طقس الكنيسة

     
   
 

 

 

 

 

 

قراءات 10 كيهك

عشيــــــــة

باكــــــــــــر

قراءات القــــــداس

مز 89 : 19 – 21

مت 10 : 34 - 42

مز 132 : 9 ، 10 ، 17

لو 6 : 17 - 23

عب 7 : 18

- 8 : 13

3 يو 1

1 - 15

أع 15 : 36

- 16 : 5

مز 99 : 6 – 7

يو 16 : 20 – 33

 

البولس عب 7 : 18 – 8 : 13

أولا : عب 7 : 18 - 28

18 فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها

19 إذ الناموس لم يكمل شيئا. ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله

20 وعلى قدر ما إنه ليس بدون قسم

21 لأن أولئك بدون قسم قد صاروا كهنة، وأما هذا فبقسم من القائل له: أقسم الرب ولن يندم ، أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق

22 على قدر ذلك قد صار يسوع ضامنا لعهد أفضل

23 وأولئك قد صاروا كهنة كثيرين من أجل منعهم بالموت عن البقاء

24 وأما هذا فمن أجل أنه يبقى إلى الأبد، له كهنوت لا يزول

25 فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم

26 لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا، قدوس بلا شر ولا دنس، قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السماوات

27 الذي ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولا عن خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب، لأنه فعل هذا مرة واحدة، إذ قدم نفسه

28 فإن الناموس يقيم أناسا بهم ضعف رؤساء كهنة. وأما كلمة القسم التي بعد الناموس فتقيم ابنا مكملا إلى الأبد

 

يقارن الرسول بين ناموس الكهنوت اللاوي وناموس الكاهن الأعظم السماوي يسوع المسيح، قائلاً: "لأَنَّهُ إِنْ تَغَيَّرَ الْكَهَنُوتُ فَبِالضَّرُورَةِ يَصِيرُ تَغَيُّرٌ لِلنَّامُوسِ أَيْضًا... فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَجْلِ ضُعْفِهَا وَعَدَمِ نَفْعِهَا، إِذِ النَّامُوسُ لَمْ يُكَمِّلْ شَيْئًا. وَلَكِنْ يَصِيرُ إِدْخَالُ رَجَاءٍ أَفْضَلَ بِهِ نَقْتَرِبُ إِلَى اللهِ" [ 12 ، 18 ، 19 ]  أبطلت الوصية القديمة لا بنقضها وإنما بتحقيقها في الوصية الجديدة المكملة لها، هذه التي فتحت لنا "رجاء أفضل" إذ به نقترب إلى الآب باتحادنا معه في ابنه.

هكذا يحدثنا الرسول عن ذبائح أفضل، وكهنوت أفضل، ومواعد أفضل، ورجاء أفضل خلال "المسيح يسوع ربنا". وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [الذبيحة التي خلاله هي أفضل، والرجاء الذي فيه أفضل، والمواعيد التي لنا خلاله أفضل. هذه ليست أعظم لمقارنتها بما هو أقل منها وإنما لاختلافها في الطبيعة عن الأمور السابقة، لأن من يقوم بهذا التدبير هو أعظم.]

المقارنة بين الكهنوت في القديم والجديد

قدم لنا الرسول مقارنة بين الكهنوت اللاوي وكهنوت السيد المسيح، أهم بنودها:

أولاً: قيام الكهنوت الجديد وإبطال الكهنوت اللاوي يعني إبطال الوصية الأولى، إذ هي عاجزة عن الدخول بنا إلى الاقتراب إلى الله والإتحاد معه [[١٨-١٩] إذ يُبتلع الرمز في المرموز إليه.

ثانيًا: كان الكهنوت اللاوي بدعوة إلهية لكن بدون قسم، لأنه مؤقت يحقق هدفه بظهور الكهنوت الأبدي الجديد المقام بقسم، إذ قيل: "أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" [20]علامة ًضمان أفضل لعهد أفضل [٢1]. الأول عاجز عن تطهير الخطايا وتقديس النفس، أما الثاني فيحقق ما عجز عنه الأول.

ثالثًا: في الكهنوت القديم دُعي كهنة كثيرون حتى إذ يموت الواحد يبقى الكهنوت قائمًا بغيره: "وَأُولَئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ، لأَنَّ الْمَوْتَ مَنَعَهُمْ مِنَ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا هَذَا فَلأَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ" [ 23 – 24 ] . علامة ضعف الكهنوت الأول أنه لم يرتبط بكاهنٍ واحدٍ، وإنما ارتبط ببني قهات جميعهم من سبط لاوي. كان رئيس الكهنة يفرح حين يلبس ابنه الثياب الكهنوتية ويحتل مركزه، إذ لا يقدر هو أن يخلد فيترك الكهنوت قائمًا في نسله، أما السيد المسيح فلا يقوى الموت عليه، لهذا يبقى كهنوته أبديًا لا يزول. بتجسده أعلن كهنوته، وبموته لم يفقد كهنوته، إذ لا يقدر الموت أن ينجسه ولا أن يوقف تيار شفاعته الكفارية، بل بالعكس موته هو أساس كهنوته إذ به قدم نفسه ذبيحة حب للآب، فصار الكاهن والذبيحة في نفس الوقت. قام السيد ليعلن أبدية كهنوته وسماوية ذبيحته فيبقي كهنوته دائمًا، وتبقي ذبيحته فعلاً لا يتكرر! لازال كهنوته عاملاً في كنيسته وذبيحته حاضرة لا تشيخ ولا تفنى. خلال هذا الكهنوت الفائق والذبيحة الفريدة تنعم الكنيسة بالعمل الكهنوتي والذبيحي في المسيح الكاهن والذبيح!

أعلن الرسول قوة هذا العمل بقوله: "فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِم "ْ  [25]. لم يمت إلى النهاية ولا استهلكت ذبيحته، لكنه حيّ أمام الآب يقدم ذبيحة نفسه عنا كسرّ تقديسنا. هذا هو ينبوع القوة التي منه يستمد الكهنة عملهم وتقدماتهم، فهم يمارسون الكهنوت بلبسهم المسيح الكاهن الأعظم، وما يقدمونه إنما ذات ذبيحة المسيح التي لا تتكرر!

رابعًا: كان رؤساء الكهنة والكهنة في العهد القديم خطاة كسائر الشعب، يحتاجون معهم إلى من يقدسهم، أما رئيس الكهنة يسوع فهو "قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاة،ِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّماَوَات" ِ[ 26 ]  فإن كان قد صار كواحد منا، لكنه لا يزال القدوس وحده، المنفصل عن الخطاة المرتفع إلى السماوات، به وفيه نتقدس، ونجد لنا موضعًا في حضن أبيه السماوي. كهنة العهد القديم محتاجون إلى تقديم ذبائح أولاً عن أنفسهم ثم بعد ذلك عن خطايا الشعب، مكررين هذا العمل بلا انقطاع، أما رئيس الكهنة يسوع فقد "فَعَلَ هَذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ. فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضُعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْنًا مُكَمَّلاً إِلَى الأَبَدِ[ 27 – 28 ] وشتان ما بين الناس الذين بهم ضعف والابن الكامل الأبدي!

ثانيا : عب 8 : 1 – 13

وأما رأس الكلام فهو : أن لنا رئيس كهنة مثل هذا، قد جلس في يمين عرش العظمة في السماوات

2 خادما للأقداس والمسكن الحقيقي الذي نصبه الرب لا إنسان

3 لأن كل رئيس كهنة يقام لكي يقدم قرابين وذبائح. فمن ثم يلزم أن يكون لهذا أيضا شيء يقدمه

4 فإنه لو كان على الأرض لما كان كاهنا، إذ يوجد الكهنة الذين يقدمون قرابين حسب الناموس

5 الذين يخدمون شبه السماويات وظلها، كما أوحي إلى موسى وهو مزمع أن يصنع المسكن. لأنه قال: انظر أن تصنع كل شيء حسب المثال الذي أظهر لك في الجبل

6 ولكنه الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط أيضا لعهد أعظم، قد تثبت على مواعيد أفضل

7 فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان

8 لأنه يقول لهم لائما : هوذا أيام تأتي، يقول الرب، حين أكمل مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا

9 لا كالعهد الذي عملته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لأخرجهم من أرض مصر، لأنهم لم يثبتوا في عهدي، وأنا أهملتهم، يقول الرب

10 لأن هذا هو العهد الذي أعهده مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب: أجعل نواميسي في أذهانهم، وأكتبها على قلوبهم، وأنا أكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا

11 ولا يعلمون كل واحد قريبه، وكل واحد أخاه قائلا: اعرف الرب، لأن الجميع سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم

12 لأني أكون صفوحا عن آثامهم، ولا أذكر خطاياهم وتعدياتهم في ما بعد

13 فإذ قال جديدا عتق الأول. وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال

 

+ تربى معلمنا بولس الرسول عند قدمي غمالائيل، قائد إحدى مدرستي اليهود التقليديتين، وكان الكل يأمل أن يتسلم التلميذ قيادتها بعد معلمه بسبب غيرته الملتهبة نحو تراث آبائه وتقاليدهم، فقد اُبتلع قلبه كله، وامتصت أحاسيسه تمامًا في عشق الهيكل بكل طقوسه. الآن يواجه المسيحيين الذين هم من أصل عبراني ليحدثهم عن حقيقة جديدة تبدو في ظاهرها مناقضة لكل خبراتهم الماضية، وهي أن الكاهن الأعظم الجديد سماوي، جاء ليرفع الإنسان بكل حياته وسلوكه وعبادته إلى السماويات، فلا نكوص إلى ما كان عليه العبرانيون. دخل بنا إلى السماويات عينها فلا رجعة إلى الظلام. قدم لنا ذاته رئيس كهنة جديد، وذبيحة جديدة، ودخل بنا إلى هيكل جديد، ليقوم بعملٍ جديدٍ لحسابنا.

 

كهنوت سماوي

"وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هَذَا،

قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السماوات" [١].

رأس الكلام أو نهاية ما نبتغيه هو أن لنا رئيس كهنة سماوي يخدم باسمنا ولحسابنا وهو جالس في يمين عرش الآب في السماوات. إن كان السيد المسيح هو رئيس الكهنة الفريد على رتبة ملكي صادق قد جاء بقسم يحمل كهنوتًا أبديًا يخدم في السماوات، أمامه يختفي الكهنوت اللاوي الذي ارتبط بخدمة الخيمة أو هيكل أورشليم، فإن هذا كله إنما هو "لنا". وكأن الرسول يود أن يؤكد لهم أن ما ورد في الرسالة ليس من أجل الجدال الفكري بل هو مكسب عملي به صار "لنا" هذا الكاهن الجديد بخدمته الجديدة. ما خسره هؤلاء العبرانيون بإيمانهم بالسيد المسيح إنما هو فقدان للظل من أجل التمتع بالحق، وحرمان من شبه السماويات لأجل الدخول في السماويات عينها.

"لنا" رئيس كهنة، قدم ذاته لنقتنيه، فنقول "حبيبي لي" (نش ٢: ١٦). في القديم كان رئيس الكهنة يمثلني ويخدم في القدس نائبًا عني، لكنني لا أقدر أن أقتنيه لي في داخلي، أما رئيس الكهنة الجديد فأعطاني ذاته ملكًا لي. هذا ما أكده الملاك للرعاة: "إنه وُلد لكم" (لو ٢: ١١)، وما يتمتع به إشعياء النبي وإن كان خلال النبوة "لأنه يولد لنا ولد" (إش ٩: ٦).

لا يقلل الرسول من شأن الكهنوت اللاوي، إذ كان الكهنة "يَخْدِمُونَ شِبْهَ السَّمَاوِيَّاتِ وَظِلَّهَا، كَمَا أُوحِيَ إِلَى مُوسَى وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْنَعَ الْمَسْكَنَ. لأَنَّهُ قَالَ: انْظُرْ أَنْ تَصْنَعَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ الْمِثَالِ الَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي الْجَبَلِ" [5]. أما خدمة العهد الجديد فهي خدمة العهد الأفضل بالدخول في السماويات.

إذ كان كهنة العهد القديم من تراب وأقامهم الله لخدمته بقيت خدمتهم لظل السماويات، أما كاهننا فسماوي، وهيكله الذي يخدمه هو السماوات عينها. ما هو هذا الهيكل السماوي إلاَّ كنيسة العهد الجديد التي تحمل السمة السماوية، إذ صارت سيرتنا في السماويات (في ٣: ٢٠)، وعبادتنا أيضًا سماوية. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكنيسة سماوية! إنها ليست إلاَّ السماء]، [صارت لنا السماء عوض الهيكل، بعد أن قادنا إلى السماء. فإن تلك الأمور كانت رمزًا لما صرنا نحن عليه، خلالها تمجدت خدمة (العهد الجديد) وظهر مجد الكهنوت كما يليق.] كما يقول: [أمورنا سماوية، صارت السماويات لنا حتى وإن كانت تمارس ونحن على الأرض، وذلك مثل الملائكة الذين يدعون سمائيون حتى وإن كانوا على الأرض. لقد ظهر الشاروبيم على الأرض ومع هذا فهم سمائيون... وأيضًا "سيرتنا هي في السماوات" (في ٣: ٢٠)، حتى وإن كنا نعيش هنا... إن كنا سمائيين وحصلنا على ذبيحة كهذه فلنخف! لا نبقى على الأرض، ففي استطاعتنا إلاَّ نكون على الأرض من الآن إن أردنا ذلك! فإن الوجود على الأرض أو عدمه هو حالة سلوكية ومحض اختيار! كمثال يُقال عن الله أنه في السماء؛ لماذا؟ ليس لأنه محدود بحيز معين (السماء)، حاشا! ولا بمعنى أنه ترك الأرض خالية من حضرته، وإنما يُقال هذا بسبب علاقته بالملائكة والتصاقهم به. فإن كنا قريبين من الله إنما نكون في السماء. فإنني ماذا أعني بالسماء؟ إنني أرى رب السماء وأصير أنا نفسي سماء! إذ يقول: "نأتي (أنا والآب) وعنده نصنع منزلاً" (يو ١٤: ٢٣). إذن لتكن نفوسنا سماء.]

 عهد جديد

بدخولنا إلى الهيكل السماوي الجديد في خدمة سماوية عوض الهيكل القديم، بقيادة رئيس الكهنة السماوي، دخلنا في العهد الجديد الذي طالما اشتاق إليه الأنبياء، إذ يقول الرسول: "فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الأَوَّلُ بِلاَ عَيْبٍ لَمَا طُلِبَ مَوْضِعٌ لِثَانٍ. لأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ لاَئِمًا: هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ الرَّبُّ، حِينَ أُكَمِّلُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لاَ كَالْعَهْدِ الَّذِي عَمِلْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُ بِيَدِهِمْ لِأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَهْدِي، وَأَنَا أَهْمَلْتُهُمْ يَقُولُ الرَّبُّ" [٧-٩].

هذه هي غاية الكتاب المقدس: دخول الله مع الإنسان في عهد. ففي البداية إذ سقط الإنسان الأول في الفردوس لم يتخلَ الله عنه، وإنما دخل معه في عهدٍ أن يقيم من نسل المرأة من يسحق رأس الحية (تك ٣: ١٥). وحين دخل العالم تحت عقوبة الطوفان، وتجددت الخليقة بالمياه أقام الله عهدًا مع نوح وجعل العلامة قائمة في الطبيعة (قوس قزح) (تك ٩: ٩)، هذه العلامة تظهر حول العرش الإلهي (رؤ ٤: ٣؛ ١٠: ١). ومع إبراهيم أب الآباء أقام الله عهدًا خلال علامة في الجسد، أي الختان (تك ١٧). وأخيرًا دخل الله مع الشعب في عهد خلال موسى النبي على جبل سيناء إذ أخرجهم من أرض العبودية ممسكًا بيدهم ليدخل بهم إلى أرض العهد، أما العلامة فهي الدم الذي رُش على لوحي العهد أو كتاب العهد والمذبح كل ما يستخدم في العبادة. أما استخدام الدم لتثبيت العهد فنعود إليه بشيء من التفصيل في الأصحاح التالي إن أذن الرب.

إذن العهد مرّ بمراحل كثيرة، أولاً مجرد وعد (مع آدم)، أكده بعلامة طبيعية (مع نوح) ثم علامة مرتبطة بالجسد (مع إبراهيم) وأخيرًا علامة الدم (مع موسى)... وماذا كان مصير هذا العهد؟ لقد تعبد الشعب للعجل الذهبي قبل نزول موسى من الجبل، إذ سمع صوت الرب له: "اذهب، انزل، لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر" (خر ٣٢: ٧). حاسبًا الرب إياه شعب موسى (فسد شعبك) وليس شعبه، هو نقض العهد حتى "حمي غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل" (خر ٣٢: ١٩). وكأن موسى قد أعلن عن كسر العهد، وعجز الإنسان عن الحفاظ عليه. هذا ما دفع الأنبياء في العهد القديم إلى التطلع إلى عهدٍ جديدٍ بسماتٍ جديدةٍ قادر على تغيير قلب الإنسان والدخول إلى الحياة الداخلية لكي لا يكسر الإنسان العهد. فيقول إرميا النبي: "ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا، ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم... بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب: أجعل شريعتي في داخلهم، وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا" (إر ٣١: ٣١ - ٣٣). كما يقول حزقيال النبي: "وأقطع معهم عهد سلام فيكون معهم عهدًا مؤبدًا وأقرهم وأكثرهم وأجعل مقدسي في وسطهم إلى الأبد، ويكون مسكني فوقهم، وأكون لهم إلهًا، ويكونون لي شعبًا" (حز ٣٧: ٣٦، ٣٧).

العهد الجديد ليس كالعهد القديم منقوش على حجارة خارجية، إنما يسجله الروح القدس في أعماقنا، إذ يمس حياتنا الداخلية حيث ملكوت الله فينا... "يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا" [١٠].

ينقش الروح القدس هذا العهد في داخلنا ويكون الله نفسه هو معلمنا، إذ يقول الرسول: "ولا يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلاً: اعْرِفِ الرَّبَّ، لأَنَّ الْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ" [١١]. في العهد الجديد لا يتقدم السيد المسيح كمعلم خارج عنا يقدم لنا وصاياه، لكنه دخل إلينا، في حياتنا، ليغير طبيعتنا ويجددها بروحه القدوس، ويكون هو نفسه الوصية والحياة والقيامة والبرّ فينا! وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولي في مقالاته ضد الأريوسيين: [إن كنا لسنا مخلوقين فيه، فلا يكون لنا (السيد) في داخلنا، بل نقتنيه خارجًا عنا، ويكون بذلك مجرد معلم نتقبل منه التعليم. لو كان الأمر كذلك بالنسبة لنا فإن الخطية لم تفقد بعد سلطانها على الجسد كوارثة له وغير مطرودة منه. ولكن الرسول يعارض مثل هذا التعليم إذ يقول: "نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع" (أف ٢: ١٠).]

+           +              +

الكاثوليكون 3 يو 1 : 1 – 15

1 الشيخ الى غايس الحبيب الذي انا احبه بالحق
2 ايها الحبيب في كل شيء اروم ان تكون ناجحا و صحيحا كما ان نفسك ناجحة
3 لاني فرحت جدا اذ حضر اخوة و شهدوا بالحق الذي فيك كما انك تسلك بالحق
4 ليس لي فرح اعظم من هذا ان اسمع عن اولادي انهم يسلكون بالحق
5 ايها الحبيب انت تفعل بالامانة كل ما تصنعه الى الاخوة و الى الغرباء
6 الذين شهدوا بمحبتك امام الكنيسة الذين تفعل حسنا اذا شيعتهم كما يحق لله
7 لانهم من اجل اسمه خرجوا و هم لا ياخذون شيئا من الامم
8 فنحن ينبغي لنا ان نقبل امثال هؤلاء لكي نكون عاملين معهم بالحق
9 كتبت الى الكنيسة و لكن ديوتريفس الذي يحب ان يكون الاول بينهم لا يقبلنا
10 من اجل ذلك اذا جئت فساذكره باعماله التي يعملها هاذرا علينا باقوال خبيثة و اذ هو غير مكتف بهذه لا يقبل الاخوة و يمنع ايضا الذين يريدون و يطردهم من الكنيسة
11 ايها الحبيب لا تتمثل بالشر بل بالخير لان من يصنع الخير هو من الله و من يصنع الشر فلم يبصر الله
12 ديمتريوس مشهود له من الجميع و من الحق نفسه و نحن ايضا نشهد و انتم تعلمون ان شهادتنا هي صادقة
13 و كان لي كثير لاكتبه لكنني لست اريد ان اكتب اليك بحبر و قلم
14 و لكنني ارجو ان اراك عن قريب فنتكلم فما لفم
15 سلام لك يسلم عليك الاحباء سلم على الاحباء باسمائهم

 

 

غايس السالك في الحق

"الشيخ إلى غايس الحبيب،

الذي أنا أحبه بالحق" [1].

يوجه الرسول خطابه إلى غايس ويدعوه بالحبيب، إذ يحبه بالحق وليس مداهنة أو رياء أو تحيّزًا. وهنا نلاحظ أن موضوع "الحق" أي "الرب يسوع" قد ذاب فيه الرسول يوحنا الحبيب. فهو يحب بالحق، ويتكلم بالحق وعن الحق، ويدحض كل مبتدع لأنه منحرف عن الحق. لقد اختفى القديس يوحنا في الحق فلا يرى غيره ولا يريد غيره.

"أيها الحبيب في كل شيء،

أروم أن تكون ناجحًا وصحيحًا،

كما أن نفسك ناجحة" [2].

يرى البعض أن غايس كان مريضًا، وهنا يطلب الرسول له صحة جسده. فحسن للمريض أن يطلب لأجل حياته الروحية ولا ينشغل بالزمنيات، إذ يقول الرب: "اطلبوا أولاً ملكوت اللَّه وبره وهذه كلها تزاد لكم". لكن يجدر بالكنيسة ورعاتها، بل وللأصدقاء أن يطلبوا لأجل احتياجاته الزمنية التي للكفاف. على هذا النهج سلكت الكنيسة، حيث تصلي من أجل المرضى والمسافرين والمتضايقين والذين في السبيّ الخ. وفي هذا كله تطلب لهم غفران خطاياهم.

+ تسير الأمور حسنًا بالنسبة لغايوس لأنه نفسه منشغلة بأمورٍ صالحة حسب توجيه إرادة ذهنه (الصالحة).

هيلاري أسقف آرل

"لأني فرحت جدًا إذ حضر إخوة،

وشهدوا بالحق الذي فيك،

كما أنك تسلك بالحق" [3].

موضوع فرح الراعي أن يرى أو يسمع عن الكل أن لهم شهادة بالحق الذي فيهم، وأنهم سالكون في الحق. إنها فرحة مبهجة تُنسي الخادم أتعاب الخدمة حين يرى ثمارًا مفرحة! لهذا يكمل الرسول قائلاً: "ليس لي فرح أعظم من هذا أن أسمع عن أولادي أنهم يسلكون بالحق" [4].

إنه يسر بسلوكهم بالحق لأنهم أولاده... "أولادي". هذه الأبوة يستمدها من اللَّه وفي اللَّه وبه. فإن صارت العلاقة خارج ربنا يسوع ينطبق عليه هذا القول: "لا تدعوا لكم أبًا على الأرض" (مت 23: 8-10). فلا عجب أن دعا يوحنا الحبيب الرعية أولاده، وهكذا بولس الرسول (ا تس 2: 8، 11، غل 4: 19)، بل ويفتخر بولس بهذه الأبوة قائلاً: "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح، لكن ليس آباء كثيرون، لأني أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 كو 4: 15).

+ يُرى الحق الخاص بحياة غايوس في كمال أعماله. كان إنسانًا بلا أي لوم في الفكر أو القول أو العمل، تبع وصايا الله قدر استطاعته.

هيلاري أسقف آرل

"أيها الحبيب أنت تفعل بالأمانة كل ما تصنعه إلى الإخوة وإلى الغرباء.

الذين شهدوا بمحبتك أمام الكنيسة،

الذين تفعلون حسنًا إذ شيعتهم كما يحق للَّه" [5-6].

إذ يسلك في الحق عامل الإخوة والغرباء بأمانة، أي بما يليق كإنسان مؤمن محب مطيع للرب يسوع. يقصد الرسول "بالإخوة" المؤمنين الذين سبق أن عرفهم غايس قبلاً واستضافهم في بيته. وأما "الغرباء" فربما كانوا يجولون للكرازة، هؤلاء عادوا إلى يوحنا الرسول يشهدون أمامه عن محبة غايس لهم واهتمامه بهم، إذ شيعهم كما يحق للَّه، أي ساعدهم بالصلاة والمحبة وتقديم احتياجاتهم المادية. هؤلاء خرجوا للخدمة من أجل المسيح، أي ليس بغرضٍ شخصيٍ.

+ امتدح الزائرون غايوس أمام بقية الكنيسة بسبب كرمة السخي مع العاملين في خدمة الله.

هيلاري أسقف آرل

"لأنهم لأجل اسمه خرجوا،

وهم لا يأخذوا شيئًا من الأمم" [7].

أي أتاح لهم غايس إمكانية عدم مد يدهم إلى أحد. وهذا يشجع الكارز في كرازته، إذ نجد الرسول بولس يسد أعوازه وأعواز الذين معه بعمل يديه، مع أنه من حقه أن يطلب الزمنيات مادام يزرع الروحيات.

"فنحن ينبغي أن نقبل أمثال هؤلاء

لكي نكون عاملين بالحق" [8].

هكذا يشجعنا الرسول أن نهتم بالعاملين في كرم الرب ونعينهم ونستضيفهم، فنكون بهذا شركاء معهم في خدمتهم.

2. ديوتريفس الخادم المتعجرف

"كتبت إلى الكنيسة،

ولكن ديوتريفس الذي يحب أن يكون الأول بينهم لا يقبلنا" [9].

+ تعلمنا هذه الآية أنه يليق بنا أن نحتمل إساءة الذين يهينوننا برباطة جأش، لكن أحيانا يلزمنا أن نعترض عليها، لأننا إن لم نفعل ذلك يفسد هؤلاء الناس أذهان الذين كان يليق أن يسمعوا عنا ما هو خير.

هيلاري أسقف آرل

"من أجل ذلك إذا جئت،

فسأذكره بأعماله التي يعملها،

هاذرًا علينا بأقوال خبيثة.

وإذ هو غير مكتف بهذه لا يقبل الإخوة،

ويمنع أيضًا الذين يريدون، ويطردهم من الكنيسة" [10].

بمعنى أنه كتب إلى الكنيسة التي غايس عضو فيها يوصيه بخصوص هؤلاء الخدام لكي يهتم بهم، باحتياجاتهم. لكن للأسف ديوتريفس الخادم ضُرب بالكبرياء وحب الكرامة، وهذا دفع به إلى الآتي:

أ. "يحب أن يكون الأول بينهم"، وهذا يحرف الخادم عن رسالته، فبدلاً من أن يخدم الآخرين يطلب خدمتهم وتكريمهم له.

ب. "لا يقبلنا"، أي لا يطيق كلمة الحق. يريد أن يعلم ولا يتعلم، مع أن الأسقف أمبروسيوس يقول: [إنني خلال تعليم الآخرين أرغب أن أكون قادرًا على التعلم، لأنه سيد واحد (اللَّه) الذي لا يتعلم مما يُعلِّم به].

القديس أغسطينوس: [إننا معلمين بالنسبة لكم... ونحن زملاء لكم في مدرسة اللَّه.]

ويتأوه القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [إن الرجل العلماني إذا زل ينتصح بسهولة، أما الإكليريكي فإذ صار رديئًا يُضحي غير قابل النصح.]

ج. "لا يقبل الإخوة" إذ حبه لذاته تبلد فيه محبة الخدمة والاهتمام بخلاص كل نفس وفرحته بنمو كل إنسان روحيًا. إنما يصير حجر عثرة وحائل يقف أمام المؤمنين والخدام، ينتهر ويطرد ويحرم بغير حق ولا يبالي! لهذا نجد الكنيسة تؤكد أن كل حرمان بدون حق يرتد إلى نفس الشخص الذي حرم.

موقف الرسول

"من أجل ذلك إذا جئت فسأذكّره بأعماله التي يعملها، هاذرُا علينا بأقوال خبيثة". يليق به كرسول أن يبكت ليس للانتقام، إنما للتأديب، لأجل خلاص نفسه وعدم تعثر الرعية.

لهذا وضعت المجامع المسكونية قوانين خاصة بتأديب الرعاة متى انحرفوا، على أن يكون التأديب بترتيبٍ معينٍ، فلا ينحرف الرعاة ولا الرعية أيضًا. وإذ سبق الحديث عن هذا الموضوع أرجو الرجوع إليه في موضعه.

غاية الحديث مع غايس ليس إدانة ديوتريفس، ولا التشهير به، إنما لكي لا يتمثل به غايس، إذ يقول الرسول:

"أيها الحبيب لا تتمثل بالشر بل بالخير،

لأن من يصنع الخير هو من اللَّه،

ومن يصنع الشر فلم يبصر اللَّه" [11].

من يصنع الخير يعلن عن استحقاقه لبنوته للَّه "الخير الأعظم"، وأما من يصنع الشر سالكًا في طريق العجرفة وحب الذات، فيعلن عن انحراف قلبه ورفضه النور وانحنائه بإرادته للظلمة، فلا يقدر أن يبصر اللَّه، لأنه "أية شركة للنور مع الظلمة؟ وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟" (2 كو6: 14-15).

فلا يطيق الشرير أن يسمع صوت اللَّه، أو يقبل فكره، أو يستطيع معاينته.

3. ديمتريوس الأمين

"ديمتريوس مشهود له من الجميع، ومن الحق نفسه،

ونحن أيضًا نشهد، وأنتم تعلمون أن شهادتنا هي صادقة" [12].

حوًل الرسول أنظار غايس إلى مثال طيب مشهود له من الجميع ومن اللَّه ومن الكنيسة، وهكذا يشجع غايس حتى لا ييأس بسبب سلوك ديوتريفس. وكما يقول القديس أغسطينوس: [أن العالم مثل شجرة مورقة من يراها من بعيد يظن كلها أوراق بغير ثمر. لكن من يقترب يجد خلف الأوراق ثمار حلوة. هكذا العالم مملوء بالأشرار ويختفي فيه قديسون كثيرون.]

ونلاحظ أن الرسول يوحنا يضع شهادة الجميع (أي من بينهم الوثنيون وغير المؤمنين)، قبل شهادة الحق وشهادة الكنيسة، وهذا هو جمال أولاد اللَّه أنه لا يستطيع حتى الأشرار أن ينكروا سموهم.

لهذا يشترط الرسول بولس في الأسقف "أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج" (1 تي 3: 7).

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [إنه حتى الوثنيين يوقّرون الإنسان الذي بلا عيب... لذلك ليتنا نحن أيضًا نعيش هكذا حتى لا يقدر عدو أو غير مؤمن أن يتكلم عنا بشرٍ. لأن من كانت حياته صالحة يحترمه حتى هؤلاء إذ بالحق يغلق أفواه حتى الأعداء.]

ويقول القديس إيرونيموس [الأسقف المسيحي يلزم أن يكون هكذا: أن الذين يكابرونه معه في العقيدة لا يقدرون أن يكابرونه في حياته.]

4. السلام الختامي

"وكان لي كثير لأكتبه،

لكنني لست أريد أن أكتب إليك بحبر وقلم،

ولكن أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم فمًا لفمٍ" [14].

رأينا في الرسالة السابقة كيف سلم الرسل أمورًا لا تُكتب على ورق ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم في مقدمته لعظاته على إنجيل متى بأن كلمة اللَّه لا تٌكتب، وإنما سجلها اللَّه بلغتنا من أجل ضعفنا لكي ننتفع، لكنها هي روح وحياة، نحيا بها ونتذوقها، ويراها الناس في حياتنا مكتوبة في قلوبنا.

"سلام لك.

يسلم عليك الأحباء.

سلم على الأحباء بأسمائهم".

إنه سلام السيد المسيح لتلاميذه بعد قيامته (لو 24: 36)... هكذا صار للكنيسة باسم المسيح أن تعطي سلام الرب نفسه.

وهنا يكرر الرسول تعبير "الأحباء" بدلاً من "الإخوة"، لكي يؤكد رباط الحب الذي يوحّد الكنيسة كلها في "الحق" ربنا يسوع.

 

+        +          +

الأبركسيس من أعمال 15 : 36 – 16 : 5

أولا من أعمال 15 : 36 - 41

36 ثم بعد ايام قال بولس لبرنابا لنرجع و نفتقد اخوتنا في كل مدينة نادينا فيها بكلمة الرب كيف هم
37 فاشار برنابا ان ياخذا معهما ايضا يوحنا الذي يدعى مرقس
38 و اما بولس فكان يستحسن ان الذي فارقهما من بمفيلية و لم يذهب معهما للعمل لا ياخذانه معهما
39 فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق احدهما الاخر و برنابا اخذ مرقس و سافر في البحر الى قبرس
40 و اما بولس فاختار سيلا و خرج مستودعا من الاخوة الى نعمة الله
41 فاجتاز في سورية و كيليكية يشدد الكنائس

 

 

خلاف بين بولس وبرنابا

"ثم بعد أيام قال بولس لبرنابا:

لنرجع ونفتقد اخوتنا في كل مدينة نادينا فيها بكلمة الرب كيف هم". [36]

لم يشغل نجاح خدمة القديسين بولس وبرنابا في أنطاكية في جو يسوده الهدوء والسلام عن اهتمام القديس بولس باخوته الذين سبق فكرز لهم مع القديس برنابا، فإشتهي أن يروي ما قد غرسه، وأن يفتقد الإخوة. إحساس القديس بولس بمسئوليته نحو الكرازة بين الأمم لم يكن يفارقه، فأراد أن ينطلق برحلة تبشيرية، مع إدراكه بالمتاعب والضيقات التي تحل به أثناء رحلاته.

مع مركز الرسول بولس الأبوي الفائق، خاصة في المدن التي أنشأ فيها الكنائس، ومع تأكيده انه ليس الكل آباء، حاسبا نفسه انه قد ولدهم في إنجيل ربنا يسوع المسيح، يدعو القديس بولس كل أعضاء الكنيسة: أساقفة وكهنة وشعب "إخوتنا".

سأله أن يذهبا معا إلى الكنائس إلى كرزا فيها وأسساها لينظروا "كيف هم" يفتقد الكنائس، ويشاركها فرحها وتعزياتها بالروح القدس، وآلامها وضيقاتها... يمارسا شركة الحب العملي.

"فأشار برنابا أن يأخذا معهما أيضًا يوحنا الذي يدعى مرقس". [37]

تشاور مع القديس برنابا صديقه الحميم في الكرازة، فوجد تجاوبًا من جانبه، غير أن برنابا رأى أن يأخذ معهما ابن أخته القديس مرقس يوحنا الإنجيلي.

"وأمّا بولس فكان يستحسن أن الذي فارقهما من بمفيلية،

ولم يذهب معهما للعمل،

لا يأخذانه معهما". [38]

يبدو أن رجوع القديس مرقس في الرحلة التبشيرية الأولى (أع 13: 23) لم يكن برضا القديسين بولس وبرنابا. اعترض القديس بولس على مرافقته لهما، مهما كانت أسباب رجوعه، فالرسول بولس لا يجد أي عذر لمن ينسحب عن الخدمة.

"فحصل بينهما مشاجرة،

حتى فارق أحدهما الآخر،

وبرنابا أخذ مرقس، وسافر في البحر إلى قبرص". [39]

أصر القديس بولس على رأيه ربما ليكون درسًا للخدام، أن من ينسحب من خدمة لا يُقبل فيها بسهولة، بينما قبل القديس برنابا عذر القديس مرقس فأراد مرافقتهما. وإذ لم يتفق الاثنان حدث نزاع ودي كان حله بركة للكنيسة، حيث انطلق القديسان بولس وسيلا إلى رحلة كرازية ثانية، بينما انطلق القديسان برنابا ومرقس إلى رحلة كرازية أخرى، فتحول الخلاف لا إلى هجوم طرف على آخر، بل انطلاق الكل للعمل، كل فريق إلى مكان ليعمل الكل بروح الحب تحت قيادة روح الله القدوس الصالح، الذي يحول حتى الاختلاف في الرأي إلى نمو الكنيسة وبنيانها.

يرى البعض في هذا الخلاف صورة للضعف البشري حتى بين الرسل الروحيين، لكنه ليس فرصة لتبرير وجود خلافات بيننا أو مشاجرات واحتداد.

هنا ندرك انه ليس بالأمر الغريب أن يحدث خلاف حتى بين الرسل الحكماء، لكن لا تتسلل الكراهية إلى قلب أحدهم، ولا ينسحب أحد عن العمل، أو يحقر من عمل الآخر، ولا تهتز وحدة القلب والروح والفكر، مادام الكل يخدم المسيح الواحد، بإيمانٍ واحد، مستنيرين بنور الروح القدس واهب المحبة.

مرة أخرى لم نرَ القديسين بولس وبرنابا قد اختلفا معًا حين حلت الضيقات من غير المؤمنين وتعرضا لاضطهادات مرة، لكن دبّ الخلاف في فترة الهدوء، وإن كان روح الرب حوله للبنيان.

أخيرًا فإن هذا الخلاف في الرأي لم يدم بل صار القديس مرقس معينًا للقديس بولس في الخدمة كما شهد بذلك في رسالته الوداعية (2 تي 4: 11)

+ ما نأخذه في الاعتبار ليس أنهما اختلفا في الرأي، وإنما تكيف الواحد مع الآخر متطلعين إلى أن صلاحًا أعظم يتحقق بمفارقتهما بعضهما البعض... ماذا إذن؟ هل افترقا في عداوة؟ حاشا! ففي الواقع نرى بعد ذلك مديح كثير لبرنابا فى رسائل بولس. إنه نضال حاد ليس عداوة ولا خصام، أدى النضال إلى المفارقة بينهما. "وبرنابا أخذ مرقس..." بتعقل كل منهما رأى أن ذلك أنفع فلم يمتنع أحدهما عن الخدمة إذ وجدت شركة مع الآخر. إنني أحسب أن المفارقة قد تمت بروية، وكل منهما قال للآخر: "إذ أنا لا أرغب في هذا وأنت ترغب، لهذا لا نتخاصم، وإنما نوزع مناطق العمل". لقد فعلا هذا وخضع كل منهما للآخر. فقد أراد برنابا أن تنجح خطة بولس لهذا انسحب، ومن الجانب الآخر أراد بولس أن تثبت خطة برنابا فانسحب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

بدء الرحلة الثانية

"وأمّا بولس فاختار سيلا،

وخرج مستودعًا من الاخوة إلى نعمة اللَّه". [40]

+ حسن هو إتحاد الشيوخ مع الشبان، واحد يقدم شهادة والآخر يعطي راحة. واحد يقود والآخر يعطي بهجة. أعبر بلوط الذي التصق وهو شاب بإبراهيم إذ كان خارجًا (تك 12: 5). ربما يقول البعض أن هذا حدث بسبب القرابة وليس عن طوعٍ اختياري. ماذا نقول عن إيليا وأليشع (1مل 19: 21)؟... وفي سفر أعمال الرسل برنابا أخذ مرقس معه، وبولس أخذ سيلا وتيموثاوس (أع 16: 3) وتيطس (تي 1: 5).

القديس أمبروسيوس

"فاجتاز في سورية وكيليكية يشدّد الكنائس". [41]

اجتاز الرسولان في سوريا وكيليكية يفتقدان الكنائس التي سبق أن قام القديسان بولس وبرنابا بغرسها بروح الله القدوس.

كيف كانا يشددان الكنائس؟ حتمًا بكلمة الرب التي تشدد الركب المنحنية وتهب قوة الروح.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن القديس بولس لم يكن في عجلة، لهذا لم يأخذ البحر بل طريق البر ليثبت الكنائس التي سبق فأسسها وكرز فيها. هذا وأنه كان يفضل تثبيت الكنائس التي كرز فيها عن الكرازة فى مناطق جديدة حتى لا تصير هذه الكنائس عائقا للكرازة بسبب الضعفات التي تحل فيها.

تكملة : أعمال 16 : 1 – 5

 

1 ثم وصل الى دربة و لسترة و اذا تلميذ كان هناك اسمه تيموثاوس ابن امراة يهودية مؤمنة و لكن اباه يوناني
2 و كان مشهودا له من الاخوة الذين في لسترة و ايقونية
3 فاراد بولس ان يخرج هذا معه فاخذه و ختنه من اجل اليهود الذين في تلك الاماكن لان الجميع كانوا يعرفون اباه انه يوناني
4 و اذ كانوا يجتازون في المدن كانوا يسلمونهم القضايا التي حكم بها الرسل و المشايخ الذين في اورشليم ليحفظوها
5 فكانت الكنائس تتشدد في الايمان و تزداد في العدد كل يوم

 

اختتم الأصحاح السابق ببدء الرحلة التبشيرية الثانية للقديس بولس الرسول، يرافقه فيها القديس سيلا. وقد جاء الأصحاح السادس عشر يروي لنا جزءٍ من هذه الرحلة، ولعل من أهم أحداثها اختيار بولس الرسول للشاب تيموثاوس تلميذًا له يدربه على الخدمة، وسجن القديسان بولس وسيلا في فيلبي، وكيف تمتع القديسان بالتسبيح كمن هما في السماء وسط السجن الداخلي في ظلمة نصف الليل، وقد امتلأ جسديهما بالجراحات.

 

اختيار تيموثاوس تلميذًا

"ثم وصل إلى دِربة ولِسترة،

وإذا تلميذ كان هناك اسمه تيموثاوس،

ابن امرأة يهودية مؤمنة،

ولكن أباه يوناني". [1]

في لستره حيث رُجم القديس بولس أثناء رحلته الأولى التقى في هذه الرحلة بالشاب تيموثاوس، ورأى فيه الرسول إمكانية العمل الروحي القيادي الحي. وهكذا لا ينسى الله تعب المحبة، ففي الموضع الذي عانى فيه الآلام أقتطف ثمرة مفرحة تسر قلب الله، وتكون سبب بركة لكثيرين. إنها نعمة الله الفائقة التي تسمح بالضيق وتعطي تعزيات بطريق أو آخر.

لعل من أهم ملامح القديس بولس أبوته، هنا نراه يتبنى تيموثاوس ويهتم بتعليمه وتدريبه، كما فعل مع كثيرين، بكونه قد ولده في المسيح يسوع خلال كرازته. وقد اتسم بولس كأب بالحب والحنو مع الحكمة. كتب القديس بولس لابنه الصريح في الإيمان رسالتين حملتا اسمه.

1. كان تلميذًا، ربما اعتمد في طفولته، حين قبلت والدته الإيمان، وذلك كما نالت أسرة ليدية العماد عند إيمانها [15]، وكما اعتمد السجان والذين له أجمعون [33].

يرى البعض أن تيموثاوس كان من بين التلاميذ الذين أحاطوا بولس الرسول بعد رجمه، نال المعمودية على يديه، كما هو واضح من قوله: "الابن الصريح في الإيمان" (1 تي 1: 2)، "فتقوَ يا ابني بالنعمة التي في المسيح يسوع" (2 تي 2: 1).

2. رافقه في رحلته الأولى في إنطاكية بسيدية وأيقونية ولسترة كما جاء في 2 تي 3: 10-11 "وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري واضطهاداتي وآلامي مثل ما أصابني في أنطاكية وأيقونية ولسترة. أية اضطهادات احتملت، ومن جميعها أنقذني الرب".

3. لعل الرسول بولس عاش وسط عائلته وتعرف على دقائق حياتهما، إذ يقول: "إذ أتذكر الإيمان العديم الرياء الذي فيك، الذي سكن أولاً في جدتك لوئيس وأمك إفنيكي، ولكني موقن أنه فيك أيضًا" (2 تي 1: 5). كانت والدته في الأصل يهودية آمنت بالسيد المسيح، يتحدث القديس عنها وعن والدتها بكل وقارٍ كمؤمنتين التصقت حياتهما بتعاليم السيد المسيح، وتمتعتا بالشركة معه. هنا يليق بنا أن نقف بكل إجلال للأم والجدة، إذ لا نسمع عن وجود مجمع يهودي في لسترة، وغالبًا لم توجد رعاية دينية في المجتمع اليهودي هناك، لكن قامت الأم والجدة بدور روحي تقوي في تربيته تيموثاوس الذي رضع منذ صباه من لبن الكتاب المقدس الخالص غير الغاش. هنا يبرز دور الأسرة الرئيسي في تنشئة الجيل الجديد وعدم الاتكال بالكامل رعاية الكنيسة والخدام.

+ يرتد مديح أسلافنا إلينا إن كنا نشاركهم فيه. وإلا يصير هذا المديح لغوًا بل بالحري دينونة علينا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ بالتعليق على خلفية تيموثاوس اليهودية، يشير بولس إلى أصل تيموثاوس ليؤكد إيمانه. ليس شيء يسند الشخص مثل المثال في الأسرة.

الأب ثيؤودورت أسقف كورش

4. كان والده يونانيًا أمميًا، مع أنه كان لا يجوز لفتاة يهودية أن تتزوج أمميًا (تث 7: 3؛ عز 9: 12)؛ غير أن هذا القانون كان يُنفذ في حدود كنعان فقط. وإذ كان الأب أمميًا لم يختن تيموثاوس. إذ لم يكن الطفل ملتزمًا بالختان مادام الأب غير يهودي. غير أن الأم والجدة علمتا الطفل الإيمان بالله، فاشتاق أن يختتن كعلامة للدخول في عهد مع الله، وذلك قبل أن تؤمنا بالسيد المسيح.

+ إذ حدث هذا الخلط بين اليهود والأمم بدأ الناموس (في حرفيته) ينحل تدريجيًًا.

القديس يوحنا ذهبى الفم

5. غالبًا ما قبل تيموثاوس الإيمان في رحلة القديس بولس التبشيرية الأولى.

اتسم تيموثاوس بشخصية فاضلة بين المسيحيين، وقد شهد له الإخوة في لسترة وأيقونية، فاختاره القديس بولس ليكون في صحبته، يعلمه ويدربه على الكرازة والرعاية.

6. ختنه القديس بولس ليس كضرورةٍ لخلاصه، وإنما لكي يربح اليهود الذين في أورشليم، ولا يُتهم أنه مقاوم للناموس.

لقد تمتع الرسول بولس وسط ثمر الاضطهادات بتلميذٍ خاص صار أسقفًا على كنيسة أفسس، يحسب كنزًا وذخيرة تمتعت بها الكنيسة في المسيح يسوع!

"وكان مشهودًا له من الإخوة الذين في لِسترة وأيقونية". [2]

أن تعليم تيموثاوس منذ طفولته وتدريبه على الكتب المقدسة بواسطة أمه وجدته قدم له بلا شك معرفة روحية عملية صالحة، وهيأه للعمل الكرازي كتلميذٍ للقديس بولس. فمع صغر سنه شهد له المؤمنون الذين احتكوا به. كما شهد له الرسول نفسه الذي أوصاه: "لا يستهن أحد بحداثتك، بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام، في التصرف، في المحبة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة" (1 تي4: 12).

"فأراد بولس أن يخرج هذا معه،

فأخذه وختنه من أجل اليهود الذين في تلك الأماكن،

لأن الجميع كانوا يعرفون أباه أنه يوناني". [3]

من أهم السمات التي اتصف بها الرسول بولس تشغيل الطاقات واضرام مواهب الكثيرين، خاصة الشباب، هنا نجد مثلاً حيًا لتشغيله الشاب تيموثاوس. قدَّر بولس مواهب الشاب وتقواه ومحبته للكتاب المقدس التي تشربها من والدته وجدته، فقبله ليس فقط كتلميذٍ له، بل حسبه شريكًا معه في الخدمة، وعهد إليه رعاية الكنيسة في أفسس.

قام بختانه ليربح اليهود، حسب مبدأه: "صرت لليهودي كأني يهودي، لأربح اليهود" (1 كو 9: 20). ختنه لأنه نصف يهودي (والدته يهودية)، لكنه رفض ختان تيطس (غل 2:3) لأن والديه أمميان، ولا ضرورة لختانه. بالأول أراد كسب اليهود للمسيح، وبالثاني كسب الأمم.

لم يكن سهلاً لدى اليهود أن يجدوا من كان نصف يهودي أن يكرز بالكلمة. وكما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم أنه لم يرد أن يسدد ضربتين قويتين نحو اليهود لهذا ختن تيموثاوس قبل أن يبدأ الكرازة ويسام أسقفًا. فالختان لا يضر، وفي نفس الوقت، وإن كان غير لازمٍ للخلاص، إلا أن له منفعة حيث يهدئ به روح اليهود حتى يتقبل الكل فكرة عدم ضرورة الختان.

+ عجيبة بحق هي حكمة بولس! ذاك الذي دخل معارك كثيرة بخصوص الختان، والذي بلغ بهذه الأمور إلى هذه النهاية، ولم يستسلم حتى بلغ إلى هذه النقطة (عدم ضرورة الختان) نجده الآن بعد أن صار هذا القانون ثابتًا وأكيدًا يقوم بختان تلميذه. فإنه ليس فقط لم يمنع الآخرين من الختان بل هو نفسه مارسه... والعجيب في تلك الأماكن إذ لم يكونوا قادرين أن يسمعوا الكلمة من شخص أغرل. ليست حكمة أعظم من هذه. ففي كل الأمور كان يتطلع إلى ما هو نافع، ولم يفعل شيئًا لمجرد أنه يفضله هو. ماذا إذن؟ لاحظوا نجاحه، فقد ختنه لكي يزيل الختان، إذ يكرز بقوانين الرسل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وإذ كانوا يجتازون في المدن،

كانوا يسلمونهم القضايا التي حكم بها الرسل والمشايخ،

الذين في أورشليم ليحفظوها". [4]

ساروا في مدن سوريا وكيليكية الخ.، وسلموا المسيحيين هناك قرارات مجمع أورشليم الملزمة بخصوص قبول الأمم للإيمان (أع 10: 20-29). فبلا شك أن المنازعة التي حدثت في أنطاكية في هذا الشأن بسببها انعقد مجمع أورشليم قد انتشرت أيضًا بين كنائس في مدن بعيدة، وسببت قلاقل كثيرة. فقد جاء انعقاد المجمع في وقتٍ مناسبٍ لعلاج مشكلة يمكن أن تهز إيمان الكثيرين، إذ كانت الكنيسة تضم كثيرين كل يوم من الأمم.

نمو الكنائس يوميًا

"فكانت الكنائس تتشدّد في الإيمان،

وتزداد في العدد كل يوم". [5]

فصلت قرارت مجمع أورشليم إلى حدٍ كبير في الخلافات التي حدثت بين المسيحيين الذين من أصل يهودي وأولئك الذين من أصل أممي. عوض ضياع الوقت والطاقة في النزاعات اهتم الكثيرون بالعمل الإيجابي لكسب كل نفس للتمتع بخلاص الله، فتشددت الكنائس في الإيمان، وانضم كثيرون إليها.

+          +           +

إنجيل القداس  يوحنا 16 : 20 – 33

 

20 الحق الحق اقول لكم انكم ستبكون و تنوحون و العالم يفرح انتم ستحزنون و لكن حزنكم يتحول الى فرح
21 المراة و هي تلد تحزن لان ساعتها قد جاءت و لكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لانه قد ولد انسان في العالم
22 فانتم كذلك عندكم الان حزن و لكني ساراكم ايضا فتفرح قلوبكم و لا ينزع احد فرحكم منكم
23 و في ذلك اليوم لا تسالونني شيئا الحق الحق اقول لكم ان كل ما طلبتم من الاب باسمي يعطيكم
24 الى الان لم تطلبوا شيئا باسمي اطلبوا تاخذوا ليكون فرحكم كاملا
25 قد كلمتكم بهذا بامثال و لكن تاتي ساعة حين لا اكلمكم ايضا بامثال بل اخبركم عن الاب علانية
26 في ذلك اليوم تطلبون باسمي و لست اقول لكم اني انا اسال الاب من اجلكم
27 لان الاب نفسه يحبكم لانكم قد احببتموني و امنتم اني من عند الله خرجت
28 خرجت من عند الاب و قد اتيت الى العالم و ايضا اترك العالم و اذهب الى الاب
29 قال له تلاميذه هوذا الان تتكلم علانية و لست تقول مثلا واحدا
30 الان نعلم انك عالم بكل شيء و لست تحتاج ان يسالك احد لهذا نؤمن انك من الله خرجت
31 اجابهم يسوع الان تؤمنون
32 هوذا تاتي ساعة و قد اتت الان تتفرقون فيها كل واحد الى خاصته و تتركونني وحدي و انا لست وحدي لان الاب معي
33 قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام في العالم سيكون لكم ضيق و لكن ثقوا انا قد غلبت العالم

 

"الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون، والعالم يفرح.

أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلى فرحٍ". (20)

إذ لم يستطع التلاميذ أن يدركوا ما يقوله حدثهم بصراحة أنهم سيحزنون بسبب آلامه وصلبه وموته. لقد عرف أنهم مشتاقون إلى المعرفة لذلك شرح لهم الأمر. لم يخبرهم في تفاصيل، إنما أخبرهم بما سيحل بهم، ويمس مشاعرهم من حزن ثم فرح. لم يحدثهم بأكثر من هذا حتى لا يزداد ارتباكهم، إنما أكد أن ذلك يؤول إلى فرحهم وإلى تمتعهم بميلاد جديد.

يجد الأشرار فرحهم ومسرتهم في حزن القديسين وآلامهم، بينما يجد المؤمن مسرته في مشاركة المتألمين، حاسبًا آلام كل إنسان كأنها آلامه الشخصية.

+ أراهم أن بعد الحزن يكون الفرح، وأن الحزن يولد السرور، وأنه لمدة قصيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ يُفهم من ذلك بأن التلاميذ قد أُلقوا في حزن على موت الرب، وفي الحال امتلأوا فرحًا بقيامته. أما العالم الذي يعني به الأعداء الذين قتلوا المسيح، فكانوا حتمًا في نشوة من الفرح بقتل المسيح في الوقت نفسه الذي كان فيه التلاميذ في حزنٍ.

القديس أغسطينوس

"المرأة وهي تلد تحزن،لأن ساعتها قد جاءت.

ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح،

لأنه قد وُلد إنسان في العالم". (21)

لم يعدهم بنزع الضيقات، لكنه وعدهم بتقديم فهم جديد للألم، إذ يجعله كألم المخاض، الذي يليه ولادة طفلٍ، فيحتل الفرح موضع الألم.

+ ما يقوله هو من هذا النوع: "ستحل بكم آلام الطلق، ولكن أوجاع الولادة المفاجئة تسبب لكم فرحًا". كلاهما يثبتان كلماته بخصوص القيامة، ويظهر أن الرحيل هو أشبه بعبور من الرحم إلى نور النهار. حتى الأم لكي تصير أمًا تعبر كما في حزن. هنا أيضًا يطبق أمرًا باطنيًا، إذ تحل أوجاع طلقات الموت التالي لتأتي بإنسانٍ جديد ناتج عنها. إنه لم يقل فقط أن الحزن يعبر، بل ولا تعود تذكره. يا لعظم الفرح الذي يتبعه! هذا ما سيكون مع القديسين... هنا لا يقول إن طفلاً يولد بل "إنسان". بالنسبة له إنه يلتصق هنا بقيامته، وأنه لا يًلد بطلقات الموت بل يُولد للملكوت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فأنتم كذلك عندكم الآن حزن،

ولكني سأراكم أيضًا، فتفرح قلوبكم،

ولا ينزع أحد فرحكم منكم". (22)

إن كنا نتمتع بكمال الفرح في الأبدية غير أننا ننال عربونه هنا، فنحيا في فرحٍ داخليٍ لا ينقطع (٢ كو ٦: ١٠). سرعان ما يتحول فرح العالم بمسراته ومباهجه إلى حزنٍ، لأنه عالم متقلب على الدوام. وسرعان ما يتحول الحزن الروحي إلى فرحٍ دائمٍ، لأنه فرح المسيح غير متغير. يقدم السبب لفرحنا الذي لا يُنزع منا، وهو رؤيته لنا أو ظهوره لنا، يرانا أعضاء جسمه ونراه رأسنا. فإنه يبدو كمن قد تركنا لحيظة ليعود فيجمعنا بمراحمه العظيمة وغنى نعمته (إش ٥٤: ٧).

عودته هي عودة للفرح إلى القلب، يعود كمصدر حقيقي للفرح الداخلي الدائم، وشبع للنفس. هذا الفرح لا يستطيع أحد ولا تستطيع الأحداث أن تنزعه عنا، إذ لا تقدر أن تغتصب النفس من مخلصها، ولا أن تسحبها من محبة المسيح لها.

+ "لا ينزع أحد فرحكم منكم" (٢٢)، لأن فرحهم هو يسوع نفسه.

القديس أغسطينوس

+ ذكر هذا المثل ليوضح أن الحزن وقتي، وأن السرور دائم ثابت، وأن الفائدة من المخاض عظيمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

استجابة صلواتهم

أما السبب الثاني لفرحهم الدائم أنه إذ يُظهر المسيح نفسه لهم ويراهم، يرتبطون بالآب فيطلبون باسم المسيح فينالوا مهما كانت طلبتهم.

يعاتبهم أنهم لم يطلبوا شيئًا بعد باسمه لكي يكون فرحهم كاملاً. وماذا يطلبون إلاَّ سكنى الثالوث القدوس فيهم؟!

"وفي ذلك اليوم لا تسألونني شيئًا.

الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم". (23)

لا يحتاجون بعد أن يطلبوا شيئًا بعد ظهور السيد المسيح لهم، إذ فيه كل الكفاية. هكذا يتجلى السيد المسيح القائم من الأموات في القلب فيشبع كل احتياجاته، ولا يدعه معوزًا شيئًا. لا يطلبون شيئًا، لأن الروح القدس يهبهم كل الحق، ويقودهم فيه، فيتمتعون بملكوت المسيح.

+ فإن قلت: وما معني قول السيد المسيح: "إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم"؟ أجبتك: أي أنهم لا يحتاجون وسيطًا، لكن إذا ذكروا اسمه فقط يجازيهم بأن يأخذوا جميع مطالبهم، وبذلك أراهم قوة اسمه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ الكنيسة في الوقت الحاضر في حالة مخاض تشتهي تلك الثمرة التي لتعبها، لكنها عندئذ ستلد تأملاً واقعيًا. الآن تتمخض لتلد في أنين، عندئذ تلد في فرح. الآن تلد خلال صلواتها، عندئذ تلد بتسابيحها.

+ الرب غير متوانٍ بخصوص وعده، بعد قليل سنراه، حيث لا نعود نسأل شيئًا... إذ لا يوجد شيء نشتهيه، ولا يوجد شيء مخفي نسأل عنه. هذا القليل يبدو لنا طويلاً، لأنه لا يزال مستمرًا وسينتهي، عندئذ نشعر كم كان هذا الوقت قليلاً.

+ في العالم المقبل إذ نبلغ الملكوت حيث نصير مثله، إذ نراه كما هو (١ يو ٣: ٢)، ماذا عندئذ نطلب، إذ ستتحقق كل رغبتنا بالصالحات (مز ١٠٣: ٥)؟ وكما يُقال في مزمورٍ آخر: "سأشبع عندما يُعلن مجدك" (مز ١٧: ١٥). فإن الطلبة تُمارس بسبب نوع من الاحتياج، الأمر الذي لا موضع له حيث يسود الفيض.

القديس أغسطينوس

"إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي.

أطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملاً". (24)

إلى تلك اللحظات لم يطلبوا شيئًا، لكن متى جاء ذاك فهو يعلمهم الصلاة فيطلبوا الاتحاد مع الله الآب بالابن الوحيد الجنس في الروح القدس.

+ يعرف الرب يسوع كيف أن نفس الإنسان، أي الذهن العاقل الذي خُلق على صورته، لا تقدر أن تشبع إلاَّ به وحده...

يعرف أنه قد أُظهر وأنه مخفي. يعرف أن فيه قد أُعلن ما هو مخفي. يعرف هذا كله. يقول المزمور: "يا لعظم فيض عذوبتك يا رب، التي أخفيتها للذين يخافونك، التي تصنعها للذين يترجونك" (مز ٣٠ : ٢٠ LXX).

عذوبتك عظيمة ومتعددة أخفيتها للذين يخافونك...

فلمن تفتحها؟ للذين يترجونك.

سؤال بجانبين قد أُثير، لكن كل جانب يحل الآخر...

هل الذين يخافون والذين يترجون مختلفون؟

أليس الذين يخافون الله هم يترجونه؟...

للناموس الخوف، وللنعمة الرجاء... الناموس ينذر من يتكل على ذاته، والنعمة تعين من يثق في الله... نحن نسمع الناموس. فإن لم توجد نعمة، تسمع العقوبة التي تحل بك... لتصرخ: "ويحي أنا الإنسان الشقي!" (رو ٧: ٢٤). لتعرف نفسك أنك منهزم، لتكن قوتك في خزي ولتقل: "ويحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من هذا الجسد المائت؟"... هكذا ينذر الناموس من يعتمد على ذاته.

أنظر هوذا إنسان يعتمد على ذاته، يحاول أن يجاهد، إنه منبطح ومُستعبد وأُخذ أسيرًا. من تعلم أن يعتمد على الله، وقد بقي الناموس ينذره ألا يعتمد على ذاته، الآن تسنده النعمة. إذ يعتمد على الله. في هذه الثقة يقول: "من ينقذني من جسد هذا الموت؟ نعمة الله بيسوع المسيح ربنا" (رو ٧ : ٢٤ - ٢٥ Vulgate).

الآن أنظر إلى العذوبة، تذوقها، تلذذ بها. اسمع المزمور: "ذوقوا وانظروا ما أعذب الرب" (مز ٣٤ : ٨ Vulgate). يصير عذبًا لك، إذ ينقذك.

كنت في مرارة ذاتك، عندما اعتمدت عليها. لتشرب العذوبة، ولتتقبل غيرة الفيض العظيم هكذا.

v ما تسألونه يُحسب كلا شيء بالنسبة لما أريد أن أعطيكم. لأنه ماذا سألتم باسمي؟ أن تخضع الشياطين لكم. لا تفرحوا بهذا، فإن ما قد سألتموه هو لا شيء، فلو كان ذلك شيئًا لكان يسألهم أن يفرحوا...

"لكي يكون فرحكم كاملاً"، أي اسألوا ما يشبعكم.

عندما تسألون أمورًا زمنية لا تسألون شيئًا. "من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا" (يو ٤: ١٣)...

اسألوا ما يشبعكم!

تحدثوا بلغة فيلبس: "يا رب أرنا الآب وكفانا" (يو ١٤: ٨). قال له الرب: أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني؟ من رآني يا فيلبس، فقد رأى الآب أيضًا" (يو ١٤: 9 Vulgate).

قدم تشكرات للمسيح الذي صار ضعيفًا لأجلكم لأنكم ضعفاء، ولتكن رغباتكم معدة للاهوت المسيح لكي تشبع بها.

+ قوله: "كل ما طلبتم" يجب ألا يُفهم أنه أي طلب كان، بل أي شيء يكون بالحقيقة له علاقة بالحياة المطوَّبة.

وما جاء بعد ذلك: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي" (٢٤) يُفهم بطريقتين: إما أنكم لم تطلبوا باسمي، إذ لم تعرفوا اسمي بعد كما يجب، أو أنكم لم تطلبوا شيئًا، إن قورن بما يجب أن تطلبوه، فما تطلبونه يُحسب كلا شيء.

القديس أغسطينوس

"قد كلمتكم بهذا بأمثالٍ،

ولكن تأتي ساعة حين لا أكلمكم أيضًا بأمثالٍ،

بل أخبركم عن الآب علانية". (25)

إنه يقدم لنا معرفة عظيمة عن الآب، لنلتمس فيه أبوته، وندخل إلى أسراره، ونتأمل مجده الفائق. لن يكون الآب غريبًا عنا، وهذا ما يجعل فرحنا كاملاً.

مع كل ما شرحه لهم يحسب أنه لم يكشف لهم كل الأسرار الإلهية، لأنهم لم يكونوا بعد يحتملونها. إنه يكلمهم بأمثالٍ وليس علانية. أما بعد قيامته وصعوده وحلول الروح القدس عليهم فأخبرهم عن الأسرار علانية.

+ كأن السيد المسيح يقول لهم: عند قيامتي ستعرفون أقوالي كلها معرفة واضحة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس أغسطينوس أن "الساعة" هنا تعني المستقبل، حين نرى الله وجهًا لوجه. وكما يقول القديس بولس: "فإننا ننظر الآن في مرآة في لغزٍ، لكن حينئذ وجهًا لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عُرفتُ" (١ كو ١٣: ١٢).

"في ذلك اليوم تطلبون باسمي،

ولست أقول لكم إني أنا أسأل الآب من أجلكم". (26)

كأنه يقول لا توجد حاجة أن أخبركم إنني لن أكف عن أن أقدمكم خلال دمي المسفوك عنكم لدى الآب، فإن حبي لكم لن يتوقف، وحب الآب لكم لن ينتهي.

+ كيف لا يسأل الابن الآب، بل الآب والابن ينصتان إلى من يسألهما! هذا الأمر عالٍ لا يقدر أحد أن يبلغه إلا بعين الذهن الروحية.

القديس أغسطينوس

"لأن الآب نفسه يحبكم،

لأنكم قد أحببتموني،

وآمنتم إني من عند الله خرجت". (27)

سرّ حب الآب للمؤمنين هو أن إيمانهم عامل بالمحبة (غلا ٥: ٦). بحبهم للابن يتمتعون بحب الآب لهم. بهذا يتمتع المؤمنون بالدالة لدى الآب، فيطلبون لا في خوف، وإنما بدالة الحب التي لهم لدى أبيهم السماوي المحب لأبنائه.

+ علة حبنا أننا محبوبون (من الله). بالتأكيد أن نحب الله، فهذه عطية إلهية. إنه هو الذي أعطانا النعمة أن نحبه، أحبنا بينما كنا نحن لا نحبه. حتى عندما كنا لا نسره كنا محبوبين منه، لعلنا نصير موضوع سروره في عينيه. فإننا ما كنا نقدر أن نحب الابن ما لم نحب الآب أيضًا. الآب يحبنا، لأننا نحب الابن، متطلعين إلى أن نتسلم من الآب والابن القدرة أن نحب كلاً من الآب والابن، لأن المحبة تنسكب في قلوبنا بروح الاثنين (رو ٥: ٥). بالروح نحب كلاً من الآب والابن الذي نحبه مع الآب والابن. إذن الله هو الذي يعمل هذا الحب التقوي الذي لنا، وبه نعبد الله. وقد رأى أنه صالح، وعلى هذا الأساس هو نفسه أحب ما قد عمله فينا. لكنه ما كان يعمل فينا لو لم يحبنا أن يعمل فينا.

القديس أغسطينوس

صعوده إلى السماء

خرجت من عند الآب،

وقد أتيت إلى العالم،

وأيضًا أترك العالم،

وأذهب إلى الآب". (28)

هنا يحدثهم علانية عن تجسده الذي انتهى به إلى صعوده لكي يحمل البشرية المؤمنة معه. هذا هو سرّ حبه، أنه ظهر في الجسد، وحملنا إلى المجد.

لقد جاء من عند الآب الذي كرسه لهذا العالم وختمه، ونزل إلى عالمنا في تواضعٍ عجيبٍ وحبٍ إلهيٍ فائقٍ. ثم عاد فترك العالم بالجسد، وعاد بصعوده إلى الآب. هذا هو سرّ الإنجيل كله (التجسد الإلهي، وموته بالجسد ثم قيامته وصعوده إلى السماء). هذا هو مفتاح السماء!

+ "يقول من عند الله خرجت"، مبلغًا أن طبيعته هي ذاتها كما هي التي أعطيت له بميلاده.

+ "خرجت من عند الآب، وأتيت إلى العالم" العبارة الأخيرة تشير إلى تجسده، والأولى إلى طبيعته.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

+عندما يقول أن المسيح "خرج" من عند الآب، لا تتخيل تغيرًا في المكان كما يحدث مع الناس. لا تُفهم "أنا أتيت" بلغة الحركة، وإنما بخصوص التجسد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ كان يتحدث عن آلام جسده وقيامته، وبهذه القيامة يؤمن أولئك الذين تشككوا قبلاً. لأنه بالحق اللَّه الحاضر في كل مكان، لا يعبر من موضع إلى آخر. وإنما كإنسان يذهب كما هو بنفسه قد ذهب. لذلك يقول في موضع آخر: "قوموا ننطلق من ههنا" (يو31:14). بهذا يذهب ويأتي، الأمر المشترك بينه وبيننا.

القديس أمبروسيوس

+ لقد جاء من عند الآب لأنه من الآب، وجاء إلى العالم ليظهر للعالم الشكل الجسدي الذي أخذه من العذراء. لقد ترك العالم بانسحابه جسديًا، وانطلق إلى الآب بصعوده كإنسان، لكنه لم يترك العالم بحضوره الفعال المدبر له.

القديس أغسطينوس

تركه عند آلامه

"قال له تلاميذه:

هوذا الآن تتكلم علانية،

ولست تقول مثلاً واحدًا". (29)

توبيخ السيد المسيح للتلاميذ برقةٍ ولطفٍ ومحبةٍ أعطاهم الثقة والشعور بأنه يتحدث معهم علانية، ويرد على أسئلتهم التي في داخل أفكارهم ولم يستطيعوا أن يعَّبروا عنها أو يفصحوا بها. شعر التلاميذ أنه يتحدث معهم بكل وضوح وصراحة، خاصة وأنهم يؤمنون بأنه المسيا العالم بكل شيء، ولا يخفي عنه شيء ما. إنه العارف القلوب وفاحص الكلى، ولا يحتاج أن يسأله أحد، بل يعرف أسرارهم وأفكارهم واحتياجاتهم الداخلية.

يرى القديس أغسطينوس أن التلاميذ ظنوا أنه يتكلم علانية ولا يقول مثلاً واحدًا بينما لم تكن بعد قد جاءت الساعة التي يتحقق فيها ذلك حسب وعده الإلهي. إنما جاءت عندما أكمل حديثه قائلاً: "هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن، تتفرقون كل واحد إلى خاصته..." (٣٢).

"الآن نعلم أنك عالم بكل شيء،

ولست تحتاج أن يسألك أحد،

لهذا نؤمن أنك من الله خرجت". (30)

+ كأنهم قالوا: إنك قد عرفت الظنون التي شككتنا قبل أن نظهرها وأرحتنا منها، إذ قلت: "لأن الآب نفسه يحبكم، لأنكم قد أحببتموني" ( 27 )

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أجابهم يسوع: الآن تؤمنون". (31)

يجيبهم السيد المسيح: "أتؤمنون؟ هل سيبقى إيمانكم ثابتًا؟ إنه قد اقتربت الساعة التي فيها تتفرقون وتتركونني!"

+ ليت البشر لا يستبعدون التفكير في الابن عندما يقرأون عن اللَّه فقط، ولا يستبعدون التفكير في الآب عندما يقرأون عن "الابن" وحده.

الابن على الأرض ليس بدون الآب (يو30:10)، فكيف تظن أن الآب في السماء بدون الابن؟...

الابن في الجسد، وهو ليس وحده، كما هو مكتوب: "وأنا لست وحدي لأن الآب معي"، فهل تظن أن الآب يسكن وحده في النور؟

القديس أمبروسيوس

"هوذا تأتي ساعة وقد أتت،

الآن تتفرقون فيها كل واحدٍ إلى خاصته،

وتتركونني وحدي، وأنا لست وحدي،

لأن الآب معي". (32)

جاء السيد المسيح ليحتل مكاننا حتى ننعم بشركة مجده. فنحن جميعًا كثيرا ما نعاني من الشعور بالعزلة. قد يحيط بنا الوالدان لكننا من الأعماق نصرخ مع داود النبي: "أبي وأمي قد تركاني..." وقد يحوط بنا الأحباء والأصدقاء، لكننا نئن: "ليس من يشاركني مشاعري، ولا من يدرك أعماقي، ويشعر بأحاسيسي". هذه صرخات النفس التي تحطمها الخطية وتعزلها عن إلهها مشبعها الحقيقي. ليس من يقدر بعد أن يملأ الفراغ الداخلي. أما وقد جاء السيد المسيح بلا خطية فإنه لن يعاني قط من شعور داخلي بالعزلة، لأنه لن ينفصل قط عن الآب وعن روحه القدوس. لكنه صار وحيدًا وسط البشر، حيث جاء إلي خاصته، وخاصته لم تقبله، وفي ساعة ضيقه تركه تلاميذه وصار وحيدًا، لكنه يعلن: "وأنا لست وحدي، لأن الآب معي" [32]. هذه صيحة النصرة التي تهتف بها كل نفس اتحدت مع مسيحها المتألم، فإنها لن تعاني من العزلة، ولن تشعر أنها وحدها! لأن الله ساكن فيها لا يفارقها.

غلبته لحسابهم

"قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام.

في العالم سيكون لكم ضيق،

ولكن ثقوا (افرحوا) أنا قد غلبت العالم". (33)

بالإيمان يحل المسيح في قلوبنا، فنتمتع بنصرته نصرة لنا. "وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم: إيماننا. من هو الذي يغلب العالم إلاَّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله؟!" (١ يو ٥: ٤-٥).

السلام الذي يقدمه السيد المسيح لهم يحمل الحياة المطوَّبة المشرقة، ليتمتعوا بروح القوة والنصرة مع التعزية السماوية والسند الإلهي.

لم يخفِ عنهم أنه سيكون لهم في العالم ضيق، لكنه يطالبهم بالبهجة والسرور وسط الضيق، لأنه يتجلى في حياتهم كغالبٍ للعالم الشرير.

قيل أن فنانًا أراد أن يقدم لوحة عن السلام فاختار يومًا عاصفًا جدًا وصوَّر صخرة عظيمة تخبطها الأمواج من كل جانب، وقد ظهرت في اللوحة سفينة حطمتها الأمواج وجثث بعض النوتية والمسافرين تطفو على المياه وسط دوامات الأمواج. في وسط هذه الصخرة أقامت حمامة عشًا في نقرة وقد رقدت في النقرة مطمئنة جدًا، وسجل الفنان كلمة "سلام" على الصخرة تحت النقرة مباشرة. هكذا سلامنا هو في المسيح يسوع صخر الدهور. فيه نستقر ونستريح وسط كل دوامات الحياة وتجاربها.

+ قول السيد المسيح لتلاميذه في العالم سيكون لكم ضيق، أي مادمتم موجودين في العالم تقاسون ضغوطًا ولا تقاسون ذلك الآن فقط لكنكم تقاسونه فيما بعد أيضًا.

+ يسمح لنا نحن أيضًا أن نغلب، متطلعين إلى رئيس إيماننا، ونسير في ذات الطريق الذي قطعه من أجلنا... أننا لسنا مائتين بسبب صراعنا مع الموت، بل نحن خالدون بسبب نصرتنا... هل يفسد الموت أجسامنا؟ ما هذا؟ أنها لن تبقى في الفساد، بل تصير إلى حال أفضل...

إذن لنغلب العالم، لنركض نحو الخلود، لنتبع الملك، لنُعِد النصب التذكاري للغلبة، لنستخف بملذات العالم. لسنا نحتاج إلى تعب لإتمام ذلك.

لنحول نفوسنا إلى السماء، فينهزم كل العالم! عندما لا تشتهيه تغلبه؛ إن سخرت به يُقهر.

غرباء نحن ورُحَّل، فليتنا لا نحزن على أي أمورٍ محزنة خاصة به.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ إننا نثق في ذاك الذي قال: "افرحوا، أنا قد غلبت العالم" (33)، لأننا ننال النصرة على عدونا إبليس، بمعونته وحمايته.

+ لماذا يقول لنا: "افرحوا" إلاَّ لأنه قد غلب لأجلنا، وحارب لأجلنا؟

فإنه أين حارب؟ لقد حارب بأن أخذ طبيعتنا له...

لقد غلب من أجلنا نحن الذين أظهر لنا قيامته...

التصق يا إنسان بالله، هذا الذي خلقك إنسانًا. التصق به جدًا، ضع ثقتك فيه.

أدعه، ليكن هو قوتك. قل له: "فيك يا رب قوتي".

عندئذ تتغنى عندما يهددك الناس، وأما ما تتغنى به يخبرك الرب نفسه: "إني أترجى الله، لا أخشى ماذا يفعل بي الإنسان" (مز ٥٦: ١١).

+ في التجربة التي يواجهونها بعد تمجيده قبلوا الروح القدس، ولم يتركوا (السيد المسيح).

إن كانوا قد هربوا من مدينة إلى مدينة لكنهم لم يهربوا منه هو.

بينما تلحق بهم التجربة في العالم يجدون فيه سلامًا.

عوض كونهم شاردين منه بالأحرى يجدون فيه ملجأ. فإنهم بعمل الروح القدس فيهم يتحقق فيهم ما قيل الآن: "كونوا متهللين، أنا قد غلبت العالم" (٣٣).

كانوا متهللين وغالبين، ولكن في من؟ فيه. فإنه ما يُحسب غالبًا للعالم إلا لكي تغلب أعضاؤه العالم. لهذا يقول الرسول: "شكرًا لله الذي يهبنا الغلبة" مضيفًا في الحال: "بربنا يسوع المسيح" (١ كو ١٥: ٧٥).

القديس أغسطينوس

من وحي يو ١٦

لا تتركني وحدي!

+ هوذا يصوب العالم سهامه ضدي!

إنه يحسب في موتي خدمة لله وله!

تعزيتي أنه أراد الخلاص منك، ولم يدرِ أنك مخلصه.

إنه يود الخلاص مني، فلن أكف عن محبتي له!

+ لا تتركني وحدي،

فيما أنت مجرب تقدر أن تعين المجربين مثلي!

لقد صعدت إلى سماواتك،

لكنك لم تفارقني، فأنت مالئ السماء والأرض.

+ أرسلت لي روحك القدوس، مصدر تعزيتي.

ليبكتني على خطيتي، فأمتلئ رجاءً بغافر الخطايا!

ليبكتني على برّ، فأتراءى أمام الآب مختفيًا في برَّك!

ليبكتني على دينونة، فأرى إبليس مُدانًا تحت قدمي!

+ ليقودني روحك إليك،

ويعلن لي حقك كله،

فأتعرف على خطتك نحوي!

بحلوله فيّ تتجلى أنت في أعماقي.

أراك وأسمعك وأتلامس مع حبك!

+ روحك العذب يفيض بعذوبتك في أعماقي.

وسط آلام العالم أتمتع بتعزياتك الإلهية.

يحملني إليك وأنت في البستان وحدك.

تركك الكل، لكن لن يقدر أحد أن يفصلك عن أبيك.

هب لي في وحدتي أن أتمتع بالشعور بحضرتك الإلهية!

نعم أقول إنك لا تتركني وحدي!

 

+         +           +

 
 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt