تاريخ الكنيسة
  

     
   
 

آباء مجمع القداس الباسيلى

والمائتين بأفسس :

 وهؤلاء هم آباء المجمع المسكونى الثالث فى مدينة أفسس سنة 431 م. وبدعوة من الأمبراطور ثيؤدسيوس الصغير بسبب ظهور بدعتين كان لهما خطورة على العقيدة المسيحية وأصحابهما هما :

( 1 ) نسطور :
أسقف القسطنطينية الذى نادى بأن للسيد المسيح طبيعتين إلهية وإنسانية ، ولذلك لا ينبغى أن تسمى العذراء ( بوالدة الإله ) واستغل منصبه الكبير وسلطته فى نشر هذه التعاليم الفاسدة ، ولذلك سمى بعد ذلك ( عدو العذراء مريم ) .

( 2 ) بيلاجيوس :
وهو صاحب البدعة الثانية الذى قال بأن الإنسان يستطيع أن يصل إلى أسمى الدرجات دون حاجة للنعمة الإلهية .
وقد اجتمع الآباء وكان من بينهم القديس البابا كيرلس عمود الدين الذى شرح لنسطور عدم افتراق الطبائع بعد الإتحاد ، وبعد مناقشة طويلة معه لم يقبل فأجمع آباء المجمع على حرمه وتجريده من رتبته الكهنوتية .
ووضع الآباء للرد على هذه البدعة مقدمة قانون الإيمان :
[ نعظمك يا أم النور الحقيقى ... ] .
كما اجمعوا على حرم بيلاجيوس ايضا وأنتهى المجمع على ذلك بسلام .
بركة صلوات هؤلاء الآباء أعضاء المجمع تكون معنا ... آمين .

+ + +


ما هى قصة مجمع أفسس ؟؟
نتعرض فى الصفحات التاليـــــــة لأقوال آباء الكنيسة والمؤرخين الذين سجلوا لنا موضوع هذا المجمع من خلال مؤلفاتهم التى بين أيدينا .
مراجع البحث :
· آباء مجمع القداس الباسيلى ..... بقلم وديع صدقى ( مراجعة وتقديم الأنبا متاؤس الأسقف العام ) .
· عصر المجامع ..... بقلم : القمص كيرلس الأنطونى .
· قصة الكنيسة القبطية ...بقلم إيريس حبيب المصرى .
· الخريدة النفيسة ، فى تاريخ الكنيسة ..... الجزء الأول .
· اللاهوت فى فكر العذراء مريم : تقديم نيافة الأنبا بيشوى
تأليف : القمص سيداروس عبد المسيح
بدعــــــة نســـطور
البطريرك المبتدع :
تعتبر بدعة نسطور السبب الرئيسى لعقد مجمع أفسس ، ومن المؤلم أن يكون صاحب هذه البدعة التى أزعجت الكنيسة وكادت أن تفصم وحدتها هو بطريرك القسطنطينية.
ولد هذا المبتدع فى مدينة تسمى مرعش ثم تعلم لدى ثيوذورس المبسوستى حتى نبغ فى علوم كثيرة وترهب فى دير مارابروبيوس بالقرب من انطاكية .
ولقد أظهر قبيل رسامته بطريركا للقسطنطينية ، غيرة للدفاع عن الأيمان ضد المبتدعين ، حتى قال يوم رسامته مخاطبا الأمبراطور ثيودوسيوس الصغير :
" استأصل معى أيها الملك جماعة الهراطقة وأنا أرد عنك هجوم الفرس الأردياء ، ......"
على أن هذه الغيرة قد تبخرت سريعا ! فلم تمضى فترة طويلة حتى سقط نسطور فى يدعة شنيعة ، وفى ذلك يقول بعض المؤرخين : " إن نسطور حارب جميع الهرطقات ، ليمهد السبيل إلى هرطقته " .
تعاليمه الغريبة :
نادى نسطور بأن فى السيد المسيح أقنومين وشخصين وطبيعتين ، واستنتج من ذلك أنه لا ينبغى أن نسمى السيدة العذراء " بوالدة الألــــــه " كما عاب على المجوس لسجودهم للطفل يسوع وهو فى المذود ، وأستقطع الجزء الأخير من كل من الثلاث تقديسات التى ترتلها الكنيسة فى صلواتها .......
وبحكم منصبه ، وبما له من سيطرة وسطوة بدأ ينشر تعاليمه فى كل مكان مستخدما فى ذلك بعض الكهنة والأساقفة أيضا !
ولما سمع مسيحيو القسطنطينية أقواله هذه رفضوها لعدم استقامتها ، وبدأوا يثورون ضده ولكنه أمعن فى عناده . واذ حضر جمع من الرهبان أمامه وأوضحوا له خطأ تعاليمه وانحرافه عن الأيمان القويم غضب عليهم وأمر بحبسهم فى الكنيسة كما أمر خدمه بضربهم واهانتهم !
وحالما سمع القديس كيرلس البابا السكندرى بهذه البدعة كتب يفندها ويثبت التعليم الصحيح ، وارسل رسائل كثيرة لنسطور , ولكنه رغم كل هذا لم يرتدع ولم يتنازل عن وخيم تعليمه .
نهايته الشنيعة :
وأخيرا عقد المجمع المسكونى الثالث ، وحكم بحرمه وتعاليمه معه ، ثم تقرر نفيه إلى ديره الأول ، ولكنه رغم كل ذلك لم يتب ولم يستكن بل بدأ ينفث سموم أضاليله بين الرهبان وغيرهم ، الأمر الذى أغضب الأمبراطور وحدا به إلى اصدار الأمر بنفيه إلى اخميم بصعيد مصر حيث أدركته المنية هناك .
وقد اختلف المؤرخون فى سبب موته ، فقال بعضهم أنه لما تملك عليه اليأس لعدم تمكنه من الرجوع إلى بلاده دفعة ثانية ، شدخ رأسه بحجر ومات منتحرا ، وقال البعض الآخر أن الرب قد ضربه بالدود الذى أكل لسانه واماته شر ميتة !
النسطورية بعد نسطور :
على أن البدعة النسطورية لم تمت تماما بموت نسطور – وان كانت قد ضعفت كثيرا – ذلك لأن معلمو مدرسة الرها وتلاميذها تمسكوا بتعاليم نسطور الخاطئة ، وبدأوا ينشطون فى نشرها ، ولما طردهم أسقف المدينة ، هربوا إلى نصيبين ومعهم بعض الكهنة ، وهناك شيدوا مقرا لهم ورسموا رئيسا عليهم دعوه " جاثاليقا " وعملوا على نشر بدعتهم فى بلاد فارس وآشور والهند وغيرها .....ولا زال بعض النساطرة حتى الآن فى جبل سنجار على حدود بلاد فارس وفى ملبار بالهند .

الشخصيات الهامة فى المجمع
القديس كيرلس الكبير :
ليس من شك فى أن القديس كيرلس الكبير ، قد اقترن أسمه بحق مع أسم المجمع المسكونى الثالث ، فهو ذلك البطل الأمين الذى أفنى حياته فى مقاومة المبتدعين ، حتى أستحق أن تخلع عليه الكنيسة لقب " عمـــــود الدين " .......عندما تحدق به الأخطار ، نراه يقول فى سرور : " إنى قد وطدت نفسى على أن أقبل لأجل المسيح كل أنواع التضحية والعذاب إلى أن الاقى الموت الذى أقبله بفرح من أجل غاية كهذه ...... فلا شىء يخيفنى لا الشتائم ولا الأحتقار ولا التعذيبات أيا كانت ، ولكن يكفينى أن يكون الأيمان كاملا ومحفوظا .
نشأته :
من الثابت أنه أبن أخت البابا ثاوفيلس البطريرك الأسكندرى ال 23 ، ولذلك فقد أعتنى خاله بتعليمه وتهذيبه عناية فائقة ، فألحقه منذ صغره بالمدرسة اللاهوتية بالأسكندرية حتى تمكن من العلوم الدينية والفلسفية ، وبعد تخرجه بعث به إلى وادى النطرون ، فتتلمذ للحكيم سيرابيون ، وبقى معه خمس سنين درس فيها كتب البيعة وأتقن علوم الكنيسة ويقال أنه ذهب بعد ذلك لأثينا حيث تتلمذ للأستاذ ليبانوس – أعظم أساتذة عصره – وعندما سر به خاله رسمه شماسا وكلفه بالقيام بالوعظ فى الكنيسة – رغم صغر سنه – وكان إذا وقف ليعظ يشتهى الشعب أن لايسكت لعظيم أقواله .
تنصيبه بطريركا :
أجمع الشعب على أختياره بطريركا بعد نياحة البابا تاوفيلس وتم ذلك عام 412 م بعد وفاة خاله بثلاثة أيام ! فى عهد الأمبراطور ثيؤدسيوس الصغير .
على أن فريقا من الشعب ، قام عند انتخاب القديس كيرلس بطريركا ، بالمطالبة برسامة تيموثاوس – رئيس الشمامسة – بدلا منه ، ولكن مساعى هذا الفريق انتهت بالفشل وتمت رسامة القديس خليفة لمرقس الرسول ، ومن ثم بدأ جهاده العظيم .
كفاحه فى بداية عهده :
وقد صادفته منذ بداية عهده ، بعض المشاكل الهامة ، ولكنه استطاع بنعمة المسيح أن ينتصر عليها الواحدة تلو الأخرى :
أولا : كانت أمامه كتابات الأمبراطور الفيلسوف يوليانوس الجاحد ، التى دونها فى عشرة كتب ، شحنها بالقذف ضد الوهية المسيح ، وكان الوثنيون يفتخرون بهذه الكتب ، فكتب القديس خطابا للأمبراطور ثيؤدسيوس الصغير أبان له خطورة ما فى كتب يوليانوس من الحاد وتضليل ولم يهدأ حتى قام الأمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير بجمع وحرق هذه الكتب .
على أن البابا لم يكتف بهذا بل أخذ فى تأليف ووضع ميامر كثيرة للرد على كتابات هذا الجاحد ، ولم يهدأ حتى لمس زوال آثار هذه الؤلفات الفاسدة .
ثانيا : وطفق بعد ذلك يكافح أتباع نوفاثيانوس الهرطوقى الرومانى ، الذى كان ينادى برفض توبة جاحدى الأيمان ويأبى أن يحل الناس من خطاياهم ، فأوضح لهم القديس خطأ معتقدهم مبينا لهم أن هذا يعنى أن ننسب لله عدم الرحمة ، ( وكانوا قد نموا فى أيامه كثيرا ورسموا لهم أسقفا أسمه ثيوتمبوس ) فما زال بهم يطاردهم حتى تخلص منهم نهائيا .
ثالثا : ولقد واجه البابا كيرلس ثورة جامحة بين اليهود والمسيحيين ، ففى ذات ليلة أشاع اليهود بنشوب حريق فى كنيسة القديس اسكندر بالأسكندرية ، وعندما سارع المسيحيون إلى الكنيسة قام اليهود بالهجوم عليهم والفتك بهم ، وفى الصباح عندما شعر المسيحيون بما حدث تجمهروا للأنتقام من اليهود وعبثا حاول البابا منعهم ، وأخيرا سمح لهم بطردهم من المدينة ، فتم ذلك وأستولى المسيحيون على معابدهم .
ولما سمع أورستا حاكم المدينة لام البابا كيرلس ، ولكن البابا شرح له ما حدث ، وأنه أنقذ المدينة من حدوث مذبحة كبيرة ، فهدأ الحاكم ، وقام البابا بأهداؤه نسخة من الكتاب المقدس فسر كثيرا .
تكريمه للقديس يوحنا ذهبى الفم :
وكان البابا كيرلس الكبير – فى بداية عهده – متمسكا برأى سلفه الأنبا ثاوفيلس من جهة القديس يوحنا ذهبى الفم ، ولكن بعد دراسة القضية بنفسه وظهرت أمامه براءة القديس يوحنا ذهبى الفم ، فلم يربدا من تكريمه والأعتراف بفضله أمام الجميع ، كما دون أسمه فى قائمة أسماء القديسين الذين يذكرون فى صلوات القداس .
بين القديس كيرلس ونسطور :
ولم يكد القديس يستريح قليلا من جهاده السابق حتى ظهرت " بدعة نسطور " وعندئذ قام يستأنف جهاده ، وانتهز فرصة عيد الفصح عام 428 م وكتب يفند هذه البدعة فى رسالة العيد التى يرسلها الكرسى المرقسى إلى جميع الكنائس فى كل مكان ، كما جاهر بخطأ عقيدة نسطور فى عظته ليلة العيد وقال : " إن مريم لم تلد إنسانا عاديا بل أبن الله المتجسد ، لذلك هى حقا أم الرب وأم اللــــــــه " .
وسر الجميع من رسالة القديس ووقفوا بجانبه يشاطرونه جهاده فى سبيل تثبيت الأيمان القويم
وصلت رسالة القديس إلى نسطور ، ولكنه بدلا أن يدرسها ويقتنع بها سلمها إلى أحد كهنته ليرد عليها مبررا وجهة نظره .
واستمر القديس فى إرسال رسائله ومندوبيه إلى المبتدع نسطور ، وكتب له فى أحد رسائله :
" لو لم تكن أسقفا ما أهتم بك أحد ، ولكنك جالس على كرسى أبن اللــــــه ، فهل يليق بك أن تستغل مركزك هذا فى التهجم عليه بذلك التجديف الذى تعجز عن إثباته ؟ كيف هداك البحث إلى أن المسيح إنسان ؟ ومن أى المراجع أستخرجت هذه البدعة ؟ أمن العهد القديم أم الجديد ؟ ....
" لقد سماه العهد القديم اللــه الأبن ، وأبن الله الآب ، وسماه انجيل يوحنا الأبن الوحيد الذى فى حضن أبيه ، وقال عنه القديس متى : إنه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا ، وشهد عنه القديس مرقس فى انجيله : أنه لما سأله رئيس الكهنة قائلا : هل أنت ابن الله ؟ قال نعم ، أنا هو ، ومن الآن ترون إبن الله جالسا عن يمين القوة ومقبلا على السحاب ليدين الأحياء والأموات ، ألم يقل الملاك للعذراء : إن الذى تلدينه هو من الروح القدس وأنه ابن العلى يدعى ، من الذى حمل خطايا العالم ؟ أليس هو المسيح أبن مريم ، الله الكلمة المتجسد ؟ إن كنت معتقدا أنه نبى مثل موسى ، فهل حمل موسى أو غيره من الأنبياء خطايا العالم كما حملها السيد له المجد ؟ لقد قال عنه بولس : ليس هو انسان ، بل هو الله صار إنسانا ، فهل رأيت الآن كيف أن الجميع قد أعترف بألوهيته ؟ فكيف تنكرها أنت ؟
وتسلم نسطور هذه الرسالة كما تسلم سابقيها ورفض قبول الأخوة الذين حملوها !! وهؤلاء إذ بقوا شهرا كاملا يأملون المثول بين يديه دون جدوى ، عادوا إلى الأسكندرية .
وكتب المبتدع إلى كليستينوس أسقف روما بخصوص تعليمه الجديد ، وهذا أرسل إلى القديس كيرلس يستوضحه الأمر ، إذ كان يدرك ما عليه من علم ومعرفة ، فبعث القديس إلى أسقف روما خطابا مستفيضا أوضح فيه حقيقة نسطور وتعليمه ، وعندئذ عقد كلستينوس مجمعا من أساقفته ، أقر بأقوال القديس كيرلس وحكم على نسطور بالضلال ، وبعث إليه بكتاب نصحه فيه بالعودة عن ضلاله وإلا يعتبر مقطوعا من عداد الشركة كلها أما القديس كيرلس فقد عقد مجمعا مكانيا فى الأسكندرية ، عرضت عليه هرطقة نسطور كما تليت رسائل القديس له وللأساقفة ، فوافق المجمع على رأى القديس كيرلس وأثبت خطأ تعاليم نسطور .
ثم كتب القديس كيرلس أثنى عشر بندا فصل فيها العقيدة المسيحية الصحيحة ، وختم كل منها بحرم من لا يؤمن بها كالآتى :
1. من لا يعترف أن عمانوئيل إله حقيقى وأن البتول القديسة مريم هى والدة الإله حيث ولدت جسديا الكلمة المتجسد الذى هو من الله كما هو مكتوب : إن الكلمة صار جسدا ، فليكن محروما .
2. من لم يعترف بأن كلمة الله متحد مع الجسد كالأقنوم ، وأن المسيح عينه هو لاريب إله وإنسان معا متحد مع جسده ، فليكن محروما .
3. من فصل بعد الأتحاد المسيح الواحد إلى أقنومين ، وقال بأن اتحادهما من قبيل المصاحبة فقط أو بالقدرة أو بالسلطان ، وليس أتحادهما بوحدانية طبيعية فليكن محروما .
4. من فرق بين أقوال المسيح المذكورة ، فى الأناجيل ، وفى رسائل الرسل ، أو نطق بها الأباء القديسون أم قالها المسيح عن ذاته ونسبها إلى أقنومين أو إلى أثنين كل قائم بذاته ويفهم أن البعض منها لائق بالأنسان وحده كأنه غريب عن كلمة الله وأن البعض الآخر ملائم لله فيخصه وينسبه إلى كلمة الآب وحده , فليكن محروما
5. من تجاسر وقال أن المسيح الذى يستعمل سلطانه الألهى هو إنسان ساذج ، ولم يقل أنه إله حقيقى وأبن واحد طبيعى ، الذى كالأتحاد الأقنومى أشترك معنا فى اللحم والدم لكون الكلمة صار جسدا ، فليكن محروما .
6. من قال أن كلمة الآب هو إله أو رب للمسيح ولم يعترف بأن المسيح ذاته إله وإنسان معا كقول الكتاب المقدس : الكلمة صار جسدا ، فليكن محروما .
7. من قال أن الله الكلمة لم يتأنس فى الأنسان يسوع ، وأن عظمة أبن الله الوحيد قائمة فى آخر دونه ، فليكن محروما .
8. من تجاسر وقال إنه ينبغى السجود لأنسان ساذج الذى معه الله الكلمة ، لكونه متخذ منه ومعه تعظم ، ويدعوه أله بحسب واحد فى غيره ، ولم يعترف بأنه ينبغى لعمانوئيل سجود واحد وتمجيد واحد كما ينبغى ، لكون الكلمة صار جسدا ، فليكن محروما .
9.   من قال أن ربنا يسوع المسيح الواحد كان ممجدا من الروح القدس ، بقدرة غريبة عنه ، وأنه بنعمة هذه الروح كان يستعمل تلك القدرة والسلطان على إخراج الأرواح وبه أمتلأ من النعمة الإلهية ، ولم يقل أنه كان ممتلئا من روح خاصة ، التى كان يعمل بها هذه الأيات ، فليكن محروما .
10 - لقد نص الكتاب المقدس على أن المسيح صار رسولا وعظيم أحبار إيماننا ، وأنه قرب نفسه لله من أجلنا ومن أجل خلاصنا ، فمن قال أن كلمة الله الذى تجسد وصار إنسانا كأعترافنا لم يصر رسولا ولا حبرا ، بل قال إن المسيح كان إنسانا ساذجا من إمرأة ، وأنه آخر دون الكلمة ، ومن قال أيضا أن المسيح قرب نفسه لله الآب لأجل نفسه ولم يقل أنه قرب نفسه لأجل خلاصنا نحن البشر فقط لأنه لم يعرف خطيئة وليس بحاجة إلى ذلك القربان ، فليكن محروما .
11 - من لم يعترف بأن جسد الرب هو معطى الحياة لأنه هو كلمة الله ، وقال إنه آخر دونه اجتمع معه ، أو قال إنه كان يعطى الحياة لأن الله الكلمة كان ساكنا فيه غير متحد معه بأتحاد أقنومى ولم يقل كما سبق إنه هو معطى الحياة لكونه صار لكلمة الله خاصة الذى هو قادر أن يحيى الكل ، فليكن محروما .
12 -من لم يعترف بأن الله الكلمة تألم فى الجسد وصلب فى الجسد وأنه ذاق الموت فى الجسد أعنى أن جسده تألم وصلب وذاق الموت ولم يعترف أنه صار بكر الأموات وأنه إله فهو حياة ومعطى الحياة ، فليكن محروما .
***
ولقد بعث القديس كيرلس بهذه البنود إلى نسطور طالبا منه التوقيع عليها ، غير أنه أبى ، وقابل ذلك بكتابة بنود ضدها تؤيد بدعته ، وساعده على ذلك بعض أساقفة أنطاكية ، من معتنقى تعليمه .
وهكذا أنقسمت الكنيسة قسمين ، فكنائس روما وأورشليم وآسيا الصغرى أنضمت إلى جانب القديس كيرلس الأسكندرى ، أما كنيسة أنطاكية فانحازت لنسطور .
وأخيرا أنعقد المجمع المسكونى الثالث وقرر حرم هذه البدعة ، كما سيجىء فى الفصل القادم
نياحته :
عندما عاد القديس كيرلس من مجمع أفسس المسكونى استقبله الشعب بالحفاوة والتكريم ثم عكف على كتابة مؤلفاته العديدة ، كما ظل فى كفاحه ضد النساطرة إلى أن أتم جهاده وأنتقل عام 444 م .
آثاره :
دون قداس القديس مرقس الرسول ورتبه ولذلك سمى بأسمه ، وكتب تفسيرا لأسفار موسى الخمسة ، وسفر أشعياء ،وأسفار الأنبياء الصغار ، كما دون رسائل عديدة فى شرح التثليث والتوحيد ، وسر التجسد المجيد ، ووضع كتابا فى تفنيد أقوال يوليانوس الجاحد ، وآخر فى العبادة الروحية ، ..........وما أحسن ما وصفه به أحد المؤرخين قال : " إنه رجل العمل الرسولى ، لم يأل جهدا ولم يدخر وسعا . فقد برز للجهاد فى فترة لها أهميتها القاطعة فى نمو التعليم المتعلق بالوحى الإلهى ، بل [اسس التعليم المسيحى ، ذلك التعليم الذى كان يدور حول سر الثالوث الأقدس ، وسر التجسد وطبيعة المسيح ، الإله المتأنس " .





جلسات المجمع وقراراتــــــــه :
انعقد المجمع المسكونى الثالث فى مدينة افسس ، بأمر الأمبراطور ثيؤدسيوس الصغير ، وقد حضره مائتا أسقف وتحدد لأفتتاحه يوم عيد العنصرة عام 434 م .
مدينة أفسس :
ومدينة أفسس تقع على ضفاف نهر كايستر الذى يجرى فى الشمال الغربى من آسيا الصغرى ، وقد اشتهرت بوجود هيكل أرطاميس العظيم ، ولقد قدم بولس الرسول إلى المدينة سنة 54 م وشرع يكرز فى مجمع اليهود . واستمر هناك سنتين يحاج الأفسسيين الشديدى التعصب ، وآمن على يديه الكثيرين هناك .
وفى " رؤيا 2 :1 – 11 " يوجد انتهار عنيف وانذار مشدد من رأس الكنيسة العظيم لكنيسة أفسس بسبب فتورها وتقهقرها .
دعوة الأمبراطور لعقد المجمع :
حدد موعد المجمع وأرسل إلى القديس كيرلس ما نصه :
" الملكان القيصران ثيؤدوسيوس وفالنتيانوس المنتصران والقاهران العظيمان يكتبان إلى كيرلس أسقف الأسكندرية : .......... ثم أفرد الأسباب التى دعته لعقد هذا المجمع ، وطلب من الأنبا كيرلس التوجه إلى أفسس ومعه عدد من الأساقفة لحضور المجمع .
وفود الأساقفة :
بعد تحديد موعد المجمع ، بدأ توافد الوفود ، فجاء القديس كيرلس البابا الأسكندرى يصحبه خمسون أسقفا مصريا ، كما حضر المجمع معه : الأنبا شنودة رئيس المتوحدين والأنبا بقطر السوهاجى رئيس دير فاو .. ( ذكر أن القديس كيرلس الأسكندرى قد أوفد الأنبا بقطر هذا ليكون مندوبا عنه فى القسطنطينية لدى الأمبراطور ثيؤدسيوس الصغير ، وقد لعب هذا الراهب دورا هاما فى سبيل توصيل آراء البابا كيرلس وقرارات المجمع الأفسسى إلى الأمبراطور ) . كما جاء يوبيتا ليوس أسقف أورشليم ، فأستقبلهم ممنون أسقف أفسس ( الذى ينحدر من أصل مصرى ) مع رهط من الأساقفة القويمى الأيمان والرأى ، استقبالا عظيما .
كما حضر إلى مقر المجمع نسطور المبتدع ومعه أربعون أسقفا من التابعين له ، وتأخر عن الموعد المحدد يوحنا بطريرك أنطاكية وأساقفته ، وكذا نواب أسقف روما . ولهذا أصضر الآباء إلى تأخير عقد المجمع فى موعده انتظارا لمجىء بقية الأعضاء .
وبعد مضى 16 يوما , أرسل الأساقفة المتأخرين اعتذارا ذاكرين أنهم سيحضرون قريبا ، كما أوفد يوحنا بطريرك أنطاكية أسقفين حملا موافقته على عقد المجمع قبل حضوره ، وفى الوقت عينه كان القديس كيرلس قد تسلم أمرا ملكيا بوجوب عقد المجمع حالا بدون تأخير . عندئذ قرر الأباء جميعا عقد المجمع فى اليوم التالى .
ولأن الأمبراطور لم يحضر المجمع رغبة منه فى توفير الحرية التامة للأساقفة أوفد من قبله الكونت كنديديان لينوب عنه فى حضور المجمع دون التدخل فى شئون الأساقفة .
ويذكر الأنبا ساويرس بن المقفع فى كتابه " تاريخ البطاركة " أن هذا المندوب الملكى كان نسطوريا ، فقبض على القديس كيرلس ومن معه من الأساقفة وسجنهم فى أحد مخازن حبوب القمح بالمدينة ، وتأمل القديس فيما حوله ، فإذا بها كميات كبيرة من القمح ، عندئذ نظر إلى من حوله وقال : " شكرا لله الذى نصرنا ووضعنا فى بيت الحياة !! " ثم بدأ يصلى إلى الله طالبا منه المساعدة والمعونة والهداية للضالين حتى تبقى وحدة الكنيسة .
وإذ وجد كنديان أن القديس كيرلس وأساقفته لم يتأثروا قط من هذا العمل ، أسرع فى إطلاق سراحهم خشية اشتهار الأمر ووصوله إلى مسامع الأمبراطور .
الجلسة الأولى :
عقد المجمع أول جلساته فى شهر يونية عام 431 م ، متخذين الكنيسة الكبرى بأفســـــس ( كنيسة السيدة العذراء ) مقرا لهم ، وكان عدد الحاضرين مائتى أسقف .
ثم طرحت رئاسة المجمع على الأباء ، فأختاروا البابا كيرلس الأسكندرى بالأجماع رئيسا للمجمع ، لما أشتهر به من غزارة العلم ، وقوة الحجة ، فضلا عن متابعته لبدعة نسطور منذ بدايتها .
وعندما كان المجمع يمهد لجلسته الأولى بالصلاة ، أرسل ثلاثة أساقفة لأستدعاء نسطور ، ولكن مندوب القيصر لم يمكنهم من مقابلته ، فأرسل إليه الآباء دفعة ثانية فثالثة ، فأجاب : " بأنه لا يرى لحضوره إلى المجمع لزوما " وأخيرا أرسل إلى المجمع رسالة موقعا عليها منه ومن بعض أساقفته قال فيها أنه لا يمكنه من حضور المجمع قبل وصول يوحنا الأنطاكى وأساقفته " .
ولم يأخذ المجمع بهذه الأدعاءات الواهية لعلمه بسوء نية نسطور كاتبها ، ولأضطراره كما أسلفنا إلى عدم تأخير انعقاد المجمع أكثر من ذلك وأستمر فى عقد جلسته .
أفتتحت الجلسة الأولى بتلاوة رسالة الأمبراطور ثيؤدسيوس الصغير للمجمع : وحث فيها الآباء المجتمعين بفحص دستور الأيمان والأنتهاء إلى الصيغة السليمة التى ترضى أتقياء المؤمنين ، وفوض نيابة عنه الكونت كنديديان لحضور الجلسات دون أن يكون له تدخل فى الشئون الدينية التى يبحثها المجمع ، كما فوض الكونت إيريناوس ليصطحب المبتدع نسطور دون أن يكون له تدخل فى المناقشات ، ولا تكون له صلة بمهمة الكونت كنديديان مبعوث الأمبراطور .
ثم تليت رسائل القديس كيرلس التى بعث بها إلى نسطور ، كما تليت بنوده الأثنى عشر وردود المبتدع عليها ، ثم عرض قرار مجمعى الأسكندرية وروما المكانيين ( اللذين انعقدا ضد نسطور ) فوافق المجمع عليها .
وبدأ الأعضاء فى مناقشة تعاليم نسطور على ضوء كتاباته ورسائله وأقواله المدونة ، فإذا بها تعاليم خاطئة وبعيدة عن الأيمان المستقيم .
واستمر المجمع فى جلسته الأولى هذه حتى المساء ! بينما كان الشعب متجمهر فى الخارج ينتظر القرارات العادلة .
الحــكـــــــم
وقبيل انفضاض الجلسة أصدر المجمع حكمه ضد نسطور قائلا : " حيث أن نسطور كلى النفاق ، قد رفض أن يخضع لصوت دعوتنا إياه . ولم يقبل الأساقفة الذين أرسلناهم إليه من قبلنا . لم يمكننا أن نتأخر عن أن نفحص تعاليمه الآثمة ، وبما أننا قد تحققنا من رسائله وأقواله قبل أفتتاح المجمع ما يبرهن على معتقده الأثيم ، لهذا رأينا بناء على القوانين المقدسة ، أن نبرز ضده هذا الحكم بكل حزن ودموع ، سائلين المولى بواسطة هذا المجمع المقدس أن يعدمه درجة الأسقفية وليكن مفرزا من أى شركة كهنوتية " .
وبعد أن وقع الجميع على الحكم السابق أرسلوا إلى نسطور كتابا قائلين : " من المجمع المقدس الملتئم بمدينة أفسس برحمة الله تعالى وبموجب تعاليم مخلصنا الفادى وبأسم جلالة الأمبراطور الكلى العبادة ، والحسن الديانة ، إلى نسطور يهوذا الثانى :
" إعلم إنه لأجل تعاليمك النفاقية وعصيانك على القوانين قد عزلت وقطعت من هذا المجمع المقدس بموجب قوانين الكنيسة وحكم عليك بأنك عديم الدرجة ومسلوب الوظيفة وغريب من كل خدمة كنسية !!.."
ثم قرر المجلس بحسب التعليم المحفوظ فى الكنيسة منذ عصر الرسل ، أن سر التجسد المجيد قائم فى أتحاد اللاهوت والناسوت فى أقنوم الكلمة الأزلى بدون أنفصال ولا إمتزاج ولا تغيير ، وأن السيدة العذراء هى والدة الإله .
ووضع الآباء مقدمة قانون الأيمان كالآتى :
" نعظمـــك يا أم النـــــــور الحقيقـــــى ، ونمجـــدك أيتهـــــا العـــــذراء القديســــــة والـــــدة الإلـــــــه ، لأنــــك ولدت لنــــا مخلــــــص العــــــالم ، أتى وخلـــــص نفوســــنا ، المجــــــد لك ياسيدنــــا وملكنـــــا المسيـــــح ، فخـــــر الرســــــل ، أكليـــــل الشهـــــــداء ، تهلـــــيل الصديقيـــــن ، ثبات الكنائــــس ، غافــــــر الخطــــايا ، نكرز ونبشر بالثالوث المقدس لاهــــــــوت واحـــــــد ، نســــــجد له ونمجــــــده ، بارب أرحم ، يارب أرحم يارب بارك ، آميـــــــــــن . "
وحكم المجمع أيضا بحرم بيلاجيوس المبتدع مع تعاليمه .
وهنا رفعت الجلسة الأولى . وأعلنت الأحكام للشعب ، الذى فرح كثيرا عندما وقف على حرم نسطور ، وبدأ يهتف للقديس كيرلس بابا الأسكندرية ورئيس المجمع ، وللآباء جميعا الذين ثبتوا الأيمان القويم ، وحرموا التعليم الأثيم .
بدعـــــة بيلاجيوس :
ولد ببريطانيا سنة 405 م ، ورسم راهبا فقسا ، ثم نادى بتعاليم غريبة مضمونها أن خطيئة آدم قاصرة عليه دون بقية الجنس البشرى ، وأن كل انسان عند ولادته يكون كآدم قبل سقوطه ! .. ثم قال أن الأنسان بقوته الطبيعية يستطيع الوصول إلى أسمى درجات القداسة بدون افتقار إلى مساعدة النعمة الألهيــــــة !! .
وبديهى أن فى هذه التعاليم الفاسدة ما يهدم سر الفداء المجيد ويضعف من قيمة دم المسيح ، ويناقض قول الكتاب : " هانذا بالآثام حبل بى وبالخطية ولدتنى أمى " ( مز 51 : 5 ) ، " بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت ( رو 5 : 12 ) ، " كما فى آدم يموت الجميع هكذا فى المسيح يحيا الجميع " ( 1 كو 15 : 22 ) .
ولقد بقى هذا المبتدع زمانا يتنقل من بلدة إلى أخرى وينشر تعاليمه المضلة هذه إلى أن حكم مجمع أفسس بحرمه وبدعتــــــه .
وصول يوحنا الأنطاكى وأساقفته :
لم يقبل نسطور حكم المجمع بل ذهب إلى القسطنطينية ، يحمل معه تقارير خاطئة ، دونها مندوب الملك " كنديديان " ( الموالى لنسطور ) ، وملأها بالطعن فى رئيس المجمع وأعضائه دون أن يثبت فيه شيئا مما قرره الاباء !
وبعد خمسة أيام وصل يوحنا بطريرك أنطاكية ومعه 32 أسقفا ، ولما وقف على حكم المجمع غضب كثيرا ( لأنه كان من أعوان نسطور ) ثم كون مجمعا من أساقفته قرر فيه عزل كيرلس الأسكندرى وممنون أسقف أفسس ، !! ورفض قبول أساقفة المجمع الأفسسى فى شركته إن لم ينزلوا عن قرارهم !!
وبمعاونة مندوب الملك تمكن يوحنا من إرسال قراراته إلى الأمبراطور طالبا التصريح بإعادة انعقاد المجمع من جديد .
ولم تمضى أيام حتى وصل نواب أسقف روما وهم الأسقفان أركاديوس وبروجا كتومس والقس فيلبس .

الجلسة الثانية :
وعندئذ عقد القديس كيرلس الأسكندرى الجلسة الثانية للمجمع الأفسسى المسكونى فى 10 يولية سنة 431 م ، فحضرها مندوبو روما مع الأساقفة .
وبعد أن تليت أعمال الجلسة الأولى ، قرئت رسالة أسقف روما ، ثم تكلم مندوبو روما مؤيدين القديس كيرلس .
استمرار الجلسات :
وفى اليوم التالى عقدت الجلسة الثالثة وفيها وقع نواب روما على حكم المجمع وقرارته ثم عقدت الجلسة الرابعة فى يوم 26 يولية للنظر فيما عمله يوحنا الأنطاكى وأساقفته ولقد أرسـل الآباء لأستدعاء يوحنا دفعتين متتاليتين ، غير أنه رفض الأشتراك معهم .
وفى جلسة تالية أرسل المجمع مرة ثالثة ليوحنا بطريرك أنطاكية ، ولكنه أصر على عدم الحضور وقال : " أنه ينتظر أوامر من الأمبراطور " ، فبحث الأعضاء موقفه من جميع نواحيه ، وأصدروا قرارا بتبرئة القديس كيرلس الأسكندرى وممنون أسقف أفسس كما حرموا يوحنا الأنطاكى .
الجلسة الأخيرة :
ثم عقد المجمع جلسته الأخيرة ، وفيها كتب تقريرا مفصلا عن كل أعماله لإرساله إلى الأمبراطور – مع قرارات المجمع – جاء فيه ما يلى :
" المجمع المقدس المنعقد فى مطرانية أفسس ، بنعمة المسيح إلهنا وأوامر جلالتكم ، يكتب إلى الملكين البارين المحبين للــــــه ثيؤدسيوس وفالينتانوس ........
" إن عظمتكم رغبة فى تثبيت الأيمان . أصدرتم أمركم الكريم إلى المجمع بالشروع فى فحص دستور الأيمان ، ونحن بدافع الغيرة الكاملة قد بذلنا الجهد فى إتباع التقاليد القديمة التى للآباء الرسل وللأنجيليين وكذا التفسير الذى وضعه الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا المجتمعون فى نيقية للأمانة المقدسة ، وبأتفاق كامل وأقناع ثابت أصدرنا قراراتنا التى عرضناها على جلالتكم فى التقارير التى حررناها ، والتى بمقتضاها خلعنا نسطوريوس ، الذى رغم وجود المجمع فى أفسس ، لم يكتم إيمانه الفاسد بل أخذ يذيع تعاليمه المخالفة للأيمان القويم وينشر إيمانه المشئوم ، وكل ذلك عرضناه بالتفصيل على جلالتكم فى التقارير المحررة منا .
" ولكن منذ ظهر الكونت كونديديان ، أخذ يشد إزر نسطوريوس ، ولم يراع مرضاة الله وبره ، وبذل كل جهده فى أن يجتذب سمع جلالتكم لجانبه ، قبل أن تقفوا على فحوى التقارير وقبل أن تعرفوا حقيقة ما جرى ، كما أجتهد أن يبلغ تقواكم ما يتفق مع صداقته لنسطوريوس وما يحقق رغباته ، قبل أن تعرف عظمتكم الحقيقة بالأطلاع على التقارير التى حررناها ، والتى أظهرنا فيها سلامة تصرفاتنا التى لم تصدر بسبب عدائنا لنسطوريوس بل لتثبيت دستور الأيمان الذى حرفه المبتدع فى عظاته وكتاباته وتعاليمه التى نشرها علانية وهى دليل قاطع على هرطقته ، ولذلك حكمنا عليه بالعزل وكان الأنجيل المقدس موضوعا فى وسطنا يذكرنا بوجود السيد المسيح رب الكون بيننا .
" لذلك نتوسل إلى جلالتكم أن تعتبروا أولئك الذين مجدوا الأخلاص للـــــه ، جديرين بكل شكر ، ولقد رأينا أيضا الوقور يوحنا أسقف أنطاكية ، يقدم داعى الصداقة على استقامة الأيمان ، دون الألتفات إلى تحذيرات عظمتكم ، وقد استحال لنا جذبه إلى جانب الأيمان الصحيح الذى وضع منذ البدء ، فضلا عن أنه قد مكث 21 يوما بعد الموعد المحدد لعقد المجمع دون أن يحضر بينما أحترم جميع الأساقفة الأيام التى حددتموها ، وتقدمنا نحن الأرثوذكسيين إلى ألشتراك فى المجمع المقدس متقدين غيرة نحو الأيمان ، وراغبين فى البحث عن حقيقة البر ، ورغم علمنا السابق بعداء الأسقف يوحنا ، وتأكدنا من مجاملة الكونت كونديديان لنسطور ، كنا نشك فى وجود من يضع محبة الناس فوق محبة الله ، ولكن يوحنا الأسقف قد انحاز منذ ابتداء حضوره إلى المجمع إلى آراء نسطوريوس ولا ندرى أكان الباعث له على ذلك صداقته لنسطوريوس أو أشتراكه معه فى إيمانه الفاسد ؟
" ولما أكملنا أعمالنا وحررنا تقارير صادقة لتقديمها لعظمتكم ، قد منعنا كما أسلفنا وذلك بمساعى الكونت كونديديان ........
" وبناء على ذلك نبلغ عظمتكم كل نقطة ......... لأن كل الأساقفة المجتمعين قد أصدروا حكما بإدانة وخلع نسطوريوس طبقا للقوانين الكنسية ، وعددنا مائتين أسقفا حضرنا من جميع أنحاء المسكونة ، وقد اتحد معنا أساقفة الغرب فى هذا القرار ........."
وصول قرارات المجمع إلى الأمبراطور :
لما رأى الآباء أن مندوب الأمبراطور يعمل بكل الطرق الممكنة لعدم وصول القرارات والأحكام إلى القسطنطينية ، فكر الآباء فى فى طريقة يوصلون بها قراراتهم ، فأحضروا شخصا لبس ملابس شحاذ وأمسك فى يده عكازا مفرغا وضعت بداخله القرارات !! ... واستطاع بهذه الحيلة أن يفلت من الحصار الشديد الذى ضربه كنديديان على المدينة كلها ، وأن يصل إلى دلماتيوس العابد الذى كان يجله الأمبراطور كثيرا لقداسته وتقواه .
وأسرع دلماتيوس – عندما وصلته القرارات – فى مقابلة الأمبراطور حيث أطلعه على أعمال المجمع وأحكامه ، فوافق عليها واعتمدها .
ولقد طفق البعض ، يحرضون القيصر ضد المجمع وقراراته ، وأخيرا أنتدب المجمع ثمانية من أساقفته .... كما انتدب يوحنا الأنطاكى والنساطرة ثمانية منهم ، وتقابل الوفدان مع الأمبراطور فى مدينة خلكيدون .
وبعد مباحثات طويلة اقتنع الأمبراطور بصحة أحكام المجمع فثبتها . وأمر بنفى نسطور بعيدا عن القسطنطينية .
القوانين التى وضعها المجمع
فى الجلسات الأخيرة وضع المجمع ثمانية قوانين لسياسة الكنيسة ، قرر فى الستة الأولى منها ايقاع الحرم على كل من ينحرف عن الأيمان القويم ويشارك نسطور فى معتقده الوخيم ، كما وافق على قبول كل من يرذل هذه التعاليم النفاقية ، وأعلن أن ما يجريه الأساقفة المنحرفى الأيمان من رسامات تعتبر باطلة ولا قيمة لها .
وفى القانون السابع تحذير وحرم لكل من تسول له نفسه أن يعبث بقانون الأيمان الذى وضعه الآباء – كأن يزيد عليه أو ينقص منه – أو أن يرفض التمسك به .
وأما القانون الثامن فقد حدد سلطة كل من الأساقفة كما حرم على الأسقف أن يعتدى على حقوق غيره .
وهاهى القوانين التى وضعها المجمع :
1- من حيث أنه قد وجب على الذين تخلفوا عن المجمع المقدس لأجل علة ما ، سواء أكانت كنائسية أو جسدانية ، الأ يجهلوا المراسيم الموضوعة فيه ، لهذا نعلم قداستكم أنه إن كان ميتروبوليت الأبروشية قد عصى على المجمع المقدس المسكونى وانحاز إلى مجمع العصيان ( أى المجمع الذى عقده يوحنا الأنطاكى مع النساطرة ) أو أنه بعد ذلك ينحاز إليه ، أو إن كان قد وافق على رأى كالاسينوس ( أحد أتباع نسطور ) فهذا لا يمكنه أن يضع شيئا ضد أساقفة الأبروشية البتة لكونه منذ الآن قد طرح ونفى من كل شركة كنسية من قبل المجمع وهو معدوم العمل عاطلا ، والمجمع يفوض لأساقفة الأبروشية وللمطارنة الذين حولهم المستقيمى الرأى أمر طرحه بالكلية من درجة الأسقفية أيضا .
2- وأما إن كان البعض من أساقفة الأبروشية قد تأخر عن المجمع المقدس وانحاز إلى ذوى العصيان ، أو انه عزم على أن ينحاز إليهم ، أو أنه بعد أن وقع على على قطع نسطوريوس وحرمه رجع أيضا إلى جماعة المبتدعين ، فعلى ما لاح للمجمع المقدس ، أن مثل هؤلاء يسقطون من درجاتهم الكهنوتية .
3- إذا كان بعض الأكليريكيين الذين فى كل مدينة أو قرية قد منعوا من الكهنوت من قبل نسطوريوس ومشايعيه بسبب استقامة رأيهم ، فقد قضينا لهم عدلا أن يتمتعوا برتبهم الخاصة ، وأننا نأمر الأكليريكيين عموما الذين يعتقدون اعتقاد المجمع المسكونى الأرثوذكسى المقدس ألا يخضعوا البتة للأساقفة العصاة المقطوعين .
4- إن كان قوما من الأكليروس يعصون ويتجاسرون على أن يذهبوا بمذهب نسطوريوس وكالاستينوس أو أن يستميلوا الشعب لأعتناق هذه التعاليم الفاسدة فهؤلاء يعتبرون مقطوعين بحسب حكم المجمع المقدس العادل .
5- إن الذين حكم عليهم من المجمع المقدس أو من أساقفتهم لأعمال ممنوعة وقد حاول نسطور ومشايعوه أن يمنحوهم الشركة فى الدرجة الكهنوتية ، بناء على عدم اكتراثهم بشىء ، فهؤلاء قضينا عليهم عدلا ألا يستفيدوا من ذلك بل فليلبسوا مقطوعين .
6- ونظير ذلك إذا وجد قوم يريدون أن يعملوا بخلاف ما دونه المجمع المقدس الملتئم فى أفسس فى أمر من الأمور ، فقد حدد المجمع المقدس بأنه إن كان مثل هذا أسقفا أو أكليريكيا فليخلع من الكهنوت بالكلية ، وإن كان عاميا فليفرز .
7- بعد تلاوة : " قانون الأيمان " قد حدد المجمع المقدس أنه لا يسوغ لأحد أن يتلو أو يكتب أو أن يؤلف إيمانا آخر غير الأيمان الذى حدده الآباء القديسون الملتئمون فى نيقية بالروح القدس ، وإن الذين يتجاسرون على أن يؤلفوا إيمانا آخر أو يتلوه أو يقدموه للراغبين فى الراغبين فى العودة إلى معرفة الحق من الوثنيين أو من اليهود أو من المنضويين إلى أية هرطقة كانت ، فليفصلوا عن أسقفيتهم إذا كانوا أساقفة ، وليجردوا من درجاتهم إن كانوا اكليريكيين وليفرزوا إن كانوا عاميين ، وإذا أشتهر قوم ، سواء أكانوا أساقفة أو إكليريكيين أو عاميين ، بأنهم يعتقدون أو يعلمون عن تجسد إبن اللـــــــه الوحيد طبقا للتأليف الذى وضعه القس خاريسيوس والذى يحتوى على معتقدات نسطوريوس الملتوية والضالة ، فليكونوا تحت حكم هذا المجمع المقدس المسكونى وذلك بأن يفصل الأسقف من أسقفيته مقطوعا ، ويجرد الأكليريكى من درجته ، ويفرز العامى كما سلف .
8- إن اوريجينوس المشارك لنا فى الأسقفية ، الواد لله وزينون وايواغروس الوادين لله ، أسقفى ابروشية قبرص اللذين معه ، أخبرونا بأمر محدث بخلاف الشرائع الكنسية وقوانين الرسل القديسين ، فلذلك من حيث الأسقام العمومية قد تحتاج إلى علاج أعظم لكونها مؤدية إلى ضرر أعظم ، فإن كان لم يسبق أن أسقف مدينة أنطاكية يعمل الشرطونيات الكائنة فى قبرص – كما أعلم بذلك الرجال الكلى ورعهم القادمون إلى المجمع المقدس كتابة وشفاهة – فليكن لرؤساء وكنائس قبرص المقدسة عم التشويش والأغتصاب حسب قوانين الأباء الأبرار والعادة القديمة ، وهم يشرطنون الأساقفة الكلىورعهم بذاتهم ، وهذا الأمر نفسه فليحفظ فى بقية الأبروشيات الأخرى وفى كل مكان ، فلا يستولى أحد الأساقفة الوادين لله على أبروشية أخرى لم تكن من الأصل تابعة له أو لأسلافه ، بل إذا كان قد تجرأ أحد وأستولى على أبروشية ما وجعلها تحت طاعته بإغتصاب فليردها لكى لا يكون هناك تعدى على قوانين الآباء .... وقد لاح للمجمع المقدس أن تسلم لكل أبروشية حقوقها التى لها منذ زمان خالصة من الأغتصاب بحسب السنة الجارية منذ القديم ، وليكن مأذونا لكل متروبوليت بأن يتخذ صورة الأعمال التى صارت سندا له فى وثاقته ليحصن ذاته بها ، ومن يورد أمرا مخالفا لما حدده هذا المجمع المقدس فلا يعمل به ولا يقبل كلية .
ارفضاض المجمع وعودة الأساقفة إلى كراسيهم :
طلب الأمبراطور من المجمع أن يعين خلفا لنسطور على كرسى القسطنطينية ، فقام الآباء برسامة مكسيميانوس بطريركا عليها ، وهو من أتباع القديس كيرلس الأسكندرى ، ومن مرافقيه إلى المجمع .
وبعدئذ قرر الأمبراطور فض المجمع وسمح للأساقفة بالرجوع إلى مقر ابروشياتهم " فعاد القديس كيرلس إلى الأسكندرية وهناك أستقبله الشعب بالأبتهاج والتهليل مهنئينه بما أحرزه من نصر عظيم فى مجمعه القويم .
بين بابا الأسكندرية وبطريرك أنطاكية :
أستمر الشقاق بين القديس الأسكندرى ويوحنا الأنطاكى فترة من الزمن بعد انتهاء مجمع أفسس ، غير أن الأمبراطور بعث إليهما برسالة يأمرهما بالأتحاد والوفاق ، فأخذا يتبادلان الرسائل حتى وافق يوحنا على قرارات مجمع أفسس . كما وافق على رسالة القديس كيرلس التى أرسلها إليه على يد شماسين ووقع عليها بعد تغيير بعض فقرات بسيطة منها التبس عليه فهمها .
وأرسل يوحنا رسالة للقديس كيرلس مع بولس مطران حمص الذى القى خطابا بليغا فى الأسكندرية بين يدى البابا كيرلس أبان فيه محاسن الأتحاد .
وأخيرا ، تم غقد الصلح بينهما عام 433 م .
على أن بعض الأساقفة الأرثوذكسيين قد عابوا على القديس كيرلس لقبول الصلح مع يوحنا الأنطاكى ، رغم وجود بعض عبارات – فى رسالته – غير واضحة وقد تساهل كيرلس فى قبولها لأتمام الصلح والأتحاد .
ومن تلك العبارات قول يوحنا فى رسالته : " لأنه صار اتحاد الطبيعتين ، فلذلك نعترف بمسيح واحد وبحسب معنى هذا الأتحاد الخالى من الأختلاط نعترف بأن القديسة مريم هى والدة الإله " وقوله أيضا : " أما الأقوال الأنجيليه والرسولية المقولة عن الرب فنعلم أن علماء اللاهوت يجعلون بعضها عامة كأنها ينبغى لأقنوم واحد ويفصلون بعضها لأختلاف الطبيعتين ، وينسبون تلك الواجبة لله للاهوت المسيح وينسبون الوضيعة لناسوته " .
ولقد رأى المعترضون على صلح القديس كيرلس مع البطريرك الأنطاكى فى هذه الأقوال ما يميز بين طبيعتى المسيح ، أما القديس كيرلس فقد أجابهم بقوله : " إن تمييز الطبيعتين لا يقتضى فصلهما بعد اتحادهما كما لا يقتضى اعتبار كل منهما على حدة . وكما لا يقتضى التفريق بينهما ولو بمجرد الفكر " .
ولقد خرج بعض أساقفة الشرق عن طاعة يوحنا الأنطاكى عندما وافق على قرارات مجمع أفسس واتحد مع القديس كيرلس .
ويبدو أن القديس كيرلس قد استراح لعقد هذا الصلح الذى أعاد إلى الكنيسة شيئا من سلامها وأتحادها . ولذلك كتب يقول : " لتفرح السموات ولتبتهج الأرض ، فإن حائط الأختلاف قد هدم ، وأسباب الحزن قد زالت . والمسيح فادينا قد منح السلام لكنائسه " .
+ + +
 

 

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.org
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2016 Coptic Orthodox Church Egypt