر من زانية!

لقد سمعت ما رواه الرجلان وآمنت!

وكانت النتيجة هلاك الكل بينما حُفظت وحدها من الهلاك.

لم تقل في نفسها: أني أبقى مع أصدقائي الكثيرين،

ولا قالت: هل أنا أكثر حكمة من هؤلاء الرجال العقلاء الذين لا يؤمنون، وأنا أؤمن؟!

لم تقل شيئًا من هذا بل آمنت بما سيحدث وما سيعانيه (الكنعانيون).]

انتقل الرسول من الآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب إلى يوسف فموسى كأول قائد للشعب ثم تلميذه يشوع الذي دخل بالشعب أرض الموعد، وهنا يتوقف أمام امرأة زانية غريبة الجنس "راحاب" نالت ما لم يستطع كثير من العبرانيين أن ينالوه، فقد استحقت أن تُحسب في نسب السيد المسيح (مت ١: ٥)، ثم يبلغ بنا إلى رجال إيمان من القضاة مثل جدعون وباراق وشمشون ويفتاح، والملوك مثل داود، والأنبياء كصموئيل.

هكذا يجول بهم خلال كل تاريخهم ليقدم أمثلة من كل حقبة فقد وُجد شهود حق لله حتى في أحلك العصور.

انتقل الرسول من أمثلة رجال ونساء للإيمان إلى أمثلة للأعمال الإيمانية منها:

* قهر المالك بالإيمان.

* صنع البرّ.

* نوال المواعيد.

* سد أفواه الأسود.

* إطفاء قوة النار.

* النجاة من حد السيف.

* نوال قوة من ضعف.

* التشدد في الحرب.

* أخذت نساء أمواتهن بقيامة كما فعلت الأرملة مع إيليا النبي.

* احتمال العذاب ورفض النجاة الزمنية من أجل نوال قيامة أفضل.

* الدخول في تجارب من هزء وجلد وقيود وحبس.

* احتمال الموت من نشر وقتل بالسيف.

* الطواف في جلود غنم وجلود معزي في عوز مكروبين ومذلين.

هذه مجرد أمثلة حية واقعية لأعمال إيمانية عاشها رجال العهد القديم، ويعيشها المؤمن في العهد الجديد بفهمٍ روحيٍ جديدٍ، فبالمسيح يسوع يقهر المؤمن ممالك إبليس والخطية ومحبة العالم، وبه يمارس البرّ ليحيا كشبه إلهه، وينعم بالمواعيد الإلهية. بالإيمان نسد أفواه أسود الشر والرجاسات التي تود افتراسنا، ونطفئ لهيب الشهوات الجسدية النار الداخلية. بالإيمان بالسيد المسيح ننعم بالنجاة من كل سيف أو سهم شرير، ونتمتع بالقوة بالرغم مما لنا في ذاتنا من ضعف، ونتشدد كجنود روحيين في حربنا ضد العدو غير المنظور. بالإيمان تتقدم النفس كالأرملة التي مات وحيدها، فيقيم مسيحنا النفس الميتة. بالإيمان نحتمل الآلام بفرحٍ ولا نطلب خلاصًا زمنيًا بل المكافأة الأبدية.

في اختصار نردد ما قاله القديس يوحنا الذهبي الفم عما يفعله الإيمان في حياة المؤمنين وما يهبهم من قوة روحية وغلبة: [لو وضعت العالم كله ضدهم، أجدهم راجحين في الميزان، ذوي قيمة عظيمة.] إن كانوا قد عاشوا في عوز ومذلة، لكن "لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ" [37].

 

تكملة البولس عب 12 : 1 ، 2

الجهاد وسحابة الشهود

"لِذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا،

لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ" [١].

إذ يحيط بنا الضعف فيمثل ثقلاً على النفس، تهاجمنا الخطية من كل جانب، لهذا يليق بنا أن نجاهد بغير انقطاع متطلعين إلى سحابة الشهود المحيطة بنا فنتمثل بهم في شهادتهم للحق. هذه السحابة هي "لنا" ليس فقط كمثالٍ نقتدي به لكنها "لنا" تسندنا بالصلاة لحسابنا.

يشبه الرسول القديسين بالسحابة لأنها مرتفعة إلى فوق، تتحول إلى مطرٍ لتروي الأرض. هكذا المؤمن الحقيقي يحيا في السماويات لكنه لا يتجاهل النفوس الضعيفة الملتصقة بالأرض والتي لها طبيعة التراب، إنما يصلي من أجلها لكي يستخدمه الله كمطر يروي الأرض بالبركات العلوية، فتأتي بثمر روحي كثير.

حينما يتحدث السيد المسيح عن مجيئه الأخير يؤكد أنه سيأتي على السحاب، وكأنه يأتي الرب جالسًا في قديسيه، السحاب الروحي المحيط به والحامل إياه. لنحيا كسحاب يطلب السماويات، دون تجاهل للأرض فنحمل ربنا يسوع فينا ونعلنه من يومٍ إلى يوم حتى يتجلى فينا بالكمال يوم مجيئه الأخير!

لكي تكون لنا شركة مع "السحابة من الشهود" التي لم يستطع الرسول أن يحدد قياسها، قائلاً: "مقدار هذه"، ولكي نصير نحن أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من هذه السحابة الإلهية يلزمنا أن "ِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا"، الأمور التي تفسد طبيعتنا وتحرمنا من التمتع بالخلقة الجديدة التي صارت لنا في المعمودية. ففي سفر إشعياء يتحدث النبي عن السيد المسيح القادم من مصر على سحابة خفيفة وسريعة (١٩: ١ - الترجمة السبعينية)، هذه التي تشير إلى السيدة العذراء عند هروبها إلى مصر حاملة السيد المسيح في حضنها، كما يقول القديس كيرلس الكبير، وفي نفس الوقت تشير إلى كل نفسٍ نقية وورعة تحمل يسوعها في داخلها وتسير به كسحابة سريعة خفيفة، لا يهدم ثقل الخطية طبيعتها ويعوق مسيرتها.

نشتهي أن نلتصق بالسحابة العظيمة من الشهود، الخفيفة والسريعة التي تحمل مخلصها مسرعة به، لا بالكلام والعاطفة فحسب، وإنما بالجهاد في الرب، إذ يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" [١]، أي لنسرع بالصبر إلى السباق الذي وُضع أمامنا لننال المكافأة. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [مع وجود ضيقات مستمرة فإن "الضيق ينشئ صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاءً، والرجاء لا يخزي" (رو ٥: ٤). فإذ كان النبي إشعياء يتوقع مثل هذا الضيق صرخ بصوت عالِ وحثنا: "هلم يا شعبي ادخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك، اختبئ نحو لحيظة حتى يعبر الغضب" (إش ٢٦: ٣٠).]

يقول القديس چيروم: [في الوقت الحاضر نحن في وادي الدموع! هذا العالم هو موضع البكاء لا البهجة؛ يليق بنا ألاَّ نضحك. هذا هو العالم، إنه زمن الدموع، أما العالم العتيد فهو عالم الفرح... لقد دخل بنا الله كمصارعين في حلبة سباق حيث يكون نصيبنا على الدوام هو الصراع... إذن هذا الموضوع إنما هو وادي الدموع فلا نكون في أمانٍ (تراخٍ) بل كمن في حلبة صراع واحتمال للآلام.]

2. الجهاد والتأمل في آلام المسيح

"َلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا،

نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ،

الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ

احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ،

فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ.

فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هَذِهِ،

لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ" [١-٣].

إن كانت شهادة القديسين هي عون لنا في جهادنا، نمتثل بهم وننتفع بصلواتهم، مقاومين كمن في حلبة صراع لنلقي عنا كل ثقل أرضي وخطية محيطة بنا لنرتفع مع السحابة الإلهية إلى فوق، ويكون لنا شرف حمل الرب في داخلنا. فإن آلام السيد المسيح من أجلنا حتى الموت موت الصليب هي ينبوع نعم إلهية تسندنا في هذا الجهاد؛ أو كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كانت آلام من هم قريبين منا تثيرنا للجهاد فأية غيرة لا يقدمها لنا سيدنا! أي عمل لا يحققه فينا!... حقًا إن آلام المسيح وآلام الرسل هي تعزية عظيمة حقيقية!... أيها الأحباء، الألم هو أمر عظيم يحقق أمرين عظيمين: يمسح خطايانا ويعطي قوة للرجال (الروحيين).]

دعا الرسول السيد المسيح "رئيس الإيمان ومكمله"، فهو قائد المؤمنين في طريق الكمال الوعر، يدخل بهم إلى نفسه، لكي يعبر بهم من مجدٍ إلى مجد، فينعمون بالكمال أمام الآب خلال إتحادهم به.

آلام الصليب لا تُحتمل، وخزيه مرّ، لكنه في عيني السيد المسيح هو موضوع سرور وفرح، إذ يراه الطريق الذي به يحملنا إلى قيامته، ليجلسنا معه وفيه عن يمين العرش الإلهي. بالمسيح يسوع ربنا نفرح بالألم - بالرغم من مرارته القاسية - إذ نرى طريق الأقداس مفتوحًا أمامنا. احتمل السيد آلامه من أجلنا نحن الخطاة وليس من أجل نفسه، فكم بالحري يليق بنا أن نقبلها من أجل نفوسنا، خاصة وأننا نتقبلها في المسيح المتألم!

 

 

+        +         +

 

 

إنجيل القداس ... لو 12 : 32 – 44

 

 

32 لا تخف ايها القطيع الصغير لان اباكم قد سر ان يعطيكم الملكوت
33 بيعوا ما لكم و اعطوا صدقة اعملوا لكم اكياسا لا تفنى و كنزا لا ينفد في السماوات حيث لا يقرب سارق و لا يبلي سوس
34 لانه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم ايضا
35 لتكن احقاؤكم ممنطقة و سرجكم موقدة
36 و انتم مثل اناس ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى اذا جاء و قرع يفتحون له للوقت
37 طوبى لاولئك العبيد الذين اذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين الحق اقول لكم انه يتمنطق و يتكئهم و يتقدم و يخدمهم
38 و ان اتى في الهزيع الثاني او اتى في الهزيع الثالث و وجدهم هكذا فطوبى لاولئك العبيد
39 و انما اعلموا هذا انه لو عرف رب البيت في اية ساعة ياتي السارق لسهر و لم يدع بيته ينقب
40 فكونوا انتم اذا مستعدين لانه في ساعة لا تظنون ياتي ابن الانسان
41 فقال له بطرس يا رب النا تقول هذا المثل ام للجميع ايضا
42 فقال الرب فمن هو الوكيل الامين الحكيم الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم العلوفة في حينها
43 طوبى لذلك العبد الذي اذا جاء سيده يجده يفعل هكذا
44 بالحق اقول لكم انه يقيمه على جميع امواله


 

 

القطيع الجديد ومسرة الآب

"لا تخف أيها القطيع الصغير، لأن أباكم قد سّر أن يعطيكم الملكوت" [32].

يا لها من عبارة معزية فإنه يدعو الله "أبانا"، فنطمئن من جهة رعايته واهتمامه وتدابيره لحسابنا. حقًا تبقى الكنيسة على الدوام "القطيع الصغير" لأن كثيرين يُدعون وقليلين ينتخبون. تختفي هذه القلة في العالم، لكنها محصاة في عيني الله، إذ يقول الرب لإيليا الذي ظن أن القطيع قد فني تمامًا: "قد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجثُ للبعل، وكل فم لم يقبله" (ا مل 19: 18).

إنه قطيع ليس فقط من جهة العدد، ولكن من جهة الإمكانيات البشريَّة، لا حول له ولا قوَّة زمنيَّة، لكنه موضع سرور الآب، ووارث الملكوت الأبدي! إنه القطيع الصغير في عيني العالم لكنه علي صدر الله يتمتع بنعمته الإِلهيَّة، ويغتصب بالحب ملكوت السماوات!

+ هذه بالحقيقة هي تعزية روحيَّة، والطريق الذي يقودنا إلي الإيمان الأكيد... بقوله: "لا تخف" يقصد أنه يجب أن يؤمنوا بهذا الأمر المؤكد الذي لا يحمل شكًا وهو أن أباهم السماوي يهب طريق الحياة للذين يحبُّونه. أنه لن يتجاهل خاصته، بل يفتح يده التي تشبع المسكونة بالصلاح...

الذي يهب هذه الأمور العظيمة والثمينة، ويمنح ملكوت السماوات هل يمتنع من جانبه عن أن يترفق بنا؟ أو هل لا يمدنا بالطعام والملبس؟ أي خير أرضي يعادل ملكوت السماوات؟ ماذا يمكن أن يُقارن بما سيمنحه الله من أمور لا يمكن إدراكها ولا أن ينطق بها؟ "ما لم تر عين، ولم تسمع أذن ولم يخطر علي بال إنسان ما أعده الله للذين يحبُّونه" (1 كو 2: 9). عندما تمتدح الغنى الأرضي وتعجب بالسلطان الزمني فإن هذه لا تقارن بالنسبة لما قد أُعد، إذ قيل: "لأن كل جسد كعشب وكل مجد إنسان كزهر عشب" (1 بط 1: 24). فإن كنت تتحدَّث عن الغنى والترف والولائم، فقد قيل: "العالم يمضي وشهوته" (1 يو 2: 17). الأمور الإلهيَّة لا تقارن بما للعالم. فإن كان الله يهب ملكوته لمحبيه أفلا يريد أن يقدَّم لهم طعامًا وثيابًا؟

لقد دعاهم "قطيعًا صغيرًا"، لأننا أقل من جموع الملائكة غير المحصيَّة، التي تفوق في القدرة أمورنا المائتة بما لا يقاس. هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص بنفسه في المثل المذكور في الأناجيل، إذ يقول: "أي إنسان منكم له مئه خروف وأضاع واحدًا منها ألا يترك التسعة والتسعين في البريَّة (علي الجبال) ويذهب من أجل الضال حتى يجده؟ وإذا وجده فالحق أقول لكم يفرح به أكثر من التسعة والتسعين الذين لم يضلوا (لو 15: 4 الخ). لاحظوا إن كان عدد الكائنات العاقلة يمتد إلي عشرة مضروبة في عشرة، فإن القطيع الذي علي الأرض ليس إلا واحدًا من مئة.

مع أنه صغير من جهة الطبيعة والعدد والكرامة أن قورن بطغمات الأرواح العلويَّة التي بلا عدد لكنه بصلاح الآب الذي يفوق كل وصف ويُعطى له نصيب مع الأرواح الفائقة، أقصد ملكوت السماوات.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ يعني ربَّنا بالقطيع الصغير أولئك الذين يريدون أن يصيروا تلاميذه (القليلي العدد)، أو ليظهر أن القدِّيسين في العالم يبدون صغارًا بسبب مقرهم الإختياري، أو لأنهم يُضمون إلي جموع الملائكة الذين يفوقوننا في كل ما نعتز به بما لا يقارن.

لقب "الصغير" أعطاه ربَّنا لمختاريه بمقارنتهم بالأعداد الضخمة من الأشرار، أو ربَّما من أجل تواضعهم الورع.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ انظر أن تنتمي إلي القلة المختارة، ولا تسلك ببرود متمثلاً بتراخي الكثيرين. عش كالقلة حتى تتأهل معهم للتمتع بالله "لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" (مت 20: 16).

القدِّيس يوحنا كاسيان

+ لكل واحد منا قطيع يقوده إلي المراعي الخضراء.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

القطيع الجديد والصدقة

إن كان السيِّد المسيح قد دعا قطيعه بالصغير ليُحسب أهلاً لمسرة الآب الذي يهبهم الملكوت، فإنه يليق بهذا القطيع أن يعلن شوقه لهذا الملكوت المجاني بتخليه عن كنوز العالم وتقديمها للفقراء كمن يحفظونها لهم في البيت الجديد أي في السماء. بهذا يقدَّم لنا السيِّد المسيح مفهومًا جديدًا للعطاء أو الصدقة، ألا وهو الكشف عن تفريغ القلب من حب الزمنيات بقصد الشبع السماوي.

"بيعوا مالكم وأعطوا صدقة.

أعملوا لكم أكياسًا لا تفنى، وكنزًا لا ينفذ في السماوات،

حيث لا يقرب سارق، ولا يبلى سوس.

لأنه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضًا" [33- 34].

يقول القدِّيس أغسطينوس: ]ليت أعماله تعلن صوته [، بمعنى أن كان المؤمن يتحدَّث عن الملكوت، فليعلن حديثه هذا عمليًا بالعطاء.

+ ليكن شغفنا نحو الأمور المقبلة ثابتًا، لنخزن الرجاء في الأمور العتيدة ككنزٍ لنا. لنجمع أمامنا لأنفسنا كل هذه الأمور التي بها نتأهل لعطايا الله.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ الصدقة دواء لكل جرح. لكن الصدقة لا تُمارس بالعطاء المالي وحده، بل بكل ما يمكن للإنسان أن يريح به آخر، فالطبيب يعالج والحكيم يقدَّم مشورة.

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

+ قد يسأل أحد: على أي أساس يلزمنا أن نبيع مالنا؟ هل لأنها أمور ضارة بطبعها؟ أو لأنها تمثل تجربة لنفوسنا؟

نجيب علي ذلك أولا بأن لو كان كل ما في العالم شرِّيرا في ذاته لما حُسبت خليقة الله، لأن خليقة الله صالحة (1تى 4: 4). ثانيًا أن وصيَّة ربَّنا تعلمنا أن ننزع الشر الذي فينا لا أن نقدَّمه للغير، قائلاً "اعطوا صدقة".

القدِّيس باسيليوس الكبير

القطيع الجديد ومجيء الصديق

إذ يرفع السيِّد قلب قطيعه الصغير نحو السماء، ويسأله أن يقدَّم كل كنوزه إلي المخازن السماويَّة حيث لا ينفذ إليها سوس، ولا يقترب منها سارق، يلهب القلب بمجيء العريس السماوي، راعي القطيع الجديد، فيبقى الجسد متمنطقًا كمن هو مستعد للرحيل معه، والنفس كسراج متقد بحب العريس القادم، وكل ما في كيان الإنسان في حالة سهر ويقظة ليرحل الكل إلي حيث يوجد العريس.

لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة.

وأنتم مثل أناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العريس

حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت" [35-36].

ما هي الأحقاء الممنطقة إلا الجسد العفيف الذي يسلك كما في حالة انضباط وتأدب؟ وما هي السرج الموقدة إلا النفوس الملتهبة بروح الله واهب الإنارة؟ ومن هم الأناس الذين ينتظرون سيِّدهم إلا طاقات الإنسان ودوافعه بكل عواطفه وأحاسيسه ومواهبه؟... الكل يعمل كما في يقظة من أجل العريس القادم ليملك.

+ تمنطق الأحقاء وربطها بجلد ميت (حزام جلدي يسمى المنطقة) من حولها يعني أن الإنسان يمارس إماتة هذه الأعضاء التي تضم بذار الشهوة والدنس، فيعرف علي الدوام وصيَّة الإنجيل: "لتكن أحقاؤكم ممنطقة"، مطبقًا ذلك كتفسير الرسول: "فأميتوا أعضاءكم التي علي الأرض الزنا النجاسة الهوى الشهوة الرديَّة" (كو 3: 5). نجد في الكتاب المقدَّس الذين يمنطقون أحقاءهم هم وحدهم الذين يهلكون بذار الشهوة الجسديَّة، مترنمين بقوَّة، مرددين كلمات الطوباوي داود: "قد صرت كزقٍ في الدخان" (مز 119: 83).

القدِّيس يوحنا كاسيان

+ ماذا يعني: "أحقاؤكم ممنطقة"؟ اترك الشر (مز 34: 14).

ماذا يعنى "سرجكم موقدة"؟ اصنع الخير.

القدِّيس أغسطينوس

+ الأحقاء الممنطقة تعني البتولية (أو العفة)، والسرج الموقدة الأعمال الصالحة.

القدِّيس أغسطينوس

+ ماذا يعني أن نمنطق أحقاءنا؟ أن نضبط شهواتنا، الذي هو عمل العفة. أما إبقاء سرجنا يعني أن نشعلها ونوهجها بالأعمال الصالحة، أي بعمل البر.

القدِّيس أغسطينوس

+ "لتكن أحقاؤكم ممنطقة"، أي تكونون دائمًا علي استعداد لتمارسوا عمل ربكم. "وسرجكم موقدة" أي لا تسلكون الحياة في ظلمة، إذ يكون لكم نور التعقل الذي يكشف ما يجب أن تفعلوه وما تمتنعوا عنه. فإن هذا العالم هو ليل، فمن لهم الأحقاء ممنطقة يمارسون حياة عملية نشطة. لأن هذا هو حال الخدم الذين يجب أن تكون لهم المصابيح الموقدة أي عطيَّة التمييز، فيكون الإنسان العامل قادرًا علي تمييز ليس فقط ما يجب أن يفعله، وإنما كيفيَّة ممارسته حتى لا يسقط مندفعًا في هوة الكبرياء.

لنجاهد ممارسين الفضائل، فيكون لنا سراجان منيران هما الفهم العقلي الذي يشرق في النفس فنستنير، والتعليم الذي به ننير للآخرين.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ يليق بالرسل أن يتمنطقوا ليحملوا سرج الإنجيل.

القدِّيس جيروم

+ لا يقل أحد أن السيِّد يريدنا أن نمنطق جسدنا، ونمسك بسرج في أيدينا (بالمعنى الحرفي)، فإن هذا التفسير يناسب غباوة اليهود وحدهم، أما بالنسبة لنا فالأحقاء الممنطقة تعنى استعداد الذهن للعمل بقوَّة في كل ما هو ممدوح... والسراج يمثل يقظة الذهن والفرح العقلى.

القدِّيس كيرلس الكبير

يمكننا أيضًا أن نقول أن هذين الأمرين يشيران إلي شركة الجسد مع النفس في الحياة المقدَّسة، فمنطقة الأحقاء تشير إلي الجسد الذي قمعه الرسول، واستعبده لا ليحطمه، وإنما ليربيه بالروح القدس فيحيا مقدَّسا للرب، والسرج المنيرة هي النفس بكل طاقاتها تضيء داخل الجسد ليعيش الإنسان في وحدة وتناسق تحت قيادة الروح لحساب مملكة النور.

إن كان هذان العملان يمارسهما الإنسان بالعمل الروحي، فإن وصيَّة الرب جاءت تعلن الالتزام بالعمل خلال اليقظة والسهر المستمر حتى يأتي السيِّد ويحلّ في الوسط عريسًا للنفس، إذ يقول: "وأنتم مثل أناس ينتظرون سيِّدهم متى يرجع من العرس حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت" [36].

+ يليق بنا أن نتطلع إلى مجيء المسيح الثاني من السماء، فإنه سيأتي في مجد الآب مع الملائكة القدِّيسين... سيأتي المسيح كما من وليمة، لهذا يظهر بوضوح أن الله سكن كما في أعياد (عرس)، الأمر الذي يليق به. فإنه لا يوجد حزن قط في الأعالي، إذ لا يوجد قط شيء يحزن الطبيعة التي فوق الأهواء والتي لا تتأثر بها قط.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ عندما صعد ربَّنا إلي السماوات ذهب إلي العرس، كعريس التصق بجموع الملائكة السمائيين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إنه يأتي كما من فرح ٍكعريس يطلب عروسه البشريَّة؛ إه يقرع فيفتحون له للوقت [36]. ماذا يعني قرعه علي الباب إلا إصداره الأمر بالقيامة! وفتح الباب للوقت إلا استعدادهم السريع لملاقاته، إذ رقدوا على هذا الرجاء منتظرين يوم العرس الأبدي. يفتح المؤمنون الحقيقيون الباب ليدخل العريس كما في مملكته، ويفتح هو لهم لينعموا بأحضان الآب، أما الأشرار فيقومون لكن كما في موتٍ أبديٍ، لا يحملون بهجة القيامة، ولا يتمتعون برؤية الأمجاد الإلهيَّة... وهكذا تبقى أبوابهم مغلقة لا يدخلها العريس، وأبواب العريس الدهريَّة مغلقة لا يقدرون العبور فيها.

يكمل السيِّد المسيح حديثه، قائلاً: "الحق أقول لكم أنه يتمنطق ويتكئهم، ويتقدَّم ويخدمهم" [37]. يا للعجب العريس يتمنطق مكرمًا عروسه التي يتكئها، ويقوم فيخدمها بنفسه. إنه يخدم الذين سبقوا فتمنطقوا في العالم وقاموا يخدمون الآخرين لحساب العريس السماوي فتأهلوا لأن يخدمهم هو...

يشعل هذا المنظر قلب القدِّيس يوحنا الذهبي الفم، فيقول: [إذ نسمع عن هذه الأمور يليق بنا ألا نهتم بأهل الإيمان وحدهم (غل 6: 10) مهملين الآخرين. أن رأيت أحدًا في ضيق فلا تكن محبًا للاستطلاع فتكثر الأسئلة، بل مادام في ضيق فاحسب هذا فيه كفاية لينعم بعونك. أنه إنسان الله سواء كان وثنيًا أو يهوديًا، حتى أن كان كافرًا فهو محتاج إلي عونك. ]

+ إننا ننال مكافأة مشابهة، إذ يتمنطق هو بالنسبة للذين منطقوا أحقاءهم.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ يمنطق حقويه بالبرّ.

العلامة أوريجينوس

+ يمنطق حقويَّة بمعنى أنه يستعد للدينونة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

إنه يتمنطق ويتقدَّم للخدمة بعد أن يتكئهم أو يجلسهم [37].

+ يتكؤهم كمن يلطف من تعبهم، مقدَّمًا أمامهم الملذّات الروحيَّة، ويعد لهم مائدة عطاياه الفاخرة.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ الاتكاء هنا يعني الراحة من أتعاب كثيرة، والحياة بلا قلق، والتغير لطبيعة الذين يقطنون في النور فتغتنى بكل المشاعر المقدَّسة وتفيض عليها كل العطايا، فيمتلئون فرحًا. فيسوع يتكئهم ليهبهم راحة أبديَّة ويوزع عليهم بركات بلا عدد.

القدِّيس ديونسيوس الأريوباغى

إذ كشف عن حال القطيع الصغير المترقب مجيء صديقه الفريد وراعيه الواحد وعريسه السماوي، بدأ يؤكد الالتزام بالسهر وترقب هذا المجيء، بقوله:

"وإن أتى في الهزيع الثاني أو أتى في الهزيع الثالث

ووجدهم هكذا فطوبى لأولئك العبيد.

وإنما اعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أية ساعة يأتي السارق

لسهر ولم يدع بيته يُنقب.

فكونوا أنتم إذًا مستعدين

لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان" [38-40].

يرى الأب ميثوديوس أن السيِّد المسيح قد يأتي في الهزيع الأول عندما يكون الإنسان في طفولته، وربما ينتظرنا حتى الهزيع الثاني، أي عندما نبلغ النضوج (الرجولة) أو في الهزيع الثالث أي في الشيخوخة. إذن لنستعد لملاقاته إن كنا أطفالاً أو كبارًا أو شيوخًا. وقد قدَّم لنا القدِّيس كيرلس الكبير ذات التفسير.

القطيع الجديد والأمانة علي الوكالة

سحب السيِّد قلب قطيعه إليه ليترقب مجيئه الأخير، فيتمتع القطيع الجديد بملكوت الله. الآن يعلن السيِّد المسيح لقطيعه الإلتزام بالأمانة حتى يكون له نصيب في هذا الملكوت.

"فقال له بطرس: يا رب ألنا تقول هذا المثل أم للجميع أيضًا؟

فقال الرب: فمن هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيِّده علي خدمه

ليعطيهم العلوفة في حينها؟" [41-42].

إذ سمع القدِّيس بطرس المثل الخاص بيوم مجيء الرب والذي فيه يعلن السيِّد مجيئه فجأة، سائلاً إياهم السهر واليقظة والترقب لهذا المجيء، سأل القدِّيس بطرس سيِّده أن كان هذا المثل خاص بالتلاميذ وحدهم أم عام للكل؟

لعل القدِّيس بطرس تساءل في أعماق نفسه: ماذا يقصد السيِّد بقوله "أولئك العبيد"؟ ألعله يقصد التلاميذ الذين يؤتمنون علي "بيت الله" كخدام ورعاة حتى يأتي "رب البيت"، أم يقصد بهم كل مؤمن بكونه قد أؤتمن علي حياته كبيت الله كخادم وراعٍ للجسد والنفس والطاقات والمواهب وكل الإمكانيات لتعمل معًا لحساب رب البيت، السيِّد المسيح نفسه؟

جاءت إجابة السيِّد: "فمن هو الوكيل الأمين الحكيم، الذي يقيمه سيِّده علي خدمه، ليعطيهم العلوفة في حينها؟" [42].

وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم لم يقدَّم ربَّنا هذا السؤال لأنه يجهل من هم مؤمنين ووكلاء حكماء، إنما أراد أن يكشف عن ندرة وجودهم خاصة لكي يؤتمنوا علي خدمة الكنيسة.

+ من يُوجد أمينًا ووكيلاً حكيمًا فليتسلم تدبير بيت الرب ليعطي العلوفة (نصيبهم في الطعام) في حينها، الذي هو كلمة التعليم المغذي لنفوسهم، أو القدرة العملية التي تشكّل حياتهم.

الأب ثيؤفلاكتيوس

+ لقد سام المخلِّص الرسل كوكلاء علي خدمه، أي على أولئك الذين رُبحوا بالإيمان لمعرفة مجده - أناس أمناء وذو فهم عظيم، مثقفون حسنًا بالتعليم المقدَّس.

لقد سامهم، آمرًا إياهم أن يقدَّموا الطعام المسموح به، ليس بدون تمييز، وإنما في حينه. أقصد الطعام الروحي الذي يقدَّم بما يليق بكل فرد وما يشبعه. فإنه لا يليق تقديم التعليمات في كل النقاط بطريقة واحدة لكل الذين يؤمنون بالمسيح، إذ كُتب: "معرفة اعرف نفوس غنمك" (أم 27: 23). فعندما نقدَّم طرق الحق لإنسان صار تلميذًا حديثًا نستخدم معه التعليم البسيط الذي لا يحمل أمرًا يصعب فهمه أو إدراكه... الأمر الذي يختلف تمامًا عن الطريق الذي نستخدمه في تهذيب الذين ثبتوا بالأكثر في الفكر والقادرون علي إدراك العلو والعمق والطول والعرض لمفاهيم اللاهوت السامي، وكما سبق فقلنا: "الطعام القوي فللبالغين" (عب 5: 14).

القدِّيس كيرلس الكبير

مجىء السيِّد يفرز الوكلاء الأمناء والحكماء من الوكلاء المتهاونين العنفاء والعاملين لحساب بطولتهم لا لحساب موكلهم، إذ يقول:

"طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيِّده يفعل هكذا.

بالحق أقول لكم أنه يقيمه علي جميع أمواله.

ولكن أن قال ذلك العبد في قلبه سيدي يبطىء قدومه،

فيبتدىء يضرب الغلمان والجواري ويأكل ويشرب ويسكر.

يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره،

وفي ساعة لا يعرفها، فيقطعه ويجعل نصيبه مع الخائنين" [43-46].

+ من يعطي الخدم رفقاءه نصيبهم من الطعام بحكمة في حينه حسب احتياجهم يكون مطوّبًا جدّا كقول المخلِّص، إذ يُحسب أهلاٍ لأمور أعظم، ويتقبل مكافأة تليق بأمانته... هذا ما علمنا إيَّاه المخلِّص في موضع آخر حين مدح العبد العامل والأمين، قائلاً: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا في القليل فأقيمك علي الكثير، أدخل إلي فرح سيدك" (مت 25: 21).

أما أن أهمل واجبه فلم يكن مجتهدًا ولا أمينًا، مستخفًا بالسهر علي هذه الأمور كأنها تافهة، يترك ذهنه يرتبك بالاهتمامات الأرضية، ويفسده بأمور غير لائقة، فيستخدم العنف والقسوة مع الخاضعين تحته، ولا يقدَّم لهم نصيبهم، فسيكون في بؤس مطبق. فإن هذا هو معنى أنه "يقطعه"، كما أظن، "ويجعل نصيبه مع الخائنين". فإن من يسيء إلي مجد المسيح أو يتجاسر فيستهين بالقطيع الموكل إليه لا يختلف عن الذين لا يعرفون المسيح، ويُحسب هؤلاء مع الذين لا يحبُّونه. فإن المسيح قال للطوباوي بطرس: "يا سمعان بن يونا أتحبني؟ ارع خرافي، ارع غنم" (يو 21: 15-16). فمن يرعى غنمه إنما يحبها، ومن يهملها ويترك رعاية الخراف الموكل بها إليه يبغضها. وإن كان يبغضها فسيُعاقب ويحسب مع غير المؤمنين.

القدِّيس كيرلس الكبير

+ "يقيمه علي جميع أمواله" [44]، ليس فقط علي بيته، وإنما علي الأمور الأرضية كما السماويَّة فتطيعه. وذلك كما حدث مع يشوع بن نون وإيليا، واحد أمر الشمس، والآخر أمر السحب؛ وكل القدِّيسين كأصدقاء لله استخدموا ما لله. من يعبر حياته بطريقة فاضلة ويخضع خدمه بطريقة لائقة مثل الغضب والشهوة، ويمدهم بالطعام في حينه؛ فبالنسبة للغضب يستخدمه ضد مبغضي الله (لتوبتهم)، وبالنسبة للشهوة يمارسها في حدود الضرورة اللازمة للجسد، مخضعًا إيَّاها لله؛ مثل هذا أقول يقيمه الله علي جميع أمواله إذ يُحسب أهلاً أن يتمتع بنظر كل الأمور (الإلهيَّة) خلال نور التأمَّل.

الأب ثيؤفلاكتيوس

ليتنا إذن نكون وكلاء أمناء ليس فقط كخدام نقدَّم الطعام الروحي اللائق بكل نفس في حينه، وإنما حتى بالنسبة لنا، فنكون أمناء علي الخدام الذين تحت أيدينا، كالجسد بكل أعضائه وأحاسيسه، والفكر بكل طاقاته، والقلب بكل عواطفه والغرائز. ليكن كل ما هو بين أيدينا أمانة تسلمناها من قبل الرب، يلزمنا أن نخدمها بالروح القدس، فنعطيها شبعًا لا بأمور هذه الحياة الباطلة، وإنما بطعام الروح، كلمة الله التي تُشبع كل كياننا. عندئذ يقيمنا الله علي جميع أمواله، إذ تخضع السماء والأرض لإشتياقاتنا في الرب، ويعمل الكل لبنياننا، ويصير كل منا أشبه بملكٍ صاحب سلطان في الرب، ملك الملوك ورب الأرباب.

إنه لا يليق بنا أن نضرب "الغلمان والجواري"، فإن كانت الغلمان تشير إلى طاقات النفس فإن الجواري تشير إلي طاقات الجسد، لأننا كما سبق في دراساتنا السابقة رأينا أن النفس يُرمز لها بالذكر والجسد بالأنثى، فالغلمان هم أبناء النفس، والجواري هن بنات الجسد؛ ونحن مطالبون ألا نحطم هؤلاء ولا أولئك، بل نقوَّتهم ونربيهم، ليكون الكل مقدَّسًا للرب، عاملاً بروحٍ منسجمٍ لحساب ملكوت الله.

يقدَّم لنا السد مبدأ هامًا في المكافأة أو الجزاء وهو أنه كلما زادت المعرفة صارت المسئولية أعظم وبالتالي تكون المكافأة أو يكون الجزاء أكثر.

+        +        +

 

 

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt