دراسات أبائية

     
   
 

Patrology
علم الباترولوجي
"كتابات الآباء "

ضد الآريوسيين الشهادة لألوهية المسيح
 للقديس أثناسيوس االرسول
المقالة الأولى

الفصل السابع : اعتراضات الأريوسيين والرد عليها (بقية)


وأما من جهة تساؤلهم الآخر الشديد فى سخافته وحماقته وهو التساؤل الذى وجهوه الى النسوة الغريرات. وحتى بخصوص هذا التساؤل، فلم يكن ينبغى أن يجاب عليه من أحد بما سبق أن قلناه فقط. فإنه لا يجب مقارنة الولادة التى من الله بالولادة فى طبيعة البشر.

ولكن جدير بنا أن نرد عليهم بهذا الأسلوب. لكى يدينوا أنفسهم بخصوص هذا الأمر: ولذلك نقول: أنه من المؤكد، لو أنهم سألوا الوالدين عن أبنهم، دعهم يفكرون من أين جاء الطفل المولود. لأنه إن لم يكن للوالد ولد قبل أن ينجبه، فإنه حتى بعد الحصول عليه لم يكن حصوله عليه طبعاً من خارجه ولا غريباً عنه بل هو من ذات جوهره ومطابق لصورته، حتى أن هذا (الأب) يرى (بضم الياء) فى ذاك (الولد) وذاك (الولد) يرى (بضم الياء) فى هذا (الاب).

فإن كانوا ينتقون عنصر الزمن منالأمثلة البشرية عن الولادة فلما لا يأخذون بالمثل من هذه الأمثلة البشرية، إن الأبناء يولدون بحسب طبيعة آبائهم ومن ذاتهم، بدلاً من أن يعملوا (أى الآريوسيين) كالحيات التى تنتقى من الأرض فقط، ما يلائم أن يصيرسماً.

فكان إذن من الواجب، أنهم حينما يتباحثون مع الوالدين قائلين لهم: "هل كان لك ولد قبل أن تنجبه؟" كان ينبغى أن يضيفوا ويقولوا: "أن كنت قد حصلت على ولد، فهل أنت اشتريته من الخارج كما تشترى بيتاً أو أى ممتلكات أخرى؟" وحينئذ فإنهم يجيبونك قائلين "أنه ليس من خارجى، بل هو من ذاتى، لأن الممتلكات هى من خارج وتنتقل من واحد إلى أخر، أما الابن فهو منى من ذات جوهرى ومطابق له، حيث أنه لم يأت إلى من آخر، بل هو قد ولد منى، ولهذا السبب فانى بكل كيانى موجود فيه. بينما أظل أنا نفسى كما أنا".

لأن هذا هو واقع الحال، حتى أن اختلف الوالد (عن الله الآب) من ناحية الزمن. لأنه كإنسان قد أتى الوجود فىالزمن، ولكنه هو أيضاً كان يمكن أن يكون عنده ابنه موجود معه دائماً. لو لم تمنعه طبيعته من ذلك، أى لو كانت القدرة الإنجابية لا تعرف عن ذلك.

حقاً أن لاوى كان لا يزال فى صلب جده الأكبر (إبراهيم) (أنظر عب5:7 –10) قبل أن يولد هو. وقبل أن يولد جده (اسحق). إذن حينما يبلغ الإنسان هذه السن الملائمة. التى تمكنه فيها الطبيعة من الإنجاب، فإن المرء يصير حالاً. أبا لأبن يولد منه. ما دامت الطبيعة لا تعوقه.

27- ولذلك إن كانوا عندما يسألون الوالدين عن الأولاد. ويعرفون منهم بأن الأولاد الذين بالطبيعة ليسوا من خارج، بل هم من والديهم. دعهم إذن يعترفونأيضاً بخصوص كلمة الله بأنه من الآب كلية.

وعندما يجادلون بخصوص الزمن، دعهم يقولون ما الذى يمنع الله من أن يكون هو أبو الابن على الدوام – دعهم يقولون ما الذى يمنعه من ذلك (لأنه ينبغى البرهنة على أنهم كافرين ما يسألون عنه وهم ساخرون). لأنه قد تم الاقرار والاعتراف بأن كل ما هو مولود إنما يأتى من أب.

إذن فهم مثلما سألوا النساء عن الأزمنة، دعهم أيضاً يسألون عن الشمس بخصوص اشعاعها. وعن اليبنوع بخصوص الماء الذى يتدفق منه. وذلك لكى يحكموا كلية على أنفسهم، عندما يفكرون شيئاً من هذا القبيل عن الله. وذلك حتى يتعلموا أنه بالرغم من أن كل هذه الأشياء مولودة. إلا أنها كائنة دائماً مع تلك الأشياء التى خرجت منها.

فإن كان مثل هؤلاء الوالدين لهم مع أبنائهم، قرابة بالطبيعة، وأيضاً "وجود دائم" معهم، فإذا كانوا يظنون أن الله أقل من المخلوقات. فلماذا لا يصرحون بكفرهم علانية؟ ولكن إن كانوا لا يتجاسرون أن يقولوا هذا علانية. بينما أن الابن يعترف به بأنه ليس من خارج (الآب). بل هو مولود بالطبيعى من الآب. وأنه لا يوجد أى شئ يعوق الله (لأن الله ليس مثل الإنسان، بل هو أعظم من الشمس، بل بالحرى فإنه إله الشمس). فيتضح من ذلك أن الكلمة هو من الآب وأ،ه موجود معه دائماً. والذى بواسطته قد أبرز الآب إلى الوجود كل الأشياء التى لم تكن موجودة من قبل. ولأن الابن إذن لم يأت من العدم بل هو أزلى ومن الآب، فإن هذا يثبت الأمر نفسه.

أما سؤال الهراطقة الموجه للوالدين. فإنه يكشف خبثهم وسوء نيتهم. فأنهم عرفوا ما هو بحسب الطبيعة، والآن قد تم فضحهم بخصوص موضوع الزمن.

28- إن ولادة الله لا يجب أن تقارن بطبيعة البشر، وكذلك لا يجب إعتبار ابن (الله) جزءاً من الله، أو إعتبار أن الولادة تعنى أى ألم شهوة على الاطلاق. وإذ نحن نكتفى بما سبق لنا قوله، فإننا الآن نعيد نفس الكلام وهو أن وجود الله ليس كوجود الإنسان.

فإن البشر يلدون بالشهوة، حيث أن لهم طبيعة متغيرة، وهم ينتظرون إلى الوقت (للولادة)، نظراً لضعف طبيعتهم ذاتها، ولكن لا يمكن أن نقول هذا الكلام بالنسبة لله. لأن الله غير مركب من أجزاء، بل بسبب كونه بلا هوى أو شهوة. كما أنه بسيط غير مركب. لذلك فهو أبو الابن دون حدوث تغيير فيه ودون انفصال. وهذا الأمر يوجد بشأنه دليل وبرهان قاطع من الكتب الإلهية.

لأن كلمة الله هو ابنه. والابن هو كلمة الآب وحكمته، فإن الكلمة والحكمة ليس مخلوقاً. وليس هو جزءاً من ذلك الذى له كلمته (أى الآب). ولا هو مولود بالألم والشهوة. فكلا (اللقبان) وحدهما (بتشديد الدال) الكتاب وأعطاهما لقب "ابن" بصورة مؤكدة، لكى يبشر به أنه المولود الطبيعى والحقيقى للجوهر، وذلك حتى لا يظن أحد أن المولود هو بشرى. بينما هو (الكتاب) يقصد جوهره. ولهذا يقول الكتاب أيضاً أنه الكلمة والحكمة والبهاء. وذلك لكى ندرك من هذا أن الولادة بلا ألم أو شهوة، وأنها أزلية ولائقة بالله. إذن فأى تغيير أو شهوة هناك. أو أى جزء من الآب أيضاً يجب أن يسألوا الرجال عن الكلمة. وذلك لكى يعرفوا أن القول الذى ينطقون به ليس تغييراً لهم. ولا هو جزءاً من عقلهم. فإن كانت أيضاً يجب أن يسألوه الرجال عن الكلمة. وذلك لكى يعرفوا أن القول ينطقون به ليس تغييراً لهم. ولا هو جزءاً من عقلهم. فإن كانت كلمة البشر بمثل هذه الكيفية. رغم أنهم يخضعون للتغيير والشهوة. ورغم كونهم متجزئين، فلماذا يفكرون فى التغيير والإنقسام بالنسبة لله غير الجسدى وغير المنقسم. لكى عن طريق التظاهر بتوقير الله، ينكرون ولادة الابن الحقيقية والطبيعية؟.

إن المولود الذى هو من الله ليس شهوة أو تغييراً. ويكفى ما سبق لإثبات هذا. خاصة وقد تم الآن إثبات أن الكلمة ليس مولوداً بحسب الألم والشهوة. فليسمعوا أيضاً نفس الكلام عن الحكمة. فإن الله ليس مثل الإنسان، ولا يتخيلوا عنه شيئاً بشرياً. لأن البشر خلقوا لتقبل الحكمة، أما الله، فهو لا يشترك فى شئ، بل هو نفسه أب لحكمته الخاصة، التى يلقب المشتركون فيها عادة بلقب حكماء. والحكمة نفسها أيضاً ليست شهوة أو تغييراً. وهى ليست جزءاً ولكنها المولود الذاتى للآب. لذلك فهو دائماً أب. وخاصية الآب ليست خاصية أضيفت لله فيما بعد. وذلك لكى لا يعتبر أنه خاضع للتحول، لأنه إن كان من الصلاح أن يكون الله أباً. ولكنه لم يكن دائماً أباً إذن. فواعجبى إلا يكون الصلاح موجوداً فى الله دائماً!.

29- أنهم يقولون "ها هو الله كان على الدوام خالقاً، وأن قدرته على الخلق ليست إضافية بالنسبة له، فهل إذن لأن الله خالق، تكون مخلوقاته أزلية، وهل يكون من الصواب أن نقول عن هذه المخلوقات أنها كانت موجودة قبل أن توجد؟" يا لجنون الأريوسيين، فأى مشابهة هناك بين الابن والخليقة، حتى يقولوا عن من هو خاص بالآب نفس ما يقولونه عما يخص المخلوقات. وكيف يصر هؤلاء على جهلهم بعد ما تبين مما سبق الفرق العظيم بين المولود والمخلوق. لذلك فمن الضرورى أن نعيد نفس الكلام ونقول أن الخليقة هى من خارج الخالق، كما سبق القول. فى حين أن الابن هو المولود الذاتى من الجوهر. لذلك فليس هناك حاجة لوجود الخليقة دائماً، لأن الخالق يصنعها حينما يشاء، أما المولود فلا يخضع فى وجوده للمشيئة، بل هو خاص بذات الجوهر، فالصانع يلقب صانعاً ويكون كذلك، حتى لو لم تكن له مصنوعات بعد، أما الآب فلا يلقب أباً ولا يكون كذلك ما لم يكن له ابن موجود.

أما إن كانوا يبحثون الأمر بفضول وحب استطلاع قائلين، لماذا لا يخلق الله على الدوام، وهو القادر أن يخلق دائماً، فإن جسارتهم هذه جسارة المجانين، لأن "من عرف فكر الرب، أو من صار له مشيراً" (رو34:11) أو "كيف تقول الجبلة للخزاف، لماذا صنعتنى هكذا؟" (رو20:9) ولكن لكى لا تصمت عن الرد على منطقهم الضعيف هذا، فليسمعوا: أنه بالرغم من أن الله له القدرة على الدوام أن يخلق، إلا أنه ليس فى استطاعة المخلوقات أن تكون أزلية. لأن هذه المخلوقات وُجدت من العدم ولم تكن موجودة قبل أن تخلق. فكيف يمكن إذن لهذه المخلوقات التى لم تكن موجود قبل أن تخلق. أن تكون موجودة مع الله الموجود دائماً؟.

ولذلك فإن الله وهو يهتم بما فيه منفعة الخلائق، فإنه قد خلق كل الأشياء، عندما رأى أن هذه الأشياء يمكنها أن تبقى بعد أن تخلق.

وكما أنه قادراً من البدء. أن يرسل كلمته فى أيام آدم أو فى أيام نوح، أو فى أيام موسى. ولكنه لم يرسله إلا فى أخر الدهور، لأنه رأى أن هذا نافع لكل الخليقة، هكذا أيضاً فإنه خلق المخلوقات عندما أراد، وعندما كان هذا نافعاً لهم.

أما الابن – فلكونه غير مخلوق، بل هو من ذات جوهر الآب، فإنه موجود دائماً.

ولأن الآب موجود دائماً، فلابد أن يكون الذى هو من ذات جوهره، موجود دائماً أيضاً. والذى هو حقاً كلمته وحكمته.

أما الخلائق، وإن لم تكن قد وجدت بعد. فإن هذا لا ينقص من شأن الخالق، لأن له القدرة أن يخلق عندما يشاء. أما المولود فإن كان لا يكون موجوداً على الدوام مع الآب، فإن هذا ينقص من كمال جوهره. ولأجل هذا فإن المخلوقات قد خلقت عندما شاء هو من خلال كلمته. أما الإبن فهو – على الدوام – المولود الذاتى لجوهر الآب.


 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt