دراسات أبائية

     
   
 

بستان الرهبان

من أقوال الأب الروحاني
المعروف بالشيخ

من أقوال الأب الروحاني المعروف بالشيخ
«تعليم للمبتدئين» 2

 

كان رجلٌ علمانيٌ معه ابنٌ فطيم، فذهب إلى الإسقيط وطالت مدته، فلما كبر الصبي ونشأ رَهْبَنَه، وحدث بعد رهبانيتهِ بقليلٍ أن بدأ الشياطين يُحركون فيه الشهوةَ الرديئةَ، فقال لأبيه: «إني ماضٍ من ههنا إلي العالمِ، لأني لستُ قادراً على أن أصبرَ على هذا القتالِ الصعبِ». أما أبوه فكان يهديه، ويطلب إليه ألا يمضي، ولكن الشابَ كان يعود إليه ويقول: «يا أبي، لستُ قادراً على أن أقيمَ ههنا، اتركني امضي». فقال له أبوه: «أطعني يا ابني هذه المرة فقط، خذ معك ثمانين خبزةً، وخذ كذلك من الخوصِ ما يكفي لعملِك مدة أربعينَ يوماً، وامضِ إلى البريةِ الداخلية، وأقم هناك إلى أن تفرغَ من خبزِكَ وعملِكَ، وبعد ذلك لتكن مشيئةُ اللهِ». فأطاعه الحدثُ، ودخل إلى البريةِ الداخليةِ، وأقام بها يتعبُ ويُضفِّر الخوصَ ويأكل خبزاً يابساً، فلما أتم عشرين يوماً ظهر له الشيطانُ الذي كان يقاتله في صورةِ امرأةٍ سوداء منتنةِ الرائحةِ، زِفرة جداً لدرجةِ أنه لم يستطع أن يطيقَ رائحةَ نتنها. فبدأ الشابُ أن يطردَها، فقالت: «لِمَ تطردني الآنَ؟ ألستُ أنا التي كنتَ أنت تشتهيني؟ ألستُ أنا التي أزرعُ في قلوبِ الناسِ الأفكارَ، وأملأهم شهوةً، كما ملأتُك شهوةً، وأُسقطهم في الزنى؟ أما أنت فمن أجلِ أنك أطعتَ أباك، فإن اللهَ لم يتركني أخدعك وأُسقطك في الهلاكِ، ولكنه نظر إلى خضوعِك وتعبك وأظهر لك رائحةَ نتني بغيرِ هواي». فشكرَ الشابُّ الله، وقام من ساعتهِ وعاد إلى أبيه، وقال له: «لستُ أريد أن أمضي إلى العالمِ بعدُ يا أبي، لأني قد رأيتُ العدوَ وتأفَّفتُ من رائحتهِ». وكان أبوه قد أُعلن له ذلك، فقال له: «لو أنك صبرتَ يا بُني لكمالِ الأربعين يوماً، وحفظتَ تمام وصيتي، لكنتَ رأيتَ أكثرَ من ذلك».

من سيرةِ الأب باخوميوس: كان لَمَّا مَرِضَ حدثٌ حسن الصورة أن مضوْا به إلى مكانِ المرضى، وكان الأخُ الذي يخدم المرضى ناسكاً يُسمى دويدة، وكان يُحسن فرزَ الأفكارِ، فلما نظر ضميرَه يُنشِّطه لخدمةِ الصبي بمحبةٍ وفرحٍ بأن يعدَّ له الطعامَ باهتمامٍ زائدٍ، صار يتنهدُ مميزاً في ذاتِه وحده قائلاً: «لماذا هذا الاهتمام من نحو هذا الأخِ، هل هو مختارٌ أكثر من كلِّ الإخوةِ أو مريضٌ أكثر منهم كلهم؟ لا». فلما فرغ ذلك الأخ من خدمةِ المرضى، مضى إلى قلايتهِ وبقى صائماً لم يأكل طعاماً، ولا شرب ماءً في ذلك المساءِ، وكان أوانُ الصيفِ، فأقام الليلَ كلَّه مصلياً قائلاً: «يا ربي يسوع المسيح، أظهر لي هذا الأمرَ، حتى أعرف ما هو، لأن هذا النشاطَ الذي صار في قلبي ليس بمستقيمٍ أمامي حسب التعاليم التي علمني إياها عبدُك أنبا باخوميوس». فلما قرب الصباحُ، ودويدة مستمرٌ في صلاته، إذا به ينظر روحاً قائمةً أمامه في شكلِ امرأةٍ حسنة المنظرِ واللِباس، وقالت له: «لماذا تداوم الطلبةَ حتى كُلِّفتُ بغير هواي أن أظهرَ لك، والآن اعلم أني أنا روحُ الزنى،كما أني أنا الذي زرعتُ ذلك الفرحَ والنشاطَ في قلبك لكي تخدم ذلك الصبي بمحبةٍ واجتهادٍ، وهذه هي صناعتي وعادتي في أن أزرعَ في قلبِ النسَّاكِ العظامِ أولاً المحبةَ إما في امرأةٍ أو في صبيٍ، فإذا هم قبلوا الفكرَ، إذ لا يرون أن فيه خطيةً، فحينئذ أبدأ في أن أزرعَ فيهم اللذةَ وأجذبهم قليلاً قليلاً، حتى إذا صاروا غيرَ مفلحين، طرحتهم في دنسِ الشهوةِ». ولما قالت كلَّ هذا، اختفت عن بصرِهِ، أما هو فقد تعجَّب، وبارك اللهَ الرحوم، الذي أظهر له فخَ الشيطان وخلَّصه منه.

قال أنبا بيمين: «إن سكن إنسانٌ مع شابٍ، فإنه فاعلُ خطيةٍ، لأنَّ معاشرةَ الشبابِ مُعطِبةٌ فاحذرها».

قال أبو يحنس: «كلُّ من اجتمع أو تكلم مع صبيٍ فهو زانٍ بفكرِه».

قال شيخٌ: «لأيِّ شيءٍ تُحزن الذي يظلمك، وتُبغض الذي يُحزنك، فاعلم أنه ليس هو الذي ظلمك وأحزنك، ولكنه هو الشيطان، فيجب عليك أن تُبغضَ المرضَ ولا تُبغضَ المريضَ».

قيل عن أنبا يحنس القصير إنه إذا أبصرَ إنساناً أخطأ فكان يبكي بكاءً شديداً، ويقول: «إنَّ هذا أخطأ اليوم، ولكنه ربما يتوب، أما أنا فإني أخطئ غداً، وربما لا أُعطى مهلةً كي أتوبَ»، هكذا يجبُ أن نفكِّرَ ولا ندين أحداً.

قال شيخٌ: «يجبُ على الإنسان أن يلومَ نفسَه في كلِّ بليةٍ تأتي عليه ويقول: هذا جميعُه أصابني من أجل خطاياي، ولا يلوم إنساناً»

سأل شيخٌ أنبا شوشاي قائلاً: «أيُّ شيءٍ هي الغربةُ»؟ فأجابه: «هي الصمتُ في كلِّ موضعٍ يوجد فيه الإنسانُ، ويقول: ما شأني في هذا الأمرِ؟ هذه هي الغربةُ».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «قل لي شيئاً أحفظُه». فقال له: «احفظ المعيرةَ والشتيمةَ، واصبر على المحقرةِ والخسران الجسدي».

قيل عن راهبٍ إنه إذا شُتم فكان يجري نحو شاتمه ويقول له: «اغفر لي».

أخٌ حريصٌ قامت عليه قتالاتٌ صعبةٌ، سببَّت له حزناً شديداً لدرجةِ أنه كان يخاطبُ نفسَه قائلاً: «ما دامت هذه الأفكارُ معي، فلن أخلص». وكان يتواضع جداً. فذهب إلى شيخٍ كبيرٍ وسأله أن يصليَ عليه لكي يرفعَ الربُّ عنه القتالَ، فقال له الشيخُ: «بل هذا خيرٌ لك يا بُني». ولكنه لجَّ عليه، فطلب الشيخُ إلى اللهِ، فاستجاب طلبتَه ورفع القتالَ عن الأخِ، وإذا بالأخِ قد صار يَسبح لوقتِهِ في لُجَّةِ العُجبِ والعظمةِ، ولكنه ندم وعاد إلى الشيخِ وسأله أن يطلب من الله ليردَّ عليه القتال الذي كان يُسبِّب له الاتضاع.

قال شيخٌ: «تعبُ الجسدِ بكثرةِ القراءةِ يُنقي العقلَ، والسكوتُ يجلبُ النوحَ، والنوحُ يجلبُ البكاءَ، والبكاءُ يُنقي الإنسانَ من كلِّ خطيةٍ».

طلب أحدُ الرهبانِ ممن يسكنون البريةَ المحقرةَ لنفسِه، فقام وجاء إلى ديرٍ من أعمال الصعيدِ، وكان سكانُ ذلك الديرِ كلُّهم قديسين؛ فبعدَ ما أقام عندهم أياماً، قال لرئيسِ الديرِ: «صلِّ عليَّ يا أبي، وأخلِ سبيلي، فإني لست أريدُ البقاءَ ههنا». فقال له: «لأيِّ شيءٍ يا ابني؟» فأجابه قائلاً: «إنه لا يوجد ههنا تعبٌ، والآباءُ كلُّهم قديسون، وأما أنا، فإني إنسانٌ خاطئ، أريد أن أمضي إلى موضعٍ، حيث أُهان وأُشتم، لأنه بالازدراءِ والإهانةِ يخلُص الخطاةُ». فتعجب منه وعلم أنه عمَّال، فأخلى سبيلَه قائلاً له: «امضِ وتقوَّ».

قال شيخٌ: «الاتضاع خلَّص كثيرين بلا تعبٍ، وتعبُ الإنسانِ بلا اتضاعٍ يذهبُ باطلاً، لأن كثيرين تعبوا، فاستكبروا وهلكوا».

قال أحدُ الشيوخِ لتلاميذِهِ عند خروجِ نفسِه: «لا تشتهوا متاعَ الدنيا، فتزدادوا متاعاً كثيراً، كونوا مجهولين من الناسِ، فتصيروا محبوبين من اللهِ، لا تدينوا أحداً من الإخوةِ، وأنتم تقوون على كلِّ أوجاعِ الشياطين؛ تحفَّظوا من كلِّ شيءٍ فيه لذة من لذاتِ هذا العالمِ التي تُحَرِّك الجسدَ بالفكرِ، وذلك ليكونَ الجسدُ دائماً هادئاً ومحفوظاً من الحركاتِ الشيطانيةِ».

قال شيخٌ: «لا تكتم أفكارَك الشريرةَ وخطاياك القديمةَ، فإن وَجد الشيطانُ فيك هوىً واحداً مكتوماً، ففيه يطرحك، لأن الشيطانَ ليست له قوةٌ أن يَجُرَّ إنساناً إلى فعلِ الخطيةِ، ولكنه إذا أبصرَ هواه مائلاً إلى شيءٍ من الخطيةِ، ففيه يطرحه، فإن رآه متحفظاً يستشير في أمورِه كلِّها، ويطيع لِمَا يُشار به عليه، فلا يقوى عليه في شيءٍ بالجملةِ». وكان يقول: «لستُ أعرفُ للراهبِ سقطةً إلا إذا صنع هواه، فإذا نظرتَ راهباً قد سقط، فاعلم أنه وقع بهواه، لأنه فعل برأي نفسِه».

قال شيخٌ: «إنَّ أفضلَ شيءٍ هو السكوتُ، والرجلُ الحكيمُ هو الذي يحبُّ السكوتَ والهدوءَ».

بعضُ الإخوةِ كانوا مجتمعين يتكلمون، وكان بينهم أخٌ له موهبة نظر الخفايا، فلما كانوا يتكلمون عن الروحيات، نظر ملائكةً قد اقتربوا منهم، وكانوا فرحين معهم، ولكنهم لما تكلموا كلاماً غيرَ نافعٍ، ابتعدت عنهم الملائكةُ، واقتربت منهم الشياطين.

قال أنبا يوسف لأنبا بيسير: «إني لا أقدِرُ أن أضبطَ لساني». فقال الشيخُ: «وإذا تكلمتَ فلن تستريحَ».

قيل إن أحدَ رؤساءِ أديرة البريةِ نزل في بعضِ الأيام، قاصداً المدينةَ، فوجد طفلاً مُلقىً على جانبِ الطريقِ، فأخذه إلى الديرِ ورباه على (لبنِ) شاةِ، حتى كبر ولم يكن يعرف سوى الرهبان. وحدث أن خرجَ الرئيسُ مرةً لقضاءِ أمرٍ ما، فأخذه معه، وبينما هما يمشيان في الطريقِ، إذا بمواشٍ ترعى، فلما رآها الغلامُ قال لمعلمِه: «ما هذه الأشياء يا أبي؟» فقال له: «هذا بقرٌ، وتلك جمالٌ، وهذه حميرٌ، وهذا كذا …»، وهكذا استمر الغلامُ يستفهم من معلمِه عن كلِّ شيءٍ يبصره، حتى لقيتهما جاريةٌ شابةٌ جميلةٌ، فقال الغلامُ: «ما هذه يا أبي؟» فقال له: «هذه هي الشيطانُ»، فلما قضوا حاجتهما ورجعوا إلى الديرِ، سأل الشيخُ الغلامَ قائلاً: «ماذا أعجبك يا ابني من كلِّ ما رأيتَ؟» فقال الغلام: «لم يعجبني شيءٌ إلا الشيطان وحده»، فلما سمع الشيخُ تعجب كيف أن المرأةَ تفتن حتى الذين لا يعرفون شيئاً.

قال أنبا بنيامين: «كما أن الملحَ من الماءِ يخرجُ، وفي الماءِ ينحلُّ ويذوب، كذلك الرجالُ من النساءِ يخرجون، ومن النساءِ يهلكون».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «لماذا إذا مشيتُ في البريةِ أكونُ مرعوباً خائفاً»؟ فقال له الشيخُ: «ذلك لأنك لا زلتَ حياً في أمورِ الدنيا».

قيل لشيخٍ: «لماذا لا تضجر يا أبتاه؟» فقال: «لأني في كلِّ يومٍ أتوقع الموتَ».

قال شيخٌ: «إن حزني لكثير على راهبٍ، يكون قد ترك أهلَه ومقتنياته، وألزم نفسَه الغربةَ من أجلِ اللهِ، ثم يرجع يسترخي في وصاياه، فيذهب بعد ذلك إلى العذابِ».

قال شيخٌ: «كما أنَّ عيني الخنزير تنظران إلى الأرضِ ولا يرفعهما، كذلك كلُّ من أحبَّت نفسُه اللَّذات العالمية، فبشدةٍ يرفعُ عقلَه إلى اللهِ، ويهتمُ بشيءٍ مما يرضيه».

قال شيخٌ: «إن كان إنسانٌ ساكناً في موضعٍ، وهو لا يعملُ فيه ثمرةً، فإن الموضعَ نفسَه يطرده».

أبصَرَ شيخٌ أخاً يضحك، فقال له: «يا ابني إننا مزمعون أن نعطيَ للهِ جواباً، أمام الملائكةِ والسماءِ والأرضِ، عن كلِّ أمورِنا وسيرتنا، وأنت تضحك».

سأل أخٌ شيخاً قائلاً: «ماذا أصنعُ لأخلصَ»؟ قال له: «يجب أن تبكي دائماً».

قال شيخٌ: «الصلاةُ الكاملةُ هي أن تخاطبَ الله بلا طياشةٍ ولا سجسٍ، ولو تسجَّس العالمُ كلُّه، لأن المصلي بالكمالِ قد مات من العالمِ وكلِّ نياحِه، وكلَّ شيءٍ يعمله يكون بغير طياشةٍ، وأما القراءةُ فتكون في قصصِ الشيوخِ، وتعليمهم، لأنَّ بهذا يسيرُ العقلُ نحو اللهِ».

وقال شيخٌ: «إنَّ الراهبَ الذي يعرفُ موضعاً فيه منفعةٌ لنفسِه، وكانت حوائجُ الجسدِ في ذلك الموضعِ عسيرةً، ولهذا السببِ يمتنع عن الذهابِ إلى ذلك الموضعِ، فإن ذلك الإنسانَ ليس فيه إيمانٌ بالله».

وقال شيخٌ: «إن كان الإنسانُ منتبهاً فهو يستطيعُ أن يحفظَ الإنسانَ الجواني. وإن كان، فلا بد أن نحفظ لسانَنا بقدرِ قوتنا».

قال شيخٌ: «إياك أن تقولَ في قلبك من جهةِ إنسانٍ، إنك أحرصُ منه، أو أكثرُ منه معرفة، أو أبر منه، بل اخضع لنعمةِ اللهِ، ولروح الحكمةِ، والحب الذي ليس فيه غشٌ، لئلا تنطفئ بالعظمةِ، وتُضَيِّعَ تعبَك، لأنه مكتوبٌ: يا من تظن أنك قائمٌ، احذر لئلا تسقط».

حَدثوا عن رهبان المصريين، بأنه إذا عرفَ الناسُ سرَّ عملِهم، فما كانوا يحسبونه فضيلةً، بل خطيةً.

سأل أخٌ أنبا بيمين: «ماذا أصنعُ لأن نفسي قاسيةٌ، ولا تخافُ اللهَ؟» قال له الشيخُ: «اذهب واجلس مع إنسانٍ يخافُ اللهَ، وهو يعلمك خوفَ اللهِ».

وقال أيضاً: «نِعمَ التجربة التي تعلِّم الإنسانَ».

وقال أيضاً: «الشرُّ لا يَغلِبُ الشرَّ، ولكن إن أساءَ إليك إنسانٌ، فأحسن أنت إليه، فإن إحسانك إليه يستأصلُ الشرَّ، لأنه لا ينبغي أن تكافئ شراً بشرٍ».

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt