دراسات أبائية

     
   
 

الآباء والكتاب المقدس
د. جوزيف موريس فلتس      أ.جورج عوض


سنتناول  علاقة آباء الكنيسة بالكتاب المقدس وذلك من خلال محوريين:

 المحور الأول     هو "الكتاب المقدس - كلمة لله" وكيف فهم الآباء هذا التعبير
 والمحور الثانى   هو "مدارس التفسير وسمات التفسير الأرثوذكسى".]


 الكتاب المقدس - كلام الله :


أ- قولنا إن الكتاب المقدس هو كلام الله يعنى فى مفهومنا فى المقام الأول أن الله إله حى، وأن هذا الإله الحى هو صاحب مبادرة نحو الإنسان، ذلك المخلوق الوحيد القادر على أن يفهم ويتواصل عن طريق الكلام، حيث وهبه نعمة العقل والنطق..

لكن ما قيمة هذه المبادرة، مبادرة الله الحى، وما معناها؟

كون أن الله إله حى أمر جوهرى بالنسبة لإيماننا ذلك أن الإنسان الأول - نتيجة السقوط - أنفصل عن الله الأمر الذى أدى إلى موت الإنسان، وتزايدت شروره، فلم يفقد فقط إيمانه بالله بل وصدق أكذوبة الحية بأنه أصبح هو الله. وكانت الخطوة التالية فى مسيرة الإنسان نحو الهلاك. إذ عاد فخلق هو الله على صورته ومثاله بعد أن كان مخلوقاً على صورة الله ومثالة، وفى ضلال الإنسان وانحداره فى طريق الموت لم يع خطورة ما فعل، غير أن الله الذى يدرك أبعاد خطورة ذلك التصرف قد وعاه تماماً فأعلنه أمامنا بكل وضوح، وسجله لنا من محبته وبمبادرة منه فى الكتاب حتى يساعدنا فى إصلاح أنفسنا ورجوعنا إليه.

لقد "خلق" الإنسان الساقط الله بواسطة عناصر الأرض صانعاً إياه منحوتات وأصنام، ثم طورها بفكره وعقله، جاعلاً منها آلهة كاذبة (غير حقيقية) لنفسه واهباً إياها "موهبة النطق" الغاش متمادياً فى ذلك فى شروره وطغيانه.

ويصف القديس أثناسيوس الرسولى هذه المراحل فى كتابة ضد الوثنيين فيقول: "فى البدء لم يكن الشر موجوداً.. غير أن الناس فيما بعد بدأوا يخترعونه ويحكمون صنعه لضررهم، ومن ثم اخترعوا الأصنام أيضاً حاسبين غير الموجود كأن له وجود".

ويستطرد القديس أثناسيوس ويقول فى الفصل الثامن من نفس الكتاب"وإذا لم تقنع النفس البشرية باختراع الشر بدأت بالتدريج تجترئ على ما هو أسوأ وأشر.. ولذلك فإنها وقد تحولت وتناست أنها كانت على صورة الله الصالح لم تعد بالقوة التى فيه ترى الله الكلمة التى خلقت على مثالة ولكنها إذ ابتعدت عن نفسها صارت تتوهم وتتخيل ما ليس له وجود...".

والنتيجة الحتمية لهذا الوضع كانت كالآتى "وإذا ارتبكت وسط تأثيرات هذه الأشياء توهمت أن الله الذى نسيه تفكيرها يوجد فى الأشياء الجسدية المنظورة، معطية الأشياء المنظورة إسم الله وممجدة فقط تلك الأشياء التى تهواها والتى تبهج أنظارها".

وهنا يكمن معنى وأهمية أن الإله الحى المتكلم بالحق، فمقابل الآلهة الكاذبة نجد الإله الحى، الله يتكلم فى مبادرة منه نحو الإنسان الساقط. هذا شئ مختلف إلى أبعد حد، وجديد، شئ عظيم بالفعل. فإلى الآن كل منا يصنع أحيانا إلهة، إلهة المائت الذى يظهر كلامنا نحن، إلهة الذى يحبه ويحب ذاته فيه، فكل منا يحب فكرته، فأنا الذى يتكلم فى الحقيقة عندما يتكلم إلهى الذى أصنعه بفكرى، لهذا نستطيع أن نقول أن الكتاب المقدس، كلام الله، هو مختلف. عن كافة الكتب البشرية، هو الكتاب الذى يقودنا إلى ما بعد الكلام البشرى ليدخلنا مباشرة إلى كلام الله، إلى سر الله. إن كل ميزات الكتاب المقدس وصفاته ناتجة عن صفته الرئيسية هذه: الكتاب غير سائر كتب الناس.

ب- والكتاب كلام الله يعنى أن الله يعلن ذاته حيت يتكلم.
فكل منا يظل غير "معروف" إلى أن يتكلم فيعلن ذاته إلى حد ما، ونقول إلى حد ما بسبب عجز اللغة البشرية عادة عن أداء ذلك، على عكس ذلك فإن كلام الله يعلن الله وبصدق لذا نستطيع الإقتراب إليه دون خوف من خطر التضليل أو خشية الخديعة.

ج- كلام الله ذا قوة وفعل :
 هذه القوة وهذا الفعل قادر على تحريك الذهن وضبط الفكر وتقويم السلوك، هى قوة يمكن أن تسيطر على كل الكيان البشرى بل وعلى ضبط الخليقة كلها. هو كلام ذو فاعلية، وهذه الفاعلية لها هدف وتوجه وغاية. فهى تحرك من يسمعها ويستجيب لها ويطيعها وتوجهه لتصل به إلى الله غاية كل أحد وشهوة كل نفس، كما سيأتى الحديث. فالله يتكلم ويفعل ويوجه ويقود إليه.

د- الكتاب كله موحى به من الله :
 لهذا فهو صادق، لكن معناه لا يكون فى حرفيته بل فى فهمنا له روحياً وهذا المفهوم الروحى استمدته الكنيسة وعاشته وبشرت به إنطلاقاً من قاعدة أساسية ألا وهى المسيح والكنيسة.

وقد يظن البعض أنهم يكرمون الكتاب بقولهم أن كل كلمة فيه هى من الله... التكريم هنا ليس بالطبع ليس للحروف فإن تكريم الحرف نوع من عبادة الأصنام، وكما هو معروف فالحرف يقتل والروح يبنى، فالحرف ضد الروح. وما ينطبق على حروف الكتابة يسرى أيضاً على تكريم الأيقونات، أيقونة القديس. فالأيقونة خشب والقديس إنسان والكتاب أحرف ولكننا عندما نكرم الأيقونة والقديس والإنجيل لا نكرم بالطبع المادة التى صنعت منها الأيقونة أو شخص القديس أو حرف الكتاب وإنما نكرم حضور الله الحى المخفى والمعلن فى وقت واحد فى كل من الأيقونة والقديس والإنجيل..

وهنا نأتى إلى قيمة الحروف التى تشكل كلمات هى فى مجموعها نص الكتاب إن حرف الكتاب هو من
"ظهورات" الله، يتراءى الله بواسطته ويستعلن إنه علامة لمن يقرأ بأمان، تدل على حضور إلهى من خلال كلام إنسان ونص بشرى، هذا الحضور لا ينزع من الكاتب حريته كإنسان مفكر عاقل ذو ملكات فكرية ولغوية وشعرية.. لكنه حضور يعطى للكاتب قوة وإمكانية للتعبير عن كلام الله بكلامه البشرى وتساعده فى استيعاب معنى "الرسالة" والبشرى المقدمة التى بادر الله بالتكلم بها منذ القديم بالآباء والأنبياء وفى أخر الزمان فى إبنه الوحيد (عب 10).

إن الحقيقة الإلهية الأزلية توجد فى الكتاب المقدس تحت شكل الحقائق الإنسانية وهذه الحقائق نفسها معبر عنها حسب وسائل النطق الإنسانى بما فيه من محدودية بغير أن تحد بالطبع حقيقة وقيمة الإعلان الإلهى ذاته.

إن الله هو المسئول الأول عن الكتاب المقدس، فهذه هى مبادرته نحو الإنسان ليتكلم ويعلن ذاته فى ابنه الوحيد وليسجل لنا هذا الإعلان فى الكتاب المقدس والله هو المحدد لمحتواه وصاحب المبادرة فيه كما سبق القول، وهو واضع الغاية والقصد منه.. ولذا فنحن لا نهتم بالحرف بل بالرسالة.

وأخيراً فإن كل ما يمكن أن يقال فى ماهية الكتاب المقدس ومحتواه وقيمته وما إلى غير ذلك، يجب ألا يهدف إلا إلى غاية واحدة وهى أن نفهمه وتنفتح أعيننا على تفسيره الصحيح كى نستفيد منه الإستفادة المرجوة فى حياتنا الروحية وعلاقاتنا بالله والآخرين. وهذا ما عبر عنه القديس إيلاريون قائلاً: "إن الكتاب المقدس ليس بقراءته بل بفهمه".

كلمة الله من أساسيات الحياة الروحية عند الآباء :

لقد فهم وعاش آباء الكنيسة الكبار حقيقة أن كلمة الله هى من أساسيات الحياة الروحية بل وعلموا بهذه الحقيقة وتركوها لنا وصية فى كتاباتهم.

فالإعلان الإلهى دون فى الكتاب، وبه تبدأ معرفتنا لله، وكلمة الله حية وفعالة، وكلما ازددنا فهما لها وازددنا إصغاء لوصيتها كلما ازداد فعلها وحلولها فينا. فغاية مطالعتنا لكلمة الله هى حلول الكلمة فينا.

ولقد عبر الآباء عن خبرتهم الروحية هذه، ودور كلمة الله الحية والفعالة فيها.
نجد أن القديس يوحنا ذهبى الفم والذى اشتهر بهذا اللقب بسبب كثرة عظاته وتأملاته وشرحه واستخدامه لكلمة الله، نجده فى أحد عظاته يصف الكتب المقدسة قائلاً: "نعم، إن قراءة الكتب المقدسة هى روضه، بل هى فردوس أيضاً لا يقدم زهوراً فحسب بل وثماراً تقدر أن تفوق النفوس"، وفى موضع آخر يقول: "طوبى للرجل الذى فى ناموس الرب مسرته وفى ناموسه يلهج نهاراً وليلاً لأن من يجلس قرب ينبوع الكتاب المقدس مرتوياً من مياهه على الدوام يتقبل فى نفسه ندى الروح القدس".

إن انقيادنا لكلمة الله وإعطائها فرصة فى داخلنا لكى تثمر دليل على إننا نختلف كأولاد الله السامعين والعاملين عن أولاد العالم وهذا ما يوضحه القديس مقاريوس الكبير فى العظة 46 من عظاته إذ يقول: "إن الإنسان العالمى الذى تمتلكه الرغبات الجسدية، إذ حدث أنه سمع كلمة الله فإنه يختنق ويصير كمن لا عقل له، وذلك لأنه اعتاد على خداعات الخطية، فحينما يحدث أن يسمع مثل هذا الإنسان عن الله فإنه يحس بثقل شديد وينفر من كلام الله كأنه حديث سخيف متعب. وكأنه قد أصيب بمرض من هذا الكلام الإلهى".. كما يقول الرب إن من تحاصره هموم هذه الحياة وتربطه الرباطات الأرضية: "يختنق ويصير بلا ثمر لكلمة الله" (مر 19:4).

وهنا أيضاً تكمن قوة الكلمة كمعين للإنسان فى صراعاته ضد الخطية كما يركز ذهبى الفم "معرفة الكتب المقدسة تقوى الروح وتنقى الضمير وتنزع الشهوات الطاغية وتعمق الفضيلة وتتسامى بالعقل وتعطى قدرة لمواجهة المفاجآت غير المستقرة، وتحمى من ضربات الشيطان وتطلقنا إلى السماء عينها".

غير أن القراءة فقط للكتاب المقدس لا تكفى بل يجب أن تقودنا هذه القراءة إلى المسيح نفسه كلمة الله المتجسد فتكون لنا شركة معه لنتمتع بالامتيازات الخاصة والهبات الفريدة التى منحها لنا الله بتجسد إبنه الوحيد من أجلنا ومن أجل خلاصنا وهى أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية، ومن عظة رائعة للقديس مقاريوس الكبير يلخص هذا فيقول: "كما أن الملك يكتب رسائل لأولئك الذين يريد أن ينعم عليهم بامتيازات خاصة وهبات فريدة، ويقول لهم: "بادروا بالمجىء إلى سريعاً لتنالوا منى الهبات الملوكية" فإذا لم يذهبوا ويأخذوها فإن مجرد قراءة الرسائل لا تفيدهم شيئاً بل على العكس فإنهم يكونوا معرضين لخطر الموت لأنهم رفضوا أن يأتوا لينالوا الكرامة من يد الملك، هكذا الله الملك الحقيقى، قد أرسل الكتب المقدسة منه للبشر وهو يعلن عن طريقها للناس أنها ينبغى أن يأتوا إلى الله ويدعونه بإيمان ويسألوا ويأخذوا الموهبة السماوية من اللاهوت نفسه لأنه مكتوب لتصيروا شركاء الطبيعة الإلهية ولكن إذا لم يأت الإنسان ويسأل وينال فإنه لا يستفيد شيئاً من قراءة الكتاب بل بالحرى فإنه يكون فى خطر الموت لأنه لم يرد أن يأخذ عطية الحياة من الملك السماوى التى بدونها لا يمكن الحصول على الحياة الأبدية غير المائته التى هى المسيح نفسه". ويؤكد القديس غريغوريوس الكبير هذا المعنى عندما يقول إن الكتاب المقدس رسالة من الله إلى خليقته فالكتاب المقدس يحمل إلينا الله، إذن فالكتاب المقدس هو كتاب الخلاص، ذلك الخلاص الذى تنبأت عنه أسفار العهد القديم وتحقيقه بمجىء الرب فى الجسد وعمله الخلاصى من أجلنا واستعلنه وقدمه لنا فى العهد الجديد هو "البشارة المفرحة" بالخلاص.


 مدارس التفسير وسمات التفسير الأرثوذكسى :


فى بحثنا المختصر لموضوع مدارس التفسير وسمات التفسير الأرثوذكسى، سوف نركز الشرح على القديس كيرلس عمود الدين كمفسر للكتاب المقدس إذ هو نموذج عظيم لواحد من آباء الكنيسة الذين عاشوا سر "الإعلان الإلهى"، ذلك السر الذى كشف وتحقق بتجسد السيد المسيح ومن خلال عمله الخلاصى من أجلنا ومن أجل خلاصنا، وبشر به "بشارة مفرحة" بالإنجيل.

ومن خلال دراستنا لطريقة تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس نستطيع أن نتبين مدارس التفسير التى كانت سائدة فى العصور الأولى، وكيف تعامل معها القديس كيرلس بحكمة ووعى روحى ليقدم لنا فى النهاية سمات التفسير الأرثوذكسى والتى يمكن فهمها من خلال الملامح الأساسية الآتية:

1- الأساس الخريستولوجى : إذ أن الإيمان الصحيح بسر التجسد والفداء هو ضرورة أساسية للتفسير السليم، إذ أن الكلمة المتجسد هو القانون والمعيار الذى يقاس عليه التفسير الأرثوذكسى.
2- الأساس الروحى : إذ أن الكلمة المكتوبة لها مفهومين، تاريخى وروحى. والذى يقودنا إلى التفسير الصحيح هو الإيمان إذ هو يسبق المعرفة، إذ بواسطة الإيمان يصل الإنسان إلى المعرفة الكاملة. والإيمان هنا هو المعرفة الصحيحة عن الله داخل حياة الفضيلة.
3- الأساس الكنسى : حيث يلجأ القديس كيرلس دائماً إلى التعاليم والخبرة الكنسية معبراً أن التقليد الكنسى هو المرشد والضامن للتفسير الكتابى السليم. ويركز على حقيقة الوحى الإلهى وحضور الروح القدس فى الكنيسة، وعلى أهمية التقليد الذى يشمل الإيمان المستقيم والعقيدة الصحيحة، وعلى العبادة الليتورجية داخل الكنيسة، وعلى الحياة الروحية فى الفضيلة.

القديس كيرلس الأسكندرى كمفسر للكتاب المقدس :

يعتبر القديس كيرلس الأسكندرى (370-444م) من المفسرين العظماء للكتاب المقدس فى تاريخ الكنيسة، وبينما اتبع الطريقة الأوريجانية لتفسير العهد القديم، ظل محافظاً على العقيدة من سوء التفسير الرمزى. إن العقيدة الخريستولوجية ضد (آريوس، نسطور، أبوليناريوس، افنوميوس) تمثل الأساس لفهم كل شروحاته وتفسيراته للكتاب، وهو يربط ربطاً محكماً بين الشروحات وعقيدة الكنيسة.

ولأن القديس كيرلس ربط بين التفسير واحتياجات الكنيسة التعليمية فى عصره فقد يفهم إنه انطلق من العقيدة ليفسر الكتاب ولكن العكس صحيح. بدون شك لا ينتمى القديس كيرلس إلى المتطرفين الغيورين للتفسير الرمزى وفى نفس الوقت لم يوجد معادياً للمدرسة الأنطاكية فلقد استخدم الرمزية allhgorikh مع النموذجية (النمطية) أو المثالية Tupologikh

إسهامات القديس كيرلس كمفسر للكتاب المقدس

أ- العهد القديم :

إن تفاسير القديس كيرلس للعهد القديم تعتبر من أقدم كتاباته، فقد كتب "العبادة بالروح والحق" فى صورة حوار بينه وبين بلاديوس، وهو شرح رمزى ونمطى، ويشمل الكتاب 17 فصلاً.

وموضوع الكتاب الرئيسى كيف أن الناموس قد ألغى فقط بحسب الحرف وليس بحسب الروح.

فى رأى القديس كيرلس : كل شئ يحويه العهد القديم هو صورة ورمز وظلال للعبادة بالروح والحق. فى الفصول الأولى ينشغل كيرلس بخطية آدم ويناقش مسألة تحرر الإنسانية من عبودية الخطية والشيطان ويؤكد أن التحرر لا يأتى إلا من المسيح ويستمر فى هذا الموضوع حتى الفصلين الرابع والخامس ليؤكد على أهمية الدور الإنسانى فى حفظ هذا الخلاص لذا يشدد على أهمية قرار وإصرار الإرادة الإنسانية فى أن تخلص.

¦ وكتب أيضاً فى هذه الفترة (Ta Glafura) "تعليقات" من ثلاث عشر فصلاً وهو يكمل ما كتبه سابقاً فى "العبادة بالروح والحق" ولكنه لم يكن فى صورة حوار، ما يخص سفر التكوين سبعة فصول، وثلاث فصول لسفر الخروج، وثلاث فصول كل واحد منها لسفر اللاويين، سفر العدد، سفر التثنية.
¦ أيضاً كتب فى هذه الفترة تفسيره لسفر إشعياء والذى شغل مجلداً كاملاً (رقم 70) فى سلسلة Migne، ومذكراته فى الأنبياء الصغار.

فى هذه الكتابات اتبع القديس كيرلس التقليد الأسكندرى فى التفسير، إذ ترك الحرف والتاريخ ودخل فى قلب النص مفتشاً على الثمر الروحى اللازم للغذاء. لقد وضع كيرلس أساس التفسير وهو التفتيش على "المعنى الروحى" وراء الحرف. القديس كيرلس محق فى تطبيقه هذه الطريقة فى التفسير للعهد القديم لأن الناموس يعطى فقط صور ورموز للحقيقة، هو الظلال، لذلك قد بَطُل، ولكن كيرلس يشدد على أن الإبطال تم بحسب الحرف وليس بحسب محتواه الروحى وأهميته الروحية، ومن هنا نرى أن الناموس- كما يعلن القديس كيرلس - حفظ فاعليته حتى اليوم ولكن بحسب مفهومه الروحى.

يركز القديس كيرلس فى كتاباته على الصورة القديمة التى للكنيسة فى قلب العهد القديم، كذلك فى كتابه "تعليقات" يركز على أن "سر المسيح" رمز إليه وصور فى كتب موسى الخمسة "التوراة".
¦ أن شروحات القديس كيرلس لأسفار الملوك، نشيد الإنشاد، والأنبياء حزقيال، إرميا، باروخ، دانيال قد بقى منها مقاطع صغيرة.
ولا ننسى إنه قد شرح (ق. كيرلس) سفر المزامير وذلك بحسب رأى "فوتيوس" (Bibl. Cog. 299). فى القرن العاشر.

ب- العهد الجديد

1- تفسير إنجيل يوحنا : كتب القديس كيرلس تفسيره لإنجيل يوحنا وذلك قبل فترة البدعة النسطورية، وهو يمثل 12 مجلداً.

إن تفسير كيرلس له طبيعة عقيدية، والمقدمة تكشف على أنه يريد أن يعطى مفاهيم عقيدية للنص وعلى محاربة الأفكار الهرطوقية.

يفحص مفاهيم عقيدية للنص وعلى محاربة الأفكار الهرطوقية.يفحص القديس كيرلس فى شروحاته هذه فكر الأريوسيين، فكر أتباع افنوميوس، وخريستولوجية المدرسة الأنطاكية. وأيضاً فى تفاسيره هذه لا يذكر لا نسطور ولا مصطلح والدة الإله، ومصطلحاته فى هذا التفسير ليست هى نفسها كما وجدت فى كتاباته بعد ظهور النسطورية. لذلك يوجد اتفاق بين المفسرين بأنه كتبه قبل فترة البدعة النسطورية هذا رأى الأب حورج فلورفسكى فى كتابة "آباء بيزنطة القرن الخامس" والصادر فى تسالونيكى سنة 1992م.

2- تفسير إنجيل لوقا : هو مجموعة عظات حول نصوص إنجيل لوقا، والهدف من هذه العظات ليس عقيدى فقط كما فى تفسيره لإنجيل يوحنا ولكنه سلوكى عملى أيضاً.
بقيت فقط ثلاث عظات من النص اليونانى المفقود وبعض المقاطع الأخرى، بينما هناك 156 عظة وصلت إلينا باللغة السريانية (من القرن السادس) ومن خلال هذه الترجمة نعرف من العظة رقم 63 أن وقت كتابة هذه العظات كان أواخر 430م لأنه يذكر حرومات القديس كيرلس الأثنى عشر.

3- مقاطع تفسيرية لأعمال أخرى للعهد الجديد : مقاطع قليلة من شروحاته لإنجيل متى، وأسفار أخرى للعهد الجديد.

الإيمان أساس فهم الكتاب المقدس :

إن مفهوم اللوغوس يعلن فقط داخل خبرة الإيمان. الذى يقودنا خارج محدوديتنا كمخلوقات، هو الإيمان وليس البحث. الإيمان يجب أن يسبق البحث، المعرفة الصحيحة يمكن أن تؤكد فقط على أساس الإيمان.

بدون استنارة الروح القدس، لا يستطيع أحد أن يقبل لمعرفة الحق وأن ينجح فى الحصول على فهم دقيق سليم للعقائد الإلهية. الآب لا يمنح معرفة المسيح لغير الأنقياء، لأنه فى رأيه لا يمكن أن يسكب فارورة طيب كثير الثمن داخل قبر.
معرفة الله هى حوارية أى تتطلب حوار حقيقى مع الله وشركة قوية وليست كالمعرفة الخارجية. ويؤكد القديس كيرلس على أن معرفتنا اليوم ستظل ناقصة ولا تقارن بمعرفة الحياة العتيدة، فكما يختفى لمعان النجوم بظهور نور الشمس هكذا تختفى معرفتنا أمام كمال نور المجد الإلهى.


الملامح الأساسية للتفسير عند القديس كيرلس :

1- الأساس الخريستولوجى. 2- الأساس الروحى. 3-الأساس الكنسى.

أولاً: الأساس الخريستولوجى للتفسير :

يعتبر القديس كيرلس أن الإيمان الصحيح بسر التجسد هو ضرورة أساسية للتفسير، إذ أن الكلمة المتجسد هو القانون والمعيار الذى يقاس عليه التفسير الصحيح (تفسير يوحنا 9 P.G. 74, 189C).

فالأساس الخريستولوجى هو دعامة لكل شروحاته، وأيضاً صياغاته للعقيدة، فالمسيح ظل بعد التجسد هو الواحد - الله - اللوغوس. وبالتجسد اتحدت الطبيعة الإلهية بالإنسانية بغير اختلاط أو تغيير، وهذه الوحدة بين الطبيعتيين فى شخص المسيح ليست مجرد اعتراف نظرى، بل هى حدث واقعى فى تاريخ التدبير الإلهى وأساس التفسير الصحيح للكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة. لذلك ففى رأى القديس كيرلس، لكى نفهم ما قاله المسيح وأيضاً ندرك أفعاله المدونة فى الأناجيل، لابد أن نراها فى إطار الاتحاد الكامل بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية فى شخص المسيح، فاللوغوس المتجسد لم يكن ببساطة إنسان "حامل الله" (qeoforoV) مثلما اعتقد نسطور، ولكن العكس، فكل ما قاله وما فعله المسيح صادر من شخص الله اللغوس ويتعلق بإقرار الإيمان الصحيح عن الإتحاد الذى تم بين الطبيعتين والذى نتج عنه ما يسمى "بتبادل الخواص" فالطبيعة الإنسانية قبلت المجد الإلهى وذلك بإتحادها بالطبيعة الإلهية "بحسب التدبير" ولهذا تأله الجسد. (عن التجسد P.G. 75, 1244, 1249).فالإخلاء "أخلى ذاته" هو الذى جعل اللوغوس داخل المعايير البشرية (تفسير يوحنا P.G. 73, 132A).

ولكى نفهم أقوال وأعمال المسيح الإنسانية كما دونت فى الأناجيل، هناك حاجة أن نحافظ على الوحدة الغير منفصلة والغير مختلطة بين الطبيعتين فى شخص المسيح، فلا يجب أن ننسب الأقوال والأعمال الإنسانية للمسيح للاهوت فقط ولا للناسوت فقط (تفسير لوقا P.G. 72, 509D). بل لشخص المسيح الواحد، ويطبق هذا على المعجزات، التى هى أعمال إلهية، ولكنها تمت بواسطة الجسد (الناسوت)، (الكنز 23، P.G. 75, 388C).

إذن لا نستطيع أن نفصل أى عمل ونخصه لطبيعة دون الأخرى، ولكن فى نفس الوقت نعرف ونميز متى تنسب الأقوال للاهوت ومتى تنسب للناسوت، دون أى إنفصال بينهما. فمثلاً عندما يقول المسيح: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (يو 8:14) أو (يو 3:10) "أنا والآب واحد" واضح أن هذه الكلمات منسوبة للاهوت. وأما قوله مثلا فى (يو 40:8) "ولكنكم تسعون إلى قتلى وأنا إنسان كلمتكم بالحق الذى سمعته من الله.." هنا الكلام منسوب إلى إنسانيته الكاملة (تفسير لوقا P.G. 72, 672C).

اللوغوس (كلمة الله) لو لم يصر إنساناً كاملاً لما استطاع أن يتكلم بشريا. وبناء على ذلك من ينكر هذه الأقوال والأفعال الإنسانية للمسيح ينكر تدبير التجسد (الدفاع P.G. 76, 413CD).

فهذه الأقوال تعلن التأنس فلو لم يتكلم المسيح كإنسان كامل، لما آمن أحد بإخلاء الله – اللوغوس (رسالة 17،P.G. 77, 116 BC ) وقد رفض كيرلس قول نسطور بأن أعمال الجسد التى للمسيح تنقص من شأن المجد الإلهى، فإن كيرلس يرى أن بواسطتها نستطيع أن نعرف الجوهر الإلهى العظيم والسامى، وهكذا فسمو اللاهوت نعرفه من التواضع والإخلاء الإلهى (الكنز 7، (P.G. 75, 120 AB)
ن هذا الاتحاد الأقنومى بين الطبيعتين، فى رأى القديس كيرلس، كان هو الوسيلة الوحيدة لخلاص البشرية، وعلينا أن لا نقف عند الحرف مثلما فعل نسطور لكى يبرهن على سمو وتفوق الطبيعة الإلهية عن الطبيعة الإنسانية للمسيح، وانتهى إلى أن المسيح كان رجل حامل للإله فقط، وأنكر التجسد الحقيقى للوغوس. وبذلك فإن كل ما قام به المسيح إنسانياً أى بالتجسد ليس له بعد خلاصى حقيقى لدى نسطور.

يشدد القديس كيرلس على أن الأقوال التى ينسبها البعض إلى طبيعة المسيح الإلهية أو إلى الطبيعة الإنسانية، يجب أن تنسب لشخص المسيح الواحد، فالإختلاف بينهما هو اختلاف تدبيرى ولا يتعلق بأى فصل بين الطبيعتين. والتمييز لا يمنع أن ننسب أعمال الجسد للطبيعة الإلهية أو أعمال اللاهوت للطبيعة الإنسانية (الكنز 24، P.G. 75, 429C).


إثانياً: أساسيات التفسير الروحى :

لقد كان القديس كيرلس كأسكندرى أصيل هو تابع متحمس للتفسير الروحى للكتاب المقدس، وأيضاً فى إطار الإيمان الخريستولوجى يشرح
لنا التفسير الروحى، فكما أن ناسوت المسيح يؤكد ألوهيته تاريخياً،
هكذا أيضاً الحرف أو التاريخ يعلنان المعنى الروحى الإلهى المقصود من الكلام المكتوب.
والتفسير الروحى، بحسب القديس كيرلس، يتخذ الحرف أو التاريخ أساساً له إذ فيه يتعرف على سر المسيح "سر التدبير الإلهى" فالتجسد يعلن هدف "skopoV" التدبير الإلهى ويتعرف عليه عندما ننظر إلى أقوال وأعمال المسيح المدونه فى الكتاب المقدس وفق هذا التجسد "الإخلاء" (عن الإيمان المستقيم 30، P.G. 76, 1373C).

لذلك، بحسب القديس كيرلس، يجب أن نعبر من الكلمة الكتابية والتى تصف اللوغوس بطريقة بشرية (anqrwpinwV) أى وفق نقاييس بشرية، إلى الفهم الروحى الإلهى (qeoprepwV). إذن التفسير الروحى عند القديس كيرلس يستلزم التمييز الواضح وأيضاً الوحدة غير الممتزجة بين عالمين: المحسوس والمادى، والروحى والذهنى، كما تحقق هذا الاتحاد فى شخص الواحد ربنا يسوع المسيح. وبناء على ذلك فتطبيق التفسير الروحى ينظر إليه على أنه تجلى وتغير العنصر التاريخى والإنسانى (الحرفى) إلى العنصر الإلهى والروحى والذى هو متحد معه بغير امتزاج ولا انفصال.

والآن نسرد بعض المبادئ الأساسية لفهم التفسير الروحى لكيرلس :

1- يؤكد القديس كيرلس على أن الكتاب المقدس يتكلم عن الله بشريا لأن الله لا يستطيع أن يتكلم أو يعلن عن نفسه إلا بطريقة بشرية قريبة ومفهومة لدى الإنسان (تفسير المزامير، P.G. 69, 792). وهذه الطريقة لا تقلل من المجد والسمو الإلهى، ولكن على العكس، فإن عجز العقل البشرى واللغة البشرية هما السبب الذى جعل الكتاب يتكلم بطريقة بشرية عن الله.

وهكذا فالكلام عن الله يحاكى ويتكيف بحسب الحاجة مع مقاييس الكلام البشرى. ولكى نعرف سمو المجد الإلهى علينا أن نفهم الشواهد التاريخية والإنسانية عن الله المدونة فى الكتاب المقدس وذلك بطريقة خاصة. إذ أن الإنسان موجود فى كثافة جسدية وتحكمه قوانين بيولوجية، ويجب عليه ألا ينحصر فى الفهم البشرى للكلمات "اللاهوتية" ولا يعيها بطريقة حرفية صارمة أو بطريقة تاريخية فقط ولكن وفق العنصر الإلهى.

ستظل الكلمة البشرية قاصرة وغير كافية لوصف الإلهيات، فتعبيرها دائماً نسبى، فهى داخل حدود اللغز والنموذج والعلامة والمثال. وبواسطة الكلمة نستطيع أن نفهم جانباً ما من العنصر الإلهى والروحى. فالكلمة الكتابية لا تعلن ماهية الله بالضبط، ولكن مفاهيم عن الله (ضد نسطور 3:1 P.G. 76, 33C).

والذى حدد هذه المفاهيم ليست الكلمات اللغوية أو المفاهيم التاريخية فى حد ذاتها، ولكن المعنى الروحى المختفى والعميق السرى، وذلك بحسب التدبير، والذى يقودنا إلى الفهم الصحيح للأقوال الإنسانية (تفسير إشعياء 1:3، P.G. 70, 565C).

إذن التفسير الروحى للكتاب ليس هو قضية لغوية صارمه، تقتصر فقط على الفهم الحرفى أو التاريخى، ولكن هدف التفسير هو "المعرفة الإلهية" والتى تستلزم عدم بقاءنا فى الحرف أو التاريخ، ولكن نمر فيه إلى الروح، فما يرمى إليه التفسير هو المعرفة الخلاصية لعمل التدبير الإلهى. ولا يمكن أن نظل فى الحرف (الكلمة المكتوبة) لأن الغرض منها هو الصعود الدائم نحو الأسمى، من المحسوس إلى الروحى. فالحرف يخدم سر التدبير الإلهى، والمحسوسات البشرية تتغير وتتجلى بفضل التجسد، نحو الحالة الإلهية فى المسيح يسوع (تفسير متى، P.G. 75, 429C).
فبحسب القديس كيرلس الكلمة فى الفلسفة اليونانية هى بلا جسد (asarkoV) أما الكلمة الكتابية فهى متجسده (ensarkoV) فهى حاملة لقوة سر الألوهية، فهى المثال والنموذج للروحيات، فترتفع العقل من الماديات إلى الروحيات.

2- يشدد القديس كيرلس على عدم احتقار الحرف أو التاريخ، فلكى نصل إلى التفسير الروحى لابد أن نفهم أولاً الخاصية التاريخية واللغوية للنص، وعن طريق هذا الفهم يستطيع المفسر أن يتعرف على قوة الكلمة التى تقود إلى رؤية الروحية. فالتفسير التاريخى والحرفى عند القديس كيرلس مهم لأنه:

أ- يعتبر الظل الذى يقود إلى عمق الروحيات (العبادة بالروح والحق 3، P.G. 68, 540B).
ب- يؤمن حقيقة المفاهيم الروحية الإلهية بعيداً عن التأمل الروحى المريض، لأن التاريخيات أو الحروف هى نماذج وظلال للحقيقة.
ج- له هدف تربوى، وتعليمى، وأدبى لأن مختارى الله سواء فى العهد القديم أو الجديد هم نماذج وقدوة للحياة المسيحية الحقيقية.

الكلمة المكتوبة لها مفهومين : تاريخى وروحى، والذى يقودنا إلى التفسير الصحيح هو الإيمان لأن الإيمان يسبق المعرفة إذ بواسطة الإيمان يصل الإنسان إلى المعرفة الكاملة (شرح إنجيل يوحنا 4،2:4، P.G. 73, 576D). الإيمان بالإتحاد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية بغير إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير فى شخص المسيح، أعاد الوحدة بين المحسوس والروحى، وأيضاً بين أنشطة الإنسان الجسدية والحياة الروحية. لكى نصل إلى المفهوم العميق والسرى للكلمة الكتابية، هناك إحتياج دائم لتطبيق الهدف العام، بمعنى أن نتعرف داخل شخصيات وأحداث وروايات الكتاب على فعل التدبير الإلهى وبالتحديد سر المسيح. هذه الطريقة تمنع وجود أى مسافة فاصلة أو إختلاط بين العهدين القديم والجديدفالعهد القديم والعهد الجديد بينهما علاقة لا تنقطع، والتقليد الأسكندرى الذى ينتمى إليه كيرلس يستند على تفسير (2كو 6:3) "الذى جعلنا كفاه لأن نكون خدام عهد جديد. لا الحرف بل الروح. لأن الحرف يقتل ولكن الروح يحيى"، (غل 1:10) "لأن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة الأشياء، لا يقدر أبداً بنفس الذبائح كل سنة التى يقدمونها على الدوام أن يكمل الذين يتقدمون".

فالعهد القديم هو نص نبوى شكل الظل والمثال والنموذج، فهو يتنبأ عن سر المسيح، وهذا يسرى على أسفار موسى الخمسة وأيضاً على كل الكتب النبوية. (العبادة والروح والحق 6، P.G. 68, 440A)، (تفسير إشعياء 5:2، P.G. 70, 545D).

العهد القديم هو ظل العهد الجديد، ولكن فى حالة فهمه بالتفسير الروحى، لأن طبيعة الكلمة الكتابية هى لغز وظل ومثال.. وبدون اللجوء للمحتوى الذى يعلن بواسطة الكلمة تظل بلا فائدة (شرح يوحنا 4:5، P.G. 73, 661).

عند القديس كيرلس هناك ثلاث أسباب تجعلنا نتمسك بالعهد القديم :

1- بالعهد القديم نرى أن سر المسيح ليس شيئاً جديداً ولا مستحدثاً، بل هو موجود من البداية وقد عبر عنه فى شكل اللغز والظل فى الأحداث والأعمال التعبدية وأيضاً الأعياد فى العهد القديم (تعليقات على سفر الخروج ص2، P.G. 69, 424B)، (على سفر ملاخى ص2، P.G. 72, 364C).

2- كان المسيح حاضراً فى أحداث وشخصيات العهد القديم ولكن أيضاً باللغز والمثال، وذلك بسبب ضعف السامعين (تفسير لوقا، P.G. 72, 901C).

3- حضور المسيح فى العهد القديم يبرهن على أن الكتب المقدسة أوحيت بنور روح المسيح (العبادة بالروح والحق 4:5، P.G. 68, 1313D).

وهكذا يشدد القديس كيرلس على أن نقبل العهد القديم لا بالمفهوم الحرفى بل بالمفهوم الروحى.

ثالثاً: الأساسيات الكنسية للتفسير الكتابى :

إن الأسرار الإلهية تنتمى للعالم الروحى، بينما الإنسان محدود وإدراكه ضعيف مما يعوق المعاينة الكاملة للمجد الإلهى، ولذلك فأى مفسر
يحتاج إلى أساسيات تتعلق بالإيمان والحياة الكنسية، وعلى هذا الأساس
يلجأ دائماً القديس كيرلس إلى التعاليم والخبرة الكنسية ويعتبر التقليد الكنسى هو المرشد الضرورى للتفسير الكتابى، والأساسيات الكنسية فى نظر كيرلس هى:

1- الوحى وحضور الروح القدس فى الكنيسة.
2- التقليد الحى فى الكنيسة الذى يشمل الإيمان المستقيم والعقيدة الصحيحة، أى التقليد التفسيرى والعقيدى.

3- العمل الليتورجى داخل الكنيسة والحياة الروحية النسكية (حياة الفضيلة).

1- فيما يتعلق بالوحى، فالقديس كيرلس يعتمد على (2تى 16:3) "كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم"، وعندما يتعرض للطريقة التى كتب بها الكتاب المقدسين، النصوص المقدسة فهو يعتقد فى التقليد الأسكندرى الذى يؤمن بأن الكتاب قد قبلوا الكلمة الإلهية بإعلان مباشر من فم الرب وكتبوه بإلهام مباشر من الروح القدس الذى هو وسيط يعلن الكلمة الإلهية لأنه هو الذى يعرف ويفحص أعماق الله (1كو 10:2). الروح القدس يمنح الكاتب الأذن الروحية ليسمع كلمة الله (تفسير إشعياء 2:2 P.G. 70, 349D). وفى هذه الحالة لا يفقد النبى قوته ووعيه الذهنى، ولا يصير كمجرد أداة ميكانيكية فى يد الروح القدس، ولكن بطريقة واعية وتفكير فى الأشياء المعلنة يكتب الإعلان الإلهى سواء كان عن طريق السمع أو الرؤى، وهو على ذلك ناقص وليس كاملاً، لأنه يتجاوب ويتمشى مع محدودية الطبيعة البشرية. فالكلمة الإلهية المكتوبة فى علاقتها بجوهرالشىء الذى تريد أن تعلن عنه، هى نموذج ومثال ولغز وسر وتحتاج لحضور الروح القدس لكى يعلن المفهوم الروحى العميق المستتر وراء الكلمة. وبناء على ذلك، فالكتاب المقدس يفهم فقط داخل الكنيسة وذلك بالروح القدس الحاضر فى الكنيسة. إن الطبيعة البشرية بمفردها لا تستطيع أن تكشف الأسرار الإلهية (شرح يوحنا 11، P.G. 74, 464B). فالحاجة الدائمة إلى عمل الروح القدس فى تنقية الذهن وفى تحرره من أى إنشغال مادى أو اضطراب معيشى (P.G. 71, 868).

الروح القدس ينير الذهن ليفهم ما هو مخفى ومستتر وراء النص اللغوى، لأن الكلمة الكتابية كما قلنا سابقاً هى عادة كلمة لغزية وظلية. إن سر الله هو عطية إلهية للإنسان، لكى يستطيع أن يصل إلى معرفة هذا السر وذلك فقط بغنى النعمة الإلهية (شرح يوحنا 1:4، P.G. 73, 552C). هذا العمل يتممه الروح القدس، الذى يمنح الطبيعة الإنسانية الصلاح أى معرفة الأسرار الإلهية، هذه المعرفة تنير القلب والعقل. لذلك لأجل فهم سليم للكلمة الكتابية يتطلب صلاة نحو الله لكى يرسل نوره لينير العقل (شرح يوحنا 3:4، P.G. 73, 605D).

إذن التفسير الصحيح للكتاب والذى ينتهى إلى الرؤية الروحية،
إلى جمال الحق هو عطية الله وعطية السيد المسيح وعطية الروح القدس. (شرح يوحنا 2:3، P.G. 73, 412D). (تفسير إشعياء 4:3، P.G. 70, 800B).

2- من أجل فهم صحيح للكتاب، قد اتبع كيرلس، أثناسيوس فى أنه لابد أن نعرف الهدف العام للكتاب، الذى هو سر المسيح، أى التأنس. ولكن عند كيرلس يربط الهدف العام أيضاً بالوحدة الغير منفصلة بين الآب والإبن (شرح يوحنا 11، P.G. 74, 509). أو بسر الثالوث (شرح يوحنا 9، P.G. 74, 237A).

وبناء على ذلك فإن هدف الكتاب المقدس يتطابق مع الإيمان المستقيم وكل ما يتعلق بعمل تدبير الثالوث. هذا الإيمان يسميه القديس كيرلس "المعرفة الكاملة" التى تتقابل مع دقة العقيدة وتتجاوب مع الهدف الداخلى للكتاب الذى نراه باستنارة الروح القدس. وبهذا المعنى فإن المعرفة الكاملة هى ثمرة التفسير الروحى للكتاب. أيضاً يشدد القديس كيرلس على أن استقامة الإيمان أو المعرفة الكاملة ليست هى فقط الهدف الداخلى للكتاب، ولكن يتعلق أيضاً بـ "فكر" الآباء (شرح يوحنا 9، P.G. 74,216C).
وإن الفكر الآبائى هو المفهوم الأصح للكتب الإلهية فنحن ملتزمون بالتقليد الحى للآباء والذى يرجع إلى استنارة وعمل الروح الذى صيغ فى إعترافات الإيمان (P.G. 77, 109D). هذا التقليد يمثل معيار
وعلامة محورية للتفسير الكتابى ولذلك من الضرورى أن نقتفى آثار "هدف" الحكمة الآبائية.

3- إن هدف الكتاب المقدس يحيا ويعمل داخل الحياة الليتورجية فى الكنيسة. الكنيسة ترتبط مباشرة بتدبير التجسد وتبعا لذلك بهدف الكتاب. لذلك يعطى القديس كيرلس تفسيراً لجبل صهيون، وجبل الجليل وأورشليم.. على أنها الكنيسة (تفسير إشعياء 2:1، P.G. 70, 68D).

لأن سر التدبير الإلهى يتمم بطريقة سرية فى الكنيسة، لذلك هى "البيت المقدس للمخلص". كل من يجهل هذا البيت ويكتفى بالتفسير الجسدى (الحرفى) للكتاب ليس لديه إمكانية الخلاص.

يشدد كيرلس على أن داخل الكنيسة يستطيع المؤمن أن يرى ويشارك ما تممه المخلص، وبذلك يستطيع أن يخلص (شرح يوحنا 1:2، P.G. 73, 217AB).
إن حياة الإيمان المعاش فى الكنيسة والمشاركة فى الأسرار الكنسية وإختبار حياة الفضيلة اليومية، أمور ضرورية وأساسية للتفسير الصحيح للكتاب.

أخيراً من كل ما سبق نرى أن القديس كيرلس يرد على التراث غير الأرثوذكسى فى التفسير، والمبادئ التى شرحها لنا هى مهمة جداً لنا اليوم لكى نميز بين التفسير الأرثوذكسى والتفسير غير الأرثوذكسى للكتاب، فالقضية ليست قضية فردية، ولكن هى موضوع الكنيسة الحاملة للإعلان الإلهى والتى بدونها الكتاب المقدس ليس له أى معنى حقيقى إذ يظل لغزاً وظلاً ومثالاً وأمور نظرية مجردة، أما فى الكنيسة فيتحقق سر التدبير أى كل ما تممه المسيح عن طريق الأسرار، ويصبح الكتاب متجسداً ينير العقل ويظهر القلب ويقود الإنسان فى مسيرة شركة واتحاد مع الله بواسطة المسيح فى الروح القدس، حتى يستطيع المؤمن أن يقول مع القديس يوحنا "الذى سمعناه، الذى رأيناه بعيوننا، الذى شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة" (1يو 1:1).

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt