قطاع الأخبار

     
   
 

 

 

قطاع الأخبار

هل للأقباط مجال لحرية ممارسة شعائرهم الدينية؟

 عقب اعتداءات بعض الغوغاء المسلمين المتعصبين على كنيسة السيدة العذراء والأنبا أبرام بعين شمس، أصدر اتحاد الهيئات القبطية الأوربية بيانا شديد اللهجه. 
  وعليه وصلتني رسائل عبر البريد الالكتروني, ومكالمات تليفونية تسأل سؤالا واحدا فقط هل فعلا تم اعتداء على كنيسة أم مبنى خدمات كنيسة؟ 

للاجابه على هذا السوال : ما هو الفرق بينهما؟ وهل يجوز للأقباط في أي مكان شاءوا القاء عظات دينيه والصلاة في هذا المكان دون الحصول على إذن أو ترخيص من أي جهة رسمية؟ وإذا ثبت حقهم فى ممارسة شعائرهم الدينية هل يحق لبعض المسلمين والأجهزة الأمنية وقف تعطيل هذه الشعائر, أى هل يجوز لأى عدد من الغوغاء اقامة انفسهم سلطه لها حق مراقبة القانون أم لا؟ وأخيرا هل تم تجريم لهذه الاعتداءات أم لا, أم لا تزال الدوله فى ثبات عميق؟ 

 

2 ديسمبر 2008


بادئ ذي بدء أريد توضيح الآتي:
 إن البيان الذي صدر من اتحاد الهيئات القبطية الأوربية والمنظمات المتعاونة معه صدر في إطار قانوني، يشمل إعلان مبادئ التسامح الصادر من اليونسكو عام 1995 والإعلان بشأن القضاء على التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد، وأيضا في إطار المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 18 من اتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية والخاصة بحرية الدين والمعتقد والفكر والضمير وأخيرا في إطار المادة 160 من قانون العقوبات المصري الذي يُجرم الأفعال التي تشكل انتهاكا لحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية .
 
 

ولتوضيح الأسئلة السابقة والرد عليها ابدأ بالمادة 160 من قانون العقوبات التي تنص على تجريم الأفعال التي تشكل انتهاكا لحرية ممارسة الشعائر الدينية ومنها الفقرة "أ" "التشويش على إقامة شعائر ملة أو احتفال ديني خاص بها أو تعطيلها بالعنف أو التهديد" والفقرة "ب" تخريب أو كسر أو إتلاف أو تدليس مبان معدة لإقامة شعائر دين أو رموز أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس" وقد نص القانون على المعاقبة على تلك الأفعال بالحبس والغرامة أو احداهما وتشديد العقوبة إلى السجن إذا كانت قد ارتُكبت تنفيذا لغرض ارهابى.  
 

الرأى القانوني: يتضح من هذا النص، أن القانون لم يفرق بين مبنى الخدمات المعدة لإقامة شعائر دينية وبين الكنيسة نفسها (من حيث وصفها المعماري صليب وقبة وجرس) ، بل ذكر على وجه العموم تجريم أفعال التخريب أو التكسير أو الإتلاف أو تدنيس مبان معدة لإقامة شعائر دينية وباقي رموزها. ولم يشرح قانون العقوبات أويفرق بين تلك المباني إذا كانت كنيسة أو جامع أو معبد يهودي، بل ترك وصف المبنى المعد لإقامة الشعائر الدينية لمعيارين: المعيار الأول هو ترك أهل الملة نفسها في وضع خصائص للمبنى فيما إذا كان هذا المبنى أو ذاك مُعدا للخدمات الكنسية أو الاجتماعية أو معدا كمكان للصلاة. وبالمقابل ترك لأهل ملة الإسلام الاختيار لتحديد اذا كان المبنى مسجدا أو زاوية أو خدمات إسلامية.

والمعيار الثاني:  هو أن اعتبار هذا المبنى (كنيسة أو مسجد) مناطه اعتبار أبناء الملة ذاتها.   

وفى مجال التجريم لم يتعرض القانون بشأن التجريم فيما اذا كان ثمة ترخيص أو إذن للصلاة في هذا المسجد أوتلك الكنيسة واكتفى فقط بالتجريم على الأفعال التي تُرتكب ضد أماكن العبادة كالتشويش على الصلاة أو تعطليها بالعنف أو التهديد بالهجوم عليها أو تدنيس هذه المباني التي تعتبر مقدسة لدى فريق من الناس أو أصحاب تلك الملة. 
 

ولزيادة الايضاح، يتعين أن القي الضوء للكافه على بعض الأحكام القضائية التي لم تشترط الحصول على إذن أوتصريح لممارسة الشعائر الدينية:  
 

هل يجوز الحصول على إذن للصلاة؟

بناء علي دعوي اقيمت ضد القمص سرجيوس تأسيسا على أنه يقيم الصلوات في مكان غير مخصص للعبادة, أصدرت محكمة النقض حكماً في عام 1924 نص علي أنه «من حق المواطنين عقد اجتماعات في أي مكان شاءوا لإلقاء العظات الدينية والصلاة دون الحصول علي إذن من أي جهة رسمية، ودون الحاجة لإخطارها» .  ويتعين أن ننوه أن هذا الحكم كان قد صدر وقت أن كان هناك قضاء.

هل يجوز إقامة الشعائر الدينية في أي مكان يخصص لهذا الغرض وهل يحق للجهات الأمنية (وزارة الداخلية) وقف تعطيل هذه الشعائر؟.

في ديسمبر 1952 اصدر مجلس الدولة برئاسة الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا ( أبو القوانين) حكما تاريخيا بإلغاء الأمر الإداري الصادر من وزارة الداخلية عام 1950 بإيقاف الشعائر الدينية بكنيسة القصاصين بالإسماعيلية وقرر الحكم بجواز إقامة الشعائر الدينية في أي مكان يخصص لهذا الغرض ولا يحق لوزارة الداخلية وقف تعطيل هذه الشعائر ففي القضية رقم 538 سنة 5 قضائية المقامة من حنا سليمان جرجس والذي قال في صحيفة دعواه إنه أقام بناءً خصصه فيما بعد للصلاة مع إخوانه الأقباط الأرثوذكس وأطلق عليه اسم كنيسة القصاصين، وصدر قرار إداري بإيقاف الشعائر الدينية بالكنيسة حتي يصدر مرسوم ملكي، وطلب المدعى إبطال القرار الإداري المشار إليه، وحول هذه الدعوي أصدر الدكتور السنهوري حكماً تاريخياً جاء فيه: 

«من حيث إن المدعي نعي علي الأمر المطعون فيه أن وزارة الداخلية لا يدخل في اختصاصها منع الاجتماعات الدينية وتعطيل الشعائر، لمنافاة ذلك للحرية الفردية، ولحرية العقيدة، وحرية العبادة وكل هذه الأمور كفلها الدستور، وليس في القوانين واللوائح ما يمنع حرية الاجتماع لممارسة الطقوس الدينية وشئون العبادة في مكان مملوك للمدعي أطلق عليه اسم كنيسة القصاصين، وتري المحكمة أن الدستور يحمي هذه الحريات ما دامت لا تخل بالنظام العام ولا تنافي الآداب، ومن ثم يكون الأمر بتعطيل الاجتماع الديني قد وقع باطلا مما يتعين معه إلغاء الأمر المطعون فيه». 
ولأن محامي الحكومة كان قد أسند قرار وزارة الداخلية إلي تنفيذ «الخط الهمايوني»، وبرغم أن مجلس الدولة لم يكن منوطاً به الحكم علي مدي دستورية الالتزام بهذا الخط، إلا أن الدكتور السنهوري نبه وبشدة في حكمه «إلي ضرورة ألا يؤدي إعماله (أى الخط الهمايونى) إلي حرمان مواطنين من حقهم في إنشاء دور للعبادة، وقال في نص الحكم: 
«ومن حيث أنه مما يجب مراعاته فوق ذلك أن اشتراط الحصول علي ترخيص لإنشاء دور العبادة، علي نحو ما جاء في الخط الهمايوني لا يجوز أن يتخذ ذريعة لإقامة عقبات لا مبرر لها تحول دون إنشاء هذه الدور مما لا يتفق مع حرية إقامة الشعائر الدينية، إذ أن الترخيص المنصوص عليه في هذا الخط الهمايوني لم يقصد به عرقلة إقامة الشعائر الدينية، بل أريد به أن يراعي في إنشاء دور العبادة الشروط اللازمة التي تكفل أن تكون هذه الدور قائمة في بيئة محترمة تتفق مع وقار الشعائر الدينية وطهارتها». 

وطالب الدكتور السنهوري آنذاك في الحكم بإصدار تشريع «يحدد الإجراءات اللازم مراعاتها في إنشاء دور العبادة، والشروط الواجب توافرها حتي إذا ما استوفيت هذه الشروط وروعيت هذه الإجراءات تعين صدور الترخيص في مدة يعينها التشريع، فإذا لم يصدر في هذه المدة كان الطالب في حل من إقامة دور العبادة التي طلب الترخيص لإنشائها». 
ثم يقرر في حسم « ولذلك حكمت المحكمة بإلغاء الأمر الإداري الصادر من وزارة الداخلية بوقف الاجتماعات الدينية التي تقام بالمكان الذي خصصه لها المدعي بناحية القصاصين، وألزمت الحكومة بالمصروفات».
 
 

هل يجوز الصلاة في محل سكن وإقامة الشعائر الدينية وترتيل ترانيم دينية وبدون حاجة إلى ترخيص؟

كذلك ، حكمت محكمة سمالوط الوطنية بجواز اقامة الشعائر الدينية من صلاة ووعظ وتعليم وإرشاد بمحل سكن القس (أي بمنزله) وكان ذلك في مارس 1954 وهو حكم أصدرته محكمة سمالوط في دعوي رفعها قسيس بعد أن جري منعه من اتخاذ مسكنه الخاص لإقامة شعائر الصلاة وترتيل ترانيم دينية، بحجة ارتفاع صوت المجتمعين بما يقلق راحة جيرانهم .. لكن المحكمة حكمت بحق القس في اتخاذ مسكنه الخاص مكانا لإقامة الصلاة ولتلاوة الترانيم حتى ولو ارتفع صوت القائمين بها، وقالت في الحكم إن الكثيرين «اعتادوا تلاوة القرآن الكريم بصوت مسموع وإلقاء الشعائر الدينية بين جماعة من الناس دون اعتراض من أحد».

في عام 1958 قررت النيابة العامة بأنه لا مانع من عقد اجتماعات دينية لممارسة الشعائر الدينية بمنزل بدون حاجة لترخيص مادامت في حدود القانون. 
 

وأخيرا لماذا لم يتم القبض على الجناة الأصليين في حادث اعتداء على كنيسة (المبنى المعد لإقامة الشعائر الدينية) السيدة العذراء والأنبا ابرآم  بتهمة التشويش على إقامة الشعائر الدينية وتعطيلها بالقيام بالعنف ضدها والتهديد بتدميرها وقيامهم بهتافات تحض على الكراهية والتعصب الديني ؟ والإجابة بكل بساطة هو أن الأقباط ليس لهم حرية ممارسة الشعائر الدينية بالمفهوم القانوني الصحيح ونظرا لغياب النظام القانوني في تنظيم مفهوم حرية الدين وممارسة الشعائر الدينية ووجود نظام آخر يتسم بالتعصب الديني وعدم التسامح.  كما أن عدم القبض على المجرمين الحقيقيين ينم عن أن الدوله متواطئه مع المجرمين. 
 

مما تقدم يتضح أن الامر يستوى اذا ماكان المبنى معدا ليكون كنيسه أو مبنى خدمات. 
 

د. عوض شفيق المحامى
 ch.awad@gmail.com

 

هام
لمتابعة الأخبار بطريقة فورية برجاء تحميل شريط الأدوات
يتم إرسال تنبيه فوري عقب نشر الخبر


 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt