دراسات أبائية

     
   
 

بستان الرهبان

الأنبا إشعياء

من تعاليم الأنبا إشعياء للمبتدئين

قال: أيها الحبيب إن كنتَ قد تركتَ العالمَ الباطل وقربَّت نفسَك لله لتتوب عن خطاياك السالفة، فإياك أن تتراجعَ عما عزمت عليه من نحو حفظِ وصايا السيد المسيح وإتمامها، وإلا فلن يغفرَ لك خطاياك القديمة. احفظ الخصالَ الآتية ولا تحتقرها: إياك أن تأكلَ مع امرأةٍ أو تؤاخي غلاماً حديثَ السنِّ، لا ترقد مع آخر في فراشٍ واحدٍ، كن متحفظاً لعينيك. وإذا نزعتَ ثيابك فإياك أن تبصرَ شيئاً من جسدِك، إن أردتَ أن تشرب بعضاً من الشراب لا تزد على ثلاثِ كؤوس. إياك أن تحلَّ الوصيةَ من أجلِ الصداقةِ. احذر أن تسكنَ في موضعٍ قد أخطأتَ فيه قدام الله. لا تتوانَ في صلواتِ الساعات لئلا تقع في أيدي أعدائك. اجهد نفسَك في تلاوة المزامير، فإن ذلك يحفظُك من خطيةِ الدنس. أحبَّ التعبَ والمشقةَ في كلِّ شيءٍ لتخفَّ عنك أوجاعُك. احذر من أن تعتبرَ نفسَك شيئاً في أيِّ أمرٍ من الأمورِ فإن ذلك يُفقدك النوحَ على خطاياك. احفظ نفسَك من الكذبِ فإنه يطرد من الإنسانِ خوفَ الله. لا تكشف أسرارَك لكلِّ أحدٍ لئلا تسبب عثرةً لقريبك. اكشف أفكارَك لآبائك الشيوخ لتجد معونةً بمشورتهم. أتعب نفسَك في عملِ يديك وخوفُ الله يسكن فيك. إذا أبصرتَ إنساناً قد أخطأ فلا تحتقره ولا تزدرِ به لئلا تقع في أيدي أعدائك. إياك أن تتمادى في ذِكر خطاياك القديمة والتلذُّذ بها لئلا تنتابك الأتعابُ. أحب الاتضاع فهو يحفظك من الخطيةِ. لا تكن معانداً أو متمسكاً بكلمتِك لئلا يسكنك الشرُ. لا تضع في نفسِك أنك حكيمٌ فتقع في أيدي أعدائك. عوِّد لسانك دائماً أن يقول: «اغفر لي»، فيأتيك الاتضاع. إذا جلستَ في قلايتك فاهتم بهذه الثلاث خصال: ابدأ عملَ يديك وادرس مزاميرك وصلاتك، تفكَّر في نفسِك أنه ليس لك شيءٌ في هذه الدنيا سوى اليومِ الذي أنت فيه فلن تخطئَ. لا تكن نهِماً في الأطعمةِ لئلا تتجدد فيك خطاياك القديمة. لا تتضجر من الأتعاب مطلقاً فيأتيك النياح من قبل الله سريعاً. مثل بيتٍ خربٍ خارج المدينةِ يُرمى فيه كلُّ نتنٍ، هكذا نفسُ الراهبِ العاجز تصير مأوى لكلِّ شرٍ. جاهد في أن تصلي دائماً ببكاء لعل الله يرحمك ويخلِّصك من الإنسانِ العتيق ويعطيك الملكوت. ثبِّت نفسَك في هذه الخصال التي أقولها لك: التعزية، المسكنة، الصمت، فهذه كلها تجلب لك الاتضاعَ، والاتضاعُ يغفرُ الخطايا كلها. الاتضاع هو أن يعتقدَ الإنسانُ في نفسِه أنه خاطئٌ وأنه ما عمل شيئاً من الخيرِ أمام الله، وأن يلازم الصمتَ، وألا يعتبر نفسَه شيئاً، وأن يرفض هواه ولا يقيم كلمتَه، ويكون نظرُه إلى الأرضِ، وأن يضعَ الموتَ بين عينيه، وأن يحفظَ نفسَه من الكذب، وألا يتحدث بكلامٍ باطل، وألا يناقش من هو أكبر منه، وأن يتحمل الشتيمةَ بفرحٍ، ويُبغض الراحةَ، ويدرِّب نفسَه على التعب، وألا يُحزن أحداً.

وقال أيضاً: يا ابني كن مستعداً إزاء كلِّ كلمةٍ تسمعها لأن تقول: «اغفر لي»، وبذلك تهزم كلَّ قوةِ العدو. وليكن وجهُك دائماً معبّساً، إلا إذا أتاك إخوةٌ غرباء فكن بشوشاً فيسكن خوفُ الله فيك. إن سرتَ مع إخوةٍ في طريقٍ، فتباعد عنهم قليلاً ولتكن صامتاً. وإذا مشيتَ فلا تلتفت يُمنى ولا يُسرى بل ادرس في مزاميرك وصلِّ لله بفكرك. وأيَّ موضعٍ دخلتَه لا توجِد لنفسِك دالةً مع أهلهِ، وكن جاداً في كل أمرٍ من أمورك. أيُّ شيء يوضع أمامك فمد يدَك إليه بتغصبٍ، وإن رقدت في موضعٍ فلا تتغطَ أنت وآخر بغطاءٍ واحدٍ. وصلِّ صلاةً طويلة قبل أن تنام. وإن كنتَ قد تعبتَ من السيرِ في الطريقِ وأردت أن تدهن جسدَك بقليلٍ من الزيت فليكن لك ذلك بحياء، ولا تدع أحداً يدهن لك جسدك وأنت صبي. إذا كنت جالساً في قلايتك وأتاك أخٌ غريبٌ فادهن رجليه وقل له: أظهر محبةً وخذ قليلاً من الزيت وادهن به جسدك، فإن لم يُرد فلا تُكرهه إذا كان شيخاً عمالاً. إذا جلستَ على المائدة وأنت شابٌ فلا تتجرأ وتدعو إنساناً إلى الأكلِ وتشكر له في الطعام، بل اذكر خطاياك لئلا تأكل بلذةٍ، ومد يدك إلى ما هو قدامك فقط، ولتغطِ ثيابُك رجليك، وركبتاك مضمومتان إحداهما إلى الأخرى. وإذا زارك غرباءٌ فأعطهم حاجتهم برضى، وإذا كفوا عن الطعام فقل لهم مرتين أو ثلاثة: اصنعوا محبةً وكلوا قليلاً. وإذا كنتَ تأكلُ فلا ترفع وجهَك في قريبك ولا تتلفت لا هنا ولا هناك ولا تتكلم كلمةً فارغة، وإذا شربتَ الماءَ فلا تدع حلقَك يُحدث صوتاً كما يفعل العلمانيون. وإذا كنتَ جالساً مع الإخوةِ واضطررت للبُصاق فلا تبصق في وسطِهم بل قم خارجاً وألقِهِ. لا تتماطأ في وسطِ الناس، وإذا جاءك التثاؤب فلا تفتح فمَك فيذهب. احذر من فتح فمِك بالضحك، فإن الضحك يوضِّح عدم وجود خوف الله. لا تشتهِ شيئاً لصاحبك، لا ثوبه ولا قلنسوته ولا غير ذلك مما له. ولا تتمِّم شهوةَ جسدِك وتصنع لك مثله. إن عملتَ لك مجلداً فلا تزينه فإن ذلك عثرة. إن أخطأت في أمر ما فلا تستحِ وتكذب، بل أسرع وقر بذنبك واستغفر فيُغفر لك. إذا وجه إليك إنسانٌ كلمةً قاسية، فلا تشمئز أو يستكبر قلبُك، ولكن بادر واصنع مطانية ولا تلُمه في قلبك، وإلا فالغضبُ يثور عليك. إن افترى أحدٌ عليك بشيءٍ لم تصنعه فلا تجزع ولا تغضب، بل اتضع واصنع مطانية، وسواء كنتَ قد فعلتَ أم لم تفعل ففي كلتا الحالتين قل: «اغفر لي فلن أعود لمثلِهِ مرةً أخرى». إذا كنتَ تقوم بعملِ يديك فلا تتوانَ البتة ولكن اهتم به بخوفِ الله لئلا تخطئ بدون وعي، وكلُّ عملٍ تؤديه لا تستحِ أبداً من أن تسأل من يعلمك قائلاً: «اصنع محبة وأرني»، وخذ رأيَه أيضاً فيما لو كان عملُك جيداً أم لا. إن دعاك أخوك وأنت جالسٌ تقوم بعمل يديك فاترك عملَك واسْعَ في راحتِهِ، إذا انصرفتَ من المائدة فادخل قلايتك ولا تجلس تتحدث مع من لا ينفعك، فإن كان الجالسون شيوخاً يتكلمون كلامَ الله فاستأذن معلِّمك أولاً فإن أذِنَ لك فاجلس واسمع كلامَهم، وكما يأمرك به افعله. إن أمرك معلمُك بقضاء حاجةٍ خاصة به فاسأله عن المكان الذي تذهب إليه لقضائها وما يشير به عليك لا تزد عليه ولا تُنقص منه. إن سمعتَ كلاماً غيرَ لائق فلا تبلِّغه لآخر. إن أردتَ أن تصنع أمراً لا يهواه الأخ الساكن معك فاقطع هواك واسعَ في خيرهِ لئلا يقع بينكما شكٌ وتجربةٌ. إذا عزمتَ على السكنى مع إخوة فلا يكن لك مع أحدِهم دالة ما. ولا تخلط كلامَك بكلامِهم. إن فعلت ذلك فإنك تمكث زمانك كلَّه معهم في سلامةٍ. وإن طالبوك بأمرٍ لا تهواه فارفض مشيئةَ نفسِك وتمِّم ما يقولونه لك لئلا تحزنهم فتفقدون السلامَ فيما بينكم. إذا كنتَ ساكناً مع أخٍ وسألك قائلاً: «اطبخ لنا شيئاً»، فاسأله عما يُحب، فإن ترك لك حرية الاختيار فمهما وجدتَه موافقاً له اطبخه بخوفِ الله. وكلُّ عملٍ تعملانه اشتركا فيه ولا يطلب أحدُكم راحةَ جسدهِ لئلا يضطرب فكرُ أخيه».

وقال أيضاً: إذا قمتَ باكرَ كلِّ يومٍ فقبل أن تقومَ بأيِّ عملٍ اقرأ كلامَ الله وبعد ذلك إن كان لك في القلايةِ عملٌ فاعمله بهمةٍ ونشاط. إذا جاءك أخٌ غريبٌ ليكن وجهُك له صبوحاً حين سلامك عليه، واحمل عنه ما يحمله بفرحٍ، وكذلك إذا أراد الانصرافَ ليفارقك بفرحٍ ولتودِّعه بخوفِ الله وبشاشة كي تكونا عند الفراق رابحيْن نفسيكما. وكذلك في حال وصوله إليك إياك أن تسأله عن أمورٍ لا تُخلِّص نفسَك، بل دعه يصلي أولاً، فإذا جلس قُل له: «كيف أنت؟ وكيف حالك»؟ ولا تزد على ذلك. وأعطه كتاباً ليقرأ فيه. فإذا كان قد جاء متعباً فاتركه حتى يستريح واغسل رجليه. فإن كان قد أتاك حاملاً إليك كلاماً ليست فيه منفعة فقل له: «اغفر لي يا أخي فإني ضعيفٌ ولست أقوى على سماعِ هذا الكلام». وإن كان ضعيفاً وثيابُه رثة فاغسلها له وخيطها إذا احتاجت إلى خياطة. وإذا جاءك أحدٌ من الطوافين وتصادف أن كان عندك رجلٌ قديس في نفس الوقت، فلا تُدخله عليه، ولكن اصنع معه رحمةً من أجلِ محبةِ اللهِ وأَخلِ سبيلَه. وإن كان مسكيناً فلا تصرفه من عندك فارغاً، بل أعطه من البركة التي أعطاك الله إياها. واعلم أن كلَّ شيءٍ لك ليس ملكك فأعطهِ من أجلِ الربِّ. إذا استودعك أخٌ وديعةً، إياك أن تفتحها لتعرف ما فيها إلا بحضرتِه، وإن كانت الوديعةُ ثمينةً جداً، فاسأله أن يسلمها لك ويعرِّفك بحقيقتها. وإن ذهبتَ إلى ضيعةٍ ونزلت عند إنسانٍ في قلايتِه واضطر أن يخرج هو لأمرٍ ما وتركك وحدَك في القلاية فإياك أن ترفع نظرَك لتبصر شيئاً مما في قلايتِه أو تُحرك شيئاً من موضعِه، ولكن عند خروجه قل له: «أعطني شيئاً أقومُ بعملِه»، وكلُّ شيء يوصيك به فافعله بلا كسل. إذا دخلتَ بيتَ الراحةِ لقضاء حاجة الطبيعة فلا تتباطأ، بل اذكر أن الله ينظر إليك دائماً.

إن قمتَ في قلايتك لتصلي ساعاتك فإياك أن تكون صلاتُك بتهاونٍ لأنك بذلك بدلاً من تُكرم الله تغضبه. ولكن قف بخوفٍ ورعدةٍ ولا تتكئ على الحائط ورجلاك مرتخيتان ولا تقف بواحدةٍ وترفع الأخرى. وإن كنتم تقرءُون صلواتكم وأنتم مجتمعون فليقدِّم كلُّ واحدٍ منكم صلاةً، فإن وُجد معكم غريبٌ فاطلبوا منه بمحبةٍ أن يصلي ولا تلحُّوا عليه أكثر من مرتين أو ثلاث. وإذا كنتَ واقفاً في القداسِ فراقب أفكارَك لكي توقف جسدَك وحواسَك بخوفِ الله لتستحق أن تتناولَ من القربان الذي هو جسدُ المسيح ودمه الأقدسين، فيشفيك الربُّ.

إياك أن تترك جسدَك في حالةٍ لا تليق بسبب قذارتِه لئلا يسرقك المجدُ الباطل. ولكن إذا كنتَ شاباً فاترك جسدَك ليظهر بكلِّ سماجةٍ. لا تلبس ثوباً جيداً حتى تبلغ الكبر وتدخل في سن الشيخوخة. إذا سرتَ مع أخٍ أكبر منك سناً فلا تتقدمه البتة. وإذا تكلم من هو أكبر منك مع آخرين فإياك أن تحتقره وتجلس، ولكن قف حتى يسمح لك. إذا ذهبت إلى مدينةٍ أو قريةٍ فلتكن عينُك ناظرةً للأرضِ لئلا تسبب لك محاربات في قلايتك. إياك أن تبيت في قريةٍ وتنام في بيتٍ تخشى أن تخطئ فيه بقلبك. إذا دُعيت لتأكل عند إنسانٍ وعلمتَ أن هناك امرأةً جالسةً ستأكل معك فارفض ولا تأكل هناك البتة، لأنه خيرٌ لك أن تُحزن ذاك الذي دعاك من أن تزني بفكرك في الخفاء. حتى وإن رقدت فلا تبصر ثيابَ النساءِ بعينيك. وإن كنتَ في طريقٍ ولقيتك امرأة فجاوبها بفمِك فقط. وإذا ذهبت في طريقٍ وكان معك شيخٌ فلا تدعه يحمل أحمالَه البتة بل احملها أنت عنه. وإن كنتم سائرين في طريقٍ وكان معكم إنسانٌ ضعيف فليكن هو المتقدم وذلك لكي يمكنه أن يجلسَ إذا أراد الجلوس. إن كنتم شباباً واجتمعتم عند إنسانٍ وأراد أن يغسل أرجلَكم وسألكم أن تباركوا على المائدة فاسبقوا أولاً واعرفوا منزلةَ كلِّ واحدٍ منكم حتى إذا حان وقتُ الأكلِ لا ترتبكون ولا تتزاحمون. وليكن جلوسُكم بترتيبٍ: الأول فالثاني فالثالث وهكذا.

وقال أيضاً: إن سألك شيخٌ عن أفكارِك فاكشفها له بصراحةٍ متى تأكدتَ أن له أمانةً ويحفظُ كلامَك. ولا تنظر إلى كبر السن بل اعتمد على من له علمٌ وعملٌ وتجربةٌ ومعرفةٌ روحانية، لئلا يُزيدك سِقماً بدلاً من أن يهبك شفاءً. إذا تحدث أناسٌ بأفكارٍ لم تبلغها بعد ولم تُحارَب بها فامتنع من سماعِ كلامِهم هذا لئلا تجلب على نفسِك ذلك القتال. ألزِم نفسَك كلَّ يومٍ بأن تصلي في نصفِ الليل صلواتٍ كثيرةً لأن الصلاةَ هي ضوءُ النفس. راجع نفسَك كلَّ يومٍ عما صنعته فيه من الخطايا وصلِّ إلى الله من أجلِها فيغفرها لك. إن سمعتَ أخاً يدين آخر فلا تستحِ منه أو توافقه لئلا يغضب الله. بل قل باتضاعٍ: «اغفر لي يا أخي فإني شقيٌ وهذه الأمور التي تذكرها أنا منغمسٌ فيها ولستُ أحتمل ذكرها». إن أساء إليك أخٌ وجاء آخر وعاب فيه عندك فاحفظ قلبَك لئلا يتجدد فيه ذكرُ الشرِ الذي أساء به إليك ذلك الإنسان. إذا مضيْت إلى ضيعةٍ مع إخوةٍ لا تعرفهم فأعطهم التقدم في كل شيءٍ ولو كانوا أصغر منك. وإن نزلتَ عند صديقٍ لك فليكونوا هم المتقدمين عليك في كلِّ شيء على المائدة وغيرها. لا تظن في نفسِك أنه بسببِك يكرمهم صديقُك، بل قل لهم: «إنه بسببِكم يصنع بي الرحمةَ». إن مررتَ في طريقٍ مع أخٍ وحدث أن قابلتَ صديقاً لك وأردتَ أن تسأله في أمرٍ ما واستأذنت الأخَ قائلاً: «استرح قليلاً حتى آتي إليك»؛ فإن دعاك صديقُك أن تدخلَ لتأكلَ عنده، فإياك أن تلبي دعوتَه دون أن تُشرك الأخَ الذي معك. إذا دخلتَ قلايةَ أخٍ ليس لك به سابق معرفة فحيثما أجلسك اجلس ولا تتحرك من الموضع الذي أجلسك فيه إلا بدعوةٍ منه. إن كنتَ ساكناً في قلايةٍ فإياك أن يكون لديك إناءٌ يمنعك من حفظ وصيةِ ربك، وإن سألك أخٌ أن تعيره إناءَك فأعطه إياه، رغم حاجتك إليه ورغم عدم وجود غيره عندك، وإياك أن تجلس بعد ذلك متضايقاً مرتبكاً، فخير لك أن يهلك أحدُ أعضائِك من أن يذهب جسُدك كلُّه إلى جهنم. الذين فارقتَهم حباً في الله لا تُكثر ذكرَهم في قلبك لئلا ينشغل عقلُك بهم، بل اذكر الموتَ والدينونة وكيف أنه لا يستطيع أحدٌ منهم أن يعينك في ذلك اليوم. إذا كنتَ في قلايتك وتذكرتَ أن إنساناً أساء إليك وأحزنك، فقم في الحال وصلِّ من أجلهِ من كلِّ قلبِك أن يغفرَ الله له، وبذلك تنطفئ عنك محبة مكافأة الشرِّ بالشرِّ. إذا أنت ذهبتَ لتتناول جسدَ المسيح ودمَه الأقدسين فإياك أن يكون في قلبك حقدٌ أو غيظٌ على إنسانٍ، فإن علمتَ أن في قلب إنسانٍ عليك شيئاً فاذهب واستغفر منه أولاً لئلا تأخذ دينونةً لنفسِك وهلاكاً. إن قوتلت بزنى في أحلامِ الليل، فاحفظ فكرَك من تذكُّرها بالنهار ولا تذكر أيضاً تلك الأجساد التي أبصرتَها في أثناء نومِك لئلا تتدنس بلذتِها وتجلب على نفسِك حزناً، ولكن ألقِ ضعفك أمام الله وهو يعينك لأنه رحومٌ يرثي لضعف الإنسان. فإذا ألزمت نفسَك بصومٍ كثيرٍ وصلاة مستمرة فلا تثق بأنك ستخلص بعد ذلك، ولكن قل في فكرِك: «إني أرجو من الله بصلاة قديسيه أن يصنع مع ضعفي رحمةً من أجل الشقاء الذي شقي به جسدي». إن شتمك إنسانٌ فلا تُجبه حتى يسكت. وفتش نفسَك بخوف الله فإنك سوف تجد أن ما قد سمعتَه كائنٌ فيك وأن العلةَ هي منك. فاصنع له مطانية مثل إنسانٍ يعرفُ بالحقيقةِ أنه هو الذي أخطأ.

إن كنتَ ماضٍ مع إخوةٍ في طريقٍ وكانت بينك وبين أحدٍ محبةٌ فلا تكن لك دالةٌ معه أمامهم لئلا يكون فيهم أحدٌ ضعيف فيموت من الغيرة منكما. وتكون الخطية عليك لأنك سبَّبت له عثرةً. إن أردتَ الذهاب إلى أناسٍ فلا تضع في قلبك أنهم سوف يفرحون جداً بلقائك. فإن قبلوك اشكر الله على قبولهم لك. إذا أصابك مرضٌ وأنت ساكنٌ في قلايتك فلا تصغر نفسُك بل اشكر الله على ذلك. إن مضيتَ إلى إخوةٍ وقال لك أحدهم: «إني لا أستطيع النجاح ما دمتُ مع هؤلاء وأودُ أن أسكن معك»؛ فإياك أن تبادر بموافقتِه على ذلك لئلا تصير عثرةً له ولكثيرين غيره. فإن أباح لك بأفكارٍ مكبوتةٍ فيه وعلمتَ إزاءها أنه سيهلك بوجوده في وسطهم فعرِّفه بأن يهرب إلى مكانٍ آخر وارفض سكناه معك. إذا كنت ساكناً في قلاية فاجعل لطعامِك مقداراً معيناً، ووقتاً معروفاً لا تتعداه. وأعطِ جسدَك حاجته بالقدر الذي به تستطيع أن تخدم الله في صلاتك. ارفض محبةَ الخروجِ والجولان فيما لا ينفعك. وإن عرض لك أمرٌ هام كافتقاد أخٍ أو الذهاب إلى ديرٍ وقدموا لك طعاماً لذيذاً، فلا تشبع منه، وأسرع في العودةِ إلى قلايتك.

وقال أيضاً: «إن أشغل الشياطينُ قلبَك بأتعابٍ تفوق طاقتك، فلا تُطعهم لأنهم يشغلون قلبَ الإنسان بأمورٍ لا يقوى عليها حتى إذا ضعف وقع في أيديهم، فيضحكون عليه لأن كلَّ أمورِ العدو هي بلا نظام وبلا حدود. ولكن كُلْ مرةً واحدةً في النهار، وأعطِ جسدَك حاجته بقدرٍ بحيث تكف عن الطعام وأنت لا زلت تشتهيه. كذلك سهرك يكون بقدرٍ، اسهر نصفَ الليلِ في الصلاةِ والنصف الآخر لراحة جسدِك. ومن قبل أن تنام اسهر ساعتين مصلياً ومزمراً، وإذا اقتنيتَ طولَ الروح فاصنع قانونك بحرصٍ واجتهاد، وإن أبصرتَ جسدَك قد كسل فقُل له: «أتريد أن تستريح في هذا الزمان اليسير وتذهب إلى الظلمةِ الخارجية، أليس من الأفضل لك أن تتعب زماناً يسيراً لتتنيَّح مع القديسين إلى الأبد». وبهذا الكلام يذهب الكسلُ وتأتيك المعونةُ.

إن أنت بعت شغلَ يديك فلا تتشدَّد في الثمن كالعلمانيين. كذلك إذا أردتَ أن تشتري شيئاً فزِد على ثمنهِ قليلاً وخذه، وإن لم يكن معك ما يساوي قيمته فاتركه بسكوت. إن أودع أخٌ عندك إناءً واحتجت إليه احتياجاً شديداً فاحذر أن تمسَّه بأذيةٍ. إن ذهبتَ إلى قريةٍ وأوصاك أخٌ أن تشتري له شيئاً فاشتَرِهِ له كما لو كنتَ تشتريه لنفسِك. وإن كان معك إخوةٌ وقتئذ فأشركهم في هذا الأمر. إن اتفق لك قضاء مصلحةٍ هامة في بلدِك فاحفظ نفسَك من أهلك وأقربائك ولا يكن لك معهم دالةٌ ولا خلطة في كلامٍ أو في غيرهِ. إن استعرتَ من أخيك فأساً أو غيره فلا تتوانَ في أن تردَّه إليه عند قضاءِ حاجتك ولا تتركه حتى يطلبه منك، فإن انكسر فجدِّده له. إن أنت أقرضت إنساناً مسكيناً شيئاً وعرفت أنه ليس له ما يوفيك، فلا تُحزنه ولا تضيِّق عليه في شيءٍ مما أعطيته سواء كان ثياباً أم وزنات أم غير ذلك. إن أقمتَ في مكانٍ وبنيتَ لك فيه قلايةً وأنفقت في بنائها نفقةً ما، ثم بدا لك بعد حين أن تخرج منها، وأقام فيها أخٌ آخر، وأردتَ الرجوع إليها مرة أخرى، فاحذر من أن تُخرج ذلك الأخ منها، ولكن ابحث لنفسِك عن قلايةٍ أخرى، وإن كنتَ وقت خروجِك منها أولاً قد تركتَ فيها متاعاً ووجدت أن الأخ قد أحرقه فلا تطالبه بشيءٍ منها، وإن أردت أن تنتقلَ من قلايةٍ إلى أخرى فاحذر من أن تأخذ معك شيئاً من متاعِها، بل اتركه للأخ الذي سيسكن فيها والله يرزقك أنت حيثما كنت. كلُّ فكرٍ يحاربك اكشفه ولا تستحِ أن تقول به لمن هو أكبر منك بالروحانية، فيخفَّ ذلك الفكرُ عنك ويذهب، واعلم أنه لا يوجد شيءٌ يَفرح له الشياطين مثل إنسانٍ يُخفي أفكارَه، رديئةً كانت أم جيدةً. وإذا طغى أخوك بجهلهِ بسبب الهراطقة، ثم رجع إلى الإيمان القويم فلا تحتقره واحفظ نفسَك من مجادلةِ المخالفين بحجة أنك تريد الدفاع عن الإيمان، لئلا يؤثِّر كلامُهم فيك فتهلك. وإن وجدت كتاباً من كتبهم فلا تقرأ فيه لئلا يمتلئ قلبُك بسمِ الموتِ، بل تمسَّك بأمانتك كما أضاءت لك المعمودية، كن على حذرٍ من تعليم الكذاب المضاد».

وقال أيضاً: «إن سمعتَ أخبارَ القديسين وأعمالَهم الشريفة فلا تطمع في اقتنائها بلا تعبٍ. إن لم تشفِ نفسَك أولاً وتتأهل لها، حتى إذا أقدمتَ على عملِها جاءتك من تلقاء نفسِها. احفظ نفسَك من الملل فإنه يُتلف ثمرةَ الراهبِ. إن كنت مقهوراً من وجعٍ وأنت تجاهده فلا تمل، بل ألقِ نفسك قدام الله وقل: «أعني يا ربُّ أنا الشقي فإني لا أقوى على هذا الوجع»؛ فيُعينك سريعاً إن كانت طِلبتُك بقلبٍ مستقيمٍ. إن كنتَ في شيءٍ من تعبِ الرهبانية ورأيتَ الشياطين قد انهزموا منك وغُلبوا في القتالِ، فلا تطمئن، بل كن على حذرٍ منهم. واعلم أنهم يهيئون لك قتالاً أشرَّ من الأول، ويكمُنون لك به من وراء، فإن أنت ناصبتهم تظاهروا بأنهم طُردوا بمكرٍ منهم، وذلك ليستكبر قلبُك وتثق بقوتِك، فإذا أبصروك قد خرجت هكذا عن فضيلة الاتضاع، قام الكمينُ عليك من ورائك وهاجمك الآخر من قدامك وأحاطوا بنفسك التي لم يكن لها ملجأ وقتئذ. فلا تمل إذاً من الصلاةِ إلى الله بأن يخلِّصك ويدفع عنك كلَّ بليةٍ تأتيك، فإن لم يسمع منك سريعاً فلا تمل من التضرع إليه لأنه يعرف ما فيه خيرك أكثر منك. وإذا صليتَ إلى الله فلا تقل له: «ارفع عني هذا وهبني ذاك». بل قل: «يا ربي يسوع أنت عوني ورجائي وأنا في يديك، وأنت تعرف ما هو صالحٌ لي، فأعني ولا تتركني أخطئ إليك أو أتبع هواي، ولا ترفضني فإني ضعيفٌ ولا تسلِّمني لأعدائي، فإني لجأتُ إليك فخلصني بتحننك، ليخزَ كلُّ الذين يقومون عليَّ لأنك أنت القادر على كل شيءٍ، ولك المجد إلى الأبد، آمين».

وقال أيضاً: إن الإنسانَ لا يستطيعُ أن يتحفَّظ من الخطيةِ إن لم يحفظ نفسَه مما يلدها. وهذه هي الأشياء التي تلد الخطيةَ: صغرُ النفس، الملل، إتمام الهوى، حبُّ الاتساع، طلب الرئاسة، حديث العالم، التماس ما لا ينبغي، عدم الحذر من الناس، سماع الوقيعة، نقل الكلام من أناس إلى أناس، الذي يحبُّ أن يُعلِّم دون أن يسأل، الذي يدين القريب، فهذه الأمور وغيرها لَمِّما تلدُ الخطيةَ. فمن أراد أن ينجحَ ويتقدم في الأعمالِ الصالحة، فليحفظ نفسَه من كلِّ شيء يلد الخطيةَ، فإن الخطيةَ منها وبها. فمن حرص فهو يجد خيراً في الأعمال الصالحة، ومن تهاون وتغافل فهو يعدُّ نفسَه للعذاب، لأنه واجبٌ على كلِّ معتمدٍ أن ينقي نفسه من كلِّ الشرور، فإن أنت قطعتَ هواك بمعرفةٍ اقتنيتَ لنفسِك التواضع، أما الذي يريد أن يتمِّم هواه فذاك يُعدم الصلاحَ كلَّه. فلنهرُب من اللجاجةِ (أي من العنادِ والمجادلة) فإنها تهدمُ كلَّ بنيان الفضيلة وتصيِّر النفسَ مظلمةً لا تبصر شيئاً من الصلاحِ. فتحفَّظ من هذا الوجع الرديء الذي إذا اكتنف أيَّ صلاحٍ أعدمه، لأن ربنا ما أن طلع على الصليب حتى طوَّح يوداس من وسطِ تلاميذه. فإن لم يقطع الإنسانُ هذا الوجع الرديء (أي اللجاجة) فلن يستطيعَ أن يدركَ شيئاً من أمورِ الله، لأن كلَّ شرٍ في الدنيا يلحقُ صاحبَ هذا الوجع. وهذا الوجع هو نتيجة الكبرياء، لأن المتكبر لا يقدر أن يتحمَّل شيئاً من الموعظةِ وهو محبٌّ لمجدِ الناس والغلبة، ويسكن في نفسِه كلُّ أمرٍ يبغضه الله، لأن المستكبرَ لا يقدر أن يكونَ بغير عثرةٍ، وهو يسلِّمُ نفسَه بنفسِه إلى أيدي أعدائه. وحينئذ يصنعون بها شروراً كثيرة، فلنهرب من المجدِ الباطل ولنذكر في كل حين مجدَ العالم العتيد ولنقطع أهويةَ قلوبنا ولنلتمسَ مشيئة الله ونتممها.

فالنفس التي تريدُ أن تقفَ أمام الله بغير ذنبٍ فلتحرص كالتاجر الذي يطلب الأرباحَ ويفرُ من الخسائرِ، أما خسائر تجار المسيح فهي: طلب مجد الناس، الكبرياء، تزكية الذات، التكلم بما يغضب السامعين، محبة الأخذ والعطاء؛ هذه كلها خسائر ولا يستطيع أحدٌ أن يُرضي الله وهذه كلُّها في خزانةِ قلبه. فمن أراد أن يجيء إلى نياح الرهبنة فليتباعد من الناس في كلِّ الأمور، ولا يمدح إنساناً، كما لا يزدري به ولا يدينه ولا يزكيه، ولا يترك في قلبه هماً من ناحيةِ إنسانٍ، وليرفض من كلِّ قلبه مقابلة شر إنسان بشرِهِ لئلا تكون خدمتهُ باطلةً، لأن الذي لا يهتم بأحدٍ ويدين نفسَه وحدَه ويلومها فحياته تكون هادئةً مستريحةً. لأن النقي يحبُّ أن يكونَ كلُّ الناسِ أنقياء، أما الذي في قلبه وجعٌ، فلا يرى أحداً نقياً بل كنحو أوجاعِه يفكر في قلبه عن كلِّ أحدٍ، وإن سمع مديحاً في إنسانٍ يحسده. وهذا أقوله لكي تتحفظ فلا تزدري بإنسانٍ وأبطل معرفتك واقطع هواك. فإنَّ من وثق بمعرفتِه وتمسك بهواه لا يستطيع أن يفلتَ من أيدي الشياطين ولن يبصرَ نقائِصَه ولن يجد راحةً، أما إذا خرج من هوى الجسد فبتعبٍ يجدُ رحمةً، ومجمل هذا كله أن تراقب اللهَ من كلِّ قلبك ومن كلِّ قوتك وتترحم على كلِّ الخليقة وتطلب من الله العونَ والرحمةَ في كلِّ ساعة.

وقال أيضاً: «السكوت هو أن تَرضى بكلِّ شيءٍ ولا ينبغي أن تشغل قلبَك بأمرٍ لا يعنيك. النقاوة هي عقلٌ متيقظ وحسٌ ملتصق بالله. أحبَّ السكوتَ أكثرَ من الكلامِ، لأن السكوتَ يجمعُ، والكلامَ يبدِّدُ. الراهب لا يستطيع أن يحفظَ جهادَه إلا بالسكوتِ وبالهدوء، وأن لا يحسبَ نفسَه شيئاً في أمرٍ ما. من هو في السكوتِ فهو محتاجٌ إلى هذه الثلاث خصال: خوفُ الله، صلاةٌ دائمة، أن لا يدع قلبَه يُسبى بأمر ما. من هو في السكوتِ ينبغي له أن يجعلَ خوفَ ملاقاة الله متقدماً كلّ نَفَسٍ من أنفاسِه. ما دام القلبُ يخضعُ للخطيةِ فما صار خوفُ الله فيه بعد، وهو لا زال بعيداً عن الرحمةِ. ذلك الإنسان الذي يتكلم بكلام العالم أو يسمعه مراراً كثيرة، لا يقدر أن يكونَ له في قلبهِ دالةٌ قدام الله في صلاتهِ. أبغض كلَّ ما في العالم من نياح الجسد لأن ذلك يُصيِّرك عدواً لله. فقاتل الجسدَ كمن يقاتل عدواً لدوداً جداً. الذي يطلب الربَّ بوجع قلبٍ يسمع منه إن هو سأله باهتمامٍ ومعرفةٍ وهو غيرُ مرتبطٍ بشيءٍ من العالم إلا بنفسِه فقط، وذلك لكي يوقفها قدام الرب بلا عيبٍ كنحو قوتِهِ.

وقال أيضاً: «ثلاثُ فضائل يحتاج إليها العقلُ دائماً: تركُ الغضب، عدم التهاون، الشجاعة. وثلاث فضائل أخرى إذا ازدان بها العقلُ يثق بأنه قد بلغ الحياةَ وهي: إفراز الجيد من الرديء، التبصُّر في الأمورِ قبل الإقدام عليها، عدم الخضوع لأمرٍ غريب. وثلاث فضائل كذلك تبعث في العقل ضوءاً مستديماً وهي: أن لا يعرف شرَّ إنسانٍ، أن يصنعَ الخيرَ مع الذي يصنعُ به الشرَّ، أن يتقبل ما يجلبه العدو عليه بلا ضيق صدرٍ. فالذي لا يعرف شرَّ إنسانٍ فقد أدرك المحبةَ، والذي يفعل الخيرَ مع من يفعل به الشرَ فقد أدرك السلامةَ، والذي يقبل ما يأتيه من العدو بلا ضيقِ صدرٍ فقد اقتنى الوداعةَ. كذلك أربع فضائل تزكي النفسَ: السكون، حفظ الوصايا، الانفراد، الاتضاع. الصيام يُذل الجسدَ والسهرُ ينقي العقلَ والسكوتُ يجلب النوحَ، والنوحُ يغسل الإنسانَ ويصيِّره بلا خطية. طوبى لمن اهتم من أجل جراحاتهِ لتُشفى، وعرف خطاياه وطلب من أجلِها الغفران. إن أراد العقلُ أن يرتفعَ على الصليبِ فإنه يحتاج إلى طلبةٍ كثيرة ودموعٍ غزيرة وخضوعٍ في كلِّ ساعةٍ قدام الربِّ، ويسأل من طيبته المعونةَ حتى يقيمه غيرَ مقهورٍ متجدداً بالروح القدس. لأن شدائدَ كثيرةً عند ساعة الصليب، وهو محتاجٌ إلى صلاةٍ وإيمانٍ صحيح وقلبٍ شجيع ورجاءٍ بالله إلى آخر نفس. الذي له المجد إلى الأبد، آمين.

وقال أيضاً: إذا صليتَ ولم يَرِد على فكرِك شيءٌ من الشرِّ فقد صرتَ حراً. الذي يلوم أخاه أو يحتقره أو يشي به قدام آخرين أو يُظهر له غضباً، فقد صار بعيداً من الرحمةِ. إن قال إنسانٌ: «إني أريدُ أن أتوبَ عن خطاياي»، وهو لا يزال يفعلُ شيئاً منها فهو كذاب. من يريد أن يلازمَ السكوتَ من غير أن يقطع علل الأوجاع فهو أعمى. الذي يتجاهل خطاياه ويريد أن يقيمَ آخرين فهو جاهلٌ. من لا يدين أحداً فقد استحق النوح، إذا انشغلتَ عن خطاياك وقعت في خطايا أخيك. إن كافأتَ شراً بشرٍ فذلك يُبعدك من النوح. إن قبلتَ شيئاً من السُبح الباطل ابتعد منك النوحُ. إن صنعتَ هواك طردت عنك النوحَ. إن قلتَ إن فلاناً صالحٌ وفلاناً شريرٌ خزيتَ نفسَك، إذ تركت الاهتمام بخطاياك واهتممت بما لا يعنيك. إن قيل عنك كلامٌ لا تعرفه فتسجست فقد أبعدت عنك النوح. إن كلَّمك إنسانٌ فلا تجادله محاولاً تثبيت كلمتك، وإلا فليس فيك نوحٌ. فهذه الأمور كلِّها تدلُّ على أن الإنسانَ العتيق لا يزال حياً فيك. إن حفظت وصايا المسيح كلَّها وعملتها، قل: «إني لم أُرضِ الله قط». يا إخوتي، تأكدوا بحرصٍ أن تكون شهوتنا بالله، لنسلَم من الشرور. لنلازم محبةَ المساكين لنخلُص من حبِّ الفضة. لنكن متصالحين مع كلِّ أحدٍ لنخلص من البغضِ. لنكن محبين لجميع الناس لنخلص من الغيرة. لنتحمل تعيير إخوتنا إذا هم رذلونا لنخلص من العظمةِ. لنحرص على كرامةِ إخوتنا لكي ما نخلص من الدينونةِ. لنرفض شرفَ العالم وكراماته لنتخلص من المجدِ الباطل. لتكن ألسنتُنا ملازمةً ذكر الله والعدل لكي ما نخلص من الكذب. لننقِ قلوبَنا وأجسادَنا من الشهوةِ الرديئة لكي ما نخلص من النجاسةِ.

وقال أيضاً: الحكيمُ هو الذي يحرص إلى الموت على مرضاة الله. لنعمل بقدر قوتِنا والله يُعينُ ضعفَنا. ليكن فكرُك بالله وهو يحفظك. أمورُ العالمِ لنتركها وننطلق. وما تصنعه من أجلِ اللهِ فهو يعينك في ساعةِ شدَّتِك التي هي ساعةُ الموت. أبغض كلامَ العالم ليفرح قلبُك بالله. أحبَّ الصلاةَ في كلِّ حينٍ ليضيء قلبُك بأسرارِ الله. أبغض الكسلَ لكيلا تحزن. إذا قمتَ في موقفِ الأبرارِ احتفظ بلسانك ليسكن في قلبك خوفُ الله. أعط المحتاجين بعينٍ واسعةٍ حتى لا تحزن بين القديسين. لتكن محباً للمؤمنين لتحلَّ عليك رحمةُ الله. لتكن محباً للقديسين لتغار بأعمالهم الصالحة. اذكر دائماً أبداً ملكوتَ السماوات وما أُعد فيه للقديسين ليقودك الشوقُ إليه. كن متفكراً في كلِّ حينٍ بجهنم لكي ما تُبغض الأعمالَ المؤدية إليها. إذا قمتَ باكر كلِّ يومٍ تذكَّر أنك ستعطي لله جواباً عن أعمالِك فإنك بذلك لن تخطئ ومخافةُ الله تسكن فيك. هيئ نفسَك دائماً أبداً للقاء الله لكي ما تصنع مشيئَته. تفرَّس في نفسِك كلَّ يومٍ لتعلم أيَّ وجعٍ غلبتَ ومن أيِّ وجعٍ أنت مغلوب، أعني الشهوات الجَسَدَانية. ولتكن مجتهداً بكلِّ قوتك في أن تغلبَ كلَّ الشهواتِ الرديئة. كن دائماً أبداً حذراً منتبهَ العقلِ في كلِّ حينٍ. وإياك أن تفكِّر بالعظمةِ أو تقبل هذه الفكرة، لأن بذلك صار رئيسُ الملائكةِ شيطاناً. كلُّ من يريد أن يغلبَ بالكلامِ فبلا شكٍّ قد دلَّ على أن مخافةَ اللهِ ليست فيه ولا اتضاع، الذي يحبُّ اللهَ لا يهتم إلا ببُغض الشهواتِ النجسة وعمل الصلاح وتعب الجسد بمعرفةٍ، أما الغفلةُ والتواني فهما يولِّدان فينا أوجاعَ الجسدِ النجسة. من يُغلب من لسانِه فهو ما زال عبداً. أما من غَلب لسانَه فقد صار حراً. قلةُ الرحمةِ تُعبِّر عن أننا لا نحبُّ اللهَ. كثرةُ المناصبةِ أي الوقوف في وجه الغير المقرون بالشتائم والانتقادات والكلام اللاذع، تدلُّ على أننا أشرار. البركةُ تلدُ البركةَ. والصلاحُ يلدُ الصلاحَ. فأما الغضبُ فمن قساوة النفسِ. كثرةُ النومِ فيها خسارةُ العقلِ، وجفافُ العينين، وتغلُّظ القلب. الرقادُ بمعرفةٍ في السكوتِ أفضلُ من الكلامِ الباطلِ مع السهرِ».

وقال أيضاً: من لازم النوحَ فهو يهربُ من كلِّ الشرورِ ومن كلِّ سجسٍ. من كفَّ عن شرِ الناس فذاك بالحقيقة قد انطبع فيه اتضاعُ سيدنا يسوع المسيح وأخزى الشيطان. من يُحبُ مدحَ الناسِ فهو شقيٌ وقد شملته الظلمةُ. ضبطُ البطنِ يُذهب الأوجاعَ، أعني الشهوات الرديئة. أما شهوةُ الأطعمةِ فتجلبها. من يحبُّ اللهَ فذاك قد تغرَّب عنه شيطانُ التهاون. ومن تحاشى الحديثَ الرديء الربُّ يحفظه من السقطات. أما كثرةُ الحديث فمنها تأتي الرعونةُ والملل. من قطع هواه من أجلِ أخيه لمرضاة الله فقد أنبأ عن نفسِه أنه قد اقتنى الفضائل. أما الذي يُرضي هواه فقد أظهر أنه غيرُ خائفٍ من الله. من لازم مخافة الله فذاك قد اقتنى حكمةً سمائية. وأما من ليس فيه مخافةُ الله فقد عَدِمَ كلَّ خيرٍ. محبةُ المالِ تضايق العقلَ. من أحبَّ كلامَ العالمِ فقد أقفرت نفسُه من كلِّ صلاحٍ. من كتم خطاياه عن صاحبِ سرِّه فقد دلَّ على تعاظمه، وقد تملَّك عليه عدوه. أما الذي يُفشي أفكارَه فيستريح. بدءُ الصلاحِ هو المحبة والاتضاع والمسكنة، وعدم الدالة، أما خرابُ النفسِ فهو حبُّ البطنِ. الخلطة مع العلمانيين تمنع التوبةَ وتبرِّد الحرارة. والفرار منهم ينشِّط إلى العمل الروحاني. محبةُ أمورِ العالم تجعل النفسَ تُظلم. الكسلُ يجلبُ علينا الأعداءَ. لا تقبل أفكارَ السوءِ وتجلس تتحدث عنها لئلا تكون جالساً تحادث الشيطان مشافهةً. لأن الأفكارَ الرديئة من فمِه تخرجُ، فافطن له ونبِّه عقلَك مقابله وتقوَّ عليه باسم ربنا يسوع المسيح. ولا تكن متكِلاً على قوتِك وصلاحك. بل كن طالباً العونَ والرحمةَ من المسيح لكي ما يفرح بك وينيحك. احذر لئلا تكون بينك وبين الناسِ معاملةٌ ما دمتَ في التوبةِ فإن الخلطةَ تشغلك عن الروحانية. احتفظ بقلبك وعينيك فلن يصيبك بأسٌ في جميعِ أيامِ حياتك. كلُّ من نظر في وجه أخيه بلذةٍ شيطانية فقد فسق. لا تقبل أن تسمعَ ضعفات أخيك أو تلومه، وإلا فأنت هالكٌ. اعمل لكي ما تعطي المساكين من عرقِ جبينك لأن البطالةَ موتٌ وهلاكٌ، واحرس قلبك قبل كلِّ شيءٍ كي يكون لك عملٌ روحاني في كلِّ رهبنتك. لا تعمل عملاً في توبتك بدونِ مشورةٍ، فتعبُر أيامك بنياحٍ.

 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt