قطاع الأخبار

     
   
 

 

قطاع الأخبار

ناس من شبرا

في شبرا صادقت مجدي ويصا كان حريفا يلعب معنا الكرة الشراب في فريق سميناه المحبة‏,‏ وكنا نلعب مع الفرق الأخري علي باصة‏,‏ والباصة عبارة عن ورقة ندون فيها نتيجة المباراة واعتراف بالفريق الفائز‏,‏ وثيقة نعاير بها بعضنا بعضا في مرح دون جنازير أو مطاوي‏,‏
 وذات مرة جاءنا مجدي مضروبا كان يلعب مع فريق تعرف عليه في كنيسة خمارويه وانتهت المباراة بخناقة وضرب‏,‏ فاجتمعنا ليلا لنبحث كيف نرد علي من ضربوا ابن حتتنا‏,‏ واتفقنا علي القيام بغارة علي شارع المعتدين وكانوا شلة من أولاد مسلمين ومسيحيين‏,‏ ضربناهم وعدنا جريا وهو معنا‏,‏
أولاد شارعنا ضد أولاد الشارع البعيد‏,‏
لم يكن الدين يفصل بيننا‏,‏ بل أصلا لم نفكر فيه بهذا الشكل‏,‏ كنا فريقا واحدا‏,‏ لم ترد كلمة مسلم ومسيحي علي لساننا أبدا‏..‏
ولن ننتبه إلي هذا الأمر إلا مع احداث عنف بين الطرفين في الزاوية الحمراء عام‏1977,‏ وتعجبنا منها جدا وكنا بين التصديق والتكذيب دون أن تؤثر فينا‏.‏
4 ديسمبر 2008

لكن الأحداث الملعونة لم تكتف بالزاوية الحمراء‏,‏
وفردت ظلها الأسود وتمددت إلي أماكن أخري‏,‏ ثلاثين عاما وهي تلاحقنا وتعشش في ادمغتنا‏,‏ وتسحب من أوراحنا ماءها النقي وتدفع بدلا منه ماء ملوثا بالتعصب والتطرف والطائفية‏..‏

صحيح ان اغلب ملفات هذه الأحداث قد أغلق بطريقة أو بأخري‏,‏ لكن لايمكن أن نظل نتعامل معها كلما جددت نفسها وكأنها لم تكن‏,‏ أو نتصور أن الجرح قد اندمل أو تطهر من تلوثه‏,‏ علينا جميعا الآن أن نقف أمام المرآة عرايا النفوس لنعترف بأن شيئا ما خطأ‏,‏ خطأ خطير كلنا نشعر به‏,‏ ونتحدث عنه في جلساتنا الخاصة‏,‏ ثم نعمل كالعميان لانري شيئا‏,‏ ربما من باب العادة التي أدمناها وهي دع الزمن يحل الأزمة‏,‏ وربما لأن البعض يزين له عقله أن بقاء الأحوال علي ماهو عليه هي أحسن مناخ للحصول علي امتيازات عوضا عن ثقافة تمييز سائدة‏,‏ وربما وربما‏,‏ فأوصلتنا غفلتنا إلي نقطة أشد قبحا‏,‏ فصارت لدينا مدارس تفصل التلاميذ الصغار حسب دينها‏,‏ وصار الطلبة في كلية الهندسة بجامعة عين شمس ـ علي سبيل المثال ـ يتصرفون معزولين عن بعضهم بعضا‏,‏ وكل أصحاب دين في ركن منفرد‏..‏و‏..‏
ماذا يوجد أخطر من ذلك علي مصر والمصريين؟‏!‏

بالطبع لايوجد‏..‏ لأن الخطر داخل البيت وليس خارجه‏,‏ في نسيج علاقاته الأساسية وليس علي الواجهة الخارجية‏..
وبالطبع كلنا ملامون‏,‏ مدانون بلا استثناء‏!‏

والإدانة أمرها سهل‏..‏ لكن الأهم كيف يعود المصريون إلي ثقافتهم المتسامحة التي عاشوا بها آلاف السنين قبل المسيحية وقبل الإسلام وبعدهما؟‏!,‏ ماذا حدث في تدينهم وهم أقدم من عرفوا الإله الواحد؟‏,‏ وكيف تعصبوا فيه حتي يكاد يذهب بكل ماعرفت به مصر من قدرة علي الاستيعاب والامتصاص والتمصير‏,‏ فقد مصرت المسيحية‏,‏ فصارت مسيحيتها فريدة في العالم‏,‏ ومصرت أيضا الإسلام فكان إسلاما مصريا وسطا أكثر تسامحا وتفاهما سواء في إقليمها أو خارجه‏.‏

هل يمكن أن نتعلم من شبرا‏,‏ الحي البسيط الذي يتجلي فيه الله والوطن في صورة رائعة‏,‏ الله واحد أيا كانت الطريقة التي نحبه بها‏,‏ والوطن واحد أيا كانت فصيلة الدم التي تجري في عروقنا‏,‏ لا يحتكر محبة الله أحد‏,‏ ولايملك الوطن أحد أكثر من الآخر‏.‏

وشبرا لمن لايعرفها حي حديث نسبيا‏,‏ ليس له عراقة القاهرة القديمة كالسيدة زينب والحسين ومصر القديمة وبولاق والجمالية وباب الشعرية‏,‏ وكان إلي بداية القرن الماضي مجرد أرض زراعية تشقها ترعة شهيرة‏,‏ وهي التي ردمت وسمي واحد من أهم شوارعها باسم الترعة البولاقية‏,‏ ولا أعرف سر وصفها بـ البولاقية‏,‏ ربما لأنها استمدت مياها من نيل بولاق‏!‏

ثم تسلل العمران إليها قصورا للشوام في البداية ثم زحف تدريجيا حتي أخذت شكلها النهائي حي شبرا‏!‏
وشبرا‏,‏ كما وصفها الروائي المصري نعيم صبري في روايته البديعة شبرا‏,‏ حي لا هو بالأرستقراطي ولا هو بالحي الشعبي في مجمله‏,‏ هو حي بين بين‏,‏ تجد فيه الأسر الموسرة‏,‏ والأسر المحدودة الدخل‏,‏ لكن ما يميزه هو رءوس أبنائه‏,‏ أقصد عقلياتها‏,‏ عقلية الطبقة الوسطي التي كانت‏,‏ العقلية المتفتحة للتواصل والتعلم والتفهم والتطور‏,‏ وقبل ذلك جميعا المحبة وقبول الاختلاف‏,‏ مما يجعل الحياة مع الآخرين متعة وهناء وعشرة طيبة‏.‏

لم يكن أهل شبرا يتحدثون عن الآخر‏,‏ فالآخر لفظ غريب لاوجود له من الأساس‏,‏ لم يدركوه في الوعي الجمعي‏,‏ لأنهم أهل وجيرة وأصحاب‏,‏ والعلاقات بسيطة وعلي سجيتها‏,‏ والمسافة بين الأنا والآخر مجرد فركة كعب نقطعها في نكتة وعشرتين طاولة ووقوف علي الناصية وزيارة عائلية وذهاب إلي السينما ورحلة نيلية وعزومة علي العشاء وسهرة جماعية‏!‏

وناس شبرا كانوا خليطا من جنسيات وديانات مختلفة‏,‏ مصريين علي يونانيين علي أرمن‏,‏ علي إيطاليين علي عرب‏,‏ مسلمين علي مسيحيين علي يهود‏..‏ عاشوا معا وأكسبوا الحي هذا التسامح الذي بات جزءا من أساس بيوته وطلاء عمارته‏.‏

هل يمكن أن نفكر معا ونبحث‏:‏ لماذا لاتصبح مصر كلها مثل شبرا؟‏!‏

بقلم / نبيل عمر
nomar@ahram.org.eg
نقلاً عن الأهرام
 

هام
لمتابعة الأخبار بطريقة فورية برجاء تحميل شريط الأدوات
يتم إرسال تنبيه فوري عقب نشر الخبر


 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt