دراسات أبائية

     
   
 

Patrology
علم الباترولوجي
"كتابات الآباء "

تجــسد الكـلمة

القديـس اثناسيوس الرسول

تــرجمــة

القمص مرقص داود

ونــعلم ان ابن الله قد جاء واعطانا بصيرة لنعرف الحـــق

ونحــن في الحق في ابنه يسوع المســـيح

هذا هو الاله الحق والحياة الابدية.

(1يو5:7)

 

بركــــة صلـــوات ابينا القديس اثنــــــاسيــــوس فلتــكن مـع جمـيــعنا

أميـــن

+ + +

الفصل الأول

"مقدمة هذه الرسالة اتضاع وتجسد الكلمة. افتراض عقيدة الخليقة وذلك بواسطة الكلمة.
 لقد خلص الآب العالم بذاك الذي به خلقه أولا"
 1- إذا اقتصرنا في بحثنا السابق على القليل من الأقوال الكثيرة مما يكفي لبيان ضلالة الأمم (1) بصدد الأوثان وعبادة الأوثان، وكيفية اختراعها في بداية الأمر، وكيف كانت شرور البشر هي الباعث على تفكيرهم في عبادة الأوثان، وبعد أن عرفنا بنعمة الله أيضا شيئا عن لاهوت كلمة الآب وعنايته الشاملة وسلطانه، وكيف أن الآب الصالح ينظم كل الأشياء بالكلمة ، وأن به تتحرك كل الكائنات وبه تحيا- تعال الآن أيها العزيز مكاريوس (2) يا خليقا بهذا الاسم ويا محبا للمسيح بالحق ولنتتبع إيماننا المسيحي(3) ولنظهر كل ما يتعلق بتأنس الكلمة وظهوره الإلهي بيننا ، الأمر الذي يسخر منه اليهود، ويهزأ به اليونانيون، وأما نحن فنعظمه ونبجله، وذلك حتى تزداد وتتضاعف تقواك نحو الكلمة على قدر ضعف مظهره

 2- فانه كلما ازداد استهزاء غير المؤمنين بالكلمة ، ازدادت الشهادة التي يعطيها عن لاهوته. لأن ما يعتقده البشر مستحيلا يثبته الله ممكنا وسهلا وليس ذلك وحسب بل أن ما يسخرون منه ويعتقدونه غير لائق يلبسه بصلاحه ثوب اللياقة والجمال، وما يهزأون به بغرورهم وادعائهم الحكمة، ويتوهمونه بشريا، يظهره هو بسلطانه الهيا وفي ذلك كله نتغلب على الادعاءات والافتراءات الوثنية بما يظنه العالم ضعفا، أي بصليبه ويقنع بطريقة خفية أولئك الهازئين وغير المؤمنين، ليدركوا لاهوته وسلطانه.

3- ولعلاج هذا الموضوع أراه لزاما على أن ألخص ما سبق أن قررته (4) حتى لا تفوتك معرفة سبب ظهور كلمة الآب الجليل القدر في الجسد، وحتى لا تتوهم أنه كان من مستلزمات طبيعة مخلصنا أن يلبس جسدا، بل لكونه خاليا من الجسد بطبيعته، ولأنه هو الكلمة منذ الأزل قد ارتضى بتحنن أبيه وصلاحه - أن يظهر لنا جسد بشري لخلاصنا.

 4 - إذن فيليق بنا أن نبدأ بحث هذا الموضوع بالتحدث عن خلقة الكون وعن الله بارئه، وعندئذ يمكننا أن ندرك أن تجديد الخليقة كان من عمل نفس الكلمة الذي خلقها في البداية . إذ سوف يتضح أنه لم يكن أمرا مخالفا أن يتمم الله خلاص العالم بذاك الذي خلقه به أولا.

الحواشي
(1) أي الوثنيين (2) له كتاب آخر بعنوان الرسالة إلي الوثنيين ف 1. قد يكون هذا الاسم مستعملا هنا رمزيي فقط . (3) أنظر 1تيموثاوس 3: 16 (4) في الرسالة السابق

 

الفصل الثاني

دحض بعض الآراء الخاطئة عن عملية الخلقة
(1) مذهب الأبيكوريين، وهو القائل بأن الخلق مصادفة ، لكن تعدد الأجسام والأجزاء يستلزم وجود قوة خالقة
(2) مذهب الأفلاطونيين، وهو القائل بوجود المادة من قبل، وهذا يخضع الله للحدود البشرية ، ويجعله لا خالقا بل صانعا ميكانيكيا.
(3) مذهب اللاأدريين أو الأغنسطيين ، وهو القائل بوجود خالق آخر وهذا يشجبه الكتاب المقدس.

 1- لقد نحا الكثيرون مناحي مختلفة في صدد صنع الكون وخلق جميع الأشياء، ووضع كل منهم المبدأ الذي يتفق وأهواءه. فالبعض توهم أن كل الأشياء وجدت من تلقاء ذاتها وبمجرد الصدفة، كالأبيكوريين مثلا {1} الذين يدعون بغرورهم أن لا وجود لتلك العناية التي تهيمن على الكل، وهم في ذلك يناقضون الحق الواضح والاختبار الملوس.

 2- فلو صح زعمهم بأن كل شئ وجد من نفسه ، خلواً من آيه غاية لننتج من هذا أن جميع الأشياء لابد أن تكون قد خلقت بطريقة واحدة في حال واحدة – متشابهة وغير متميزة عن بعضها . وبالتالي كان يجب من جهة اتحاد الجسم أن يكون الكل شمسا أو قمرا. وفي حالة الإنسان كان يجب أن يكون الكل عينا أو يدا أو رجلا. الحال غير هذا بل العكس أننا نرى تمييزا في الخليقة. فنرى الشمس والقمر والأرض. وفي الأجساد البشرية نرى الرجل واليد والرأس . فهذا التمييز يدل على أنه قد تقدمتها علة، ومن هذه العلة نستطيع أن ندرك الله كخالق وباعث للكل.

3- والبعض الآخر – وضمنهم أفلاطون {2} الذي ذاعت شهرته بين اليونانيين – يزعمون أن الله صنع العالم من مادة موجودة من قبل لا بداية لوجودها{3} ، لأنه لم يكن ممكنا لله {4} أن يصنع شيئا ما لم تكن مادة الخشب متوفرة بين يديه.

 4- على أنهم بقولهم هذا لا يدركون أنهم ينسبون الضعف لله لأنه لو لم يكن هو باعث المادة، بل يصنع الأشياء من المادة الموجودة من قبل، فهذا معناه أنه ضعيف، لأنه إذ ذاك لا يستطيع إيجاد شئ بدون توفر المادة لديه، كما أنه لا شك يعتبر ضعفا من النجار أن لا يستطيع صنع أي شئ يحتاجه دون توفر الخشب لديه.
لأنه يترتب على هذا الزعم أنه لو لم تكن المادة قد توفرت لدى الله لما كان قد صنع شيئا.
وكيف يسوغ لنا في هذه الحالة أن ندعوه خالقا وبارئا إن كان يدين بقدرته على الخلق لمصدر آخر, أي المادة؟
فلو كان الأمر كذلك لكان الله حسب رأيهم صانعا ميكانيكيا، ليس خالقا من العدم. مادام يصنع الأشياء من المادة المتوفرة لديه دون أن يكون هو الباعث للمادة ، لأنه لا يمكن بأي حال أن يدعى خالقا ما لم يكن هو الخالق للمادة التي منها صنعت جميع المخلوقات بدورها.

 5 - وأما المبتدعون فيتوهمون لأنفسهم خالقا آخر لكل الأشياء. غير أبي ربنا يسوع، وهم بذلك يبرهنون على منتهى العمى. لا يرون حتى نفس الألفاظ التي يستعملونها.

 6 - لأنه إن كان الرب قد قال لليهود " أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا" ثم قال أيضا مشيرا إلي الخالق " فالذي جمع الله لا يفرقه إنسان{5} ، فكيف يسوغ لأولئك القوم أن يدعوا بأن عملية الخلق لا تنسب إلى الآب؟ أو حسب تعبير "يوحنا" الذي يتحدث عن جميع الكائنات بلا استثناء أن كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان {6} فكيف يمكن أن يكون الخالق شخصية أخرى غير الآب؟

الحواشي
{1} هم أتباع أبيكورس الفيلسوف الوثني الذي ولد سنة 341 ومات سنة 270 ق.م
{2} أحد فلاسفة اليونان أيضا عاش من سنة 427 الى سنة 347 ق.م
{3} أو غير مخلوقة كبعض الترجمات
{4} حسب ادعائهم
{5} متى 19: 4-6
{6} يوحنا 3:1

الفصل الثالث

العقيدة السليمة خلقة الكائنات من العدم لسبب فرط جود الله وكرمه. خلقة الإنسان أعلى من سائر الكائنات ولكن دون أن تكون له المقدرة على البقاء مستقلا عن غيره. العطية السامية الممتازة التي منحت اليه أن يكون على صورة الله ومثاله، مع وعده بالسعادة بشرط استمراره في النعمة.

(1) وهكذا نراهم يتخبطون في أوهامهم وترهاتهم. أما التعليم الالهي والايمان بالمسيح ، فانهما يدمغان أقوالهم الغبية بوصمة عار، ويظهران أنها كفر والحاد. لأنه معلوم أن الكائنات لم تخلق من تلقاء ذاتها ، فان خلقها يستلزم وجود فكر سابق. كما أنها لم تخلق من مادة موجودة من قبل. لأن الله ليس ضعيفا. ولكن الله خلق الكون من العدم، ومن غير سبق وجوده مطلقا، بكلمته. كما يقول (أولا) على لسان "موسى" في البدء خلق الله السموات والأرض" {1} وثاينا في الكتاب الباني جدا الذي يسمى الراعي {2} وقبل كل شئ اؤمن بأن الله واحد. الذي خلق وصور كل الأشياء, وأوجدها من العدم

(2) والى هذا يشير أيضا بولس إذ يقول : " بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله، حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر {3}

(3) لأن الله صالح. أو بالحري هو بالضرورة مصدر الصلاح. والصالح لا يمكن أن يبخل بأي شئ. لذلك فانه إذ لا يضن بنعمة الوجود على أي شئ. خلق كل الأشياء من العدم بكلمته – يسوع المسيح ربنا. وفضلا عن ذلك فانه إذ أشفق بصفة خاصة على الجنس البشري دون سائر المخلوقات على الأرض، وإذ رأى ضعفه بطبيعة تكوينه عن أن يبق في حال واحدة, منحه نعمة أخرى، فانه لم يكتف بمجرد خلقته للإنسان، كما خلق باقي المخلوقات غير العاقلة على الأرض. بل خلقه على صورته ومثاله، أعطاه نصيبا حتى في قوة "كلمته" . لكي يستطيع وله نوع من ظل الكلمة، وقد خلق عاقلا، أن يبق في السعادة أبداً، ويحيا الحياة الحقيقية حياة القديسين في الفردوس.

(4) ولكن لعلمه أيضا أن أراد’ الانسان يمكن أن تميل الى احدى الجهتين (أي الخير والشر) سبق فدعم النعمة المعطاة له، بالوصية التي قدمها اليه، والمكان الذي أقامه فيه، لأنه أتى به الى جنته، وأعطاه وصية، حتى إذا حفظ النعمة, واستمر صالحا، استطاع الاحتفاظ بحياته في الفردوس بلا حزن ولا ألم ولا هم، فضلا عن موعد عدم الفساد في السماء. أما إذا تعدى الوصية وارتد وأصبح شريرا فيعلم بأنه يجلب على نفسه الفساد بالموت الذي يستحقه بالطبيعة، وأنه لا يستحق الحياة في الفردوس بعد، بل يطرد منه من ذلك الوقت , ولكي يموت ويبقى في الموت والفساد.

(5) وهذا يحذر منه الكتاب المقدس قائلا بفم الله " من جميع شجر الجنة تأكل أكلا. أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل منها موتا تموت{4}. وماذا يعني بقوله موتا تموت. ليس المقصود مجرد الموت فقط. بل أيضا البقاء الى الأبد في فساد الموت
الحواشي
{1} تكوين 1:1 {2} لمؤلفه "هرماس" أحد مؤلفي الجيل الأول للمسيح {3} عبرانيين 4:11 {4}تكوين 2: 16و 17

الفصل الرابع

اتصال خلقتنا والتجسد الإلهي أحدهما بالآخر اتصالا وثيقا. وكما خلق الإنسان بكلمة الله من العدم إلى الوجود ثم نا نعمة إلهية ، كذلك بخطية واحدة خسر تلك الحياة. وجلب على نفسه الفساد. وملأت الخطية والشقاء العالم.

 1- قد تدهش وتتساءل عن السبب في هذا البحث عن أصل البشرية طالما كان القصد من هذه السرالة التحدث عن تجسد الكلمة. ولكن اعلم أن هذا البحث أيضا يتصل بالغرض من هذه الرسالة.

 2- لأننا عند التحدث عن ظهور المخلص بيننا. يتحتم علينا التحدث عن أصل البشر. ولكي تعلم أن نزوله إلينا كان بسببنا, وان عصياننا استدعى تعطف الكلمة لكي يسرع الرب في اغاثتناوالظهور بين البشر.

 3- لأن اغاثتنا كانت هي الغرض من تجسده. ولأجل خلاصنا أظهر محبته العظمى إلى حد أن يظهر ويولد في جسد بشري.

 4- فالله إذ خلق الإنسان ، وقصد أن يبقى في عدم فساد. أما البشر فأذ احتقروا ورفضوا التأمل في الله، واخترعوا ودبروا الشر لأنفسهم، كما تقدم بحثه في الرسالة السالفة (1) فقد استحقواحكم الموتالذي سبق تهديدهم به. ومن ذلك الحين لم يبقوا بعد في الصورة التي خلقوا عليها. بل فسدوا حسبما أرادوا لأنفسهم(سفر الجامعة الإصحاح 7 وعدد 29 مع رسالة رومية الإصحاح الأول الأعداد 21و22) . وساد عليهم الموت كملك (رومية 14:5) لأن تعديهم الوصية أعادهم إلى حالتهم الطبيعية، حتى أنهم كما نشأوا من العدم. كذلك يجب أن لا يتوقعوا إلا الفساد الذي يؤدي الى العدم مع توالي الزمن.

 5- لأنهم ان كانوا بحضور الكلمة وتعطفه قد دعوا الى الوجود من الحالة الطبيعية الأولى ، وهي عد الوجود فانهم بطبيعة الحال متى تجردوا من معرفة الله عادوا الى العدم (2) لأن كل ما هو فهو عدم وكل ما هو خير فهو كائن وموجود. ويجب أن تكون النتيجة بطبيعة الحال الحرمان الى الأبد من الوجود. طالما كانوا يستمدون وجودهم من الله الموجود. وبتعبير آخر يجب أن تكون النتيجة الانحلال وبالتالي البقاء في حالة الموت والفساد.

 6- لأن الأنسان إذ خلق من العدم فانه بطبيعته , على أنه بفضل خلقته على صورة الله الكائن، كان ممكنا أن ينجو من الفساد الطبيعي, ويبقى في عدم فساد لو أنه احتفظ بتلك الصورة بابقاء الله في معرفته. وكما تقول الحكمة ( حفظ شرائعه تحقيق عدم البلى (الخلود) , ولكنه إذ كان في عدم فساد . كان ممكنا أن يعيش كالله في ذلك الوقت. والى هذا يشير الكتاب المقدس على الأرجح عندما يقول : أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلي كلكم . لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون مزمور 82 : 6-7

الحواشي
(1) أنظر الرسالة الى الوثنيين (فصل 3-5
(2) والى ما لا وجود له . ولعل أثناسيوس يقصد العدم جسديا

الفصل الخامس

1- لأن الله لم يكتف بأن خلقنا من العدم ولكنه أيضا وهبنا مجانا بنعمة الكلمة، حياة منسجمة مع الله. ولكن البشر إذ رفضوا الأمور الأبدية وتحولوا الى الأمور الفاسدة بمشورة الشيطان، صاروا سببا لفساد أنفسهم بالموت، لأنهم - كما ذكرت سابقا- بالطبيعة فاسدون تعينوا للخلاص من حالتهم الطبيعية بنعمة اشتراكهم في الكلمة ان استمروا صالحين.

2- ولأن " الكلمة" حل معهم، فحتى فسادهم الطبيعي لم يجسر أن يقترب منهم، كما تقول الحكمة أيضا " لأن الله خلق الإنسان في عدم ابلي (1) وصنعه على صورته ازليته، لكن الموت دخل الى العالم (2) بسبب ابليس" وعندما تم ذلك بدأ البشر يموتون، وساد عليهم الفساد من ذلك الوقت فصاعدا، وصار له سلطان على كل الجنس البشري أكثر من سلطانه الطبيعي، لأنه أتى نتيجة تهديد الله في حال عصيان الوصية.

3- لأن البشر لم يقفوا عند حد معين حتى في سوء أفعالهم, بل تدرجوا في الشر حتى تخطوا كل الحدود، وأصبحوا يخترعون الشر ويتفننون فيه الى أن جلبوا على أنفسهم الموت والفساد، وبعد ذلك إذ توغلوا في الرذيلة ، ولم يقفوا عند شر واحد، بل راحوا يخترعون كل جديد من الشر، فقد أصبحت طبيعتهم مشبعة بالخطية

4- فها هي خطايا الزنى والسرقةقد عمت كل مكان. وامتلأت كل الارض بخطايا القتل والنهب, واصبح البشر لا يراعون حرمة للناموس , بل صاروا يرتكبو الجرائم في كل مكان، سواء كأفرادأو كجماعات، فالمدن اشتبكت في الحروب مع المدن، والأمم قامت ضد الأمم، وصار كل انسان يتنافس مع أترابه في الأعمال القبيحة.

5- وأصبحوا لا يترفعون حتى عن الجرائم التي ضد الطبيعة كما يقول عنهم رسول المسيحية وشاهده: " لأن اناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور أيضا تاركين استعمال الانثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق(رومية 1: 26و 27)
الحواشي
1- أو خالدا حسب ترجمة اليسوعيين
2- حكمة 2: 23و 24

الفصل السادس

اذن فقد كان الجنس البشري سائرا الى الفناء, وكانت صورة الله فيه سائرة الى الإضمحلال, وتلف عمله. ولهذا كان أمام الله أحد أمرين . اما أن يتنازل عن كلمته التي نطق بها، والتي جلب بها الإنسان على نفسه الخراب. أو أن يهلك الإنسان الذي شارك الكلمة. وفي هذه الحالة يفشل قصد الله فماذا إذن؟ أيحتمل صلاح الله هذا؟ وان كان الأمر كذلك فلماذا خلق الإنسان؟ لو ان هذا حدث لدل على ضعف الله لا على صلاحه
1- اذن فمن أجل هذا ساد الموت البشر وعمهم الفساد، وكان الجنس البشري سائرا نحو الهلاك، وكان الإنسان العاقل الذي خلق على صورة الله آخذا في الاختفاء, وكانت صنعة الله آخذة في الانحلال.
2- لأن الموت، كما قلت سابقا، صارت له سيادة شرعية علينا 0تكوين 2: 25) منذ ذلك الوقت، وكان مستحيلا أن ينقض الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي (غلاطية 3: 19) وأصبحت النتيجة في الحال مرعبة حقا وغير لائقة .
3- لأنه (أولا) كان أمرا مرعبا لو أن الله بعدما تكلم يصير كاذبا ان كان بعد أن أصدر حكمه على الإنسان بأن يموت موتا ان تعدى الوصية لا يموت، بل تبطل كلمة الله، ولو كان الإنسان لم يمت بعد أن قال الله أننا نموت، لأصبح الله غير صادق.
4- (ثانيا) وكان أيضا أمرا غير لائق أن الخليقة التي خلقت عاقلة، والتي شاركت الكلمة. يصير مصيرها الهلاك، وترجع الى عدم والوجود بالفساد.
5- لأنه مما لا يتفق مع صلاح الله أن تفنى خليقته بسبب الغواية التي أدخلها الشيطان على البشر.
6- وبصفة خاصة كان غير لائق على الأطلاق أن تتلاشى صنعة الله بين البشر. اما بسبب اهمالهم، أو بسبب غواية الأرواح الشريرة
7- ولو كان مصير الخليقة العاقلة قد بات الى الهلاك، وصار مآل هذه المصنوعات الى الفناء، فما الذي يفعله الله في صلاحه اذن؟ أيحتمل بأن يرى الفساد يسود البشر. والموت ينشب أظافره فيهم؟ وما الفائدة من خلقتهم منذ البدء؟ لأنه خيرا لهم لو لم يخلقهم من أن يخلقوا ثم يهملون ويفنون.
8- لأن الاهمال لا يعلن صلاح الله بل ضعفه، ان كان يسمح لخلقة يديه بالفناء بعد أن خلقها، وكان بالأحرى يتبين ضعفه لو لم يكن قد خلق الإنسان على الاطلاق.
9- لأنه لو لم يكن قد خلق جنس البشر لما تجاسر انسان أن ينسب اليه الضعف، أما وقد خلقه، وخلقه من العدم، فقد كان يعد أمرا مشينا جدا أن يفنى المخلوق على مرأى من الخالق.
10- لهذا أصبح أمرا محتما ألا يترك الإنسان لتيار الفساد، لأن ذلك يعتبر عملا غير لائق، ولا يتفق مع صلاح الله

الفصل السابع

على أننا من الجهة الأخرى نعلم أن طبيعة الله ثابتة, ولا يمكن أن نضحي من أجلنا, أيدعي البشر إذن التوبة؟ لكن التوبة لا تستطيع أن تحول دون تنفيذ الحكم, كما أنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تداوي الطبيعة البشرية الساقطة. فنحن قد جلبنا الفساد على أنفسنا ونحتاج لاعادتنا الى نعمة صورة الله , ولا يستطيع أحد أن يجدد الخلق الا الخالق فهو وحده الذي يستطيع (1) أن يخلق الجميع من جديد (2) أن يتألم من أجل الجميع (3) أن يقدم الجميع الى الآب.
1- وان كنا قد وصلنا الى هذه النتيجة فاننا من الناحية الأخرى نجد مطالب الله العادلة. تصطدم بها، إذ يجب أن يكون الله أمينا وصادقا من جهة حكم الموت الذي وضعه. لأنه كم يكون شنيعا جدا لو كان الله أبو الحق يظهر كاذبا من أجلنا نجاتنا؟
2- ومرة أخرى نقول : أي طريق كان ممكنا أن يسلكه الله ؟ أيطلب من البشر التوبة عن تعدياتهم ؟ وهذا قد يرى لائقا بالله- لعله كما ورثوا الفساد بسبب التعدي ينالون عدم الفساد بسبب التوبة.
3- ولكن التوبة (أولا) لا تستطيع أن توفى مطلب الله العادل لأنه ان لم يظل الإنسان في قبضة الموت يكون الله غير صادق (ثانيا) تعجز عن أن تغير طبيعة الإنسان ، لأن كل ماتفعله هو أنها تقف حائلا بينه وبين ارتكاب الخطية.
4- ولو كان الأمر مجرد خطأ بسيط ارتكبه الإنسان، ولم يتبعه الفساد، فقد تكون التوبة كافية. أما وقد علمنا أن الإنسان بمجرد التعدي انحرف في تيار الفساد, الذي كان طبيعة له. وحرم من تلك النعمة التي سبق أن أعطيت له, وهي مماثلة لصورة الله, فما هي الخطوة التالية التي يستلزمها الأمر؟ أو من الذي كان يستطيع أن يعيد اليه تلك النعمة. ويرده الى حالته الأولى. الا كلمة الله الذي خلق كل شئ من العدم في البدء؟
5- لهذا كان أمام كلمة الله مرة أخرى أن يأتي بالفاسد الى عدم فساد، وفي نفس الوقت أن يوفي مطلب الآب العادل. المطالب به الجميع, وحيث أنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، فكان هو وحده الذي يليق بطبيعته أن يجدد خلقة كل شئ, وأن يتحمل الآلام عوضا عن الجميع, وأن يكون نائبا (1) عن الجميع لدى الآب.

الحواشي
(1) أو شفيعا ، أو سفيرا كبعض الترجمات.

الفصل الثامن

لهذا افتقد كلمة الله الأرض التي كان حاضرا فيها دوما، ورأى كل هذه الشرور؛ ثم أخذ جسدا من طبيعتنا من عذراء طاهرة عفيفة حل في أحشاءها, وذلك لكي يعلن نفسه فيه، ويقهر الموت, ويعيد الحياة.
1- لأجل ذلك جاء الى عالمنا كلمة الله, الخالي من الجسد، والعديم الفساد، وغير المادي مع أنه لم يكن عنا ببعيد (1) . لأنه لم يترك شيئا من البرايا خلوا منه، إذ هو يملأ كل شئ في كل مكان, وفي نفس الوقت هو كائن مع أبيه, ولكنه تنازل وأتي الينا لكي يعلن شفقته علينا ويفتقدنا.
2- وإذ رأى جنس الخليقة العاقلة في طريق الهلاك, وأن الموت يسودهم بالفساد، وإذ رأى أيضا أن التهديد بالموت في حالة التعدي, قد مكن الفساد من طبيعتنا، وأنه لأمر شنيع أن ينحل الناموس قبل أن يتم , وإذ رأى أيضا عدم لياقة الأمر الراهن, وهو أن خليقته التي خلقتها يداه في طريق الفناء, وإذ رأى فوق هذا شر البشر المستطير , وأنهم يتزايدون فيه شيئا فشيئا, حتى أشرفوا على هوة سحيقة, وإذ رأى أخيرا أن كل البشر تحت قصاص الموت – لهذا أشفق على جنسنا, وترفق بضعفنا, ورثى لفسادنا. وإذ عن جسدنا لم يحتمل أن يرى الموت تصير له السيادة, لئلا تفنى به الخليقة, وتذهب صنعة أبيه في البشر هباء, وقد أخذ لنفسه جسدا لا يختلف.
3- لأنه لم يفكر في مجرد التجسد, أو مجرد الظهور(2) وإلا فلو أنه أراد مجرد الظهور لاستطاع أن يتمم ظهوره الالهي بطريقة أسمى وأفضل. ولكنه أخذ جسدا من جنسنا وليس ذلك فحسب, بل من عذراء طاهرة بلا لوم لم تعرف رجلا ، جسدا طاهرا وخاليا بالحق من زرع بشري, لأنه وهو القادر على كل شئ, وبارئ كل شئ, أعد الجسد في العذراء كهيكل لها, وجعله جسده بالذات واتخذه أداه له وفيه أعلن ذاته, وفيه حل .
4- وهكذا إذ أخذ من أجسادنا جسدا مماثلا لطبيعتنا، وإذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت، فقد بذل جسده للموت عوضا عن الجميع, وقدمه للآب. كل هذا فعله شفقة منه علينا, وذلك (أولا) لكي يبطل الناموس الذي كان يقضي بهلاك البشر, إذ مات الكل فيه، لأن سلطانه قد أكمل في جسد الرب ولا يعود ينشب أظفاره في البشرالذين ناب عنهم. (ثانيا) لكي يعيد البشر الى عدم الفساد بعد أن عادوا الى الفساد، ويحييهم من الموت بجسده وبنعمة القيامة, وينقذهم من الموت(3) كانقاذ القش (4) من النار.
الحواشي
1- أعمال 17: 27
2- انظر فصل 7:43
3- الترجمة الأصح : ويبيد الموت عنهم
4- أو ( القصب) كبعض الترجمات، والمعنى أن الناس هم القش، والموت هو النار

 

 

 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt